Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
كتاب الغسل
عائِشَةَ قالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنا وَالنَّبِيُّ وَِّّ مِنْ إِناءٍ وَاحِدٍ مِنْ جَنَابَةٍ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ
القَاسِمِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ عَائِشَةَ: مِثْلَهُ.
٢٦٤ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ
أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ وَالمَرْأَةُ مِنْ نِسَائِهِ، يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ. زَادَ مُسْلِمٌ
وَوَهْبٌ، عَنْ شُعْبَةَ: مِنَ الجَنَابَةِ.
٢٦٣ - قوله: (حدثنا أبو الوليد: حدثنا شعبة) ... إلخ هذا هو الإِسناد في قَدْر ماء
وضوئه ◌َّ﴾ أنه كان ثلثي المُدَّ عند النَّسائي.
١٠ - بابُ تَفرِيقِ الغُسْلِ وَالعُضُوءِ
وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ غَسَلَ قَدَمَيهِ بَعْدَ مَا جَفَّ وَضُوءُهُ.
٢٦٥ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ
سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَتْ مَيَمُونَةُ:
وَضَغَّتُ لِرَسُولِ اللّهِ وَلَّ مَاءَ يَغْتَسِلُ بِهِ، فَأَفَرَغَ عَلَّى يَدَيَهِ، فَغَسَلَهُمَّا مَرَّتَيْن أَوْ ثَلَاثاً، ثُمَّ
أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ دَلَّكَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ
غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَغَسَلَ رَأْسَهُ ثَلَاثاً، ثُمَّ أَفرَغَ عَلَى جَسَدِهَ، ثُمَّ تَنَخَّى مِنْ مَقَامِهِ، فَغَسَلَ
قَدَمَیهِ .
١١ - بابُ مَنْ أَفرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمِالِهِ فِي الغُسْلِ
٢٦٦ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ
سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيمُونَةَ بِنْتِ
الحَارِثِ قَالَتْ: وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ وَّهَ غُسْلاً وَسَتَّرْتُهُ، فَصَبَّ عَلَى يَّدِهِ، فَغَسَلَهَا مَرَّةً أَوْ
مَرَّتَيْنِ - قَالَ سُلَيْمَانُ: لَا أَدْرِي، أَذَكَرَ الثَّالِئَةَ أَمْ لَا - ثُمَّ أَفرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ
فَرْجَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأَرْضِ أَوْ بِالحَائِطِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيهِ،
وَغَسَلَ رَأْسَهُ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَخَّى فَغَسَلَ قَدَمَيهِ، فَنَاوَلتُهُ خِرْقَةٌ، فَقَالَ بِيَدِهِ
هكذا، وَلَمْ يُرِدْهَا .
فيه تعريض للمالكية، وإشارة إلى أَنَّ الموالاةَ ليست بشرط، واختار فيه مذهب الحنفية.
قوله: (ويذكر عن ابن عمر رضى الله عنه) أخرجه مالك في موطئه وفيه: أنه غسل رجليه
بعدما بلغ المسجد النبوي. فثبت منه تركُ الموالاة.
٢٦٥ - قوله: (فغسل قدميه) قلت: وفيه تأخير غسل القدمين فقط، وليس فيه أنه غسلهما
بعد الجَفَاف أو قبله.

٤٦٢
كتاب الغسل
١٢ - بابُ إِذَا جَامَعَ ثُمَّ عَادَ، وَمَنْ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ
٢٦٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍ، وَيَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ
شُعْبَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْتَشِرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ذَكَرْتُهُ لِعَائِشَةَ فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ
أَبَا عَبْدِ الرَّحْمُنِ، كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ وَّةِ، فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِماً يَنْضَخُ
طِيباً. [الحديث ٢٦٧ - طرفه في: ٢٧٠].
قوله: (ومن دار على نسائه في غسل واحد) ومراد البخاري من هذا الغسل هو الذي في
الآخر بعد جماع الكُلّ.
