Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
كتاب الصلاة
سُلَيمانَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مُلكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾)) قَالَ رَوْحٌ: ((فَرَدَّهُ خاسًِا)).
[الحديث ٤٦١ - أطرافه في: ١٢١٠، ٣٢٨٤، ٣٤٢٣، ٤٨٠٨].
لم يكن دار الحبس في زمنه ◌ّ﴾ وإنَّما كانوا يشدون بسارية من سواري المسجد ثم بناه
عمر رضي الله عنه .
٤٦١ - قوله: (عِفْريت) سركش طاغ.
قوله: (تَفلَّتَ عليَّ) وفي مصنَّف عبد الرزاق: أنَّه كانَ في صورة الهرة، وفي كتاب
((الأسماء والصفات)) للبيهقي: أنَّه تقدَّم إليه بِشُعْلَةٍ من نارٍ في وجهه ◌َّ .
قوله: (لَيَقْطع عليَّ الصَّلاة) إما بالمرورِ بين يديهِ أو إلجائِهِ إلى العملِ الكثير، واختارَهُ في
((أحكام المُرجان)) للقاضي بدر الدين الشِّبْلي وهو تلميذ الذهبي عالمٌ جليلَ القدر، إلَّا أنَّه توفي
في شبابه فلم يُشْتَهِر بين الناسِ وَكَتَبَ ترجمتَه أستاذُهُ؛ والقَطْع على الأولِ على معناه الحقيقي،
فإِنَّك قد عَلِمت أنَّ بين المُصِلِّي وبين ربه جل وعلا وصلة المناجاة، فإنَّ المصلي يناجي ربَّهُ،
وإِنَّ رَبَّهُ بينه وبين القِبْلَة، وإنَّ الرحمةَ تواجِهُه كلُّها عبارة عن تلك الوصلة، فإِذا مرَّ بين يديهِ فقد
قَطَع تلك الوَصْلَة حقيقة، وليس القَطْع بمعنى قَطْع الخُشوع ولا بمعنى الفساد كما حَمَله أحمد
رحمه الله في مرور الكلبٍ، قال الترمذي في باب ما جاء أنَّه لا يقطعُ الصَّلاةَ إلا الكلبَ
والحمارَ والمرأةَ، قال أحمد رحمه الله: الذي لا شك فيه أنَّ الكلبَ الأسودَ يَقْطَعُ الصَّلاةَ، وفي
نفسه من الحمارِ والمرأةِ شيء.
قلتُ: وذلك لأنَّ فيهما عِنْدَهُ حديثًا، أما في المرأةِ فما روتْهُ عائشةُ رضي الله عنها («أنَّها
كانت تعترض بين يدي النَّبي ◌َّ اعتراض الجنازة وهو يصلي))، وأما في الحمار فحديث ابن
عباس ((أَنَّه جاء على أتان وأرسلها تَرْتَع بين أيدي المُصلين)) وأما الكلب فليسٍ عنده شيء
يخالفُ حديثَ القَطْعِ فأبقاه على عمومه، والقطع على الشرح الثاني بمعنى الفساد فإنَّه إذا اضطرَّهُ
إلى العمل تَفْسد صلَاتُهُ لا محالة.
قوله: (لا ينبغي لأحدٍ من بعدي) واعلم أنَّ المشي في الدعاء والنَّذر يكونُ على الألفاظِ
لا على الغرض. والمعنى كما يدل عليه ما في ((مسند أحمد)»: أنَّ النَّبي ◌َُّ خَرَجَ مرةً من عند
عائشةَ رضي الله عنها وقال: ((قطع اللَّهُ يديك))، أو كلمة مثلها، فلمَّا رجع رأى يديها شُلتا،
فسأل ما بالُ يديها قالت: هي كذلك منذ قلت ما قلت إلخ، أو كما قال. مع أنَّ النبي
لم
يُرِد به قَطْعَ يديها حقيقة، ولكن مشى التكوينُ على عموم ألفاظه فاعلمه، ومن ثمرة دعائه تسخير
الجن، ولا بحث للبخاري بكونه جنًا أو غيره فاسْتَدلَّ به على الأسير مطلقًا .
واعلم أنَّه قد بَيّنًا لك في المقدمة أنَّ العامَّ ظني عند ما وراء النهرين مِنْ أصحابِنَا وهو
مذهبُ الجمهور، ولا يقومُ حجة ما لم تَتَّصِل به قرائن مِنْ خَارِج، فإِذَا وَرَدَ خاصٌ في موضع
وشَمِلَه العام أيضًا وتعارض في الحُكْمَين لا يُعتدُّ بهذا العام أصلًا ويكون الحكم حكم الخاص،

٨٢
كتاب الصلاة
ألا ترى أَنَّ رَفْعَ اليدين إذا ثبت في العيدين خاصًا، أخذه الحنفية ولم يتركوه بالعمومات،
وهكذا إذا ثبت البيع بما ليس عندك في السَّلَم اختاروه ولم يأخذوا بالعمومات، وهذا غير قليل
في الأحاديث.
ثم إنَّ جماعة من الأشاعرة ذهبوا إلى أنَّ الدليل اللفظي لا يفيد القطعِ أصلًا، وذهب
الماتريديَّة إلى خلافِهِ وقالوا: يمكن أَنْ يُفيدَ القطعَ؛ وكَتَب الرازي في «تفسيره)) أنَّ الدَّليلَ اللفظي
وإنْ تواتر في النَّقَلِ لكنَّه لا يمكن أَنْ يكونَ قطعيًا في الدَّلالة، لعدم انقطاع الاحتمالات عنه،
وصَرَّحَ في ((المحصول)) بخلافِهِ، وقال: إنَّه يمكن أَنْ يُفيد القَطع. فلعلَّ ما في ((الكبير)) باعتبارٍ
الأغلب والأكثر، وبَحَثَ فيه صدر الشريعة أيضًا، ولعلَّه بَلَغَهُ إنكارُ الأشاعرةِ القَطْعَ، فَإِذَا عَلِمْتَ
أَنَّهم ترددوا في إفادة نفس الدَّلِيل اللفظي القَطْعَ فكيف بِقَطْعِيةِ العام. ولا غَرْوَ أنْ يكونَ خلافُهم
في تلك المسألةِ مؤثّرًا في قَطْعِيَّة العام وظنيته أيضًا، ومع هذا أقول: إنَّه قد يَبْقَى العام على
عمومه، كما في الدعاء والنذر، فإن المشي فيهما يكون على الألفاظ، ولا بَحْث عن كون
المدعو عليه أهلًا له أو لا، فكل موضع يكون المشي فيه على الألفاظِ يُترك فيه العامُ على
عمومه .
ولَذَا نَهَى في ((المشكاة)) عن الدعاء على الأولادِ لئلا يُوافِقَ ساعةً من ساعاتِ الإجابة،
فيسْتَجِيب له ويَمْضِي دعاءَهُ على ظَاهِرِهِ مع أنَّه لا يريدُه، ومِنْ هذا الباب دعاءُ سليمان عليه
الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولذا لم يَرْبِظْه النَّبِي وَِّ إبقاء لدعائه على عمومه، ولو رَبَطَّهُ لما خالف دعاءَه
حقيقة إلَّا أنَّهُ أحبَّ أن يُجزيهِ على عُمومِهِ على دَأْبِ سائرِ الأدعية، والله تعالى أعلم. وراجع
تحقيقه من المواقف.
٧٦ - باب الاغْتِسَالِ إِذَا أَسْلَمَ، وَرَبْطِ الأَسِيرِ أَيضًا فِي المَسْجِدِ
وَكَانَ شُرَيحٌ يَأْمُرُ الغَرِيمَ أَنْ يُحْبَسَ إِلَى سَارِيَةِ المَسْجِدِ .
٤٦٢ - حدّثنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي
سَعِيدٍ: أَنه سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ◌َّهِ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي
حَنِيفَةَ، يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَال، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيهِ النَّبِيُّ وَُّ
فَقَالَ: ((أَظْلِقُوا ثُمَامَةَ)». فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلِ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ، فَاغْتَسَل ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ،
فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. [الحديث ٤٦٢ - أطرافه في: ٤٦٩، ٢٤٢٢،
٢٤٢٣، ٤٣٧٢].
وذكر الاغْتِسَال إنجاز. وقوله: (رَبْطِ الأسير في المسجد) من مسائل سلسلته، والغسل
للإسلام مستحب وراجع ((شرح الوقاية)) لتفصيلٍ غسل الجنابة بعد الإِسلام.
قوله: (خَيْلًا) قال ابنُ سِيده في (المُخَصَّص)) إنَّ الرُّكُب والرُّكْبَان أيضًا في معنى الخيل.

٨٣
كتاب الصلاة
قلت: وهو مخالفٌ لِعُرف العرب وإنَّما أخذه من اشتقاق الركب فقط.
٧٧ - باب الخَيمَةِ فِي المَسْجِدِ لِلمَرْضى وَغَيرِهِمْ
٤٦٣ - حدّثنا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيِى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ
أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الخَنْدَقِ فِي الأَكْحَلِ، فَضَرَبَ النَّبِيُّ ◌َّهِ خَيِمَةٌ فِي
المَسْجِدِ، لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ، وَفِي الْمَسْجِدِ خَيمَةٌ مِنْ بَنِيَ غِفَارٍ، إِلَّ الدَّمُ
يَسِيلُ إِلَيهِمْ، فَقَالُوا: يَا أَهْلِّ الخَيمَةِ، ما هذا الَّذِي يَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ؟ فَإِذَا سَعْدٌ يَغْذُو جُرْحُهُ
دَمًا، فَمَاتَ فِيهَا. [الحديث ٤٦٣ - أطرافه في: ٢٨١٣، ٣٩٠١، ٤١١٧، ٤١٢٢].
والمتبادر منه المسجد النبوي، وهو الذي يَقْتَضِيه ((سنن البخاري)) وكلامُ الحافظ،
ويُسْتفاد مِنْ سِيرةٍ محمد بن إسحق أنَّه مسجدٌ آخر دون المسجد النبوي، وقد عُرِف من عادةٍ
النَّبِي وَّر في السِيَر أنَّه كان إذا نَزَلَ منزِلًا اتَّخَذَ مكانًا لِصَلَاتِهِ يَحْجزه من أطرافه، وأصحابُ
السِير يَذْكُرونه بلفظ المسجد سواءٌ يُسَمِّيه الفقهاء مسجدًا أوْ لا، وهذه واقعةُ الأحزابِ حين
اغتسل النَّبِي بَّ بعد فَرَاغِهِ عنها وجاءه جبريل عليه السلام وأشارَ إلى بني قُرَيْظَة فحاصروهم
فنزلوا على حُكْم سعد، وكان حليفهم في الجاهلية فَحَكَمَ فيهم بقضاء الله، فجاءه فقال:
((قوموا إلى سيدكم))، لأنَّه كان جريحًا؛ القصة بطولها. ولعلَّ النَّبِي وَّرَ لما حاصَرَهُم إلى عِدَّةِ
أيام، اتخذ هناك موضعًا لِصَلَاتِهِ فما يَحْكُم به الوجدان أنَّ المراد من المسجد هو هذا وبه
يُناسب قوله: (لَيَعُودَه مِنْ قريب) فإنَّ المسجد النبوي كان على ستة أميالٍ منه فأين كان يَعُوده
مِنْ قريب، وحينئذٍ لا يثبت ما رَامَهُ البخاري رحمه الله تعالى من التوسيع في أحكام المساجد،
فإِنَّه وإنْ كان في مسجدٍ، لكنَّه لم يكن مسجدًا مما نحن بصدده وهو المسجد الفقهي، على
أَنَّك قد عَلِمْتَ أنَّ تلك الواقعة كانت مَحْفُوفة بالقرائن إلا أنَّ البُخَاري يَسْتَنْبِط منها مسألة ولا
يبالي .
قوله: (فمات) وكان دعا ربه أَنْ يُعطِيه حياة إنْ قَدَرَ بعد غَزْوَةٍ من قريش، وإلا فيُعَجِّل وفاتَه
وكان جُرْحُه قد اندمل ثم تفسخ فلم يرقأ منه الدَّم حتى مات.
٧٨ - باب إِدْخالِ البَعِيرِ فِي المَسْجِدِ لِلعِلَّةِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طَافَ النَّبِيُّ ◌ََّ عَلَى بَعِيرِ .
٤٦٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنا مالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَينَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ
اللَّهِ وَّ أَنِّي أَشْتَكِي، قَالَ: ((طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ)). فَطُفْتُ، وَرَسُولُ اللَّهِوَُّ
يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيتِ، يَقْرَأُ بالُورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ. [الحديث ٤٦٤ - أطرافه في: ١٦١٩، ١٦٢٦،
١٦٣٣، ٤٨٥٣].
٤٦٤ - قوله: (طاف) أي في فتح مكة .

