Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١
كتاب تقصير الصلاة
١١١٠ - حدّثنا إِسْحَاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا
يَحْيِى قالَ: حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسٍ: أَنَّ أَنَسَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ وَلِ﴿ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ هَاتَينِ الصَّلَاتَينِ فَي السَّفَرِ، يَعْنِي: المَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ. [طرفه في:
١١٠٨].
وقد مَرَّ أنه يُؤذن في السفر ويقيم لهما، فإن اكتُفِي بأذَانٍ مع تَعَدُّد الإقامة جاز.
١١٠٩ - قوله: (ولا يُسَبِّحُ) ... إلخ وعندي يُستفاد من الحديث حَذْف الرواتب لِمَنْ جمع
بين الصلاتين. ولذا يقولُ الراوي عند ذِكر الجَمْع: سبعًا جميعًا وثمانيًا جميعًا في العصرين
والعشاءين. وقد صَرَّح العارف الجامي رحمه الله تعالى في مناسكهِ بِحَذْفِ الرواتب عند الجَمْع
بالمُزْدَلِفة .
١٥ - بابٌ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلَى العَصْرِ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ
فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِّ ◌ََّ.
١١١١ - حدّثنا حَسَّانُ الوَاسِطِيُّ قالَ: حَدَّثَنَا المُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ عُقَيلِ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهَإِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ
الشَّمْسُ، أَخَرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ العَصْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وَإِذَا زَاغَتْ، صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ.
[الحديث ١١١١ - طرفه في: ١١١٢].
١٦ - بابٌ إِذَا ازْتَحَلَ بَعْدَما زَاغَتِ الشَّمْسُ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ
١١١٢ - حدّثنا قُتَيبَةُ قالَ: حَدَّثَنَا المُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنْ عُقَيلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ قالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهَ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمَّسُ، أَخِرَ الظُّهْرَ إِلَى
وَقْتِ الَعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَينَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ، صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ
رَكِبَ. [طرفه في: ١١١١].
فترجم بتعبيرِ الحديث بعينه ولم يُفْصِح بشيء، وقد مَرَّ أنه أَصْدَقُ على مذهب الحنفية.
١١١٢ - قوله: (كان النبيُّ وَ لِ﴿ إذا ارْتَحَل قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ) ... إلخ. والمذكور فيه
جَمْع التأخير فقط وعند الترمذي وغيره جَمْع التقديم أيضًا. ولفظه عند الترمذي عن معاذ رضي الله
عنه: (وإذا ارْتَحَل بعد زَيْغ الشمس عَجَّل العصرَ إلى الظهر، وصلى الظُّهْر والعَصْر جميعًا ثُمَّ
سَاروا)) اهـ. وهذا صَرِيحٌ في جَمْع التقديم وحَمْله على الجمع الصُّورِي أو الجمع فعلًا بعيد.
فإنه إن قلنا إنه كان الجمع فعلًا، لزم أن يقال: إنه كان يجلِسُ معطّلًا حتى إذا جاء آخِرُ وَقْتٍ
الظهر قام فصلَّى. ثُمَّ عجل العَصْر فصلًّاها مع الظُهْر، وهذا يوجِب الإخلال بمقاصدِ السفر،
لأن أكثرَ وقته يضيعُ في انتظارٍ آخِر وقت الظهر، والمقصودُ قَطْعُ السفر لا تَظْوِيلُه بالجُلُوس.
قلتُ: والجواب أنه معلولٌ وقد ذَكَرْتُ وَجْهَه في الترمذي، ولئن سلمت فالجواب: أن
٥٤٢
كتاب تقصير الصلاة
الحالاتِ في السفر على أنحاء، قد يكونُ النَّفْع في السير عقيبَ الزوال: بأن يَرْتَحِل حتى إذا
كان آخِرُ وقت الظهر يَنْزِل ويَجْمع بين العصرين، وقد يكون النَّفعُ في المُكْث حتى يمكنَه الْجَمْعُ
بينهما فيجمع بينهما، ثُمَّ يَرْكَبُ مَطِيَّته ويتتابعُ في السير حتى ينزِل للجَمْع بين العشاءين، ولا
يحتاجُ إلى نزولهِ للعَضْرِ والقَطْع لسَفَره. فالتمادي في الصورة الأولى في الأول، وفي هذه في
الآخر.
ويَشْهَد له ما في ((الفتح)) عن البيهقي: ((أنه كان إذا نَزَل مَنْزلًا في السفر فأعجبه أقام فيه،
حتى يَجْمَع بينِ الظهر والعَصْر ثم يَرْتَحِل، فإذا لم يتهيأ له المَنْزِل مَدَّ في السِّير فسار، حتى ينزلَ
فيجمع بين الظُّهر والعَصْرِ)) اهـ. فدلَّ على أنه قد كان يقيمُ بالمنزل إذا أعجبه، ويَبْقى هناك حتى
يَجْمَع بين العصرين ثم يرتحل، ويُتابع في السَّفر حتى يمكن له الجَمْعُ بين العشاءين، وإنْ لم
یتھیأ له لم یکن یَنْزِل له .
وفي ((الجامع)) للترمذي: ((أنه قد كان يُؤْخِّر الظُّهر في السَّفر حتى يُساوي الفيءُ الُّلول)).
فدل على شِدَّة تأخيره وطول إقامته، ويحصل في مِثْله الجَمْعُ بدون تكلَّف. ولعلك علمتَ منه أن
ما رواه الترمذي من حديث معاذ رضي الله عنه أيضًا صحيحٌ، ولا حاجة إلى إعلاله كما فَعَله
الجمهور. والاختلاف يُبنى على اختلاف صُوَر السفر، والجَمْعُ فيه جَمْعُ فِعلاً في كل حالٍ، وما
يتبادر فيه مِنْ جواز جَمْع التقديم فَفَرْطٌ من الوَهْم.
١٧ - بابُ صَلَاَةِ القَاعِدِ
واعلم أن المصنّفَ رحمه الله تعالى لم يترجم للفَرْق في جوازِ القعود وعدمه بين التطوّع
والفريضة، ولا أَوْمأ إليه في مَوْضع، مع اتفاق أهل الإجماع على عَدَم جوازه في المكتوبات إنَ
قَدِر على القيام، لأنه عَلِم أن لا تفصيلَ فيه في الأحاديثِ القوليةِ، ففوَّضه إلى الخارج، فمتى
ما أجازت له الشريعةُ بالقعودِ جاز له القعودُ، وأينما نَهَت عنه لم يَجُز له. ألا ترى إلى حديث
عِمْرَان عند البخاريّ رحمه الله تعالى - كما سيأتي بعد عدة أحاديث -: أنه سأل رسول الله وَ الله
عن صلاةِ الرَّجُلِ قاعدًا فقال: ((إنْ صلَّى قائمًا فهو أَفْضَلُ، ومَنْ صلَّى قاعِدًا فله نِصْفُ أَجْر
القائم، ومَنْ صَلَّى نائمًا فله نِصْفُ أَجْرِ القاعد(اهـ. فلم يتعرَّض فيه إلى تفصيلٍ(١) بين القيام
والقعود، متى يجوزُ ومتى لا يجوز، لأنّ الحديث سِيق لبيانِ التَّنْصِيف.
وأما مسائلُ القيام والقعود فكما قد عَلَّمته الشريعةُ مِنْ قَبْل، فيكون بين ما في الحديث
وبين تفاصيل القيام والقعود عمومٌ وخصوصٌ من وجه. ومِن ههنا تَبِيَّن جوابُ ما قيل إنَّ حديثَ
(١) قلتُ: ونحوه ما قال العلامة السِّندي على النَّسائي: الوَجْه عندي أن يقال: ليس الحديثُ بمسوقٍ لبيانِ صِحة
الصلاة وفسادِهَا، وإنَّما هو لبيان إحْدَى الصلاتين الصحيحتين على الأُخرى، وصِحَتهَا تُعْرَف من قواعد الصِّحَةِ
من خارج في أصل الحديث، أنه إذا صَحَّتِ الصلاةُ قاعدًا، فهي على نِصْفِ صلاة القائم، فرضًا كانت أو نفلًا،
وكذا إذا صَحَّتِ الصلاةُ نائمًا. فهي على نِصْف الصلاةِ قاعِدًا في الآخِر ... إلى آخِر ما قال من ((حاشية السِّندي)
على النَّسائي. وقد بسط المقام فراجِعْه بتمامهِ، فإنه يشتمل على الفوائد.
٥٤٣
كتاب تقصير الصلاة
عمران لا يَصْدُق على الفريضةِ ولا على التطوع. فإنَّا إنْ حملناه على الفريضةِ لَمْ يَصِحَّ أَوَّلُ
الحديثِ: ((إنْ صلّى قائمًا فهو أَفْضَلُ))، لأنَّ القيامَ فَرْضٌ فيها، وإنْ حَمَلناه على التطوعِ لَم يَصِحَّ
آخِرِهُ، لأنَّ التطوُّعَ لا يجوز نائمًا عند أحدٍ إلَّا ما في ((الغاية)) عن الشيخ شمس الدين: أَنّها تجوزُ
مُضْطَّجِعًا أيضًا في قول، وقال ابن الهُمام رحمه الله تعالى: لا أعرف قولًا بجواز النافلة
مضطجعًا عن أحد من أصحابنا، وكذا قوله: ((وَمَنْ صلَّى قاعدًا)) ... إلخ، لا يأتي على
المكتوبةِ ولا على التطوُّع، فإنه إنْ أخذناه بلا عُذْرٍ لم يصدق في حَقِّ المكتوبة لأن المكتوبة
قاعدًا بدون العُذر لا تصح مطلقًا فلا أجر فيها أصلاً وإن أخذناه مع العُذْر لا يستقيمُ عليه
تَنْصِيفُ الأَجْر. فالجواب أن الحديثَ وَرَد في مسألة التَنْصِيف فقط. وأَما مسائلُ جوازِ القعود
والقيام فتبقى على ما مَهدها الشَّرْعُ، ويبقى معها عُمومٌ وخصوصٌ من وَجْه.
ثُمَّ اعلم أن التنْصِيف في الحديث ليس باعتبار قيام الأَصِحَّاء، بل باعتبارٍ قيام المَعْذُورين
وقعودِهم. وقدٍ صَرَّح ابنُ الهُمَام(١) رحمه الله تعالى: أن العَجْز على نَحْوين: حقيقي، وحُكُمي.
