Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
كتاب الصلاة
١٢ - بابُ ما يُذْكَرُ فِي الفَخِذِ
وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَرْهَدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ: «الفَخِذُ
عَوْرَةٌ)). وَقَالَ أَنَسُِّ: حَسَرَ النَّبِيُّ ◌ََّ عَنْ فَخِذِهِ، وَحَدِيثُ أُنُسٍ أَسَّنَدُ، وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ
أَحْوَطُ حَتَّى يُخْرَجَ مِنِ اخْتِلَاِفِهِمْ. وَقَالَ أَبُو مُوسى: غَطَّ النَّبِيُّ ◌ََّ رُكْبَتَيهِ حِينَ دَخَلَ
عُثْمَانُ، وَقَالَ زَيدُ بْنُ ثَابِتٍ: أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَيهِ وَفَخِذُهُ عَلَّى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ،
حَتَّى خِفتُ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي.
قوله: (ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما) ... إلخ هكذا قال الحنفية رضي الله
عنهم: أن الفخذَ عورةٌ. والمصنّف رضي الله عنه وإن مر منه إلَّا أنَّ الترمذيَّ أخرجه من وُجُوهٍ
وحسَّنَه، وتحسينُ الترمذيِّ معتبرٌ عندي، وقيل: إنه متساهل في التحسين، ثم قيل: إن أكثرَ أفراد
ابن ماجه ضِعَاف، والمراد من الأفراد عندي الرواةُ دونِ الروايات، لأني وجدتُ فيما أُفرد به
ابن ماجه أحاديثَ صحيحة أيضًا، نعم، رواته المختصة قلَّما وجدتهم يبلغون الصِّحة.
والذي يَظْهَر من صنيع المصنّف رضي الله عنه أنه مال إلى مذهب مالك رضي الله عنه،
وحمل ما ذهب إليه الحنفية على الاحتياط.
قوله: (وحديث جَرْهَدٍ أحوط) يعني خروجًا عن الخلاف. وقد مر في آخر كتاب الغسل
أن الأحوطَ قد يُطلقُ على الواجب أيضًا عند تعارض الأدلة.
قوله: (غطى النبي ◌َُّ ركبتيه) ... إلخ يمكن أن يكونَ ثوبُهُ إلى انتهاءِ الركبة، ثم إذا دخلَ
عثمان جرَّه إلى ما تحته، وهذا في التعبير واسعٌ.
قوله: (وفخذه على فخذي) وليس فيه أن فخذَه كانت مكشوفةً، فَذِكْرُه إذن من مُلحقاتِ
الباب، ويمكن أن يكون غرضُ المصنفِ رضي الله عنه أنَّ الفخذَ لو كانت عورةً لما وضعها على
الفخذ. وللمجيبِ أن يقول: إن في وضع الأعضاءِ بعضها على بعض مراتب، فأهل العُرف لا
يبالونَ بوضع الفخذ على الفخذ إذا كانت مستورةً بثوب، بخلاف الأعضاء الغليظة، فهم يراعون
هذه الأشياء من عند أنفسهم، كرفع القميص عن السراويل، وككبس الأرجلٍ إلى أين ينبغي.
ولعل المصنفَ رضي الله عنه أراد بيان هذه المسألة فقط، يعني أنَّ الفخذَ على الفخذِ متحملٌ،
ولم يرد الاستدلال به.
قوله: (أن ترضَّ فخذي) من أعباءِ الوحي، ولم يكن يتحمّلُها أحد غير ناقته القَصْوَاء،
ولعله لاعتيادها بها. وحصول المناسبة شيئًا كأبي بكر رضي الله عنه، فإنه لم يكن يسمع صوتَ
الوحي غيره.
٣٧١ - حدّثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ
العَزِيزِ بْنُ صُهَيبٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ غَزَا خَيْبَرَ، فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلَاةَ الغَدَاةِ
بِغَلَسِ، فَرَكِبَ نُّبِيُّ اللّهِ وَلِّ، وَرَكِبَ أَبُو طَلحَةَ، وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلحَةَ، فَأَجْرَى نَبِيُّ
اللّهِ وََّ فِي زُقَاقٍ خَيْبَرَ، وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُّ فَخِذَ نَبِيِّ اللَّهِ وَ لَّهِ، ثُمَّ حَسَرَ الإِزَارَ عَنْ فَخِذِهِ،
1

٢٢
كتاب الصلاة
حَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضٍ فَخِذٍ نَبِيِّ اللَّهِ وَ﴿ِ، فَلَمَّا دَخَلَ القَرْيَةَ قَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ
خَيَبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةٍ قَوْمٍ فَسَاءً صَبَاحُ المُنْذَرِينَ)). قَالَهَا ثَلَاثًا، قَالَ: وَخَرَجَ القَوْمُ إِلَى
أَعْمَالِهِمْ، فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ - قَالَ عَبْدُ العَزِيزِ: وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: وَالخَمِيِسُ، يَعْنِي
الجَيش - قَالَ: فَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةٌ، فَجُمِعَ السَّبَيُّ، فَجَاءَ دِحْيَةُ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَعْطِنِي
جَارِيَةً مِنَ السَّبْي، قَالَ: ((اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً)). فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيّ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى
النَّبِيِّ ◌َِّ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَعْطَيتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةً بِنْتَ حُيَيّ، سَيِّدَةَ قُرَيظَةَ وَالنَّضِيرِ؟ لَا
تَصْلِحُ إِلَّ لَكَ، قَالَ: ((ادْعُوهُ بِهَا)). فَجَاءَ بِهَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ◌َ لهَ قَالَ: ((خُذْ جَارِيَةً
مِنَ السَّبْي غَيْرَهَا)). قَالَ: فَأَعْتَقَهَا النَّبِيُّ ◌َ﴿ وَتَزَوَّجَهَا. فَقَالَ لَهُ ثَابِتٌ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، مَا
أَضْدَقَهَا؟ قَالَ: نَفسَهَا، أَعْتقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالطَّرِيقِ، جَهَّزَتْهَا لَهُ أُمُّ سُلَيمِ،
فَأَهْدَتْهَا لَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَأَصْبَحَ النَّبِيُّ نَّهِ عَرُوسًا، فَقَالَ: ((مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيءٌ فَلَيَجِيءُ بِهِ).
وَبَسَطَ نِطْعًا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَدْ ذَكَرَ
السَّوِيقَ، قَالَ: فَحَاسُوا حَيسًا، فَكَانَتْ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَه. [الحديث ٣٧١ - أطرافه في: ٦١٠،
٩٤٧، ٢٢٢٨، ٢٢٣٥، ٢٨٨٩، ٢٨٩٣، ٢٩٤٣، ٢٩٤٤، ٢٩٤٥، ٢٩٩١، ٣٠٨٥، ٣٠٨٦، ٣٣٦٧، ٣٦٤٧،
٤٠٨٣، ٤٠٨٤، ٤١٩٧، ٤١٩٨، ٤١٩٩، ٤٢٠٠، ٤٢٠١، ٤٢١١، ٤٢١٢، ٤٢١٣، ٥٠٨٥، ٥١٥٩، ٥١٦٩،
٥٣٨٧، ٥٤٢٥، ٥٥٢٨، ٥٩٦٨، ٦١٨٥، ٦٣٦٣، ٦٣٦٩، ٧٣٣٣].
٣٧١ - قوله: (غزا خيبر) في السنة السابعة.
قوله: (بغلس) وتعرُّضُ الراوي إلى الثَّغليس كالاستغراب، يدلُّ على أنه لم يكن من عادتِهِ
الشريفة، ثم إنه كان لأجلِ الغزوة، لا لأنه كان من سُنة الصلاة.
قوله: (فأجرى) أي مركوبه، إما ليسطو عليهم، أو لإلقاء الرُّعبِ عليهم.
قوله: (ثم حسر الإزار عن فخذه) وعند مسلم: ((انحسر))، فلم يدل على أنَّه كَشَفَها قصدًا،
على أن في ((القاموس)) أن حسر لازم أيضًا، فعلى هذا جاز أن يكون الإزارُ فاعلًا له، لا سيما
إذا كان عند مسلم: ((انحسر)) على أنه يمكنُ أن يكون حَسَرَ الإزارَ بمعنى وَسَّعَه لئلا يلزقَ بفخذه،
وحينئذٍ يجوزُ أنه كان حسر الإِزارَ عما يجوزُ الحسرُ عنه، فانحسرَ عن فخذه، كما يتفقُ في
الإزار.
ثم عند البخاري في موضع آخر: ((وإن قدمي لتمسُّ قدمَ النبيَِّ)) مكان ((فخذ النبي ◌َّ)).
وفي ((الفتح)) عن ((صحيح الإسماعيلي)): ((أنه مشى نبي الله بَّ في زُقَاق خيبر إذ سقط الإِزار))
وهو أيضًا يدلُ على عدم القصد. وقال القرطبي: إن حديث أنس رضي الله تعالى عنه ورد في
قضية معينة في أوقات مخصوصة، يتطرقُ إليها الاحتمالات، بخلاف حديث جَرْهَد، لأنه يتضمن
تشريعًا عامًا. وقال النووي: ذهب أكثر العلماء إلى أن الفخذَ عورةٌ، وقد يتعسر على البعض
جَرَيان مثل هذه الأمور على النبي ◌َّر، فيتمنَّون أن لا يكون جَرَى على النبي ◌َِّ شيء مما لا
يحبه الشارع.