٨٤
كتاب الصلاة
قوله: (قال طُوفي) وهذه قصة حجة الوداع.
قوله: (يُصَلِّي) أي كصلاة الصُبْح. ويجوز المرور للطائفين أَمَام المُصَلِّي فإنَّ الطَّوَاف
بالبيتِ صلاة. كذا في كتاب الطَّحَاوي.
وغرض المصنّف رحمه الله تعالى أَنَّ الطَّوَاف وإنْ كان حول البيتِ لكنَّ البيتَ كان في
المسجد الحرام فثبت دخول البعير في المسجد. قلت: وفي استدلاله نظر لأنَّه لم تكُن هناك
عِمَارة في عهده ◌ٍَّ غير البيت كما في البخاري وكان حولَهُ مَطَافًا فقط حتى بنَى عمر رضي الله
عنه حوله حائطًا ثم بنى الملوكُ تلك الأبنية، نعم بقي فيه نظر بَعْدُ وهو أَنَّ حِولَ البيت وإنْ كان
مطافًا فقط لكِن القرآن أَظْلَقَ عليه لفظ المسجد، فينبغي البحث للفقيه في أَنَّ الأرضَ هل تأخذ
أحكام المسجد بمجرَّدٍ نية المسجد ولو لم يُحِط حائطًا ولم يبن بناءً، والذي يَظْهر أنَّه يَأْخُذُ
حُكْمَهُ. ثم على المفسرين أَنْ يمعنوا أنظارَهم في أنَّ الذي سَمَّاه القرآن مسجدًا هل هو البيت
فقط أو المطاف أيضًا؟ وعندي تَبْقَى حِصة منها خارجة عن هذا الإطلاق بعد كَوْنِ المَطاف
مشمولًا في المسجد أيضًا، وهذه حيث حَاط عمر رضي الله عنه حائطًا .
٧٩ - بابٌ
٤٦٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ
قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ: أَنَّ رَجُلَينٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ◌َ، خَرَجًا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ وَِّ فِي
لَيلَةٍ مُظْلِمَةٍ، وَمَعَهُمَا مِثْلُ المِصْبَاحَينِ، يُضِيئَانِ بَينَ أَيْدِيهِمَا، فَلَمَّا افْتَرَقا صَارَ مَعَ كُلِّ
وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ، حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ. [الحديث ٤٦٥ - طرفاه في: ٣٦٣٩، ٣٨٠٥].
٤٦٥ - قوله: (من عند النَّبي ◌َِّ) أي مِنْ مَسْجِده فظهرت المناسبة، وثبتت الكرامة من
حديث الباب، وأنكرها ابن حزم لإِلْتِبَاسها بالمعجزة، وفُرِّقَ بينهما بالتحدي وعدمه. ثم قال ابن
حزم: إني قائل باستجابة الدعاء مع إنكاره الكرامة. قلتُ: إذا اشتمل الدُّعاء على أمرٍ خارقٍ
للعادة فهو الكرامة فلم يبق النزاع إلا في التسمية، فما الفائدة في إنكارِ الكرامة. ثم في ((الدر
المختار)) و((شرح العقائد)) أنَّه لا اخْتِصَاصَ للمعجزة والكرامة بأمرٍ دون أَمْر، وكل كرامة معجزة
للنَّبي، وكل أمرٍ يكون معجزة مِنَ النَّبِي إذا ظهر على يَدِ ولي يُسَمَّى كرامة. وقال الأستاذ أبو
القاسم صاحب ((الرسالة القشيرية)): إنَّه لا بد أنْ تكون أشياء تَخْتَص بالمعجزة، وهو المختار
عندي .
وهل يُمْكِنُ إحياء الميت مِنَ الولي أوْ لا؟ فكنت مترَدِّدًا في ذلك حتى رأيت حكايةً نَقَلَهَا
الشيخ عبد الغني النابلسي عن العارف الجامي رحمه الله تعالى: أَنَّ رجلًا من الأغنياء اتَّخَذَ له
طعامًا، وطبخ دَجَاجَة ميتة اختيارًا له ثم دعاه فجاء العارِفُ الجَامي وقال: قم بإِذن الله، فكان
كما قال. إلا أني لا أعرف سنده، وهكذا نقل الشنطوفي ووثقه المحدثون عن الشيخ عبد القادر
حبلي رحمه الله أنه كان يُذَكِّرِ النَّاسَ إذ جاءت حِدَأَة تصيح حتى شَوَّشَتْ على الشيخ كلامه فدعا
عليها وقال: ما لكِ قَطَعَ اللَّهُ عُنُقَكِ فَسَقَطَتْ على الأرض ميتة من ساعتِها. ثم إذا فَرَغَ الشيخُ عن

٨٥
كتاب الصلاة
الوعظ قام ورآها ميتة في فناء المسجد، فسأل عنها فأُخْبِرَ بها فقال بها: قم بإذن الله فطارت(١).
وهكذا جاء رجل في (بجنور)) فقطع عُنُقَ طائرٍ حتى فَصَلَها بين أعينِ النَّاس ثم ضمها فكانت كما
كانت قبله، وأحيى الطائر. وزارني هذا الرجل فسألتُهُ عنه فقال: إنَّا نَقْدِر عليه إلى ساعةٍ قليلة
فإذا مضت تلك الساعة فلا نَقْدِر عليه. وفي كتاب ((العلو والعرش)) للذهبي: أَنَّ كرامات السيد
عبد القادر الجيلي تواترت كقطر الأَمْطَارِ والنابلسي هذا هو الذي من معاصري صاحب ((الدر
المختار)) وَرَدَّ عليه في مسألة الخف - وبعد اللتيا والتي أسلم أنَّ بعضَ الأشياء تختص
بالمعجزة، لأنَّ الشيخَ أبا القاسم صاحبَ الكرامات بِنَفْسِهِ، فاتِّباعه في تلك الأبواب أولى،
وراجع ((المقدمة)) لابن خلدون للفَرْقِ بين المعجزة والكرامة، وأزيدَ منه في كلام الشيخ الأكبر.
٨٠ - باب الخَوْخَةِ وَالمَمَرِّ فِي المَسْجِدِ
٤٦٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيحٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّصْرِ، عَنْ عُبَيدِ بْنِ
◌ُنَينِ: عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُذْرِيِّ قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ◌َ فَقَالَ: ((إِن اللَّهَ
خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنََّا وَبَينَ ما عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ ما عِنْدَ اللَّهِ)). فَبَكِى أَبُوَ بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ،
فَقُلْتُ فِي نَفسِي: ما يُبْكِي هذا الشَّيخَ إِنْ يَكُنِ اللَّهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الذُّنْيًا وَبَينَ ما عِنْدَهُ،
فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ؟ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ هُوَ الَعَبْدَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا، فَقَالَ: ((يَا أَبَا
بَكْرٍ لَا تَبْكِ، إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ
أُمَّتِي لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أَخُوَّةُ الإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا يَبْقَّيَنَّ فِي المَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ،
إِلَّا بَابُ أَبِي بَكْرٍ)). [الحديث ٤٦٦ - طرفاه في: ٣٦٥٤، ٣٩٠٤].
٤٦٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ الجُعْفِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا
أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَّسُولُ اللّهِ وَل
فَيْ مَرَضِهِ الَّذِي ماتَ فِيهِ، عاصِّبٌ رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ، فَقَعَدَ عَلَىّ المِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنى
عَلَّيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّهُ لَيِسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ فِي نَفسِهِ وَمالِهِ مِنْ أَبِي بِكْرِ بْنِ أَبِي
فُحَافَةَ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنَ النَّاسِ خَلِيلًا لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلكِنْ خُلَّةُ الإِسْلَام
أَفْضَلُ، سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ فِي هَذا المَسْجِدِ، غَيرَ خَوْخَةٍ أَبِي بَكْرٍ)). [الحديث ٤٦٧ - أطرافه
في: ٣٦٥٦، ٣٦٥٧، ٦٧٣٨].
(١) وسَمِعْتُ من حَضْرَةِ الشيخ صاحب هذه الأمالي رحمه الله حكايةً لطيفةً أخرى أيضًا في هذا الصدد وهي: أنَّ صبيًا
كان يشتغل بالاستفادةِ والتَعَلُّم عند بعض العرفاء فزارتْهُ يومًا أُمُّهُ وبيدِهِ خبز شعير يأكله، ودخلت على الشيخ فرأت
عنده دجاجة مشوية فشكت إليه وقالت: تطعم ابني خبز الشعير وأَنْتَ تَأْكُلُ هذه، فأشار الشيخُ إلى الدَّجَّاج وقال:
قم بإذنِ الله فقام حيًا فتحيرت. فقال الشيخ: إذا وصل ابنك إلى هذه المنزلة فيأكل الدجاج وأنا أيضًا كنت قبل
ذلك آكل خبز الشعير كما هو يأكله الآن. (البنوري المصحح).

