Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
كتاب الأذان
بقي أنه هل يجب علينا أن نُعَيِّن مِصْدَاقه بحَسَبٍ مسائلنا أو لا؟ فأقول: إن الحديث لم
يُسَقْ لِمَا فَهِمُوه؛ بل سِيقَ لتَسْلِيَة المقتدين في اقتدائهم بالأئمة الفُسَّاق، كما في الحديث الآتي:
((ويصلِّي لنا إمام فتنة ونتحرَّج))، فهذا التحرُّجُ بحَسَب معتقداتهم الذهنية، أو الفِسْق الخارجي،
كما يُسْتَفْتَى اليوم: إن إمامنا زوجته تَخْرُج بدون الحجاب، أو ليس بمتديِّن، أو يأكل الرِّبا، أو
يصلّي لغير الوقت مثلًا. فهذه كلها نقائص من الخارج، لا أنهم تحرَّجُوا عن الاقتداء خلفهم
لأن إمامهم كان يصلِّي بهم بدون طهارة، أو مع تَرْك التعديل، أو كان يُنْقِص في أجزائها،
وحينئذٍ لم يبقَ لنا حاجةٌ إلى تعيين مِصْدَاقه، لأنه لم يُسَقْ في أفعال الصلاة؛ بل سِيقَ لإزالة
التحرُّج الذي حَدَث في أذهانهم بحَسَبِ الاعتقادِ السوء للإمام، وهو ذهني، وهذا الذي أَرَدْنَاه
بالدواخل والخوارج فيما مرَّ فأزاحه النبيُّ ◌َِّ وعلَّمهم أن نياتكم معكم، وعاقبتهم معهم.
ومع هذا لو تبرَّعنا ببيان مِصْدَاقه كان أحسن فاعلم أن ما يُسْتَفَاد من كُتُب الحنفية في
الاقتداء بالأئمة الذين يُميِتُون الصلوات أن يصلُّوها منفردين في أوقاتها، فإِن أدركوها معهم لا
يُعِيدُون غير الظهر والعشاء. وأَقول من عند نفسي: لهم أن يُعِيدُوا سائرها إن خافوا الإيذاء
منهم(١) لقوله ◌َ﴾: ((إن وَبَاله يكون عليهم)) . - بالمعنى - وقد مرَّ عن ((البحر)): أن الإمام لو كان
مُبْتَدِعًا، فإن لم تبلغ بدعته إلى حدِّ الكُفْرِ يَصِحُ الاقتداء به، وهو أفضل من الانفراد، وكَتَبَ فيه
هذا اللفظ، أعني: وعليه ما عليه. والابتداع قد يكون في أفعال الصلاة، وقد يكون في خارجها
أيضًا .
قوله: (فإن أصابوا فلكم)، واتفق(٢) الشارحان أن هذه الأحاديث في الأوقات، فالمراد
منها إصابة الوقت والخطأ فيه. وأما مسائل الشافعية فمن باب التَّفقُّه، وقد نَبَّهناك أنها لا تأتي
تحت هذه الأحاديث، ولا يُنَاسِب استنباطها منها، ومع ذلك أدرجها الحافظ رحمه الله ههنا .
وجملة الكلام: أن اللفظ وإن كان عامًا، لكن عمومه ليس بِمْنَوِيٍّ ولا مقصودٍ، والحديثُ أضيقُ
مما حمَلَ عليه الشافعية، فافهم.
٥٦ - باب إِمَامَةِ المَفْتُونِ وَالمُبْتَدِعِ
وَقَالَ الحَسَنُ: صَلِّ وَعَلَيهِ بِدْعَتُهُ.
٦٩٥ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا
الزُّهْرِيُّ، عَنْ حُمَيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ خِيَارٍ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى
(١) قلتُ: وأخرج الطحاويُّ عن إبراهيم: أنه كان يَكْرَه أن يُعاد المغرب إلّا أن يَخْشَى الرجل سلطانًا، فيصلِّيها ثم
يَشْفَعُ بركعة، وهذا يؤيّد ما قاله الشيخ رحمه الله تعالى.
(٢) قال الطحاويُّ في ((مشكله)) ما حاصله: إن الحديث سِيقَ في خطأ الإمام في إصابته وقت الصلاة، فدلَّ على أنه
أيضًا حمله على الوقت، لا على الانتقاص في أجزاء الصلاة.
قلت: وقد كرَّرت في البيان ليتقرَّر منه شيء في الأذهان، ويَخْرُج من الغياب إلى العيان.

٢٨٢
كتاب الأذان
عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ مَخْصُورٌ، فَقَالَ: إِنَّكَ إِمَامُ عامَّةٍ، وَنَزَلَ بِكَ مَا نَرَى،
وَيُصَلِّي لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ، وَنَتَحَرَّجُ؟ فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ
فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِذَا أَسَاؤُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ. وَقَالَ الزُّبَيدِيُّ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا نَرَى أَنْ
يُصَلَّى خَلفَ المُخَتَّثِ، إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا.
٦٩٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ: أَنَّهُ
سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ: قَالَ النَّبِيُّ ◌ََّ لأَبِي ذَرّ: ((اسْمَعْ وَأَطِعْ وَلَوْ لِحَبَشِيٍّ، كَأَنَّ رَأْسَهُ
زَبِيبَةٌ)). [طرفه في: ٦٩٣].
قيل: الأحسن أن يقول: المُفْتَتَن، وقيل: الفَاتِن، ثم قيل: إن المفتون يُظْلَق على الفاتِن
أيضًا. والمراد منه: من لا يَحْتَاط في دينه، ولا يَتَقَيَّدُ بالشرع في آدابه وعقائده حتى تذهب به
نفسه كل مَذْهَبٍ، لا من لم يكن يُحْسِنُ يصلِّي، أو يَقْصُر فيها، ليصِحَّ استدلال المصنّف
رحمه الله.
٦٩٥ - قوله: (ويُصَلِّ لنا إِمام فِتْنَة، ونَتَحَرَّجُ)، وهذا الذي نَبَّهِتُك عليه آنفًا: أن الحديثَ
لم يُسَقْ لبيان المَخْرَج، ولم يعلِّمهم الاقتداء بهم، ولم يرغِّبهم في تطلّب الجماعة خلفهم.
وإنما وَرَدَ في تسليتهم، وتفريج تحرُّجهم، وتبريد صدرهم، وإذهاب حرِّهم، وإطفاء لوعتهم
عندما اضْطَروا إلى الاقتداء بهم، فشقَّ عليهم الاقتداء لِمَا يَرَوْنَه مفتونًا مبتدعًا .
وحمله الشافعية رحمهم الله تعالى على أنه وَرَدَ في صورة العمل، وهدى إلى المخلّص في
تلك الأيام، ونبّه على ضعف رابطة القدوة جدًا فيمكن لهم أن يتداركوا لأنفسهم ما قَصَرَ فيه
إمامهم، حتى يكون تكميله لهم وتقصيره عليه لا عليهم.
وإذ قد عَلِمْت أنه لم يَرد في تقصيرهم في نفس أركان الصلاة؛ بل وَرَدَ في الأمور
الخارجية التي أوجبت عليهم التشويش والتحرُّج في الاقتداء بهم، فكيف يمكن التكميل منهم
فيما قَصَرَ فيه الإِمام في الخارج؟ وإنما يأتي التكميل من المقتدي فيما فَرَضْنَا أن الإمام قَصَرَ في
أجزاء الصلاة، وإذا كان مَبْنَى التحرُّج عمَّا يفعله في الخارج لا يمكن تكميله في المقتدي في
الصلاة؛ بل لا يُتَصَوَّر أيضًا.
ثم إن سبب تهَيج هذه الفتن: أن أمير المؤمنين عثمان رضِي الله تعالى عنه كان يَسْتَعْمِلُ
أقاربه، وكان بعضهم لا يُحْسِنُون العملِ، فَقَدَحَ الناس فيهم، وبلَّغُوا أمرهم إلى عثمان رضي الله
تعالى عنه، فلم يصدِّقهم وظنَّ أنهم يَغُرُّون بأقاربه بلا سببٍ، ولعلّهم لا يَطِيب بأنفسهم تولية
أقاربه، فيُوشون بهم. ومرَّ على ذلك بُرْهةٌ من الزمان حتى جاءه محمد بن أبي بكر يَسْتَعْمِلُه،
فأمر مروان - وكان كاتبًا له - أن يَكْتُب إذا جاءكم محمد بن أبي بكر فاقبلوه، فكَتَبَ مروان:
فاقتلوه، مكان فاقبلوه، واتَّفق أن محمد بن أبي بكر فَعَلَ فِعْل المُتَلَمِّس، فَفَتَحَ المكتوب، فإِذا
فيه أمر القتل، فرجع على أعقابه وقصَّه على عليّ رضي الله عنه، فطلب عليّ رضي الله عنه
مروان، فلم يفعله عثمان رضي الله عنه، وعند ذلك أثارت تلك الفِتَن وهاجت حتى مضى عليه