٢٣
كتاب الصلاة
قلتُ: وهذا غير كائنٍ، فإنّه أُلْقِيَ عليه النومُ في ليلة التَّعْرِيس، وأُلقي عليه النسيان حتى
قام للصلاة وهو جنبٌ، ثم تُذكَّر قبل التحريمة. وقد مر بحثه. وأُقيم موسى عليه السلام بين قومه
عُريانًا. قال المتكلمون: إن ما يعدُّونَه خلافَ المروءةِ لا يجوز وقوعهُ على الأنبياء عليهم
الصَّلاة والسَّلام.
قلتُ: كشف الفخذِ لو كان وقعَ لم يكن خلافًا للمروةِ عند العرب أصلًا، كما عُرِفَ من
حالهم في التعري، حتى في الطواف أيضًا، والسر فيه أن وقوع هذه الأشياء مرةً أو مرتين في
مُدة عُمْره لأجلِ مصلحةٍ لا يعدُّ شَيْئًا، وإنما يعدُّ خلافُ المروءة إذا تكرر وقوعُها وتساهَلَ فيها
صاحبها .
قوله: (بساحة) آنكن يعني مكانون كي سامنى.
قوله: (والخميس) سُمِّيَ به لأنه يشتملُ على مقدمة، وسَاقَةٍ، وقلبٍ، وجناحان.
قوله: (عَنوة) أي قهرًا. وقال الشافعي رحمه الله تعالى: إن مكة فُتحت صُلحًا. وكنتُ
متحيِّرًا في أنه إذا عدَّ هذا الفتح صُلحًا مع هذه الحروب والضروب، فما الفتحُ عَنوة عنده؟
وتشوشَ فيه الحافظ رحمه الله تعالى أيضًا، ثم تبين لي أنه اعتبره صُلحًا، لأنهم التجأوا إليه
آخرًا، فأولُ أمرِهم وإن كان القِتالُ، لكنهم إذا صالحوا آخرًا، وكَفَّ عنهم القتالُ عُدَّ الفتحُ
صلحًا. وبوب عليه الطحاوي.
قوله: (فجمع السبي) من النِّسْوان والصبيان، لأن العربَ لا يُسترقُّ رِجَالُهم، وليس فيهم
إلا الإسلام أو السيفُ عندنا، ثم إن أهلَ خيبر كانوا يهودًا .
قوله: (خذ جارية) وعند مسلم: ((أن النبي ◌َ﴾ اشترى صفيةً منه بسبعة أرؤوس))، وفي
النقول أنه أعطاه ستة. ثم إني علقت تذكرةً مستقلةً على أن جملةً أنكحةِ النبي و ﴿ كانت من
أسباب سماوية، وصفيةُ هذه قد كانت رأت رؤيا: أن البدر نَزَلَ في حِجْرِهَا، فقصَّتْها على
زَوْجِهَاً فلطمها، وقال: أتريد أن تنكحي بهذا الرجل؟ يريدُ النبيَّ وََّ، فكان كما رأته.
قوله: (أعتقها وتزوجها) وقد ذهب بعضُ أهلِ العلم: إلى أن الإِعْتَاقَ بشرطِ التزوُّجِ لا
يحتاجُ إلى إيجابٍ وقَبُول مستأنف. وهذا اللفظُ يدل على أن التزوجَ أيضًا لا بد منه، ولا ينَوَبُ
نفسُ الإِعتاقِ مَنَا به.
قوله: (مال نفسها) وهذا بيان للمآل، يعني لما أعتقها النبي ◌َّ- وأسقطت هي مهرَها عنه،
لم يبقَ المهرُ إلا نفسُها، فإِنه لم يكن هناك إيفاءٌ واستيفاء لسقوط المهر، وكانت نفسُها هي التي
استوفاها. فهذا نحو تعبير عُرفي، لا مسألة فقهية، وأظن أن النبي وَلّر أعتقها وتزوجها تحصيلًا
للأجر مرتين، على الحديث الذي مر في كتاب العلم، وسيجيء الكلام عليه. ثم إنهم اختلفوا:
في أنه إذا كان أعطاها، فهذا الأخذُ كان شراءً منه، أو استردادًا في الهبة. ومالَ الحافظُ رحمه
الله تعالى إلى الثاني، وأوَّلَ في لفظ مسلم: ((اشترى صفية)) وحمله على المجاز.
قوله: (عروسًا) مفعول يُطلقُ على المذكر والمؤنث .

٢٤
كتاب الصلاة
قوله: (نِطعًا) سُفرة من أدمٍ .
قوله: (حيسًا) حلواء.
١٣ - بابٌ فِي كَمْ تُصَلِّي المَرْأَةُ مِنَ الثِّيَابِ؟
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: لَوْ وَارَتْ جَسَدَهَا فِي ثَوْبٍ لأَجَزْتُهُ.
٣٧٢ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَي عُرْوَةُ: أَنَّ
عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَه يُصَلِّي الفَجْرَ، فَيَشْهَدُ مَعَهُ نِسَاءٌ مِنَ المُؤْمِنَاتِ،
مُتَلَفْعَاتٍ فِي مُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَرْجِعْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ، مَا يعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ. [الحديث ٣٧٢ - أطرافه في:
٥٧٨، ٨٦٧، ٨٧٢].
واستثنى الحنفية: الوجه، والكفين، والقدمين.
٣٧٢ - قوله: (ما يعرفهن أحد) قال النووي: أي أرجالٌ أم نساء، ليكون أدلَّ على
التغليس، قلت: بل المراد به معرفةُ الأشخاص، ولا ريب في أن عدم معرفة الأشخاص معنىً
مطلوب، حيث عَرَضَ عمر رضي الله تعالى عنه، فقال: ((ألا قد عرفناك يا سودة))، وإلى هذا
المعنى أرشد القرآنُ فقال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنٌ﴾ [الأحزاب: ٥٩] والمعرفة هنا هي معرفةٌ
الشريفة من الوَضِيعة، فإن المنافقين إذا وجدوا امرأةً وضيعةً، غمزوها وآذوهَا، فهديُ القرآنِ
لإِدناء الجلابيب، لئلا يعرفنَ أنهنَّ شريفاتٍ أو وَضِيعات فلا يؤذين، فكانت تلك معرفة
الأشخاص.
أما عدم معرفة الرجال من النساء فليس فيه معنى، ثم ما يُعلم من عمل الشيخين هو البداية
في التغليس، والنهاية في الأسفار، وهو الذي اختاره الطحاوي، وهكذا في كتاب الحج، قيل:
هو من قلمٍ أحمد بن عمران، وقيل من قلم عيسى بن أَبَان، وعمل عثمان رضي الله عنه
بالأسفار، وهو الذي اختاره المتأخرون منا. وعند ابن ماجه: تعني من الغلس، نظير الجواب.
١٤ - بابٌ إِذَا صَلَّى فِي ثَوْبٍ لَهُ أَعْلَامٌ وَنَظَرَ إِلَى عَلَمِهَا
٣٧٣ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونسَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابِ،
عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ وَّهِ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا
نَظْرَةٌ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: ((اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمِ، وَانْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةٍ أَبِي
جَهْم، فَإِنَّهَا أَلهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي)). وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: قَالَ
النَّبِيُّ ◌ََّ: ((كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَلَمِهَا وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ، فَأَخَافُ أَنْ تَفْتِنَنِي)). [الحديث ٣٧٣ - طرفاه
في: ٧٥٢، ٥٨١٧].
٣٧٣ - قوله: (فإنها ألهتني) وفي الطريق الآتية المنقطعة: ((فأخاف أن تفتنني))، فدل على
أنه لم يقع شيءٌ من ذلك، وإنما خشي أن يقعَ، وإنا تحسُ هذه الأمور القلوب اللطيفة دون

٢٥
كتاب الصلاة
المغشوشة، وليس من طريقِ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الاستغراقَ فيها، بحيث لا يبقى لهم
حِسٌّ وشعور، ألا ترى أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إذا قام عن يساره، أداره إلى يمينه
في الصلاة، فهذا شأنهم.
قوله: (وأتوني) قال ابن بَطَّال: إنما طلب منه ثوبًا غيرها ليُعلِمَه أنه لم يرده استخفافًا به،
قال الطّيبيُّ: فيه إيذان بأن للصور والأشياء الظاهرة تأثيرًا في القلوب الطاهرة، والنفوس الزكية،
فضلًا عمن دونها .
مسألة
وفي الفِقه: أنَّ من نقشَ المسجدَ بمالِ الوقف يضمنه، وإن كان بماله جاز.
١٥ - بابٌ إِنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ مُصَلَّب
أَوْ تَصَاوِيرَ هَل تَفسُدُ صَلاَتُهُ؟ مَّا يُنْهِى عَنْ ذلِكَ
وهي مسألةُ الصلاة لا مسألة التصوير، فاذْرِ الفرقَ بينهما .
قوله: (مصلب) والشكل المشهور هذا (+). وفي ((دائرة المعارف)) أشكالٌ أُخرى أيضًا.
قوله: (أو تصاوير) عطف على المعنى. كما في ((المغني))، أن العطف قد يكون على
اللفظ، وقد يكون على المعنى، وقد يكون على التوهم.
واعلم أن هناك ثلاث مسائل: الأولى: فعل التصوير، وهو حرامٌ، صغيرًا كان أو كبيرًا.
والثانية: حكم التصاوير في الصلاة. وحاصل ما في المتون: أن لا بأس بالمُمتَهن
والصغيرة جدًا، بحيث لا تبدو للناظر وإلا كرهت.
والثالثة: لُبْس الثوب المصور.
وراجع التفصيل من ((الفتح)) لابن الهُمَام من مكروهات الصلاة، و ((الموطأ)) لمحمد بن
الحسن .
٣٧٤ - حدّثنا أَبُو مَعْمَرِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْروٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ
العَزِيزِ بْنُ صُهَيبٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ قِرَامُ لِعَائِشَةَ، سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَالَ
النَّبِيُّ ◌َُّ: ((أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هذا، فَإِنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرٌ تَعْرِضُ فِي صَلَاتِي)). [الحديث
٣٧٤ _ طرفه في: ٥٩٥٩].
٣٧٤ - قوله: (قِرَام) هتلا كيرا. تمثال عامٌّ من التصوير، فإن الثاني يختصُّ بذي الروح.
١٦ - بابُ مَنْ صَلَّى فِي فَرُّوجٍ حَرِيرٍ ثُمَّ نَزَعَهُ
٣٧٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الخَيرِ،
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: أُهْدِيَ إِلَى النَّبِيِّنَ لَّ فَرُّوجُ حَرِيرٍ، فَلَبِسَهُ فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ،