٢٦٧ - قوله: (ذَكَرْتُه لعائشة رضي الله عنها) وكان عند ابن عمر أن بقاء أثر الطيب بعد
الإِحرام أيضاً جنابة، فهذه هي المسألة التي ذَكَرَ لها، وإليه مال مالك رضي الله عنه، ومذهب
الجمهور أنه لا بأس بالطّيب قبل الإِحرام، وإن بقي أثره أو جِرْمُه بعده.
قوله: (فيطوف على نسائه) وظاهرِه يخالف القَسْمَ، فقيل: إنه لم يكن واجباً على
النبيِ وَّ لقوله تعالى: ﴿وَتُوِىّ إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] - الآية، وقيل: إنه يجوز مطلقاً بعد
ختم الدورة الواحدة قبل شروع الدورة الأخرى. قلت: وليُحَرَّر أيستقيم على مسائل الحنفية أم
لا؟ فإِني لم أرَ هذا التفصيل في فقهنا! أقول هذه واقعة واحدة في حجة الوداع لم تقع إلا مرة
واحدة، وإن كانت ألفاظ الراوي تُشْعِر بكونها عادة، ولكن عندي اتباعُ الواقع أولى، لأنه لم
يُعْلَم في الخارج غيرُ هذه الواقعة، فليقصرها على موردها. قال ابن الحاجب: إن ((كان)) لا يدلّ
على الاستمرار لغةً لأنه من الكون، إلا أنه يُستفاد منه الاستمرار عُرفاً ولا سيما إذا كان خبره
مضارعاً. قلت: وهذا صحيح إلا أن الواقعة ههنا ليست إلا واحدة كما سيجيء.
٢٦٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ
قَتَادَة قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ بَّهِ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِي السَّاعَةِ الوَاحِدَةِ
مِنَ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَة. قَالَ: قُلتُ لأَنَسِ: أَوَ كَانَ يُطِيقُهُ؟ قَالَ: كُنَّا
نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةً ثَلَاثِينَ. وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: إِنَّ أَنَساً حَدَّثَهُمْ: تِسْعُ نِسْوَةٍ.
[الحديث ٢٦٨ - أطرافه في: ٢٨٤، ٥٠٦٨، ٥٢١٥].
٢٦٨ - قوله: (وهن إحدى عشرة) التسع منهن منكوحة، وثنتان سُرِّيَتَان.
قوله: (قوة ثلاثين) وفي ((الحلية)) لأبي نعيم: ((قوة أربعين كل رجل من رجال أهل
الجنة))، وفي إسناده أبو حنيفة رضي الله عنه. وأبو نعيم ليس من مخالفي أبي حنيفة رضي الله
عنه بخلاف الخطيب. وفي الترمذي: أن قوة رجل من أهل الجنة كمائة رجل فمن ضرب
الأربعين في المائة يحصل أربعة آلاف. كذا ذكره السيوطي. قلت: والذي تحقَّق عندي بعد هدم
اختلاف الألفاظ وتعبير الرواة أنه أعطي في الدنيا ما يُعطَى سائرهم في الجنة، لكونه في الدنيا
من رجال أهل الجنة، وليست وراءه إلا تعبيرات وتَفَتُّناً في العبارات، فليحملها عليه.

٤٦٣
كتاب الغسل
١٣ - بابُ غَسْلِ المَذِي وَالوُضُوءِ مِنْه
٢٦٩ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمُنِ،
عَنْ عَلِيّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ رَجُلاً أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ◌َلِ، لِمَكَّانِ ابْنَتِهِ، فَسَأَلَ
فَقَالَ: ((تَوَضَّأُ وَاغْسِل ذَكَرَك)).
ثم الغُسل عند كل جماع مستَحَبٌ عندنا، ولا يُدْرى أنَّه مستحبٌّ فقهيٍّ أو لكونه أنفع،
وذهب بعضهم إلى الوجوب.
١٤ - بابُ مَنْ تَطَيَّبَ ثُمَّ اغْتَسَلَ وَبَقِيَ أَثَرُ الطِّيبِ.