والأول أنٍ يَتَعَذَّر عليه القِيَامُ ولا يُمكّنُ منه أصلًا، والحُكْمِي أن يُرَخِّص لهِ الشَّرْعُ بالقعود، مع
أنه لو تَكَلَّفَ على نَفْسِهِ أُمْكِن له القيامُ أيضًا، فهذا القاعدُ المعذورُ إن صلَّى قاعدا فله نِصْفُ
أَجْرِ قيامه لو تكلَّفَ وصلَّى قائمًا، لا نِصْف أَجْرِ الصحيح، فإنَّ قعودَه إذا كان بالعُذْر فهو كقيام
الصحيح.
١١١٣ - حدّثْنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مالِكِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ نَّهُ فِي بَيْتِهِ وَّهُوَ شَاكِ فَصَلَّى جَالِسًا، وَصَلَّى
وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قالَ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الإِمامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ،
فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا)). [طرفه في: ٦٨٨].
١١١٤ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَينَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ قالَ: سَقَطَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ مِنْ فَرَسٍ، فَخُدِشَ، أَوْ فَجُحِش شِقُّهُ الأَيمَنُ، فُّدَخَلنَا عَلَيهِ
نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى قَاعِدَاً فَصَلَّيْنَا قُعُودًا، وقالَ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَّمَّ بِهِ،
(١) قال الطحاوي رحمه الله تعالى في ((مُشْكِله)) (٢/ ٢٨٢): إنَّ الحديثَ محمولٌ على المُصَلِّي تطوّعًا قاعدًا وهو
يُطيق أن يصلِّي قائمًا، فيكون له بذلك نِصْفُ ما يكونُ له لو صَلَّى قائمًا، وليس هو على صلاتِه قاعدًا وهو لا
يُطِيقُ القيامَ، وذلك صلاتُهُ قاعدًا فيما يُكْتَب له من الثوابِ بها كصلاتِهِ إِيَّاها قائمًا، لأنَّه ههنا قد قصد إلى القيام
وقَصَّر به عنه، فاستحق من الثوابِ ما يستحقُّه لو صلَّاهَا قائمًا، فكان إذا كان يطيقُ القيامَ فصلى قاعدًا قد ترك
القيام اختيارًا، فلم يكتب له ثوابُ المصلِّي قائمًا، وكُتِب له ثوابُ المصلِّي قاعدًا على صلاتِهِ لذلك. اهـ.
ويؤيدُهُ ما أخرج مالك في ((موطئه)) (ص ٤٨) عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص أنه قال: ((لما قَدِمنا المدينة نَالَنَا
وباءٌ من وَعْكِهَا شديدٌ، فخرج رسول الله وَّةً على الناسِ وهم يُصلُّون في سُبْحَتِهم قُعودًا، فقال رسول الله ◌َّ:
((صلاةُ القاعدِ مِثْلُ نِصْفٍ صلاةٍ القائم)). ونحوه عند أحمد في ((مسنده)) كما أخرجه الحافظ رحمه الله تعالى في
((الفتح)).
٥٤٤
كتاب تقصير الصلاة
فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ،
فَقُولُوا : رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ)). [طرفه في: ٣٧٨].
١١١٣ - قوله: (إنما جُعِلَ الإمامُ ليُؤتَّمَ بِهِ) أي جُعِلَ الإمامُ ليُقْتدى به في أقواله، فيسمع
المؤتمُّ ما يَقُولُهُ، ويتبع فيه، ولا يكون الإِمامُ مَنْ لا يُسْمع لِقَوله، ولا يُبَالي بِأَمْرِهِ، فالتقدُّمُ
والتأخّرُ في الأفعال ليسِ من الائتمام في شيءٍ، وحينئذٍ صَلُح الحديثُ أن يُسْتَدَّل بَه على تَرْكَ
الفاتحةِ خَلْف الإمام، فإنَّ الإمام يجهرُ بِهَا كي يسمعَها المقتدي، وهذا يَقْرأُ ولا يُصْغِي لقراءته،
فهل تعدُّه مُتَّبِعًا أم مُشَاغِبًا(١) .
ثُم لا بأس أن نعودَ إلى مسألةِ وجوبِ القعود خَلْفَ الإمام القاعد أو عدَمِهِ وإن فَصَّلناها
مِنْ قبل، لأَنَّا قد دخلنا الآنَ في حديث الجُحُوش، فبانَ لنا أن نُعِيد أشياءَ، لعلَّ اللَّهَ ينفعك بها .
فاعلم أن النبيَّ وَّ كما لم يفصل بين التطوُّع والفريضةِ في حديثٍ عمران كما علمت،
كذلك لم يفصل بينهما في حديث الجحوش. والجمهور على أنه في الفريضةِ إلَّ ابنَ القاسم،
فإنه ذَهب إلى أنَّه في النافلة. أما قوله في البخاري: ((فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ)) فليس صريحًا في كونِهِ
في الفريضة، لأنه وَقَع هذا اللَّفْظ في النافلة أيضًا عند البخاري رحمه الله تعالى، ولستُ أَدَّعِي
أنه في حَقِّ النافلة، ولكن أقولُ: إنَّ له وجهًا أيضًا.
١١١٥ - حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ قالَ: أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حُسَيْنٌ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ سَألَ نَبِيَّ اللَّهِ وَلَ ح.
وأَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ قالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قالَ: سَمِعْتُ أَبِي قالَ: حَدَّثَنَا الحُسَينُ، عَنِ
ابْنِ بُرَيدَةَ قالَ: حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَينٍ، وَكانَ مَبْسُورًا، قالَ: سَأَلِتُ رَسُولَ اللّهِ وَلاَ عَنَّ
صَلَاةِ الرَّجُلِ قَاعِدًا، فَقَالَ: ((إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ
القَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَاعِدِ)). [الحديث ١١١٥ - طرفاه في: ١١١٦، ١١١٧].
١١١٥ - قوله: (إن صلَّى قائمًا) ... إلخ. وحاصِلهُ عندي أن الإمام إن اضطر إلى القعودِ
لِعُذْر وصلَّى في بيته قاعدًا، فلم لا تصلون أنتم خَلْفَه لِيناسِبِ لكم القعودُ أيضًا من حيث رعايةُ
الإمامة والاقتداء؟ بل عليكم أن تبتغوا إمَامًا آخَر صحيحًا يصلّي بكم قائمًا لتتمكنوا مِنَ القيام
خَلْفَه .
فالحاصل: أنَّ الحديث سِيقٍ لِذمِّ التعنُّت في الاقتداء بالإِمام المعذور، لا لإِيجاب القعودِ
على المقتدي، وإنْ كان قادِرًا على القيام فليس فيه إلا تحسينُ القعودِ عند قعود الإمام.
ولا يخرجُ منه تحريمُ القيامِ خَلْف القاعد ولا حَرْف، مع أنَّ الواجِب عند أحمد رحمه الله تعالى
هو القعودُ ويَحْرُم القيامِ.
(١) قلتُ: وقد ضرَب له الحافظُ ابنُ تيميةَ رحمه الله تعالى في «فتاواه)»، مَثَل سَوْء فقال: رُوي في الحديث: ((مَثَلُ
الذي يتكلّمُ والإِمامُ يَخْطُب كَمَثَلِ الحمارِ يحمل أسفارًا)». فهكذا إذا كان يَقْرأَ والإمامُ يقرأ عليه.
٥٤٥
كتاب تقصير الصلاة
وما قاله المالكية رحمهم الله تعالى: إنَّ الجالِس ليس له أن يؤمَّ القائمين ولا الجالسين،
نمرادُهم أيضًا أنه لا ينبغي له ذلك، وأيُّ حاجةٍ إلى إِمامتِهِ إذا تيسَّر له الإمامُ الصحيح. لأن
لوليد بنَ مسلِم روى عن مالك رحمه الله تعالى أن الجالسَ لو قام خَلْفَ القاعِدِ فهو جائزٌ.
فانكشف منه أَنَّ نهيه عن إمامةِ المعذور كان على طريقِ الأنبياء.
وأما أحمدُ رحمه الله تعالى فإنَّه فَرَّق بين القعودِ الأَصلي والطارىء. وذلك لأنه فَهِم أن
نُقبيحَ القيام خَلْفَ القاعد لمشابهةِ الأعاجم في قيامهم لعظمائهم، فإذا كان القعودُ طارئًا ارْتَفَعَ
مناطُ التقبيح، لأن قعودَ الإمام مِنْ عُذْر سماوي ولا ذَنْب فيه للمُقْتَدِين فلا لَوْم عليهم في
قيامهم، لأنه لا يكون حينئذٍ من قيام الأعاجم كما هو ظاهر. ولذا عَنَّفهم في واقعة الجحوش،
كونه مُصَلِّيًا في بيته، وتعنَّت هؤلاءٍ في الاقتداء به في اليوم الثاني أيضًا. وإنما أغمض عنهم
في قِصة مَرَضِ الموت لأنه هو الذي خرج إليهم فأمَّهُم، فلم يكونوا مُتَعَنِّتِين أصلًا. وما فَصَّله
ابن حِبان من كون الصلاةِ في تلك الواقعة فريضةً أو نافلةً فلا دخل له أصلًا، ولا إيماءَ إليه في
لفظه ◌َّة والله تعالى أعلم.
١٨ - بابُ صَلَاةِ القَاعِدِ بِالإِيمَاءِ
١١١٦ - حدّثنا أَبُو مَعْمَرِ قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ قالَ: حَدَّثَنَا حُسَينٌ المُعَلِّمُ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيدَةَ: أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَينٍ، وَكانَ رَجُلًا مَبْسُورًا، وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ مَرَّةٌ عَنْ
عِمْرَانَ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ وَّهَعَنْ صَلَاَةِ الرَّجُلِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: ((مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ
أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِم،َ وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَاعِدِ)).
قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: نائِمًا عِنْدِي مُضْطَجِعًا هَاهُنَاَ. [طرفه في: ١١١٥].
قيل: إن الحديثَ لا ذِكْر فيه للإِيماء، فكيف ترجم به؟ وأجيب أنه يمكن أن يكونَ في
نسخة المصنف ((بإيماء)) مكان نائمًا، وقيل: إن نظره إلى لفظ النَّسائي وفيه ((بإيماء)). ثم اتفق
المحدِّثون على أنه تصحيفٌ، والصواب ((نائمًا))، فلا يمكن بناءُ الترجمة عليها أيضًا. فإن قلت:
إن النائِمَ فَسَّرِه المُحشي بالمضطجع، والمضطجع لا يصلِّي إلا بالإيماء فَثَبَتَتْ ترجَمَتُهُ.