٢٦
كتاب الصلاة
فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا، كَالكَارِهِ لَهُ، وَقَالَ: ((لَا يَنْبَغِي هذا لِلمُتَّقِينَ)). [الحديث ٣٧٥ - طرفه في:
٥٨٠١].
قوله: ((فروج)) كوك: وعند مسلم: ((صلى في قَبَاء دِيبَاج ثم نزعه، وقال: نهاني عنه جبريل
عليه السلام)) فدل على أن صلاته تلك كانت قبل تحريم الحرير، ولعله نزعه لكونه بعين الرضا
منه تعالى.
١٧ - بابُ الصَّلَةِ فِي الثَّوْبِ الأَحْمَرِ
واعلم أن في الثوب الأحمر اختلافًا وانتشارًا في كتب المتأخرين، ولو صادفنا «تجريد
القدوري)) لاقتصرنا عليه. والحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى يأخذ بقول الحنفية من هذا
الكتاب، فدل على اعتباره عنده. وحاصل ما لخصتُ في تلك المسألة: أن اللونَ إن كان من
الزَّعْفَرَان أو العُصْفُر كُره تحريمًا للرجال، وغيرهما إن كان أحمرَ قانيًا كُره تنزيها وإلا لا، وإن
كان مخططًا بخطوط حمراء جاز بلا كراهة. وقال بعضهم باستحبابه. وجاز الكلُّ للنساء، ثم إن
تلك المسألة في الثياب دون الأَدَم.
٣٧٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي
جُحَيفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيتُ رسُولَ اللَّهِنَّهِ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمِ، وَرَأَيتُ بِلَالًا أَخَذَ
وَضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ ◌ََّ، وَرَأَيتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَاكَ الوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَّابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ
بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدٍ صَاحِبِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا،
وَخَرَجَ النَّبِيُّ نَّهَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا،َ صَلَّى إِلَى العَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَينٍ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ
وَالدَّوَابَّ يَمُرُونَ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ العَنَّزَةِ. [طرفه في: ١٨٧].
٣٧٦ - قوله: (حلة حمراء) قالوا: إنها كانت مخططة. قلت: ووجدتُ له روايةً بعد تتُبُّعٍ
بالغٍ في ((أحكام القرآن)) لابن العربي.
قوله: (مشمِّرًا) أرسی هوثی.
١٨ - بابُ الصَّلاَةِ فِي السُّطُوحِ وَالمِنْبَرِ وَالخَشَبِ
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَلَمْ يَرَ الحَسَنُ بَأْسًا أَنْ يُصَلَّى عَلَى الجَمْدِ وَالقَنَاطِرِ وَإِنْ جَرَى
تَحْتَهَا بَوْلٌ، أَوْ فوْقَهَا، أَوْ أَمامَهَا، إِذَا كَانَ بَينَهُمَا سُتْرَةٌ. وَصَلَّى أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى سَقْفٍ
المَسْجِدِ بِصَلَاةِ الإِمَامِ. وَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ عَلَى الثَّلجِ.
جمع سطح، أي سقف.
قوله: (والمنبر) موضعٌ مرتفعٌ، يُجْلَسُ عليه لإِلقاء الوعظ، فهذه هيئة.
قوله: (والخشب) وهذا مادة. وحاصلُ الكلِّ أن السجدةَ وقعت على غير الأرض، سواء
كان على هذه الهيئة أو تلك المادة، فأجاز الصلاةَ على غير جنسٍ الأرض، وتجوز عندنا على

٢٧
كتاب الصلاة
السرير بدون عذر، لأنه يُتصوَّر عليه إلقاء الجبهة وهو الشرط. وإنما لا تصح على القطن لأنه لا
تستقرُ عليه الجبهة، فلا يتحققُ معنى السجدة، وكذلك على الثلج، لأنه لا يتأتَّى فيه الطرحُ
والإِلقاء إلا بالاستمساك، واستمساكُ الجبهة ليس بسَجْدةٍ، بل هو مَسَاس، لا طرحٌ وإلقاءٌ،
والشرط هو هذا دون ذلك، فافترقا، فمن قاس السريرَ على الثلج فكأنه لم يراع ما قُلنا .
قوله: (الجمد).
قوله: (والقناطر) وإن جَرَى تحتَها بولٌ، وهذا على عادتهم في البلادِ الباردة، أنهم كانوا
يذهبون بمواشيهم تحت القناطر، فتبول، ويجري البولُ من تحتها. وظهر منه أن حمله على بولٍ
ما لا يؤكلُ لحمه بعيدٌ كلَّ البُعد، بل هو بول ما يؤكل لحمه، فدل على نجاسته عنده، كما هو
مصرح عند الطحاوي عن الحسن: أنه كره أبوال الإبل والبقر والغنم. ثم في (الدر المختار)) عن
((حاوي القدسي)): أن الصلاةَ على سطح الاضطبل مكروهةٌ، والظاهر أن الوجه فيها الروائح
الكريهة. وليس فيه مسألةُ الصلاة على سطح تحته نَجِسٌ، وذلك لأنه خصَّ الاصطبل بالذكر،
وفيه تكون ذلك.
قوله: (إذا كان بينهما سترة) ... إلخ يعني به طهارة موضع المُصلي، ومختارُ الشيخ ابن
الهُمَامِ رحمه الله تعالى في طهارة المكان: طهارةُ مواضِع السجودِ فقط، فلو صلى وبحذاءِ صدرِهِ
نجاسةٌ، صحت صلاتُهُ وإن كره، وفيه أن النجاسة المفَسدة هي التي ينسب حملها إليه، وإلا
لا .
قوله: (وصلى أبو هريرة رضي الله عنه) انتقل إلى مسألة أخرى، وهي أن الإِمام إذا كان
تحت السقف، والمأموم فوقه، هل تصح صلاته؟ فتصح عندنا إذا علم انتقالاتِ الإِمام، سواء
کان بينهما منفذ، أو لا .
٣٧٧ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حازِمِ قَالَ:
سَأَلُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ: مِنْ أَيِّ شَيءٍ المِنْبَرُ؟ فَقَالَ: مَا بَقِيَ بِالنَّاسِ أَعْلَمُ مِنِّي، هُوَ مِّنْ أَثْلٍ
الغَابَةِ، عَمِلَهُ فُلَانٌ مَوْلَى فُلَانَةً لِرَسُولِ اللَّهِ نَّهِ، وَقَامَ عَلَّيْهِ رَسُولُ اللَّهِ وَ حِينَ عُمِلَّ
وَوُضِعَ، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، كَبَّرَ وَقَامَ النَّاسُ خَلفَهُ، فَقَرَأَ وَرَكَعَ، وَرَكَعَ النَّاسُ خَلفَهُ، ثُمَّ رَفَعَ
رَأْسَهُ ثُمَّ رَجَعَ القَهْقَرَى، فَسَجَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ عادَ إِلَى المِنْبَرِ، ثُمَّ قَرَأْ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ
رَأْسَهُ، ثَمَّ رَجَعَ القَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ بِالأَرْضَ، فَهذا شَأْنُّهُ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ
عَبْدِ اللّهِ: سَأَلَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلِ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ هذا الحَدِيثِ؟ قَالَ: فَإِنَّمَا أَرَدْتُ أَنَّ
النَّبِيَّ وَِّ كَانَ أَعْلَّى مِنَ النَّاسِ، فَلاَّ بَأْسَ أَنْ يَكُونَ الإِمَامُ أَعْلَى مِنَ النَّاسِ بِهِذا الحَدِيثِ.
قَالَ: فَقُلتُ: إِنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَينَةَ كَانَ يُسْأَلُ عَنْ هذا كَثِيرًا، فَلَمْ تَسْمَعْهُ مِنْهُ؟ قَالَ: لَا.
[الحديث ٣٧٧ - أطرافه في: ٤٤٨، ٩١٧، ٢٠٩٤، ٢٥٦٩].
٣٧٧ - قوله: (اثل) (جهاؤ) وهذه الشجرة على نحوين: العظيمةُ منهما تُسمَّى أثلًا،
والصغيرة طَرْفًا .

٢٨
كتاب الصلاة
قوله: (الغابة) موضعٌ معروف من عَوَالي المدينة. واختار الحافظ رحمه الله تعالى أن
المنبرَ عُمِلَ في السنة التاسعة. وعندي رواياتٌ تدُل على أنه متقدِّمٌ بكثير، وإنما عارضتُ فيه
الحافظَ رحمه الله تعالى، لأنه يُعْلَمُ من بعض الروايات أن النبيَّ وَّر قام متكئًا بجذع في
المسجد في واقعة ذي اليدين - وكانت تلك الجذعُ هي الأسطوانة الحثَّانة، كما أشار إليه
القاضي عياض، وقد دفنت حين عُمِلَ له المنبر - فيدل على أن واقعةَ ذي اليدين متقدمةٌ جدًا.
وهذا ينفعُ الحنفية في مسألة نسخ الكلام كما لا يخفى، بخلاف ما اختاره الحافظ رحمه الله
تعالى، فإنه يمكن أن يكونَ واقعة ذي اليدين في السنة الثامنة مثلًا، وكان قيامُهُ بتلك الجذع لأنه
لم يُعمَل له المنبرُ إذ ذاك، فيدلُ على تأخّرٍ هذه القصة جدًا. وسَهْلُ بن سَعْد هذا آخرُ الصحابة
المدنيين وفاةً .
قوله: (ثم رجع القَهْقَرَى)، قلت: إنما كان ذلك بخطوتين وهو عمل قليل، لأن منبر
النبيِّ ◌َّرْ عُمِلَ بثلاث درجات، فلو كان قيامُهُ على الدرجة الثالثة أمكنَ نزوله عنها بخطوتين،
وهذا عمل قليل. وحقق ابن أمير حاج: أن المشي الكثير أيضًا غير مفسدٍ إذا كان متفاصلًا. ثم
في الحديث دليل على جواز كون الإِمام أعلى من القوم، ونهى عنه عند أبي داود. قال النووي:
كراهة الارتفاع إنما هي عند عدم الحاجة، فإِن كان لحاجةٍ بأن أراد تعليم الصلاة لم يُكره، بل
يستحبُّ لهذا الحديث، وكذا إن أرادَ المأمومُ إعلامَ المأمومين بصلاة الإِمام، واحتاج إلى
ارتفاع. انتهى مختصرًا .
قلتُ: وكذا في ((الدر المختار)) عن ((الاختيار)): أنه يجوز للإِمام إذا احتاج إليه، إلا أن لي
فيه ترددًا، لأن النبي ◌َّ﴿ كان عليه طردُ الدين وعكسُهُ، وأما مَنْ بعدَه فلا أرى أن يُسوَّغَ له ذلك؛
لأنه ليس اليوم أحدٌ منهم يقتصرُ عليه التعليم، فليقصر عليه وَّه، ولا يوسَّعُ به في حق سائر
الأئمة، لأن الضرورة تحققت في حقه وَل# خاصة.
ثم إن النبي ﴿ إنما فعل كذلك لأنه لم يتفق لهم رؤية صلاة النبي بَثِّر قبله، إلا لمن كان
في الصف الأول، فأراد أن يشاهدوا جميعَهم مرةً ليتعلَّموا صلاتَه، ويحفظوا عنه، كما هو عند
مسلم: ((يا أيها الناس إنما صنعت هذا لتأتَمُّوا بي، ولتَعَلَّمُوا صلاتي))، كأنهم قبل ذلك لم
يشاهدوا صلاةَ النبي ◌َّة، وإنما أَتَّمُّوا به بواسطة الصف الأول، فأراد أن يكون الجميع سواءً في
رؤية صلاته والائتمام به، وهذا سائغ للشارع. أما من كان إمامًا كسائر الأئمة، فلا أرى له هذا
التوسيع. والله تعالى أعلم.
ثم التَّحيُّرُ من ابن حَزْم حيث مرَّ على هذا الحديث، وادَّعى أن تلك الصلاةَ كانت نافلةً،
وتمسك بالجماعة في النافلة، وشدَّدَ على من أنكرها، مع التصريح في الصحيح أنها كانت صلاةُ
الجمعة. ثم لا يذهبُ عليك أنَّ الراويَ لا يذكرُ للمقتدين ههنا قراءةً، ولا يقول: فقرأ وقرأ
الناس معه، وذلك لأنه لا قراءةً في الجهرية مع الإِمام، وليست في ((الأم)) عند الشافعي رحمه
الله تعالى، غير أن المُزَني يحكي عن الربيع روايةَ القراءة في الجهرية عن الإِمام الشافعي رحمه
الله تعالى، فاحفظه ولا تغفُلْ.