٨٦
كتاب الصلاة
قوله: (المَمَرِّ في المسجد) يعني به اتخاذه طريقًا، أما إذا مَرَّ بها للصَّلاة فهو أمرٌ مقصودٌ
ومعنى صحيح.
٤٦٦ - قوله: (فاختار) وفي الحديث أنَّ النبي يخير أوَّلًا .
قوله: (لاتخذت) ... إلخ وبحث الناس في أنَّه هل تمتنع الشركة في الخُلَّة فقيل: إنَّ
الخُلَّةَ لا تَحْتمل التعدُّد لأنَّه من الخِلال بمعنى الوسط ولا يَحُل في الوسطِ إلا واحدٌ بخلافٍ
المحبة، فإنَّه يَصْلُحُ من المتعدِّد، أقول: وليس كذلك لما في القرآن: ﴿اَلْأَخِلَّءُ يَوْمَيِذٍ بَعْضُهُمْ
[الزخرف: ٦٧] فَدَلَّ على أنَّها أيضًا تكونُ من المتعدد، فالأحب
١٦٧
لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّ الْمُنَّقِينَ
إليَّ أنْ لا يستمد فيه من اللُّغة، ويقال: إنَّه أراد من الخُلَّةِ، خُلَّ تَخْتَصُ بين العَبْدِ والمعبود، ولا
تكون بين العبدِ والعبد، على أنَّهِ لا حرج في اختصاصه عند إرادةِ الاختصاص باللّهِ سبحانه،
وإنْ كان مُشْتَرَكًا في النَّاس فالخُلَّة وإنْ أمكن مع الآخرين، لكنَّه أراد أن يتخذ اللَّهُ خليلًا فقط
وحينئذٍ ينحصر فيه لا محالةَ بحسب إرَادَتِهِ لا باعتبارِ اللغة، والناسُ بصدد بيان معنى يَخْتَص
بحضرةِ الحقِّ ولا يكون له اشتراٌ في الناس، فَفَرَّقوا بين الخَلِيل والحبيب، والكل في غير
موضعه؛ والوجه ما بَيَّنا .
وحاصله: أنَّه لا حاجةَ إلى إيجادِ الاختِصَاصِ في الخُلَّةِ من حَاقٌّ لفظه بل الاختصاص من
تلقاءِ إرادةِ المتكَلِّم كاف، وجاز إرادةُ الاختِصَاصِ فيما كانت الحقيقة مشتركة وإذن هو تابع
لإرادتهِ .
قوله: (لكن أُخوة الإسلام) قامت مقام الخُلَّةِ الآن.
قوله: (لا يَبْقَيَنَّ) ... إلخ. وفي حديث قوي الإِسناد ((أنَّ النَّبِيَّ وَ أَمَرَ بسدِّ الأبوابِ غير
باب علي رضي الله عنه)) وحكم عليه ابن الجوزي بالوضع ولم يُسَلِّمه الحافظ، ونَقَلَ عن
الطَّحاوي من ((مشكلِهِ)) أنَّ هذين الحديثين محمولان على الوقتين، فكان الأمر أوَّلًا كما في
الحديث المار ثم أمر بسد باب عليّ رضي الله عنه أيضًا وصار الأمر كما في حديث الباب.
وحاصلهُ: أن استثناء باب عليّ رضي الله عنه متقدم، واستثناء خَوْخَة أبي بكر رضي الله
عنه في مرض وفاتِهِ وَّر وقد مرَّ أنَّ استثناءَ باب عليّ رضي الله عنه كان لإِخْتِصَاصِهِ ببعضٍ أحكام
المسجد، كالمرور في المسجد جنبًا، وقد مَرَّ أَنَّ موسى وهارون عليهما الصَّلاة والسَّلام أيضًا
كانا مُخْتَصَّيْن ببعضِ الأحكام، وقال النَّبِي وَّرَ: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى))، وقد مرَّ
تقريره مبسوطًا، قال العلماء: إنَّ القِبْلَةَ إذا تحولت نحو الجنوب صارَ بابُ المسجد نحو الشِّمَال
وكانت في جهتي الشرق والغرب خوخات، فَأَمَرَ النَّبيِ نَّهَ بِغَلْقِهَا أيضًا غير خَوْخَة أبي بكر
رضي الله عنه إشارة إلى خلافتِهِ لحاجته إليها في دخوله المسجد وصلاتِهِ بالنَّاسِ، والأبواب
تكون للإيابِ والذهاب، فبقي البابُ الذي كان في جهة الشمال للإِياب والذهاب، وسُدَّت
الخَوْخَات وسائر الأبواب كلَّها، فإنْ قلت: ما معنى قوله إلا بابَ أبي بكر، مع أنَّه كان قد سد
أوّلًا فلم يكن هناك باب ليسد؟ قلت: المراد بالباب الخَوْخَة كما قرَّره الحافظ.

٨٧
كتاب الصلاة
٨١ - باب الأَبْوَابِ وَالغَلَقِ لِلكَعْبَةِ وَالمَسَاجِدِ
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيجِ قَالَ:
قَالَ لِي ابْنُ أَبِي مُلَيكَةَ: يَا عَبْدَ الْمَلِكِ، لَوْ رَأَيتَ مَسَاجِدَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبْوَابَهَا .
٤٦٨ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ وَقُتَيبَةُ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَ قَدِمَ مَكَّةَ، فَدَعا عُثْمَانَ بْنَ طَلحَةَ، فَفَتَحَ البابَ، فَدَخَلَ اَلنَّبِيُّ ◌َ،
وَبِلَالٌ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلحَةَ، ثُمَّ أُغْلِقَ البابُ، فَلَبِثَ فِيهِ سَاعَةً، ثُمَّ
خَرَجُوا. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَبَدَرْتُ فَسَأَلْتُ بِلَالًا، فَقَالَ: صَلَّى فِيهِ، فَقُلَتُ: فِي أَيِّ؟ قَالَ:
بَيْنَ الأَسْطُوَانَتَينِ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَذَهَبَ عَلَيَّ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى. [طرفه في: ٣٩٧].
وأثر ابن عباس.
قوله: (الغلق) ترجمته روك يعني قفل يا بلائي ياجتخنى.
قوله: (لو رأيت مساجد ابن عباس) ... إلخ مناسب للجُزْءِ الأول ولا ذِكْرَ فيه للغَلْقِ فلا
حاجةَ إلى إيجادِ التكلفات، ثم إنّ ابنَ عباس سكن في مواضع عديدة فلا تَعْجب من تعدُّد
مساجده .
٨٢ - باب دُخُولِ المُشْرِكِ المَسْجِدَ
٤٦٩ - حدّثنا قُتَيبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيرَةَ
يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ
بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ. [طرفه في: ٤٦٢] ..
وأشار المصنِّف إلى موافقةِ الحنفية، وقد مَرَّ الكلامُ فيه في باب عَرَق الجنب مبسوطًا
ونَذْكُر ههنا بعض أشياء.
فاعلم أنَّه يجوز دخول المشرك عندنا في جميع المساجد المسجد الحرام وغيره سواء،
وجوزه الشافعية رحمهم الله تعالى إلا في المسجد الحرام، وَمَنَعَهُ مالك رحمه الله تعالى مطلقًا
وأَخَذَ بالحُكم والتعليل، ونعني بالحكم قوله: ﴿فَلَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]
وبالتعليل قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ والمُرادُ من أَخْذِ التعليل اعتباره وإجراءه في سائر
المساجد، والشافعية رحمهم الله تعالى أخذوا بالحُكْم دون عُمومٍ التعليل، والحنفية لم يَأُخذوا
شيئًا منهما. قلت: وفي ((السِيَرِ الكبير)) لمحمد رحمهَ الله تعالى أَنَّ دُخولَ المشرك لا يجوز في
المسجد الحرام كمذهب الشافعية رحمهم الله تعالى وهو الذي ينبغي أنْ يُخْتَار، فإنه أَوْفَق بالقرآن
وأَقْرَب إلى الأئمة؛ ثمَّ المرادُ بِعَدَم القُرْبِ عدم الطواف لأنَّ الآيةَ نَزَلت لِمَنْعِ الطّواف كما يُعْلَم
مِنْ نِداءِ عليّ رضي الله عنه أنَّه لا يحج بعد العام مُشْرِك، ولا يَطُوف بالبيت عُرْيَان، ولا عِبْرة
بعموم اللفظ كما في قوله تعالى: ﴿فَلاَ يَقْرَبُوا﴾ حيث لم يذهب أحد إلى عمومه فهو مِنْ بابِ
إقامةِ المراتب في المسمى، وقد مرَّ تقريرُهُ في المقدمة وإجراؤه في مواضِعَ كثيرة من تقريرِنا،

٨٨
كتاب الصلاة
هذا وههنا بحث آخر وهو أَنَّ الحُكْم إذا كان خاصًا والتعليل عامًا فهل يعم الحُكُم بعموم
التعليل؟ فذهب جماعة إلى أَنَّ الحُكم يدورُ على النُّطْقِ ويَثْبُت الحُكْم فيما وراءه بالقياس، وقال
جَمَاعة: إنَّ التعليلَ إذا كان عامًا فما وراء المنطوق أيضًا يكونُ داخِلًا في المَنْصُوصِ والنَّظر
الأَوَّل يفيدُنا شيئًا، وقد يَخْطُرِ بالبال أنَّ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُ﴾ ... الآية جزء
العِلَّة، والجُزْء الآخر منها أنهمٍ يَدْخلون في المسجد الحرام زاعمين أنَّه من حقهم وحقّ آبائِهم
بخلافِ المساجد الأخرى، فإنَّها بناها أهل الإِسلام فلا يرون فيها حقًّا، فنهاهم الله أن يَدْخلوا
فيه، وصدع أَنْ لا حقَّ لهم فيه كما في سائر المساجد، وإنَّما المساجد لله، وحينئذٍ حكم عدم
القُرب يَتَفَرَّع على هذا المجموع، وذا لا يوجد إلا في المسجد الحرام، فلا يكون الحُكم إلا
عليه، ويَبْقَى سائر المساجد خارجة عنه.
بقي البحث في أنَّ التَّعْلِيل بجُزْء العِلَّة يجوز أم لا؟ فصرح الغَزَالي أنَّه يجوز، فلو كان
التَّعِليل بالجُزْء جائزًا لخرجنا عن عُهدة النَّص رأسًا برأس. قلت: والفَصْلُ فيه أَنَّ الإِضافةَ على
العِلَّة إن لم يَسْتَوْجِب رِّة في النَّص فهو جائزٌ وإلا فمحل تردد.
فإن قلت: إذا كانت العِلَّة مجموعُ الأمرين فَلِمَ اقتصر على أحدِهما؟ قلت: لا بأس
بالاقْتِصَارِ على الأدخل منهما، وأهل العُرف لا يراعون الظَّرْد والعكس، بل يَذْكرون ما يكون
أدخل في الحكم، والأدخل ههنا كونهم مشركين، أما كونهم داخلين بالدَّغْوَى والزعِمِ
المذكور، فهو وإنْ كان مؤثِّرًا أيضًا لكنَّه دونَه فَحَذَفَه اعتمادًا، ثُمَّ أقول إنَّ تسميته بِتَخْصِيص العِلَّة
أولى من التعليل بالجُزْء، وتَخْصِيص العِلَّة جائزٌ، وهذا كله بَحْثٌ مني فليحرر على الأصول.
ولك أَنْ تقول إنَّ الآيةَ مجمَلة فلحق نداء عليّ رضي الله عنه بيانًا لها، وذلك لأنَّهم قالوا: إنَّ
الإجمال إنَّما يأتي إما من جهة غَرَابَة اللفظ أو ازدحام المعاني، وليس ههنا واحدٌ منهما، نعم
إنْ كان الإِجمال بحسب مرادٍ المتكلم أيضًا فذلك هو المراد ههنا، كما قال الحنفية في آيةٍ
المسيح إنها مجملة، وأنت تعلم أَنْ لا إجمال فيها إلا بحسب مرادٍ المتكلم. أما أن مراد
المتكلم هل يجب أن يُساوي مدلول اللفظ، فقد بسطناه في المقدمة.
٨٣ - باب رَفعِ الصَّوْتِ فِي المَسَاجِدِ
٤٧٠ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْد اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الجُعَيدُ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ خُصَيفَةَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنْتُ قائمًا فِي
المَسْجِدِ، فَحَصَبَنِي رَجُلٌ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَأُتِنِي بهذين،
فَجِئْتُهُ بِهِمَا، قَالَ: مَنْ أَنْتُمَا، أَوْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ قَالَا: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ، قَالَ: لَوْ كُنْتُما مِنْ
أَهْلِ البَلَّدِ لأَوْجَعْتُكُمَا، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدٍ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّر!
٤٧١ - حدّثنا أَحْمَدُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسِ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ اِبْنِ
شِهَابٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ بْنِ مالِكِ: أنَّ كَّعْبَ بْنَ مالِكِ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ تَقَاضى ابْنَ أَبِي
حَدْرَدٍ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ، فِي عَهْدِ رَسُوَلِ اللَّهِ نَّرَ فِي المَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، حَتَّى