قلتُ: هَبَّ، لكنَّ المصنف رحمه الله تعالى ترجم بإيماء القاعد دون المضطجع. ويمكن أن
تُحمل ترجمتُهُ على رأي الذين يُجوِّزون الإيماءَ حالَ القعود أيضًا، كما في ((الفتح))، فتصِحُ
ترجمته على مذهبٍ هذا البعض. وعندي نَظَرُهُ إلى أَنَّ القاعِدَ له نِصْفُ الأجر كما نطق به
الحديثُ، مع أنه لم يترك إلَّ القيامَ، فَلَا وَجْه له إلا أنه بالقعود نَقَص في ركوعه وسجوده أيضًا،
كما في الحِسّ أنَّ الرُّكوعَ من القيام أتمُّ منه من القعود، وكذلك السجود، فإنَّ الانخفاضَ في
سجدةِ القائم يَحْصُل ما لا يَحْصُل في سجدة القاعد، فإذا أدخل النقيصةَ في أركان الصلاة،
وكانت تلك الثلاثةُ أركانَها، حَسُن تنصيفُ الأَجر، ثم إنه لا بُعْد أن يُعبِّر عن هذين الركوع
والسجود الناقِصَين بالإِيماء وإن عَبَّر عنهما الفقهاءُ بالركوع والسجود. ولا يجب على المصنف
رحمه الله تعالى أن يَتَّبِعهم في التعبير أيضًا، ألا ترى أنَّ الحديثَ سَمَّى سجودَ تارك التعديل
٥٤٦
كتاب تقصير الصلاة
نَقْرًا. فهذه تعبيراتٌ وملاحظاتٌ لا حَجْر فيها، فعبَّر كيف شئت ولا حرج.
١٩ - بابٌ إِذَا لَمْ يُطِقْ قاعِدًا صَنَّى عَلَى جَنْب
وَقَالَ عَطَاءٌ: إنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى القِبْلَةِ صَلَّى حَيثُ كَانَ وَجْهُهُ.
١١١٧ - حدّثنا عَبْدَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ إِبْراهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ قالَ: حَدَّثَنِي الحُسَينُ
المُكْتِبُ، عَنِ ابْنِ بُرَيدَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: كانَتْ بِي بَوَاسِيرُ،
فَسَأَلتُ النَّبِيَّ ◌ََّ عَنِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: ((صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ
فَعَلَی جَنْبٍ)».
بوَّب بالاضطجاع وتَرَك الاستلقاء، وهو المختار عند الشافعية. ويجوز عندنا الاستلقاء
أيضًا. واستدل له الزَّيْلَعِي بما أخرجه النَّسائي، وليس في ((صغراه))، فالظاهر أنه يكون في
(الكبرى))، وفيه الاستلقاء أيضًا. وتمسَّك الشافعيةُ بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا
وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] حيث اقتصر على الصُّور الثلاثِ ولم يتعرَّض إلى الاستلقاء(١).
قوله: (وقال عَطَاء) ... إلخ سقط عنه الاستقبال. ثُمَّ في القدرةِ بالغير كلامٌ في كُتُبِنَا،
وليراجع له ((شَرْحُ الوقاية)).
١١١٧ - قوله: (فإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْب) ... إلخ. واعلم أن الصحابي في هذا
الحديث، وفي حديث تنصيفِ الأجر - المار آنفًا - واحدٌ، ولكنَّ الظاهر أنهما حديثانِ مختلفانِ
الاختلاف مَتْنِ الحديثين. ثم لا يخفى عليك أنَّ الحديث لم يفصل فيه بين مُتنفلٍ ومُفْتَرِض مع
أنه لا يأتي إلَّا على النافلةِ، وعليه فليعتبر قوله: ((إذا صلى قاعدًا فصلوا قعودًا)) ... إلخ. لم
يَسُقْه في الفريضة أو النافلة خاصَّةً، بل أطلقه، فيحملُ على ما لا يخالِفُ قواعِدَ الشَّرْع.
فشاكلةُ حديثِ الجحوش، والسقوط عن الفرس كشاكلةِ أحاديثِ تنصيفِ الأجر، والتخيير بين
الصلاة قائمًا وقاعدًا وعلى جَنْب، وشاكلةُ أحاديثِ الائتمام: ((إنَّما جُعِل الإمامُ ليؤتمَّ به)). فيبقى بين
هذه الأحاديثِ ومسائل جواز القعود وعدمِه عمومٌ وخصوصٌ من وَجْهٍ، قد تجتمعُ في مادة وقد لا
تجتمع في أخرى، فعليك أن تَحْمِلها على مَحَالِّهَا، وتأتي البيوت من أبوابها. ثم معنى قوله في
الحديث: ((فإنْ لم تستطع)) أي فإن لم ترغب، والمرادُ منه في الفِقْه عدمُ القدرة لا عدمُ الرغبة.
٢٠ - باب إِذَا صَلَّى قاعِدًا، ثمَّ صَحَّ، أَوْ وَجَدَ خِفَّةً، تَمَّمَ ما بَقِيَ
وَقَالَ الحَسَنُ: إِنْ شَاءَ المَرِيضُ صَلَّى رَكْعَتَينٍ قَائِمًا وَرَكْعَتَينِ قَاعِدًا .
١١١٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
(١) يقول العبد الضعيف: والجوابُ عنه سَهْل، فإنَّ التمسُّك به ليس من فروع مفهوم المخالف، بل بالسكوت في غير
مَعْرِض البيان.
٥٤٧
كتاب تقصير الصلاة
أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أُمِّ المُؤْمِنِينَ، أَنَّها أَخْبَرَتْهُ: أَنَّها لَمْ تَرَرَسُولَ اللَّهِوَلِ يُصَلِّي
صَلَاةَ اللَّيلِ قاعِدًا قَظْ حَتَّى أَسَنَّ، فَكَانَ يَقْرَأُ قاعِدًا، حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قامَ، فَقَرَأَ نَحْوًا
مِنْ ثَلاثِينَ أَيَةً أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً، ثُمَّ رَكَعَ. [الحديث ١١١٨ - أطرافه في: ١١١٩، ١١٤٨، ١١٦١، ١١٦٨،
٤٨٣٧].
وهو مذهبُ الإمام رحمه الله تعالى، خلافًا لمحمد رحمه الله تعالى بناءً على خلافية
أُخْرى، وهي اقتداءُ القائم بالقاعد، فإذا لم يَجُز عنده هناك عَدَل عنه في هذه أيضًا. ودلَّ ذلك
على شِدَّةٍ مراعاتِهِ بين شاكلةِ الإِمام والمقتدي، حتى لم يتحمَّل الاختلاف بينهما في القعود
والقيام أيضًا. ومن فروعه عَدَمُ جوازٍ اقتداء المتوضىء خَلْفَ المتيمم عنده، ثُمَّ هذا من مراحل
الاجتهاد، ويعتبرُهُ المجتهد إلى أيِّ مرتبة شاء.
وأما صلاةُ النبيِّ وَّ فتنقل على الأَنحاء كلها، قد صلَّى قائمًا وركع وسجد وهو قائم،
وقد صلَّى قاعدًا وركع وسجد كذلك، وقد صلَّى قاعدًا، فإذا بلغ قبيل الركوع قام وركع وسجد
وهو قائم. وهذا يُشْعِر بأنَّ الأحبَّ عند الشارع أن يكونَ الركوعُ والسجودُ عقيبَ الكلام، وهذا
الذي كنتُ نَبَّهتك عليه: أَنَّ ركوعَ القائم وسجوده أَتمَّ ولذا عَبَّر البخاري رحمه الله تعالى عن
رُكوعِ القاعد وسجوده بالإِيماء.
ثُم إنَّ ابنَ شاهين أخرج حديثًا في ((كتاب الناسخ والمنسوخ)) يدُلُّ على عدم جواز اقتداء
المتوضىء بالمتيمم، وادَّعى أنه منسوخٌ. والذي تبين أنَّه من باب الاقتداء بالقاعد، أعني أن
الشارع رَغَّب في كونِ حالِ الإمام أقوى من المقتدي، فعليه أن لا يتحرَّى الاقتداء بالمعذور،
كالقاعد والمتيمم مثلًا، بل ينبغي له أن يكون إمامُهُ على حال قويٍّ مِثْله. فإذا كان يَقْدر على
القيام نَاسَب له أن يكون إمامُهُ أيضًا مِثْلَه، وكذلك إِنْ كان متوضئًا حَسُن أن يكون إمامُهُ أيضًا
كذلك. فالنهي عنه مَحْمولٌ على نَهْي التحري عنه والتَظْلبِ له، وليس فيه مسألةُ الجواز وعدمه،
والله تعالى أعلم.
١١١٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، وَأَبِي
النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عَائِشَةً أُمِّ المُؤْمِنِينَ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ◌َِّ كَانَّ يُصَلِّي جَالِسًا، فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ
قِرَاءَتِهِ نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً قَامَ، فَقَرَأَهَا وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ سَجَدَ، يَفْعَلُ في
الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذلِكَ، فَإِذَا قَضَى صَلَاتَهُ نَظَرَ، فَإِنْ كُنْتُ يَقْظى تَحَدَّثَ مَعِي، وَإِنْ كُنْتُ
نَائِمَةً اضْطَجَعَ. [طرفه في: ١١١٨].
١١١٩ - قوله: (فإنْ كُنْتُ يَقْظى تَحَدَّثَ مَعِي) واعلم أنَّ في الكلام بعد سُنة الفجر ضَيِّقٌ
عند الحنفية. وثبت عن السلف أنهم كانوا يكرهونه أيضًا، وفيهم أسوةٌ للحنفية، ومَنْ أَراد
الاطلاعَ على آثارهم فليراجع ((مصنف)) ابن أبي شيبة، نعم ثَبَت عن النبيِّ وَِّ الكلامَ بعدها، ولا
٥٤٨
كتاب تقصير الصلاة
يُقاس كلامُ أَحَدٍ على كلامِهِ .
قوله: (وإنْ كُنْتُ نائمةً اضْطَجَعَ). قال النَخَعي: إن الاضطجاعِ بِدْعَةٌ .. ثُمَّ نُسِبَ ذلك إلى
الحنفية، مع أنه لم يَقُلْهُ مِنَّا أَحَدٌ. والصواب أنَّ الكلَّ ثابتٌ، ولكنه لم يكن من العبادات، بل
كان عادةً له وَ﴿، فمَنْ أرادَ تحصيلَ الأَجْر في اتباع عاداتِهِ نَّ فله في ذلك سلفٌ، فَلْيُخْرِزِ
الأَجْر ولا حَرَج. ومَنْ قصد أن يَتَّبع في عباداتِهِ فليفعل، ولْيَحْظَ بما قدر له.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
١٩ - كِتَابُ التَّهَجُّدِ
١ - بابُ التَّهَجُّدِ بِاللَّيلِ
وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمِنَ الَّلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩].