٢٩
كتاب الصلاة
وابنُ حَزْم هذا كان أُجلي من بلده. من سعي المالكية، وتوفي في البرية ولم يكن معه
أحد. وصنف عشرة آلاف من الأوراق، وجاء منها ((المحلى)) مطبوعة، وعليه حاشيةٌ لبعض غير
المقلدين، وتتَّع على أغلاطِهِ الحافظ قطب الدين الحلبي الحنفي من المائة الثامنة.
قوله: (إنما أردت) ... إلخ وفاعله أحمد بن حنبل، لا علي بن المديني كما حرره شيخ
الإِسلام بين السطور، وهو حفيدٌ لمولانا عبد الحق الدِّهلوي رحمه الله تعالى. وله حاشيةٌ على
الجلالين يُسمَّى بـ: ((الكمالين))، وهو أحسن من حاشية علي القاري ((الجمالين)) وكنت أرجو أن
تكون حاشيتُهُ لطيفةً لكونه قارئًا، فلما رأيتُها وجدتُها سطحيةً، أما في باب الأحاديث فقد رأيتُهُ
يرتكب الأغلاط كثيرًا. أما حاشيةُ ذلك الحفيد فلا ريبَ أنه جيدٌ حتى أظنه أعلمُ من جدِّه.
قوله: (قال: فقلت) ... إلخ أي قال علي بن المديني.
قوله: (قال لا) قال الحافظ رحمه الله تعالى: وهذا صريح في أن أحمد بن حنبل لم يسمع
هذا الحديث من ابن عُيَيْنَة، وقد راجعت ((مسندَه)) فوجدتُهُ قد أخرج فيه عن ابن عُيَيْنَة بهذا
الإسناد من هذا الحديث، قولَ سَهْل: ((كان المنبر من أَثْلِ الغابة)) فقط، فتبيَّن أن المنفي في
قوله: ((فلم نسمعه منه قال: لا)) جميعُ الحديث لا بعضه، والغرض منه ههنا، وهو صلاته
على المنبر داخلٌ في ذلك البعض، فلذلك سأل عنه علي بن المديني اهـ.
قوله: (سقط عن الفرس) قال ابن حبان: وهي وَاقعةُ السنة الخامسة. وقال الحافظ في
المجلد الثامن: وحاصله: إنها في التاسعة. قلتُ: وهو قطعي البطلان، وأتعجّبُ من مِثْلِ هذا
الحافظ أنه كيف غَفَلَ عنه. ولعله دَعَاه إليه ذكر إيلاءِ النبي ◌َّ في تلك الواقعة، وكان في السنة
التاسعة، فجعل سقوطَ الفرسِ أيضًا فيها. والذي تحقق عندي أن قِصةَ السقوط عن الفرس
وإيلائه وقَّهُ واقِعَتان في عامين مختلفين، وإنما جمعهما الراوي في حديثٍ واحدٍ لجلوسِهِ وَّ في
المَشْرُبة فيهما. أما في السقوط فلأن أصحابَه يجيئون لعيادته، وأما في قصة الإِيلاء فللتخلي
والتجنب عنهنَّ قصدًا .
٣٧٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيم قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيدٌ
الطَّوِيلُ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِنَّهِ سَقَطَ عَنْ فَرَسِ، فَجُحِشَتْ سَاقُهُ، أَوْ
كَتِفُهُ، وَأَلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَجَلَسَ فِي مَشْرُبَّةٍ لَهُ، دَرَجَتِهَا مِنَّ جُذُوعٍ، فَأَتَاهُ أَضْحَابُهُ
يَعُودُونَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ جَالِسًا وَهُمْ قِيَامٌ، فلمَّا سَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا
كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِنْ صَلَّى قَائِمًا فَصَلَّوا قِيَامًا)).
وَنَزَلَ لِتِسْعِ وَعِشْرِينَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ آلَيتَ شَهْرًا؟ فَقَالَ: ((إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ
وَعِشْرُونَ)). [الحديث ٣٧٨ - أطرافه في: ٦٨٩، ٧٣٢، ٧٣٣، ٨٠٥، ١١١٤، ١٩١١، ٢٤٦٩، ٥٢٠١،
٥٢٨٩، ٦٦٨٤].
٣٧٨ - قوله: (آلى من نسائه) وهذا إيلاءٌ لغويٌ لا شرعيّ. قال الشيخ ابن الهمام رحمه الله
تعالى: إن الإيلأَ اللغويَّ جَائِزٌ. واضطرب فيه الشافعية، فلعله لا يجوز عندهم. قيل: المُهَاجَرَةُ

٣٠
كتاب الصلاة
فوق الثلاث ممنوعٌ، فكيف هاجرهنَّ شهرًا؟ قلتُ: إن المُهَاجَرَةَ إلى الثلاث مباحٌ، وأزواجُه كنَّ
تسعةً أو إحدى عشرة، فحصل بضرب التسعة في الثلاث شهرًا، فكأنه لم يهاجر كلهن إلا ثلاثًا ،
أما التناوب في المهاجرة فكان ركيكًا، فهاجرهنَّ معًا .
قوله: (يعودونه) وهذا في واقعة السقوط، لأنه ◌َ ◌ّي لم يكن عليلاً في قِصة الإِيلاء. وفي
البخاري عن عمر رضي الله عنه في قصة الإِيلاء، أنه قال: ((صليت الفجر خلفَ النبيِّ وَّ في
المسجدِ))، بخلافِ قصة السقوط، فإنَّ قدمه كانت انفكت، على ما في بعض الروايات، فلم
يكنْ يحضُر المسجد في تلك الأيام، وهذا كله يدُل على المغايرةِ بين القِصتين، فكيف غَفَلَ عنه
الحافظ رحمه الله تعالى وجعلها في السنة التاسعة؟
قوله: (إنما جعل الإِمام) ... إلخ وهذا يدل على شدَّةِ الربط بين صلاةِ الإمام والمقتدي،
واعتبره الحنفية رحمهم الله تعالى، بخلاف الشافعية فإنه عندهم عبارةٌ عن الاتِّباع في الأَفعال
فقط، حتى إنهم جعلوا التسميعَ على المقتدي، وليس معهم في تلك المسألة عن السلف إلا
رجلٌ أو رجلين. وسنعود إلى تفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى.
قوله: (فإذا كبر فكبروا) وقد مر مني أن الفاءَ عندهم تُستعملُ في التعقيب الذاتي أيضًا،
ولا تنحصرُ في التعقيب الزماني، وحينئذٍ لا يدلُ على التعقيب في الأفعال، كما رامه الشافعية
رحمهم الله تعالى، ويصدق على مذهبنا أيضًا، فإن المختارَ عندنا المقارَنةُ في جميع الأفعال.
وعند الشافعية: التعقيب في جُملتها. وعند الصاحبين: المقارنةُ إلا في التكبير والتسليم.
وروي في بعض طرقه: ((إذا قرأ فأنصتوا)) أيضًا، وعلله المحدثون، وقد كشفتُ حقيقتَه في
رسالتي ((فصلُ الخِطَاب)) أن هناك حديثان: الأول ما في واقعة السقوط، ويرويه مَنْ كان منهم
في السنة الخامسة، وليس فيه تلك القِطْعَةُ، لعدم الحاجة إليه فيه، لأنه سِيقَ لبيانِ المشاكلةِ بين
الإِمام والمقتدي، وسائرُ الأجزاءِ ذُكرت فيه تبعًا، والحديث الثاني يرويه مَنْ جاء منهم في السنة
السابعة، وفيه تلك القطعة، ويجيء بسطه أزيد من هذا .
واعلم أن صلاةَ القائم خلفَ القاعدِ جائزةٌ عندنا وعند الشافعية. وعند أحمد رضي الله عنه
لا تجوز، بل يجب على القَوم أن يقعدوا أيضًا وإن لم يكونوا مَرْضى، لأجل هذا الحديث. ثم
قالوا: إن قعودَ الإِمام إن كان طارئًا يسعُ للقوم أن يقوموا. وعند مالك: لا يجوز اقتداؤه مطلقًا .
فذهب الحنفيةُ والشافعيةُ إلى نسخه، وإليه ذَهب البخاري، وصرح به في موضعين من كتابه.
قلتُ في جوابه: إن حاصل الحديث استحبابُ المشاكلةِ بين الإِمام والمأموم، لأن الإمامَ جُعِلَ
لِيُؤتمَّ به، ولم يرد في بيان تفاصيل جواز القيام والقعود أنه متى يجوز ومتى لا يجوز، فليكله
إلى الخارج كما قرره الشارعُ في موضعه.
ومحصَّلُه عدمُ ابتغاءِ الاقتداءِ بالإِمام القاعد، فإن اقتدَوا به فالمطلوبُ المشاكلةُ مهما
أمكن. هذا في الحديث القولي. وأما وجه ما رواه أبو داود من واقعةٍ جُزئيةٍ، فالجواب عنه أن
القومَ كانوا متنفلين؛ لأن الظاهرَ من حالهم أنهم صلوا الظهرَ في المسجد، لأنه بعيدٌ كلُّ البعدِ
أن تبقى المساجدُ في تلك الأيام معطلةً عن الجماعة، ثم جاؤوا لعيادتِهِ وَّ فوجدوه يُصلي