٨٩
كتاب الصلاة
سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ لَّهِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ
حُجْرَتِهِ، وَنَادَى: (يَا كَعْبُ بْنَ مالِكِ)). قَالَ: لَبَّيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ أنْ: ((ضَعِ
الشَّظْرَ مِنْ دَينِكَ)). قَالَ كَعْبُ: قَدْ فَعَلتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَيِ: ((قُمْ فَاقْضِهِ)).
[طرفه في: ٤٥٧].
وفي ((المرقاة)) أَنَّ الجهرَ في المسجد ولو بالذكر حرام، ونَقَل عن مالك رحمه الله أنَّ
احترام النَّبِي وَلِّ بعد وفاته أيضًا كما كان في حياته.
وفي البيهقي عن أنس وصححه ووافقه الحافظ في المجلد السادس ((أنَّ الأنبياء أحياءٌ في
قبورهم يصلون)). أَشْكَل عليهم مراده، فإنَّ الروح نفسها حياة لا فناء لها سواء كانت رُوح الكافر
أو المؤمن، فالأرواحُ كلها أحياء، فما معنى كون الأنبياء أحياء؟ فاعلم أنَّ تلك الأحاديث لم
تَرِد في بيان حياة نفس الرُّوح ومدتها، لأنَّ حياتها مفروغة عنها بل في تعطلها عن الأفعال
وعدمه، وحينئذٍ معناه أن أَرْوَاح الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام ليست بمعطلة عن العبادات الطيبة
والأفعال المباركة، بل هم مشغولون في قبورهم أيضًا كما كانوا مشغولين حين حياتهم في صلاةٍ
وحج، وكذلك حال تابعيهم على قدر المَرَاتِب بخلاف من كان مُعطّلًا عنها في حياته، فإنَّه يكون
معظّلًا في قبره أيضًا ﴿وَمَن كَانَ فِىِ هَذِهِةٍ أَعْمَى فَهُوَ فِىِ الْآَخِرَةِ أَعْمَى﴾ وإلى هذا أشار بقوله:
يُصلون، فَذَكَر لهم عبادة ليُنبه على معنى حياتِهم فهم يُصلّون ويحجون في قبورهم، ويفعلون
أفعال الأحياء، فهم أحياء بهذا المعنى، وهذا عُرف عام يقال للمعطِّل عن الأفعال إنه ميت وإنْ
كان حيًّا، فَعُلِمِ أَنَّ أَصْلَ الحياة عبارة عن أفعالها، وحقيقة الموت عبارة عن التعظُّل عنها. على
وزان قولهم: إنَّ العِلْمَ حياة، والجهلَ موت، ومن ههنا انحل حديثٌ آخر رواه أبو داود في رد
رُوحِهِ وَِّ حين يُسَلَّم عليه ◌َِّ، ليس معناه أَنَّه يَردُ روحه أي أنه يَحيى في قبره، بل تَوجُّهُه من
ذلك الجانب إلى هذا الجانب، فهو ◌َ﴿ حي في كلتا الحالتين بمعنى أنَّه لم يطرأ عليه التعظُل
قَط، لكنَّه كان مستهلِكًا في التوجه إلى حضرة الربوبية، فإِذا سُلُّم عليه رُدَّ عليه روحه بمعنى شَغَلَهُ
بذلك الجانب الذي كان معظَّلًا عنه قَبْلَه.
ثم الحياة فيها مراتب لا يعدها عاد ولا يحصيها محصٍ، فحياةُ الأنبياء أعلى وأتم، وحياةٌ
الصحابة دونَها ثُمَّ، وثم بخلاف الكافِر، فإنَّهُ مَيْت في قبره بمعنى أنَّه معظّل عن جميع الخيرات،
ليس له غير الويل والثُبور لا بمعنى فناءِ روحِهِ ولذا قال تعالى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيَهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [الأعلى:
١٣] أمَّا أَنَّهم لا يموتون، فلأن الأرواحَ لا فَنَاءَ لها ولا موت، وأمَّا عدمُ حياتِهِم فلانْتِفَاءِ أفعالٍ
الأحياء عنهم، وأَفْعَالُ الأحياء هي الخيرات والحسنات، دون الفسق والفجور، كما في
الأحاديث: ((إن الذكر حياة، والذاكر حي، والغافل عنه ميت))، وروى الدَّيْلَمِي أن النبي :
أَنْشَد مرة قول القائل:
ليس مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيِّتٍ إِنَّمَا المَيّثُ مَيتُ الأحياءِ
وما تتصرف الأرواح الخبيئة مِنَ الأفعالِ الخبيثة فلا يُسمى أفعال الحياة، وليست تلك إلا
أشياء البركة، ولذا قررتُ فيما مرَّ أَنَّ قوله: ((لا تتخذوها قبورًا)) محمولٌ على الحس، وهو أيضًا

٩٠
كتاب الصلاة
نحو من الواقع أو يقال: إنَّه باعتبار حال العوام وإلا فَحَال الخواص قد عَلِمْتَه أنَّهم يُصَلُّون
ويحجون، فقبورُهم معمورة عن العبادة فلا معنى للنهي.
والحاصل: أنَّ الحياة في حديث البيهقي إنَّما هي باعتبار الأفعال، ولذا كلما ذُكِرَ في
الأحاديث حياة أحد ذُكِرَ معه فعل من أفعاله أيضًا، ليكون دليلاً على وجه الحياة، أما حياة نَفْسٍ
الرُّوح فهي بمعزل عن النّظر.
٨٤ - باب الحِلَقِّ وَالجُلُوسِ فِي المَسْجِدِ
٤٧٢ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعِ، عَنِ ابْنِ
عُمَرَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ نَّهَ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ: مَاَ تَرَى فِي صَلَاةِ اللَّيلِ؟ قَالَ: ((مَثْنَى
مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَّهُ ما صَلَّى)). وَإِنَّهُ كانَ يَقُولُّ: اجْعَلُوا آخِرَ
صَلَاتِكُمْ بالليل وِتْرًا، فَإِنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ أَمَرَ بِهِ. [الحديث ٤٧٢ - أطرافه في: ٤٧٣، ٩٩٠، ٩٩٣، ٩٩٥،
١١٣٧].
٤٧٣ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعِ، عِنِ ابْنِ عُمَرَ:
أَنَّ رَجُلًا جاءَ إِلَى النَّبِيِّ بَّهِ وَهُوَ يَخْطُبُ، فَقَالَ: كَيفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟ فَقَالَ: ((مَثْنَىَ مَثْنَى،
فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ تُوتِرْ لَكَ ما قَدْ صَلَّيتَ)). قَالَ الَوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ: حَدَّثَني
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَجُلًا نَادَى النَّبِيَّ وَّةُ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ.
[طرفه في: ٤٧٢].
٤٧٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنا مالِكٌ، عَنْ إِسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
أَبِي طَلحَةَ: أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ: عَنْ أَبِي وَاقِدِ اللَّيْثِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا
رَسُولُ اللَّهِ وَّهَ فِي المَسْجِدِ، فَأَقْبَلَّ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ نَّهِ وَذَهَبَ وَاحِدٌ.
فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فَجَلَسَ، وَأَمَّا الآخِرُ فَجَلَسَ خَلفَهُمْ، وأمَا الآخرُ فَأَدْبَرَ ذاهباً فَلَمَّا
فَرَغَ رَسُولُ اللّهِ وََّقَالَ: ((أَلَا أُخِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآَوَاهُ اللَّهُ،
وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآَخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ)). [طرفه في: ٦٦].
إنَّما نهى عن الحِلق يومَ الجمعة لئلا يَضيق الطريق على المارين، فلو كان المسجد وسيعًا
جاز.
٤٧٢ - قوله: (وهو على المنبر) والعَجَب أَنَّ الحديثَ رُوِيَ على المِنْبَر ولا يَرويه غير ابنِ
عمر رضي الله عنه وكان يتبادر إلى الذِّهن أَنْ يرويه غيرُ واحد منهم، ويدخل فيه المسألتان:
الأولى: أفضلية المثنى أو الرُّباع، والثانية: مسألة الوتر.
قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله في الأُولى: إن الرباع أفضل في المَلَوَيْن. وقال الشافعي
رحمه الله: المَثْنَى أفضل فيهما، وقال صاحباه: الرُّباع في النَّهار، والمَثْنَى في الليل، وهو

