Indexed OCR Text

Pages 1-20

فَيَضْ النَّارِيّ
على
2
2
عزب ح التجاري
من أمَالِي الْفِقِيُه المحدّثُ الأستاذ الكبير
إِمَام الْعَصْر الشَّيَخْ عَمَكَأنور الكَشْمِيرِيِ ◌ّ ثم الدّيوَ يَنْديّ المتوفى ١٣٥٢ ٣:٥
جَمَعُ هُذه الأُمَالِى وَحَرَّرُّهَا
ع
حاشية البدر السّاري
إلى فيض الباري
صَاحُبُ الفَضيلة الأسْتَاء مَّ بِدُرَعَالم المبْرِنَّهِي
من أسَائِدَة الْحَديث بتجامعة الإسْلامِيّة بَدَابِهِيلٌ
الجزء الثّالِثُ
يحتوي على الكتب التالية:
الجنائز. الزكاة . الحجّ. العمرة. المحصر. جزاء 00am. فضائل المدينة . الصوم
صلاة التراويح. فضل ليلة القدر. الاعتكاف. البيوع. السَّم . الشفعة
الإجارة. الحوالات. الكفالة . الوكالة. الحرث والمزارعة . المساقاة
الاستقراض. الخصومات. اللُّقطة . المظالم
تنبيه
أدرجنا نص ((صحيح البخاري)» كاملاً وميزناه بحرف أكبر
من حرف الشرح. كما ميزنا ألفاظ الصحيح ضمن الشرح
بوضعها بين قوسين ولوناها بالأحمر. ووضعنا في الحواشي
((البدر الساري إلى فيض الباري)) للأستاذ محمد بدر عالم الميرتهي
منشوراتْ مُحَمَّد ◌َعَلي بيضوت
بَيرُوت
لبْنَان
دار الكتب العلمية.

مَنْشوراتْ محمّد عَلى بيضوت
دار الكتب العلمية بتغير
جميع الحقوق محفوظة
Copyright
All rights reserved
Tous droits réservés
C
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة
ندار الكتب العلمية بيروت - لبنان
ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو
مجزّاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر
أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً.
Exclusive rights by c
Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah Beirut - Lebanon
No part of this publication may be translated,
reproduced, distributed in any form or by any means,
or stored in a data base or retrieval system, without the
prior written permission of the publisher.
Tous droits exclusivement réservés à C
Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah Beyrouth - Liban
Toute représentation, édition, traduction ou reproduction
même partielle, par tous procédés, en tous pays, faite
sans autorisation préalable signé par l'éditeur est illicite
et exposerait le contrevenant à des poursuites
judiciares.
الطبعة الأولى
٢٠٠٥ م. ١٤٢٦ هـ
مَنشوراتْ محمّد علي بيضوت
دار الكتب العلمية.
بَيرُوت - لبْنَان
Mohamad Ali Baydoun Publications Dar Al-Kotob Al-Ilmiyah
الإدارة : رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت
Ramel Al-Zarif, Bohtory Str., Melkart Bldg., Ist Floor
هاتف وفاكس: ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ (٩٦١١)
فرع عرمون، القبة، مبنى دار الكتب العلمية
Aramoun Branch - Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Bldg.
ص.ب: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
هاتف: ١٢ / ١١ / ٩٦١٥٨٠٤٨١٠+
فاكس: ٠٩٦١٥٨٠٤٨١٣
رياض الصلح - بيروت ٢٢٩٠ ١١٠٧
http://www.al-ilmiyah.com
e-mail: sales@al-ilmiyah.com
info@al-ilmiyah.com
baydoun-ilmiyah.com
الكتاب: فيض الباري على صحيح البخاري
FAYDUL - BĀRI ALA ŞAHİH AL-BUHARI
المؤلف: محمد أنور الكشميري
المحقق: محمد بدر عالم الميرتهي
الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت
عدد الصفحات: 3765
سنة الطباعة: 2005 م
بلد الطباعة : لبنان
الطبعة: الأولى
00006
ISBN 2-7451-3896-0
9 782745 138965

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
٢٣ - كِتَابُ الجَنَّائِزِ
١ - بابٌ فِي الجنَائِزِ، وَمَنْ كانَ آخِرُ كَلاَمِه: لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ
وَقِيلَ لِوَهبِ بْنِ مُنَبِّهِ: أَلَيْسَ لَا إِلهَ إِلَّ اللَّهُ مِفتَاحُ الجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلَى، وَلكِنْ لَيسَ
مِفْتَاحٌ إِلَّا لَهُ أَسْنَانٌ، فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحِ لَهُ أَسْنَانٌ فُتِحَ لَكَ، وَإِلَّا لَمْ يُفْتَحْ لَكَ.
١٢٣٧ - حدّثْنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ: حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيمُونٍ: حَدَّثَنَا وَاصِلٌ
الأَحْدَبُ، عَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيدٍ، عَنْ أَبِي ذَرّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلِ:
((أَتَانِي آتٍ مِنَ رَبِّي، فَأَخْبَرَنِي - أَوْ قالَ: بَشَّرَنِي - أَنَّهُ مَنْ ماتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ
شَيْئًا دَخَلَ الجنَّةَ)). قُلتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قالَ: ((وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ)). [الحديث ١٢٣٧ -
أطرافه في: ١٤٠٨، ٢٣٨٨، ٣٢٢٢، ٥٨٢٧، ٦٢٦٨، ٦٤٤٣، ٦٤٤٤، ٧٤٨٧].
١٢٣٨ - حدّثْنَا عُمَرُ بْنُ حَفصٍ: حَدَّثَنَا أَبِي: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ: حَدَّثَنَا شَقِيقٌ، عَنْ عَبْدٍ
اللَّهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ له: (مَنْ ماتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيئًا دَخَلَ النَّارَ)). وَقُلتُ
أَنَا: مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجنَّةَ. [الحديث ١٢٣٨ - طرفاه في: ٤٤٩٧، ٦٦٨٣].
قوله: (من كان آخِرُ كلامِهِ لا إلهَ إِلَّا اللَّهُ ... ) إلخ. واعلم أن هذه الكلمةَ كلمةُ إيمانٍ
وكلمةُ أَذكارٍ فإِذا قالها الكافرُ ليدخل بها في الإِيمان فهي كلمةٍ إِيمانٍ، وإذا ذَكَر بها المسلم فهي
ذِكْرٌ كسائر الأذكار. وعليه قوله ◌َّة: ((أَفْضل الذِّكْر لا إلَهَ إِلَّ اللَّهُ)). والموزونُ في حديثِ البِطَاقة
عندي هو كلمةُ الذِّكْرِ دون الإِيمان(١). فإِنَّ الإِيمانَ لو وُزِن بالكفر فإِنَّه يقابِلُه، فلا يُوزنُ
بالأعمال. ولعلَّ اسمَ اللَّهِ يخرج من كَفَّة الأعمالَ عند الوزن، فإِن اسمَ اللَّهِ لا يُوزَن معه شيءٌ،
وإِنه يَرْجُحُ الدنيا بما فيها. وإنما وُزِن لهذا المُسْرِف على نفسه ليرى أَهْلُ المَحْشَرِ وَزْنَه مرةً.
ولعل هذا الرجل قاله بنهايةِ الإِخلاص فنالَ حَّه منه كاملًا، فإِنَّ الناس وإِن كانوا سواءً في
أَصْل الإِيمان إلا أنهم يختلفون في التلبس بتلك الكلمة على مراتب لا تُحصى. فإِنَّ التَّلُبُّسَ بتلك
الكلمة شيءٌ وراء الإيمان، وهِذا التَّلُّسُ كالتَّلَبُس بالصلاة، كما عند أبي داود - ص ١١٥ -: ((أَنَّ
الرجلَ لينصرفُ وما كُتِبَ له إِلَّا عُشْرُ صلاتِهِ، تُسْعُها، ثُمنها، سبعُها، سدسُها، خمسُها، رِبِعُها،
ثُلُثُها، نصفُها))، وأظنُّ أن يكون مِن الناسِ مَنْ لا يكون له حظّ منها والعياذ بالله.
(١) قلت: وأتذكر أنه قال مرةً: إن الموزون كلمةُ إيمان، والإيمانُ وإن لم يكن موزونًا لكنه وزن لهذا الرجل خاصَّةً
ليعلم أن اسم الله تعالى ماذا وزنه، فغفر اللَّهُ لهذا الرجلٍ، ويظهَر مِثْل هذه العجائبِ كثيرًا في المَحْشَر.