٢٨٣
كتاب الأذان
قَدَرُ الله، ثم إن عثمان رضي الله عنه وإن لم يَعْزِل أقاربه من أجل شكايات الناس، لكنه لم
یحمِهم أيضًا .
وفي كُتُب التاريخ: أن عليًّا والزُّبَيْر وطلحة رضي الله عنهم لمَّا رأوا أن الحال بَلَغَ هذا
المَبْلَغ أرسلوا إليه أولادهم أن يَحْرُسُوه، وكانوا يَزْعُمُون قبله أن البغاة لعلهم يستغيثون إليه،
فيقضي بمأمولهم ويُنْجِحُ حاجاتهم، ولم يكن يَخْطُر ببالهم ما انتهى إليه الأمر. وبينما هم في
ذلك إذ بَلَغَ عليًّا رضي الله عنه نبأ شهادته، ففرَّ يعدُو ولَظَمَ حُسَيْنًا رضي الله عنه، وقال: أنت
ههنا؟ واستشهد عثمان رضي الله عنه، فقال: ليس عندنا به علم، لأن البغاة نزلوا من فوق
الجدار، ولم يَدْخُلوا من الباب. ثم رأيت أن الناس أرادوا أن يُدَافِعُوا عنه فأبى عثمان رضي الله
عنه، وقال: لا أحب أن تُسْفَكَ قطرةُ دَم امرىءٍ مسلم من أجلي، حتى سألوه عُبَيْدة فأجاب: أن
كل من يَغْمُدُ السيف منكم فهو حرِّ. وهكذا منذ بَدْءً الزمان: أن من لا يَنْتَصِر لنفسه، لا يُنْصَر
له، ویتنَخَّی عنه الناس.
قوله: (فقال: الصلاة أحسن) ... الخ، وعُلِمَ منه أن المُسِيء لو فَعَلَ فِعْلًا حَسَنًا، فهو
حَسَنٌ، ولا یصیر قبيحًا .
٥٧ - باب يَقُومُ عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ بِحِذَائِهِ سَوَاءً إِذَا كَانَا اثْنَينِ
٦٩٧ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَم قَالَ: سَمِعْتُ
سَعِيدَ بْنَ جُبَيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَّ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِيَّ مَيِمُونَةَ، فَصَلَّى
رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ العِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، فَجِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ
يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَينٍ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى سمِعْتُ
غَطِيطَهُ، أَوْ قَالَ: خَطِيطَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ. [طرفه في: ١١٧].
وهو المسألة عندنا. نعم إذا كان اثنان، فالأحسن أن يتأخّرا عنه.
٦٩٧ - قوله: (فَصَلَّى أربع ركعاتٍ) وهي السنة بعد العشاء.
قوله: (ثم قام .. فَصَلَّى خمسَ ركعاتٍ)، وهذا القيام لصلاة الليل، وقد عَلِمْتَ الاختلاف
في عدد صلاته وَّر في تلك الليلة، وأن الرَّاوي قد اقتصر فيه على ذكر قطعة من صلاته، وترك
باقیها .
٥٨ - باب إِذَا قَامَ الرَّجُلُ عَنْ يَسَارِ
الإمَامِ فَحَوَّلَهُ الإِمَامُ إِلَى يَمِينِهِ، لَمْ تَفْسُّدْ صَلاَتُهُمَا
٦٩٨ - حدّثنا أَحْمَدُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ
سَعِيدٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيمَانَ، عَنْ كُرَيبٍ مَوْلَىّ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمَا قَالَ: نِمْتُ عِنْدَ مَيمُونَةَ، وَالنَّبِيُّ نَّهَ عِنْدَهَا تِلكَ اللَّيْلَةَ، فَتَوَضَّأَ ثُمََّ قَامَ يُصِّلِّي، فَقُمْتُ

٢٨٤
كتاب الأذان
عَلَى يَسَارِهِ، فَأَخَذَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةٌ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى نَفَخَ،
وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ المُؤَذِّنُ، فَخَرَجَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ. قَالَ عَمْرٌو: فَحَدَّثْتُ بِهِ
بُكَيْرًا فَقَالَ: حَدَّثَنِي كُرَيِبٌ بِذلِكَ. [طرفه في: ١١٧].
وهكذا فَعَلَه النبيُّ ◌َّـ مع ابن عبَّاس رضي الله عنه في مبيته في بيت خالته. واسْتَفَدْتُ أن
الكراهة إذا طرأت في الصلاة، ينبغي أن تُرْفَع في خلال الصلاة. ولا توجد تلك المسألة في
الفقه، وإنما اسْتَنْبَطْتُها من هذا الحديث.
٦٩٨ - قوله: (فصلَّى ثلاثَ عشرةَ ركعةً) هذه ركعات النبيّ ◌َّ في تلك الليلة. وقد اختصر
فيه الرَّاوي في الرواية المارَّة.
وفي إسناده مَخْرَمة وعند الطَّحَاوي قَيْس بدله، والصواب مَخْرَمة كما في هذا الكتاب. ثم
عن مَخْرَمة هذا أن تلك الخمسة هي ركعتان من صلاة الليل وثلاث الوتر، كما قرَّرناه سابقًا .
والاضطجاع في تلك الواقعة قبل سنة الفجر بعد صلاة الليل.
٥٩ - باب إِذَا لَمْ يَتْوِ الإِمَامُ أَنْ يَؤُمَّ، ثُمَّ جَاءَ قَوْمٌ فَأَفَّهُمْ
٦٩٩ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْماعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَّتِيٍ، فَقَامَ النَّبِيُّ وَ يُصَلِّي مِنَ
اللَّيلِ، فَقُمْتُ أُصَلِّي مَّعَهُ، فَقُّمْتُ عَنْ يَسَّارِهِ، فَأَخَذَ بِرَأْسِي، فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ. [طرفه في :
١١٧].
ونية الإمامة ليست بشرطِ عندنا أيضًا إلَّا في مسألة المحاذاة، فإِن مسائلها لا تأتي إلّا
عند نية الإمام إمامتها .
٦٠ - باب إِذَا طَوَّلَ الإِمَامُ،
وَكَانَ لِلرَّجُلِ حَاجَةٌ، فَخَرَجَ فَصَنَّى
٧٠٠ - حدّثنا مُسْلِمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ: أَنَّ
مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ وََّ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَّهُ. [الحديث ٧٠٠ - أطرافه في: ٧٠١،
٧٠٥، ٧١١، ٦١٠٦].
٧٠١ - قال: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ◌َِ، ثُمَّ
يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَصَلَّى العِشَاءَ، فَقَرَأَ بِالبَقَرَةِ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَكَأَنَّ مُعَاذَا تَنَاوَلَ مِنْهُ،
فَبَلَغَ النَّبِيَّ ◌ََّ، فَقَالَ: ((فَتَّانٌ، فَتَّانٌ، فَتَّانٌ)) ثَلَاثَ مِرَارٍ، أَوْ قَالَ: ((فَاتِنَا، فَاتِنًا، فَاتِنَا)).
وَأَمَرَهُ بِسُورَتَينٍ مِنْ أَوْسَطِ المُفَصَّلِ. قَالَ عَمْرٌو: لَا أَحْفَظُهُمَا. [طرفه في: ٧٠٠].

٢٨٥
كتاب الأذان
وهذا أيضًا من فروع القدوة، فجوز عند الشافعية أن يتحوَّل المقتدي إلى الانفراد والمنفرد
إلى الاقتداء. وحملوا هذه الواقعة على أنه لم يَخْرُج عن صلاته، بل تحوَّل إلى الانفراد من
خلال صلاته .
قلتُ: وعند مسلم صراحةً: ((أنه سلَّم ثم صلَّى لنفسه في ناحية المسجد))، وعلَّل النووي
هذا اللفظ. وعندنا لا سبيلَ للخروج عنها إلَّا بعملٍ مُفْسِدٍ، ولا أثر للنيات، فإن نَوَى المقتدي
أن يَخْرُجَ عن الاقتداء، أو نَوىَ المُنْفَرِد أن يتحوَّلَ إلى الاقتداء، ليس له ذلك، وهما على
حالهما كما كان. وإنما السبيل أن يسلِّم، أو يَعْمَلَ عملًا يَخْرُج به عن صلاته، ثم يَدْخُل في
صلاة أخرى.
٧٠١ - قوله: (قال: كان مُعَاذ يُصَلِّي مع النبيِّ وََّ) وعلم أن الكلامَ في صلاة مُعَاذ
رضي الله تعالى عنه مع النبيِّ وَّةُ، وصلاته بقومه طويلٌ يحتاج إلى تَعَمُّل فِكْرٍ، وإمعان نَظَرٍ،
وعليه تُبْتَنَى مسألة اقتداء المُفْتَرِض خلف المتنفِّل، واختاره الشافعية. فإن ثَبَتَ أن مُعَاذًا كان
يصلّي مع النبيِّ ◌َّه فريضته، ثم كان يصلِّي بقومه أيضًا ثَبَتَ اقتداء المُفْتَرِض خلف المتنفِّل وإلَّا
فلا. ولا يجوز عندنا للتضمُّنِ المُعْتَبرِ بين صلاة الإمام وصلاة المقتدي، وكذا عند أحمد
رحمه الله تعالى، وعند مالك رحمه الله تعالى في روايته. وعند الترمذي: أن الإِمام ضامنٌ، فلا
بُدَّ أن يكون التضمّن مُرَاعی.
ثم إن الطَّحَاويَّ ذكر في ((شرح معاني الآثار)): أن الفريضة تحتوي على أمرين: ذات
الصلاة، ووصف الفرضية، بخلاف النافلة، فليست فيها إلّا ذات الصلاة. فإن قلتَ: قد اعْتُبِرَ
فيها وصف النفليَّة، فاشتملت على الأمرين أيضًا كالفريضة. قلنا: كلا، فإن النفل وإن كان
وصفًا، لكنَّ ذات الصلاة لا تنفك عنه عند الإطلاق بخلاف الفرضية، ولذا يُحْتَاجُ فيها إلى النية
الزائدة على نفس الصلاة. فلا تَقَعُ فريضة إلاّ بعد نيتها بخلاف النفل، لأنه أدنى مرتبة الجنس،
فَتَقَعُ عليه عند انعدام النية أيضًا.
إذا عَلِمْتَ هذا، فاعلم: أنَّ الإمام إن كان متنفلًا فصلاته نصف صلاة المقتدي المُفْتَرِض
على الفرض المذكور، والشيء لا يتضمَّن إلَّا ما هو دونه أو يساويه، ولا يتضمَّن ما فوقه؛ بل
يستحيل أن يتضمَّنه، ثم إن ههنا دقيقة أخرى غَفَلَ عنها الناس وغَلِطُوا فيها، حتى وقع فيه بعض
من علماء المذاهب الأخرى أيضًا، فيَزْعُمُون أن المذهب عندنا هو التنقّل دون الإعادة، فيعيدها
ويَنْوِي النفل، وإعادة الصلاة بنية النفل هو الذي عَنَوْه بالتنفُّل والمذاهب الأخرى قائلةٌ بالإعادة،
أي يصلِّي تلك الصلاة بعينها ولا ينوي النفل، حتى أنهم اختلفوا في أن أيًّا من صلاتيه تقع عن
الفريضة: فقال بعضهم: إن الفريضة تَسْقُطُ بأُولى صلاتيه. وقال آخرون: بل تَسْقُطُ بأكمل
منهما، ولا يُحْكُم على إحداهما بتًا، كما في ((الموظّأ)) عن ابن عمر رضي الله عنه لمَّا سُئل عن
ذلك فوَّضه إلى الله .
الحاصل: أن الحنفية عامتهم يُعَبِّرُون في صلاة مُعَاذ رضي الله عنه أنها كانت نافلة خلف