٢٧٠ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْتَشِرِ،
عَنْ أَبِيِهِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، فَذَكَرْتُ لَهَا قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ: مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُخَرِماً أَنْصَحُ
طِيباً، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَنَا طَيَّيْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ، ثُمَّ طَافَ فِي نِسائِهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مُخْرِماً .
قوله أنها طيبت فانظر كيف عبرت ههنا بكونها واقعة بخلاف الحديث المار عن قريب
فعبرت فيه كأنه كان عادة له فقالت فيه كنت أطيب إلخ. فهذا كله من تصرفات الرواة وعلى
المشتغل أن يتبع الواقع ولا يذهب بكل تعبير .
٢٧١ - حدّثنا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ،
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَأَنِي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطَّبِ فِي مَفرِقِ النَّبِيِّ نََّ وَهُوَ مُحْرِمٌ. [الحديث
٢٧١ - أطرافه في: ١٥٣٨، ٥٩١٨، ٥٩٢٣].
١٥ - بابُ تَخْلِيلِ الشَّعَرِ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ أَفَاضَ عَلَيهِ
٢٧٢ - حدّثنا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِنَّةِ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ، غَسَلَ يَدَيهِ، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ
لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدِهِ شَعَرَهُ حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ، أَفَاضَ عَلَيهِ
المَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ.
٢٧٣ - وَقَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا ورَسُولُ اللَّهِ وَلَّهِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، نَغْرِفُ مِنْهُ جَمِيعاً.
[طرفه في: ٢٥٠].
١٦ - بابُ مَنْ تَوَضَّأَ فِي الجَنَابَةِ ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ وَلَمْ يُعِدْ غَسْلَ
مَوَاضِعِ الوُضُوءِ منه مَرَّةً أُخْرَى
٢٧٤ - حدّثنا يُوسُفُ بْنُ عِيسى قَالَ: أَخْبَرَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسى قَالَ: أَخْبَرَنَا
الأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيمُونَةً قَالَتْ:

٤٦٤
كتاب الغسل
وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِوَّةِ وَضُوءًا لِلْجَنَابَةِ، فَأَكْفَأَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمِالِهِ مَرَّتَينٍ أَوْ ثَلَاثاً، ثُمَّ غَسَلَ
فَرْجَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بِالأَرْضِ أَوِ الحَائِطِ، مَرَّتَيْنٍ أَوْ ثَلَاثاً، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ
وَجْهَهُ وَذِرَاعَيهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ المَاءَ، ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ، ثُمَّ تَنَخَّى فَغَسَلَ رِجْلَيهِ،
قَالَتْ: فَأَتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ فَلَمْ يُرِدْهَا، فَجَعَلَ يَنْفُضُ بِيَدِهِ.
وحاصله: أنه إذا اغتسل بعد الوضوء فليس عليه أن يفيض الماء على أعضاء وضوئه ثانياً،
فإن شاء أفاض عليها الماء، وإن شاء اكتفى بغسل سائر جسده فقط، ولمَّا قابل الراوي بين
أعضاء الوضوء والجسد حيث ذكر أولاً غسلها وذكر بعده غسل الجسد بثم، ظهر أَنَّه أرادَ من
الجسد غيرها، وثبت ما رامه المصنّف رحمه الله تعالى ((سائر)) الأفصح أنه بمعنى الباقي، من
السؤر بمعنى الباقي والفضل، وقيل: بمعنى الجميع من السور أي من سور البلد.
١٧ - بابُ إِذَا ذَكَرَ فِي المَسْجِدِ أَنَّهُ جُنُبٌّ، يَخْرُجُ كَمَا هُوَ وَلاَ يَتَيَمَّمُ
قال النُّحَاة: (كما هو) قد يكون للتشبيه، وقد يكون للمفاجأة، وهو المراد ههنا .