٤
كتاب الجنائز
فالحاصل: أن الفَضْلَ لِلمذكور ههنا لهذا الذِّكْر. ولذا قال الفقهاء: إنها ليست ضرورية
عند الاحتضار، نعم لو ذَكَرها تَحْصُل له هذه الفضيلةُ الموعدةُ إن شاء اللَّهُ تعالى. وفيه قصة أبي
زُرْعَة وأبي حاتم. بل قالوا: ((إنَّ المحتضَرَ لو جَرَت على لسانِهِ كلمةُ كُفْرٍ لا يُحْكُم به، فإِنَّ
الوقتَ وقتُ الشدة، لا يشعرُ الإِنسانُ بما يقول، ولا يدري بما يجري على لسانه. فلا يُحْكم
عليه بشيءٍ في مِثْلِ هذا الأوَانِ.
ثم العبرةُ في كونها آَخِرًا أن يتكلم بِها ثُمَّ لا يتكلمُ بعدها بشيءٍ (١) وإن بقي حيًا، فإِنَّه يَعُدُّ
أنها من آخِر كلامه. نعم إذا قالها ثُم تكلَّم بكلمةٍ أخرى انتهت آخِرِيَّتُه فليُعِدْهَا وليقلها ثانيًا .
والتلقينُ أيضًا لهذا المعنى، أي ليتنبّه المحتضرَ ويتكلم بها ويصيرُ آخِرُ كلامه لا إله إلا الله. ولا
يُشترطُ فيه قولُه: محمدٌ رسول الله، فإنه ليس بِذِكْر وإن كان رُكْنَ الإِيمان، وقد فَصَّلناه في كتاب
الإِيمان.
١٢٣٧ - قوله: (وإنْ زَنَى وإِنْ سَرَقَ) ليس المرادُ منه المؤمنَ العاصي، بل مَنْ كان زَنَى في
زمنِ الجاهلية ثُمَّ أَسْلَم، فإِنّهُ يغفر له ما قدَّم ويدخل جنَّة ربِّه إن شاء اللَّهُ تعالى.
٢ - باب الأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الجَنَائِزِ
١٢٣٩ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَشْعَثِ قالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةً بْنَ
سُوَيدِ بْنِ مُقَرِّنٍ، عَنِ البَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ ◌َهَ بِسَبْعِ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا
بِتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَعِيَادَةِ المرِيضِ، وَإِجابَةِ الدَّاعِي، وَنَصْرِ الْمَظْلُوِّم، وَإِبْرَارِ القَسَّم، وَرَدِّ
السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ العَاطِسِ، وَنَهَانَا عَنْ آنِيَةِ الفِضَّةِ، وَخَاتَمِ الذّهَبِ،َ وَالحِرِيرِ، وَالدِّيبَاجِ،
وَالقَسِّيِّ، وَالإِسْتَبْرَقِ. [الحديث ١٢٣٩ - أطرافه في: ٢٤٤٥، ٥١٧٥، ٥٦٣٥، ٥٦٥٠، ٥٨٣٨، ٥٨٤٩،
٥٨٦٣، ٦٢٢٢، ٦٢٣٥، ٦٦٥٤].
١٢٤٠ - حدّثنا مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ
شِهَاب قالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ وَلَ يَقُولُ: ((حَقُّ المُسْلِم عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ الَّسَّلَامِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ،
وَاتِّبَاعُ الجِنَائِزِ، وَإِجابَةُ الدَّعْوَة، وَتَشَمِيتُ العَاِسِ)). تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقَ قالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ.
وَرَوَاهُ سَلَامَةُ، عَنْ عُقَيلٍ .
وقد علمت ما حقُّ لَفْظِ الاتباع، وأنه أَقْرَبُ بماذَّتِه إلى نظر الحنفية، وأن الخلاف في
المشي أمام الجنازة وخلْفَها في الأفضلية دون الجواز.
١٢٣٩ - قوله: (وإِبرارِ المُقْسِم) وهو إما أن يحلِف بِفِعْلِ الغير فإِذَن يكونُ بنفسِه حالِفًا
(١) رُوِي عن ابن المبارك أنه لما حضرَتْهُ الوفاة جعل رجل يلقِّنُه لا إله إلا الله وأَكْثَر عليه، فقال له عبد الله: إِذا قلت
مرةً فأنا على ذلك ما لم أتكلم بكلام. اهـ. كذا في ((جامع الترمذي)) - ص (١١٢) ج ١ -.

٥
كتاب الجنائز
ويستحب للآخرِ أن يأتي بما حلَف عليه، لئلا يكونَ حانِثًا، وإما أن يحلِف غيرُه وحينئذٍ لا يكون
واحدٌ منهما حالِفًا .
قوله: (وَرَدِّ السَّلام) واتفق الكُلُّ على أن الجواب يكفي من واحدٍ من بين الجماعة مع
ورود صيغ العموم، وهذا هو شاكِلَةُ الصِّيَغ في الفروض على الكفاية، فإِنَّ الخطاب فيها يكون
مع الكل، ويكون المقصودُ الإتيانَ بها من المجموع من حيثُ المجموع. وهذا هو صنيعُ
أحاديثٍ إيجاب الفاتحة، فإنها مطلوبةٌ من المجموع على طريقِ الفَرْضِ علىَ الكفاية، فأخذوها
واجبةً على الكل كَفَرْض العين، ونحوه صنيعُ أحاديثِ السُّتْرة، فإِنَّ الخطاب فيها عامٌ، كأن
وَضْعَ السترة على كلٌّ مع أنها إذا كانت للإِمام خرج الكلُّ عن العُهْدة.
وإنما تردُ تلك الأحاديثُ بهذا العموم لأنَّ المأمور به فيها قد يكون مطلوبًا مِن كلِّ واحدٍ
أيضًا باعتبار أحوالِ الإِنسان، فإِنَّه إذا صلىَّ مُنفرِدًا وجب له أن يَغْرِز السُّترةَ لنفسه، فإِذا كان مع
الجماعةِ فإِمامُهُ قد كفى عن فريضة، وكذلك الفاتحة تجِب عليه عينًا إذا صلَّى لنفسه، وإذا صَلَّى
مع الجماعة صارت مطلوبةً من المجموع، ويتحملُها الإِمام عنه، فصارت قراءتُه له قراءةً. وهذه
اعتباراتٌ يفهمها المُنْصِفُ دون المتعسِّف، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم.
قوله: (وَتَشْمِيتِ العَاطِس) قيل: واجب، وقيل: مستحب.
قوله: (نهانا عن آنية الفضة) والنّهي عن الأواني عامٌّ للنِّساء أيضًا وإِنْ جاز لَهُنَّ الحُلِيّ.
٣ - بابُ الدُّخُولِ عَلَى المَيِّتِ بَعْدَ المَوْتِ إِذَا أُدْرِجَ في أَكْفَانِهِ
١٢٤١، ١٢٤٢ - حدّثنا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قالَ: أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ
وَيُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا، زَوْجَ النَّبِيِّ لَُّ،
أَخْبَرَتْهُ قالَتْ: أَقْبَلَّ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ، حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ
المَسْجِدَ، فَلَمْ يُكَلِّم النَّاسَ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَتَيَّمَّمَ النَّبِيَّ تَّلْ وَهُوَ
مُسَجَّى بِيُرْدِ حِبَرَةٍ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيهِ فَقَبِّلَهُ، ثُمَّ بَكى فَقَالَ: بِأَبِيَ أَنْتَ وأُمِّي
يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَينٍ، أَمَّا المَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا. قَالَ أَبُو
سَلَمَّةَ: فَأَخِبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ وَعُمَرُ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَقَالَ: اجْلِسْ، فَأَبِى، فَقَالَ: اجْلِسْ، فَأَبِى، فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ، فَمَالَ إِلَيهِ النَّاسُ وَتَرَكُوا عُمَرَ، فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمِّدًا وَُّ فَإِنَّ
مُحَمَّدًا وََّقَدْ ماتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّدُ
إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَّ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَلَّ أَعْقَلِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ
[آل عمران: ١٤٤] وَاللَّهِ، لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا
١٤٤
فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّكِرِينَ
يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهَا حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَتَلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ، فَمَا يُسْمَعُ بَشَرٌ
إِلَّا يَتْلُوهَا. [الحديث ١٢٤١ - أطرافه في: ٣٦٦٧، ٣٦٦٩، ٤٤٥٢، ٤٤٥٥، ٤٤٥٧، ٥٧١١]. [الحديث ١٢٤٢
- أطرافه في: ٣٦٦٨، ٣٦٧٠، ٤٤٥٣، ٤٤٥٤، ٤٤٥٧، ٥٧١١].

٦
كتاب الجنائز
١٢٤١، ١٢٤٢ - قوله: (لا يَجْمَعُ اللَّهُ عَليك مَوْتَتَيْنِ) تعريضٌ بِعُمَر رضي الله عنه، فإِنه كان
يُنْكِر موتَه، وقد مرَّ معنا تحقيق مسألة حياة النبيِّ ◌َ بِقَدْرَ الإِمكان فتذكره.
قوله: (﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُّ﴾)، ولا تَمَسُّك فيه للشقي القادياني:
أمَّا أولًا: فبأَنَّ ((الخُلُو)) ليس بمعنى الموت، كما قال تعالى: ﴿أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ [آل
عمران: ١٤٤]. وأما ثانيًا: فبالمعارَضَةِ من قوله تعالى: ﴿مَّا الْمَسِيحُ أَبْنُّ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ ... ﴾
[المائدة: ٧٥] إلخ. فإِنَّ الآيتين نَزَلتا على النبيِّ ◌َّهِ وشاكِلَتُهما واحدٌ، فكما أن الاستثناء في
الآيةِ الأولى أوجَب حياةً نبيِّنا مَّهِ، كذلك الاستثناءَ في الثانية أيضًا أوجَب حياةَ المسيحِ عليه
الصلاة والسلام بدون فَارِق.
وأما ثالثًا: فبقراءةِ ابنِ عباس رضي الله عنه وفيها: ((مِنْ قَبْلِهِ رسلْ)) فلم يَثْبت الاستغراقُ.
وأما رابعًا: فبأَنَّ اللام فيه ليس للاستغراق بل للجِنْس، فإِنه على الأوَّل غيرُ مفيدٍ، لكونِه
استدلالًا من الكليِّ على الجزئيِّ، وإذا تحصلت عِلمًا كليًا فقد استغنيت عن الجزئي، ألا ترى
أنك إذا تيقنت بخُلُو جميع الرسل لم تشك في خُلُو رسول دون رسول، بخلاف ما إذا كانت
اللام فيه للجنس فإِنَّه يكون مفيدًا جدًا، كالتمثيل والاستقراء. وحينئذٍ يكونُ حاصِلُه الاستدلالَ
بِخُلُو جنس الرسل على خُلُو هذا الرسل مثلًا، وهو مفيد كما ترى، مع أن الزَّمَخْشري قد صرَّح
بأن اللام للجنس أو العهد. ثم الاستغراق يُستفاد من القرائن ولا قرينةَ ههنا.
وأما التفتازاني فذهب في ((التلويح)) إلى أنَّ مدلولَ اللام هو تعيينُ المدخولِ بين المتكلّم
والمخاطَب فقط، والأقسامُ الأربعةُ توجّدُ من القرائن، ثُم الموصولُ والإِضافة أيضًا تنقِمُ إلى
تلك الأقسام، فانظر الشرح ((مائة عامل)) المنظوم.
١٢٤٣ - حدّثنا يَحْيى بْنُ بُكَيرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عَنْ عُقَيلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قالَ:
أَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ أُمَّ العَلَاءِ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ بَايَعَتِ النَّبِيَّ ◌َِِّ
أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهُ اقْتُسِمَ المُهَاجِرونَ قُرْعَةً، فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَأَنْزَلنَاهُ في أَبْيَاتِنَا،
فَوَجِعَ وَجَعَهُ الذَّي تُوُفِّيَ فِهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَغُسِّلَ وَكُفْنَ في أَثْوَابِهِ، دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ
صَ الله.
فَقُلتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ
((وَما يُذْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَهُ؟)) فَقُلتُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَنْ يُكْرِمْهُ اللَّهُ؟ فَقَالَ عليه
السلام: ((أَمَّا هُوَ فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ، وَاللَّهِ إِنِّي لأَرْجوُ لَهُ الخَيرَ، وَاللَّهِ ما أَدْرِي، وَأَنَا
رَسُولُ اللَّهِ، ما يُفعَلُ بِي)). قالَتْ: فَوَاللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا. [الحديث ١٢٤٣ - أطرافه
في: ٢٦٨٧، ٣٩٢٩، ٧٠٠٣، ٧٠٠٤، ٧٠١٨].
حذّثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيرٍ: حَدَّثَنَا اللَّيِثُ مِثْلَهُ. وَقَالَ نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عُقَيلٍ: ((ما يُفْعَلُ
بِهِ)). وَتَابَعَهُ شُعَيبٌ، وَعَمْرُوَ بْنُ دِينَارٍ، وَمَعْمَرٌ.
١٢٤٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَال: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قالَ: سَمِعْتُ
مُحَمَّدَ بْنَ المُنْكَدِرِ قالَ: سَمِعْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: لَمَّا قُتِلَ أَبِي