١١٢٠ - حدّثنا عَليُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ قالَ: حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ أَبِي
مُسْلِم، عَنْ طَاوُسٍِ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: كَانَ النَّبِيُّ نَّهِ إِذَا قَامَ مِنَ اللّيلِ
يَتَهَجَّدُ قالَ: ((اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمْوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ،َ
لَكَ مُلكُ السَّمْوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ، نُورُ السَّمُوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ
الحَمْدُ، أَنْتَ الحَقُّ، وَوَعْذَّكَ الحَقُّ،َ وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالجنَّةُ حَقٌَّ، وَالنَّارُ
حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ ◌َِّ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٍّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ،
وَعَلَيكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَما
أَخَّرْتُ، وَما أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ المُقَدِّم، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ، أَوْ: لَا
إِلَهَ غَيرُكَ)). قالَ سُفْيَانُ: وَزَادَ عَبْدُ الكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ: ((وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)). قالَ
سُفيَانُ: قالَ سُلَيمانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ: سَمِعَهُ مِنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ
النَّبِيِّ وَِّ. [الحديث ١١٢٠ - أطرافه في: ٦٣١٧، ٧٣٨٥، ٧٤٤٢، ٧٤٩٩].
واعلم أن التفعُّل ههنا للتجنُّب، بمعنى إزالة الهُجُود. وقال العلماء: إنَّ اسم التَّهَجُّد لا
يَصْدُق إلَّا بعد الهُجُود، فلا يطلق على صلاة الليل قبل الهُجُود. وفي ((المِشْكَاة)): ((أن هذا
السفر جهد وثقل، فَمَنْ صلَّى ركعتين بعد العشاء في أوليهما: ((إذا زُلْزلت))، وفي الثانية: ((قل يا
أيُّهَا الكافرون)) كَفَتاه عن التَّهَجّد)). فهذا تهجُّدُهُ قبل النوم، ولكنه لا يخالفُ ما قاله العلماءُ، فإنه
تَهَجُّدٌ حُكْمِي. وباب آخَر: ألا ترى أنَّ النبيَّ وَِّ أَمَرِ النَّاسَ أن يجعلوا الوِتْر في آخِر صلاةٍ
الليل، ثُمَّ أَوْصَى للبعض أن يُصَلُّوه قبل النوم. فهذا كلُّه تقسيمٌ على الأحوال.
ثم إنَّ التَّهَجُّد - وهي صلاة الليل - مُغَايرٌ للوِتْر عندنا ذاتًا، وهما مُتَّحِدَان عند الشافعية، فإنْ
صلَّاهَا قبل النوم سُمِّيت صلاةُ الليل، وإنْ صلَّاهَا بعدما استيقظ من نومه سُمِّيت تَهجُّدًا. فالفرق
بينهما وصفي، وكذا الوِتْر عندهم. فالوِتْر والتهجّد وصلاةُ الليل كلُّها عندهم متحدةٌ مصداقًا،
ومتباينةٌ مفهومًا واعتبارًا، وهي إحدى عشرةَ ركعةً، ثم قالوا: إنَّ ههنا صلاةً أخرى، وهي النَّقْل
مطلقًا والرجل مخير فيها إن شاء صلاها مائة فصاعدًا، بخلاف الوِتْر فإِنَّها لم تثبت فوق إحدى
٥٤٩
٥٥٠
کتاب التهجّد
عشرةَ في أَصَحِّ الروايات، فلها رَكَعَاتٌ معدودة.
وقلنا: أما الفَرْقُ بين صلاة الليل والتهجّد فكما ذكرتم، لكنَّ الوِتْرَ صلاةٌ مستقلة، مغايرة
ذاتية، متميزة بوقتها، وقضائها، وركعاتها، وتعيين قراءتها. وإنَّما التبست في بادىء النَّظر
لارتباطِهَا بصلاة الليل شَيْئًا. فَإِذَا تَقدَّمت وصُلِّيت بعد العشاء قبل النوم، كما كان أبو هريرة
وبعضٌ آخَرون يَفعَلُه امتازت عن شاكلةِ صلاة الليل. وقد مرَّ أنها ليست للإيتار فقط، بل صارت
صلاةً برأسها، وهو معنى قوله اَّ: ((إن الله أمدكم بصلاة)) ... إلخ فدلَّ على أن الوِتْر صلاةٌ
مستقلة لا أنه للإيتار فقط .
وأما الأحاديث فلا ريبَ أنها وردت بالنَّحْوين: فحديثُ عائشة رضي الله عنها عند أبي
داود وغيرِهِ: ((كَان يُوتِّر بأربع، وثلاثٍ)) ... إلخ، يُبنى على نظر الحنفية، وفصل الوتر عن صلاة
الليل. وحديث ابنِ عمرَ رضِي الله عنه يُبنى على إطلاقٍ صلاةٍ الليل على المجموع. فعن ابن
عمَر رضي الله عنه: أنَّ النبيَ وٍَّ كان يُوتِر على الدابة. أطلق فيه الوِتْر على صلاةِ الليل، ولا
حَرَج، فإنَّ الوِثْرِ منها فيِ الحِسِّ. وفي بعض الملاحظات. وروى الطحاوي عنه مرفوعًا:
((أنه {َّ كان يَنْزِلُ له)). فلعلَّه أرادَ به الوِتْر من صلاةِ الليل. فروايته الأولى تُبْنَى على إطلاقِ الوِتْر
على مجموع صلاة الليل. والثانية على فَصْله منها فلا تعارض. وقد أشكل عليهم الْجَمْعُ
بينهما، فحمله الشافعيةُ على مذهبهم، وحمله الطحاويُّ على أنَّ الوِتْر على الدابة كان فيما كان
فيه توسيعًا، فإذا عزم الأَمْر وتحتم الوِتْر نزل لها وَّ. والمختار عندي ما سمعتَ آنفًا .
ثُم إنَّ هذه من أنظار الرواة واعتباراتهم لا يُعقد منها شيءٌ ولا ينقض، ولا يصاغ منها أمرٌ
ولا يكسر. والقومُ قد بَثَّوا مسائلهم على تعبيراتِهم فقط، فوقعوا في حيرة. والأمر ما حَقَّقْناه في
مَوْضعه فتذكره. وما يُعْلَم من صنيع الأئمة أَنَّهما صلاتانِ متغايرتان عندهم كالبخاري. فإنَّه بَوَّبَ
للوِتْر، ثُمَّ بَوَّب للتهجد وصلاة الليل. فهذا يدلُّ على أنهما صلاتان عنده. وهكذا صنيعُ غيرهٍ. ثم إنَّ
الشافعية إذا دخلوا في باب الوتر قالوا: إن الوِتْر ثلاثٌ بالتسليمتين، وكتبوا في آخِر بابه أنه يجوزُ
بركعةٍ أيضًا. فاختاروا للعَمل الصورةَ الأُولى فقط، وإذا نزلوا على الجائزات وَسَّعوا بركعةٍ وغيرها .
فَعُلِم أن الخلافَ بِحَسَب العمل قليلٌ، وإنما يظهَرُ الجدلُ عند بيانِ الصور الجائزة.
قوله: (﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةٌ لَّكَ﴾﴾ [الإسراء: ٧٩] واختُلِفَ في تفسيرِ النافلة، فقيل:
فريضة زائدة لك، خُصِّصْتَ بها من بين أمتك. ثُمَّ ادَّعى النوويُّ رحمه الله تعالى أنه نُسِخ عنه
أيضًا. وقيل: عبادة زائدة في فرائضك، وقيل: زائدة لك خاصَّة وليست كفَّارةً بخلافِ أُمَّتِك،
لكونك لا ذَنْبَ عليك.
أقول: إنَّ النَّفْل ههنا على صرافة اللغة، لا ما في الفِقْه بالمعنى المقابل للفَرْض، فإنَّه
وُضِع له لَفْظُ التطوُّع الدال على كونه من طَوَع العبد بدون إيجابٍ من الله تعالى، أو إعطاء من
عنده، بخلاف النَّفْل فإنه يكون من جهةِ النافل بمعنى إعطاءِ الزيادة من جانبه، ومنه نَفَّل الغنيمةَ.
فالسَّهم هو الحِصةُ المعيَّنةُ، وما يزيدُهُ الإمام من جانبه لأحد يقال له النَّفْل، لأنه إعطاءٌ منه زائدًا
على حِصته، وفَضْلٌ منه، فالثَّفل صِفةُ النافل، والتطوع من جانب العبد، فقال: ﴿نَافِلَةٌ لَّكَ﴾
٥٥١
كتاب التهجّد
[الأنبياء: ٧٢] أي مِنَ الله تعالى، لا نافلةً مِنك لله تعالى. وعليه قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ
وَيَعْقُوبَ نَافِلَةٌ﴾ [الأنبياء: ٧٢] (بخشش) فَنَسب النَّفْلِ إلى نَفْسه، أي أعطيناك إسحاقَ ويعقوبَ عطية
من عندنا. فإِذَن هو بمعنى بلا شيءٍ واستحقاق منك، وترجمته (مفت) أي مجانًا، أو هو فَضْلٌ
لك وترجمتُه (بحت).
لكن على طور ما قلنا، والنَّفْل بهذا المعنى لا يَضَادُّ الْفَرْض كما في ((المشكاة)) في
أحاديث فَضْل الوضوءِ: ((إنَّ الوضوءَ يُكفِّر من الخطايا حتى تكونَ صلاتُهُ نافلة)»، أو كما في
أحاديث أمراءِ الجَوْر: ((فإن صَلَّيت لِوَقْتِهَا كانت لك نافلةً)) على شَرْح الحنفية، فإنَّ النافلة
أطلقت على الصلاة المكتوبة في الموضعين، كيف وقد مر أنَّ بِنِيَّة النافلةِ والفريضةِ واحدةٌ،
وإنَّما الفَرْق من حيثُ لحوقُ الأوامر بواحدةٍ دون أخرى، وذلك من الطوارىء، فالصلاة اسمٌ
للهيئةِ المشاهدة المخصوصةِ فقط، ولا تَعَلُّقَ لمسمَّاها بكونِها نافلةً أو مكتوبةٌ.