قوله: (ولا يتيمم) ولا يجوز للجنب أَنْ يَدْخل المسجد عندنا، فإِنْ دخل ناسياً يتيمم ثم
يخرج، وفي رواية غير مشهورة: يخرج وإن لم يتيمم. كذا في ((رد المحتار))، وهي المختارة
عندي، وإن كانت غير مشهورة، وهو المتبادَر في الحديث، فإِن النبي ◌ٌَّ لو كان تيمم لَذَكَرَهُ
الراوي، فهو سكوت في مَعْرِض البيان، وأصل الكلام في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُم
◌َّرْضَّ أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنَكُم مِّنَ اُلْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا
طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] - الآية.
قال الشافعية رضي الله عنهم: إنَّ صدرَ الآيةِ في حُكْمِ الصَّلاةِ ثم انتقل إلى حكم
المسجد، فلا يجوز للجنب أن يدخلَ فيه إلا بطريق العبور والاجتياز. وقال الحنفية: إن آخِرَها
أيضاً في حكم الصلاة كأوَّلها، ومعناه: لا تقربوا الصلاة حال كونكم جنباً إلا أن تكونوا
مسافرين. ويَردُ عليه قوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ فإِنه يوجب التكرار على هذا التقدير! والجواب أنه
أعادَهُ لبيان حكمه، لأنه لم يذكره أوّلاً، فهذا استئناف بإِعادة ما استؤنف عنه، وهو نوع من
البلاغة.
ويَرِدُ على الشافعية أنه يجب عليهم تقدير المضاف، أي: لا تقربوا مواضع الصلاة ليكون
المذكور فيها حكم المساجد، وهذا خلافٌ الظاهر، فإِن المتبادَر أنها في حكم الصّلاة دون
المسجد، وأيضاً قوله: ﴿عَاِى سَبِيلٍ﴾ وإن صلح للعبور والاجتياز لغةً إلا أنَّ المتبادرَ منه عُرفاً
المسافر، فيقال للمسافر: إنَّه عابرُ سبيل وابن سبيل.
أقول: والذي تبين لي أن الآية سِيقت لبيان أحكام الصلاة، ثم انسحبت على ذكر
مواضعها أيضاً، فالحكم في القطعة الأولى للعبادة، وفي الثانية لمواضع العبادة. فإِن شئت
سمَّيتَه صنعةَ الاستخدام أو غيرها. وحاصلها عندي: لا تقربوا الصلاة وأنتم سُكَارى، ولا تقربوا

٤٦٥
كتاب الغسل
مواضعها جنباً إلا أن تكونوا مسافرين، فوافقتُ الشافعية في التفسير، والحنفية في المسألة،
وكثيراً ما فعلته في مواضع.
أما الجواب عن الحديث فقد مرَّ معنا في باب الاستقبال والاستدبار: أنه يجوز أن يكون
من خصائصه ﴿ لِمَا عند الترمذي في مناقب علي رضي الله عنه: عن أبي سعيد مرفوعاً: ((لا
يَحِلُّ لأحدٍ غيري وغيرك أن يُجْنِبَ في المسجد)) (بالمعنى) واستغربه الترمذي، وعدَّه ابن
الجوزي في الموضوعات. قال الحافظ رضي الله عنه: إن الحديث قوي، وأخرج له متابعات،
وقد مر من قبل مفصَّلاً فراجعه .
فائدة: واعلم أن الروايات إذا اختلفت عن إمامنا في مسألة، فعامة مشايخنا يسلكون فيها
مسلك الترجيح، فيأخذون بظاهر الرواية ويتركون نادِرَها، وليس بسديد عندي ولا سيما إذا
كانت الرواية النادرة تتأيد بالحديث، فإني أحمله على تلك الرواية، ولا أعبأ بكونها نادرة، فإِنّ
الرواية إذا جاءت عن إمامنا رحمه الله تعالى لا بد أن يكون لها عنده دليل من حديث أو غيره،
فإِذا وَجَدتُ حديثاً يوافقها أحملُه عليها .