٧
كتاب الجنائز
جَعَلتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ، أَبْكِي وَيَنْهَوْنِي عَنْهُ، وَالنَّبِيُّ ◌ََّ لَا يَنْهَانِي، فَجَعَلَتْ
عَمَّتِي فاطِمَةُ تَبْكِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّةُ: ((تَبْكِينَ أَوْ لَا تَبْكِينَ، ما زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ
بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ)). تَابَعَهُ ابْنُ جُرَيجٍ: أَخْبَرَنَي ابْنُ المُنْكَدِرِ: سَمِعَ جَابِرًا رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ. [الحديث ١٢٤٤ - أطرافه في: ١٢٩٣، ٢٨١٦، ٤٠٨٠].
١٢٤٣ - قوله: (ما يُفْعَلُ بي) دَلَّ على أن المخاطَب إذا لم يكنِ عنده عِلْمٌ مِثْلُ ما عند
المتكلم يجبُ عليه التردد، ولا ينبغي له أن يقعُدَ مطمئنًا مستريحًا، فإنَّ العلم الجملي لا يُغني
ولا يكفي فإِنَّ النبيَّ ◌َُّ وإن كان يعلمُ ما يُفِعلُ به، ولكن لم يكن عنده منه إلا عِلْمٍ جمليٍّ وٍلِم
يُحِط علمه بما في عِلْم الله كما أخبر به اللَّهُ سبحانه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَآءَ﴾،
[البقرة: ٢٥٥] فإذا لم تَحْضُر عنده تفاصيلُ ذلك لم يسكن جأشُه، ولم يبرح مُضطرِبًا مهمومًا
مُتفكّرًا في الآخِرة دائمَ الأحزان لها .
وإنما أراد النبيُّ نَّه من قوله: ((وما يُدريك أنَّ اللَّه أكرمه)) الزَّجْرَ على تجاسُرِه بين يدي
صاحبِ النُّبوة، والجزم بما لا يعلمُ نهايةَ أَمْرَه دونَ الرَّدِّ على إكرامه، فإِنه رجا له الخيرَ. ومِن
هذا الباب قولُ عائشة رضي الله عنها: ((عصفورٌ من عصافيرِ الجَنَّةِ، وقد مرَّ في العلم ما يتعلق
به)» .
٤ - بابُ الرَّجُلِ يَنْعِى إِلَى أَهْلِ المِيِّتِ بِنَفسِهِ
١٢٤٥ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قالَ: حَدَّثَني مالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ
المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِنََّ نَعَىَ النَّجَاشِيَّ في الْيَوْمِ الَّذِيّ
ماتَ فِيه، خَرَجَ إِلَى المُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ أَرْبَعًا. [الحديث ١٢٤٥ - أطرافه في: ١٣١٨،
١٣٢٧، ١٣٢٨، ١٣٣٣، ٣٨٨٠، ٣٨٨١].
١٢٤٦ - حدّثنا أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ حُمَيدِ بْنِ هِلَالٍ،
عَنْ أَنَسٍ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ◌َّةِ: ((أَخَذَ الرَّايَةَ زَيدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا
جَعْفَرٌ فَأَصِيَبَ، ثُمَّ أَخَذُّهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصيبَ - وَإِنَّ عَيْنَي رَسُولِ اللَّهَِِّ لَتَذْرِفَانِ .
ثُمَّ أَخَذهَا خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ مِنْ غَيرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ)). [الحديث ١٢٤٦ - أطرافه في: ٢٧٩٨، ٣٠٦٣،
٣٦٣٠، ٣٧٥٧، ٦٢٤٢].
أي لا بأسٌ بأخبارِ الميتِ بنفسه.
١٢٤٥ - قوله: (نَعَى النَّجَاشِيَّ) واللغويون فَرَّقُوا بين نعاه، ونَعَى إليه، وبه، ولكن مراعاةً
الصِّلاتِ لا يُؤاخَذُ بها في العبارات، أو يقال: هناك النَّغي بالمعنيين.
٥ - بابُ الإِذْنِ بِالجَنَازَةِ
وَقَالَ أَبُو رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((أَلَا
آذَنْتُمُونِي؟».

٨
كتاب الجنائز
١٢٤٧ - حدّثنا مُحَمِدٌ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ الشَّيبَانِيِّ، عَنِ
الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: ماتَ إِنْسَانٌ، كانَ رَسُولُ اللَّهِ لَّه
يَعُودُهُ، فَمَاتَ بِالَّلَّيْلِ، فَدَفَنُوهُ لَيْلًا، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: ((ما مَنَعَكُمْ أَنْ
تُعْلِمُونِي؟)) قَالُوا: كاَنَ اللَّيلُ، فَكَرِهْنَا - وَكَانَتْ ظُلمَةٌ - أَنْ نَشُقَّ عَلَيكَ، فَأَتَى قَبْرَهُ
فَصَلَّى عَلَيه. [طرفه في: ٨٥٧].
وفي ((الهداية)): أَنْ لا بأس بالإِذْن بالجِنازة، فلا بأسَ بالإِعلام إذا كان المطلوبُ تكثيرَ
الجماعة، وأما إذا كانَ فخرًا وريٍاءً فهو ممنوعٌ. ثُمَّ إِنَّ الشارِحين حملوا الإِذن في قول صاحب
((الهداية)) على الإِذْن للمُكْث وِالذَّهاب إلى بيته، ولَا رَيْب أَنَّ مِثْله أيضًا عُلِم من السَّلف، فإِنَّهم
كانوا يُرَخِّصون للناس إذا صَلُّوا. وأخرج المصنّف رحمه الله في هذين البابين عن أبي هريرة
وابن عباس رضي الله عنهما، ومال الحافظ إلى تَعَدُّد حَدِيثهما، وأنهما واقِعتانِ.
٦ - بابُ فَضْلِ مَنْ ماتَ لَهُ وَلَدٌ فَاحْتَسَبَ
وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَبَشِّرِ الصَّبِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥].
١٢٤٨ - حدّثنا أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ النَّبِيُّ وَّةِ: (مَا مِنَ النَّاس مِنْ مُسْلِمٍ يُتَوَفَّى لَهُ ثَلَاثَ لَّمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ،
إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ، بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ)). [الحديث ١٢٤٨ - طرفه في: ١٣٨١].
١٢٤٨ - قوله: (لم يَبْلُغُوا الحِنْث) وتخصيصُ عَدَمِ الحِنْث لشفاعَتِهِ وإن كان الحُزنُ على
الكبير أزيدَ. وثبتت الرواياتُ في فضل مَنْ مات لها ولدٌ وَاحدٌ أيضًا.
١٢٤٩ - حدّثنا مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ الأَصْبِهَانِيِّ، عَنْ
ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النِّسَاءَ قُلنَ لِلنَّبِّ وَّهِ: اجْعَل لَنَا يَوْمًا، فَوَعَظَهُنَّ،
وَقَالَ: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ ماتَ لَهَا ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ، كَانُوا لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ)). قالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَانٍ؟
قالَ: ((وَاثْنَانِ)). [طرفه في: ١٠١].
١٢٥٠ - وَقَالَ شَرِيكُ، عَنِ ابْنِ الأَضْبهَانِيِّ: حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي
هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهِ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ((لَمْ يَبْلُغُّوا الحِنْثَ)). [طرفه في:
١٠٢ ].
١٢٥١ - حدّثنا عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قالَ: سَمِعْت الزُّهْرِيَّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِقالَ: ((لَا يَمُوَتُ لِمُسْلِمِ ثَلَاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ،
فَيَلِجَ النَّارَ، إِلَّا تَحِلَّةَ القَسَمْ)). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: ﴿وَإِن تِّنْكُمْ إِلَّا وَرِدُهَا﴾ [مريم: ٧١].
[الحديث ١٢٥١ - طرفه في: ٦٦٥٦].