وأخطأ الرازيّ حيثُ زعم أن الصلاةَ لَفْظٌ مشتَرٌَ بين النافلة والمكتوبة، فجعلهما حقيقتَيْنِ
مختلفتين مع أنَّ الصوابَ ما قلنا، لأن اختلافَ النَّفْلية والفَرْضيةِ حَدَث من قبلِ الخارج، وذلك
لا يُوجِب اختلافَ الحقيقة. ولعلك عَلِمت منه أنَّ الآية لا تدلُّ على كونِ التّهجُّد تَطَوُّعًا في
حقِّه ◌ََّ، ومَنَ استدل عليه فكأَنَّه لم يُمْعِنِ النَّظر. وقد بَيَّنا أنَّ صلاةَ الليل كانت واجبةً أولًا، ثُم
لم يُنْسخ حرفٌ منها، غيرَ أنه نَزَلِ الأَمْرُ إلى التيسير، فَحَمِلُوه على نَسْخِ الأَصْلِ. نَعم غيرت في
صفةٍ منها شيئًا، فأُكِّدت منها قطعةٌ سُمِّيت بِاسم على حِدَة، وهو الوِتْر، وجُعِل لَه وَقْتٌ وهو آخِرُ
الليل لِمَنْ يَعْتَمِد الانتباه وإلَّا فأوَّلُ الليل، وَأَمَرِّ بقضائه.
ورُدِّد في وقتِ العِشاء مراعاةً لِوَقْت الوِتْر، ففي بعض الروايات وَقْت العشاءِ إلى النِّصف،
وفي البعض إلى الثُّلُث، وإلى جميع الليل. وَالنَّاسُ زَعَمُوه اختلافًا فتصدُّوا إلى وَجْه التوفيق.
وعندي: هذا الترديدُ مَبنِيٍّ على ترديد القرآن في صلاة الليل، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَِّّلُ
قُرِ الَِّلَ إِلَّا قِيلًا ﴿َ نِصْفَهُ، أَوِ أَنْتُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوَ زِدْ عَلَيْهِ وَرَبِّلِ الْقُرْءَانَ تَرْتِلًا ®
وحاصله: أن الليل كلَّه مَقْسومٌ بين العشاءِ وصلاةِ الليل، فإن صلَّى العشاءَ في النصف
الأول يُصلِّي التهجُّد في النصفِ الآخر، وهكذا في جانب القِلَّة والزيادة. ومِنْ ههنا جاء الترديدُ
في نزولِ الربِّ تبارك وتعالى، فإنَّه على النِّصْفِ، والثلث، حَسَب الترديد فيِ صلاةِ الليل. فَرَاع
هذه الترديدات كلَّها كيف تَنْحَظُ على مَحَطّ واحدٍ واعتبره، ولا تَزْعُمْها شكًا من الرواة. وإذا
دريت أن الوِتْر قطعةٌ من صلاةِ الليل، هان عليك أن تَدَّعِي وجوبه، ولولا طريقُهُ ظنيًّا لَقُلْنَا
بافتراضه، إلّا أنَّ كونَ هذا المقطوعِ والمُؤكَّد وِترًا وعُلِم من أخبارِ الآحاد فاكتفينا بالقَوْل
بوجوبهِ. والبسط في رسالتنا ((فَضْل الَخِطَاب في مسألة أمِّ الكِتَاب)).
١١٢٠ - قوله: (قال: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْذُ) ... إلخ. ولَعَلَّه كان يَدْعُو بهذا الدعاء عقيبَ
اليقظة قُبَيْلَ الوضوءِ .
قوله: (أَنْتَ فَيَّمْ السمواتِ) وهي علاقة الَقَيُّومِيّة التي اعتبرها الشَّرْع، وِهِي أَقْرَبُ من عَلَاقَةِ
الخالقية، وليست تلك عِنْدَ الفلاسفةِ، وعندهم عَلَاقَة العِلِّية والمبدئية. فاللَّهُ عندنا حَاكِمٌ على
٥٥٢
كتاب التهجّد
الإطلاق، يفعلُ ما يشاءُ ويَحْكُمُ ما يريدُ، وعِلَّةٌ عند الفلاسفة، فإنه لا قدرةَ عندهم له إلا على
جانبٍ واحد، تعالى الله عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا، كذا نقله الحافِظ ابنُ تيمية رحمه الله تعالى.
قلتُ: وهو الصوابُ من مذهبهم، فإنَّ ابن رشد لَخَّص ((مقالات أرسطو)) وذكر فيه: أنَّ
المُمْكِنَ عنده ما يوجَدُ تارةً وينعدِمُ أخرى، والممتَنِعُ ما لا يوجَدُ أبدًا، والضروريُّ ما يوجَدُ
أبدًا. وصرَّحوا أن الفَلَك ضروريُّ. وعلى هذا لا يُقال في البسيط أن فيه حَيْثِيتين: حيثية
الإمكان بِحَسَب ذاته، والامتناع باعتبارِ الغير. نعم يمكن أن يُقال إنه واجِبٌ باعتبار ذاتِه،
ومُمْكِنٌ باعتبارِ حركتِهِ. فحيثيةُ الإمكان ليست بالنَّظَر إلى الذاتِ، بل باعتبار الحركة. أما كونُ
ذاتِهِ ممكنًا باعتبار، وواجبًا باعتبار، فهذا مما لا يُسَوَّغُ عنده. ثم قال: إنَّ أوَّلَ مَنْ أوجده ابنُ
سينا، فهو يَنْظُر إلى طبيعةِ الشيء ودوام وجودِهِ، فيحْكُمُ عليه بِحُكُم النَّظر إلى طبيعتهِ، وبِحُكْم
آخَر بالنظر إلى وجودِهِ، بخلاف الفلاسفة، فإنَّهم عدلوا عن إخراج الاعتبارين في الأشياءُ
الدائمة. وحينئذٍ لم يَبْقَ لاسم واجبِ الوجود مزيَّته، فإن الفَلَك عندهم أيضًا واجِبُ الوجودِ.
ومِنْ ههنَا تَبَيَّنَ أن ما استدل به ابنُ سينا على إثباتِ الواجب لا يتأتَّى على قواعدِهِمْ. فإنَّه
قال: إنَّ من الأشياءِ ما هي ممكنةٌ بحسبٍ ذواتها، دائمةٌ باعتبارٍ وجوداتها، فلا بد أن تنتهي إلى
عِلة واجبةٍ، فإن الدوام لا يَخْلو عن سببٍ، فثبت الواجب. وهذا كما ترى يُبنى على القولِ
باعتبارين في شيءٍ واحدٍ وقد أنكروه. نعم للفلاسفة على هذا المطلب دَلِيلٌ آخَر على طورهم،
وهو أنَّ التسلسلَ في العلل مُحال، فلا بد أن تنتهي إلى واجب وهو المراد. وراجع التفصيل في
مواضعه .
قوله: (أَنْتَ نُورُ السَّمْوَاتِ) ... إلخ. وفي ((الِمِشْكَاةِ)): ((إنَّ اللَّهَ تعالى خَلَقَ الأَشياءَ في
الظلمة، فَرَشَّ عليها مِنْ نُورِهِ، فمن أصابَه اهتدى، ومَنْ أخطأه ضَلَّ) أو كما قال.
قوله: (أَنْتَ مِلْكُ السَّمْوَاتِ) .. إلخ. وذكر عَلَاقَة المِلْكية.
قوله: (أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ ولقاؤُكَ حَقُّ) ففي الأَوَّلِينَ قَصَر، وأما اللقاء فلم يكن
من أشياءِ القَصْر فَكَّرَه.
قوله: (وَبِكَ خَاصَمْت) أي في الدِّين، (وإليك حَاكَمْت) أي فيه.
قوله: (وَزَادَ عَبْدُ الْكَرِيم) ... إلخ. وهو ابن أبي الْمُخَارِق. ضَعَّفَه الترمذي في جميع
المواضع، وليس الجَزَري وهو ثقة. وعَدَّه المُنْذِرِي في الترغيب والترهيب من رجال البخاري
وإن كان في المتابعات، وردًّ عليه الحافظ رحمه الله تعالى وقال: ذكره في سَرْد القصة لا في
الإسناد، وهذا كَذِكْر الشيطانِ وأمثالِهِ في قَصَص القرآن ولا يَلْزِم مِنَ الذِّكْر في ذيل القِصَّة ثِقَتُهُ
أصلًا.
قلت: والصواب ما قاله الحافِظُ رحمه الله تعالى. ثم أقولُ إنَّ ((عبد الكريم)) هذا وإن لم
يكن مِنْ رِجال البخاري، إلا أنَّه يمكنُ أن يكونَ البخاريُ أخرج عنه قِطعةً ههنا لِما شَهِد بِصِدْقِه
قَلْبُهُ في خصوص هذا المقام.
٥٥٣
كتاب التهجّد
٢ - بابُ فَضْلِ قِيَامِ اللَّيلِ
١١٢١ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ محَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ (ح).
وَحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ قالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، عَنْ
أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كانَ الرَّجُلُ في حَيَاةِ النَّبِيِّنَ﴿ إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولٍ
اللَّهِ وَّةِ، فَتَمَنَّيتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا فَأَقُصَّهَا عَلَّى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، وَكُنْتُ غلامًا شَابًّا، وَكُنْتُ أَنَامُ
في المَسْجِدٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ لَّ، فَرَأَيتُ في النَّوْمِ كَأَنَّ مَلَكَينٍ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى
النَّارِ، فَإِذَا هِيَ مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ البِتْرِ، وَإِذَا لَهَا قَرْنَانٍ، وَإِذَا فِيهَا أُنَاسٌ قَدْ غَرَفْتُهُمْ، فَجَعَلتُ أَقُولُ:
أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ، قالَ: فَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَرُ، فَقَالَ لِي: لَمْ تُرَعْ. [طرفه في: ٤٤٠].
١١٢٢ - فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهَا حَفصَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، فَقَالَ: ((نِعْمَ
الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، لَوْ كانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيلِ)). فَكانَ بَعْدُ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيلِ إِلَّ قَلِيلًا. [الحديث
١١٢٢ - أطرافه في: ١١٥٧، ٣٧٣٩، ٣٧٤١، ٧٠١٦، ٧٠٢٩، ٧٠٣١].
١١٢١ - قوله: (وَكُنْتُ أَنَامُ في المسجد) وقد عَلِمْت أَنَّ ابنَ عمرَ رضي الله عنه كان مِمَّنْ
أرادَ أن يبني بيتًا من مَدَر، فلم يُعِنْه النَّاسُ عليه، فلا بأس لِمِثْلِهِ أن ينامَ في المسجدِ.
قوله: (كَطَيِّ الِثْر) كنوئين کي من.
قوله: (لم تُرَع) وهو وإنْ كان جَحْدًا لكنَّ ترجمتَه النهيُ، أي لا تُرَاعُوا، ويمكن حَمْلُهُ على
الجَحْد أيضًا .
٣ - بابُ طُولِ السُّجُودِ في قِيَامِ اللَّيْلِ
١١٢٣ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ قالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ:
أَنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَ ﴿ كانَ يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، كانَتْ
تِلكَ صَلَاتَهُ، يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذلِكَ قَدْرَ ما يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ،
وَيَرْكَعُ رَكْعَتَينٍ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَضْطَجِعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيمَنِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ المُنادِي
لِلصَّلَاةِ. [طرفه في: ٦٢٦].