٩١
كتاب الصلاة
الأقوى حديثًا. واستدل الشافعية رحمهم الله بحديث الباب، وأجاب عنه الشيخ ابن الهُمام
رحمه الله وقال: إنَّ مثنى معدول مِنَ اثنين فصارَ بالتكرار أربعًا وهو مذهب الحنفية.
قلتُ: قد صرَّحِ الزَّمْخَشَري في ((الفائِقِ)) أن مَثْنَى ههنا مجرد عن معنى التَّكْرَار ومعناه اثنين
فقط، ولذا احتيج إلى تَكْرِيره، على أنَّ ما ذكره الشيخ وإنْ كانِ نافعًا في مسألةِ التَّطوع لكنَّه
يضرنا في مسألة الوثْرِ جدًا، وغفل عنه الشيخ رحمه الله وهو أَنَّ صلاةَ الليل إذا كانتَ أربعًا
فبإيتارها بواحدة يحصل الوتر خمس ركعات، بخلاف ما إذا كانت مَثنى فإنها بعد الإِيتار تَحْصُل
ثلاثَ رَكعات، وهي ركعات الوِثْر عندنا، ولعلَّ الشيخ زعم أنَّ الحديثَ هذا القَدْر فقط («صلاةٌ
الليل مَثْنَى مثنى))، وهكذا رَواه بعض الرواة أيضًا كما روى الآخرون القِطْعَة الأخيرة فقط: ((الوتر
ركعة من آخر الليل))، فَأَوْهَم أنَّهما حديثان مستقلَّان، فَحَمَلِ الشيخُ القِطعة الأُولىِ على مذهبه في
التَّطوع، وحَمَل الشافعيةُ رحمهم الله تعالى الثانيةَ على مَذْهبهم في الوِتْرِ مع أنَّ الحديثَ واحدٌ
فَصَلَهُ بعض منهم، وهاتان قِطْعتان مختصرتان من المُطَوَّل لا أَنَّهما حديثان، فبناء المسألتين
يَنْبَغِي أَنْ يكونَ على المُطوَّل على أنَّه سئل عنه ابن عمر رضي الله عنه عند مُسْلِمٍ ما مَثْنَى؟ فَفَسَّرَه
أَنْ تُسَلِّم في كلِّ رَكعتين.
فالجواب: ما ذكره ابنُ دقيق العيد أَنَّ الجمهور وإنْ حَمَلَهُ على بيان الأفضل، لكنَّه يَحْتَمِل
أَنْ يكون للإِرشاد إلى الأخف، إذِ السَّلام بين كلِّ رَكعتين أَخفُّ على المُصلِّي من الأربع فما
فوقها، لما فيه من الرَّاحة غالبًا، وقضاءِ ما يَعْرِض من أمرهم.
قلتُ: وما أَدَّاه ابنُ دقيق العيد احتمالًا هو المراد عندي، وحاصله: أَنَّ للمصلِّي حالان.
الأول: أَنْ تكونَ لَهُ وظيفةٌ راتبةٌ من ابتداء الأمر بأنَّه يُصلِّي كذا من الرَّكعات مثلًا.
والثاني: أنْ لا يكون كذلك، بل كان الأمر إليه كيفما شاء، تَدَرَج من الأقل إلى ما
شاء الله .
فالحديث إنْ كان واردًا على الاعتبار الأوَّلِ دل على مطلوبية المَثْنَى البتة، لأنَّه يكونُ
حينئذٍ تعليمًا مِنْ جانبِ الشارع لأداء وظيفتِهِ كيف يُصَلِّيها، فعلَّمه أَنَّه يصليها مَثْنَى مَثْنَى ويتبادر
منه استحبابه، وإنْ حملناه على الاعتبار الثاني فلا يدل على الاستحباب أصلًا بل يكون بناءً
على أَنَّ مَثْنَى أَقلُّ صلاةِ الليل، ولذا كرره ليدُل على أنَّ ذلك إليه مهما جاء بِشَفْع ثم جاء بشفع
آخر تدرجًا على انتظارِ الصبح فعل، ولذا شَرَع مِنَ الأقلِّ لأنَّه قد لا يجد إلا مَثْنى مرةً، وإذا لم
تَتَعَيَّن وظيفة، ولا أَعطاه الشارع عددًا معينًا من عنده، بل تَرَكَهُ على قَدْر طاقته وفُسْحَةٍ وقته جاءَ
التَّعبيرُ هكذا، فظهر أَنَّ التصدير بالمَثْنَى ليس لكونِهِ مطلوبًا بل بناءً على الأقلِّ لأَنَّه لا يَعْلَم أَنَّه
كم يُدْرِك فَإِنَّما الأمرُ فيه إلى المُصَلِّي كيف شاء صَلَى، وجاء يزيد شيئًا فشيئًا حتى إذا هَجَمَ عليه
الصبح أو أَرَادَ النومِ يُوتِر بواحدة، وبعبارة أُخْرى أنَّ الشيءَ قد يُذْكَر لاعتبارهِ في نفسه، وقد يُذْكر
لا لاعتباره في نفسه بل لِدَفْعِ إيهام المضرَّة عند ذكر جانب مخالفِهِ.
وذِكْرِ المَثْنَى مِن قبيل الثاني لا مِنْ قِيل الأوَّل ليدُل على اعتبارِهِ واستحبابه، وذلك لأنَّه لو
ذَكَرَ الأربع لأوهم أنَّه الراجح، وربما أمكن أَنْ لا يكونَ مقصودًا لأنَّه واقعٌ في الوسط، وترك

٩٢
كتاب الصلاة
الأول والتنزل إلى الوسط يَحْتَاج إلى نُكتة قطعًا، بخلاف ما إذا بُدِىءَ بالمبدأ والأقل، فإنَّه على
الأصل غير محتاج إلى نُكْتة، لأنَّ البدايةَ بالمبدأ طريقٌ معروف، كتعريف المبتدأ وتنكيرِ الخبر
ولا سيما إذا كان ذِكْرُهُ جَرَى تبعًا فقط، لأنَّ الحديث على ما يَظْهر سِيق لبيان صفة إيتار صلاة
الليل بالواحدة كما هو مصرح في لفظٍ مسلم: ((أنَّ سائلًا سأله فقال: يا رسول الله كيف أُوتِر
صلاةَ الليل؟ فَجَعَل السؤالَ في الإِيتار لا في صلاةِ الليل، فقال: ((مِن صِلَّى صلاةَ اللَّيلِ فليصلِّ
مَثْنَى مَثْنَى ... إلخ. وكأنَّه كان يَعْلَم صلاةَ الليلِ والوترِ مِن قَبْل، وإنَّما أُبْهِم عليه كيفية إيتارها،
هل يُوتر في الأوَّل أو الآخِر أم كيف يفعل؟ فَأَرْشَدَه إلى أَنَّه يُوتِّر في الآخِرَ، ويكونُ بذلك موترًا
لجميع صلاةِ الليل. وفَهِمَ الحافظُ رحمه الله تعالى أَنَّ سؤاله عن صلاة الليل وعددها خاصة،
فَأَرْشَدِهِ النَّبِي ◌ََّ إلى أَنَّهَا مَثْنَى مَثْنَى ولا يكونُ إذنٍ ذكره إلا قصديًا ويتبادر منه استحبابه لا
محَالَة؛ وإذ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ السؤال لم يَقَع عن صلاةِ اللَّيل نفسِهَا بل عن إيتارِهَا، تَبَيَّن لك أَنَّ ذِكْرَ
المَثْنَى تمهيدٌ لقوله: ((فإذا خَشِي أَحدكم الصُّبْحَ فليوتر بواحدة))، لا أنه مقصودٌ، فلا يَتِمُّ ما رامه
الحافظُ، ولذا لمَّا سُئِلَ أبو داود عن صلاةِ الليل، قال: إن شِئْتَ مَثْنَى وإنْ شِئْتَ أربعًا. كذا في
سنته من باب صلاة النَّهار.
وما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما في تفسير المثنى يخالفهُ ما رواه الترمذي في تفسيره
مرفوعًا ((من التخشّع في الصلاة مَثْنى مثنى تشهد في كل رَكعتين)) إلا أنَّ في المسند أنَّه قال في
جواب سائل صلاة الليل: ((مثنى مثنى تسلم في كل ركعتين)) فَجَعَل التفسير بالسَّلام مرفوعًا، وفيه
تردد لأنَّه عند الأَكْثَرِ موقوف فلعله مُدْرَج، وكذلك في حديث التخشع زيادة: ((وتَشْهَد وتُسلم في
كلِّ ركعتين)). والحديث إنْ كان مِنْ مُسْنَد الفضل بن عباس كما صوَّبه البخاري فليس فيه التقييد
بصلاةِ الليل ولا زيادة السَّلام، وإنْ كان من مُسند المطلب ففيه ذلك، وقد أَخْرَجَه في المُسْنَد
من مسنديهما كليهما، وهذا كلام في صلاة الليل ما الأفضل فيها مثنى أو رباع.
بقيت مسألة الوتر، فاعلم أنَّ الشافعية حَمَلوا قوله: ((صلِّي رَكعة واحدة توتر له)) على
الفَصْلِ. فالوتر ركعة واحدة. قلت أوّلًا: قال ابنُ الصَّلاح: إنَّه لم يثبت منه رَُّ الاقتصارَ على
واحدة، ولا يُعْلَم في روايات الوتر مع كَثْرَتِهَا أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام أوْتَر بواحدةٍ فحسب، كذا
في ((التلخيص)) وتعقبه الحافظ رحمه الله تعالى بما ليس بشيء، وإذن حَمْلُه على الإيتار بالواحدة
حمل على مسائلهم، والذي يتحصل بعد المُرَاجَعَة إلى جميع الألفاظِ أنَّه نحو تعبير وأداء ملحظ
فقط لا بيان مسألة الفَصْل والوَصْل فليراعه النَّاظر، فإنَّ الرَّاوي قد يُؤدي طرفًا من الكلام ويحمله
آخر على طرف آخر، فيفقد مراده، ويكونُ من باب توجيه القائِل بما لا يَرْضَى بِهِ قائله.
ألا ترى أنَّ عائشةَ رضي الله عنها تروي الإِيتار بالواحدة وهي التي تصرح بأنَّه لم يكن
يُسَلِّم بين رَكعتي الوتر، فهل تَرَاهَا تُناقضٍ قولها، أو تلك تفنن في العبارات، وطرقٌ في العد
والحسبان، فأرَادَت تارةً أنْ تَدل على أنَّ الإيتار في الحقيقةِ إنَّمَا تتقوم بالواحدة وإنْ كانت
رَكعات الوتر ثلاثًا بدون السَّلام بينهن، إلا أنَّ صِفَة الإيتار إنَّما حَصَلت فيها من جهة الواحدة
الأخيرة، وهذا أمرٌ بديهي يَعْلمه البُله والصبيان، أنَّ الإيتار لَا يَحْصُل إلا بِهَا فلم تَتَعرض فيه إلى

٩٣
كتاب الصلاة
مَسْأَلةِ الفصل والوصل، والسَّلام وعدمه، وإنَّما أَرَادَت أنَّ صلاة الليلِ إذا كانت مَثْنَى مَثْنَى فكيف
صارت وِتْرًا، فَدَلَّت على أنَّ الواحدة الأخيرة هي التي تَتَقوم بها صفة الإيتار فهي موترة،
وأَوْهَمت عبارتُها الفَصْلَ بالسَّلَام ولم يكن مرادها .
ولذا انحلت ثلاث الوتر إلى شفع ووتر، لأنَّ الوترَ في الحقيقة هي الواحدة بمعنى أنَّ صفةً
الإيتار في مثناه إنَّما جاءت من قِبَلِ تلك الواحدة، وأرادت تارة أنْ تُقَسم صلاةَ الليل إلى حِصَص
لإظهار الوَقْفَة في البين كأربع أربع، أو بين صلاةٍ الليل والوتر، وإذن كان محط كلامها إفراز
حِصة حصةٍ لَا بيان الشَّفْعية والوثْرِيَّة كما كان في الصورة الأولى، فلم تحلِ الوتر إلى جزأين.
وقالت: يُصلِّي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن)) إلى أن قالت: ((ثم يصلِّي بِثلاث))، ونزلت
تارة على التصريح بِمَسْأَلة السَّلام فصدعت أنَّه لم يكن يُسلم في رَكعتي الوتر كما عند النَّسَائِي،
فوقعَ الأمر أنَّه كما رَجَحَت كفة طاشت الأخرى فليعتبره.
ثم اعلم أنَّ الأصل الذي لا محيد عنه أَنَّ أمرَ الفصل والوصل يدور على وَحْدة الصَّلاة
وتعددها، وهو يدور على تسميتها باسم مُخْتَص، والوتر عندنا اسم لثلاث رَكَعَات بسلامٍ واحد،
وجَعْل الشَّفْع السابق من الوتر مع الفصل بِسَلَام لا يَرْجِع إلى حقيقة، فإنَّ مَنْ فَصَلَ وسلَّم فقد
أَوْتَر في الحقيقة بركعة واحدة، وإطلاقُ الوترِ على ثلاث ركعات على هذا التقدير مجرد اعتبار
ذهني، لأنَّ حال هذا الشَّفع حينئذٍ كحال الشفعات قبله لا فَرْقَ بينه وبينها، فإنْ ثبت أنَّ الوتر
عبارة عن ثلاثٍ رَكَعَات لَزِمَ أنْ تكون تلك الواحدة موصولة بشفعها، لأنَّها لو كانت مفصولة
كانت هي الوتر ولا يبقى لها علاقة مع الشَّفع الذي قبلها .
اللهم إلا باعتبار الذهن، وإنْ ثَبَتَ أنَّه عبارة عن رَكعة وَجَبَ أنْ تكون مفصولة قطعًا فإنَّها
هي الصَّلاة المعتبرة الموسومة باسم مُسْتَقِلٌّ على هذا التقدير، فلا معنى لاعتبار الشُّفْعَة السابقة
معها، وعليه يدور حديث ((مِفْتَاح الصَّلاة الظُّهور، وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم)). يعني أنَّ
الصَّلَاةَ الواحدةِ تكون لها تحريمة تَدْخُل بها فيها، وتحليلًا تخرج عنها، فإذا كَبَّرْتَ فقد دخلت
في الصَّلاة، وإذا سلَّمْتَ فقد خرجت منها، فإذا كانت الصَّلاة واحدة تكون تحريمتها وتحليلها
أيضًا كذلك، لا أنَّها تَبْقَى واحدة، ولو سَلَّمْتَ في خلالها فالصَّلاة الواحدة لا تَتَحمل إلا تسليمة
واحدة كما لا تَتَحمَّل إلا تحريمة كذلك، وحينئذٍ لو سَلمتَ فِي ركعتي الوتر لا تكون المجموع
صلاة واحدة، فَأَمْر الفصل والوصل يبْني على وحدة الصَّلاة، لا على هذه التعبيرات التي جاءت
على ملاحظ مختلفة .
وإذن حديث: ((إذا خَشي أحدكُم الصُّبْح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى))، على
شاكلةَ ما عندَ الطَّحاوي عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «مَنْ أَدْرَكَ من صلاةِ الغداة رَكْعة
قبل أنْ تَظْلَعَ الشمس فليصلّ إليها أخرى)). فهل ترى تلك الرَّكعة مفصولة أو موصولة فكما أنَّ
تلك الرَّكعة موصولة لأنَّها اعتُبرت جزءًا من صلاة الغداة وهي صلاة واحدة مُسَمَّاة باسم منفرد،
كذلك الركعة في قوله: ((صلى رَكعة واحدة)) موصولة مع الشَّفْع الذي قبله لكونها جزءًا لصَلاةٍ
واحدة مسمَّاة باسم الوتر، وهو ثلاث ركعات عندنا .