٢٨٦
كتاب الأذان
رسول الله ﴾ وفريضة في قومه، وتخالفه ألفاظ الأحاديث جملة. فإن الرواة كافة يُصَرِّحُون بأن
مُعَاذًا كان يصلِّي بهم عينَ ما كان يصلِّي خلف النبيِّ وََّ، ولا يقول واحدٌ منهم: إنه كان يُصَلِّي
خلف النبيِّ ◌ََّ نافلةً؛ بل كلهم يقول: إنه كان يصلّي العشاء خلف النبيِّ ◌ََّ، ويُصَلِّي بهم أيضًا
تلك.
وهذا القصور في عبارات المتأخّرين. والقدماء منا لم يقولوا إلَّ بالإعادة، ولم يفهم واحدٌ
منهم أنه كان ينوي النفل، بل في الكُتُب الأربعة لمحمد رحمه الله تعالى لفظ الإعادة، وهي اسم
لتكرار عين الصلاة، فيُصَلِّي العشاء ثم يصلِّيها ثانيًا بذلك الاسم، ولا ينوي النفل. وبه صَرَّح
الطحاويُّ في موضعين، فنصُّ الطحاويِّ في واحدٍ منهما: فلا بأس أن يفعل فيها ما ذُكِرَ، ثم
من صلاته إياها مع الإمام على أنها نافلة له غير المغرب ... الخ. وفي موضع آخر وممن قال
بأنه لا يُعَاد من الصلاة إلا الظهر والعشاء الآخرة: أبو حنيفة وأبو يوسف، ومحمد رحمهم الله
تعالى اهـ. فصَرَّح أن الإعادة مُعْتَبَرَةٌ عندنا أيضًا، كما هو عند سائر الأئمة، إلَّا أنه في
الصلاتين فقط .
ومعنى قوله على أنها نافلة: أي أنه لا ينوي النفل، ولكنه تَقَعُ عنه نافلة إذ سَقَطَ فرضه عن
ذمته بأُولى صلاتيه إن كان نَوَى بها إسقاط الفريضة، وحينئذٍ اتَّضَحَ أن المذهب أنه يصلِّي صلاةً
واحدةً مرتين، بمعنى أنها إن كانت عشاءً يُعِيدُها عشاءً، ولا ينوي غيرِ العشاء، وإن ظهرًا فظهرًا،
وهكذا. نعم إن نَوَى إسقاط الفريضة بأولى صلاتيه لا تقع الأخرى إلَّا نافلةً، وذلك لأن ذمته قد
فَرَغَت بالأُولى، فلا تقع الثانية إلّ نفلًا، ولعلك فَهِمْتَ الآن الفرق بين قولنا: تنفَّل بكذا أو
صلّى نافلةً، وبين قولنا: صلَّى على أنها نافلة. فإن الأول يَدُلُّ على نية النفل، والثاني على أنه
لم ينو إلّ عينَ تلك الصلاة، ثم وقعت نقلًا بدون نيةٍ منه.
فإن قلتَ: إنك إذا نَوَيْتَ العشاء في الموضعين، فكيف تقع الثانية نافلة؟ قلتُ: كصلاة
الصبيان، فإنهم لا يَنْؤُون صلواتهم إلّ بأسمائها كالفجر والظهر وغيرهما، ثم لا تقع عنهم إلاّ
نافلةً، لا أنهم يَنْؤُون نفلًا ويُصَلُّون متنفّلين من أول الأمر. فهكذا حال من أسقط الفريضة عن
ذمته مرةً، فإنه أيضًا ينوي تلك الصلاة، ولا تقع عنه إلاّ نافلةً(١)، وهو الذي عَنَاه الطحاويُّ
بقوله: على أنها نافلة.
ثم إن الطحاويَّ لم يَذْكُر بين الأئمة خلافًا في نفس الإعادة، فعُلِمَ أن الإعادة متفقٌ عليها
إجماعًا. وإنما الخلافُ في إعادة الكلِّ أو البعض منها، فذَهَبَ الشافعيةُ إلى أنه يُعِيدُ الصلوات
الخمس، وذهب الحنفية رحمهم الله تعالى إلى أنه لا يُعِيدُ إِلاّ الظهر والعشاء. فلا ينبغي إقامة
الخلاف في نفس الإعادة بعد هذا الصَّدْع والإعلان. ومن ههنا تبيَّن أن من قال: إنه كان يُصَلِّي
(١) قلتُ: سمعت من شيخي جزئية تَنْفَعُك ههنا أيضًا وهي: أن الأمير لو أمر بالصيام في أيام الوباء، يجب عليهم
الصيام، كذا ذكره الحموي في «الأشباه)»، وليس معناها إلَّا أن فِعْله واجبٌ، ثم يقع نفلاً لا غير، فافهم.

٢٨٧
كتاب الأذان
في قومه تَطَوُّعًا، فقد أخذ بالثمرة، ثم وقع الناس في المغالطة من تعبيره. مع أن الحق ما
حقَّقناه، وخلافه خلاف الصواب.
وإذا تقرَّر هذا، لم يبقَ بيننا وبين الشافعية خلاف في صلاة مُعَاذ رضي الله عنه، إلَّا أنهم
قالوا: إن أُولى صلاتيه كانت فريضةً والأخرى نافلةً، وقلنا بعكسه. وحينئذٍ اعْتَدَلْنَا ككفتي
الميزان، لا مَزِيَّة لهم علينا، لأن ما ادَّعُوه من باب الرجم بالغيب، فمن أين عَلِمُوا أن صلاة
مُعَاذ رضي الله عنه خلف النبيّ ◌َّ كانت هي الفريضة ولا يُعْلَمُ حال النية إلّ من قِبَلِهِ، وما لم
يبيِّن هو بنفسه، فجَعَلَ أُولى صلاتيه فريضة تحكم (١)، لِمَ لا يجوز أن تكون تلك نافلة،
والأخرى بعكس ما قلتم؟
فإن قلتَ: إن مُعَاذًا رضي الله إذا نَوَى العشاء أول مرة على ما قلتم، وقع عن فريضة لا
مَحَالة. قلتُ: كلاّ، فإنك قد عَلِمْتَ في مُفْتَتَح الكلام أن الفريضةَ تَحْتَاجُ إلى نيةٍ زائدةٍ على
أصل الصلاة، وهي نيةُ وصف الفرضية، فإنه يتضِمَّن أمرين: الصلاةَ، وذلك الوصف. فإذا أَظْلَق
في النية ولم ينوِ هذا الوصف، لا تقع إلّ نافلةً، ولعلّ صلاة مُعَاذ رضي الله عنه مع النبيِّ ◌َّه
كانت لإحراز فضيلة جماعة النبيِّ ◌َّر، وصلاته في قومه كانت لإسقاطها عن ذمته، بل هو
الظاهر على أصلنا. فإنه كان إمام قومه، فلا بُدَّ أن ينوي صلاةً يَصِحُ اقتداؤهم به، وذلك على ما
قلنا. ولسنا نذَّعي أنه كان يَفْعَلُ كذلك؛ بل نقول: إنا نتوازن في الفِعَال حذو المثقال، ولا
نرضی بِخَطّة عَسْفٍ.
على أنك قد عَلِمْتَ فيما سَلَفَ؛ أن الصلاةَ حقيقةٌ واحدةٌ تَشْتَرِكُ بين الفريضة والتطوُّعِ،
وإنما تختلف من جهةٍ لُحُوق الأمر وعدمه، فإذا لَحِقَ بها الأمر صارتَ فريضةً، وإلاّ بقيت نافلةً،
فلا فرق بينهما إلاّ بلُحُوق الأمر وعدم لُحُوقه، وهو من الخارج لا من نفس حقيقتها، وعلى
هذا، ففي الموضعين هي العشاء لا غير، وإنما الفرق بينهما بكون إحدى العشاءين مأمورًا بها،
والأخرى غير مأمورٍ بها، وذلك لا يوجب سَلْب اسم العشاء عمَّا لم يُؤْمَر بها. أَلَّا ترى أن صلاة
الصبيان لا تُسَمَّى إلّ باسم العشاء مع عدم كونهم مأمورين بها؟
فَعُلِمَ أنه لا فرق في إطلاق الاسم على ما هو مأمورٌ بها، وعلى ما ليس بمأمورٍ بها، فهي
العشاء في كلا الموضعين، نعم التي نَوَى بها براءة ذمته هي الفريضة لكونها مأمورًا بها بخلاف
الأخرى، وذلك إليه، أسقط فريضته من أي صلاتيه شاء، وإنما يَصْعُب فَهْمُهُ على الذهن الذي
ارْتَاضَ بإطلاق العشاء على الفريضة فقط، ولم يتَّفِقْ له أن يُعِيدَ العشاء على أنها نافلة كما في
هذا الزمان .
وأصْرَحُ ما احتجَّ به الشافعيةُ رحمهم الله تعالى ما رواه الشافعيُّ عن جابر في هذا الحديث
(١) ونعم ما قال ابن العربي في ((شرح الترمذي)): إنه ليس في حديث مُعَاذ رضي الله عنه كيفية نية مُعَاذ رضي الله
عنه، وقولُ جابر رضي الله عنه: ((هي له تطوُّع ولهم فريضة»، إخبارُ غائب عن غير شيءٍ، ومَنْ لجابر رضي الله
عنه بما كان ينويه مُعَاذ رضي الله عنه. اهـ. وسيجيء ما فيه عن الطحاويِّ إن شاء الله تعالى.