١١٢٣ - قوله: (يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ ما يقرأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةٌ) واعلم أنَّ
النبيَّ ◌ََّ كان نهاهم عن الاقتداءِ به في صلاةِ الليل، لأنَّه لم يكن يُرَاعي فيه حال الضعفاء،
والمَرْضَى. ودل هذا أَنَّ بناءَها كان على الانفراد، وإليه أشار القرآنُ بقوله: ﴿نَافِلَةٌ لَّكَ﴾ [الإسراء:
٧٩] فَفَصَلَهُ عن الخمسة وقال: ﴿أَفِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَِّلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ﴾ فهذه
حَمْسُ صلوات أَمَرَ بِإِقَامَتِهَا، وإقامتُهَا أَنْ يُؤَدِّيَهَا مع الجماعاتِ في مساجدَ يُنَادَى بِهَا، ثُم ذَكَرِ
التهجّدِ فقال: ﴿وَمِنَ الَلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ﴾ فعبَّر عنها بالنافلة لعدم شَركة الجماعةِ فيها، فإنَّ
الصلواتِ الخَمْسَ فيها شركاءُ معك، كالسَّهْم يشترِكُ فيه الغانمون كلُّهم .
٥٥٤
كتاب التهجد
وأما النَّفْل فلا يكون فيه للجماعةِ حَقٌّ، كذلك هذه الصلاة نافلةً لك، فلا تدخل الجماعةُ
معك فيها، فهي حالُك الأحاديُّ وَوظِيفتُكَ الانفرادية، ولذا قال إمامنا رحمه الله تعالى: إن
التداعِي في صلاةِ الليل مكروهٌ. وَحَدُّ التداعي عندي - كما في العُرْف - بِأَنْ يُدْعَى لها الناسُ.
وما ذَكَرَه المُفْتُون فهو تحديدٌ للعَمَل لا أنه مَنْقُولٌ عن صاحبِ المذهب.
ثُمَّ إِنَّ النَّسائي بَوَّب عليه بأن تلك السجدةَ الطويلةَ كانت على حِدَة لا في ضمن الصلاة.
قلتُ: وهو بعيدٌ عن الصواب، بل كانت من أركانِ الصلاة. أمَّا السجدةُ المفردة فاستحبَّها
الشافعيةُ في أوقاتٍ مختلفة: بِأَنْ يسجدَ بها متى شاءَ، وهذا في غَيْرِ مَوْضع الشُّكْر أيضًا .
قلتُ: ولا أَضْلَ لها عندنا، نعم في الكتب في سجدة الشكر قولان، ولا بُدَّ من
القول بالجواز. وأمَّا ما اعتاد بها الناسُ بعد الوِتْر والتراويح فمنع منها في ((الكبيري شَرْح
المنية)) .
٤ - بابُ تَرْكِ القِيَامِ لِلمَرِيضِ
١١٢٤ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قالَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنِ الأَسْوَدِ قالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ:
اشْتَكى النَّبِيُّ وَّةِ، فَلَمْ يَقُمْ لَيلَةً أَوْ لَيلَتَينٍ. [الحديث ١١٢٤ - أطرافه في: ١١٢٥، ٤٩٥٠، ٤٩٥١،
٤٩٨٣].
١١٢٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرِ قالَ: أَخْبَرَنَا سُفيَانُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيسٍ، عَنْ
جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: احْتَبَسَ جِبْرِيلُ ◌َ ﴿ عَلَى النَّبِيِّ بَّهِ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ
مِنْ قُرَيشَ: أَبْطَأَ عَلَيهِ شَيطَانُهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَلِضُّحَىِ ﴿﴿ وَلَّيْلِ إِذَا سَجَى
◌َ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا
﴾ [الضحى: ١ -٣]. [طرفه في: ١١٢٤].
قَلى
واعلم أن المصنف رحمه الله تعالى أخرج ههنا متنًا واحدًا له سَنَدَانٍ وَحَوَّل بينهما، وجعل
في كتاب التفسير في تفسير سورة ((والضحى)) (ج٧٣٨/٢) متنَين بِسَنَدَيْن، هكذا قال: سَمِعت
جُنْدُب بن سفيان قال: اشتكى رسولُ اللَّهِ وَلّ فلم يَقُم ليلةً، أو ليلتين، أو ثلاثًا، فجاءت امرأةٌ
فقالت: يا محمد، إني لأرجو أن يكونَ شيطانُك قد تَرَكَكَ)) ... إلخ. والمرأةُ هذه امرأةٌ أبي
لَهَب كما يَنْطِقُ به خُبْثُ تعبيرِهَا. وعنه قالت امرأةٌ: (يا رسولَ الله مَا أَرَى صَاحِبَك إلا
أَبْطَأَك)) ... إلخ. والمرأةُ هذه هَي أُمُّ المؤمنين خديجةُ رضي الله تعالى عنها كما يُشْعِرُ به
مخاطَبَتُهَا إِيَّاهُ بَّهِ، وإنَّما ذَكَرَتْهَا تَحَسُّرًا، ثم ذَكَر فيهما نُزولَ الآيةِ، ولا يُتَوهَّم الاضطرابُ
بینھما .
والجواب: أنَّ الآيةَ نَزَلَتْ بعدهما، إلا أنه ليس مَوْضِع التحويل، فإنَّه يدل على كونهما
قصةً واحدةً، ومتنًا واحدًا من إسنادين مع أنهما متنانٍ مختلفان بإسنادين كذلك، كما يتضِحُ من
كتاب التفسير، وفي مِثْله لا يناسب التحويلُ، إلا أنَّ المصنِّفَ رحمه الله تعالى لما أخرجهما في
كتاب التفسير لم يبالِ بهذا الإيهام. ولعلَّ غَرَضَه ههنا التنبيه على كَوْنِ هاتين القطعتين في واقعةٍ
٥٥٥
كتاب التهجّد
واحدةٍ وإن كان الحديثانِ مُخْتَلَفين: الأول في امرأةٍ أبي لهب، والثاني في أُمِّ المؤمنين(١).
٥ - باب تَحْرِيضِ النَّبِيِّ وَلِّـ
عَلَى صَلَةِ اللَّيْلِ وَالنَّوَافِلِ مِنْ غَيرِ إِيجَابٍ
وَطَرَقَ النَّبِيُّ ◌َهِ فَاطِمَةَ وَعَلِيًا عَلَيهِمَا السَّلَامُ لَيلَةٌ لِلصَّلَاةِ.
١١٢٦ - حدّثنا ابْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
عَنْ هِندٍ بِنْتِ الحَارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيِّ ◌َِّ اسْتَيقَظَ لَيَلَةٌ، فَقَالَ:
((سُبْحَانَ اللَّهِ، ماذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتْنَةِ! مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الخُزَائِنِ! مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ
الحُجُرَاتِ؟ يَا رُبَّ كاسِيَةٍ في الدُّنْيا عارِيَةٍ في الآخِرَةِ)). [طرفه في: ١١٥].
١١٢٧ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ قالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ
حُسَينٍ: أَنَّ حُسَينَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسَوُلَ اللَّهِ ◌َِّ طَرَقَهُ
وَفَاطِمَّةَ بِنْتَ النَّبِيِّ نَِّ لَيلَةً، فَقَالَ: ((أَلَا تُصَلِّيانٍ؟)) فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْفُسُنَا بِيَدِ اللَّهِ،
فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَنَا بَعَثَنَا، فَانْصَرَفَ حِينَ قُلنَا ذلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهُوَ
مُوَلٍ، يَضْرِبُ فَخِذَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]. [الحديث
١١٢٧ - أطرافه في: ٤٧٢٤، ٧٣٤٧، ٧٤٦٥].
١١٢٨ - حدّثنا عَبدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ،
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: إِنْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ لَيَدَعُ الَعَمَلَّ وَهُوَ يَّحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ
بِهِ، خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفرَضَ عَلَيهِمْ، وَمَا سَبَّحَ رَسُولُ اللّهِ نَّرَ سُبْحَةَ الضُّحى قَظُ،
وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا. [الحديث ١١٢٨ - طرفه في: ١١٧٧].
ويستفادُ من كلام البخاريِّ أنَّ صلاةَ الليلِ لم تُنْسخ عنده بتمامِها، وهو المختارُ عندي على
خلاف ما يُعْلَم من مسلمٍ وأبي داود.
١١٢٦ - قوله: (يَا رُبَّ كاسيةٍ) وربَّ، ومُذْ، ومُنْذٍ، لا تحتاج إلى مُتَعَلَّق، ومجرُورُهَا
يكونُ في الأكثر مبتدأ. قال النحاة: إنَّ المنادى ههنا مَحْذُوفٌ.
(١) يقول العبد الضعيف: ويُعلم من تذكرة أُخرى أن القطعتان كانتا عند صحابيٍّ في واقعةٍ واحدة، أي نزول الآية
ورواهما التابعي أيضًا كذلك، ثُم لم يُدْرِكْهما الرواةُ من الأسفل، فأَدْرَك بعضٌ قطعةٌ، وبعضٌ آخَرُ قطعةٌ أُخرى،
فروى كلُّ ما أدرك على حِدَة. وهذا يدلُّ على كونِهما حديثًا واحدًا في الأَضْل، وإنما تَعَدَّدت الروايةُ من حيثُ
حِفْظ الرواةِ بَعْضَها ونسيانُ بعضِها. والذي قَبْله يدلُّ على أنهما حديثانِ خَلَط المصنِّفُ رحمه الله تعالى بينهما،
ولذا لم يناسِب التحويل. فحقيقةُ الأمر على التقريرِ الأول كما في التفسير، وعلى التقرير الثاني كما في كتاب
التهجّد، والله تعالى أعلم بالصواب. وكثيرًا ما لا أُحصِّل مرادَه، فيوجد تعارضٌ مِثْلُه، ولا سيما إذا كانت
التذكرةُ مشكوكة. أيضًا.
٥٥٦
كتاب التهجّد
قلتُ: بل إذا أُريد به اللفظُ يصير عَلَمًا لِنَفْسِهِ، وحينئذٍ تكون هي المُنَادى.
واعلم أن محمدَ بنَ مقاتل هذا تلميذ عبد الله بن المبارك، وهو تلميذُ الإمام أبي حنيفةً
رحمه الله تعالى، فإذن هو حنفيُ يُرْوى عنه في الفقه.