٣١
كتاب الصلاة
فدخلوا في صلاته تحصيلًا للبركة على عادتهم، حيثما رأوه يُصلي اقتدوا به كما فعلوا في
رمضان، فلم يخرج إليهم خشيةً أَنْ تفترضَ عليهم، فلم تكن صلاتُهم تلك لإِذْراكِ الفريضة، بل
لتحصيلِ البركةِ، فكانت هذه صلاة لا تدعى لها، بل التي تكونُ في البيوت. وإنما جاء من جاء
للعيادة فاتفق أنْ وَجَدَهُ يُصلي فدخلَ معه لطوعه، وحملَه الناسُ على الفريضة ثم عمّموها.
وسنقرره إن شاء الله تعالى بوجه أبسط منه فراجعه من بابه.
فإن قلت: إن الناسخَ لحديث السقوط عند من زَعَمَ النسخَ، صلاتُهُ وَلَّ في مرض موتهِ،
وللرواةِ فيها اضطرابٌ في كونه إمامًا ومأمومًا. قلت: وهذا إنما يَرِدُ على مَنْ ذهب إلى وحدة
الخروج كالشافعي رحمه الله تعالى، أما أنا فقد التزمتُ الخروجَ في أربع صلوات، فكان إمامًا
في بعض دون بعض، على أن حديثَ الحنابلة أيضًا لا يخلو عن اضطراب، لما عند مسلم:
((فصلى بنا قاعدًا، فصلينا وراءه قعودًا))، وهذا يخالفُ ظاهرَ حديث أنسٍ رضي الله عنه ههنا،
وللتأويلِ مجالٌ وسيعٌ، فاضطرب حديثُ السقوطِ أيضًا.
مسألة
وليعلم أن المسألةَ فيمن دخلَ المسجد وقد صلى، أنه يُعيد الظهرَ والعشاءَ. وفي ((فتح
القدير)): أنه ينوي النفل. قلت: وفيه تسامحٌ، بل المذهب أنه يُعيدُ ويصلي تلك الصلاة بعينها،
نعم، تقع عنه نفلًا لسقوط الفريضة عنه من أولها. كما أن الصبيانَ يصلون الظهر والعصرَ مثلًا،
ثم لا يقع منهم إلا نفلًا. والعجب أن الحافظ رحمه الله تعالى نقلَ مذهبَنًا صحيحًا مع أنه
شافعيّ، والحنفية يغلَطُون فيه. وهكذا في ((المبسوط)) للجَوْزَجاني، و((الجامع الصغير))،
وكتاب ((الآثار))، وكتاب (الحجج))، و((الموطأ)) لمحمد، وبه صرح الطحاوي. وسيجيء بسطُهُ
في صلاة معاذ رضي الله عنه مع قومه، فانتظره.
فالمذهبُ هو الإِعادَةُ دون التنفُّلِ فاعلمه، فإِنه ينفعكَ في كثير من الأحاديث.
قوله: (فقال: إن الشهر) ... إلخ يعني قد يكون الشهرُ تسعًا وعشرين. ثم إنهم اختلفوا
في سبب الإِيلاء، فقيل: قِصة مارية القِبْطية، وقيل: طلبهنَّ النفقة، وقيل: قِصة العسلِ.
١٩ - بابٌ إِذَا أَصَابَ ثَوْبُ المُصَلِّي امْرَأَتَهُ إِذَا سَجَدَ
٣٧٩ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، عَنْ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ
شَدَّادٍ، عن مَيمُونَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِ وَلَ يُصَلِّ وَأَنَا حِذَاءَهُ، وَأَنَا حَائِضٌ، وَرُبَّمَا
أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إِذَا سَجَدَ. قَالَتْ: وَكَانَ يُصَلِّ عَلَى الخُمْرَةِ. [طرفه في: ٣٣٣].
وقد مر عن ((الفتح)): أن النجاسةَ المفسدةَ هي التي يحملها المصلي، ولا بأس بأن وقعَ
ثوبُ المصلي على نجاسةٍ يابسةٍ .

٣٢
كتاب الصلاة
٢٠ - بابُ الصَّلاَةِ عَلَى الحَصِيرِ
وَصَلَّى جَابِرٌ وَأَبُو سَعِيدٍ فِي السَّفِينَةِ قَائِمًا، وَقَالَ الحَسَنُ: تُصَلِّ قَائمًا مَا لَمْ تَشُقَّ
عَلَى أَصْحَابِكَ، تَدُورُ مَعَهَا، وَإِلَّا فَقَاعِدًا .
٣٨٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلحَةَ،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ جَدَّتَهُ مُلَيكَةَ، دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِوَل﴿ لِطَعَامَ صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ
قَالَ: ((قُومُوَا فَلأُصَلِّي لَكُمْ)). قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولٍ مَا لُبِسَ،
فَتَضَحْتُهُ بِمَاءٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِنَّهِ، وَصَفَفتُ وَالْيَتِيمِ وَرَاءَهُ، وَالعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا، فَصَلَّى لَنَا
رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ رَكْعَتَينِ، ثُمَّ انْصَرَفَ. [الحديث ٢٨٠ - أطرافه في: ٧٢٧، ٨٦٠، ٨٧١، ٨٧٤، ١١٦٤].
قال ابن بَطَّال: إن كان قَدْر طولِ الرَّجُلِ فأكثر، يقال له: حصير، وإلا يقال له: خُمْرة.
وقد مر الكلام فيه. ثم إن الصلاة عند مالك رحمه الله تعالى ينبغي أن تكونَ على جنس الأرض،
فإن صلى على غيره كُره. واختارَ البخاريُّ السجدةَ على جنس الأرض وغيره كما هو مذهب
الجمهور، فأثبت الصلاةَ على الحصير - وهو يصنعُ من سَعَف النخل - ثم من عادات البخاري
وضعُ التراجِمِ لمجرد إحصاء الجزئيات الثابتة عن النبي ◌َّه، فبؤَّبَ بالصلاة على الخُمْرة، وعلى
الفِراش.
قوله: (وصلى جابر رضي الله عنه) ... إلخ وجاز فيه القعود عند الإِمام الهُمَام بلا عذر.
ويُؤيدُهُ أثرُ أنسٍ رضي الله عنه: ((أنه كان يذهبُ من البصرةِ إلى أرض له ويُصليَ جالسًا، والظاهرُ
عدم العذر. وعند صاحبيه يجوزُ بالعذر، وإلا لا. قلت: والعمل على مذهب الصاحبين أولى،
ثم إن مشايخنا كانوا يعدُّون القِطَار كالسريرِ المستقرِ على الأرض، فلا تجوز الصلاة فيه إلا
قائمًا، وقيل: إنه كالسفينة، فتجوز قائمًا وقاعدًا وهو المختار عندي. وأما السفينة إذا كانت
بشطّ البحر، ففيه تفصيل مذكورٌ في الكتب.
٣٨٠ - قوله: (إن جَدَّتَهُ) قيل: الضمير إلى إسحاق، وقيل: إلى أنس رضي الله عنه
وكلاهما صحيح، فإن أمَّ سليم والدة أنس رضي الله عنه كانت تزوجت بعده أبا طلحة رضي الله
عنه، فصار عبد الله أخّا لأنس رضي الله عنه، وصارَت مُلَيْكَةُ جَدَّةً لإِسحاق بن عبد الله .
قوله: (اليتيم) علمٌ بالغَلَبَة، واسمُهُ ضميرُة. ثم إن مولانا عبد الحي رحمه الله تعالى
ضعَّف مسألةَ المُحَاذاة. قلت: بل هي مسألةٌ قويةٌ، لكنها مسألةٌ اجتهادية، ويُسوَُّ للمجتهد أن
يحملَ تأخير الصبيانِ في مرتبةِ السُّنِّية، وتأخيرَ النِّساء في مرتبة الشرطية، لفروقٍ سَنَحتْ له. مثلًا
ثَبَتَ في الأحاديث كراهةُ الصلاةِ خلف الصفِّ وحدَهُ، حتى ذهب أحمد رحمه الله تعالى إلى
بطلان الصلاة، ومع ذلك أخَّرَهَا النبيُّ ◌َّه ولم يتركها أن تقومَ مع صف الرجال، ولم يثبت عنه
إقامةُ النساءِ مع صفِّ الرجالِ ولو مرةً، بخلاف الصبيان، فإِنهم وإن سُنَّ تأخيرهم عن صف
الرجال، لكنه ثبتَ إقامتُهم في صف الرجال عند انعدام رجل آخر لتحصيلِ الصف. فَعُلِمَ أنه
يتحمل قيام الصبيان مع الرجال في صورة، بخلاف النِّسْوان، فإنه لا يتحمل مطلقًا، فلو كانت

٣٣
كتاب الصلاة
واحدة لصفت وحدَها، ولا تحاذى بالرجال، وحينئذٍ ساغ للمجتهد أن يحمله على الشرطية،
ويقول بفساد الصلاة عند محاذَاتِها بالرجال. وما قال صاحب ((الهداية)): ((أَخِّرُوهُنَّ من حيث
أَخَّرَهُنّ اللَّهُ)) خبر مشهور، اعترضَ عليه مولانا عبد الحيّ رحمه الله تعالى.
قلتُ: أراد به المشهور عند الأصوليين أي متلقي بالقَبول. ثم لا يخفى عليك أن النساء
قد فُضِّلنَ بأمورٍ، فليست فيهن الجماعة، فلو فعلْنَ يقوم إمامُهنَّ وَسَطَهنَّ كالعُرَاة، فإذا حُرِمْنَ عن
الإِمامة حُرِمْنَ عن النبوة أيضًا. فهذه المسائل تدُل على دُنُوِّهن من الرجال في كثير من الأبواب.
٢١ - بابُ الصلاة على الخُفْرَةِ
٣٨١ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ
اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ مَيمُونَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهَ يُصَلِّي عَلَى الخُمْرَةِ.
٢٢ - بابُ الصَّلَةِ عَلَى الفِرَاشِ
وَصَلَّى أَنَسٌ عَلَى فِرَاشِهِ، وَقَالَ أَنَس: كنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ◌ََّ، فَيَسْجُدُ أَحَدُنَا عَلَى
ثَوْبِهِ .
٣٨٢ - حدّثنا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ
اللَّهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِّ ◌َّهِ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَنَّامُ بَيْنَ
يَدَي رَسُولِ اللَّهِ وَّ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَّ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، فَإِذَا قَامَ
بَسَطْتُهُمَا، قَالَتْ: وَالبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيسَ فِيهَا مَصَابِيحُ. [الحديث ٣٨٢ - أطرافه في: ٣٨٣، ٣٨٤،
٥٠٨، ٥١١، ٥١٢، ٥١٣، ٥١٤، ٥١٥، ٥١٩، ٩٩٧، ١٢٠٩، ٦٢٧٦].
قوله: (قال أنس رضي الله عنه) ... إلخ والسجدة على الثوب الملبُوس جائزةٌ عندنا، كما
يظهر من أنس رضي الله عنه، ولا تصح عند الشافعية، ولعل تَفَقَهُهُمْ فيه أنَّ الثيابَ أيضًا تسجد،
فينبغي أنْ تكون السجدةُ على ما عداها. قلتُ: وهذا من النِّكَات فلا تدارُ عليها المسائل.
٣٨٢ - قوله: (غمزني) وعند أبي داود: ((أَنَّ يدَهُ كانت تَقَعُ على رجلي))، وهذا دليلٌ على
أنَّ مسَّ المرأة ليس بناقض، وأوَّلَه الشافعية رضي الله عنهم. وفي ((الدر المختار)): أنَّ الوضوءَ
بمسِ المرأةِ مستحبٌ خروجًا عن الخلاف. قلتُ: أما الاستحبابُ فلا كلامَ فيه، وأما دليلُهُ ففيه
نظرٌّ، والأشبه أنْ يُقال: إنَّ الأحاديثَ إذا صَحَّتْ في الطرفين عَدَلنا من الوجوبِ إلى
الاستحباب، وقد مر الكلام في الطهارة مبسوطًا. ويُعْلَم من بعض ألفاظِهِ أن صلاتَهُ تلك، كانت
على السرير .
٣٨٣ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرِ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ:
أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ كَانَ يُصَلِّي،َ وَهِيَ بَينَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ،
عَلَى فِرَاشِ أَهْلِهِ، اغْتِرَاضَ الجَنَازَةِ. [طرفه في: ٣٨٢].