٢٨٨
كتاب الأذان
زيادة: ((هي لهم فريضةٌ وله تطوٌُّ»، أي يقع له تطوُّع، وهو في ((المشكاة)) أيضًا. قلتُ: وعلَّله
الطحاويٌ(١)، وكذا علَّله أحمد رحمه الله تعالى وقال: أخشى أن لا يكون محفوظًا، ونقله ابن
الجوزي، وأبو البركات الحافظ مجد الدين ابن تيمية الحرَّاني أيضًا، وأراد الحافظ رحمه الله
تعالى أن يقوِّيه شيئًا، فأخرج له ظُرُقًا عديدةً، لكنه أَلَانَ في الكلام، لأن مَقَالة أحمد رحمه الله
تعالی بین عینیه .
قلتُ: والوجدان يحكم بأنه مُذْرَجٌ، لأن في إسناده ابن جُرَيْج، ومذهبه جواز اقتداء
المُفْتَرِض خلف المُتَنَفِّل، ولعلّ الإدراج جاء من قِبَله، وإنما يتأخّر في مثل هذه الأمور مَنْ لا
يجرِّب الأمور، فلا يمكن أن يَثْبُت على قدميه، أمَّا مَنْ رزقه الله علمًا ووفَّقه، فهو على نور من
ربه، يَحْكُمُ بحسب ذوقه: صدَّقه أحدٌ أو لا .
والجواب الثاني له: أنا لو سلَّمنا أن مُعَاذًا رضي الله عنه كان يُصَلِّي بهم مُتَنَفِّلًا، فأي دليلٍ
عندكم على أنه ◌ٍَّ كان يَعْلَمُه أيضًا؟ فَرُبَّ أشياءَ قد فُعِلت بمحضرٍ منه ◌َِّ، ثم إذا اطَلَعَ عليها
نهى عنها، كالتيمم إلى الآباط والمناكب، والتمعُّك في التراب، وله نظائر غير محصورة، لا
سِيَّما إذا كان عندنا ما يَدُلُّ على أنه إذا عَلمَه نَهَى عنه، فقد أخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ أن النبيَّ ◌ِّ لمَّا
بَلَغَه خبرَه نَهَى عنه، وقال: ((إمَّا أن تصلِّي معي، وإمَّا أن تخفّف عن قومك))، وهو في («المسند»
لأحمد والبزَّار، وحَكَمَ عليه ابن حَزْم بالإرسال واختلفوا في شرحه على ثلاثة أقوال.
الأول: ما شَرَحَ به الطَّحَاوِيُّ، وهو الأرجح، أي إمَّا أن تصلِّي معي فقط، فلا تُصَلِّ مع
قومك، وإمَّا أن تُصَلِّيَ مع قومك، أي فلا تُصَلِّ معي، فَنَهَى على هذا التقدير عن الإعادة رأسًا،
لأن الصلاة مرتين كانت تُوجِبُ التثقيل عليهم، لتأخُّره عَنهم بالصلاة مع النبيِّ وََّ وهذا الشّرْحُ
يُبْنَى على أنه لم يكن عند النبيِّ ◌َ﴿ عِلْمٌ من صلاته مرتين، فإذَا عَلِمَه نَهَى عنه، وعلَّمَه أن لا
يُصَلِّي إلَّا مرَّة إمَّا معِه، أو مع قومه، وذلك لأنه قال: ((إمَّا أن تُصَلِّي معي))، فَعُلِمَ أنه لم يكن
عن خبره من أنه يصلِّيها معه أيضًا. ولو كان له عِلْمٌ أنه يصلِّيها معه أيضًا، لم يَقُل له: ((إمَّا أن
تُصَلِّي معي)).
والشرح الثاني للحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى حيث قال: معناه إمَّا أن تصلِّي معي
فقط، أو تُصَلِّي معي وتخفّف عن قومك. وحاصله: أن المعادلة في الحقيقة بين الشيء
قال الطحاويُّ في ((معاني الآثار)): أن ابن عُيَيْنَة قد روى هذا الحديث عن عمرو بن دينار كما رواه ابن جُرَيْج،
(١)
وجاء به تامًّا، وساقه أحسن من سِيَاق ابن جُرَيْج، غير أنه لم يَقُل فيه هذا الذي قاله ابن جُرَيْج: ((هي له تطوُّع،
ولهم فريضة))، فيجوز أن يكون ذلك من كلام ابن جُرَيْج، ويجوز أن يكون من قول عمرو بن دينار، ويجوز أن
يكون من قول جابر، فمن أي هؤلاء الثلاثة كان القول، فليس فيه دليلٌ على حقيقة فِعْل مُعَاذ رضي الله عنه أنه
كذلك أم لا، لأنهم لم يَحْكُوا ذلك عن مُعَاذ رضي الله عنه، إنما قالوا قولًا على أن عندهم كذلك، وقد يجوز أن
يكون في الحقيقة بخلاف ذلك، ولو ثَبَتَ ذلك أيضًا، لم يكن في ذلك دليلٌ أنه كان بأمر رسول الله ◌َّر، ولا أن
رسول الله ◌َّ لو أخبره به لأقرَّه عليه أو غيره. اهـ.

٢٨٩
كتاب الأذان
والشيئين، فأمره بالصلاة معه فقط، فإن أبى إلا أن يصلِّي مع قومه أيضًا، فعليه أن يخفِّف،
وذلك لأن ((إمَّا)) و((أو)) يقتضيان التَّقَابُل، ولا يستقيم التَّقَابُل بين الصلاة معه، والتخفيف عن
قومه، بل الصحيح منه بين التخفيف والتطويل، أو الصلاة معه والصلاة معهم. وإنما اضْطَر
الحافظ رحمه الله تعالى إلى هذا الشرح، لأنه أراد أن تكون إعادته في عِلْم النبيِّ ◌َّ، لأنه
نافعٌ له، وتعسَّر عليه قوله ((إِمَّا أن تصلِّي معي))، فجعل المقابلة بين الأمر والأمرين. فبناء هذا
الشرح على أن النبي ◌َّ كان يَعْلَمُ إعادته، فعلَّمه النبيُّ نَّهِ إِمَّا أن يصلِّي معه فقط، أو يصلِّي
على عادته في الموضعين، فحينئذٍ، يخفّف عنهم.
قلتُ: وحمل الأحاديث على المذهب بحذفٍ وتقديرٍ ممَّا لا يَعْجَزُ عنه الفحول، وهذا
يمكن من كل أحدٍ، ولكن الأَرْجَحَ ما تَبادر إلى الذهن بدون تَسَاهُلٍ وتَمَخُّلٍ، ولذا رجَّح ابن
تَيْمية شرح الطَّحَاوِيِّ.
والشرح الثالث لأبي البركات ابن تَيمَية وهذا نصُّه من ((المنتقى)) قال: لأنه يَدُلُّ على أنه
متى صلّى معه امْتَنَعَتْ إمامته، وبالإجماع لا تَمْتَنِعُ بصلاة النفل معه، فعُلِمَ أنه أراد بهذا القول
صلاة الفرض، وأن الذي كان يصلّي معه كان ينويه نفلاً ا هـ. وحاصل هذا الشرح: أن مُعَاذًا
كان يُصَلِّي مع النبيِّ وَّرَ، وهو ظاهرٌ، فلا معنى لقوله: ((إمَّا أن تُصَلِّي معي)) فلا بُدَّ أن يُقَال إن
صلاته في ذهن النبيِّ ◌َ﴿ لم تكن أصلية، بل كانتِ نافلة، فأمره أن يُصَلِّي معه، أي الصلاة
الأصلية، وهي التي أُرِيدَ بها إسقاط الفريضة، أو يخفّف عن قومه.
وبناء هذا الشرح على أن تكراره كان في علم النبيِّ وَلّه، ولكن ما قدَّر النبيُّ ◌َّر من حاله
هو أنه يُصَلِّي خلفه نافلةٌ، ومع قومه فريضةٌ، فعلَّمه أن لا يفعل كذلك فيما يأتي، بلٍ إمّا أن
يصلِّي معه الصلاة الأصلية وينوي بها إسقاط الفريضة، فلا يُصَلِّ مع قومه، وإمَّا أَن يصلِّي معه
كما كان يُصَلِّي بدون نية إسقاط الفريضة، وحينئذٍ فعليه أن يخفّف عن قومه .
قلتُ: ولا أراكَ تريبُ في أن أُرَجِّحَ الشروح ما اختاره الطّحاوي.
بقي نظير الحافظ بعدم صحة المقابلة على هذا التقدير، فأقول في جوابه إن المعادلةَ قائمةٌ
ولطيفةٌ، وهي عندي على حدٍّ قوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ، حِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨] فقابل بين
الافتراء والجِنَّة، والذي يقتضيه سَوْقُ الكلام أن يكون هذا افترى على الله كَذِبًا أم لم يَفْتَرِ لأن
المعادل صراحةً هو عدم الافتراء، ولكنه حذفه وأقام مقامه لازمه وهو الجنون، لأن المجنونَ لا
افتراءَ له فهكذا نقول: إن أصل الكلام إمَّا أن تصلِّي معه، فاقتصر عليها، ولا تُصَلِّ بهم ثقيلةً أو
خفيفةً، وإمَّا أن تُصَلِّي معهم، فعليك أن تخفّف. وإنما حَذَفَ أن تصلِّي من المعطوف لأن
المقصود من الصلاة معهم كان التخفيف، لا نفس الصلاة. فذكر الجزء المقصود ههنا، وحذف
الصلاة معهم اختصارًا واعتمادًا على المعادل الآخر.
فأصل المعادلة بين الأربعة، حَذف الاثنين منها، كما حَذْفُ من قوله تعالى: ﴿حَّ يَطْهُرْنِّ﴾
[البقرة: ٢٢٢] فإذا تَطَهَّرْنَ على ما قررنا، فإن ما بعد الغاية لا يَلْتَئِمُ فيه ممَّا قبلها، والجواب كما
مرَّ: أن أصل الكلام حتى يَظْهُرْنَ وَيَتَطَهَّرْنَ .. الخ. فإذا طهرنَ وتطهرن فَحَذَفَ أحد المعادلين