قوله: (وكانَ الإنسانُ أكْثَرَ شيءٍ جَدَلًا) [الكهف: ٥٤] فَتَرْكُ العملِ والاعتمادُ على القَدَر
سَمَّاه القرآنُ جدلًا. وحَاصِله أن النبيَّ مَ لِّلم يَرْضَ مِنْ تَمَسُّكِهِ بِالقَدَر، فإنَّ المرءَ إذا لم يستطع
القيامَ على شيء فهو عُذْرٌ صحيح، ويغمض عنه عند الكرام. أمَّا إذا لم يهيىء نَفْسَه واحتال
بالقَدَر ولاذَ به فهو مُجَادِلٌ لا معذورٌ، ولذا لم يَرْضَ به النبيُّ ◌َّ.
١١٢٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قالَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ
ابْنِ الزُّبَيرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ صَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي
المَسْجِدِ، فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ الِقَابِلَةِ، فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيلَّةِ
الثَّالِئَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ فَلَمَّا أَصْبَحَ قالَ: ((قَدْ رَأَيتُ الَّذِي
صَنَعْتُمْ، وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفرَضَ عَلَيْكُمْ)). وَذلِكَ في
رَمَضَانَ. [طرفه في: ٧٢٩].
١١٢٩ - قوله: (إنّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ) وهل من السُّنَن الإلهية إيجابٌ شيءٍ بالتزام
الناسِ أمرًا كالتزام الفريضة في زمن نُزولِ الوحي؟ فما يُعْلَم من سُنَن الدين أنه قد يُوجَبُ لكونِهِ
محبوبًا عند الله سبحانه وتعالى. كالتراويح، فإنهم إذا التزموه خَشِي النبيُّ ◌َِّ افتراضَه، وقد
يُشَدَّد من جهةِ الله سبحانه معاتبةً أيضًا، وهذا إذا شدَّد المرءُ على نَفْسه مضادةً كما في قصة
البقرة .
ثُمَّ في ((البدائع)) عن القاضي عياض: أنَّ الشُّروعَ في النَّفْلِ نَذْر فِعْلِيّ، فيجبُ کالنذر
القولي، وهذا يفيد الحنفية. قلتُ: ويُسْتَأْنسُ له من هذا الحديث أيضًا، فإنَّه يُشْعِر بأن الشيءَ قد
يَجِب بالالتزام أيضًا .
٦ - بابُ قِيَامِ النَِّيِّ ◌َّهِ بِاللَّيْلِ حَتَّى تَرِمَ قَدَماهُ
وَقَالَتْ عائشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: حَتَّى تَفَظَّرَ قَدَماهُ. وَالفُطُورُ: الشُّقُوقُ. ﴿ اَنْفَطَرَتْ﴾
انْشَقَّتْ.
كان يَفْعَلُ ذلك عند نزول أوائل المُزَّمِّل صيانةً للقَدْر المفروض، فإنه أَمْرٌ بقيام الليل كلِّه
إلَّا قليلًا. وفي الروايات: أنَّ اللَّهَ سبحانه كان خَيَّره في قيام الليل فأحيا كله إلى سَّنَةٍ من عند
نَفْسِه حتى تورَّمت قدماهِ، ونزل التيسير. وقد مَرَّ معنا التردُّد في كتاب الإيمان، أنَّ المأمورَ به
كان هو القيامَ بالليل كلِّه أو بَعْضِه، كما يُشْعِر به أوَّلُهَا، أو القرآن كما يُشْعِر به قوله: ﴿وَرَتِّلِ
الْقُزْءَانَ تَرِيلًا﴾ [المُزْمِّل: ٤] والقيامُ يتأدَّى بِتَرْك الهُجُود فقط. فالنظرُ يَدُور في أن الأصلَ هو القيامُ
والترتيل تكميلٌ له، أو الأصلَ هو الترتيلُ والقيامُ لأجْل الترتيل والذي ظهر لي أنَّ المأمورَ به هو
٥٥٧
كتاب التهجد
القيامُ، والترتيلُ تكميلٌ له، ولذا أشار إليه الحافظُ رحمه الله تعالى أن قيامَ الليل يتأدَّى في
ضِمْن الأذكارِ وغيرِهَا أيضًا(١).
١١٣٠ - حدّثنا أبو نُعَيم قالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ زِيادٍ قَالَ: سَمِعْتُ المُغِيرَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: إِنْ كانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ لَيَقُومُ لِيُصَلِّيَ حَتَّى تَرِمَ قَدَماهُ، أَوْ سَاقَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ،
فَيَقُولُ: ((أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا)). [الحديث ١١٣٠ - طرفاه في: ٤٨٣٦، ٦٤٧١].
١١٣٠ - قوله: (أفلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا) قيل: إنَّ الهمزةَ تقتضي الصَّدْر، والفاء تقتضي
الدَّرْجِ، فكيف التوفيقُ بين مقتضاهما؟ فَقَدَّرَ له الزمخشريُّ فِعْلًا وقال: أصله أأتركُ قيامَ الليلِ فلا
أكونُ عبدًا شكورًا، فيكونُ الفِعْلُ الأول سببًا، والثاني مُسبَّبًا. وحاصِلَهُ أنه لو تَرَك الصلاةَ لم يكن
عبدًا شكورًا، وخالفه جمهورُ النحاةِ وقالوا بترجيح حَقِّ الاستفهام على حَقِّ الفاء، فبقي الاستفهام
على صَدَارَتِهِ، والعطف وإن اقْتَضَى الدرج لكنه تُرِكَ مقتضاه ههنا. وحينئذٍ حاصله أن المغفرةَ لا
تقتضي تَرْكَ الاجتهادِ والعبادة، فإن الاجتهادَ قد يكونُ لتكفيرٍ، وقد يكون لأداء الشُّكْر، وهذا هو
الأَصوب عندي، وإليه يشيرُ قوله تعالى: ﴿نَافِلَةٌ لَّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]. وفي قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ
رَبُّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] ... إلخ إشارةٌ بليغةٌ إلى أنَّ للتهجُّدِ دخلًا في وصولِ المقام المحمود. ثُمَّ إِنَّ
النبيَّ وَّ كان يَقْسِمُ لَيْلَه أسداسًا: السدسان الأَوَّلان - وهما الثلث - للعَشَاء، ثم السُّدس
للاستراحة، ثُم السدسُ الرابع والخامس في العبادة، ثُمَّ للاستراحةٍ، وهذا في الأغلب.
٧ - بابُ مَنْ نَامَ عِنْدَ السَّحَرِ
١١٣١ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ قالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : أَنَّ
عَمْرَو بْنَ أَوْسِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ مََّ قالَ لَّهُ: ((أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَةٌ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ
صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفِطِّرُ يَوْمًا)).
[الحديث ١١٣١ - أطرافه في: ١١٥٢، ١١٥٣، ١٩٧٤، ١٩٧٥، ١٩٧٦، ١٩٧٧، ١٩٧٨، ١٩٧٩، ١٩٨٠،
٣٤١٨، ٣٤١٩، ٣٤٢٠، ٥٠٥٢، ٥٠٥٣، ٥٠٥٤، ٥١٩٩، ٦١٣٤، ٦٢٧٧].
(١) يقول العبد الضعيف: وهو الذي يُعْهد مِن سُنَّةِ النبيِّ وََّ، فإِنَّه كان يُصلِّي ثم يَفْصِلُ بينهما بالأدعية، والأذكار،
وأخرى بالنوم على ما أعلم، فدلَّ على أن المقصودَ بالقيام هو إِحياءُ الليل. سواءٌ كانَ بالقرآنِ أو الأذكار. قال
الشيخ رحمه الله تعالى: إنَّ المأمور به هو القيامُ والقرآنُ، ولا ذِكْر فيها للصلاةِ. وحاصل السورة عندي أن القيامَ
منسوخٌ، والقرآن باقٍ، نعم نزل فيه التيسير، ولذا قال: ﴿فَأَقْرَءُواْ مَا تَرَ مِنْهُ﴾ [والمزمِّل: ٢٠] فنزل التيسير فيه ولم
يذكر القيام، وكذلك الصلاة باقيةٌ على حالها، فصلاةُ الليل منسوخةٌ لحال القيام وباقيةٌ لحال القراءة، وهي
ثلاثُ ركعاتٍ، الوِثْر التي قام بها الإِمام، لا يُقال: قوله: ((خشيت أَن تُفْرض عليكم)) يناقِضُه على قول مَنْ ذهب
إلى اتحادِ التراويح وصلاة الليل، كما هو المختار عندي، فدل على عَدَمِ افتراضها قطعًا، مع أَنك قائلٌ بإيجاب
حِصَّةٌ منها بعد. قلت: معناه خشيتُ أَن تُفْرَض عليكم بهذه الصفة المخصوصة لا أصل الصلاة، ولا بُدَّ من هذا
التأويل، وإلا فما الخشيةُ بعد افتراضِ الخَمْسِ وسَبْقِ القول: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقُولُ لَدَنَّ﴾ [ق: ٢٩] فاعلمه.
٥٥٨
کتاب التهجّد
١١٣٢ - حدّثني عَبْدَانُ قالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَشْعَثَ: سَمِعْتُ أَبِي
قالَ: سَمِعْتُ مَسرُوقًا قالَ: سَأَلتُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَيُّ العَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى
النَّبِّ ◌ِّهِ؟ قالَتِ: الدَّائمُ، قُلتُ: مَتَّى كانَ يَقُومُ؟ قَالَتْ: يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ. [الحديث
١١٣٢ - طرفاه في: ٦٤٦١، ٦٤٦٢].
حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَام قالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الأَخْوَصِ، عَنِ الأَشْعَثِ قالَ: إِذَا سَمِعَ
الصَّارِخَ قامَ فَصَلَّى.
١١٣٣ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ قالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ذَكَرَ أَبِي عَنْ
أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالتْ: ما أَلفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إِلَّا نَائِمًا، تَعْنِي
النَّبِيَّ وَُّ.
والسَّحَر سُدُسُ اللَّيلِ الآخِرِ.
١١٣٢ - قوله: (الصَّارِخ) وفي ((سيرة العراقي)) أنه كان عندَ النبيِّ وَّ دِيكٌ أَبْيض.
وكان عند النبيِّ الديك أبيض له كذا المُحِبُّ الطبريُّ نَقَلَه
٨ - بابُ مَنْ تَسَخَّرَ فَلَمْ يَنَمْ حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ
١١٣٤ - حدّثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ بِّهِ وَزَيدَ بْنَ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَسَخَّرًا،
فَلَمَّا فَرَغاَ مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ وَّهِ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى. قُلنَا لأَنَسٍ: كَمْ كانَ بَينَ
فَرَاغِهِما مِنْ سَحُورِهِما وَدُخُولِهِمَا في الصَّلَاةِ؟ قالَ: كَقَدْرِ ما يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةٌ.
