Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
كتاب الأذان
وفيه ثلاثةُ أقوالٍ عندنا: قيل: إن ضَمَّ السورة يُوجِبُ سجدة السهو، وقيل: لا يُوجِب بل
يُكْرَه، وقيل: لا يُسَنُّ ولا يُكْرَه، وهو قول فخر الإسلام، وهو المختار عندي.
١٠٨ - باب مَنْ خَافتَ القِرَاءَةَ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ
٧٧٧ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيرٍ،
عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ: قُلتُ لِخَبَّبِ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ يَقْرَأَ فِي الظُّهَرِ وَالعَصْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ،
قُلْنَا: مِنْ أَينَ عَلِمْتَ؟ قَالَ: بِاضْطِرَابٍ لِحْيَتِهِ. [طرفه في: ٧٤٦].
١٠٩ - بابٌ إِذَا أَسْمَعَ الإِمَامُ الآيَةَ
٧٧٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيِى بْنُ أَبِي
كَثِيرٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّنَّهَ كَانَ يَقْرَأُ بِأُمِّ الِكِتَابِ وَسُورَةٍ
مَعَهَا، فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَينِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَصَلَاةِ العَصْرِ، وَيُسْمِعُنَا اَلآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَانَ
يُطِيلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُوَلَى. [طرفه في: ٧٥٩].
١١٠ - بابٌ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى
٧٧٩ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قَالَ: حَدَّثْنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيِىٍ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النّبِيَّ ◌َّهَ كَانَ يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَّى مِنْ صَلَّةِ الظُّهْرِ، وَيُقَصِّرُ
فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَيَفْعَلُ ذلِكَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ. [طرفه في: ٧٥٩].
وفي إسناده أبو نُعَيْم: وهو ابن دُكَيْن، وله قصة: وهي أن أحمد بن حنبل وابن معين رحلا
إلى عبد الرزَّاق في اليمن ليأخذا منه الأحاديث، فتبعهما رجلٌ كان أدون منهما، فلمَّا رَجَعًا
عنه، قال ابن معين: أريد أن أَخْضُرَ أبا نُعَيْم فأجرِّب حفظه، هل تغيَّر أو لا؟ وقد كانا أخذا منه
أحاديث قبل ذلك، فجمع ابن معين ثلاثين حديثًا من أحاديثه، وأَدْخَلَ بعد كل عشرةٍ منها حديثًا
من غيره لم يُحَدِّث به أبو نُعَيْم، لينظر أنه هل يعرف حديثه من غيره أو لا؟ فقال له أحمد بن
حنبل رحمه الله تعالى لا تَخْتَبِرْه، فإنه على حفظه، فأبى ابن معين إلّا أن يفعله، حتى جعل يُلْقِي
عليه حديثًا حديثًا، فكلما يَبْلُغُ إلى العاشرة، يقول أبو نُعَيْم: ليس هذا من حديثي. فلمَّا بَلَغَ
الموضع الثالث، عرف أبو نُعَيْم أنه اختبره، فقال لأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: أما هذا
فأورع من ذلك، وللذي تبعهما: أمَّا هذا فأصبر من ذلك، ولا أراك إلَّا أنت يا ابن معين،
وضرب صدره برجله. فقال له أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى : : ألم أقل لك إنه على حفظه
كما كان.
ثم ابن معين كان حنفيًا كما مرَّ، ومن مقالته: إنا نتكلّم في رجالٍ قد ضربوا الأخبية في
الجنة قبلنا بمائتين، ولمَّا بَلَغَتْ أبا حاتم مقولِتُه هذه، أطبق الكتابِ، وما زال يبكي في مجلسه،
ثم قال: وما بنا في الكلام عليهم من حاجة إلَّا دَعَثْنَا ضرورةٌ، فنتكلّم عليهم لهذه.

٣٦٢
كتاب الأذان
١١١ - بابُ جَهْرِ الإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ
وَقَالَ عَطَاءٌ: آمِينَ دُعَاءٌ، أَمَّنَ ابْنُ الزُّبَيرِ وَمَنْ وَرَاءَهُ، حَتَّى إِنَّ لِلمَسْجِدِ لَلَجَّةٌ. وَكَانَ
أَبُو هُرَيْرَةَ يُنَادِي الإِمَامَ: لَا تَفُتْنِي بِآمِينَ. وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَدَعُهُ، وَيَحُضُّهُمْ،
وَسَمِعْتُ مِنْهُ فِي ذلِكَ خَيرًا .
٧٨٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ
المُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ: أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ، عَنْ أَبِيَ هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيِّنَلِ قَالَ:
(إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ).
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ يَقُولُ: ((آمِينَ)). [الحديث ٧٨٠ - طرفه في: ٦٤٠٢].
١١٢ - بابُ فَضْلِ التَّأْمِينِ
٧٨١ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَهِ قَالَ: ((إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: آمِينَ، وَقَالَتِ
المَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ، فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)).
١١٣ - بابُ جَهْرِ المَأْمُومِ بِالتَّأْمِينِ
٧٨٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ، عَنْ سُمَيّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي
صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِن ◌َِّ قَالَ: ((إِذَا قَالَ الإِمَامُ: ﴿ِغَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمُ
وَلَا الْضَّالِينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)).
تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ. وَنُعَيمُ المُجْمِرُ،
عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. [الحديث ٧٨٢ - طرفه في: ٤٤٧٥].
اختار المصنّف رحمه الله تعالى القولَ القديمَ للشافعيِّ رحمه الله تعالى، مع أن الأقربَ
إلى الحديث هو الجدیدُ.
قوله: (قال عطاءٌ: آمِينَ دُعَاءٌ). بقي أن سنةَ الدعاء هي الجهر والإخفاء، فالذي يَظْهَرُ أن
الأصلَ الإخفاءُ، وثَبَتَ الجهرُ بالعوارض أيضًا، ولا يَصِحُ التمسُّك من النص على خلاف الجهر
إلَّا بعد ثبوت سنة الإسرار من الحديث، كما سيجيء منا الإِشارةُ إليه.
قوله: (وأَمَّنَ ابن الزُّبَيْر)، ولعلَّه حين كان يَقْنُتُ في الفجر على عبد الملك، وكان هو
يَقْنُتُ على ابن الزُّبَيْر رضي الله عنه، وفي مثل هذه الأيام تجري المبالغات أيضًا.
قوله: (وكان أبو هُرَيْرَة رضي الله عنه ... ) إلخ. وهذا حين كان مؤذِّنًا في البحرين، فانظر
أن أبا هُرَيْرَة رضي الله عنه يَهْتَمُّ بالتأمين ما لا يَهْتَمُّ بالفاتحة، فأين ذهبت الفاتحة؟ وهو الذي
يقوله عند مالك في «موطئه)): ((لا تسبقني بآمين))، فهمُّه بالتأمين أكثر منه بالفاتحة، مع أنه لا
تعلُّقَ له بالجهر .

٣٦٣
كتاب الأذان
قوله: (وقال نافع ... ) إلخ. وهذا عامٌّ لخارج الصلاة وداخلها، وقد ثَبَتَ عندنا أنه كان
يقول: آمين خارج الصلاة أيضًا. واعلم أن مذهب الإمام: إخفاء التأمين للإِمام والمأموم، وهو
روايةٌ عن مالك رحمه الله تعالى، ومذهبه: إخفاؤه للمأموم، وتركه للإِمام رأسًا، وهو أيضًا روايةٌ
عن إمامنا. وذهب الشافعيُّ رحمه الله تعالى في القديم: إلى الجهر لهما، وفي الجديد: إلى
الجهر للإمام دون القوم. وعن أحمد رحمه الله تعالى: الجهر بالتأمين. ولكن لا أعلم ماذا
تفصيله عنده.
قلت: وما ظَهَرَ لي هو أنه ثَبَتَ الجهر عن النبيِّ وَّرِ قطعًا، لكن لا على طريق السُّنية، بل
للتعليم أحيانًا، أي لتعليم أنه ما يقرأ. نبَّه عليه الجُرْجَاني في ((حاشية الكَشَّاف))، ومحمد
البِرْكِلي في «تفسيره)»، وهو من علماء الروم، متقدِّم عن ابن الهُمَام رحمه الله تعالى. وصرَّح في
(البرهان)) بجوازه، وهو الذي قال به صاحب ((الهداية)) فى التسمية: إن الجهرَ بها كان تعليمًا،
فلو أجاب بمثله في التأمين لاسترحنا .
وعندي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى نصًّا أنه يجوز الجهرُ به في قنوت النازلة، فسلّمْتُ
الجواز في الصلاة أيضًا. وأكثر السلف كانوا يُسرُّون به كما في ((الجوهر النقي)) (١) عن ابن جرير
الطبري (٢) فتحصَّل: إن الجهرَ جائزٌ، والإِسرارَ به سنةٌ، وهو المختار عندي. ومن قال بكراهة
الجهر، فقد قَصَرَ. ثم ههنا ثلاثة أحاديث:
الأول: ((إذا أَمَّنَ الإِمامُ، فَأَمِّنُوا)).
والثاني: إذا قال الإِمامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ الضَّآلِينَ﴾، فقولوا: آمين)).
والثالث: ((إذا أمَّنَ القارىءُ، فَأَمِّنُوا)).
وتمسّك الشافعيةُ بالأول، فإِنه صريحٌ في جهر المأموم والإِمام، فإنه أَمَرَ المأمومَ أن يُؤَمِّنَ
عند تأمين الإِمام، فأوجب أن يكونَ تأمينُ الإِمام جهرًا، ليتمكَّن المقتدي أن يُؤَمِّنَ على تأمين
إمامه، وإذا كان تأمينه جهرًا لهذا الحديث، فعلى شاكلته تأمين المأموم. وأجابوا عن قوله: ((إذا
قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ... )) إلخ: أنه على حذف المعطوف، أي: فَأَمَّنَ، وأُقِيمَ
(١) قال الطبري: ورُوِيَ ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النَّخَعِيِّ والشَّعْبِيِّ، وإبراهيم التَّيْمِي: كانوا يخفون
بآمين. والصواب أن الخبرين بالجهر بها والمخافتة صحيحان، وعَمِلَ بكل من فِعْلَيْهِ جماعةٌ من العلماء. وإن
كنتُ مختارًا خَفْض الصوت بها إذا كان أكثرُ الصحابة والتابعين على ذلك. اهـ. ((الجوهر النقي)) وفيه: قال
الطبري في ((تهذيب الآثار)): أخبرنا أبو كُرَيْب: حدَّثنا أبو بكر بن عيَّاش، عن أبي سعيد، عن أبي وائل قال: (لم
يكن عمر وعلي رضي الله عنهما يَجْهَرَان بـ: ﴿ِسمِ أَقَِّ اَلََّنِ الْرَةِ ﴾﴾، ولا بآمين)». اهـ.
(٢) واعلم أن أولَ من صنَّف في اختلاف العلماء الطحاويُّ، فذكر فيه مسائل الصحابة رضي الله عنهم والتابعين
والمجتهدين، واختلافهم فيما بينهم، قال ابن نديم صاحب ((كتاب الفهرس)): إني وَجَدْتُ من تصنيفه هذا ثمانين
جزءًا ثم صنَّف فيه ابن نَصْر، وابن مُنْذِر، ثم ابن جرير الطبري مجلدًا ضخمًا، وجزءٌ منه يوجد بأوروبا. ثم ابن
عبد البَرِّ، وسبقهم الترمذي، فإنه توجّه إليه في مواضع من ((جامعه)). كذا في تقرير الفاضل عبد العزيز من كلام
الشيخ رحمه الله تعالى - معربًا ..