٢٩٠
كتاب الأذان
للقرينة الظاهرة، أما الكلام في إسناد رواية الطَّحَاوِيِّ، فقد ذكرناه في الترمذي.
والجواب الثالث للطّحَاوِي: أنا لو سلَّمنا أن النبيَّ ◌َّ كان يَعْلَمُ صنيعه ذلك، ومع ذلك
لم يُنْكِرْ عليه، فأيُّ دليلٍ عندكم على أنه لم يكن في زمنٍ كان يصلّي فيه الفرائض مرتين، ومرَّ
عليه ابن دقيق العيد في (شرح عمدة الأحكام))، وقال: إنّ الطَّحاويَّ وإن حَمَلَه على زمان تكرار
الفرائض، ولكن لم يبيِّن مُسْتَنَده في ذلك. قال الحافظ رحمه الله: وكأنه لم يَقِفْ على كتاب
الطَّحَاويِّ، فإن الطَّحَاوِيَّ قد ذكره في بابٍ صلاة الخوف، وذكر نسخه من قوله: ((لا تُصَلُّوا
صلاةً في يومٍ مرتين))، قلتُ: ورجاله كلُّهم ثقاتٌ إلاّ خالد، وقد ذَكَرْتُ تحقيقه في درس
الترمذي.
فهذه ثلاثة أجوبة للطّحَاويِّ، وذلك تقريرها، والذي كُشِفَ لي بفضل المفضل المنعام: أنه
لا تكرار ههنا أصلًا إلَّا في واقعة، فإن ما يذكره الرواة في عادته هو صلاته مع النبيِّ
وصلاته في قومه فقط، أمَّا أنه كان يُصَلِّي بهم عينَ ما صلَّى خلف النبيِّ وََّ، فلم يتكلّم به أحدٌ
منهم ولا حرفٍ، وإنما هو من بداهة الوهم (١)، أَلَّا ترى إلى لفظ البخاريِّ: ((كان مُعَاذ بن جبل
يُصَلِّي مع النبيِّ ◌ََّ، ثم يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قومه ... )) الخ، فأين فيه أنه كان يكرِّر صلاةً واحدةً بعينها،
وإنما فيه أن عادته كانت بصلاته معه رَّثّر، ثم الصلاة بهم بعد رجوعه عنه، وليس فيه أنها كانت
عينَ تلك الصلاة.
(١) قلتُ: وما في بعض الروايات: ((أنه كان يُصَلِّي بهم تلك الصلاة ... )) إلخ. فقد أجاب عنه الشيخ في درس
الترمذي. وحاصله: أن الناس حَمَلُوا قوله: ((تلك الصلاة)) على ذات الصلاة التي صلَّها مع النبيِّ ◌َِّ، مع أنه
يمكن أن يكون المراد منه التشبيه في صفتها في التطويل، والمعنى: أن معاذًا رضي الله عنه كان يُصَلِّي بقومه
على شاكلة صلاة النبيِّ 18َ في التطويل، وهذا كما عند الترمذي في الاستسقاء: ((ولم يَخْطُب خطبتكم
هذه ... )). إلخ. أي في الإطالة، وإنما يَتَبَادر منه الذهن إلى تكرار الصلاة بعينها لممارسته ذلك، وإلا فلا حَجْر
في حمل اللفظ على ما قلنا، والإنسان يتلكَّأ عن قَبُول كل شيءٍ جديدٍ لم تسمعه أذناه، وقد أبداه ابن العربي
احتمالًا، ولا ريب أنه أيضًا احتمالٌ صحيحٌ، فليجعله رابعًا مع الثلاثة التي أبداها الطَّحاويُّ، أمَّا حقيقة الحال
فالله أعلم به.
يقول العبد الضعيف: وقد كان الشيخ رحمه الله تعالى يُتْكِرُ الإعادة مطلقًا، حتى في الواقعة المذكورة عند أبي داود
أيضًا، وقد ذكره ابن العربي احتمالاً، فإِن شِئْتَ قُلْتَ بنفي التكرار مطلقًا، وإِن شِئْتَ أثبته في واقعةٍ واحدةٍ، كما
عند أبي داود، وذكرناها في الصلب، فإن اخترت النفي رأسًا، فمعنى قوله عند أبي داود: ((ثم جاء يَؤُمُّ قومه، فقرأ
البقرة ... )) إلخ. ثم جاء يَؤمُّهم بشاكلة الصلاة التي صلََّها خلف النبيِّ ◌ََّ، وكان النبيُّ ◌ََّ قد أخّرَ فيها، فتعلّم
منه التأخير، فذهب ينقلها ويصلي بها في قومه أيضًا، ثم إن في البخاري واقعةً أخرى في تطويل الصلاة عن أبي
مسعود رضي الله عنه، وهي في الفجر، وقد اخْتُلِفَ فيها أنها واقعةُ مُعَاذ رضي الله عنه، أو أبيّ بن كعب رضي الله
عنه، واختار الحافظ رحمه الله تعالى أنها واقعة أُبيّ رضي الله عنه، فإن الواقعة المذكورة واقعة قُبَاء. والإمام فيها
كان أُبيًّا.
قلتُ: وما تمسّك به الحافظ رحمه الله تعالى فيه: عيسى ابن جارية، وهو ضعيفٌ عند أكثر المحدِّثين، وعندي
روايةٌ صريحةٌ أن مُعَاذًا رضي الله عنه أيضًا كان إمامًا لهم في زمنٍ ما، ولكنه لم يَثْبُت في روايته أنه صلَّى الفجر
خلف النبيِّ ◌ََّ، ثم أمَّ قومه في بني سَلَمَة، ولا مرةً واحدةً، فلم يكن التكرار من طريقه أصلًا، فاعلمه .

٢٩١
كتاب الأذان
والذي يتبين من الروايات أن ما كان يصلِّيها مع النبيِّ وَّر هي صلاة المغرب، ثم يَرْجِعُ إلى
قومه فَيَؤُمُّهم في العشاء. ثم إن مُعَاذًا رضي الله تعالى عنه لم يكنٍ متفرِّدًا في ذلك، بل كان هذا
دَأُبُ قومه، فكانوا يُصَلُّون المغرب مع النبيِّ ◌َِّ، ثم يَرْجِعُون ويصلّون العشاء في ظلمةٍ من الليل.
فقد أخرجِ الطَّحَاوِيُّ في باب القراءة في صلاة المغرب، عن الزُّهْرِيِّ، عن بعض بني سَلَمة: ((أنهم
كانوا يُصَلّون مع النبيِّ ◌َّ المغرب، ثم يَنْصَرِفُون إلى أهلهم وهم يُبْصِرُون موقع النَّبْلِ على قدر
ثلثي ميل)). اهـ وعن جابر بن عبد الله قال: ((كنا نُصَلِّ مع النبيِّ وَّرِ المغربَ، ثم نأتي بني سَلَمة
وإِنَّا لَنُبْصِر مواقع النَّبْل)). اهـ. وعن عليٍّ بن بلال قال: ((صلَّيت مع نفرٍ من أصحاب رسول الله ◌َّ
من الأنصار، فحدَّثوني أنهم كانوا يُصَلَّون مع رسول الله وَّهَ المغرب ثم يَنْطَلِقُونَ يَرْتَمُونَ لا يَخْفَى
عليهم موقع سهامهم، حتى يأتوا ديارهم، وهم في أقصى المدينة في بني سَلَمة)). اهـ.
وبنو سَلَمة هؤلاء هم قوم مُعَاذ رضي الله تعالى عنه، وقد عَلِمْتَ من عادته ما كانت ثم إن
قصة مُعَاذ رضي الله تعالى عنه يرويها جابر رضي الله تعالى عنه، وهو نفسه يروي ما كانت عادة
قومه، فلا تكون عادة مُعَاذ رضي الله تعالى عنه إلا كعادة قومه لأنه كان منهم، ثم إنا نأتيك بما
كانت عليه عادة معاذ رضي الله تعالى عنه خاصةً مع قطع النظر عن عادة قومه كائنةً ما كانت، فقد
أخرج الترمذي عن جابر بن عبد الله: ((أن مُعَاذ بن جبل كان يُصَلِّي مع رسول الله وَّ المغرب،
ثم يَرْجِعُ إلى قومه فَيَؤُمُّهم)). اهـ. قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
فدلَّ صراحةً على أن مُعَاذًا رضي الله تعالى عنه لم يكن يُصَلِّي العشاء مع النبيِّ وَّةِ. بل
التي كان يصلِّيها معه ◌ََّ هي المغرب، ثم كان يَرْجِعُ إلى قومه وهم بنو سلمة - فكان يَؤُمُّهم في
العشاء، ومرَّ عليه البيهقي، ولمَّا لم يَتَنَّه على ما قلنا، علَّل ذكر المغرب زعمًا منه أن الصلاة
التي كان يصلِّيها مع النبيِّ وََّ هي العشاء، قلتُ: كلا، بل هو صحيحٌ، ولا مرد له ولا وجه
لإعلاله بعد ما علمنا من عادة قومه أيضًا.
وإذا تبيَّنت وتيقَّنت أن أي صلاتي مُعَاذ كانت مع النبيِّ ◌َ ◌ِّ، وأيها كانت مع قومه، عَلِمْتَ
أنه لا تكرار ههنا، نعم اتَّفَقَ ذلك مرةً واحدةً فقط، حيث صلَّى مُعَاذ المغرب مع النبيِّ ◌َّ، ثم
لم يَزَلْ جالسًا معه ◌َّر حتى صلَّى العشاء، فأبطأ عليهم، ثم أمَّهم بنحو سورة البقرة، وبلغ خبره
إلى النبيُّ ێے، فنھی عنه.
فهنا أمران: الأول صلاته مع النبيِّ ◌َّ في المغرب ومع قومه في العشاء، وهذه كانت
عادته المستمرة. والثاني تكرار العشاء، ولم يكن ذلك عادة له، وإنما وقع مرةً فقط، ثم أنكر
عليه النبيُّ ◌َّر، واختلط على عامتهم هذان الأمران، فكلما يذكر الرَّاوي الأمر الأول يحملونه
على الثاني وهو الذي حَمَلَ البيهقيُّ على إعلال لفظ المغرب مع أنه صحيحٌ، وأنكر القاضي(١)
أبو بكر بن العربي التكرار أيضًا كما مَهدت القول فيه .
(١) ونصُّ القاضي هكذا: الثاني أن من المحتمل أن يكون النبيُّ ◌َلَّ يصلِّي معه مُعَاذ رضي الله عنه صلاة النهار،
وتفوته صلاة الليل، لأنهم كانوا أهل خدمة لا يَحْضُرُون صلاة النهار في منازلهم وقائلتهم، فأخبر الرَّاوي بحال
مُعَاذ رضي الله عنه معًا في وقتين، لا في وقتٍ واحدٍ، وعن صلاتين لا عن صلاةٍ واحدةٍ. انتهى.
=