٩٤
كتاب الصلاة
وإنَّما أوردناه نظيرًا على معناهُ المشهور، وإلا فالأمْرُ عندي ليس كما زعموه، وفيه كلامٌ
طويل ذكرته في موضعه، وما يدلك على كَوْنِ الثَّلاث صلاة واحدة تَمَيزُهَا بالقراءة مِنْ صَلَاةِ
الليل، والصَّلاة الواحدة المفردة بالاسم المتميزة بالقراء لا يُعرف فيها الفصل، فعند الترمذي
وغيره عن ابنِ عباس رضي الله عنهما ((كان رسولُ اللَّهِ وَلّ يقرأ في الوتر بسبح اسم ربك
الأعلى، وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد، في رَكعة رَكعة)) اهـ.
ثُمَّ الشَّارع إذا لم يُعْطِ لهذه الواحدة ما يَخْتَص بها مِنْ طريقة، ولم يَذْكُر لها تحريمة على
حِدَةٍ نجعلها مما قبلها ونَصِلها بها مشيًا على لفظه متى أردنا الانصراف، ولا نزيد سلامًا من
عندنا لأنَّه أَمَرَنَا عند إرادة الانصراف أنْ نوتر بواحدة فلا نَرَيد عليه شيئًا مِنَ السَّلام، بل نقوم كما
نحن بدون سلام، ولا نعدها صلاة على حِدَة، بل ندعها على حال التَّتِمّة من الشَّفَع الذي قبله إذ
الأشفاع السابقة قد فُصِلت قبل هذه الإرادة بخلاف هذا الشَّفع الأخير وعليه سَنَحت لنا إرادة
الانصراف، وعند ذلك أُمِرْنا بالرَّكعة فنكْتَفِي بما أمرنا ونعدها كالتتِمَّة لما سبق، فتكون موصولة
لا مَحَالة كما زيد في صلاة الحضر وكانت تتمة موصولَة لا مَفْصُولة، كذلك تلك الرَّكعة كانت
كالتتمة فلا نَفْصُلها .
والحاصل: أنَّه أبرز الواحدة على حِدة فِي العبارة فقط لا على الفَصلِ فِي العمل، وإنما
لم يقل: فليوتر بثلاث من أول الأمر، لأنَّ له مكنة أَنْ يوتر بواحدة، أي مثانية شاء فله أنْ يوتر
مثناه الأول أو الثاني إلى غير ذلك، فالمقصود هو الإِيتار فِي الآخرِ، ولا بد أنْ يكونَ هناك
موتَرًا - بالفتح - ليوتره وهو الشَّفْع، وإذا كان أقل ما يوتره هو الشَّفْع خَرَجَ أنَّ الوتر ثلاث، وإذا
كان صلاة برأسها خَرَجَ أنْ لا تَسْلِيم بينها، بَقِي الأحاديث على تصريح الثَّلاث فكثيرة مسرودة
في مواضِعها، وإنما أردنا ههنا أنْ نَتَكَلم على ألفاظِ هذا الحديث فقط، ثم قد يتخايل أنَّ
الحديثَ يُخالف وجوبَ الوتِر لأنَّه إذا جَاءَ يُصَلِّي مَثْنَى مَثْنَى فإذا بلغ إلى المَثْنَى الأخيرة وهَجَم
الصُبْحُ، يزيد رَكعة واحدة أخرى على نص الحديثِ، ويكون ذلك وترًا لهُ مَعَ أنَّهُ لم يَنْوِ إلا
تطوعًا، فإمَّا يلزم أنْ تكونَ هذه مثل صلاة الليل فِي النِّية فينحَط الوتر عن رُتبته، أو تَتَرَقَى صلاةٌ
الليل عَنْ رُتبتها .
قلتُ: إنَّما عَلَّمَهُ الشارع بهذا الحديث مسألةُ إيتار صلاةِ الليل واختتامها به، أمَّا مسألة
النِّية فكما سلكته الشريعة في سائر الصَّلوات لم يُعْطِ فيها تفصيلًا في هذا الحديث، والنِّية عبارة
عندهم عن إرادةِ إدخال المسمَّى في الوجود مثلًا: أُصلي الوتر أو الُهر أو العصرِ، أمَّا كونه
فرضًا أو واجِبًا فأمرٌ يَلْحَقُه مِنْ خارج، وليس داخلًا في نفس النِّية، فإذا سَمَّت الشَّريعةُ صلاةً
باسم على حِدَة وبيَّنت صفتها وهيأتها وميَّزَتْهَا عن سائرِ الصَّلوات كفى له في أمرِ النِّية إدخالها
في الوجود فقط ناويًا مسمَّى ذلك الاسم، وهو الذي أراده الفقهاء من قولهم: والشَّرط أنْ يَعْلَمِ
بقلبه أي صلاة يُصلِّي، فهذا القَدْر هو المعتبر عندَهُم في النِّية، وإنَّما عَلَّم الشارعُ هذا السائلَ أنَّ
وِتْرَه يَتَضَمَّن شَفْعًا ووترًا. والمجموعُ وتره ليكون على علم منه في مستقبل الزمانِ، وليكون على

٩٥
كتاب الصلاة
أهبة مِنْ أمْرِهِ قَبْلَ هجوم الصُّبْح عليه، فهو يُصلِّي صلاةَ اللَّيل وينوي في آخرها ما قد تَعلَّمه
وحَفِظَه وترًا في الهيأة مَنْ أوَّل الأمر، وهذا يَكْفِي في أمر النِّيةِ أي كفاية.
وأمَّا فَرْض أَنَّهُ يُصلِّي ذَاهِلًا عَنْ أَمْرٍ والوتر فإِذَا هَجَمَ الصُّبح ولم يَبْقَ إلا مِقْدَارَ رَكعة بادَر
إلى والوتر، فَهَذَا فَرْض لا يقع في العمر مرة فخشيةِ الصبح وإدراكه المُصلي طريقة بيان فقط،
ونحو التعبير يأتي في تعليم من لا يَعْلم هكذا إلا أنَّهُ يجريه كذلك كل يوم فِي عُمْرٍهٍ ويستعمله
طُول دَهْرِهِ.
٤٧٢ - قوله: (واجعلوا آخر صلاتِكم) ... إلخ على اللَّغة الصَّرْفَة، ولم يرد بالوتر الصَّلاة
المعهودة المُتَمَيزة باسم على حِدَة، وإلا لَقَالَ اجعلوا الوتر آخِر صلاتِكُمْ، والأمرُ فيهِ على
الاستحباب لا على الوجَوبِ، فهوَ لتَحْصِيلِ فضيلة الإِيتار في الآخر، وإنَّ الله وتر يحبُ الوتر،
وَحَمَلَهُ بعضُهم على ظاهره حتى قال بنقضِ الوتر، فَمَنْ كانَ أوتر في أول الليل. ثم استيقظ فِي
آخره وبدا له أَنْ يُصلِّي صلاةَ الليلِ، عليه أَنْ يَنْقُضَ وِتْرِه برَكْعة ثم يُوتر في آخرِ صلاته لأجل هذا
الحديثِ. وقد عَلِمت أنَّ الآَخِرِيَّةَ مطلوبة لكن لا بحيثُ يُوجِب نَقْض المُؤَدَّى، وكذلك لا يذهب
وَهَلَك إلى أنَّ الوتر لمحض محبة الإِيتار وليست صلاة برَأْسِهَا، فإذا لم تجب صلاةُ الليلِ كيف
تجب الوتر لأَنَّهَا صارت صلاة برأسها أيضًا، كما يدل عليه قوله وَّه: ((إنَّ الله أَمَدَّكم بصلاةٍ هي
خير لكم من حُمْر النِّعم)) وأَمَرَ غير واحد من الصحابةِ أنْ يُصلُّوها بعد العشاءِ إذا لم يثقوا بالانتباه
في آخرِ الليل، فدلَّ على أنَّهَا صلاة مستقلة كوتر النَّهَارِ وهي صلاةُ المغرب، وإنَّما اشتبه الأمرُ
ولم يَتَمَّيَّز إذا كانت فِي آخرٍ صلاة الليل وعُدَّت من سلسلتها، وأما إذا نُقلت إلى أول الليل
تميزت عن غيرِهَا كما تميزت بإِفراد قرابتها ورَكَعاتها وقضائها (١).
٨٥ - باب الإِسْتِلِقَاءِ فِي المَسْجِدِ، وَمَدِّ الرَّجْلِ
٤٧٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيم، عَنْ
عَمِّه: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ بَّهُ مُسْتَلِقِيًا فِي المَسْجِدِ، وَاضِعًا إِحْدَى رِجْلَيهِ عَلَى الأُخْرَىِ. وَعَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ يَفْعَلَانِ ذلِكَ. [الحديث ٤٧٥ - طرفاه
في: ٥٩٦٩، ٦٢٨٧].
وإنَّما نهى عنه لِمَخَافَةِ الانكشاف إذا لم يَتَحقَّظ أمره، فإن كان متيقظًا متحفظًا لحاله
جاز، ومِنْ ههنا عَلِمْتَ أنَّ الحكم في الشريعة قد يَرِدُ على علة ولا يجب تحققها في كلِّ
فَرْدٍ، نعم يجب في الجنسِ أو النَّوعِ المنضبط، وقَد يَنْقَسِم الحُكم على العِلَّةِ كَمَا تَرَى
ههنا في الاستلقاء.
(١) قلت: هذه عدة مباحث التقطتها من رسالة كشف الستر عن مسألة الوتر للشيخ رحمه الله تعالى على ما أدى إليه
فكري مع إيضاح وبيان من عندي، وأين النقل من الأصل فإن كنت تريد البسط فراجعها وإنما لم أنقلها بألفاظها
ليكون أسهل تناولا للطلبة أهـ. وسائر مباحثه فسنذكرها في باب الوتر إن شاء الله تعالى.