٣٦٤
كتاب الأذان
المعطوف عليه مقامه، لكونه دالاً عليه وسببًا لعلمه، وليس بناء على الترك، بل لأن المطلوبَ
في التأمين هو الموافقةُ مع الإمام.
وحينئذٍ لا بُدَّ أن يُحَال تأمين المأموم على قراءة الإِمام بقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾
إلخ، ليصيرَ المقتدي بعد سماعه على أُهْبَةٍ من تأمينه، فيُؤَمِّنُ إذا فَرَغَ الإِمامُ من قراءته ويُؤَمِّنُ،
وتتحصَّل الموافقةُ المطلوبةُ، ولو علَّق تأمينَه على تأمين الإِمام لفاتت الموافقة، فإِن تأمِينَ القوم
حينئذٍ يقع بعد تأمين الإِمام لا محالة، ولا تَحْصُلُ الموافقة. فإِذن قوله: ((إذا أَمَّنَ الإِمامُ فَأَمِّنُوا»:
لبيان موضع الالتقاء، ولبيان الجهر بهما. وقوله: ((وإذا قال الإمام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ إلخ،
لبيان موضع التأمين ولزوم الموافقة.
وأما المالكية فتمسكوا من قوله: وإذا قال الإمام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ إلخ؛ بأنه يَدُلُّ
على التقسيم كقوله: ((إذا قال الإِمامُ: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد))، على ما
قرَّرنا، فقلنا بالتسميع للإِمام، والتحميد للمقتدي. كذلك قال المالكية ههنا: إن الإِمام يقرأ
فقط، فلا يُؤَمِّنُ، ويُؤَمِّنُ المقتدي فقط ولا يقرأ، فهو على التقسيم.
قلتُ: ولعلَّهم قاسُوا التأمين في الصلاة على التأمين في الخارج، وليس في الخارج إِلَّا
المقاسمة بين الدعاء والتأمين، فيدعو واحدٌ ويُؤَمِّنُ آخرون. فهكذا جعلوا الإِمام داعيًا،
والمأمومين مُجِيبين، فلو أمَّنَ الإِمامُ أيضًا لانقلب الموضوع، وصار الداعي مُجِيبًا، فَيَقْتَصِرُ على
قوله فقط، ولا يَبْسُطُ يده إلى حقِّ غيره.
وأجابوا عن الحديث: بأن معناه: إذا حملكم الإِمامُ على التأمين، بأن يقرأ: ﴿غَيْرِ
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَ الضَّالِّينَ﴾، أو: إذا بَلَغَ الإِمامُ موضِعَ التأمين، فأمِّنُوا. وليس معناه: إذا قال
الإِمام: آمين، ليكون دليلاً على تأمينه. وجعلوه من باب أَنْجَدَ وأَعْرَقَ أي: دخل في النجد
والعراق، ولا أرى التأمين ثابتًا في اللغة بهذا المعنى، فإِن التَّعْدِية بهذا الطريق لو ثَبَتَت عندهم،
لكان نادرًا جدًا، كما سيأتي في الجنائز.
والحاصل: أنهم حملوا هذين الحديثين على معنيين متغايرين، بحيث صار كلٌّ منهم
مُسْتَدِلاً من أحدهما، ومُجِيبًا عن الآخر، وذلك لأنهم أشكل عندهم جمع أحد اللفظين مع
الآخر، لأن اللفظَ الأول ينادي بتأمين الإِمام، واللفظ الثاني يُشِيرُ إلى تركه، فبنى كلٌّ منهم
مذهبه على واحدٍ منهما، وتأوَّلَ في الآخر حسبما أدَّى إليه اجتهاده وذوقه، وللناس فيما يَعْشَقُون
مذاهب .
وما كَشَفَ اللَّهُ عليَّ سبحانه: أن أحد الحديثين لا يلتقي مع الآخر، وهما وَرَدَا في
مَظْلَبَيْنٍ. فالحديث الأول، أي: ((إذا قال الإِمام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ إلخ وَرَدَ لبيان وظيفة
القوم عند فراغ الإِمام عن قراءته، وذِكْرُ فضيلة التأمين فيه استطرادٌ، وإنما أُحِيلَ فيه على قراءة
الإِمام دون تأمينه لنكتة ذكرها الشافعية، وهي: تحصيل التوافق بين التأمينين، والحديث الثاني،
أي: ((إذا أمَّن الإِمامُ ... )) إلخ سِيقَ لبيان فضيلة التأمين فقط، وتأمين الإِمام فيه تمهيدٌ لذكر
تأمين المأموم، وبيانٌ لموضع تأمينه.

٣٦٥
كتاب الأذان
والدليل على ذلك: أني قد تتبعت لذلك نحوًا من مائة طريقٍ، فلم أجد حديث: ((إذا أمَّنَ
الإِمام ... )) الخ إلَّ هذا القدر فقط، ولم أجده قطعةً من حديث الائتمام في شيءٍ من طُرُقه،
بخلاف حديث: ((إذا قال الإِمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ... إلخ، فإِنه قطعةٌ من حديثٍ طويلٍ
في الائتمام، وفيه: ((وإذا قرأ، فأنصتوا)) سرده الراوي تارةً بتمامه، واقتصر على قطعة منه
أخرى. فهذا الحديث هو الذي يَلِيقُ أن تُنَاط به مسألة التأمين، لأنه سِيقَ لبيان صفة الصلاة
بتمامها، ووظيفة الاقتداء وما عليه من جهة ائتمامه بإمامه. ومع هذا لم يَذْكُر فيه تأمين الإِمام،
بل ذَكَرَ من قوله القراءةَ بـ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ فقط.
فَعُلِمَ أن الإِمامَ يُخْفِي به، بخلاف الحديث الثاني، فإِنه لم يجىء لهذا المعنى، والمقصود
منه: بيان فضل التأمين فقط، وأَمَّا ذكر تأمين الإمام، فهو تمهيدٌ لبيان تأمين المأموم وموافقته
إياه، وإذا كان الإحالة فيه على تأمين الإمام لهذا، لم تَبْقَ فيه دلالة على الجهر أصلًا، وطاح ما
كان يُتَبَادَرُ من قوله: ((إذا أمَّنَ)): أن الإمامَ يَجْهَرُ به أيضًا، لأنه تبيَّنَ أن الإحالة على تأمينه لبيان
موضع الالتقاء والتوافُق فقط، لا ليسمعه المقتدي، فَيُؤَمِّنُ عليه.
نعم لو وردت الإحالةُ عليه في أحاديث الائتمام، لكان فيه بناء على الجهر، كما في
قوله: ((إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾)) بناء على جَهْرِه بذلك، لأنه في سياق التعليم
ممَّا يقوله الإِمامُ والمأمومُ، ولا يمكن امتثاله للمأموم إِلَّا أن يَجْهَرَ بِهِ الإِمامُ، وإِلَّا فكيف يَعْلَمُ
موضع تأمينه، وأنه متى يُؤَمِّنُ فلو كان فيه: ((وإذا أَمَّن ... )) إلخ، لدلَّ على جهر التأمين، كما
دلَّ على جهر القول: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ... إلخ. وإذنِ ما يَصِحُ: أن ذكر تأمين الإمام
لمجرَّدِ الارتباط تأمينٌ للمقتدي - وَتَعَذّرِ الابتداء من قوله: ((فَأَمِّنُوا))، فليس المقصودُ فيه تأمين
الإمام .
وبعبارة أخرى: أن ((إذا)) في قوله: ((إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ظرفية،
والترتيب لبيان جزء فجزء، أي: إن تأمين المأموم مترتِّبٌ ومسبَّبٌ عن قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ
عَلَيْهِمْ﴾، وليس تأمينهم مترتِّبًا على تأمينه، بل هما معًا. وأمَّا في قوله: ((إذا أمَّنَ الإِمامُ،
فأَمِّنُوا))، فإن شِئْتَ جعلتها شرطية أو ظرفية وتحير الحافظ فيها تحت قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ
نَصْرُ اللَّهِ﴾ وابن دقيق العيد في قوله بَّ: ((إذا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا)): بأن الفاء فيه للتعقيب أو المقارنة،
ونقل فيهما الخلاف بالعكس، كما نقله أبو حيَّان. وعندي أنها لا تَنْسَلِخُ عن معنى التعقيب
مطلقًا، إلّا أن التعقيبَ عندي أعمُّ من الذاتي والزماني، واعتبر اللُّغَوِيُّون الذاتي أيضًا، فتدخلُ
بين الشرط والجزاء، والعِلَّة والمَعْلُول، والفرق بين الشرطية والظرفية قد مرَّ، فتذكّره.
فإن كان الأمر كما قرَّرت من تغايرُ الحديثين، فالأسبقُ في الباب هم الحنفية رحمهم الله،
لأنهم بنوا مذهبهم على الحديث الذي سِيقَ لذلك نصًّا، وهذا يَدُلُّ على أن الإمام لا يَجْهَرُ
بالتأمين، بل وظيفته القراءة بـ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ... إلخ. ثم يُؤَمِّنُ أيضًا، لكن لا من
حيث إمامته، بل لكونه مصليًا، فَيُؤَمِّنُ لنفسه سِرًّا، كما يُؤْمِّنُونَ لأنفسهم سِرًّا. ومن ههنا تبيَّن أن
تأمينه لمّا لم يكن من جهة الإمامة، بل من جهة لُحُوقه معهم وانفراده في نفسه، لم يَنْقَلِب