٢٩٢
كتاب الأذان
ثم إن الدليلَ على أن التكرارَ في العشاء لم يكن عادةً له وإن كانت واقعة جزئية، ما ساقه
أبو داود في باب تخفيف الصلاة، عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: ((كان مُعَاذ رضي الله
تعالى يُصَلِّي مع النّبِيِّ بَّهَ، ثم يَرْجعُ فَيَؤُمُّنَا)). قال مرة: (ثم يَرْجِعُ فيصلِّي بقومه)). وهذا هو
عادته وعادة قومه، وليس فيه أنه كان يُصَلِّي بهم عينَ ما كان يصلِّيها مع النبيِّ وَّر. وبعد ذلك
انتقل الراوي إلى بيان تلك الواقعة، فقال: ((فأخَّر النبيُّ ◌ََّ الصلاةَ - وقال مرةً: العشاء - فصلَّى
مُعَاذ رضي الله عنه مع النبيِّ بَّر الصلاةَ، ثم جاء يَؤُمُّ قومه، فقرأ البقرة)) اهـ. وسياقه في المتفق
عليه قال: ((كان مُعَاذ بن جبل يُصَلِّي مع النبيِّ وََّ، ثم يأتي فَيَؤُمُّ قومه. فصلَّى ليلةً مع النبيِّ
العشاء، ثم أتی قومه فأمَّھم)). ا هـ.
فانظر هل أدَّاه بطريق الواقعة، أو على شاكلة العادة، ثم انظر إلى ألفاظ الرجل الذي
انحرف عن صلاته هل جعله عادةً، أو واقعةً؟ قالا: ((وإن مُعَاذًا صلَّى معك العشاء، ثم أتى قومه
فافتتح بسورة البقرة)). فهذا كان من أمر معاذ رضي الله عنه، إلَّا أنه لمَّا ذُكِرَت واقعة العشاء فيما
بعد، سَرَى إليَّ الوَهَمُ أن ما ذُكِّرَ قبله من عادته هو أيضًا في العشاء، مع أنه ذَكَرَ أولًا عادته، ثم
انتقل إلى بيان الواقعة. والوَهَم يَعْمَلُ العجائب، وقد قيل: إن الوَهَم خلّاق.
فإِذا تحقّقت أنه لم تكن هناك إلَّ واقعة، وعليها غَضِبَ النبيُّ نَّ﴿ غضبًا لم يَغْضَبْ مثله،
تحقَّقت أن لا دليل فيها للشافعية، وللحنفية مَسَاٌ لأن يجعلوا مورد الغضب لأمرين أعني:
إطالته، وإعادته. ثم إني تتبعت هذه الواقعة أنها متى كانت، فتبيَّن لي أنها كانت قُبَيْل بدر، وقد
ذكرناها في تقرير الترمذي.
هذا وبقي بعدُ خبايا في زوايا الكلام، والعلم عند الله العلام.
٧٠١ - قوله: (وأمره بسورتين) فليحفظ هذا اللفظ، لأن فيه أنه أمره بهما فَيَدُلُّ على
الوجوب كما قال الحنفية؛ والشافعية لم يختاروا وجوب السورة، وإليه يُشِيرُ قوله: ((فلولا
قلتُ: لا بأس أن نأتيك باحتمالين آخرين ذكرهما القاضي قال: الثالث: أن هذا الحديث حكاية حالٍ، ولم يُعْلَم
=
كيفيتها، فلا عمل عليها، والرابع: أنه يعارضه قوله: ((إنما جُعِلَ الإمام لِيُؤْتَمَّ به)) أي لِيُقْتَدَى به، وإذا قال هذا
صلاة الظهر، وقال هذا صلاة العصر، فأيُّ اقتداءٍ ههنا وائتمام. والنية ركنٌ وهي الأصل ألا ترى أنه لا يَحِلُّ له
مخالفته في الزمان، لا يركع قبله؛ ولا يرفع قبله، وليس الزمان من أوصاف الصلاة، وإنما هو من مقتضياتها،
والنيةُ التي هي ركنُ العبادة، ونفسُها أَوْلَى وأحبُّ، فَتَصِيرُ مخالفته في النية نظير مخالفته في الفِعْل الذي هو
ركنٌ، فيقوم مع القاعد ويَسْجُدُ مع الراكع، وذلك لا يَجُوزُ، وهذا نفيسٌ جدًا.
ثم ذكر القاضي وجهًا خامسًا تمسَّك فيه بحديث أبي داود: ((الإمام ضامنٌ»، وقال: قال علماؤنا: معلومٌ أن الإمام
لا يَضْمَن صلاة المأموم إذا كان المأمومُ لا بُدَّ له من فِعْلِها وإنما معنى تضمُّنها صحةً وفسادًا: أن تُبْنَى صلاته على
صلاته، وذلك لا يَصِحُّ إلا بشرط الاتفاق في أصل الفرض ... إلخ. ((العارضة)).
قلتُ: وإنما ذكرتُ عبارة القاضي، لأن فيها بعض منفعة للحنفية رحمهم الله تعالى، ثم إنها تُشِيرُ إلى أن التضمّن
ليس في الفاتحة، ولذا قيَّده بقوله: إذا كان المأموم ... إلخ، ولذا لم يجعله الشيخ رحمه الله تعالى دليلًا على
نفي الفاتحة، فإنه من مراتب التضمُّن، وذلك إلى المجتهد إن شاء أخذ بكلها أو بعضها .

٢٩٣
كتاب الأذان
صلَّيت بسبح اسم ربك الأعلى ... )) الخ أمَّا أنا، فلا أرى فرقًا بين الفاتحة والسورة في سِيَاق
الأحاديث، غير أن الفاتحة واجبةٌ عينًا، والسورة واجبةٌ بدلًا إلَّا أن من صَرَفَ جميع همته في
إثبات الركنية للفاتحة فَتَرَ في إثبات الوجوب للسورة، ولم يَسَعْ له غير السنية، فإن لكل شِرَةٍ
فَتْرَة .
٦١ - باب تَخْفِيفِ الإِمَامِ فِي القِيَامِ، وَإِثْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ
٧٠٢ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: سَمِعْتُ
قَيْسًا قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مَسْعُودٍ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ
الغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ، مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِوَلَ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ
يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلَيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ
وَالكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ)). [طرفه في: ٩٠].
٦٢ - باب إِذَا صَلَّى لِنَفسِهِ فَلَيُطَوِّل مَا شَاءَ
٧٠٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرِنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَيهِ قَالَ: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلَيُخَفِّف، فَإِنَّ فِيهِمُ
الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَليُطَوِّلْ مَا شَاءَ)) .
أراد أن ينبِّه على محل التخفيف، وهو القيام، فيطوِّلُ فيه ويَقْصُرُ بِحَسَبِ التارات
والحالات. أمَّ الرُّكوع والسجود، فَيُتِمُّهُمَا في كل حال.
قلتُ: ويُعْلَمُ من سنة النبيِّ بَّه وهديه أنه كان لركوعه وسجوده مقدارًا محدودًا، بخلاف
القيام فإنه كان يَخْتَلِفُ باختلاف الأحوال. ثم إن هذا في الفرائض، بقيت صلاة الليل،
فكان ركوعها وسجودها وقيامها كلها غير منتظمةٍ، لأنها كانت صلاته لنفسه، والرجل مخيّرٌ
فيها .
مسألة: تردَّد في ((البحر)) فيمن يَقْدِرُ أن يصلِّي قائمًا منفردًا وبالجماعة قاعدًا، أيُّهما أفضل
له؟ قلتُ: وعندي الأفضل هو الثاني لما عند أبي داود ((أن المرضى في عهده بَّه كان يُؤْتَى بهم
إلى المساجد)).
٧٠٢ - قوله: (من أجل فلانٍ مِمَّا يُطِيلُ بنا) قيل هو مُعَاذ رضي الله عنه، وقيل هو
أُبَيّ رضي الله عنه، لأنها واقعة الفجر، وتطويل مُعَاذ رضي الله عنه كان في العشاء، ومن
يراهما متحدين يلتزم أن مُعَاذًا رضي الله عنه طوَّل فيهما. ومن جعلها قصةَ أُبَيّ رضي الله
عنه، ثم رأى جملة: ((فإن منكم مُنَفِّرين ... )) الخ في حديث مُعَاذ رضي الله عنه، حكم
بكونها وَهْمًا في حديثه. وصنيع البخاري يَدُلُّ على أنها ثابتة فيهما عنده، وخالفه الحافظ
رحمه الله تعالى، وقال: إنها وَهْمٌ في قصة مُعَاذ رضي الله عنه.

٢٩٤
كتاب الأذان
٦٣ - باب مَنْ شَكَا إِمَامَهُ إِذَا طَوَّلَ
وَقَالَ أَبُو أُسَيدٍ : طَوَّلتَ بِنَا يَا بُنَّيَّ .
٧٠٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ،
عَنْ قَيسٍ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنِ
الصَّلَاةِ فِيَ الفَجْرِ مِمََّ يُطِيلُ بِنَّا فُلَانٌ فِيهَا، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ، مَا رَأَيتُهُ غَضِبَ فِي
مَوْضِع كَانَ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَمَنْ أَمَّ
النَّاسَ فَلَيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ خَلفَهُ الضَّعِيفَ وَالكَبِيرَ وَذَا الحَاجَةِ)). [طرفه في: ٩٠].
أراد أن ينبِّه على جواز الشِّكَاية في أمر الخير المحض إذا احتاج إليه، فإن الصلاةَ خيرُ
موضوعٍ، ثم شَكَى فيها رجلٌ، فهل يَجُوزُ ذلك؟ ولولا أن المصنّف رحمه الله تعالى نبَّه عليه
لربما تَحَيَّرنا فيه، فهو مهمٌ إذن. ومثله فِعْلُ المصنّف رحمه الله تعالى في منع القارىء. عند
قراءة القرآن، هل يَجُوزُ أن يمنعه عن قراءة القرآن؟ واستدلَّ على جوازه بقول النبيِّ وَّه (حَسْبُكَ
حين بَلَغَ القارىء إلى قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِثْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] إلخ كما
سیجيء.
والحاصل: أن الأمرَ إذا كان خيرًا محضًا في طرفٍ يشتدُّ على النفس النهي عنه من طرفٍ
آخر، فهدى المصنّف لمثله: أنه يجوز إذا كان لمعنى صحيح، وفي إسناده قَيْس بن حازم، وقال
أحمد رحمه الله تعالى فيه: إنه أفضل التابعين عندي، وقال آخرون: ليس في التابعين أحدٌ رأى
العشرة المبشَّرة غيره، ثم مذهبه تَرْك رفع اليدين، كما في ((المصنَّف)) لابن أبىِ شَيْبَة، فلو كان
الترك معدومًا محضًا، أو خاملًا كما قالوا، لَمَا اختاره من كان رَأَى الأجِلَّة من الصحابة
رضي الله عنهم.
والحق إن التركَ لا يمكن إعدامه إلى يوم القيامة، وإن جَلَبَوا عليه بخيلهم ورجِلِهم،
فإنه من سنة النبيِّ ◌َ ﴿ تحيى إلى يوم الدين إن شاء الله تعالى، ولا ندَّعي أن الرفعَ ليس بسنةٍ
أو خاملٍ، ولكن نُبيِّن حَمْلَةَ الخصوم علينا، حيث يريدون أن لا يبقى في الجنة للحنفية
موضع .
٧٠٥ - حدّثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ قَالَ:
سَمِعْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَينٍ وَقَدْ جَنَحَ اللَّيلُ، فَوَافَقَ
مُعَاذًا يُصَلِّي، فَتَرَكَ نَاضِحَهُ، وَأَقْبَلَ إِلَى مُعَاذٍ، فَقَرَأَ بِسُورَةِ البَقَرَةِ، أَوِ النِّسَاءِ، فَانْطَلَقَ
الرَّجُلُ، وَبَلَغَهُ أَنَّ مُعَاذًا نَالَ مِنْهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ◌َيِّفَشَكِا إِلَيهِ مُعَاذًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: ((يَا
مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟)) أَو ((أَفاتِنٌّ؟)) ثَلَاثَ مِرَارٍ: ((فَلَوْلًا صَلَّيتَ بِ: ﴿سَيِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ﴾، ﴿وَالشَّمْسِ
وَضُحَنَهَا﴾، ﴿وَلَيْلِ إِذَا يَغْشَنَهَا﴾، فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الحَاجَةِ)). أَحْسِبُ
فِي الحَدِيثِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَتَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ، وَمِسْعَرٌ، وَالشَّيْبَانِيُّ؛ قَالَ