٩٦
كتاب الصلاة
٨٦ - باب المَسْجِدِ يَكُونُ فِي الطَّرِيقِ
مِنْ غَيرِ ضَرَرٍ بِالنَّاسِ
وَبِهِ قَالَ الحَسَنُ وَأَيُّوبُ وَمالِكٌ.
٤٧٦ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرِ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ قَالَ:
أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ: أَنَّ عَائِشَةُ زَوْجَ النَّبِيِّ ◌َةٍ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلَّ أَبَوَيَّ إِلَّ وَهُمَاً يَدِينَانِ
الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَاَ يَوْمٌ إِلَّ يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ وَيهِ، طَرَفَيِ النَّهَارِ: بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، ثُمَّ
بَدَا لأَبِي بَكْرٍ، فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ القُرْآنَ، فَيَقِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ
المُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ، يَعْجِبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرِ رَجُلًا بَكَّاءً، لَا يَمْلِكُ عَيْنَيهِ
إِذَا قَرَأَ القُرْآنَ، فَأَفزَعَ ذلِكَ أَشْرَافَ قُرَيشٍ مِن المُشْرِكِينَ.
[الحديث ٤٧٦ - أطرافه في: ٢١٣٨، ٢٢٦٣، ٢٢٦٤، ٢٢٩٧، ٣٩٠٥، ٤٠٩٣، ٥٨٠٧، ٦٠٧٩].
يعني إذا بَنَى أحد مسجدًا في طريق ومَمَرِّ النَّاس ولم يكُن منهُ ضررًا لأحد جاز، وضَيَّقَ فيه
فقهاؤنا إلا عند إذن الوالي أو القاضي كما في إحياء الموات. قلتُ: والأقربُ عندي أنْ يقسم
على الحالات، فإنْ ظَهَرَت فيهِ مماكسةٍ مِنَ النَّاسِ يَنْبَغِي أنْ يتوقف على الإذن وإلا لا، وهذا
أيضًا مِنَ الأشياء التي لا يَنْبَغِي إذْخَالُهَا في الفِقْهِ، وقد نَبَّهتكَ على أنَّ مَنَ الأشياء ما لا يَدْخُل
تحت مسائلهم ويصح، ويجري على طريق المروة.
فالحاصل: أَنَّ المسائلَ قد تَخْتَلِف باعتبارِ عادات البلدان أيضًا فلينظره أيضًا .
حكاية: كَتَبَ الشاه ولي الله رحمه الله تعالى في ترجمة "ميرزا الهروي" وكان والده
تلميذًا للهروي، فَذَكَر أنَّ الهروي كان قاضيًا في بلدة "آكره" فصنع للشاه عبد الرحيم رحمه الله
تعالى طعامًا، وكان شهر رمضان فَحَضر وقت الإفطار، فَسَمِعَ صوت رجلٍ يبيع الكَبَاب فدعاه
واشْتَرَى منه كَبَابًا، فقال له الشاه عبد الرحيم رحمه الله تعالى: إنَّهُ بَاعَ منك بأنقص من ثمنه
المعروفِ، فلمَّا نظر فيه الهروي عَلِمَ أنَّه كذلك، فلمَّا سأله قال له: إنَّما فعلته رجاء أنْ تُرَاعِي
في حُكْمِك، فإنَّ قطعة من دُّاني كانت نحو الطريقِ، فَأَمَرْتَ بهدمها، فراعيت معك في الثمن
لعلك تراعي في حُكْمِكَ أيضًا، فقال لَهُ الهروي: ويلك لقد أفْسَدت علينا صومنا من رشوتك
هذه .
قلت: فهذه ديانة أهل المَعْقُول في الزمان الماضي ولن تَرَ مثلها اليوم ممن كان مُحدِّثًا أو
فقيهًا !! فيا أسفًا كيف انقلب الزمان ظهرا لبطنَ والله تعالى هو المستعان.
٨٧ - باب الصَّلاَةِ فِي مَسْجِدِ السُّوقِ
وَصَلَّى ابْنُ عَوْنٍ فِي مَسْجِدٍ فِي دَارٍ يُغْلَقُ عَلَيهِمُ البابُ.
٤٧٧ - حدّثنا مُسَدَّدْ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ

٩٧
كتاب الصلاة
أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ قَالَ: ((صَلَاةُ الجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ
خَمْسًا وَعِشْرِيْنَ دَرَجَةٌ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ، وَأَتَى المَسْجِدَ، لَا يُرِيدُ إِلَّا
الصَّلَاةَ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَظَّ عَنْهُ خِطِيئَةً، حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ،
وَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ، كانَ فِي صَلَاةٍ مِا كانَتْ تَحْبِسُهُ، وَتُصَلِّ - يَعْنِي - عَلَيهِ المَلَائِكَةُ، ما
دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ،َ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، ما لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ)). [طرفه
في : ١٧٦].
وهذا ناظر إلى كونِ الأسواقِ شَرُّ البقاع والمساجد خير البقاع فإذا بني المسجد في شر
البقاع فهل يصير خير البقاع مع كونه شر البقاع، وهل يَحْصُل فيه تضعيف الأجر وثواب الجماعة
أو لا .
قوله: (وصلَّى ابن عون) وقد مَرَّ مني في (شرح المُنية)) أَنَّ المُصلِّي في البيت مَعَ الجماعةِ
لا يُعد تاركًا لهاء نعم يُفوت عنه فضل الجماعة (١).
٤٧٧ - قوله: (صلاته في سوقه) وظَنِّي أنَّ الحديث سِيقَ بناءً على عادَتِهِم في عَهْدِ النُّبوة
مِنْ أَنَّ المساجدَ لم تكنْ في أسواقِهم، فإِذَا كانت أسواقُهم خالية عن المساجد لا تكونُ صلاتُهم
فيها إلا منفَرِدين وعلى هذا يُقَابِل صلاةُ الجميع بصلاتِهِ في سوقِهِ بناءً على أنَّه منفرد فِي سُوقِهِ (٢)
كما في البيت وليس مِنْ بابِ تَقَابل الجماعة بالجماعة في السُّوقِ، نَعَم لو فُرِضَ أنَّ أحدًا بَنَى
مسجدًا في السوق ماذا يكون حكمه؟ فجوابه على قواعد الشريعة أنَّه يَصيرُ مسجدًا ويَحْصُل فيه
ثواب الجماعة، وحينئذٍ ترجمته ليست مستفادة من الحديث.
ثم علم أنَّ صلاةَ الجماعة واحدةٌ بالعددِ عندنا، لا صلوات بعدد من فيها كما هي في
العرف والعادة وعليه قوله ◌َيقول: ((أعجبني أنْ تكونَ صلاة المسلمين أو المؤمنين واحدة)) وعليه
قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] فصلاة الجماعة مفردة لا تثنية ولا
جمع، وإنما يحللون إليها حيث دعت إليه حاجة، ولذا قال: صلاة الجميع ولم يقل صلوات
الجميع وهي عند الشافعية رحمهم الله تعالى عبارة عن الصلوات المجتمعة في المكان الواحد
مع وظيفة كلٍ على حِدَة، فالمقتدون كلُّهم أمراء أنفسهم وكل على حيالهم، وإنَّما يتبعون الإمام
في الأفعال فقط حتى إنَّ فَسَادَ صلاة الإِمام لَا يَسْرِي إلى صلاتهم، فهذا هو حقيقة الجماعة
لعل هذا سهو من فضيلة الجامع في الضبط أو زَلّة مِنَ القَلم، والصحيح: يفوت عنه فضل المسجد. وهكذا أتذكر
(١)
من ((الفتاوَى الخانية)) فإِنَّ صرَّحَ فيها بإِذْرَاك فَضْلِ الجماعةِ وراجعتُ ما ضبطه صديقنا مولانا عبد العزيز
الكاملفوري فوجدتُ فيه أيضًا كما ظَنَتُه فليراجع إلى ((شرح المنيةَ)» ليتضحَ الحالُ والمرادُ من ((شرح المنية» هنا
هو ((الشرح الكبير)) عليها للشيخ إبراهيم الحَلَبي وقد طُبع بالهند غير مرة. البَنُّوري.
(٢) قال النَّووي في شرح مسلم، إِنَّ المراد به صلاته في بيته وسوقه مُنْفَرِدًا هذا هو الصَّواب، وقيل فيه غير هذا،
وهو قول باطل نبهت عليه لئلا يغتروا به.
٠٠٠