٣٦٦
كتاب الأذان
الموضوع. فللإمام وظيفتان: وظيفةٌ من جهة إمامته، ووظيفةٌ من تلقاء كونه مصليًا. ويؤيِّدُ ذلك
ما أخرجه النَّسائي في هذا الحديث: ((فإِن الإمام يقولها)»، فنبَّه على ثبوت تأمين الإمام على
خلاف ما قال به المالكيةُ. ودلَّ على إسراره على خلاف ما قاله الشافعيةُ، لأن الإمامَ لو كان
يَجْهَرُ بها، لَمَا كان للتنبيه على تأمينه معنىً، فإنه يسمعه كلُّ واحدٍ. ففي قوله: ((فإن الإمامَ
يقولها)) تنبيهٌ على أن تأمينَه يكون سِرًّا، بحيث لو لم ينبِّه عليه لَمَا عَلِمَه المقتدون.
ثم إنه ليس في ذخيرة الحديث ما يَدُلُّ على أن النبيَّ وَيِّ أمر المأمومين أن يَجْهَرُوا بها،
بل من جَهَرَ منهم جَهَرَ برأيه. نعم في حديث وائل: أنهم جَهَرُوا بها، مع اختلاف فيه بين سُفْيَان
وشُعْبَة. وأمَّا ما أعَلَّ به البخاريُّ حديث شُعْبَة، فقد أجابوا عنه بالنقولِ الصريحةِ، ويَظْهَرُ من
((مسند أحمد)) أنه توقَّف فيه، وهو الاعتدال. ومن العجائب أن هذه السنة مما تَعُمُّ به البَلْوَى، ثم
لم تَصِلْ مرفوعةً إلى الحجازيين إلَّا من طريق وائل وعِدَادِهِ من أهل الكوفة. قال الدَّار قُظْني:
قال أبو بكر: هذه سنةٌ تفرّد به أهلُ الكوفة. اهـ. ثم إن سلَّمنا أن اللفظ كما قال به شُعْبَة، فلا
يزيدُ على كونه واقعةٌ وليس ضابطة كُلِّية، ولا نُنْكِر ثبوت نفس الجهر بها ولو مرارًا، وهو جائزٌ
عندنا أيضًا بدون كراهة. وإنما الكلام في السنية، ولا تَثْبُت إلّا بالأمر من جهة الشارع
واستمراره عليه، وليس بثابتٍ، ولن يَثْبُت إن شاء الله تعالى.
وبالجملة إذا لم يأتِ فيه شيءٌ من المرفوع، وهدى القرآن إلى سُنَّة الدعاء، فوضعناها
على الرأس والعين، وَعَمِلْنَا بها. قال تعالى: ﴿آدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ﴾ [الأعراف: ٥٥] وقال
تعالى: ﴿وَأَذْكُرُ رَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، فهذه سنة الدعاء، عَلِمْنَاها من
القرآن، وتعلَّمناها منه، فلو عَلِمْنَا من حديثٍ مرفوع أنه أمر المقتدين بالجهر، أو استمرَّ عليه،
لاتَّخَذْنَاه سنةً، ولرجَّحنا الخصوصَ على العموم، ولكن لَمَّا لم يُنْقَلْ فيه إلينا شيءٌ من المرفوع،
إلَّا ما نُقِلَ عن أهل الكوفة، وهو واقعةٌ، عَملْنا بالعموم الوارد فيه.
فإن قلتَ: إن قوله: ((إِذا أَمَّنَ الإمامُ أفاد الجهرَ إفادة قوله: ((فأمِّنُوا)) أيضًا، لكونه على
شاكلةٍ واحدةٍ. قلتُ: كلا، وإلَّا لَزِمَ الجهرُ في جواب الأذان، والجهر بالتكبير والتحميد
للمأموم في حديث الائتمام، لاتحاد الشاكلة هناك أيضًا. أَلَا تَرَى إلى قوله: ((إِذا كَبَّرَ،
فَكَبِّرُوا ... )) إلخ، لم يذهب هناك أحدٌ إلى أن القومَ أيضًا تَجْهَرُ به مع الإمام، فَقِسْ عليه قوله:
((إِذا أمَّن، فَأَمِّنُوا))، لا تجد بينهما فارقًا إن شاء الله تعالى، فلم يَخْلُصْ لهم في المرفوع لجهر
القوم شيءٌ. نعم، لهم لجهر الإمام. قوله: ((إذا أمّن الإمام ... )) إلخ، وفيه أيضًا نظرٌ، لأنه
يمكن أن يكون تعليقًا بأمرٍ معلوم الوجود، لأن موضعَ تأمينه معلومٌ، فلا حاجةَ إلى أن يَجْهَرَ
الإمامُ بها أيضًا. وفي التعليم كفايَّةٌ بل في قوله: ((فإن الإمام يقولها)) بناء على الإخفاء، فقوله:
((إذا أمَّن)) يستدعي وجوده فقط، لا جهره.
ثم إن ابن الهُمَام رحمه الله قال في ((الفتح)): إن الحديثَ عبارةٌ في تأمين القوم، وإشارةٌ
في تأمين الإمام. قلتُ: وهذا إنما يَصِحُّ على رأي صدر الشريعة، فإنه قال: إن المنطوقَ إن كان
مقصودًا أصليًا، فهو عبارةٌ، وإلا فهو إشارةٌ، بخلاف الشيخ رحمه الله، فإنه صرَّح في

٣٦٧
كتاب الأذان
(التحرير)): أن المنطوقَ مطلقًا عبارةُ النص فلعلّه ذَهَلَ عَمَّا حَقّق في ((التحرير)). ولعلَّك عَلِمْتَ
منه: أن تمسُّك البخاري على جهر الإمام والمأموم لا يَصِحُ من هذا الحديث. والذي يَخْطُر
بالبال: أن المصنّف رحمه الله حَمَلَ التأمين في الصلاة من باب تشميت العاطس وردّ السلامِ،
ويشترط فيهما أن يكونَ بصوتٍ، يَبْلُع الحامد أو المُسَلِّم، فلا يمكن إحياء هذا الحق إلّا
بالجهر. فهكذا تأمينُ القوم إذا كان جوابًا لدعاء الإمام، وَجَبَ أن يكونَ بالجهر كردِّ السلام،
وتشميت العاطس، فَأَخِذَ منه جهر القوم بهذا الطريق، وللمانع فيه مجالٌ وسيع.
بقي الحديث الثالث، فأخرجه المصنّف رحمه الله في الدعوات، لأنه فَهِمَ أن القارىء
لا يَقْتَصِرُ في الصلاة، فيجوز أن يكون في الخارج وفي الصلاة، بخلاف الإمام، فإنه لا يكون
إلّا في الصلاة، فأخرجه في كتاب الصلاة، وأخرجٍ لفظ القارىء في الدعوات. ومثل هذه
الغوامض غير نادرةٍ في كتاب المصنف. ثم إنه لم يَتَنَفَّحْ عندي أنهما حديثان عند البخاريِّ، أو
من باب الاختلاف في الألفاظ فقط، وهذا من دَأْبه: أنه إذا لم يتبيَّن عنده اختلاف الحديث
من اختلاف الألفاظ، يُتَرْجِمُ عليهما تَبعًا للألفاظ. وعندي: هو حديث واحدٌ سِيقَ لأحكام
الصلاة دون الخارج. ثم لا أدري ماذا كان لفظ النبيِّ بَّر، والحاكم في هذا الباب: هو
الوِجْدَان لا غير (١).
بقي اختلاف سُفْيَان وَشُعْبَة في حديث وائل، فوجهُهُ عندي: أنه من باب حِفْظ كل ما لم
يَحْفَظُهُ الآخر. والحديث يَسْقُطُ على مذهب الشافعية: ((وكان النبيُّ ◌َّهُ جَهَرَ فيها بالتأمين دون
جهر الفاتحة))، وهو مذهب الإمام الشافعيّ رحمه الله، فكان في تأمينه جَهْرٌ وَخَفْضٌ معًا؛ الجهرُ
في نفسه، والخفضُ بالنسبة إلى الفاتحة. فما يرويه شُعْبَةُ أيضًا صحيحٌ، وما يُؤَدِّيه سُفْيَان أيضًا
صحيحٌ، إلَّا أن كلاهما يُؤدِّيَان حصةً من المراد، فجهرُه أدَّاه سُفْيَان، وخفضُه بالنسبة إلى الفاتحة
ذكره شُعْبَة، والأمران صحيحان، هذا هو الرأي عندي. والناس حَمَلُوه على الاختلاف، فاضْطَرَّ
كلٌّ إلى إعلال ما عند الآخر، ولا حاجةً إليه عندي.
ومن العجائب: أن شُعْبَةَ قائلٌ بجهر آمين وسُفْيَان بإخفائه، كما ذكره ابن حَزْمِ. وحينئذٍ
ماذا تَنْفَعُك رؤيته بالجهر إذا كان عَمَلَه بالإخفاء. والراوي إذا رَأَى بخلاف ما رَوَى، فانظر فيه
ماذا تَرَى. وقد بَسَطْتُ الكلامَ فيه مع شواهده فيما ألقيت في درس الترمذي. وذكرت نبذةً منه
في ((كشف الستر))، فليراجعه من أواخره.
وبالجملة، قد تبيَّن لي بعد السَّبْر: أن بناء الشريعة ليس على الفاتحة خلف الإمام، ولا
(١) قلتُ: ولو كان لفظ القاري واقعًا في الصلاة، لدلَّ على أن القاري في نظر الشارع هو الإمام فقط، وليس كل
منهم قارئًا على حياله، ففيه بناء على ترك الفاتحة ولا بُدَّ، نعم، لو كان الحديثُ محمولًا على الخارج، فليس
فيه ذلك، ولكن الأظهر - والله تعالى أعلم - كما قال الشيخ رحمه الله تعالى، فإنه قال مرةً: إذا قال الإمام:
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ... إلخ، فَأَثْبَتَ له القراءة، ثم سمَّاه قارئًا في اللفظ الثاني، فلا فرق في المُعَنْوَن
والمعنى، وإذن بناؤهما على ترك الفاتحة إن شاء الله تعالى. هكذا نبّه عليه الشيخ رحمه الله تعالى فيما أتذكر
عنه .