٣٤
كتاب الصلاة
٣٨٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عِرَاكِ، عَنْ
عُرْوَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّرَ كَانَ يُصَلِّي، وَعَائِشَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ، عَلَى الْفِرَاشِ الَّذِي يَنَامَانِ
عَلَيهِ. [طرفه في: ٣٨٢].
٣٨٣ - قوله: (اعتِرَاضَ الجَنَازة) وتُسْتَنْبَط منه إشارةٌ إلى ما اختارَهُ الحنفية: أن الإِمامَ يَقومُ
وسطهُنَّ.
فائدة
واعلم أن الإِشارةَ قد تَفُوق على العبارة، فإنَّ العبارة تَدلُ على الواقعةِ الجُزْئيةِ أنها كذلك،
بخلافِ الإِشارة، فلكونها مشبهًا به تدل على تَقَرُّرِها في الأذهان، كأنَّها أمر مفروغٌ عنه، حتى
يذكر كالمشبّه به، وليس كذلك العبارة، فإِنَّها لا تَدُّ على التصريح بما صرح فقط.
٢٣ - بابُ السُّجُودِ عَلَى الثَّوْبِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ
وَقَالَ الحَسَنُ: كَانَ القَوْمُ يَسْجُدُونَ عَلَى العِمَامَةِ وَالقَلْسُوَةِ، وَيَدَاهُ فِي كُمِّهِ.
٣٨٥ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ قَالَ:
حَدَّثَنِي غَالِبٌ القَظَّانُ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ
النَّبِيِّ وَّةِ، فَيَضَعُ أَحَدُنَا طَرَفَ الثَّوْبِ، مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ، فِي مَكَانِ السُّجُودِ. [الحديث ٣٨٥ -
طرفاه في: ٥٤٢، ١٢٠٨].
ولعلها مسألة أخرى، فإنه أضاف فيها قَيدَ شدة الحر، وتقرر في علم المعاني: أنَّ الحكمَ
إذا ورد على مقيد، كان محطّ الفائدة القيود، ففرَّقَ بين قولك: جاءني زيد، وجاءني زيدٌ راكبًا،
وجاءني زيدٌ راكبًا أمس، فإنَّ المقصود في الأول الإخبار بالمجيء فقط، وفي الثاني إخباره
بمجيئه راكبًا، وفي الثالث بالركوب والمضي كليهما .
وكره السجود على كَوْرِ عِمَامته، والقَلَنْسُوة، قيل: إنَّها نوع من العِمامة. وقيل: إنَّها
قَلَنْسُوة ذات الأذنيين (كنلوب).
٢٤ - بابُ الصَّلاَةِ فِي النِّعَالِ
وقد علمت أنَّ النِّعال غير المِدَاس المعروف الآن في بلادنا، والصلاة في المِداس ربما
لا تصح؛ لأنَّ القَدَمَ تبقى فيها معلّقة، ولا تقع على الأرض، فلا تتم السجدة. ثم في الشامي:
أنَّ الصلاة في النعلين مستحبة، وفي موضع آخر: أنَّها مكروهة تنزيهًا .
قلتُ: بل هي مباح، وحقيقة الأمر عندي: أنَّ موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لمَّا ذهبَ إلى
الطورِ ﴿نُودِىَ يَمُوسَىّ ﴿ إِّ أَنَاْ رَبُّكَ فَأَخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: ١١ - ١٢] حَمَلَهُ اليهودُ على النهي مطلقًا،
فلم يُجوِّزوا الصلاة في النعلين بحال، وغلطوا فيه فأصلَحهُ الشرع، وكشَفَ عن حقيقته مِنْ أَنَّها
جائزة فيهما، وما زعموه باطل، ولذا وَرَدَ في بعض الروايات: ((خالفوا اليهود)) فَعُلِم أنَّ الأمرَ

٣٥
كتاب الصلاة
بالصلاةِ فيهما على ما في بعض الروايات، إنما هي لأجل تقرير مُخالفتهم، لا لأنها مطلوبة في
نفسها .
وعن كعب الأحبار - عند مالك في ((موطئه)) - أنه عليه الصَّلاة والسَّلام أُمر بالخلع لأن
نَعْلَيْهِ كانتا من جلد حمار ميت. قلتُ: وظاهر القرآن يقتضي أنَّ أَمْرَ الخَلع كان تأدُبًا ولذا قَدَّم
قوله: ﴿إِّ أَنَاْ رَبُّكَ﴾، ورتبٍ عليه: ﴿فَأَخْلَعْ نَعْلَيْكٌ﴾، إشعارًا بسبب الخلع، ولكنه لا يُوجب عدم
الجواز، فالجواز باقٍ مع أنَّ التأذُّبَ في الخلع.
وحاصلُ ما قررَهُ الشارعِ: أنَّ الصلاةَ في النعلين جائزة، سَوَاءٌ كان أمرُ الخلع لِمَا ذَكَرَهُ
كعب، أو لِما يرشد إليه ألفاظُ القرآن، وليس كما زَعَمَهُ اليهود من عَدَمِ جَوَازِ الصلاةِ فيهما .
وهكذا دأبُ الشريعة في مواضع، فمتى ما غير اليهودُ أمرًا وكانت فيهَ مَغْلَظَة، تَرِدُ الشريعةُ
بإصلاحه، كاشفةً عن حقيقته.
٣٨٦ - حدّثنا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مَسْلَمَةَ سَعِيدُ بْنُ
يَزِيدَ الأَزْدِيُّ، قَالَ: سأَلتُ أَنَّسَ بْنَ مَالِكٍ: أَكَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
[الحديث ٣٨٦ - طرفه في: ٥٨٥٠].
٣٨٦ - قوله: (قال: نعم) ولا دليلَ فيه أنَّ صلاته تلك كانت في المسجد أو خارجها،
فلْيُنْظر فيه أيضًا .
وليُعْلَم أنَّ القرآن قد يُعبرُ القصةَ الواحدةَ بألفاظِ متغايرة كما فعلِ ههنا، ففي موضعٍ ﴿إِنِّ
أَنَاْ رَبُّكَ﴾ وفي تلك القصة بعينها في موضع آخر ﴿إِنَّ أَنَا اللَّهُ﴾ مع أنَّ التحقيقَ عندي أنَّ الآية
إذا وردت باسم من أسماء الله تعالى، فالأنّسب هو ذلك الاسم بذلك الموضع، ويكون له دَخْلٌ
فيه، لا أنه وقع اتفاقًا، لكونه عبارة عن مسمَّى واحد، كقوله تعالى: ﴿وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَعُوّا
أَيْدِيَهُمَا جَزَآءُ بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (﴾﴾ [المائدة: ٣٨] فالأنسب ههنا هو ﴿عَزِيزُ
حَكِيمٌ﴾، ولو قال: والله غفور رحيم، لفات عنه الحُسْن، وتقريره في مَقَامِهِ مشهورٌ، فلا أدري
أنَّ النداء كان بقوله: ﴿أَنَاْ رَبُّكَ﴾ كما في موضع أو بقوله: ﴿أَنَا اللَّهُ﴾ كما في موضع آخر.
٢٥ - بابُ الصَّلاَةِ فِي الخِفَافِ
٣٨٧ - حدّثنا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ يُحَدِّثُ:
عَنْ هَمَّامِ بْنِ الحَارِثِ قَالَ: رَأَيتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ
قَامَ فَصَلَّى، فَسُئِلَ فَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ صَنَعَ مِثْلَ هذا. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَكَانُ يُعْجِبُهُمْ، لأَنَّ
جَرِيرًا كَانَ مِنْ آخِرٍ مَنْ أَسْلَمَ.
٣٨٨ - حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ نَصْرِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ،
عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةً قَالَ: وَضَّأْتُ النَّبِيَّ ◌َِّ، فَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَصَلَّى.
قوله: ((خف)) "موزه" وراجع «الکبيري» لمسائله.

٣٦
كتاب الصلاة
٣٨٧ - قوله: (لأن جريرًا) ... إلخ. والعجب أنَّ قوله تعالى: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ
وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] كان دليلاً على إيجاب غَسْلِ الأَرْجُل عندهم، حتى كان يُتَوهم منه نسخ
مسح الخف، ولذا كانوا يحبون حديثَ جَرِيرٍ، لأنَه أَسْلَمَ بعد نزول المائدة، فلو كان المسحُ
منسوخًا كيف أَدْرَكَهُ جرير؟ فإذا رواه جرير معَ إسلامه بعد المائدة، عُلِمَ بقاؤُهُ بَعْدَهُ أيضًا، وَأَنَّهُ
لم يُنْسَخ منها، فلمِ تَبْقَ حِيْلَة لمن أَنكر المَسْحَ بأَنَّهُ كان، ثُمَّ نُسِخَ بِنُزولِ المائدة - والروافضُ
الملاعِنة يفهمون أنَّ آية المائدة، قامت دليلًا على مَسْحِ الأَرْجُل بدون الخِفَافِ أيضًا، على
نقيض ما فهمه الصّحابة رضي الله عنهم، فانظر كيف انقلبَ الحال ظهرًا لبطن.
أقول إنَّ المَسْحَ في اللغةِ بمعنى مَسَاسِ الماءِ وإسالتِهِ أيضًا، كما ذكره ابن تيمية رحمه الله
تعالى. وحينئذٍ مسحُ الرأس هو بإمرارِ اليدِ المُبْتَلَّة؛ ومسحُ الأَرْجُلِ بِإِسَالَةِ الماءِ عليها، وليس
هذا مِنْ بَابِ عمومِ المَشْتَرك.
والوجه فيه عندي: أنَّه مِنْ بَابِ اختلافِ المعاني باختلافِ المحال، فمسحُ الرأسِ هو
الإِمرار، ومسحُ الأَرْجُل هو الإِسالة كما قلت في لفظِ النَّصْح، فإِنَّ النَّضْحَ لفظٌ واحد، وله معنىّ
واحد، إلا أنه اخْتَلف باختلافِ المحال.
فالواحد: نَضَحُ البحر، وأَنْتَ تَعْلَمْ أَنَّ نَصْحَ البحرِ يكون بقدر عِظَمِهِ، فلو مَاج البحرُ موجَةً
يقال: إنه نَضْحُ.
والآخر: نَضْحُ النَّواضح، وهذا النضح أيضًا يكون بقَدْرهِ، فيكون أقل مِنْ نَضْحِ البحر
بكثير .
والثالث: نضحُ الإِنسان، وهو أخف من الكلِّ، ويكون بمعنى الرأس، وقد ذكرناه مرةً في
الطهارة بَسْطًا منه، وكذلك المسح في الرَّأسِ بمعنى الإِمرار وفي الأَرْجُلِ بمعنى الإِسالةِ، لا مِنْ
جهةٍ تغايرِ معناه، بل من جهةِ المحال المختلفة وموارد الاستعمال. وحاصله: أنَّ النَّصْحَ
والمَسْحَ واحدٌ، وأشكالها مختلفة، ففي موضعٍ كذا، وفي موضع كذا .
٢٦ - بابٌ إِذَا لَمْ يُتِمَّ السُّجُودَ
٣٨٩ - أَخْبَرَنَا الصَّلتُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَخْبَرَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ
حُذَيفَةَ: أنّه رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ، فَلَمَّا قَضى صَلَاتُّهُ، قَالَ لَهُ حُذَيفَةُ: مَا
صَلَّيتَ - قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ - لَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيرِ سُنَّةِ مُحَمَّدٍ وََّ. [الحديث ٣٨٩ - طرفاه في:
٧٩١، ٨٠٨].
وستجيء هذه الترجمة والتي بعدها في صفة الصلاة بعينها، ولولا أنه ليس مِنْ عادة
المصنف رحمه الله تعالى إعادة الترجمة وحديثها معًا، لكان يمكن أن يقال، مناسبةُ الترجمة
الأولى لأبوابٍ سَتْرِ العَوْرَة، الإِشارةُ إِلى مَنْ تَرَكَ شرطًا لا تصح صلاتُهُ، كمن تَرَكَ ركنًا،
ومناسبة الترجمة الثانية، الإِشارةُ إلى أَنَّ المجافاةَ في السجودِ لا تستلزمُ عَدَمَ سَتْرِ العَوْرَة فلا