نعم، الترجيح إنما يناسب بين الأقوال المختلفة عن المشايخ، فإِن التضاد عند اختلاف
القائلين معقول، وربما يكون التوفيق بينهما خلافَ منشئهم، وحينئذ لا سبيل إلا إلى الترجيح،
بخلاف ما إذا جاء الاختلاف عن قائل واحد، فإِنّ الأولى فيها الجمع، فإِن الأصل في كلام
متكلم واحد أن لا يكون بين كلاميه تضاد، فينبغي بينهما الجمع أوّلاً، إلا أن يترجح خلافه،
والأسّف أنهم إذا مروا بأحاديث مختلفة يبتغون الجمع بينها عامة، وإذا مروا بروايات عن الإِمام
إذا هم يرجِّحون ولا يسلكون سبيل الجمع، فالأحب إليَّ الجمع بين الروايات عن الإِمام مهما
أمكن، إلا أن يقوم الدليل على خلافه، فاعلمه ولا تعجل.
٢٧٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ،
عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُقَيِمِتَ الصَّلَاةُ وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ قِيَاماً،
فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ وََّ، فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّهُ، ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌّ، فَقَالَ لنَا: ((مَكَانَكُمْ)). ثُمَّ
رَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ. تَابَعَهُ عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ
مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَرَوَاهُ الأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِي. [الحديث ٢٧٥ - طرفاه في: ٦٣٩، ٦٤٠].
١٨ - بابُ نَفْضِ اليَدَينِ مِنَ الغُسْلِ عَنِ الجَنَابَةِ
٢٧٦ - حدّثنا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الأَعَمْشَ، عَنْ سَالِم، عَنْ
كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ مَيمُونَةُ: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ◌َِّ غُسْلاً، فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ،
وَصَبٍّ عَلَىَ يَدَيَهِ فَغَسَلَهَّمَا، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمِالِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ الأَرْضََ
فَمَسَحَهَا، ثُمَّ غَسَلَهَا، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيهِ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ،

٤٦٦
كتاب الغسل
وَأَفاض عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَخَّى فَغَسَلَ قَدَمَيهِ، فَنَاوَلتُهُ ثَوْباً فَلَمْ يَأْخُذْهُ، فَانْطَلَقَ وَهُوَ يَنْفُضُ
يَدَیهِ .
١٩ - بابُ مَنْ بَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيَمَنِ فِي الغُسْلِ
٢٧٧ - حدّثنا خَلَّادُ بْنُ يَحْيى قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعِ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُسْلِم،
عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّا إِذَا أَصَابَتْ إِحْدَانًا جَنَابَةٌ، أَخَذَثَ بِيدَيِّهَا
ثَلَاثاً فَوْقَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ بِيَدِهَا عَلَى شِفِّهَا الأَيمَنِ، وَبِيَدِهَا الأُخْرَى عَلَى شِقِّهَا
الأَيسَرِ.
٢٧٥ - قوله: (فكّر فصلينا معه) ... إلخ واعلم أن في تكبيره وَّ اختلافاً واضطراباً ذكره
أبو داود، فيُعلم من بعض الألفاظ أنه انصرف بعد أن كَبَّر، ومن بعضٍ آخر أنه انصرف قبل أن
يكبِّرِ، فذهب ابن حِبَّان إلى تعدُّد الواقعة، وبعضُهم إلى وَحْدَتِها.
قلت: والذي عندي أنَّ الواقعةَ واحدة وهي كما في البخاري، وفيه تصريح أنه لم يكن كَبَّر
كما في باب هل يخرج من المسجد لِعِلَّة: ((حتى إذا قام في مصلاه انتظرنا أن يُكَبِّر))، وعند
مسلم في باب متى يقوم الناس للصلاة ((حتى إذا قام في مُصَلَّاه قبل أن يكبِّر ذَكَر فانصرف)) وما
في أبي داود في بعض ألفاظ ((كَبَّر)) معناه: بلغ موضع التكبير، وكذا أن يكبِّر، وهذا التعبير عام،
فإِنهم يُعَبِّرون عن القريب من الشيء بالشيء، وذهب البخاري رحمه الله تعالى إلى أن هذه
الواقعة بعد التكبير ثم فرَّع عليه مسألة وهي جواز تقدُّم تحريمة المؤتم على تحريمة الإِمام، وهو
مروي عن الشافعي رحمه الله تعالى في رواية، ووجه التفريع أن النبي ◌َّر أعاد تحريمته بعد
انصرافه، ولا بد لوقوعها في حالة الحَدَث، والظاهر من حال المقتدين أن تحريمتهم السابقة قد
اعتُبِرَتْ واعتُدَّ بها، فلزم تقدُّم تحريمتهم على تحريمة الإِمام.