٩
كتاب الجنائز
٧ - بابُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِلمَرْأَةِ
عِنْدَ القَبْرِ: اصْبِرِي
١٢٥٢ - حدّثنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا ثابتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ◌َّه بِامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وَهْيَ تَبْكِي، فَقَالَ: ((اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي)). [الحديث ١٢٥٢ -
أطرافه في: ١٢٨٣، ١٣٠٢، ٧١٥٤].
٨ - بابُ غُسْلِ المَيِّتِ
وَوُضُوئِهِ بِالمَاءِ وَالسِّدْرِ
وَحَنَّطَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهمَا ابْنَا لِسَعِيدِ بْنِ زَيدٍ، وَحَمَلَهُ وَصَلَّى، وَلَمْ يَتَوَضَّأُ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: المُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا. وَقَالَ سَعِيدٌ: لَوْ كانَ
نَجِسًا ما مَسِسْتُهُ. وَقَالَ النَّبِيُّ نَّمَ: ((المُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ)).
وحَنَّطَ ابنُ عَمَرَ رضي الله عنه ابْنًا لسعيدٍ بن زيد، وحمله وصلَّى ولم يتوضأ ... إلخ. فيهٍ
رَدِّ على مَنْ زَعم وجوبَ الغُسْلِ والوضوءِ مِنْ غسْل الميت أو حَمْله. قوله: (وقال ابنُ عباس: إنّ
المُسْلِمَ لا يَنْجُسُ) وقد مَرَّ أن المُشرِكَ نَجِسٌ عنده. واتفق الحنفيةُ على نجاسةِ الميت المُشْرِك.
ولهم في غسالة الميتِ المُسْلم قولان: قيل: نجس، وقيل: حُكْمُها حُكْم الماءِ المستعمل،
وحملوا رواية النجاسةِ على مَنْ كانت على بدنِه نجاسةٌ، والأقربُ هو الثاني.
١٢٥٣ - حدّثنا إِسْماعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنِي مالِكٌ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ،
عَنْ مُحَمَّدِ بْنٍ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ
اللَّهِ وَّهِ، حِينَ تُؤُفِّيَتِ ابْنَتُهُ، فَقَالَ: ((اغْسِلنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ إِنْ رَأَيتُنَّ
ذلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلنَ في الآخِرَةِ كافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَأَذِنَّنِي)).
فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ، فَقَالَ ((أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ)). تَعْنِي إِزَارَهُ.
٩ - بابُ ما يُسْتَحَبُّ أَنْ يُغْسَلَ وِتْرًا
١٢٥٤ - حدّثنا مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقْفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ
عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ يَّةَ، وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ، فَقَالَ:
((اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذِلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلنَ في الآخِرَةِ كافُورًا،
فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآَذِنَّنِي)). فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلقَى إِلَّيْنَا حِقْوَهُ، فَقَالَ: ((أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ)). فَقَالَ
أَيُّوبُ: وَحَدَّثَتْني حَفْصَةُ بِمِثْلِ حَدِيثِ مُحَمَّدٍ، وَكانَ فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ: ((اغْسِلنَهَا وِتْرًا)).
وَكَانَ فِيهِ: (ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا)). وَكانَ فِيهِ أَنَّهُ قالَ: ((ابْدَؤُوا بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعَ
الوُضُوءِ مِنْهَا)). وَكَانَ فِيهِ أَنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: وَمَشَطْنَاهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ.

١٠
كتاب الجنائز
١٢٥٤ - قوله: (ومَشَطْناهَا) ولا يجوزُ الامتشاطُ عندنا لما رُوي عن عائشةَ رضي الله عنها :
((على ما تَنْصُون مَوْتَاكُم)) مِن قولها، وذِكْرُ الامتشاط ليس بمرفوع، واستبعده الحافِظُ رحمه الله
تعالی .
قلت: وللحنفيةِ أن يحمِلوا الامتشاطَ على تسويةِ الأَشعارِ بالأيدي، لحصولٍ
غَرَض الامتشاط من التسويةِ، وهذا وإن كان حَمْلًا على المجاز، لكنه ليس ببعيدٍ كلّ
البعد .
قوله: (ثَلَاثَة قُرون) والخلاف في جَعْلها قَرْنين أو ثلاثًا في الأفضلية، وكذا في
القميص .
١٠ - بابٌ يُبْدَأُ بِمَيَامِنِ المَيِّتِ
١٢٥٥ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا خالِدٌ، عَنْ
خَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَن أُمِّ عَطِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ فِي غَسْلٍ
ابْنَتِهِ: ((ابْدَأُنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِع الوُضُوءِ مِنْهَا)) .
١٢٥٥ - قوله: (ومواضِع الوضوءِ منها) وثبت منه الوضوء أيضًا، إلا أنَّ المشايخ تَرَدُّدوا
في المضمضة والاستنشاق لِتعسّرهما في الميت، ثم أخرجوا لهما سبيلًا أيضًا.
واعلم أنه لا توقيتَ في غَسْل الميت عند مالك رحمه الله، وإنما هو التطهيرُ فقط بما
حصل، وما رُوي فيه محمولٌ عنده على الاتفاق. وأعجب منه ما نقله ابنُ العربي عن مالك
رحمه الله (١) أَن التثليث في وضوء الحي أيضًا ليس بِسُنةٍ كما في الميت، مع إقراره بِثُبوت
(١) قال أبو بكر بن العربي في ((العارضة)) ص (٦٢) ج ١ -: وقال مالك في المروية: تجوزُ الواحدةُ، وقال: لا أحبُ
الواحدةَ إلَّا من العالم، وقال في ((سماع أشهب)»: الوضوءُ مرتان وثلاث، وقيل له: فالواحدة؟ قال: لا. وقال
في ((مختصر ابن عبد الحكم)): لا أحبُّ أن ينقص من اثنتين إذا عمتا. ثم قال: رُوي عن النبيِّ ◌َِّأنه توضأ مرةً،
ومرتين وثلاثًا. وذلك قولهم لا يخلو إما أن يُعَيِّرونه عن الغُرَفات، أو عن استيعاب العضو كل مرة، ولا يجوز أن
يكون إِخبارًا عن استيعاب العضو، فإِنَّ ذلك أمرٌ مغيب لا يصح لأحد أن يعلمه، فعاد القول إلى أعداد الغرفات،
فلأجل ذلك قال ابن القاسم: لم يكن مالكٌ يوقِّت في الوضوء مرةً، ولا مرتين، ولا ثلاثًا إلَّا ما أسبغ. وقد
اختلفت الآثارُ في التوقيت إشارةً إلى أن التعويل على الاسباغ، وذلك يختلفُ بحسب اختلاف قَدْر المعرفة،
وحال البدن في الشَّعَت والسَّلامة، وحال العُضْو في الاعتدال أو الاختلاف، ولذلك رُوي في حديث عبد الله بن
زيد: ((أن النبيَّ مَلِ غَسَل وَجْهَه ثلاثًا ويديه ورجليهِ مرتين، لأن الوَجْه ذو غضون لا يمر الماء عليه مسترسِلًا
مستحظًا، فافتقر إلى زيادة غرفة، فيحقق الاسباغ بها، بخلاف اليد والرجل، فإنها معتدلةٌ مستحطةٌ، فيجري الماء
عليه سمحًا فيمكن إيعابها بقليل الماء . - وقال في الجنائز من حديث أُمّ عطية: ((أغسلنها وِتْرًا ثلاثًا، أو خَمْسًا،"
أو أكثر من ذلك))، أنَّ المشروعَ هو الوِتْر، لأنَّ نَقَلَهنَّ من الثلاث إلى الخمس، وسكت عن الأربع، وكذلك معي
وظائف الشرع وَتْرٌ وخاصّة في الطهارة، وليس في الشريعة غَسْلٌ محددٌ إلا أن يكون وضوءًا - ص (٢٠٩) ج ٢ -.

١١
كتاب الجنائز
الاستمرار على التَّثْلِيث، وقال: إن المقصودَ هو الاسباغُ فقط، ونحوه اشتراطُ المِصْرُ(١) لإقامة
الجمعة عندنا .
١١ - بابُ مَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنَ المَيِّتِ
١٢٥٦ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ مُوسى: حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفيَانَ، عَنْ خالِدِ الحَذَّاءِ، عَنْ
حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَّتْ: لَمَّا غَسَّلْنَا بِنْتَ النَِّّ ◌ََّ قَالَ لَنَا،
. وَنَحْنُ نَغْسِلُهَا: ((ابْدَؤُوا بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِع الوُضُوءِ».
١٢ - بابٌ هَل تُكَفَّنُ المَرْأَةُ في إِزَارِ الرَّجُلِ
١٢٥٧ - حدّثنا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ حَمَّادٍ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ
قالَتْ: تُوُفِّيَتْ بِنْتُ النَّبِيِّ وَّةِ فَقَالَ لَنَا: ((اغْسِلنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ إِنْ
رَأَيْتُنَّ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآَذِّنَّنِي)). فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَنَزَعَ مِنْ حِقْوِهِ إِزَارَهُ، وَقَالَ: ((أَشْعِرْنَهَا
إِيَّاهُ)) .
والحديث فيه وإن لم يكن صريحًا في تقديم الوضوء، إلَّا أَنه يُمْكِنُ الاستئناس به.
(١) يقول العبد الضعيف: وقد كان الشيخ رحمه الله تعالى هَمَّ بتصنيف رسالةٍ مستقلة على هذا الموضوع، فإِنه مهمٌّ
جدًا، فإن الجمعةً من شعائر الدين لا يتحمل الاختلاف فيها، لأنها إِن أقيمت في الأمصار فقط فمن يقيمُها في
القُرى، وإن أقيمت في القُرَى أيضًا فمن شرط لها المصر، وبالجملة الاختلاف فيه مما يُفْضي إلى التعجب.
وكان رحمه الله قد جمع مادتها كلَّها، وأَذاع اسمها أيضًا وهو ((اللمعة في الجمعة)). إلا أنه اختطفتهُ المنايا قبلها،
فبقيت كذلك في الأوراق كأنها لم تكن شيئًا مذكورًا، ومزيد الأسف على عدم وجدان مسودتها أيضًا، لاندري
أهي موجودةٌ أم اغتالتها أيدي الضياع؟ ولم أسمع منه فيه شيئًا ولا وجدت حرفًا إلا قطعات منتشرة سنذكرها.
وقد ذكرت بعضها أيضًا، فهي ضالة الحكيم مَن استطاع أن يبني عليها بناء فلينظرها بعين الإنصاف.
وحاصله: على ما أرى: أن الجُمعاتِ وإن أقيمت في الأمصار فقط في عهد صاحب النبوة إلا أن الأنظار دارت
فيها، أن إقامتها في الأمصار كانت على طريق الاتفاق، أي لم يتفق لهم إقامتُها في القرى، ومَنْ أراد منهم
الجمعةَ أتى المِضْر فصلًّاها مع أهل المصر، أو على معنى شرطيتها، فذهب اجتهاد الإِمام أبي حنيفة رحمه الله
تعالى أنها كانت على طريق الشرطية دون الاتفاق، ومَنْ رآها واسعةً في المِصْر والقُرَى حَمَلها على الاتفاق فقط.
ولا بُعْد فيه، فكم من أَشياءً يستمرُّ بها العملُ، ثم يسري الاجتهاد فيها، كالتثليث في الوضوء، كيف استمر به
العملُ خَمْسَ مراتٍ في كل يوم، ومع ذلك سرى فيه الاجتهاد أنه لمعنىّ في هذا العدد بعينه. أو للإسباغ فقط:
فذهب إِمام من الأئمة أنه للإسباغ فقط، فهذا مما يمكن فليقس عليه حالُ الجمعة أيضًا، فإِنها إذا أقيمت في
الأمصار عامةً ولم يشتهر إقامتها في القرى في عهد النبوةٍ، إِمَّا لأداء الناس إياها خَلْف الأئمة في الأمصار كما
مرَّ من قبل، أو لمعاني كانت هناك سرى فيها الاجتهاد فيما بعد، فمنهم مَنْ لم يجوِّزها في القرى ورأى المِصْر
شَرْطًا، ومنهم مَنْ رآها واسعًا وحمل إقامتها في الأمصار على الاتفاق فقط، ثم توجهت الأذهان إلى إثباتها في
القرى في عهد النبوة أيضًا، وهذا مما فُطر عليه الإنسان، أنه إذا رسخ شيءٌ في بواطنه أولًا طَلَب له دليلًا من
عهد النبوة، وليمعن النظر فيه هل يكفي ويشفي ولعل اللَّهَ يُحدِث بعد ذلك أمرًا. اهـ.