٣٦٨
كتاب الأذان
على رفع اليدين، ولا على الجهر بالتأمين. فإنه ليس في ((الذخيرة)) حديثٌ قوليٍّ في رفع
اليدين، ولا في إيجاب الفاتحة على المقتدين ابتداءً في الصلاة كلها، ولا في الجهر بالتأمين
مطلقًا، والمراد من البناء: هو التأصيل والتفريع. نعم هناك حديثٌ قوليٍّ في التأمين بناؤه على
الجهر، وهو عند أحمد رحمه الله: ((إن اليهود ما حَسَدُوا عليكم كما حَسَدُوا على التأمين،
فَأَكْثِرُوا من قول: آمين))، أو كما قال: وقد وجَّهناه في رسالتنا ((كشف الستر)).
١١٤ - بابٌ إِذَا رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ
يعني هل يُعْتَبَرُ ويُعْتَدُّ بتلك الركعة أو لا؟ فمذهب المصنف أن مدرك الركوع ليس بمدرك
للركعة وهو من تفريعات الأخذ بقراءة الفاتحة فإِنه إذا لم يُدْرِك الفاتحةَ لم يُدْرِك الركعة أيضًا،
لأنه لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب، وهو أخذٌ شديدٌ يُخَالِفُه تواتر السلف.
بقيت الصلاة خلف الصفّ كيف هي؟ فهي مكروهةٌ عندنا، خلافًا لأحمد، فعنده: باطلةٌ
إن كان في الصفِّ فرجةٌ، فصلَّاها متخلِّفًا عنه، ونَسَبَه الحافظُ رحمه الله تعالى إلى البخاريِّ
رحمه الله تعالى أيضًا، مع أن الحديثَ يَدُلُّ على صحة صلاته، حيث لم يأمره بالإِعادة.
ثم وجهه أن صلاته هذه وإن عُدَّت صحيحةً، إِلَّا أن المسألةَ في المستقبل بُظْلان صلاة
المصلِّي خلف الصفِّ وحده، لقوله: ((ولا تَعُدْ))، فإذا نهاه فيما يأتي أن يعودَ إليه، لم يَجُزْ
لأحدٍ أن يفعل مثله. وحَمَله الجمهور على ظاهره وتمسَّكُوا به على الصحة، والأولى له أن يُشِيرَ
إلى رجلٍ ليتأخّر عن الصفِّ، فَلْيَصُفَّ معه، ويَشْهَدُ لهِ مُرْسَلٌ في ((مراسيل أبي داود)). والفتوى:
على أن لا يفعله اليوم لقلة العلم وكثرة الجهل، فلعلَّه لا يتأخّر ويقاتله، فَيُفْسِدُ عليه صلاته.
وفيه دليلٌ على أن مُدْرِكَ الركوع مُدْرٌِ للركعة، فإن هذا الرجل أدرك إمامه في الركوع، وركع
دون الصفِّ، ثم دَبَّ إلى الصفِّ، وعُدَّ مُذْرِكًا للركعة عندهم.
٧٨٣ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنِ الأَعْلَم، وَهُوَ زِيَادٌ، عَنِ
الحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ: أَنَّهُ انْتَهِى إِلَى النَّبِيِّ نَ وَهوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى
الصَّفِّ، فَذَكَرَ ذلِكَ لِلنَِّّ ◌َ﴿ فَقَالَ: ((زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ)).
٧٨٣ - قوله: (ولا تَعُدْ)، وفيه تصويبٌ للنية، وتخطيةٌ للعمل. وقد مرَّ تفصيله من قبل،
فإِنه بابٌ مستقلٌ. وقُرِىء على ثلاثة أوجه: من العود، والإِعادة، والعدو.
١١٥ - بابُ إِتْمَامِ التَّكْبِيرِ فِي الرُّكُوعِ
قال ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِّ نَّهِ. فِيهِ مَالِكُ بْنُ الحُوَيرِثِ.
٧٨٤ - حدّثنا إِسْحاقُ الوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ الجُرِيرِيِّ، عَنْ أَبِي العَلَاءِ،
عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَينٍ، قَالَ: صَلَّى مَعَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالبَصْرَةِ، فَقَالَ:
ذَكَّرَنَا هذا الرَّجُلُ صَلَاةً كُنَّا نُصَلِّيهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ نَ ◌ّهِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَفَعَ
وَكُلَّمَا وَضَعَ. [الحديث ٧٨٤ - طرفاه في: ٧٨٦، ٨٢٦].

٣٦٩
كتاب الأذان
٧٨٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي
سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ، فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، فَإِذَا انْصَرَفَ قَالَ:
إِنِّي لأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ نََّ. [الحديث ٧٨٥ - أطرافه في: ٧٨٩، ٧٩٥، ٨٠٣].
واللفظُ يَحْتَمِلُ شرحين: الأول أن يَبْسُطَ التكبير ويَمُدَّه على الحركة الانتقالية بحيث يَعْمَرُ
به الانحطاطُ كلُّه. والثاني: أن يُتِمَّ عدده. واللفظُ وإن كان أقرب إلى الأول، لكن مراد
البخاريِّ هو الثاني، لأنه اشتهر عن بني أُمَيَّة أنهم لا يُتمُّون التكبير ويُنْقِصُون عدده، فلم
يكونوا يَأْتُون به في الخفض، وكان يُقَال لمِن كانوا يُتِمُّونَهُ: مُتِمُّ التكبير. فهذا اللفظ قد كان
شاع عندهم في إتمام العدد. بقي أن بني أُمَيَّة لِمَ كانوا يتركونه في الخفض؟ فبعد ما عُلِمَ
فسقهم، لا حاجةً لنا إلى بيان منشأ أفعالهم. نعم، عن عثمان أيضًا مثله، وهذا الذي ينبغي
أن يُطْلَبَ له تأويلٌ.
٧٨٤ - قوله: (صلَّى مع عَليٍّ رضي الله تعالى عنه) أي بالبصرة. ودلَّ الحديثُ على جريان
التهاونُ في أعداد التكبير في زمن الراوي، ولذا يتعرَّض إلى إعداده وإتمامه، ومن ههنا تبيَّن
شرح ما رُوِيَ عن النبيِّ وَّرَ: ((أنه كان يُكَبِّرُ في كل رَفْع وخَفْضٍ))، مع أنه ليس في القَوْمَةِ إِلَّ
التسميع والتحميد، فإنه عمومٌ غير مقصود أراد به الرَّدَّ علّى من ترك التكبير عند الخفض، لا نفي
التسميع، ومن غَفَل عنه اضْطرب لحلِّه، ونُقِلَ هذا عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أيضًا.
وظني أنه إذا لم يكن يُكَبِّرُ، لم يكن يَرْفَعُ يديه أيضًا، فإِن التكبيرَ والرفعَ قرينان، فإِذا تُرِكَ
أحدهما تُرِكَ الآخر. ولعلَّ منشأ فِعْله ما عند أبي داود، في الجهاد: ((وكان النبيُّ ◌َّهُ وجيوشُه
إذا عَلَوا شُرُفًا كَبَّروا، وإذا هَبَطُوا واديًا سبَّحوا)). ثم يقول الراوي: ((وعليه وُضِعَت الصلاة))، أو
كما قال.
قلتُ: وهذا اجتهادٌ من الراوي، مع مخالفته لجماهير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
وإن سلَّمناه، فلنا أن نقول: إن التكبيرَ عند الانحطاط وإن كان في الخفض حَسَنًا، لكنه مُعْتَبَرٌ
في القَوْمة شرعًا، لأن ابتداءه منها، فأصله في القومة وإن كان بَسَطه في الانحدار أيضًا، وهذا
إبقاءُ التكبير دون ابتدائه، وحينئذٍ صارت شاكلته في الثنايا والصلوات واحدة. ولعلّ ابن عمر
رضي الله تعالى عنه تَرَكُ الرفعَ بين السجدتين لمثل هذا، وإلَّا فهو ثابتٌ ثبوتًا لا مردَّ له، كما
عَلِمْت سابقًا. ولما عَلِمْنَا أنه اجتهد في أمر التكبير، فتركه في بعض المواضع من اجتهاده،
واختاره في البعض، خَفَّ رفعه أيضًا، وأمكن أن يكونَ ذلك أيضًا بنوع من اجتهاده. لا أقول
بالاجتهاد في نفس الرفع، حاشا وكلا، بل في اختياره وترجيحه على الترك، وإصراره عليه،
وتنْوِیھه بشأنه .
١١٦ - بابُ إِتْمَامِ التَّكْبِيرِ فِي السُّجُودِ
٧٨٦ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ غَيلَانَ بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ

٣٧٠
كتاب الأذان
عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلفَ عَلِيٍّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَا وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَينٍ،
فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ، وَإِذٍّا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَينِ كَبَّرَ، فَلَمَّا قَضَى
الصَّلَاةَ، أَخَذَ بِيَدِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَينٍ فَقَالَ: قَدْ ذَكَّرَنِي هذا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ◌َّةٍ، أَوْ قَالَ:
لَقَدْ صَلَّى بِنَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ◌َِّ. [طرفه في: ٧٨٤].
٧٨٧ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ:
رَأَيْتُ رَجُلًا عِنْدَ المَقَامِ، يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفِعٍ، وَإِذَا قَامَ وَإِذَا وَضَعَ، فَأَخْبَرْتُ ابْنَ
عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: أَوَلِّيسَ تِلكَ صِّلَاةَ النَّبِيِّ ◌َِّ لَا أَمَّ لَكَ؟! [الحديث ٧٨٧ - طرفه
في : ٧٨٨].
والمراد من الإتمام ههنا: ما كان المراد منه في الباب السابق، وقد مرّ: أن اللفظ وإن
احتمل غيره أيضًا، ولكن عيَّناه لِمَا علمناه من التاريخ: أنه قد جرى عندهم البحث في الإتمام
والتقصير بحَسَب عدد التكبير، فَحَمَلْنَاهُ عليه.
٧٨٧ - قوله: (أَوَلَيْسَ تِلْكَ صلاة النبيِّ ◌ََّ)، فانظر كيف حمل التكبير، حتَّى ظنَّ المُنْكَر
سنةً والسنة مُنْكرًا، واحْتِيجَ إلى بيان أن التكبيرَ عند كلِّ خَفْضٍٍ ورفع سنةُ أبي القاسم ◌ََّ،
وتَرَاجِمُ البخاري هذه ناظرةٌ إلى ما عند أبي داود في حديث ابنّ أَبْزَىٌّ وكان لا يُتِمُّ التكبير.
وكان المختار هو الإتمام، فترجم به إيماءً إلى ما قلنا .
١١٧ - بابُ التَّكْبِيرِ إِذَا قَامَ مِنَ السُّجُودِ
٧٨٨ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ قَالَ: أَخْبَرَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ:
صَلَّتُ خَلفَ شَيخ بِمَكَّةَ، فَكَبَّرَ ثِنْتَينٍ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً، فَقُلتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ أَحْمَقُ،
فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، سُنَّةُ أَبِي القَاسَمَ وََّ. وَقَالَ مُوسى: حَدَّثَنَا أَبَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةٌ
قَالَ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ. [طرفه في: ٧٨٧].
٧٨٨ - قوله: (إنه أحمق). أقول، وههنا واقعتان، وأبو هريرة في إحداها، ولا يجب أن
يكونَ في الأخرى أيضًا، فلا يَلْزَمُ أن يكونَ هذا اللفظ في حقِّه.
٧٨٩ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيِثُ، عَنْ عُقَيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ قَالَ:
أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الحَارِثِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُزِيرَةَ يَقُولُّ: كَانَ رَسُولُ
اللَّهِ﴿ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: ((سَمِعَ اللَّهُ
لِمِنْ حَمِدَهُ) حِينَ يَرْفَعُ صُلبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ. ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: (رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ)) - قَالَ عَبْدُ
اللَّهِ: (وَلَكَ الحَمْدُ)) - ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ
يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثُمَّ يَفعَلُ ذلِكَ فِي الصَّلَاةِ كُلِّهَا حَتَّى يَقْضِيَها، وَيُكَبِّرُ
حِينَ يَقُومُ مِنَ الثِّئْتَينِ بَعْدَ الْجُلُوسِ. [طرفه في : ٧٨٥].

٣٧١
كتاب الأذان
٧٨٩ - قوله: (حين يقومُ من الثِّئْتَيْنِ): يمكن أن يكونَ الراوي أراد به إتمام التكبير، ويمكن
أن يكونَ إشارةً إلى ما اختاره مالك: إلى أن التكبيرَ في الثالثة ليس عند النهوض، بل إذا بَلَغَ في
القيام، كما كان عند التحريمة أيضًا في القيام، واعلم أن هناك سؤالًا من جانب الحنفية على
الشافعية، وهو: إن التكبيرات إذا كانت ثِنْتَيْنِ وعشرين، فإِنْ قُلْنَا بجلسة الاستراحة يَلْزَم: إما
الزيادة عليها إن قُلْنَا بالتكبير عند الرفع منها، أَو يَلْزَم ترك التكبير عند الرفع، مع أن المعهودَ من
صلاته وَّر هو التكبير عند كل خفضٍ ورفع. وقال الشافعيةُ رحمهم الله تعالى: إنه يطوِّل التكبيرَ
الواحدَ، ويَبْسُطُه على الجلسة، ويرفَع بذلك التكبير، وهو كما ترى.
واعلم أن الشاميَّ نَسَبَ إلى الطّحَاويِّ التكبيرَ في القَوْمَةِ، أو يُكَبِّرُ ثم التسميع بعده. قلتُ:
وهذا ليس بجيد، فإنه خلاف التعامُل، ولا ينبغي بناء المسائل على الألفاظ. والذي أرى أنه
نُسِبَ إليه، لما في ((معاني الآثارُ)) قوله: وذلك أنا رأينا الدُّخُول في الصلاة يكون بالتكبير، ثم
الخروج من الركوع والسجود يكونان أيضًا بتكبيرٍ. وكذا للبرماوي الشافعي كتابٌ في الفِقْهِ،
وذكر فيه: أنه كان أولًا التكبير عند الرفع من الركوع أيضًا، حتَّى اتفق مرةً أن أبا بكرٍ رضي الله
تعالى عنه تخلَّف عن ركعةٍ، وأدرك الإِمامَ في الركوع، فقال: ((الله أكبر، الحمد لله، الله أكبر))،
فكان التكبير الأول للافتتاح، والتحميد خُلَاصةً للفاتحة، والتكبير الثالث للركوع، فنزل جبريل
عليه الصلاة والسلام وقال: ((إن ربَّه رِضي بتلك الكلمات، وشرع لكم التسميع)). ومن هنا شُرِعَ
التسميع، غير أني لم أر تلك القصة إلّا في كتابه.
١١٨ - بابُ وَضْعِ الأَكُّفِّ عَلَى الرُّكَبِ فِي الرُّكُوعِ
وَقَالَ أَبُو حُمَيدٍ فِي أَصْحَابِهِ: أَمْكِنَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ.
٧٩٠ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ
سَعْدٍ يَقُولُ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبٍ أَبِي، فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّيَّ، ثُمَّ وَضَعْتَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ، فَنَهَانِي
أَبِي وَقَالَ: كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِينَا عَنَّهُ، وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيدِينَا عَلَى الرُّكَبِ.
والتطبيق عندي بضم اليدين بدون تشبيك. وبَالَغَ في بيان الضم من ذكر التشبيك، كما عند
مسلم، وهو هيئة القيام بين يدي الملك، وكانت فيه مَشَقَّة، ثم رخّص بالاعتماد على اليدين.
وكان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يراه عزيمةً، فإن العطايا على قدر البلايا، ولم يكن يراه
مَنْسُوخًا عن أصله. ومن طَعَن عليه، فقد أفرط في التعصب، فإنه ثَبَتَ عن عليّ رضي الله تعالى
عنه أيضًا. ولكن الجمهور لما تَرَكُوه وَجَبَ العملُ بما فعلوه. وقد بَسَطْنَا الكلامَ فيه في رسالتنا:
((نيل الفرقدين))، فراجعه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه في ترك الرفع.
١١٩ - بابٌ إِذَا لَمْ يُتِمَّ الرُّكُوعَ
٧٩١ - حدّثنا حَفصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ زَيدَ بْنَ

٣٧٢
كتاب الأذان
وَهْبٍ قَالَ: رَأَى حُذَيفَةُ رَجُلًا لَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، قَالَ: مَا صَلَّيتَ، وَلَوْ مُتَّ مُتَّ
عَلَى غَيرِ الفِظْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا بَيْ عَلَيهَا. [طرفه في: ٣٨٩].
دخل في مسألة التعديل وبدأها من الركوع على هيئته في الصلاة وهو عبارة عن تبدل
الحركة بالسكون وعود كل عضو إلى مكانه.
١٢٠ - باب اسْتِوَاءِ الظَّهْرِ فِي الرُّكُوعِ
وَقَالَ أَبُو حُمَيدٍ فِي أَصْحَابِهِ: رَكَعَ النَّبِيُّ ◌َ ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ.
١٢١ - بابُ حدّ إتْمَام الرّكُوعِ والاعْتِدَالِ فِيهِ والأَطْمَأْنِينَةِ
٧٩٢ - حدّثنا بَدَلُ بْنُ المُحَبَّرِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي الحَكَمُ، عَنِ ابْنٍ أَبِي
لَيَلَى، عَنِ البَرَاءِ قَالَ: كانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ ◌َّهِ وَسُجُودُهُ، وَبَيْنَ السَّجْدَتَينِ، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ
الرُّكُوعِ، ما خَلَا القِيَامَ وَالقُعُودَ، قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ. [الحديث ٧٩٢ - طرفاه في: ٨٠١، ٨٢٠].
قوله: (والاطمأنينة)، والصحيح كما في الهامش: والطمأنينة. وحدُّ الإِتمام غير مُنْضَبِطٍ.
٧٩٢ - قوله: (ما خلا القيامَ والقعودَ قريبًا من السَّوَاء)، فجعل الراوي ههنا التسوية بين
المواضع الأربعة: الركوع، والسجود، والقومة، والجلسة. واستثنى القيام والقعود، لأنه ثَبَتَ
التنوُّع في قيامه جدًا، فتارةً جَعَلَه أطول من أطول، وأخرى قَصَرَه حسبما دَعَتْهُ الحاجةُ، بخلاف
تلك المواضع الأربعة، فإنها كانت على شاكلةٍ واحدةٍ غالبًا. وعند مسلم ما يَدُلَّ على التسوية
بين القيام والقعود، وبين هؤلاء الأربعة بدون استثناء، والظاهر أنه مسامحةٌ. والتسويةُ راجعةٌ
إلى الأربعة فقط، ولا حاجةً إلى تأويل ألفاظ الرواة عند ظهور المراد جُمُودًا على لفظهم فقط،
ومن تأوَّل فيه أراد منه التناسُب، أي: إن كان قيامه طويلًا، فسائرُ الأفعال أيضًا كانت طويلةً
بِحَسَبِهِ، وإن كان قصيرًا، فسائرُها أيضًا كذلك. والأرجح عندي كما في ((صحيح البخاري)).
١٢٢ - بابُ أَمْرِ النَّبِيِّ ◌َلِّ الَّذِي لاَ يُتِمُّ رُكُوعَهُ بِالإِعَادةِ
٧٩٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَحْيى بْنُ سَعيدٍ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ
المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، ثُمَّ
جاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ بَّهِ، فَرَدَّ النَّبِيُّ ◌َلْ عَلَيْهِ السَّلَامَ، فَقَالَ: ((ارْجِعْ فَصلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ
تُصَلِّ)). فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ◌َ، فَقَالَ: ((ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)).
ثَلَاثًا، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، فَمَا أُحْسِنُ غَيرَهُ، فَعَلِّمْنِي، قَالَ: ((إِذَا قُمْتَ إِلَى
الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ ما تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَظْمَيْنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ
حَتَّى تَعْتَدِلَ قائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَظْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَظْمَئِنَّ جالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ
حَتَّى تَظْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ افعَل ذلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلُّهَا)). [طرفه في: ٧٥٧].