قلت: وأصل النزاع في رابطة القدوة: وَسَّع فيها الشافعية وَوَسَّعَ البخاري أزيد منهم، ولما
كانت تلك الرابطة عندهم ضعيفة جداً تحمَّلوا تلك الاختلافات بأنواعها فيما بين المقتدي
وإمامه، فجوَّزوا الاقتداء عند اختلاف الصلاتين ذاتاً وصفةً، ومن هذا الباب تقدم التحريمة على
تحريمة الإِمام، وعدم سراية فساد صلاة الإِمام إلى صلاة المقتدي، وهذا كلّه لأنهم لم يَرَوْها
شديدةً، بخلاف الحنفية، فإِنهم شدَّدوا فيها، ولذا عبّروا عنها بلفظ ((التضمن)) كما في ((الهداية))،
فانعكست عندهم التفريعات بأسرها .
فالحاصل: أن مسائل القدوة عند الشافعية على خلاف مسائل التضمن عند الحنفية. ولما
اختار المصنّف رحمه الله تعالى مسائلهم على أوسع وجه، ذهب إلى جواز تقدم التحريمة أيضاً،
ولعلك علمتَ مما سبق تمسك الإِمام البخاري إنما ينهض إذا سلّمنا أنه وَّ كان دخل في
الصلاة وفرغ عن التكبير، وأن القوم لم يُعيدوا تحريمتهم، وفي كلا الأمرين نَظَرٌ، أما الأول،

٤٦٧
كتاب الغسل
فقد عَلِمتَ. وأما الثاني، فلأنه روي أنَّ القومَ أعادوا تحريمتهم كما في الدَّار قطني أنهم كَبَّروا
بعد انصرافه ◌َلڑ.
على أنَّ المسألةَ عند المصنّف رحمه الله تعالى أن الإِمام إن كان فرغ عن التكبير يجب
على القوم أن لا يزالوا قائمين على هيأتهم، مع أنَّ روايةً أبي داود صريحةٌ في أنه أمرهم
بالجلوس. ففيه: عن محمد رحمه الله تعالى مرفوعاً قال: فكبّر ثم أومأ إلى القوم أن اجلسوا،
فذهب فاغتسل، وكأن هذا الراوي يناقض نفسه عند المصنّف رحمه الله تعالى، فإِنه يذكر تكبير
الإِمام، ومع هذا يقول: إنه أمرهم بالجلوس! وهذا يناقض ثبوت التكبير عنده، لأنَّ الجلوسَ
عنده فيما إذا لم يكبِّر الإِمام، وعبارة المصنّف رحمه الله تعالى في بعض النسخ هكذا: ((قيل
لأبي عبد الله: إن بدا لأحدنا مثلَ هذا يفعل كما فعل النبي ◌َّرَ؟ قال: فأي شيء يصنع؟ فقيل:
ينتظرونه قياماً أو قعوداً، قال: إن كان قبل التكبير فلا بأس أن يقعدوا، وإن كان بعد التكبير
ينتظرونه قياماً)). وحكى بعض المحدثين عن أبي داود في هذه الواقعة جلوسَ بعضٍ وقيامَ
بعض(١).
ثم اعلم أنه ينبغي للرسول أن تقع له مثل هذه الواقعة مرة أو مرتين لقوله وَله: ((إنما أُنَسَّى
لأَسُنَّ))، ولكونهم بشراً فينسون كما تَنْسَون، وهذا كمال في حقهم ورحمة في حق أممهم.
٢٠ - بابُ مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَاناً وَحْدَهُ فِي الخَلوَةِ، وَمَنْ تَسَتَّرَ فَالتَّسَتُّرُ أَفضَلُ
وَقَالَ بَهْزٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّ:((اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيِى مِنْهُ مِنَ
النَّاسِ».