١٢
كتاب الجنائز
١٣ - بابٌ يَجْعَلُ الكَافُورَ في آخِرِهِ
١٢٥٨ - حدّثنا حامِدُ بْنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ
عَطِيَّةَ قَالَتْ: تُوُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ ◌َِّ، فَخَرَجَ فَقَالَ: ((اغْسِلنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ
أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلِنَ في الآخِرَةِ كافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كافُورٍ، فَإِذَا
فَرَغْتُنَّ فَاذِنَّنِي)). قالَتْ: فَلَمَّا فَرَغْنَاَ آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَينَا حِقْوَهُ، فَقَالَ: ((أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ)). وَعَنْ
أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: بِنَحْوِهِ.
١٢٥٩ - وَقَالَتْ: إِنَّهُ قالَ: ((اغْسِلنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكْثرَ مِنْ ذلِكَ
إِنْ رَأَيْتُنَّ)). قالَتْ حَفصَةُ: قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَجَعَلنَا رَأْسَهَا ثَلَاثَةً قُرُونٍ .
وفيه دليلٌ على أن الماء لا يكون مقيّدًا مِن خَلْط الكافور، خلافًا للشافعي.
١٤ - بابُ نَقْضِ شَعَرِ المَرْأَةِ
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَا بَأُسَ أَنْ يُنْقَضَ شَعَرُ المَيَّت.
١٢٦٠ - حدّثنا أَحْمَدُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيج: قالَ
أَيُّوبُ: وَسَمِعْتُ حَفِصَةَ بِنْتَ سِيرِينَ قالتْ: حَدَّثَتْنَا أُمُّ عَطِيَّةَ رِّضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّهُنَّ جَعَلنَ
رَأُسَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، نَقَضْنَهُ ثُمَّ غَسَلنَهُ، ثُمَّ جَعَلنَهُ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ.
١٥ - بابٌ كَيفَ الإِشْعَارُ لِلمَيَّتِ
وَقَالَ الحَسَنُ: الخِرْقَةُ الخَامِسَةُ يَشُدُّ بِهَاَ الفَخِذَينِ وَالوَرِكَيْنِ، تَحْتَ الدِّرْعِ.
١٢٦١ - حدّثنا أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيجٍ: أَنَّ أَيُّوبَ أَخْبَرَهُ
قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ سِيرِينَ يَقُولُ: جاءَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِنَ
اللَّتِي بَايَعْنَ، قَدِمَتِ البَصْرَةَ، تُبَادِرُ ابْنَا لَهَا فَلَمْ تُذْرِكْهُ، فَحَدَّثَتْنَا قالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا
النَّبِيُّ نَّةِ وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ فَقَالَ: ((اغْسِلنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ
ذِلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلنَ في الآخِرَةِ كَافُورًا، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَاذِنَّنِي)). قالَتْ: فَلَمَّا فَرَغْنَا،
أَلقى إِلَيْنَا حِقْوَهُ، فَقَالَ: ((أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ)). وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذلِكَ، وَلَّا أَدْرِي أَيُّ بَنَاتِهِ. وَزَعَمَ
أَنَّ الإِشْعَارَ الفُفنَهَا فِيهِ. وَكَذلِكَ كانَ ابْنُ سِيرِينَ يَأْمُرُ بِالمَرْأَةِ أَنْ تُشْعَرَ وَلَا تُؤْزَرَ.
والشِّعَار ثوبٌ يلي الجسد، وهو عندنا قميصٌ للرجل والمرأة، ويُعَبِّرُ عنه الفقهاءُ في النساء
بالدِّرْع(١). وما كان يظهَرُ لإِطلاق القميص في الرجال والدِّرع في النساء وَجْهٌ وجيه، حتى رأيتُ
(١) يقول العبد الضعيف: وعُلِم منه أَنَّ الدِّرْع كانت لِبْسة مخصوصة بالنِّساء، فهل يجوزُ للرجال أن يشقوا على
المنكبين؟ وما أتذكر فيه عن شيخي رحمه الله تعالى إِلَّا أن يكون فرق بحسب العرف، فإِن شاع الدِّرع في النساء
يكره للرجال أن يشقوا قميصهم من المنكبين وإلا لا. اهـ.

1
١٣
كتاب الجنائز
أن الشيخ ابنَ الهُمام مرَّ في باب النفقة على لَفْظ الدِّرْع. وفَسَّرَهُ بما يكون الشِّقُّ فيه على
المَنْكِبين، والقميص بما كان شِقُّه على الصَّدْر، حينئذٍ تَبيَّن لي وَجْه اختلاف التسمية في
النوعين .
وعند الشافعية الكَفَنُ عبارةٌ عن ثلاثِ أرديةٍ سابغةٍ مِن القَرْن إلى القدم ولا فَرْق بينهما إِلَّا
بالتسمية. فإِذن الشِّعارُ عندهم رداءٌ يلي الجسد، وعندنا هو قميصٌ من العنق إلى القدم كما
عرفت. ثم لا يُخْفَى عليك أن القميص المعروف في بلادنا لا تكون فيها خياطةٌ ولا تمسها إبرةٌ،
إنما هو رداءٌ مشقوقٌ فقط، نعم يلبس به الميتُ كالقميص.
وفي كتب الفقه: أن قميص الميت كقميص الحي، إلا أنه لا يكون فيه دِخْرِيص، لأن
الميتَ لا يحتاجُ إلى المَشي وغيره. ولم يصرح واحدٌ منهم أنه لا يخاط أيضًا، وظاهر كلماتهم
أنه يُخاط، مع أن التعاملَ بخلافه، فلا أدري أنهم تسامحوا في التعامل فلم يخيطوه، أو تُسُومح
في عباراتهم، فإن ظاهِرَها الخياطة. ومن ههنا علمت أن إطلاقَ القميصِ عليه لكونه يُلْبس
كالقميص، وإلا فهو رداءٌ مشقوق، وحينئذٍ لا تَرِد عليك الرواياتُ التي فيهاَ نَفْي القميص، لأنه
يصح لك أن تقول: إنه رداء وليس بقميص، نظرًا إلى عدم الخياطة، وعدم الدِّخرِيص، ويصح
لك أن تقول: إنه قميص نظرًا إلى الشِّق واللَّيْسَة. فهذا تأويلُ هذه الروايات وإن كنتُ لا أرضى
به. والصواب عندي أن تُحمل على ظواهرِها، فإِنَّ الخلاف في الأفضلية دون الجواز، وللفقيه
أن يُرجِّح واحدًا منهما، وسيجيءٌ الكلامُ فيه.
ثم ههنا بَحْثٌ للشيخ ابن الهُمَام وهو: أن الإِزار إذا كان اسمًا شرعيًا - وقد علم أنه للحيِّ
ما يسترُ النِّصْفَ السافل، والرداء ما يسترُ النصف العالي - فمن أين أَخَذَ الفقهاءُ كونَها في الميتِ
رداءين سابغين مِن القَرْن إلى القدم؟ أقول: وحاصِلُه التشديدُ في التسمية فقط، وليس بشيء، فإِنَّ
العمل إذا فَشى بالرداءين من غير نكيرٍ فهو المراد، سواء سميتها بالرداء والإزار أو غير ذلك.
والاتحاد في التسمية فقط لا يوجب أن يكون إزارُ الميت ورداؤه أيضًا كالحيّ، فإِنَّ اختلافَ
اللِّبسة بينهما أَمْرٌ معروفٌ، والفاصل هو التعاملُ دون التسمية. فالذي لا بد للميت هو: الإِزار
والرداء المعروفان فيه دون ما هو المعروف في الحيِّ، وغايته الكلام في التسمية، أي ينبغي أن
لا يُسمَّى هذان الثوبان إزارًا ورداءً، لا أنه ينبغي أن يكون ثيابُ الميت كثيابِ الحيِّ الواحد في
الأعلى، والآخر في الأسفل، فإِنه لم يعهد من ثياب الميت، كذلك ولم يَجْرِ عليه التعاملُ
بذلك.
ولو نظر الشيخ رحمه الله تعالى إلى قوله: ((وزَعَمَ أَنَّ الإشْعَارَ الْفُفْنَهَا)) لم يبحث هذا البحث،
فإِنَّ المرادَ منه اللَّفُّ فقط. وكذا ما ذكره ابنُ سيرين رحمه الله تعالى من قوله: ((أَنْ تُشْعَرَ ولا تُؤْزَرَ))
أي لا يُجْعَل مِثْلُ الإِزار بل يُلَفُّ به، فهم لا يريدون بالقميص والإِزار أن يؤتى بتلك الثياب المهيأة
مِن قَبْلُ ليلبس بها، ولكنهم أرادوا أن تؤتى بثياب يلبس الميت بها كما يلبس القميص والإِزار، ففيه
هيأةُ الإِلباس لا عينُ هذا اللُّباس. ثم إنه ليس في الحديث إلا قوله: ((أَشْعِرْنَها)) أي اجعلنها شِعَارًا .
أما إنه ما كيفيتها مِن كونها ساترةً للنِّصْفِ أو سائِرِ البَدَنِ فليس فيه أصلًا .