٢٩٥
كتاب الأذان
عَمْرٌو: وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَم، وَأَبُو الزُّبَيرِ، عَنْ جابِرٍ: قَرَأْ مُعَاذٌ فِي العِشَاءِ بالبَقَرَةِ. وَتَابَعَةُ
الأَعْمَشُ، عَنْ مُحَارِبٍ. [طّرفه في: ٧٠٠].
٧٠٥ - قوله: (أَحْسِبُ هذا) أي تلك الجملة، فإنها محفوظة في حديث مُعَاذ رضي الله
عنه، وليست وَهْمًا كما قيل، ولذا أخرج له المتابعة.
٦٤ _ بَابُ الإِيجَازِ فِي الصَّلاةِ وإِكْمَالِهَا
٧٠٦ - حدّثنا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ
قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ نَّهُ يُوجِزُ الصَّلَاةَ وَيُكْمِلُهَا .
يريد أن الإيجاز والإكمال يمكن اجتماعهما في صلاةٍ واحدةٍ.
٦٥ - باب مَنْ أَخَفَّ الصَّلاَةَ عِنْدَ بُكاءِ الصَّبِيِّ
٧٠٧ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسى قَالَ: أَخْبَرَنَا الوَلِيدُ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ
يَحْيِى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ:
((إِنِّي لأَقُّومُ فِي الصَّلَاةٍ أُرِيدُ أَنْ أُطَوَّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَائِي،
كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ)). تَابَعَهُ بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، وَابْنُ المُبَارَكِ، وَبَقِيَّةُ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ.
[الحديث ٧٠٧ - طرفه في: ٨٦٨].
٧٠٨ - حدّثنا خالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مالِكِ يَقُولُ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطْ أَخَفَّ صَلَاةً وَلَا أَتَمَّ
مِنَ النَّبِّ ◌َِّ، وَإِنْ كَانَ لَيَسْمَعُ بُكاءَ الصَّبِيِّ فَيُخَفِّفُ، مَخَافَةَ أَنْ تَفْتَنَ أُمُّهُ.
٧٠٩ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ قَالَ:
حَدَّثَنَا قَتَادَةُ: أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ قَالَ: ((إِنِّيّ لأَذْخُلُ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَا
أُرِيدُ إِطالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي، مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ
بُكائِهِ)). [الحديث ٧٠٩ - طرفه في: ٧١٠].
٧١٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ عَنْ
أَنَسِ بْنِ مِالِكِ، عَنِ النَّبِّ ◌َّرَ قَالَ: ((إِنِّي لأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ، فَأُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكاءَ
الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ، مِمَّا أَغَلَّمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكائِهِ)). وَقَالَ مُوسى: حَدَّثَنَا أَبَانُ: حَدَّثَنَا
قَتَادَةُ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ: مِثْلَهُ. [طرفه في: ٧٠٩].
٦٦ - باب إِذَا صَلَّى ثُمَّ أَّ قَوْمًا
٧١١ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو النُّعْمَانِ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ

٢٩٦
كتاب الأذان
أَيُّوبَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جابِرٍ قَالَ: كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ وَّةِ، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ
فَيُصَلِّي بِهِمْ. [طرفه في: ٧٠٠].
أي كان يريد التطويل، ثم أَخَفَّها في خلال الصلاة، أو أَخَفَّها من أول الأمر، وصلَّاها
ناويًا التخفيف من قبل، فأجاز بهما .
واعلم أن الشافعية أجازوا بالاختصار والإطالة معًا لقياس العكس، وقالوا: إذا جَازَ
التخفيف في الصلاة لمكان الحاجة جَازَ التطويل أيضًا، وفَرَّق الحنفية بينهما، وقالوا: إن
الاختصارَ تركُ ما كان لله، والتطويلَ زيادٌ لغير الله.
قوله: (وعن محمد أخشى عليه عظيمًا)، أي الكفر. واتفقوا على أن المراد منه كفر
النعمة. قلتُ: والذي يَعْلَق بقلبي أن ينهى عنهما: أمَّا الطويل، فلسدِّ باب رعاية ذوي الهيئة،
دون ذوي الحاجات. وأمَّا الاختصار، فلأن الفقهاء مَنَعُوا النساء عن حضورهنَّ الجماعات
منفردات أو مع صبيانهن، فارْتَفَعَ باب الاختصار، واختار صاحب ((الفَتَاوى)): جواز الإطالة في
الركوع لإدراك الناس إذا لم يكونوا من رفقائه وممَّن يَعْرِفُهُ، وإلَّا لا(١).
٧٠٧ - قوله: (أُرِيدُ أن أطوِّلَ فيها)، وهذا صريحٌ في التخفيف بعد إرادة التطويل، ورأيت
في الخارج: «أنه قرأ فيها بالمُعَوِّذَتَيْنِ أو سُورَتَيْنٍ مثلهما، فقال أصحابه: تجوَّزت يا رسول الله،
فقال: أَمَا رأيت إلى الصبيِّ يَبْكِي، فَخِفْتُ أَن تُفْتَتَنَ به أمه)) . - بالمعنى.
قوله: (فأسْمَعُ بكاء الصبيّ)، يمكن أن يكون الصبيان في بيوتهنَّ ويَسْمَعْنَ بكاءهم من
المسجد، أو يكونوا في المسجد مع أمهاتهم.
٧٠٩ - قوله: (مِن شِدَّةَ وَجْدٍ أُمِّهِ) الوجد: (دل بهرآنا).
٦٧ - باب مَنْ أَسْمَعَ النَّاسَ تَكْبِيرَ الإِمامِ
٧١٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ
إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: لَمَّا مَرِضَ النَّبِيُّ ◌َّهِ مَرَضَهُ الَّذِي
مَاتَ فِيهِ، أَتَاهُ يُؤْذِنُهُ بالصَّلَاةِ، فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلَيُصَلِّ)). قُلتُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ
أَسِيفٌ، إِنْ يَقُمْ مَقَامَكَ يَبْكِي، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى القِرَاءَةِ، قَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرِ فَلْيُصَلِّ)). فَقُلتُ
مِثْلَهُ، فَقَالَ فِي الثَّالِئَةِ أَوِ الرَّابِعَةَ: ((إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ)). فَصَلَّى،
وَخَرَجَ النَّبِيُّ ◌َهِ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنٍ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيهِ يَخُظُ بِرِجْلَيهِ الأَرْضَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو
بَكْرٍ ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَشَارَ إِلَيهِ: ((أَنَ صَلِّ)). فَتَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَقَعَدَ النَّبِيُّ ◌َ
(١) قلتُ: وفي تذكرة للشيخ عندي: أن لا فرق بين الإطالة والتخفيف، فإن الإطالة إن كانت تُشْبِهُ التشريع،
فالتخفيف يشبه النَّسْخ، وكلاهما لا يجوز، فَسَقَطَ ما فرَّق به الحنفية بينهما، ولعلَّ الشيخ رحمه الله تعالى عَدَلَ
عنه لهذا، واختار التطويل والاختصار كما مرَّ.

٢٩٧
كتاب الأذان
إِلَى جَنْبِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ. تَابَعَهُ مُحَاضِرٌ عَنِ الأَعْمَشِ. [طرفه في: ١٩٨].
وهو جائزٌ بالاتفاق، وأفتى ابن الهُمَام رحمه الله تعالى بفساد الصلاة إذا جَهَرَ بالتكبير أَزْيَد
من الحاجة، ورَدَّ عليه الحموي، وقرَّر عدم الفساد وإن زَادَ على قدر الحاجة.
٧١٢ - قوله: (فلا يَقْدِرُ على القراءة)، ولذا قلتُ فيما مرَّ: إن الاستخلاف في هذه الواقعة
يمكن أن يُحْمَل على عذر الحَصْر، فإنه جائزٌ عندنا أيضًا، ولكنه عندي ضعيفٌ ههنا، فالأَوْلى
أن يُحْمَل على الخصوصية، كما قال محمد رحمه الله تعالى.
٦٨ - بابُ الرَّجُلِ يَأْتَمُّ بأْلإِمَامِ، وَيَأْتَمُّ النَّاسُ بالمَأْمُوم
وَيُذْكَرُ عَنِ النَّبِّ ◌َّهِ: ((انْتَمُوا بِي، وَلَيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ)).
٧١٣ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَن الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ،
عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهَ جَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بَالصَّلَاةِ، فَقَالَ:
(مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ)). فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، وَإِنَّهُ
مَتَى ما يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ، فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي
بالنَّاسِ)). فَقُلتُ لِحَفصَةَ: قُولِي لَهُ: إنَّ أَبَا بَكْرِ رَجُلٌ أَسِيفٌ، وَإِنَّهُ مَتَّى يَقُمْ مَقَّامَكَ لَّا
يُسْمِعُ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ، قَالَ: ((إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ
يصَلِّيَ بِالنَّاسِ)). فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِل ◌َّه فِي نَفسِهِ خِفَّةً، فَقَامَ يُهَادَى
بَيْنَ رَجُلَينٍ، وَرِجْلَاهُ يَخُطَّانِ فِي الأَرْضِ، حَتَّى دَخَلَ المَسْجِدَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرِ حِسَّهُ،
ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِوَهِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ
أَبِي بَكْرٍ، فَكَّانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ يُصَلِّ قَاعِدًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ
بِصَلَاةِ رَّسُولِ اللّهِ وَ لّهِ وَالنَّاسُ مُقْتَدُونَ بِصَلَاةٍ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. [طرفه في: ١٩٨].
٦٩ - بابٌ هَل يَأْخُذُ الإِمَامُ إِذَا شَكَّ بِقَوْلِ النَّاسِ؟
٧١٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةً
السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ انْصَرَفَ مِنِ اثْنَتَيْنِ،
فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَينِ: أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((أَصَدَّقَ
ذُو الْيَدَينِ؟)) فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ، فَصَلَّى اثْنَتَينٍ أُخْرَيَينٍ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ
كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَظْوَلَ. [طرفه في: ٤٨٢].
٧١٥ - حدّثنا أبو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ◌َِّ الظُّهْرَ رَكْعَتَينٍ، فَقِيلَ: صَلَّيَتَ رَكْعَتَينٍ! فَصَلَّى رَكْعَتَينٍ،
ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَينِ. [طرفه في: ٤٨٢].