هذه الترجمة إذا كان في الفضاء وأَمِنَ من مرور الناس، وفي مراسيل أبي داود: أنه لو
اغتسل في الفضاء فليَخُظّ حوله خطّاً، لأن هناك أيضاً من عباد الله مَن يُسْتَحَى منهم، فالمطلوب
التستر، ولو اغتسل عُرياناً لا يكون معصيةً.
قوله: (الله أحق) يعني أن الله سبحانه وإن كان يعلم سِرَّهم ونجواهم إلا أنه ينبغي أن
يُسْتَحْيَى منه مما يُسْتَحْيَى فيما بين الناس، فهذا من الآداب.
(١) قلت: والذي في أكثر الروايات أن النبي ◌َ لو قال لهم: ((مكانكم أو كما أنتم)) بعد اختلافهم في أنه كان إيماءً أو
قولاً، ولم أرَ في أحدٍ من الروايات أنه أمرهم بالقيام صراحةً، بل في بعضها: «فلم نزل قياماً ننتظره)» بعد قوله:
((مكانكم))، فهذا يُشْعِر أن قيامهم كان من عند أنفسهم حملاً لقوله: ((مكانكم)) على القيام، مع أنه يمكن أن يكون
أراد منه عدم تفرقهم من المسجد، وحينئذٍ لا يبقى في قوله: ((فلم نزل قياماً)» دليلٌ للبخاري على أن قيامهم كان
بأمر النبي ◌َّز، مع ثبوت الأمر بالجلوس عنه ◌َّ صراحةً. والذي يظهر أنه لم يأمرهم بالقيام ولا بالجلوس،
وإنما أشار إليهم أو تكلم كلاماً فحمله بعضهم على الأمر بالقعود وبعضهم على الأمر بالقيام، فلم يزل بعضهم
قائماً وقعد بعضهم، كما نقله بعض المحدثين عن أبي داود، ثم إن ترجح أنه تكلم معهم كلاماً تجري مسألة
الكلام في الصلاة أيضاً، والظاهر فيه عندي أنه جمع بين الإِشارة والكلام، وهو المعروف في مثل هذه المواضع
ولا سيما على ما قلنا: إنه لم يكبِّر، فإِنه لا حَجْرَ في الكلام إذن، والله تعالى أعلم.

٤٦٨
كتاب الغسل
٢٧٨ - حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ نَصْرِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّام بْنِ
مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَ قَالَ: ((كَانَتْ بَنُوِ إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةٌ، يَنْظُرُ بَعْضُهُمَ
إِلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا يَمْنَعُ مُوسى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلا أَنَّهُ
آدَرُ، فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَخَرَجَ مُوسی فِي
إِثْرِهٍ، يَقُولُ: ثَوْبِي يَا حَجَرُ ثوبي يا حجر، حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسى، فَقَالُوا :
وَاللَّهِ مَا بِمُوسى مِنْ بَأْسٍ، وَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بِالحَجَرِ ضَرْباً)). فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ
لَنَذَبٌّ بِالحَجَرِ، سِتَّةٌ أَوْ سِّبْعَةٌ، ضَرْباً بِالحَجَرِ. [الحديث ٢٧٨ - طرفاه في: ٣٤٠٤، ٤٧٩٩].
٢٧٨ - قوله: (يغتسلون عُرَاةً) ولعله كان في التِّيهِ لانعدام العِمَارَات فيها .
قوله: (ثوبي يا حجر) يدل على أن فيه شعوراً، ولكنه من نحو العلم الحضوري فقط.