١٤
كتاب الجنائز
قوله: (وقال الحَسَنُ الخِرْقَة ... ) إلخ. واختلف في موضعها في الفقه: وراجع له
الكبيري. ويعلم من قوله الحسن إنها مِن الحقو إلى الركبتين، وهو مذهبُ زفر رحمه الله تعالى،
وهو الذي اختاره البخاري. وهذا أحد الموضعين الذين وافقه البخاري فيه. والثاني في الحيل،
وفيه تردُّد. وهذا القول هو الأقرب، فإِنَّ المقصود منها سَتْرُ العَجيزَة.
١٦ - بابٌ يُجْعَلُ شَعَرُ المَرْأَةِ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ
١٢٦٢ - حدّثنا قَبِيصَةُ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ هِشَام، عَنْ أُمِّ الهُذَيلِ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةً
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: ضَفَرْنَا شَعَرَ بِنْتِ النَّبِيِّ ◌َّةِ، تَعْنِّي ثَلَاثَةَ قُرُونٍ. وَقَالَ وَكِيعٌ: قَالَ
سُفِيَانُ: نَاصِيَتَهَا وَقَرْنَيهَا .
١٧ - بابٌ يُلقَى شَعَرُ المَرْأَةِ خَلفَهَا
١٢٦٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّان قالَ: حَدَّثَتْنَا
حَفْصَةُ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: تُؤُفِّيَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ وََّ، فَأَتَانًا
النَّبِيُّ وََّ، فَقَالَ: ((اغْسِلنَهَا بِالسِّدْرِ وِتْرًا، ثَلاثًا أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ إِنْ رَأَيتُنَّ
ذلِكَ، وَاجْعَلنَ فِي الآخِرَةِ كافُورًا، أَوْ شَيئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي)). فَلَمَّا فَرَغْنَا
آذَنَّاهُ، فَأَلقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ، فَضَفَرْنَا شَعَرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، وَأَلْقَيْنَاهَا خَلفَهَا .
واعلم أن الاختلافَ على ثلاثة أنحاء اختلاف جواز - وهو أشدها - واختلاف أفضلية،
واختلاف اختيار. والاختلاف في هذه المسألة من النوع الثاني، وقد وَرَد الأَمْرُ بالنَّحْوين ثُم
رجَّح الفقهاءُ مختاراتِهم من الوجوه الفقهية فلينظر فيه الناظر: أنَّ الأحاديثَ إذا وردت بالأمرين
فهل للفقهاءِ أن يرجِّحوا واحدًا منهما من اجتهادهم، أو لا بدَّ لهم فيه من حديث مُرجِّح؟ والذي
يظهَر من صَنِيعهم أنهم يجوِّزون الترجيحَ من الاجتهاد أيضًا .
ويمكن أن يكون الخلافُ فيه من النوع الثالث أيضًا، أي العمل بما راج ببلدته مع قَطْع
النَّظر عن تَتَبُّع الأَفضل، فإِن الإنسانَ فُطِر على الحب بما عَمِل به عُلماءُ بلدته، وعليه اختياراتُ
المذاهب. ألا ترى إلى ملك رحمه الله تعالى فإنه إذا كان بالمدينة - شَرَّفها الله - يُراعي عَمَلَ
بلدته أكثرَ مما يراعي بما سواه، ويَزْعُمه فاصلًا في الباب. وكذلك الشافعي رحمه الله تعالى
يَعْمل بما عَمِل به أهلُ الحجاز، ونحوه أبو حنيفة رحمه الله تعالى يعض على ما عَمِل به
الصحابةُ رضي الله عنهم في بلدته. ولعل رَفْعَ اليدين وتَرْكه أيضًا من هذا الوادي. جَرى كُلٌّ بما
رأى أهلُ بلدته يفعلُه مِن رَفْعِ أو تَرْك، وقد حققناه سابقًا .
ومن ههنا علمت أن اختلافَ الاختيار غيرُ اختلاف الأفضلية. وقد تحقق عندي أن
التلامذةَ في السلف كانوا يأخذون بعمل شيوخهم، وهكذا عُلِم مِن حالٍ بعض الصحابة رضي الله
عنهم أيضًا .

١٥
كتاب الجنائز
فائدة
واعلم أن ابن إدريس من أوداء مالك رحمه الله تعالى، وهو مِن أهل الكوفة، وما يقوله
مالك من قوله: ((بلغنا)) فإنه يأخذ منه، وكذلك ما ينقله من عمل عليٍّ رضي الله عنه فإِنما يأخذه
عن ابن إدريس هذا .
١٨ - بابُ الشِّيَابِ البِيضِ لِلكَفَنِ
١٢٦٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَلِكُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ
سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ، لَيسَ فِيهِنَّ قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. [الحديث ١٢٦٤ - أطرافه في: ١٢٧١،
١٢٧٢، ١٢٧٣، ١٣٨٧].
والأَحسن بِحَسَب الألوان هو البياضُ.
١٢٦٤ - قوله: (سَحُولية) قرية في اليمن.
١٩ - بابُ الكفَنِ في ثَوْبَينِ
١٢٦٥ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: بَينَما رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ، أَوْ
قالَ: فَأَوْقَصَتْهُ، قالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ في ثَوْبَينٍ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ،
وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا)). [الحديث ١٢٦٥ - أطرافه في: ١٢٦٦، ١٢٦٧،
١٢٦٨، ١٨٣٩، ١٨٤٩، ١٨٥٠، ١٨٥١].
وقَسَمُه الحنفيةُ على ثلاثةِ أنحاء: كَفن سُنَّة، وكِفاية، وضرورة، والثَّوبان هو الثاني،
والتفصيل في الفِقْه.
١٢٦٥ - قوله: (ولا تُخَمِّرُوا رَأْسَه). واعلم أنهم اختلفوا فيمن مات مُحْرِمًا (١).
فقال الشافعيّ رحمه الله تعالى: إنه لا يُخمَّر رَأسُه لأنه من محذورات إِحرامِه، فيراعي فيه
سبيلُ الأَخياء، وتمسك بهذا الحديث.
(١) ونعم ما قال القاضي أبو بكر بن العربي في ((العارضة)) - ص (١٢٥) ج ٤ -: ولو عَلِمنا أَنَّ إِحرامَ كُلِّ ميتٍ باقٍ،
وأَنّهُ يُبعث يُلبي، لقلنا بمذهب الشافعيِّ رحمه الله تعالى في بقاء حُكم الإِحرام على كُلِّ ميتٍ مُحْرم. والنبيُّ ◌َه
إنما عَلَّلَ إِبقاء حُكْم الإِحرام عليه بما عَلِم: أنه يُبْعث وهو يلبي. وهو أمر مُغَيِّب، فلم يصحَّ لنا أن نَرْبط به حُكْمًا
ظاهِرًا. اهـ. ومن العجائب ما ذكره ابنُ العربي في قصة حمزة رضي الله عنه فقال: إنها تدلُّ على أن الأصل في
الشهداء. عدمُ اللَّفن، وإنما دفن النبي ◌ٍَّ لأجل المصالح، وستأتي عبارته. قلت: ولو حَمَلها على ما حملها
الشيخ رحمه الله تعالى لما احتاج إلى التزام هذه المسألة.

١٦
كتاب الجنائز
وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إذا مات الإِنسانُ انقطع عنه عَمَلُه، فيكون كسائر
الأمواتِ فيُخَمَّر رأسُه أيضًا. والحديث حَمَلُوه على التخصيص، فإنه ليس لكل أَحَدٍ أن يُقْطَع فيه
بأنه يُبعث أيضًا يوم القيامة على ما مات عليه من العمل. وإنما فاز رجلٌ بهذه البشارة لمكان
النبيِّ وَّةَ، والبشاراتُ لا تكون ضوابطَ لِيَعْمل بها كُلُّ عامل، ثُمَ يَرْجُو بها، ولكنَّها من حقائقٍ
الغيب تكونُ مِودَعةِ لواحدٍ غَيْرٍ مُعَيَّن في الظاهر، ومُعَيَّن عند الله العظيم، فإِذا وقعت لواحدٍ لا
يبقى فيها حَظِّ للآخر. أَلا ترَى إلى قوله: ((سَبَقَكَ بها عُكَّاشَةُ)). فإِن البِشارة بتلك المنزلةِ قد
كانت سَبَقَت لواحدٍ ذي نصيبٍ، فبادَر إليها عُكّاشة ففاز بها، فإِذا أَرادها آخَرُ منهم، أجيب أنها
كانت لواحدٍ في عِلْم اللّهِ وقد صارت له.
وكقوله: اقبلوا البُشْرَى بني تميم. فقالوا: إِذا بَشَّرْتَنا فَأَعْطِناه))، فجاءه أَهْلُ اليمن فقال
لهم: ((اقبلوها أنتم إذا لم يَقْبَلْها بَنُو تميم)). فَقَبِلُوها فصارَتْ لهم.
وأظنُّ أن قوله ◌َّ في حمزةَ رضي الله عنه: («لولا صفيةُ لَتَركْتُه تأكُلُه السِّباع حتى يُحْشَرَ يومَ
القيامةِ من بطونِها)) من هذا الباب، فإِنه لو تَرَكه لكانَ مُختصًّا به ولم يكن مسألة وشريعةً مستمرَّةٌ
في الشهداء.
ومن هذا الباب ما في بعض ((التذكرة)): أن رجلًا رأى سيبويه في المنام فسأله عن مغفرَتِهِ،
فقال: غُفِر لي، فسأله عن سَبَيِها، فأجابه أَنَّه اختار أَنَّ اسمَ اللَّهِ مُرْتَجِل. فلو حاكاه أَحدٌ الآن،
وجعل يكتبُ عليه رسالةً ثُم يَدَّعِي المغفرةَ لنفسه لأنه غُفِر لفلانَ بِمِثْله، فإِنه أَحْمَق، أَلا يَدْري
أنها كانت بِشارةً فاز بها سِيبويه، وليست ضابطةً للمغفرة. ونحوه ما في ((التذكرة)) أيضًا: أن
رجلًا رأى باسم الله مكتوبًا مطروحًا فعظّمه ورَفعه، فَغُفِر له. فلو فَعَله أحدٌ لا يجِب له أن يستحق
به الجنةَ، فإِنها أَفعالٌ إِلهيةٌ، وأسرارٌ رِبَّانيةٌ جرت مع آحَادِ النَّاس، فلا يُحْكى بها، فإنها لا تكون
بمادتها بتلك المنزلةِ، وإِنما يريدُ اللَّهُ أن يَمُنَّ بها على أحدٍ فيفعلُ ما يشاء، ويحكم ما يريد.
ومن هذا الباب ما يظهَرُ من رحمته على بعض المسرفين يومَ القيامة.
إذا علمت هذا فاعلم أن الوُجْدان يشهد بكونٍ عدم التخمير من خصائصه، فيختصُّ به
فقط، لا أَنه يُخَمَّر رأسُ سائر المُخْرِمين أيضًا. ومَن هذا الباب مَنْ جاءه يسألُ عن
شرائع الإسلام، فأخبر ببعضها وبَشَر عليها بقوله: ((أَفْلَح وأبيه إِنْ صَدَق)). ومرَّ تقريرُه في
الإِيمان.
ثم عند مسلم زيادةُ لفظٍ وهي: ((لا تُخَمِّرُوا رأسَهُ ولا وَجْهَه))، مع أنَّ أَثَرَ الإِحرام في
الرأس فقط دون الوَجْه، على خلاف المرأة. واعتذر عنه النووي في شَرْحه. وكذا يَرِد عليهم
قَوْلُه ((اغسِلوه بماءٍ وسِدْرٍ، فإِنه إزالة التَّفَث مع كونه طيبًا أيضًا فاعتذر عنه.
٢٠ - بابُ الحَنُوطِ لِلمَيِّتِ
١٢٦٦ - حدّثنا قُتَيبَةُ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: بَينَما رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَّهِ بِعَرَفَّةَ، إِذْ وَقَعَ مِنْ رَاحِلَتِهِ