٣٧٣
كتاب الأذان
٧٩٣ - قوله: (ارْجِعْ فَصَلٌّ) وعُلِمَ منه: أن الصلاةَ إذا اشتملت على كراهة التحريم وَجَبَت
إعادتها، ومقتضاه أن تجب الإِعادةُ على من ترك الجماعةَ، وصلَّى في بيته مُنْفَرِدًا، فإِن الجماعةَ
واجبةٌ، فإذا تَرَكَهَا وَجَبت إعادتها. وتردَّد فيه ابن عابدين الشامي، لأنه إن قُلْنَا بوجوب الإِعادة،
فلا فائدةَ فيه لأنه إن يُعِدْها يُعِدْها مُنْفَرِدًا. وإن قُلْنَا بعدم وجوبها، يَلْزَمُ نقض الكلية.
قلتُ: ولي جَزْمٌ بأنه لا يعيدها، والكلية فيما كانت في الإِعادة فائدة. ولا تمسُّك فيه على
فرضية التعديل، لأن الأمر بالإِعادة ليس مبنيًّا على فرضيته، كما زَعَم، بل أمكن أن يكون ضربًا
من التعزير، وهو الظاهر من الأمر بإِعادة عمل عمله مرةً. وحينئذٍ لم يَبْقَ فيه دليلٌ على ما
راموه. فأمعن النظر فيه، فإِن المعاني تختلف باختلاف الاعتبارات، وذلك عند أهل العرف
کثیرٌ .
ثم اعلم أن حديثَ مُسِيء الصلاة لا يرويه إلَّا أبو هريرة ورِفَاعة بن رافع. وفي جملة طُرُق
حديث أبي هُرْيُرَة رضي الله عنه: ((ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)).
وتمسّك منه الحنفية على عدم ركنية الفاتحة. قلتُ: وهذا ليس بصحيح، لأن الفاتحةً وإن
لم تكن رُكْنًا، لكنها واجبةٌ عندنا أيضًا. والسياقُ سياقُ التعليم، فلو فرضنا أنّه لم يعلِّمه الفاتحة
يَلْزَم درج كراهة التحريم في سياق التعليم، ولا يجوز أصلًا، مع أنها مذكورةٌ في حديث رِفَاعة
صراحةً، وإن كانت مجملةً في حديث أبي هُرَيْرَة، على أن التيسيرَ مُعْتَبَرٌ في الطول، لا في
العرض، كما مرَّ تقريره في المقدمة.
وحاصله: إن الله تعالى لمّا عَلِمَ الاستثقالَ عليهم في القيام بالليل، رخّص لهم أن لا
يطوِّلوه كما كانوا يفعلونه في الليل كلُّه، أو أكثره، بل لهم أن يقوموه حسبما تيسر لهم. فهذا
تيسير في حصص الليل، لا في الفاتحة كما فَهُمُوه، ثم أقول: إن قوله: ((ثم اقرأ ما تيسر معك
من القرآن))، ليس بناء على ركنية الفاتحة، بل لكون الرجل بدويًا أعرابيًا لا يدري أنه كان عنده
شيءٌ من القرآن، أم لا. وحينئذٍ ينبغي أن يكون التعبيرُ هكذا، ولذا قال: ((وإلاّ فاحمد الله،
وكَبِّرْهُ))، فدَلَّ على أنه كان ممن لا يُسْتَبْعَدُ منه أن لا يكون عنده قرآنٌ أصلًا، وإذن لا يُلَائِمُه أن
يأمره بالفاتحة والسورة تفصيلًا، وإنما الأَلْيَقُ بحاله الإِجمالُ، فيقرأ بما يَقْدِرُ، ولذا ورد عند
الترمذيِّ: ((فإن كان معك قرآن)» ... إلخ. وتُرَاك فَهِمْت الآن حسن التعبير.
قوله: (حتى تَظْمَئِنَّ راكعًا)، وفي حديث أبي حُمَيْد الساعدي حتى يرجع كل فقار مكانه،
ومنه يَعْلَمُ قدر التعديل، وقدَّره فقهاؤنا بتسبيحةٍ، وما وراءها فسنةٌ.
قوله: (ثم افعل ذلك في صلاتك كلِّها) تمسَّك به الشيخ ابن الهُمَام على وجوب الفاتحة
في الأُخْرَيَيْن أيضًا، واختاره(١) العيني رحمه الله تعالى. والمشهور أنها مستحبةٌ لِمَا ثَبَتَ عن
عليّ وابن مسعود رضي الله عنهما: ((أنهما كانا يُسَبِّحان في الأُخْرَيَيْن)). وقوَّى ابن أَمير الحاج
(١) قلت: قال الشيخ رحمه الله تعالى: إن العيني رحمه الله تعالى إنما اختار الوجوب في شرح البخاري بحثاً فقط،
وإلا فهو قائل بالاستحباب. هكذا أتذكر عنه، والله تعالى أعلم بالصواب.

٣٧٤
كتاب الأذان
في ((شرح المنية)) الاستحباب. وعن الحسن بن زياد الوجوب، نحو ما اختاره الشيخ. ويمكن
الجواب عن استدلاله بأن قوله: ((ثم افعل ... )) إلخ لا يَرْجِعُ إلى القراءة وإن جعله الشيخ
محظًّا، بل المحظُ عندنا هو التعديل، لأنك قد علمت فيما مرَّ أن هذا الرجل قد كان خفَّف في
صلاته وترك التعديل، كما في لفظ الترمذي: ((فأَخفَّ في صلاته)). وإذن التَّبَادُرُ أن أمره يَنْصَرِفُ
إلى ما قَصَرَ فيه، لا إلى القراءة. ثم ذكر له بعض الأشياء تكميلًا وتتميمًا، وجعل الشيخ ابن
الهُمَام رحمه الله تعالى محطه الفاتحة وسورة.
ثم إن كنت سَمْحًا تَقْدِرُ أن لا تُنَازِعَ المُخَاطِب قبل أن تفهم كلامه، فاعلم أن الأمرَ
المطلق الطلب عندي، فيندرج تحته الوجوب والاستحباب معًا، لا على طريق القول بعموم
المجاز، ولا الجمع بين معاني المُشْتَرك، بل على ما هو رأي المَاتْرِيدِي. فإِن الأمرَ - مثلًا -
اضرب حكايةٌ من قوله: افعل فعل الضرب، ونحو: صلِّ حكايةٌ من قوله: افعل فعل الصلاة.
وحقيقةُ الصلاة لا تختلف بين الفريضة والنافلة، فتتناول كِلْتيهما، وهكذا الصِومُ والحجُّ كلُّه
يتنوَّع وينقسم إلى الفريضة، والواجب، والمندوب مع اتحاد الحقيقة في كلِّها. فإذا وُسِّع
التفصيل في المحكي عنه مع اتحاد العبارة، فليكن في الأمر أيضًا. كيف، وهو حكايةٌ عنه!
فكما أن الفريضةَ، والواجبَ، والمستحبَ كلَّها تدخُلُ في لفظ الصلاة بدون تكلُّف، كذلك
فلتدخل كلُّها في الأمر، ويكون الأمر لطلب تلك الحقيقة فقط على صفتها التي في الخارج.
وليس هذا من الجمع بين معاني المُشْتَرَك في شيءٍ، بل هو طلبٌ للحقيقة المختلفة بحَسَب
الأنواع.
فالتنوّع في الأمر ليس من قِبَل نفسه ومدلوله، بل من جهة اختلاف تلك الحقيقة، فإِن
كانت واجبةً يكون طلبها أيضًا واجبًا، وإن غيره فغيره. وهل يَلْصَقَ بِالقلب أن مِصْدَاق قوله
تعالى: ﴿صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] هو الصلاة التي صلَّى عليه مرةً في عمره،
والباقية خارجة عن مِصْدَاقه، بل الأمر فيه لطلب مطلق الصلاة على النبيِّ: إن كانت واجبةً
فوجوبًا، وإن كانت غيره فغيره. وليس هذا الاختلاف من جهة الأمر، بل لاختلاف تلك الحقيقة
بعينها. وإذا فَهِمْتَ أن اللفظَ الواحدَ يُطْلَقُ على الأنواع المختلفة في زمانٍ واحدٍ، ولا يكون ذلك
عندهم مجازًا، ولا جمعًا بين معاني المُشْتَرَك، فكذلك الأمر لطلب هذه الحقيقة، وإن اختلفت
بِحَسَب العَوَارِض .
فاعلم أن قوله: ((افعل في صلاتك كلِّها)) أيضًا يتناول الوجوبَ والاستحبابَ، فمعناه: أن
اقرأ القرآن في كلِّ الصلاة، فمتى كان واجبًا فوجوبًا، ومتى كان مستحبًا فاستحبابًا. وحينئذٍ جاز
أن تكون القراءةُ واجبةً في الأُولَيَيْنِ، ومستحبةً في الأُخْرَيَيْن مع دخولها تحت أمرٍ واحدٍ، ولا
يَثْبُت ما رامه الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله. أمَّا دخول الأنواع المختلفة تحت لفظٍ واحدٍ،
فالاتحاد حقيقة الفرض والنفل، وإنما الفرقُ من حيثُ لُحُوق الأمر وعدمه، وذلك من
العَوَارِض، فلا تختلف بها الحقيقةُ. وأَبْعَدَ من ذهب إلى تبايُن تَيْنِكَ الحقيقتين، وقد قرَّرِناه من
قبل، والتفصيل في ((فصل الخِطَّاب)). وبعد، فلي بعض تردُّد في استحباب القراءة في الأُخْرَيَيْن