٢٩٨
كتاب الأذان
وهذا الذي تَلَوْنا عليك من مذهب المصنّف رحمه الله تعالى، هو عند الشيخ بدر الدين
العَيْني رحمه الله تعالى، فاختار أن الاقتداءَ عنده مُسَلْسَلٌ، يقتدي الصف الثاني بالأول، ثم
وثم. ونُسِبَ إلى الشَّعْبِي وابن جَرِير أيضًا. وصرَّح البخاري في ((جزء القراءة)). أن الركعة لا
تُدْرَك بإدراك الركوع. وعلى هذا، فلو اقتدى رجلٌ برجلٍ بركوعه يَصِحُ اقتداؤه به، ولا يُعَدُّ
مُذْركًا للركعة.
قلتُ: وما نَسَبَه إليه العَيْنِيُّ رحمه الله من تَسَلْسُل الاقتداء، لا يجب أن يكونَ مختارًا له،
ولعلَّه اتَّبَعَ في وضع الترجمة لفظ الراوي، ولم يُرِد التنبيه على التَّسَلْسُل.
قوله: (اثْتَمُّوا بي ولْيَأْتَمَّ بكم مَنْ بَعْدَكم). أخذه البخاري في الإمامة والاقتداء في
الصلاة، فمعناه عنده. ولْيَأْتَمَّ بكم من بَعْدكم من الصفوف. وقال الجمهور: إن الائتمام في
تعليم الدين، فاقتدوا أيُّها الصحابة أنتم بي، وليقتدِ الذين بَعْدَكم فيما يأتي من الزمان بكم،
وهكذا كل خَلَفٍ يقتدي بسَلَفِهِ، وليس المراد به إمامة الصلاة والاقتداء فيها خاصة.
٧١٣ - قوله: (فلما دَخَلَ في الصلاة، وَجَدَ رسول الله بَّه في نفسه خِفَّةٌ، فقام ... ) الخ،
وهذا أَصْرَح في أن النبيَّ تَّ خَرَجَ إليهم في العشاء.
٧٠ - بابٌ إِذَا بَكى الإِمَامُ فِي الصَّلاَةِ
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ: سَمِعْتُ نَشِيجَ عُمَرَ، وَأَنَا فِي آخِرِ الصُّفُوف، يَقْرَأُ: ﴿إِنَّمَا
أَشْكُواْ بَتِى وَحُزْنِ إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦].
٧١٦ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنَا مالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِنَِّ قَالَ فِي مَرَضِهِ: ((مُرُوا أَبَاَ بَكْرٍ يُصَلِّي بالنَّاسِ)».
قَالَتْ عائِشَةُ: قُلتُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكاءِ، فَمُرْ غُمَرَ
فَلْيُصَلِّ، فَقَالَ: ((مُرُوا أَبَا بَكْرِ فُليُصَلٌ لِلنَّاسِ)). قَالَتْ عَائِشَةُ لِحَفْصَةَ: قُولِي لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ
إِذَا قامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ البُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ، فَفَعَلَتْ حَفصَةُ، فَقَالٌ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((مَهْ، إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَّلْيُصَلِّ لِلنَّاس)). قَالَتْ
حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: ما كُنْتُ لأُصِيبَ مِنْكِ خَيرًا. [طرفه في: ١٩٨].
والبكاء إذا كان من وَجَع أو مصيبةٍ يُفْسِدُ، وإن كان من ذِكْرِ الجنة أو النار فهو مطلوبٌ.
وقد ثَبَتَ البكاء في الصلاة مرفوعًا، وإنما أخرج المصنّف رحمه الله تعالى أثر عمر رضي الله
عنه، لأن المرفوعَ لم يكن على شرطه .
قوله: (وقال عبد الله بن شَدَّاد) وهذا هو صحابي صغير السن، نَكَحَ حَمْزةُ رضي الله عنه
أمَّه، وهو الذي يروي حديث: ((من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة))، فلا أقل من أن
يكون حديثه مرسل صحابي، مع أنه قد ثَبَتَ مرفوعًا أيضًا، وحقَّقناه في رسالتنا ((فصل
الخطاب)).

٢٩٩
كتاب الأذان
٧١ - بابُ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ عِنْدَ الإِقَامَةِ وَبَعْدَهَا
٧١٧ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي
عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ أَبِي الجَعْدِ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: قَالَ
النَّبِيُّ ◌ََّ: (لَتُسَوِّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ)).
ويسويه بالنحوين عند الضرورة، والمراد من قوله: ((بعدها)): بعد الإقامة قبل التحريمة،
وإن جَازَ بعد التحريمة أيضًا. وكان في زمن عمر رضي الله تعالى عنه رجلٌ مُؤَكَّلٌ على التسوية،
كان يمشي بين الصفوف ويسوِّيهم، وهو واجبٌ عندنا تُكْرَه الصلاة بتركه تحريمًا، وسنةٌ عند
الشافعية لانتفاء مرتبة الواجب عندهم، وذهب ابن حَزْم إلى أنه فرضٌ.
ثم اختلفوا في تضعيف الأجر عند اختلاف الصفوف واختلالها، ونَقَل السيوطي قولين عن
الشافعية: الأول: أنه يحصل التضعيف مع وزر النقصان. والثاني: أنه يَحْبَطُ ثواب التضعيف.
وعندنا في الصيام أن الثواب يَحْبَطُ في الصوم المكروه، وقيل: يَحْصُل مع النقصان، وعندي
يَحْبَطُ في صوم يوم النحر والفطر، فإنه حرامٌ إجماعًا، وفي سائر أيام التشريق يَحْصَل شيءٌ منه.
وأمَّا في الصلاة، فَيحْصُلُ أصل التضعيف، ويَنْقُصُ منه ما نَقَصَ فيه من الكراهة، بَقِيَ أن حَبْطَ
الثواب لمن خالف فقط، أو للكل؟ قلتُ: من عند نفسي: إنه لمن اختلف فقط، ومن سوَّى منهم
فقد أَحْرَزَ الأجرَ(١).
٧١٧ - قوله: (عمرو بن مُرَّة): هذا كوفي، ومذهبه تَرْكُ رفع اليدين، وراجع فيه مع
النَّخَعِي، فقال له: إن كان أبوه رآه يرفع مرةً، فقد رآه ابن مسعود وأصحابه يتركه خمسين مرةً.
وهو عند الطَّحَاويِّ أيضًا، وإسناده جيدٌ. ومعنى قول ابن مسعود رضي الله عنه وأصحابه رَاجِعْهُ
من رسالتي ((نيل الفرقدین)).
قوله: (لَتُسَؤُّنَّ صُفُوفَكُم): يعني أن الظاهر يُؤَثِّرُ في الباطن، فإذا اختلف في الظاهر،
يختلف عليه الباطن أيضًا، ويوجب الخلاف والشقاق فيما بينهم.
٧١٨ - حدّثنا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َُّ
قَالَ: ((أَقِيمُوا الصُّفُوفَ، فَإِّي أَرَاكُمْ خَلفَ ظَهْرِي)). [الحديث ٧١٨ - طرفاه في: ٧١٩، ٧٢٥].
(١) واعلم أنهم إن عدَّلوا الصف الأول واختلفوا في سائر الصفوف، فهل تُكْرَهُ الصلاة أو لا؟ قلتُ: ويَلْزَمُ من قواعد
الحنفية أن تكونَ مكروهةً، فإن صلاةَ الجماعة عندهم واحدةٌ بالشخص، فيسري القُبْحُ من جزئها إلى كلِّها. نعم،
يمكن على نظر الشافعية أن لا تُكْرَهَ صلاتهم، لأن الجماعةَ عندهم عبارةٌ عن الاجتماع في المكان فقط. ثم أظنّ
أن الكراهة لا تكونُ إلَّا في الصف الذي لم يسوّوه. ومن أجل هذه المؤكّدات ذهب ابن حَزْم رحمه الله تعالى
إلى أن التسويةً من شرائط الصحة، وله كتاب في الأصول المسمَّى بـ: ((الإحكام في أصول الأحكام))، وفي
الفقه: ((المحلى)) و((المجلّى))، وقد انتقد عليه قطب الدين الحلبي، غير أنه لم يُطْبَع، وفي تسوية الصف رسالة
للسيوطي رحمه الله تعالى سمَّاها: ((بسط الكف في تعديل الصف))، كذا في تقرير الفاضل عبد العزيز معرَّبًا من
كلام الشيخ رحمه الله تعالى.

٣٠٠
كتاب الأذان
٧١٨ - قوله: (فإني أَرَاكُمْ) يعني أنكم إن لا تَسْتَحْيُون من الله فاسْتَحْيُوا مني، فإِني أراكم.
وعن أحمد رحمه الله تعالى: أنه كان معجزةً من النبيِّ وَلِّر.
٧٢ - بابُ إِقْبَالِ الإِمامِ عَلَى النَّاسِ عِنْدَ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ
٧١٩ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجاءٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ
قُدَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيدٌ الطَِّيْلُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ قَالَ: أُقِيمَتِّ الصَّلَاةُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا
رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: ((أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، وَتَرَاصُّوا، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي)) .
[طرفه في: ٧١٨].
٧١٩ - قوله: (فأقبل علينا)، وعند أبي داود: ((أن النبيَّ ◌َّ كان يأمرهم بالتسوية مُتَّكِئًا
على خشبةٍ منصوبةٍ في المحراب، فإذا رآهم سَوَّوْا صفوفهم كَبَّرَ)).
قوله: (أقيموا صُفُوفَكُم، وتَرَاصُوا). واعلم أن صفوفَ المصلِّين لمَّا كانت على صفوف
الملائكة عند ربهم، كما هو عند أبي داود، بولِغَ في الأمر بالتسوية والتَّرَاصِّ لتكون الحكاية
على شاكلة المَحْكِيِّ عنه، ولكونها أكمل طريق لأداء العبادة، ولذا امتازت به الأمةُ المرحومةُ،
حتى قيل: إن عبادةَ بني إسرائيل كانت على طريق الحَلَقَة، ولم يكن الصف فيهم.
٧٣ - بابُ الصَّفِّ الأَوَّلِ
٧٢٠ - حدّثنا أَبو عاصِم، عَنْ مالِكِ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ
قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ نَّهِ: ((الشُّهَدَاءُ: الغَرِقُ، وَالمَطْعُونُ، وَالمَبْطُونُ، وَاَلْهَدِمُ)). [طرفه في:
٦٥٣].
٧٢١ - وَقَال: ((لَوْ يَعْلَمُونَ ما فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَّةِ
وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُما وَلَوْ حَبْوًا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ المُقَدَّمِ لاسْتَهَمُوا)). [طرفه في:
٦١٥].
في كتاب أبي الشيخ أبي حيَّان: أن الصفَّ الأوَّل أمنعُ من الشيطان من سائر الصفوف،
وهو عندي من الشمال إلى الجنوب، لا من دخلوا مع الإمام في مَقْصُورَته. وقيل: بل هو الذي
خلف الإمام في مقصورته. وهناك قولٌ ثالثٌ، وهو مهجورٌ: أنهم مَنْ دَخَلُوا في المسجد أولًا
أينما كانوا .
٧٤ - بابٌ إِقامَةُ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلاَةِ
٧٢٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
هَمَّام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الإِمامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا
عَلَيْهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُوَّلُوا: رَبَّنَا لَّكَ الحَمْدُ، وَإِذَا