١٧
كتاب الجنائز
فَأَقْصَعَتْهُ، أَوْ قالَ: فَأَقْعَصَتْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَّهِ: ((اغْسِلوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ في
ثَوْبَينٍ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا)). [طرفه في:
١٢٦٥].
وأخرجٍ فيه قوله: ((ولا تُحَنِّطُوه)). قلتُ: ولم يُحْسِن المُصَنِّف رحمه الله تعالى بهذه
الترجمة، فإنّ عدمَ التحنيط مُختصِّ بهذا المُحرِم فقط، لا أنه حُكْم سَائِرِ الأَموات.
٢١ - باب كَيفَ يُكَفَّنُ المُخْرمُ
١٢٦٧ - حدّثنا أَبُوِ النُّعْمَانِ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُهُ، وَنَّحْنُ مَعَ النَّبِيِّ لَّهِ، وَهُوَ
مُخَرِمٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ: ((اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَينٍ، وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا، وَلَا
تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ بَبْعَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّدًا)). [طرفه في: ١٢٦٥].
١٢٦٨ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ عَمْرٍو وَأَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ،
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: كانَ رَجُلٌ وَاقِفٌ مَّعَ النَّبِيِّ وَّرَ بِعَرَفَةَ، فَوَقَعَ عَنْ
رَاحِلَتِهِ - قالَ أَيُّوبُ: فَوَقَصَتْهُ، وَقَالَ عَمْرٌو: فَأَقْصَعَتْهُ - فَمَاتَ، فَقَالَ: ((اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ
وَسِدْرٍ، وَكَفْنُوهُ فِي ثَوْبَينٍ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثِ يَوْمَ القِيَامَةِ))، قالَ
أَيُّوبُ: ((يُلَبِّي))، وَقَالَ عَمْرٌو: ((مُلَبِّيًا)). [طرفه في: ١٢٦٥].
٢٢ - بابُ الكَفَنِ في القَمِيصِ الَّذِي يُكَفُّ أَوْ لاَ يُكَفُّ
١٢٦٩ - حدّثنا مُسَدَّدْ قالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ،
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ لَمَّا تُوُفِّيَ، جاءَ ابْنُهُ إِلَى النَّبِيِّ
صَـ
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيهِ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُ. فَأَعْطَاهُ
النَّبِيُّ وَِّ قَمِيصَهُ، فَقَالَ: ((آذِنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ)). فَذَنَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: أَلَيسَ اللَّهُ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى المُنَافِقِينَ؟ فَقَالَ بَّهِ: ((أَنَا بَينَ
خِيرَتَّينِ، قالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةٌ فَلَنْ يَغْفِرَ
اللَّهُ لَهُمْ﴾)) [التوبة: ٨٠] فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىَ أَحَدٍ مِنْهُم مَّاتَ أَبْدًا﴾ [التوبة: ٨٤].
[الحديث ١٢٦٩ - أطرافه في: ٤٦٧٠، ٤٦٧٢، ٥٧٩٦].
١٢٧٠ - حدّثنا مالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَينَةَ، عَنْ عَمْرٍو: سَمِعَ جابِرًا رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ قالَ: أَتَى النَّبِيُّ ◌َِّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بَعْدَ ما دُفِنَ، فَأَخْرَجَهُ، فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ،
وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ. [الحديث ١٢٧٠ - أطرافه في: ١٣٥٠، ٣٠٠٨، ٥٧٩٥].
وقوله: يُكَفُّ مضعّف وفي نسخة ناقص، وهي محرفةٌ عندي، ثُمَّ الأُولى عندي مجهولًا .

١٨
كتاب الجنائز
وحاصله: أن قميصَ الميت لا يجب أن يكون مِثْل الحيّ، بل يجوزُ مكفوفًا أو غيرَ
مكفوف، بخلاف قميص الحيّ، فإنه يكونُ مكفوفًا (ترباهوا). وهذا يُشْعِر بأن القميصَ في ذِهْنه
يكون مَخِيطًا، وهو ظَاهِرُ فِقْهِ الحنفية، وإنْ كان العملُ بخلافِهِ، كما مرَّ معنا البحث فيه.
١٢٦٩ - قوله: (أَعْطِني قَمِيصَك) ... إلخ. قلتُ: ولا بأسَ بِإعطاءِ القميص مُرُوءَةٌ.
وقيل(١): أَرَادَ به أن يُكافىء قميصه الذي كان كَسَاه عباسًا يوم بدر، فإنَّه إذ جاءَ أسيرًا في أُسراءٍ
بَدْر لم تكن عليه ثيابٌ، وكان طويلَ القامةِ فلم يَضْلُح له غيرُ قميصٍ عبدِ اللَّه - فإنه كان طويلًا -
فكان أعطاه إيَّاه، فأراد النبيُّ ◌َلِ أن يكافئه في الدنيا. وقيل: أَسَلم يومئذٍ أَلْفٌ من المنافقين
لأَجْلِ هذا الإحسان.
ثم في ((الفتح)): أَنَّ عبدَ الله كان أَوْصَى ابنه - واسمه أيضًا عبد الله - أن يَسْأَل النبيَّ ◌َّ عن
قَميصه ليُكفَّنَ فيه. ولا بُعْد في أن يكون حصل له تصديقٌ اضطراري، ثُم استمرَّ به حتى رَسَخِ
ببواطنِهِ قبل وفاته، إلا أنَّ الأُمةَ كافةٌ لَقَّبته برأس المنافقين. وقد كان حَسَد النبيَّ ◌َ﴾. في أولَ
أَمْرِهِ، لأن أَهْلَ المدينةِ قبل مَقْدَمِه ◌َ﴿ كانوا أرادوا أن يجعلُوه رئيسَهم، فَلَمَّا قَدِم النبيُّ ◌ُِّ
وهاجر إليهم، صار هو الأمير. كيف لا وقد كان أميرًا في الأرواح، وفي مسجد بيت المَقْدِسِ
عند مُجْتَمع النَّبيين وسوف يكون أميرًا في المَحْشَر أيضًا، فلم يزل هذا المنافقُ يغتُّ له، ثُم اللَّهُ
يَذْري إلى ما آل إليه أَمْرُه.
١٢٦٩ - قوله: (أَنَا بَيْنَ خِيرَتَيْنِ). وفي الروايات: إني لا أزيدُ على السبعين. ومَرَّ عليه
الغزالي رحمه الله تعالى في ((المُسْتَصْفَى)) ولم يبلغ حَقِيقَتَهُ وقال: إنَّ الآية لا يُفْهَمُ منها التخييرُ
أصلًا، فكيف يمكن أن يكون النبيُّ ◌َ ◌ٍّ فَهِمه؟ ثم حكم عليه بالوَضْع. قلتُ: سبحانَ الله، كيف
وهو حديثٌ في صحيح البخاري؟ والحَلُّ أنه من بابِ البلاغة(٢)، وهو تلقي المخاطَب بما لا
يترقَّب. فإنَّ النبيَّ ◌َ لَّلَما لم يَنْه عن الصلاةِ عليه صراحةً مَشَى على مُحْتَمل اللفظ، وليس فيه
(١) قال الخطّابي في ((معالم السنن)) قلت: كان أبو سعيد بنِ الأَعرابي يتأوَّلُ ما كان من تَكفِين النبيِّ ◌َّ عبدَ اللهِ بن
أُبَيّ بقميصه على وجهين: أحدهما: أن يكون أرادَ به تَألَّفَ ابنِهِ وإِكرامَه فقد كان مُسْلمًا بريئًا من النِّفاق، والوجه
الآخر: أن عبدَ اللَّهِ بن أُبيّ كان قد كسَى العَبَّاس بن عبد المطلب قميصًا، فَأَرادَ بَّهِأن يكافِئه على ذلك لئلا
يكونَ لمنافقٍ عنده یَدٌ لم یجازِه عليها .
ثم أَخرج عن عَمْرو بن دينار سمع جابر بن عبد الله يقول: كان العباسُ بنُ عبد المطلب بالمدينة، فطلبتِ الأنصارُ له
ثوبًا يكسونَه، فلم يجدُوا قميصًا يصلح عليه إِلاَّ قميصَ عبد الله بن أُبيّ فَكَوْه إيّاه.
ثم أَخرج عن عمرٍو، سمع جابر بن عبد الله قال: أَتَى رسولُ اللَّهِ مَِّ قَبْرَ عبد الله بن أُبيّ بعدما أُدخِلِ حُفْرَتَه، فَأَمر
به فأُخرج، فوضعه على ركبتيه أو فَخِذيه فَنَفَسَ فيه من رِيقه، وأَلبَسَهُ قَمِيصَهُ. قال الخطابي: احتُمل أن يكونَ مَةُ
إِنَّما فعل ذلك قَبْل أن يَنْزِلِ قَوْلُه تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَ أَحَدٍ مِنْهُم ◌َاتَ أَبَدَا وَلَا نَعُمْ عَلَى قَبْرِوَّةٍ﴾ [التوبة: ٨٤]، واحتُمل
أن يكون معناه ما ذهب إليه ابنُ الأَعرابي من التأويل. اهـ مُختَصَرًا. ص (٢٩٨) ج ١.
(٢) فلا يَبْعُد أن يكون على حد قوله: مِثْل الأمير يُحْمَل على الأَذهم والأَشْهب، في جواب قوله: لأحملنَّك على
الأَذهم. اهـ.