٣٧
كتاب الصلاة
تكونُ مُبْطِلَة للصلاة، كذا قاله الحافظ. ثم اختار أنَّ الحَمْلَ فيه عندي على النُّسَّاخِ، بدليل
سلامة رواية المستملي من ذلك، وهو أحفظهم.
قلتُ: ويُمْكِنُ أنْ يُتكلف، ويقال: إنَّ الفقهاء ذكروا للسجدةِ شرائط، كوجْدَانِ حَجْم
الأَرْضِ في سجوده، فهي من شرائط الصلاة من هذه الجهة. ومن جهة التعديل، والطمأنينة،
معدودة في صِفَةِ الصلاة(٦) .
٢٧ - بابٌ يُبْدِي ضَبْعَيهِ وَيُجَافِي فِي السُّجُودِ
وإنَّما أَتَى به من جِهَةِ أَنَّ المجافاةَ في السجودِ، لا تستلزمُ عَدَمَ السَّتْرِ، كما مَرَّ عن الحافظ
رحمه الله تعالى، لا من جهةٍ كَيْفِيَّةِ السجود، وهو مِنْ تِلْكَ الجِهَةِ معدودٌ مِنْ صفاتِ الصلاة.
٣٩٠ - أَخْبَرَنَا يَحْيِى بْنُ بُكَيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ،ٍ عَنْ جَعْفَرٍ، عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ ابْنِ بُحَيئَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ نََّ: كَانَ إِذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ
بَيَاضُ إِبْطَيهِ. وَقَالَ اللَّيثُ: حدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ: نَحْوَهُ. [الحديث ٣٩٠ - طرفاه في: ٨٠٧،
٣٥٦٤].
٣٩٠ - قوله: (فَرَّجَ بين يَدَيْهِ) ... إلخ ليستوفي كُلُّ عضوٍ حَظَّهُ مِنَ السجود، لأنَّه نَصَّ
الحديثُ على سَجْدَةٍ أَعْضَاءِ السجودِ كُلِّها، وبالانضمامِ تَصِيرُ الكُلُّ كالعضوِ الواحد، فلا يَتَوَفَّرُ
حَظُ كلِّ منها على حِدَةٍ مع أنَّه مطلوب.
قوله: (ليثُ بنِ سَعْد). قال الشافعي رحمه الله تعالى في حَقِّهِ إنَّه ليس عندنا دون مالكٍ
رحمه الله تعالى، إلا أَنَّ أَصْحَابَهُ أضاعوه. وفي لفظٍ عندي: أَنَّهُ أفقه مِنْ مالكٍ رحمه الله تعالى،
وفي لَفْظٍ آخر: ما آسَيْتُ على عدَمِ لقاءِ أحَدٍ كما آسي على ليثِ بنِ سَعْدٍ، وكان يَذْهبُ إلى قَبْرِهِ
(١) قلتُ: وهو الأَظْهَر عندي والأَنْسَب بأنظار البخاري مع إيماء صنيعه إليه حيث بوب ههنا أولًا: باب إذا لم يتم
السجود، فكأنه أشار إلى أنَّ تماميةَ السُّجُودِ من شَرَائِطِ الصلاة.
وثانيًا: باب يُبدي ضبعيه إلخ فهذا وإن كان من تَمّامِ السجدةِ لكنَّهُ أشارَ إلى أَنَّه ليس من شرائطِ الصلاة، وإِنْ كان
من لم يُبْدِ ضَبْعيه، فإنه لم يُتم السجود، وإنَّما التماميّةُ التي عُدَّتْ من شَرَائطِ الصلاةِ هي التي يُحْكَم على تَارِكها أنَّه
لو ماتَ على غيره مات على غير سنة محمد بَّرَ، كما أخرجه البخاري.
وثالثًا: باب فضْل استقبالِ القِبْلة، فأشارَ إلى أنَّه أيضًا نوع تَمّامِيّة، مع عدم كُوْنِها مِنْ الشَرائِط، ثم إذا بَوَّب في صفةٍ
الصلاةِ، بَوَّبَ أولاً: باب يُبدي ضَبْعَيهِ ويُجا في السجود، وهذه هي صفة السجود، فقدمها في باب صفة الصلاة،
بخلاف تبويبه في شرائط الصلاة، ثم بوب باب ((يَسْتَقْبِل بأطْرَافِ رِجْلَيْهِ))، وهذا أيضًا نَوع صِفةٍ، ثمَّ بَوَّب في
آخرها: باب إذا لم يُتم السجود الخ، وقد كان قَدَّمَهَا في شَرَائطِ الصلاة، وإنما أخره ههنا، لأنه مِنْ صِفاتِ السجودِ
عدمًا، كما كانت الأُولى من صِفَاتِه وجودًا، فلمَّا رأيتُ أنَّه وإنْ أخْرَج هذه الأبواب في الموضعين إلاّ أنَّه عَكس في
الترتيب، تحدس لي أنَّه فَعَلَه لهذا، وليس هذا مِنْ باب النّص في مَوْرِد النّزاع، وإنَّما هو من باب الإشارات، كما
تكون في أبواب المصنف رحمه الله تعالى، فإن سمحت به قريحتك ولم تُماكس، فهذا طارفك فاجمعه مع تَلادِك،
وإلا فأنت اعلم لأني لستُ مِنَ المنازعين بل من المنصتين، اهـ.

٣٨
كتاب الصلاة
ما دَامَ في مصر، وكَتَبَ ابنُ خَلِّكَان: إِنِّي رَأَيْتُ في بعضِ المُبيَّضَاتِ: أنَّهُ كان حنفيًا وَرَحَلِ مِنْ
مِصْرَ إلى مكة، ثمَّ إلى المدينة، ثمَّ إلى العراق، لمجردٍ تَحْصِيلِ العِلْم، وَلَعَلَّهُ لقيَ أبا يُوسف
رحمه الله تعالى هناك فَرَوَى عنه، وأَخْرَجَ الطّحَاوي رِوَايتَه عَن أبي يوسف، في بابِ رَفْعِ
اليدينِ، وليست تلك الرِّوَاية إلا عند أَهْلِ الكوفة، وصَنَّفَ الحافظُ رحمه الله تعالى، في مناقبه
رسالةَ سمَّاها «الرحمةُ الغيثيةُ في ترجمةِ الليثيةٍ)»، وكَتَبَ الذهبي رسالةً مستقلةً في مناقب الإمام
أبي حنيفة، وصاحبيه رحمهم الله تعالى.
٢٨ - بابُ فَضْلِ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ يَسْتَقْبِلُ بِأَطْرَافِ رِجْلَيهِ القبلة
قالَهُ أَبُو حُمَيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َيٍّ .
٣٩١ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ المَهْدِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ
سَعْدٍ، عَنْ مَيمُونِ بْنِ سِيَاءٍ، عَنْ أَنَّسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((مَنْ صَلَّى
صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَاَ، فَذَلِكَ المُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَزِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلَا
تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذِمَّتِهِ)). [الحديث ٣٩١ - طرفاه في: ٣٩٢، ٣٩٣].
٣٩٢ - حدّثنا نُعيمٌ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، عَنْ حُمَيدِ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َّهِ: ((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ، حَتَّى يَقُولُواَ: لَا إِلهَ إِلاَ اللَّهُ، فَإِذَا
قَالُوهَا، وَصَلَّوْا صَلَاتَنَا، وَاسْتَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا، وَذَبَحُوا ذَبِيحَتَنَا، فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِماؤُهُمْ
وَأَمْوَالُهُمْ، إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ).
قوله: (يَسْتَقْبِلُ بِأَظْرَافِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةِ). إنْ كان الغرضُ مِنْ ذِكْرِهِ التَّفْصِيْلُ في الأَعضاءِ التي
تَجِبُ الاستقبالُ بهَا،َ فهو مِنْ شَرَائِطِ الصلاةِ، وإلَّا فهو مِنْ صِفَةِ الصلاةِ. وفي ((الكبير)) من لَمْ
يَسْتَقْبِلْ بِأَظْرَافِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ فَصَلاتُهُ بَاطِلَة .
قلتُ: بل تكون مكروهة لا باطلة.
٣٩١ - قوله: (مَنْ صَلَّى صلاتَنَا). وأُخِذَ مِنْ نحوِ هذه الأحاديث، لَقَبُ أَهْلِ القِبْلة، لأهلٍ
الإسلام.
وَوَجْهُهُ: أَنَّ هذه الأمور، أَمَارَاتٌ جَلِيَّةٌ يَحْصُلُ بِهَا التَّمايُزُ بين الإسلامِ وبَيْنَ سائرِ الأديان،
فإنهم ينتزهون عن أَكْلٍ ذَبِيحِتِنَا، ولا يُصَلُّون صلاتنا، ولا يَسْتَقْبلون قبلتَنا، فصارت تلك كالشِّعارِ
لأهل الإِسْلام، إلا أَنَه مَنْ تُوجد فيه تلك الأمور يُحكم عليه بالإِسلام، وإن أنكر سائر الدين
ومرق منه مُرُوَقَ السهم من الرَّمية .
ولا أرَى أَنَّك شاٌّ في تكفيرٍ من فعل جميع ذلك، ثم أنكر بكون أصغرِ سورةٍ من القرآن
قرآنًا، فكيف بِمَنِ ادّعى النبوة، وَأَهَانَ الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام، وسبهم سبًّا يقشعر منه
الجلود، وحَرَّفَ الدِّينَ كُلَّهُ، واشترى به ثمنًا قليلًا، واستهزأ بالأحاديث، وأخبار الأنبياء عليهم
الصَّلاة والسَّلام ومعجزاتهم، إلى غير ذلك من موجباتِ الكُفْرِ التي لو تحققت واحدة منها في