٩٨
كتاب الصلاة
عندهم. إذا علمت هذا فاعلم أنَّ حديث: ((لا صلاة .. )) إلخ لا يَصلُح أن يُحْتَج به على قراءة
المقتدي، لأنَّه لا يدل إلا على فاتحة واحدة في صلاة واحدة، وقد قلنا به، فَإِنَّ صلاة الجماعة
صلاة واحدة بالعدد في نظر الشريعة، وحينئذ لا تجب فيها إلا فاتحة واحدة وقد كَفَّاها الإِمام.
وسیجيء الكلام في موضعه.
قوله: (خمسًا وعشرين) وجَمَعَ الحافظُ رحمه الله تعالى بين خمس وعشرين وسبع وعشرين
بحمل الأوَّل على السِّريَّة، والثاني على الجهرِيَّة، ثم دار البحث في أَنَّ الفضل المذكور بين
المنفرد وبين المصلي بالجماعة، وبين المسجد والبيت، فأقام الشيخ تقي الدين ههنا بحثًا
أصوليًا وقال: إنَّ قوله ((فإِنَّ أحدَكُم ... )) إلخ علة منصوصة فلا يجوز إلغاؤها، وحينئذٍ يَختَص
تضعيف الأجر بمن أتاها من البعد فلا يحصل التضعيف لمن صلى في بيته بالجماعة.
قلتُ(١): وهذه الأشياء وإنْ كانت دَخِيلة في التضعيف لكنَّها ليستِ مناطًا له، فإِنَّ الحديث
إنَّما وَرَدَ على عُرْفِهِم فإِنَّهم إذا طَمِعوا في إذْرَاهِ الجَمَاعة لم يكونوا يُصلُّونَها في البيوتِ، وكانوا
يَذْهبون إلى المساجد فإِنْ فاتتهم الجماعة صلَّوها في البيوت فجماعتهم لم تَكُن إلا في
المسجد، ولم تَكُن في البيت إلا الصَّلاة منفردًا، وقد تغير العُرف فِي زماننا فجَعَل بعضُ
المترفهين يَجْمَعُون في بيوتهم وليس الحديث على هذا العُرف، وبالجملة ينبغي للمجتهدِ أنْ
يُدير التضعيف وعدمه على الاجتماع والانفراد دونَ المسجد، والبيت، وكذلك ورد في الحديث
وضوؤهم على عادتهم في الإِتيان إلى المساجد، لكونِهِ مناطًا حتى إذا لم يأتِ مِنْ مكانهِ متوضئًا
أَوْ أَتَى من مكانٍ قريب أو صَلَّى في بيتهِ بالجماعة أَدْرَك هذا الأجر فليخرج المناط وليحترز عن
المشي على القواعد فقط .
ثم الحديث إنما سيق لبيان الفَرْقِ بين حال الانفراد والاجتماع، أمَّا إذا كانت الجماعة قليلة
والأخرى كثيرة، فإنَّ الثانية للفضل على الأولى بعدد مَنْ فيها، كذا في أبي داود (٢)، والعَجَب من
بَعْضِ الشَّافعية(٣) حيث تمسكوا من حديث الباب على نية الجماعة بأنه إذا كان لِصَلاةِ المنفردِ أجرًا
(١) فعند أبي داود عن أبي هريرة مرفوعًا الأبعد فالأبعد من المسجد أعظمُ أجرًا - ولكنَّه لا دَخْلَ له في الحساب
المذكور - وهو عند مسلم أيضًا وكذا عند مسلم ((دياركم تَكْتُب آثاركم)) اهـ. وجعل في زيادة الأجر لا في نفس
أجر الجماعة، وهكذا حديث ((بشر المشَّائين في الظُلَّمِ بالنَّور التام)). اهـ.
(٢) ولَعَلَّه أَرَادَ ما أخرجه أبو داود في فضل صلاة الجماعة عن أُبي بنِ كَعْب مرفوعًا وفيه: «صلاةُ الرجُل مع الرجل
أَزْكَى من صَلاتِهِ وحدَهُ، وصلاته مع الرجلينِ أَزْكَى من صلاِه مع الرجل، وما كَثُرَ فهو أحب إلى الله عز وجل)).
وحينئذٍ لا تعارض بين الروايتين، فإِنَّ الزيادَةَ بخمس وعشرين أو سبع وعشرين بالنِّسبةِ إلى الانفرادِ والجَمَاعَةِ،
وتلك بالنّسبة إِلى حال الجماعة في نَفْسِها، أي الجماعةِ القليلةِ والكثيرة فاعْلَمه.
(٣) قال النَّووي واحتج أصحابُنا والجمهور بهذه الأحاديث على أنَّ الجماعةَ ليست بِشَرْط لصحة الصَّلاة خلافًا
الداود، ولا فرضًا على الأعيان خلافًا لجماعةٍ مِنَ العُلماء، والمُخْتَار أَنَّها فرض كفاية وقيل: سُنَّة. قلت: ما
تمسك منها على الأمور الثلاثة الأول صواب أما من تمسك بها على الأجر ففيه بُعد كما ذَكَرَه الشيخ رحمه الله
تعالى.

٩٩
كتاب الصلاة
واحدًا دلَّ على اعتبارِهَا وعدم القصور فيها عند صاحبِ الشَّرع، وإنَّما الجماعةُ لمعنى الفضل لا
غير، أقول: ذكر أجر المنفرد جرى في ذيل الحساب لا لما فَهِمُوا وليحذر عن الاستدلال بما يُذْكَر
في الحسابِ والتشبيهات، ألا ترى إلى قوله ◌َ﴿ عند الترمذي ((في كلِّ أربعين درهمًا درهم))، هل
ذَهَبَ أحدٌ إلى إيجابٍ درهم واحد في أربعين؟ وذلك لأنَّه ذُكِر لبيان الحساب فقط لا لبيان
النِّصاب، فالخمسة في المائتين بحساب دِرْهَم في كل أربعين، فالأحكام والمسائل عند ذوي
الألبابِ تُؤْخَذُ من الخطاب لا مما ورد في صَدَر الحساب.
٤٧٧ - قوله: (ما دَامَ في مجلسه) أي لانتظار صلاةٍ أخرى أو لتلك الصَّلاة، وقد وَرَدَ عن
السّلف بالنحوين.
٨٨ - باب تشْبِيكِ الأَصَابِعِ فِي المَسْجِدِ وَغَيرِهِ
٤٧٨، ٤٧٩ - حدّثنا حامِدُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ بِشْرٍ: حَدَّثَنَا عاصِمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا وَاقِدٌ،
عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَوِ ابْنِ عَمْرٍو، قَالَ: شَبَّكَ النَّبِيُّ ◌َِّ أَصَابِعَهُ. [الحديث ٤٧٩ - طرفه
في: ٤٨٠].
٤٨٠ - وَقَالَ عاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا عاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: سَمِعْتُ هذا الحَدِيثَ مِنْ أَبِي،
فَلَمْ أَحْفَظُهُ، فَقَوَّمَهُ لِي وَاقِدٌ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي وَهوَ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ
رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو، كَيفَ بِكَ إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ؟)). بِهذا.
٤٨١ - حدّثنا خَلَّادُ بْنُ يَحْيِى قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي
بُرْدَةَ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي مُوسى، عَنِ النَّبِّ وَ قَالَ: ((إِنَّ المُؤْمِنَ لِلمُؤْمِنِ كالبُنْيَانِ، يَشُدُّ
بَعْضُهُ بَعْضًا)). وَشَبَّكَ أَصابِعَهُ. [الحديث ٤٨١ - طرفاه في: ٢٤٤٦، ٦٠٢٦].
٤٨٢ - حدّثنا إِسْحاقُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شُمَيلِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ
سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ إِحْدَى صَلَاتَي العَشِيِّ -ِ قَالَّ ابْنُ
سِيرِينَ: قَدْ سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلكِنْ نَسِيتُ أَنَا - قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَينٍ ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ
إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي المَسْجِدِ، فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَّدَهُ الْيُمْنِى عَلَى
الْيُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَوَضَعَ خَذَّهُ الأَيمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى، وَخَرَجَتِ
السَّرَعانُ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ، فَقَالُوا: قَصُرَتِ الصَّلَاةُ؟ وَفِي القَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا
أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيهِ طُولٌ، يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَينِ، قَالَ: يَّا رَسُولَ اللَّهِ،
أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتِ الصَّلَاةُ؟ قَالَ: (لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ)). فَقَالَ: ((أَكَمَا يَقُولُ ذُو اليَدَينِ؟))
فَقَالُوا: نَعَمْ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى ما تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَظْوَلَ، ثُمَّ
رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَظْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ. فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ:
ثُمَّ سَلَّمَ؟ فَيَقُولُ: نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَينٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ. [الحديث ٤٨٢ - أطرافه في: ٧١٤،
٧١٥، ١٢٢٧، ١٢٢٨، ١٢٢٩، ٦٠٥١، ٧٢٥٠].

١٠٠
كتاب الصلاة
وما نهَى عنه إلا لأَنَّهُ هيئة قبيحة، ونَهَى عنه في أبي داود عند إتيانِهِ إلى المسجدِ لكونِهِ في
الصَّلَاةِ حُكْمًا، فإِذَا كان لمعنىَ صحيح كما فعله النَّبي ◌َّ لتمثيل الفتن والهَرْجِ والمَرْجِ فهو
جائز، وبالجملة أن التشبيك بدون حاجةٍ ممنوع خارج المسجد أيضًا، وأمَّا من حَاجة فجائز في
المسجد أيضًا .
فائدة
ورأيت عن سُفيان الثَّوري أَنَّ المحدِّثين قد كَثروا اليوم، فلو كان فيهم خيرًا لذهبوا كما
ذهب سائر الخيرات.
حدیث ذي الیدین .
٤٨٢ - قوله: (إلى خشبة معروضة) أي واقع في جانب العَرْض، قيل هي الأسطوانة
الحثَّانة، وفِي ((مسند الدَّاري)): أنَّ النَّبِي بَيَ لمَّا التزمها وسكنت صغي إليها وقال: ((إني كنت
خيرتها بين أَنْ أردها إلى مكانها أو أنْ يأكل منها عباد الله في الآخِرة فاختارت الآخرة)). والمرادُ
بأكلِ عباد الله منها في الآخرة عندي أن تُدفن في رياض الجنة لأنَّها عندي قِطعةٍ مِنَ الجنَّةِ بدون
تأويل، فكانت دُفنت جانب القِبلة عَرْضًا ولعلها كانت تُرَى إذ ذاك شاخصة، قال القاضي:
وكانت هذه الأسطوانة هي الحنانة يعني بعد ما دفنت كانت مرئية إذ ذاك شيئًا منها، ووضِع المنبر
يوم دفنت الحنانة.
وعندي روايات عديدة تدل على تقدم المِنبرَ على البدر بكثير، فتعين أنْ تكون هذه الواقعة
قَبْلَ نَسْخِ الكلامِ.
قوله: (يقال له ذو اليدين) والنَّاس كانوا يَدْعُونَه بذي الشمالين، وإنَّما غَيَّره النَّبِيَِ
وسلّم وقال له ذو الیدین.
٤٨٢ - قوله: (ولم أَنْسَ ولم تَقْصُر) أي على ما في ظَنِّي، وهذا غير رَاجع إلى مَذْهَبٍ
الجاحظ وأوضحه التَّفْتَازَاني فراجعه، واعلم أنَّ أبا هريرة أَنَّه لم يَكُنْ شريكًا في هذه الاقعة
لأنَّه جاء في السَّنَة السَّابِعَة وهذه الواقعة قَبْلَ بَدْرٍ، وما يدلك على أنَّهُ لم يَحْضُر تلك الواقعة
ما أَخْرَجَه الطّحاوي عن ابنِ عمر رضي الله عنه بإِسناد قوي أنَّهُ ذَكَر لَهُ حديث ذي اليدين
فقال: ((كان إسلام أبي هريرة بعدما قُتِلَ ذو اليدين)). ورواتهُ كلهم ثقات إلا العمريِ فإنَّهم
تَكَلَّموا فيه، لكَنْ صَرَّح ابنُ مَعِين أنَّهُ ثقة في نافع، وأمَّا ما رواه أبو هريرة (صلَّى بنا
رسول الله (َّ) فمعناه معاشِرَ المسلمين ولا يُريد به نفسه، ومثل هذه الإضافات وَقَعَتْ في
القُرآنِ والحديثِ فلا بُعْدَ فيه قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَذَلْتُمْ نَفْسًا﴾ ... الآية [البقرة: ٧٢] يعني آباؤكم
أيها اليهود فَنَسَب فعلهم إلى المخاطبين، وَكَمَا قال طَاوس: قَدِمَ علينا مُعَاذ بنُ جبل أي قَدِمَ
بلدَنا، لأنَّ طاوسًا لم يكُن ولا حين قَدِمَ مُعاذ في اليمن، فإنْ قُلْتَ: وهذا في صيغةِ الجمع
سائغ، أمَّا في صيغة المُتَكَلم فلا يُنْسَب ما فعله آباؤك إليك بصيغة المفرد المُخَاطب، فلا يقال
في الآية المذكورة إذْ قَتَلْتَ أَنْتَ أيها الفلان لأنَّه يَقْتَضِي انتساب الفعل إليه حقيقة، والغَرَضُ