١٩
كتاب الجنائز
إلا: أنَّ استغفارَكَ غيرُ مفيدٍ له، فلم يبحث عن النَّفْع الأخروي، فإنه لما أراد أن يُصلِّي عليه
اكتفى بِسَعَة الألفاظ فقط، ولم يكن فيها إلا عَدَمُ نَفْعَ صلاته. فَصَلَّى عليه شفقةً وحِرْصًا حتى
نزل صريحُ النَّهي .
قوله: (﴿﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾﴾ [التوبة: ٨٤] ... إلخ. وحينئذٍ صارِ أَبْعَدَ الناس عن
الصلاةِ عليهم. وأين عمرُ رضي الله عنه منِ النبيّ ◌َّ فإنه كان نَبيُّهُم وأَوْلَى بأَنفُسِهِم، فأراد أنْ
ينتفعَ بالمحتَمِلَات، فإنه آخِرُ الحِيَل، لعلَّ اللَّهَ ينفعُهُ بها .
ونظيرُهُ قوله ◌ِّهَ: ((مَثَلُ أُمتي كَمَثَلِ المَطَرِ، لا يُذْرَى أوَّلُهَا خيرٌ أم آخِرُهَا)). لم يُدْرِك مرادَه
نحو أبو عمرو، والتزم أَنَّ غيرَ الصحابيَ مما يمكن أنْ يكونَ مِثْلَ الصحابي، مع أنه باطلٌ قطعًا،
ولم يَحْمِله عليه إلا مُحْتَمل اللفظ، والمَشْي على المُحْتَمَل إنما يليقُ بالنبيِّ لَّمَ دونَ غيره.
والطّيبيّ لما كان حاذِقًا في العربية أدرك حقيقةَ المرادِ، وقال إنه نحوُ قوله:
فما نحن ندري أيُّ يومَيه أَفْضلُ
تَشَابَهَ يومًا بأسُهُ وَنَوَالُهُ
أيوم نداه الغُمْر أم يوم بأسه وما منهما إلا أَغَرُّ مُحَجّلُ
فهو مِنْ بِاب تَجَاهُل العارف من صنائع البدائع، لا من باب العقائد والمسائل.
والحاصل: أَنَّ أُمَّتِي خَيْرٌ كُلُّهَا .
٢٣ - بابُ الكَفَنِ بِغَيرِ قَمِيصٍ
١٢٧١ - حدّثنا أَبُو نُعَيم: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَام، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهَا قالَتْ: كُفِّنَ النَّبِيُّ ◌َّهَ فَيَ ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ سَحُولٍ كُرْسُفٍَّ، لَيسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ.
[طرفه في: ١٢٦٤].
١٢٧٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيى، عَنْ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِنَ ◌ّهَكُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ، لَيسَ فِيهًا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. [طرفه في: ١٢٦٤].
١٢٧١ - قوله: (كُفِّنَ النبيُّ لِّ) إلى قوله: ((لَيْسَ فيها قَمِيصٌ ولا عِمَامَةٌ)) وهو حُجَّةٌ
للشافعية رحمهم الله .
قلتُ: وروى أبو داود(١) - بِسَندٍ فيه يزيدُ بنُ زياد - عن ابن عباس رضي الله عنه قال: ((كُفِّنَ
رسول الله وَّه في ثلاثة أثوابٍ نَجْرَانِيَّة: ثوبانِ وقميصُهُ الذي مات فيه)) اهـ. (ج٩٣/٣) - باب: الكفن
- ويزيد بن زياد هذا عالمٌ جليلٌ القَدْرِ، كما أقَرَّ به الذَّهبِيّ. وقد حَسَّن الترمذيُّ حَدِيْثَه في باب: الذي
(١) قلت: وكذا عند مالك في ((الموطأ) في باب ما جاء في دَفْن الميت في حديثٍ طويل، فلما كان عِنْد غَسْله أرادوا
نَزْع قميصه فسمعوا صوتًا يقول: لا تنزعوا القميصَ فلم ينزع القميص وغُسِّل وهو عليه وَّر. ونحوه عند أبي داود
أيضًا. قلت: إن ثبت بعد ذلك نَزْعه فذلك، وإلا فثبت كونُ القميص في كَفنه ◌َّهَ من هذا الطريق أيضًا. ولا بُعْد
في كونه أصابه الماء، لأنه دُفن ليلةَ الأربعاء، فاليبس في تلك المدة ظاهرٌ. ثم وجدت أنه رُوي فيه عن ابن
عباس رضي الله تعالى عنه. فللَّهِ الحمد، كما في الهامش الآتي عن ابن العربي وسيأتي.

٢٠
كتاب الجنائز
يُصِيبُ الثَّوْبَ. وأخرج عنه مسلمٌ مقرونًا مع الغير، واختلط في آخر عمرهٍ. وقالوا: إنَّ من قدماءٍ
تلامذتِهِ سفيانَ، وقتيبةً، وهُشَيْم، وكونُ هشيم من القدماء مذكورٌ في التخريج (ج٢١٠/١).
ولنا أن نقول: إنَّه صَحَّ عن النبيِّ ◌َِّ أنَّه أعطى قميصَه ابنَ أبي. وعند النَّسائي: أنه أعطى
قميصَه رجلًا من الشهداء. وحينئذٍ ساغ لنا أَنْ نقولَ: إنَّ نَفْي القميص مَحْمولٌ على عَدَم كونِهِ
مخيطًا، وإنما عَبَّر الفقهاءُ عن هذا الرداء بالقميص لأنه يُقَمَّص. وقد عَلِمْت من قبل أن القَّمِيصَ
عندنا في الحقيقةِ رداءٌ يُقَمَّصُ به فقط، لا يكونُ فيها الكُمَّان ولا الدَّخَارِيص ولا الخياطة، فلم
تَبْقَ حقيقتُهُ إلا رداءً يُلْبَس كما يُلْبَسُ القَمِيصُ.
هكذا يُعلم من الموطأ - لمحمد رحمه الله تعالى-، وأصله في الموطأ لمالك أيضًا إلا أن في
إسناده سهو، ففيه عبد الرحمن بنُ عمرو بن العاص، مع أنه عبدُ الله بن عمرو بن العاص: ((أن الميتَ
يُقَمَّصُ، ويُؤْزُ، ويَلَّفُّ بالثوبِ الثالثِ)) يعني به أن الميتَ وإن لم تكن في كَفَتِهِ هذه الثياب، لأن الكَفَن
عبارةٌ عن ثلاثة أَرْدِية، ولكنَّه يُلْبَسُ الثوبَ الأول كالقميص، والثاني مكانَ الإزار، وكذلك الثالثُ
يُلَفُّ به. فهذا الذي عناه عبدُ الله بن عمرو - على أن نَفْي القميص يدل على شيوعِهِ في زمن الراوي كما
مر معنا التنبيه في حديث ابن عمر رضي الله عنه في رَفْع اليدين -، فإنَّ النَّفْي قد يترشَّح منه الإيجابُ
أيضًا، كما قيل: إنَّ في مض لمطمعًا. فلو أَوَّل به حنفيٍّ وادَّعَى ثبوت القميص في كفنه ◌ِّل مع حَمْل
النَّفِي على ما ذكرنا لساغ له ذلك، ولكن لَسْتُ أَرْضَى بهذا التأويل. والأَضْوبُ عندي أنْ يُلتزم ويُقَرّ
بما قاله الخُصوم، لأن الخلاف معهم ليس في الجواز وعدمه .
ثم إنَّ المالكيةَ اعتذروا عنه بوجهٍ آخَرَ وقالوا: إنَّ القَمِيصَ وإن كان في كَفَنِهِ مََّ، ولكنَّه لم
يكن معدودًا في ثيابه الثلاث، بل كان زائدًا عليها. وإنَّما اضطَّروا إلى هذا التأويل لأن الكَفَنَ
عندهم خَمْسَةُ أثواب.
فائدة :
بقي الكلام في العمامة: ففي كُتُب الحنفية أنها تجوزُ للأَشراف، والأشراف عندهم يُطلق
على السَّيد، لا كما في عُرْفِنا اليوم. فإنَّ الأشرافَ في عُرْفنا يقابل الأَراذل والسقاط من الناس.
والذي يظهَرُ لي أن تَرْكَهَا أَوْلى، فإنها إذا لم تكن في كَفَتِهِ لَ ففي غيره أَوْلَى. ومع هذا لو
عَمَّمُوا أحدًا مِنْ ذوي الفَضْل لا تكون بدعة، لأن ابنَ عمرَ رضي الله تعالى عنه قد عَمَّم ابنه.
وفي ((الكنز)): أنه كُفِّن في سبعة أثواب(١) . والعَجَبُ من السُّيوطي رحمه الله تعالى حيث رمز
(١) قال القاضي في ((العارضة)) - ص (٢١٥) ج ٤ -: روى البزَّار عن عليٍّ رضي الله عنه: أَنَّ النبيَّ ◌ََّ كُفِّنَ في سبعةٍ
أثواب - يعني ثلاثة - سُحُولية، وقميصًا، وعِمامة، والسَّراويل، والقَطِيفة التي جُعِلت تحته .
الثانية: روي عن عائشة رضي الله عنها: أن النبيِّ ◌َِّ كُفِّنَ في ثَوبین بُرْد ◌ِبْر.
الثالثة: عن ابن عباس رضي الله عنه، كُفّن رسولُ الله ◌َِّ في ثلاثٍ أَثوابٍ نجرانية: الحلة ثوبان، وقميصهُ الذي
مات فيه.
الرابعة: قال فيه: وحلة حمراء، وأصحُها ما ثبت في ثلاثة أثوابٍ بِيض سَحُولية، ليس فيها قميصٌ ولا عِمامة، =