٣٩
كتاب الصلاة
رجلٍ لكفت لتكفيره، فكيف بمن جمع هذه الأنواع أجمع؟ وأعني به: المرزا غلام أحمد
الكادياني، الذي بغى وطغى، ثمَّ ذهبٍ يَدَّعي النبوة، فَتَرَدَّدَ في تكفيره بعض من لم يمارس كتب
الفقه، وَجَعَلَ يحتاط فيه، ولم يدرِ أنَّ التشجع في إكفار المسلم والتأخر في عدم إكفار الكافر
سواء في الوزر، ولا تنس قول أبي بكر رضي الله عنه أوَّل خليفةٍ بعد رَسُولِ اللَّهِ وَلّ لعمر رضي
الله عنه: ((أجبَّارٌ في الجاهلية، وخَوَّارٌ في الإِسْلام؟» فلم يتأخر عن قتال مانعي الزكاة، حتى
شرح الله صدر عمر رضي الله عنه بأن الاحتياط أيضًا كان فيما عَمِلَ به أبو بكر رضي الله تعالى
عنه .
قوله: (فلا تُخْفِرُوا الله) ... إلخ. لأنَّ أفعالَ الله عز وجل مَسْتُورةٌ تحت الأَسْبَابِ في
الدنيا، فلا يَظْهر خَفَرُهُ وذمته إلَّا على أيْدِيكُم، فلا تُخْفِرُوا أنتم ذِمَّة الله، فيلزم خَفَرَ الله ذَمَّتَهُ على
أیدیکم .
٣٩٣ - قَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيى: حَدَّثَنَا حُمَيٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَن
النَّبِيِّ ◌َّةُ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيدٌ قَالَ: سَأَلَّ
مَيَمُونُ بْنُ سِيَاهٍ أَنَس بْنَ مَالِكِ قَالَ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، ما يُحَرِّمُ دَمَ العَبْدِ وَمَالَهُ؟ فَقَالَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ
لا إله إِلَّ اللَّهُ، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَصَلَّى صَلَاتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا، فَهِوَ المُسْلِمُ، لَهُ مَا لِلْمُسْلِم،
وَعَلَيهِ مَا عَلَى المُسْلِمِ. [طرفه في: ٣٩١].
٣٩٣ - قوله: (وَقال ابن أبي مريم أنا يحيى بن أيوب) ... إلخ قلتُ: وبهذا الإِسناد عندنا
روايته في السُّوَرِ الثلاث في رَكعات الوتر، فلمَّا عَجَزَ الواقِعُ عَنْ جوابها غمزوا يحيى.
قلتُ: وليُحْذَر عَنْ مِثْلِهِ، فإِنَّهُ يوْجِبُ هَدْم كثيرٍ من ذخيرةِ الأحاديث، ومَنْ ذا الذي لم
يَجْرحْ فيه أحد، فَسَدِّدُوا وقَارِبُوا .
٢٩ - بابُ قِبْلَةِ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَأَهْلِ الشَّأْمِ، وَالمَشْرِقِ
لَيْسَ فِي المَشْرِقِ وَلاَ فِي المَغْرِبِ قِبْلَةٌ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ◌ِّ:
(لاَ تَسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، وَلكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا)).
٣٩٤ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ
عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: ((إِذَا أَتَيْتُمُ الغَائِطَ، فَلَا
تَسْتَقْبِلُواَ القِبْلَةَ وَلَا تَسْتَذْبِرُوهَا، وَلكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرَّبُوا)). قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: فَقَدِمْنَا الشَّأُمَ،
فَوَجَدْنَا مَرَاحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ القِبْلَةِ، فَتَنْحَرِفُ، وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أَيُّوبَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َُّ: مِثْلِه.
واعلمٍ أنَّ ابنِ بَطَّال غَلِطَ في تفسيرِ هذه الترجمة، ونَسَبَ إلى المصنف رحمه الله ما لم
يُرِدْهُ، وهو أنَّه لا قِيْلَةَ عنده في هاتين الجهتين في الدنيا بأسرها، ثم فَرَّع عليه أنَّ قول النبيِ نَّهُ
شرِّقوا أو غرِّبوا، عامٌّ عنده لكافةِ النَّاس، أهلِ المدينةِ وغيرِهم فيه سواء.

٤٠
كتاب الصلاة
وقال: تقدير هذه الترجمة هكذا: بابُ قِبْلة أهلِ المدينةِ وأهلِ الشَّام والمشْرِقِ والمغربِ
ليس في التشريق ولا في التغريب. يعني أنَّهم عند الانحرافِ للتشريقِ والتَّغَرِيبِ ليسوا مواجهين
القِبلة ولا مُسْتَدْبِرِين لها، ولم يستثنٍ منه إلا جزئيًا واحدًا، وهو ما قابلَ شرق مكةً من البلاد التي
تكونُ تحت الخطّ المارِّ عليها من مشرِقها إلى مغربها، فتكون قِبلتهم فقط في هاتينِ الجمعتين،
ولا يجوز لهم استعمال حديث أبي أيوب، ولا يصح لهم أن يُشَرِّقوا أو يُغَرِّبوا، وإنَّما يَنْحَرِفون
إلى الجنوب والشمال، وأما سائرُهم فلهم التشريق والتغريب على حديثٍ أبي أيوب مثلَ أهل
المدينة .
قلتُ: وهذا كله كلامٌ باطلٌ، ولم يحمله على ذلك إلا قوله: (ليس في المشرق) ...
إلخٍ، فَحَمَلَهُ على شرق العالم وغربه، وتعجبت من قوله، كيف ساغ له أخذه بهذا العموم، مع
أنَّ المصنف رحمه الله تعالى لم يسمُّ مِنْ جانبه إلا ثلاثة: أهل المدينة، والشام، والشرق، ثم
بَيَّنَ قبلتهم بقوله: (ليس في المشرق) ... إلخ، ثم إنَّ قِبلة المصنف رحمه الله تعالى أيضًا في
المغرب، فيلزم أنْ يكون هو أيضًا جاهلًا عن قِبلته مدة عمره، على أنَّه يوجب أنْ لا تصحَّ عنده
صلوات أهلِ الهند كلِّهم، لأنهم يُصلّون إلى المغرب، وليست فيه قِبلة عندَه لأَحَدٍ مِنَ العالمين،
وكذا صلاة كل من كانت قبلتهم على سَمْتِهِم، وتلك الآفة إنَّما حَدَثَتْ مِنْ حيث إنَّ الهيأةَ ليست
مِنْ فَنِّهم، ولِكُلِّ فنٍ رجال، فإذا لم تتحققِ عنده سَمْتُ القِبلة ولم يَدْرِ جِهَاتِ البلاد، تيسر له
نفي القِبلة عن هاتين الجهتين مطلقًا، مع أنَّه بديهي البطلان، فكيف يليق أَنْ يعزو ذلك إلى ذي
شأن مثل المصنف رحمه الله تعالى.
والحق عندي: إنَّ المصنفَ رحمه الله تعالى لم يَتَعَرَّضْ فيها إلى قِبْلَة كافةِ النَّاسِ، بل أَرَاد
أَنْ يَذْكُرَ قِبْلَةَ هؤلاء الثلاثةِ فقط، وإنَّما خَصَّصَها بالذِكْرِ لأنَّ أَهْلَ المدينةِ وَرَد فيهم الحديث،
ولذا جعلها عمودًا في الترجمة، وكذلك ذَكَر فيه الشام أيضًا، حيث يقولُ أبو أيوب: ((فقدِمنا
الشام))، ولاتصاله بأرض العرب، لأنَّ العرب مُحَاط بالبحرِ من جوانبه الثلاثة، ولا يتصل بالبر
إلا مِنْ هذا الجانب، وهذا هو السِرُّ في عدم تعيين حدوده بعد، لأنَّ تقسيم البلادِ لا يكونُ إلا
بالجبالِ أو البحار، ولا يكون باعتبار السَّلْطَنَة، فإِنَّ الملوكَ يَعْلُو بَعْضُهُم على بعض، وتكون
الحرب سجالًا، فلا تتعين حدودها، وليس هناك جبال أو بحارٌ ليقع التمييز بها، فيبقى فيه
الاشتباه بعد، ولأن الشام مورد الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام والأَبدال، وفيه خصائص أخرى
أيضًا، ثم أراد المصنّف رحمه الله أَنْ يَسْحَبَ حُكْمَه على الجوانبِ والأطراف، فسمى الشَّرْقَ
وتَرَكَ الغرب، لأنَّ معظم المعمورة في تلك الجهةِ فقط، وأرادَ مِنَ الشرقِ شَرْقَ داخل العرب،
لأن الإِسلام لم يخرج من بعد، بل شَرْقَ الحرمين الشريفين كالعراق ونجد، وهو عُرف
الحديث، فلا تراد منه إلا هذه البلاد دون شَرْقِ العالم كُلِّه، وعلى هذا قولهِ وَّ: ((شرِّقوا أو
غرِّبوا)) أيضًا يكون في أهلِ المدينة عنده، لا كما وَهِمَ ابنُ بَطَّال، بل أقول إنَّ المصنِّف رحمه
الله تعالى أَخَذَ ترجمته مِنَْ حديثِ أبي أيوب وَبَنَى عليه، ولمَّا كان حديثُه خاصًا بأَهْلِ المدينةِ
عِنْدَهُمْ جميعًا مع عُمُوم أَلفاظِهِ، عَبَّر أيضًا على نهج تعبيره، فَهَلَّا حملوه على العموم أيضًا،
فكما أَنَّ الحديثَ مع عُمُّومِ ألفاظِهِ محمولٌ على قِبْلَةِ أهلِ المدينة، فبجنبه قولُ المصنّف رحمه