٣٧٥
كتاب الأذان
لمكان الاختلاف، وتجاذُّب الأدلة، لأنه ليس في المرفوع كثيرُ شيءٍ يَدُلُّ على الفرق بين
الأُولَيَيْنِ والأُخْرَبَيْن .
فإِن قلتَ به، لَزِمَ على ترك ما رُوِي عن علي رضي الله عنه في العَيْنِيِّ، وابن مسعود
رضي الله عنه في ((المصنَّف)) لابن أبي شَيْبَة. وإن اتَّبَعْتَ أثرهما، يَلْزَمُ على خلاف تبادُر
الحديث، فلذا أتوقّف فيه. وإنما لم نَقُلْ بوجوب السورة في الأُخْرَيَيْن لِمَا عن فَتَادة في
البخاري مرفوعًا: ((أنه كان يقرأ في الظهر في الأُولَيَيْنِ بأمِّ الكتاب وسورتين، وفي الركعتين
الأُخْرَيَيْن بأُمِّ الكتاب ... )) إلخ، فقام الدليل على التخصيص.
قلتُ: ومع ذلك ثَبَتَتِ القراءةُ بالسورة أيضًا، فلا مناص إلَّ بالقول بالجواز، وهو قول فخر
الإِسلام منا، وهو الأصوب عندي. ولعلَّ الأكثر من فِعْل النبيِّ يَّر تركها، وهو السنة. وقد
ذكرت بعض الكلام فيه في رسالتي ((فصل الخطاب))، من شاء فليرجع إليها .
١٢٣ - بابُ الدُّعاءِ فِي الرُّكُوعِ
٧٩٤ - حدّثنا حَفصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحى، عَنْ
مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ :
((سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي)). [الحديث ٧٩٤ - أطرافه في: ٨١٧، ٤٢٩٣،
٤٩٦٧، ٤٩٦٨].
١٢٤ - بابُ ما يَقُولُ الإِمامُ وَمَنْ خَلفَهُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ
٧٩٥ - حدّثنا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قَالَ: كَانَ النَّبِيُّنَ﴿ إِذَا قَالَ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)) قَالَ: ((اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ)).
وَكَانَ النَّبِيُّنَّهَ إِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ يُكَبِّرُ، وَإِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ قَالَ: ((اللَّهُ أَكْبَرُ)).
[طرفه في: ٧٨٥].
ولعلَّه نظر إلى ما أخرجه مسلم: ((أمَّا الركوع، فعظّمُوا فيه الرَّبَّ. وأقرب ما يكون العبد
من ربه وهو ساجدٌ، فادعوا فيه، فَقَمِنٌ أن يُسْتَجَابَ لكم)). بالمعنى. وهذا يَدُلُّ على أن الدعاء
ينبغي في السجود، أمَّا الركوع، ففيه تعظيم الرب جلَّ مجده. قلتُ: وتعظيم الرب لا يُنَافي
الدعاء، فله أن يُعَظِّم ربه ويدعو بدعاءٍ مُخْتَصَرٍ أيضًا. فإن كان البخاري أراد به إسقاط ما عند
مسلم، فليس بصحيحٍ، وإن كان أراد دفع الإيهام فقط، فهو ناهضٌ. ثم العمل عندي ينبغي أن
يكون على حديث مسلم لأن الحديث جعل التعظيمَ في الركوع، والدعاءَ في السجود، فدلَّ
التقابل على أن المراد من التعظيم غير الدعاء، وإن كان الدعاء أيضًا جائزًا. والله تعالى أعلم.
بقي شيءٌ، وهو أن التعظيمَ أزيدُ في السجود من الرجوع، فينبغي أن يكونَ أمر التعظيم في
السجود، مع أن الحديث جعله في الركوع. فكان للشارحين أن يَكشِفُوا عن معنى التعظيم لِيَظْهَرَ
وجهُ اختصاصه بالركوع، وقد كَشَفْتَهُ بحمد الله في ((رسالتي))، فليراجع.

٣٧٦
كتاب الأذان
ثم إن ابن أمير الحاج صرَّح بجواز الأدعية كلِّها، حتى في الجماعات بشرط عدم التثقيل
على القوم. وراجع ((المواهب اللدنية)) لمواضع الأدعية من الصلاة، فإِنه بَسَطّها جدًا. وما في
((المبسوط)) لشمس الأئمة من عدم جواز الأذكار في الفرائض، فهو متروٌ عندي، والمختار ما
قرَّره ابن أمير الحاج.
١٢٥ - باب فَضْلِ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ
٧٩٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِح،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِنَِّ قَالَ: ((إِذَا قَالَ الإِمامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمِّنْ
حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ
مِنْ ذَنْبِهِ)). [الحديث ٧٩٦ - طرفه في: ٣٢٢٨].
وقد مرَّ: أن المشهورَ التوزيعُ، وفي روايةٍ: الجمع للإِمام، وبه أفتى بعضُ الكبار مِنَّا
كالحلواني، والفضل بن محمد، وأبو عليّ النسفي.
١٢٦ - بابٌ
٧٩٧ - حدّثنا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيِىٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لأُقَرِّبَنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ ◌ََّ، فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْنُتُ فِيِ الرَّكْعَةِ
الأُخْرَى مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، وَصَلَاةِ العِشَاءِ، وَصَلَاةِ الصُّبْحِ، بَعْدَ ما يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ
حَمِدَهُ، فَيَدْعُو لِلمُؤْمِنِينَ وَيَلعَنُ الكُفَّارَ. [الحديث ٧٩٧ - أطرافه في: ٨٠٤، ١٠٠٦، ٢٩٣٢، ٣٣٨٦،
٤٥٦٠، ٤٥٩٨، ٦٢٠٠، ٦٣٩٣، ٦٩٤٠].
أشار إلى مذهب الشافعيِّ رحمه الله تعالى: أن القنوت الراتبة في الفجر في السنة كلِّها،
وفي الوتر في النصف من رمضان فقط. وإنما لم يُتَرْجِم به، لأنه لم يُرِدْ تنويره.
٧٩٧ - قوله: (يَقْنُتُ في الركعة الأخرى). وهذه قنوت النازلة، وهي قنوت النازلة، وهي
عندهم في الصلوات الخمس، ويَجْهَرُ بها، ولو في السِّرية. قِلتُ: والجهرُ في السِّرية غريبٌ
جدًا، واستدلَّوا بما عند أبي داود، وهو ضعيفٌ عندنا. وتكلّم الطحاويُّ في قنوت النازلة،
ويُتَوَهَّمُ النسخ من عبارته، فليتركه. فإِن الشيخ العَيْني رحمه الله تعالى نَقَلَ عن الطحاويِّ ما يَدُلُّ
على أنها ثابتةٌ عندنا أيضًا. وقنوت النازلة عندنا في الجهرية، كما في ((شرح الهداية)) للأمير
الإتقاني، وفي شرح شمس الدين النووي: جوازها في الصلوات مطلقًا .
قوله: (يَلْعَنُ الكُفَّار). ذِكْرُ الأسماء في الصلاة مُفْسِدٌ عندنا، غير أن في الدعاء قولين:
الأول إن كان ذكرها في سِيَاق الدعاء عليهم لم يُفْسِد، وإن كان في سِيَاق الدعاء لهم أَفْسَد.
وفي قول: أَفْسَدَ مطلقًا، والمختار هو الأول، فلا حاجةً إلى الجواب.
٧٩٨ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهُ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ خَالِدِ الحَذَّاءِ، عَنْ

٣٧٧
كتاب الأذان
أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كانَ القُنُوتُ فِي المَغْرِبِ وَالفَجِر. [الحديث ٧٩٨ -
طرفه في: ١٠٠٤].
٧٩٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ نُعَيم بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُجْمِرِ، عَنْ
عَلِيٍّ بْنِ يَحْيِى بْنِ خَلَادِ الزُّرَقِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رِفاعَةَ بْنِ رَّافِعَ الزُّرَقِيِّ قَالَ: كُنَّا يَوْمًا
نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ ◌َ﴿ه، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ، قَالَ: ((سِّمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ)).
قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ. فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ:
((مَنِ المُتَكَلِّمُ؟)) قَالَ: أَنَا، قَالَ: ((رَأَيتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا
أَوَّلَ)) .
٧٩٩ - قوله: (مَنِ المُتَكَلِّمُ)، اخْتَلَفَ في جوابه التفتازاني والجُرْجَاني، فقال التفتازاني:
إن الجواب لمن قال: من التائب؟ التائب زيد. وقال الجُرْجَاني في ((حاشية الكشاف)): إن حقَّ
الجواب: زيد التائب. قال الكَافِيَجِي: إن الجُرْجَاني محرومٌ من المعاني، إِلَّا أن عندي له
وجوهًا ذکرتها .
قوله: (رأيت بِضْعَةً وثلاثين)، وفي روايةٍ: ((اثني عشر ملكًا)). وهما عندي في واقعتين.
قوله: (أَيُّهم يَكْتُبُهَا)، وعند مسلم ((أيهم يَصْعَدُ بها أول)). وقد ثَبَتَ عندي تجسُّد المعاني
وتَجَوْهُر الأعراض بالعقل والنقل، فلا بُعْدَ عندي في صُعُودها. واعلم أن حديث عرض الصلاة
على النبيِّ وَل﴿ لا يقوم دليلًا على نفي علم الغيب، وإن كانت المسألة فيه: أن نسبة علمه وَاله
وعلمه تعالى كنسبة المُتَنَاهي بغير المُتَنَاهي، لأن المقصودَ بعرض الملائكة: هو عرض تلك
الكلمات بعينها في حَضْرَتِهِ العالية، عَلِمَها من قبل أو لم يَعْلَمْ، كَعَرْضِها عند رب العزة، ورَفْع
الأعمال إليه. فإن تلك الكلمات مما يحيا به وجهُ الرحمن، فلا ينفي العرضُ العلمَ، فالعرضُ
قد يكون للعلم، وأخرى لمعانٍ أُخَر. فاعرف الفرق.
١٢٧ - بابُ الأَطْمَأْنِينَةِ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ
وَقَالَ أَبُو حُمَيدٍ: رَفَعَ النَّبِيُّ ◌َ لَّهِ وَاسْتَوَى جالِسًا، حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكانَهُ.
والمراد به تكامُل الهيئة باستقرار كل عضوٍ مكانه، وقد مرّ منا: أنه لا اعتناءَ للشرع بطول
القيام، فإنه ورد بالأنحاء كلِّها حسب الحاجات، أمَّا التعديلُ في المواضع الأربعة، فله اعتناءٌ
به، وراجع له ((كشف الستر)).
٨٠٠ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَة، عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: كانَ أَنَسٌ يَنْعَتُ لَنَا
صَلاة النَّبِيِّ وَّهِ فَكَانَ يُصَلِّي، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قامَ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ نَسِيَ.
[الحديث ٨٠٠ - طرفه في: ٨٢١].
٨٠٠ - قوله: (حتَّى نقولَ: قد نَسِيّ): يعني من طول قَوْمَتِه. ولفظ ((قد نَسِيّ))، وإن دَلَّ
على الطول، لكنه من طرفٍ آخر دَلَّ على أنه لم يكن من عادته .