[طرفه في: ٧٥٦].
يعني ثبت عنه النَّوْمُ عند السَّحَر بعد قيامِ اللَّيل، كما في الباب السابق. وثَبَت عنه أنه
تَسَخَّر فلم ينم حتى صَلَّى الصُّبْح، وذلك في رمضانَ غالبًا .
قوله: (خمسين آية) وتعجَّب الحافِظُ رحمه الله تعالى على قِلَّة تلك الفاصِلة. قلتُ: ولا
عجب فيه من صاحبِ الوحي، فإنه تنامُ عيناه ولا يَنَامُ قَلْبُهُ.
٩ - بابُ طولِ القِيَامِ في صَلَةِ اللَّيلِ
١١٣٥ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ قالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َل﴿ لَيلَةٌ، فَلَمْ يَزَل قَائمًا حَتَّى هَمَمْتُ
بِأَمْرِ سَوْءٍ. قُلنَا: وَمَا هَمَمْتَ؟ قالَ: هَمَمْتُ أَنْ أَفْعُدَ وَأَذَرَ النَّبِيَّ وَّ.
١١٣٦ - حدّثنا حَفصُ بْنُ عُمَرَ قالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ حُصَينٍ، عَنْ أَبِي
٥٥٩
کتاب التهجّد
وَائِلٍ، عَنْ حُذَيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِيهِ كَانَ إِذَا قامَ لِلتَّهَجِّدِ مِنَ اللَّيْلِ، يَشُوصُ فاهُ
بالسِّوَاكِ .
١٠ - باب كَيفَ كانَتْ صَلاَةُ النَّبِيِّ ◌َِّ
وَكَمْ كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ
١١٣٧ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ قالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِيِ سَالِمُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: إِنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيفَ
صَلَاةُ اللَّيلِ؟ قالَ: ((مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خِفتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ). [طرفه في: ٤٧٢].
١١٣٨ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنَا يَحْيى، عَنْ شُعْبَةَ قالَ: حَدَّثَنِي أَبُو جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قالَ: كَانَ صَلَاةُ النَّبِيِّ ◌َِّ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يَعْنِي بِاللَّيلِ .
١١٣٩ - حدّثنا إِسْحاقُ قالَ: حَدَّثَنَا عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى قالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ
أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ يَحْيِىِ بْنٍ وَثَّابٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: سَأَلتُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنْ
صَلَاةِ رَسُولِ اللّهِ وَِّ بِاللَّيْلِ؟ فَقَالَتْ: سَبْعٌ وَتِسْعٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ، سِوَى رَكْعتيِ الفَجرِ.
١١٤٠ - حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى قال: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ، عَنِ القَاسِم بْنِ مُحَمدٍ، عَنْ
عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كانَ النَّبِيُّ ◌َّهَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَّكْعَةً، مِنْهَا الوِثْرُ
وَرَكْعَتَا الفَجْرِ .
وقد مر معنا أن الحافظ رحمه الله تعالى جعَل سُؤاله راجعًا إلى العدد، كأنه لم يكن عالِمًا
بِعَدد صلاةِ اللَّيلِ فَعَلِمه أنها مَثْنَى مثنى. وسؤاله عندي عن نَضْد الوِتْر مع صلاةِ الليل، أي أين
يَضَعُهُ، بعدَها أَم قَبْلَها؟ فكأَنَّه كان عالِمًا بصلاةِ الليل والوِتْر من قَبْل، فأرادَ أن يتحقَّقَ عن
تَرِيبِهِمَا، فأجابه أن يجعلَ الوِتْر في آخِر صلاتِهِ، فيجعلها وِتْرًا. وهذا هو المُصرَّح في سياق
((مسلم). ونكتةُ قوله: ((مَثْنَى مَثْتَّى)) قد قَدَّمناها مِنْ قَبْل مشروحةً ومُفَصّلة.
ثم إنَّ صلاةَ لَيْلِهِ وَجِ﴿ ثبتت إحدى عشرةَ، وثلث عشرة ركعة، وإن وهم بعض الرواة في
بعض الروايات فذكر الأول مكان الآخر فذاك وَهمٌ في الرواية فقط، أمَّا عادتُهُ وَِّ فقد ثَبَتت
بالنَّحْوَين.
١١٤٠ - قوله: (مِنْهَا الوِتْر وَرَكْعَتَا الفَجْر) وإنما يَذْكُرُهما الراوي مع الوِتْر لاتحاد
مَوْضِعِهِما. فإنَّه كان يُصلِّيهما حيث كان يصلِّي الوِتْر. وهما في الحقيقةِ صلاتانِ مختلفتانٍ.
وكأن لهاتين شَبَهًا بصلاةِ الليلِ وشَبَهًا بصلاةِ النَّهار، فيعدهما الراوي تارةً في الليليةِ، وأُخْرى
في النهاريةِ، رعايةً للشَّبَهَيْن، فإنَّهما في آخِر جزءٍ من الليل، وأوَّل جزءٍ من النهار.
ثُم اعلم أنَّ روايةَ القاسم بن محمد عن عائشةَ رضي الله عنها هذه أخرجها الدار قطنيُّ
أيضًا، وفيها: أن وِتْره كان بواحدةٍ، وليس فيها ذِكْر سائر صلاة لَيْلِهِ وَّرَ، فظنَّه الشيخُ النِّيمَوِي
٥٦٠
كتاب التهجّد
رحمه الله تعالى دليلًا على كونِ الوِتْر بواحدةٍ.
قلتُ: وتلك الروايةُ هي هذه الرواية بعينها متنا وسندًا، واختُصِرت عند الدارقطنيٍّ رحمه الله
تعالى. وأخرجها البخاريُّ رحمه الله تعالى مُفَصلةً، وفيها وِتْرُهُ بثلاث عشرةَ ركعةً كما رأيت،
فليُتَنَبَّه. ومِثْل هذا قد وقع من الرواةِ كثيرًا، ومَنْ لا ينظرُ إلى طُرُق الروايات يقع له مِثْلُهُ كثيرًا .
وقد كَشَفْنَا عن وُجوهِ التعبير وما رامه الرواة شيئًا من قبل فتذكره. والتفصيل في (كَشْف السِّتر عن
مسألة الوِثْر)).
١١ - بابُ قِيَامِ النَّبِيِّ ◌َّ بِاللَّيْلِ وَنَوْمِهِ، وَمَا نُسِخَ مِنْ قِيَامِ اللَّيلِ
ـ) أَوْ زِدْ
نِصْفَهُ أَوِ أَنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَِّّلُ ﴿ قُمِ اَلَيْلَ إِلَّا قَلِيلًا
عَلَيْهِ وَرَقِّلِ الْقُرْءَانَ تَزِلًا ﴿ إِنَّا سَنُلِّقِى عَلَيْكَ قَوْلَا تَقِيلًا ﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ الَلِ هِىَ أَشَّدُ وَطْنَا وَأَقْوَمُ قِيلًا
تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكَمْـ
ذّن
﴿ عَلِم
﴿ إِنَّ لَكَ فِي النََّرِ سَبْحًا طَوِيلاً
أَنْ
﴾ [المزمل: ١ - ٧] وَقَوْلِهِ:
Y
فَأَقْرَغُواْ مَا نَشَرَ مِنَ الْقُرْءَانِّ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ تَرْضَىْ وَءَاخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِى الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ
وَءَاخَرُونَ يُقَبِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَأَقْرَهُواْ مَا تَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَفْرِضُواْ اللَّهَ فَرْضًا حَسَنَّأْ وَمَا
نُقَيِّئُواْ لِأَنْفُسِكُمِ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرً﴾ [المزمل: ٢٠]. قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا: نَشَأَ: قامَ، بِالحَبَشِيَّةِ. ﴿وِطَاءً﴾ قَالَ: مُوَاطَأَةَ القُرآنِ، أَشَدُّ مُوَافَقَةً لِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ
وَقَلِهِ. ﴿لِيُوَاِئُواْ﴾ [التوبة: ٣٧]: لِيُوَافِقُوا .
وهذا الذي نَبَّهْتُكَ عليه أنَّ المصنِّف رحمه الله تعالى ذَهَب إلى شرعيةِ بَعْضٍ صلاةِ الليل،
ونَسْخِ البَعْض، ولذا أتى بِحَرْف التَّبْعِيض. ثُمَّ هذه الإشارةُ على ما حَرَّرْتُ من قبلَ، أَنَّ ((مِنْ)) في
سائر كتابه للتبعيض. والشارحون قد يجعلونَها بيانيةً، وقد يجعلونها تَبْعِيضيَّةً. وإنَّما اخترت ما
اخترت ليكونَ النَّسق في جميع كتابه واحدًا. وراجع كلامَ الرَّضِيِّ للفَرْق بين البيانيةِ والتبعيضية.
ومِمَّنْ صَرَّح بِعَدم نَسْخِهَا القاضي أبو بكر العربي(١) وهو المختار عندي. وَلَعلَّهَا كانت
مشروعةً من الابتداء حين كانت الصلاتان فقط، ولذا نَجِدُ ذِكْرَها مع الصلاتين في غيرِ واحدٍ من
وَمِنَ الَيْلِ﴾ [ق: ٣٩،
(٣٩
الآياتِ. قال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوع الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ
٤٠] ... إلخ، ثُمَّ بقيت حِصَّةٌ منها إلى زَمن افتراض الخَمْسِ وإن تَغَيَّرت شَاكِلَتُهَا شيئًا .
(١) قال القاضي في ((العارضة)) ص (٢٤٦) ج (٢): وقد اختلف الناسُ في صلاة الليل، فمال البخاري إلى وجوبها،
وتَعلَّق بقوله ◌َّ: ((يَعقدُ الشيطانُ على قافِيةِ رَأسٍ أَحَدِكم إذا هو نام ثلاثَ عُقَدٍ ... )) الحديثَ. وهذه العُقْدَةُ تَنْحَلُّ
بصلاةِ الصُّبح، ويكون في ذِمَّةِ اللَّهِ كما قال رسول الله وَّةَ. وقد بَيَّنَت عائشةُ رضي الله عنها الأَمْرَ غايةَ البيان
فقالت - في ((صحيح مسلم)) -: ((إنَّ قيامَ اللَّيل مَنْسُوٌ)). اهـ. مختصرًا. قلت: فهذا يَدُلُّ على أنَّ القاضي اختار
النَّسْخَ على خِلافِ البخاري، وعلى خلافِ ما حكاه الشيخ رحمه الله تعالى. فيمكِنُ أن يكونَ ما نسبه إليه في
((أحكامه)) أو يكون من سبقة قَلَمي. والله تعالى أعلم بالصواب.