٣٧٨
كتاب الأذان
٨٠١ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيلَى، عَنِ
البَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ ◌َّه وَسُجُودُهُ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرّكُوعِ،
وَبَيْنَ السَّجْدَتَينِ، قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ. [طرفه في: ٧٩٢].
٨٠٢ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي
قِلَابَةَ قالَ: كانَ مالِكُ بْنُ الحُوَيرِثِ يُرِينَا كَيفَ كانَ صَلَاةُ النَّبِيِّ ◌َّةِ وَذَاكَ فِي غَيرٍ وَقْتِ
صَلَاةٍ، فَقَامَ فَأَمْكَنَ القِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَمْكَنَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَنْصَبَ هُنَيَّةً، قَالَ أَبو
قلابة: فَصَلَّى بِنَا صَلَاةَ شَيخِنَا هذا أَبِي بُرَيدٍ، وَكَانَ أَبُو بُرَيدٍ، إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ
الآخِرَةِ اسْتَوَى قَاعِدًا، ثُمَّ نَهَضَ. [طرفه في: ٦٧٧].
٨٠٢ - قوله: (فَأَنْصَبَ هُنَيَّةً) (به كئي تهوري ديركي لئي): أي بقي هُنَيَّةٌ ساكنةٌ أطرافُه.
وفي ((الهامش)) ((فأَنْصَت)) بالتاء مكان الباء، واستعمله الراوي ههنا في السكون على الأطراف،
مع أنه للإصغاء والتهيُّؤ للاستماع.
قوله: (أبو يزيد): وهو عمرو بن سَلَمة، وفيه جلسة الاستراحة، وقد مرَّ مني جوابه،
وحملها الطحاويُّ على الضرورة.
١٢٨ - بابٌ يَهْوِي بِالتَّكْبِيرِ حِينَ يَسْجُدُ
وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ.
وقد مرَّ: أن المرادَ به بَسْطُه على الانحناء.
قوله: (وقال نافع: كان ابن عمر يَضَعُ يَدَيْه قبل رُكْبَتَيْهِ). قال الحافظ؟ وإنه مُتَرْجَمٌ به، لا
له. وقد وَرَدَ فيه الحديث بكلا النحوين، وقد تكلمنا عليه في درس الترمذي. قال النووي: لا
يَظْهَرُ ترجيح أحد المذهبين على الآخر من حيث السُّنَّة. اهـ.
٨٠٣ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحَمْنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كانَ يُكَبِّرُ
فِي كُلِّ صَلَاَةٍ مِنَ المَكْتُوبَةِ وَغَيرِهًّا فِي رَمَضَانَ وَغَيرِهِ، فَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ
يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ، ثُمَّ
يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، ثُمَّ يُكَبِرُ حِينَ
يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرَفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الجُلُوسِ فِي
الاِثْنَتَينِ، وَيَفعَلُ ذلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَنْصَرِفُ:
وَالَّذِي نَّفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لأَقْرَبُّكُمْ شَبَهَا بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ إِنْ كانَتْ هذهِ لَصَلَاتَهُ حَتَّى
فارَقَ الدُّنْيا. [طرفه في : ٧٨٥].

٣٧٩
كتاب الأذان
٨٠٣ - قوله: (كان يُكَبِّرُ ... في رمضانَ وغيرِه). وإنما تعرَّض الراوي إلى رمضان لمكان
بعض الزيادات في هذا الشهر، فتَّه على أنه لم تكن فيه زيادةٌ في باب التكبيرات.
٨٠٤ - قَالَا: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ
يَقُولُ: ((سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَّكَ الحَمْدُ)) يَدْعُو لِرِجالٍ فَيُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ،
فَيَقُولُ: ((اللَّهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ،
وَالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلَهَا عَلَيهِمْ سِنِينَ كَسِنِي
يُوسُفَ)). وَأَهْلُ المَشْرِقِ يَوْمَئِذٍ مِنْ مُضَرَ مُخَالِفُونَ لَهُ. [طرفه في: ٧٩٧].
٨٠٤ - قوله: (يَدْعُو لِرِجَالٍ)، وفي (البحر)): أنه لو دعا على معيَّن لم تَفْسُدْ صلاته. وهذا
من الأُخْجِيَّة: أن التلفُّظ بزيدٍ فقط مُفْسِدٌ، والدعاء عليه غير مُفْسِدٍ. فالجزء مُفْسِدٌ، والكلُّ ليس
بمفسدٍ. وهذا كما أن دِيَة الأطراف قد تزيد على دِيَة النفس. وتعرَّض إليه صدر الشريعة في
((شرح الوقاية))، فراجعه.
قوله: (وأهلُ المَشْرِق يومئذٍ من مُضَرَ): أراد به شرق العرب، فإِن الإِسلام لم يَخْرُج من
جزيرة العرب بَعْدُ .
٨٠٥ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ - غَيرَ مَرَّةٍ - عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ:
سمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مالِكٍ يَقُولُ: سَقَطَ رَسُولُ اللَّهِنَّهِ عَنْ فَرَسِ - وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: مِنْ
فَرَسٍ - فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيهِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا
وَقَعَلْنَا. وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: صَلَّيْنَا قُعُودًا، فَلَمَّا قَضى الصَّلَاةَ قَالَ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الإِمامُ
لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قالَ: سَمِعَ اللَّهُ
لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا)). كَذَا جاءَ بِهِ مَعْمَرٌ؟ قُلْتُ:
نَعَمْ. قَالَ: لَقَدْ حَفِظَ كَذَا، قَالَ الزّهْرِيُّ: وَلَكَ الحَمْدُ. حَفِظْتُ: مِنْ شِقِّهِ الأَيمَنِ، فَلَمَّا
خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ ابْنُ جُرَيجٍ وَأَنَا عِنْدَهُ: فَجُحِشَ سَاقُهُ الأَيمَنُ. [طرفه في:
٣٧٨].
٨٠٥ - قوله: (كَذَا جاء بِهِ مَعْمَرٌ)، هذه نغمةُ الاستفهام. سأله سُفْيَان عن عليّ رضي الله
عنه .
قوله: (قال: لقد حَفِظ)، وقد كان في المجلس مَعْمَر، وسُفْيَان، وابن جُرَيْج، والزُّهْرِي.
ثم قال ابن جُرَيْج: إني أحفظ لفظ الساق مكان الشِقِّ.
١٢٩ - بابُ فَضْلِ السُّجُودِ
٨٠٦ - حدّثنا أَبُو اليَمانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ
المُسَيَّبِ، وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُما: أَنَّ النَّاسَ قالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ،
هَل نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ: ((هَل تُمَارُونَ فِي القَمَرِ لَيلَةَ البَدْرِ لَيسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟))

٣٨٠
كتاب الأذان
قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: ((فَهَل تُمَارُونَ فِي الشَّمْسِ لَيسَ دُونَها سَحابٌ؟)) قَالُوا: لا،
قَالَ: ((فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذلِكَ، يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلَيَتَّبِعْ،
فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَبعُ الشَّمْسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبعُ القَمَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ، وتبقى هذهِ
الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: هذا مَكانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنا
رَبِّنَا، فَإِذَا جاءَ رَبِّنَا عَرَفَنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ عزَّ وجلَّ اللَّهُ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا،
فَيَدْعُوهُمْ فَيُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَي جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوِزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلَا
يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلَّ الرُّسُلُ، وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ
مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، هَل رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟)) قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: ((فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ
السَّعْدَانِ، غَيرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّ اللَّهُ، تَخْطَفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ
بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو، حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللَّهُ رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ
اللَّهُ المَلَائِكَةَ: أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَيُخْرِجُونَهُمْ وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ،
وَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنَّ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ
إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتَحَشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيهِمْ ماءُ الحَياةِ، فَيَنْبُتُونَ كما
تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيلِ، ثُمَّ يَفْرُغُ اللَّهُ مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ العِبَادِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ
وَالنَّارِ، وَهُوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ، مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ اصْرِف
وَجْهِي عَنِ النَّارِ، قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فَيَقُولُ: هَل عَسَيْتَ إِنْ فُعِلَ ذلِكَ
بِكَ أَنْ تَسَأَلَ غَيْرَ ذلِكَ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ، فَيُعْطِي اللَّهُ ما يَشَاءُ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ،
فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الجَنَّةِ رَأَى بَهْجَتَهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ
يَسْكُتَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ قَدِّمْنِي عِنْدَ بابِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَلَيسَ قَدْ أَعْطَيتَ العُهُودَ
وَالمِيثَاقَ، أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيرَ الَّذِي كُنْتَ سَأَلتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلقِكَ،
فَيَقُولُ: فَمَا عَسَيتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذلِكَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ، لَا أَسْأَلُ غَيْرَ
ذلِكَ، فَيُعْطِي رَبَّهُ ما شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الجَنَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا، فَرَأَى
زَهْرَتَهَا، وَما فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ وَالسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ ما شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ
أَدْخِلنِي الجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: وَيحَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، ما أَغْدَرَكَ، أَلَيسَ قَدْ أَعْطَيتَ العُهُودَ
وَالمِيثَاقَ، أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيرَ الَّذِي أُعْطِيتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ لَا تَجْعَلني أَشْقَى خَلقِكَ،
فَيَضْحَكُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ، ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ لَهُ: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى حَتَّى
إِذَا انْقَطَعَ أُمْنِيَتُهُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: زِدْ مِنْ كَذَا وَكَذَا، أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ، حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ
الأَمانِيُّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَكَ ذلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ)). قَالَ أَبُو سَعِيدِ الخُدْرِيُّ لأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ن ◌َّهِ قَالَ: ((قَالَ اللَّهُ: لَكَ ذلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ)). قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ:
لَمْ أَخْفَظْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ إِلَّ قَوْلَهُ: (لَكَ ذلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ». قَالَ أَبُو سَعِيدِ الخُدريُّ: إِنِّي