قوله: (لَنَدبّ) ترجمتُه في لساننا: "ليكين". قلت: وإنما رُئي عليه من ضربه ندباً فقط، لأنه
قُدِّر منه تفجّر الأعين، وإلا لانعدم بضرب موسى، وأَنَّى كان للحجر أن يضربه نبي مغضَباً عليه ثم
يبقى موجوداً، ألا ترى أنه وَكَزَ واحداً من أهلهم فقضى عليه، ولطم المَلَك ففقأ عينه، وأشار
النبِي وََّ برُمح إلى رجل ناداه في أُحُد يا محمد، وأراد أن يُبَارزه فخرَّ يَتَدَهْدَه(١)، ودعا بالويل
والتُبُور حتى مات مُخْرَقاً، ولذا قيل: شر القتلى من قتله نبي، ولذا لم يثبت عن النبي ◌َّ القتال.
٢٧٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة، عَنِ النَّبِيِّ وَلِ قَالَ: ((بَينَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْياناً، فَخَرَّ عَلَيهِ
جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَشِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يَا أَيُّوبُ، أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيتُكَ عَمَّا
تَرَى؟ قَالَ: بَلَى وَعِزَّتِكَ، وَلكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِك)). وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ، عَنْ مُوسى بْنِ
عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بِن سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ قَالَ: ((بَيْنَا
أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَاناً ... )). [الحديث ٢٧٩ - طرفاه في: ٣٣٩١، ٧٤٩٣].
٢٧٩ - قوله: (يغتسلُ عرياناً)(٢) أي بعد ما صحّ ممَّا ابتُلي به.
(١) فإِن قلت: لِمَ استعمل الله الحجر في فعل يُنسب إلى الوقاحة؟ فالجواب أن الله تعالى أراد أن يُبَرِّىء رسوله من
عيب كانوا يرمونه به، أعني الأدرة، وكان لا بد له من أن يُرَى عُرياناً لئلا يبقى في أنظار الطاعنين فيه عيب،
وعَلِمَ أن ذلك أنفعُ لهم من تستره وبقائهم في التردد، على أنه لم تكن فيه عندهم وقاحة، فإنه كان من عاداتهم،
فإذا لم يكن عندهم فيه عيب، وكان ذهابه إليهم عُرياناً أقطع لطعنهم، تحمَّل هذا . - كذا في تقرير الفاضل عبد
العزيز بالهندية -.
(٢) واعلم أن النبوة بعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام انحصرت في ذريته بنص القرآن، وله ابنان: إسحاق،
وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام، ولإسحاق عليه السلام ابنان: يعقوب، وعِيصَ عليهما الصلاة والسلام.
والنبوة إنما جرت في ذرية يعقوب عليه الصلاة والسلام، والظاهر أن أيوب عليه الصلاة السلام نبيٍّ من بني
إسرائيل، لأنه لا دليل على تقدمه على إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وبعده قد انحصرت النبوة في ذريته، ثم في
بني إسرائيل، وإن قلنا: إنه من الروم من ذرية عِيص عليه الصلاة والسلام لزِمَ إثبات النبوة في ذرية عِيص عليه
الصلاة والسلام، والمشهور خلافه، ـ كذا في تقرير الفاضل عبد العزيز -.

٤٦٩
كتاب الغسل
قوله: (عما ترى) أي بعد النجاة إلى الآن.
قوله: (لا غنى بي عن بركتك) ما ألطفَ جوابَه وأملحه لفظاً، وأعمق معنىً، وأليق شأناً،
فهذا لا يمكن إلا ممن اصطفاهم الله لنفسه. ومثله جواب موسى عليه السلام حين ناداه ربه:
﴿خُذْهَا وَلَا تَّخَفْ﴾ [طه: ٢١] فجعل موسى يَلُفُّ ثوباً على يده ويَمُدُّ إليها يده ليأخذها، فنُودي أَلَا
تعتمد علينا قال: بلى، ولكني بَشَرٌ خُلِقْتُ من ضعف. وكجواب إبراهيم خليل الله عليه الصلاة
والسلام قال: ﴿بَىّ وَلَكِن لِيَطْمَبِنَّ قَلِىٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠]. فهؤلاء الأنبياء عليهم السلام يُلْهَمون
جوابَهم من جهته تعالى، وإلا فَمن يتكلم بين يديه إلا من بعد إذنه.
٢١ - بابُ التَّسَتُّرِ فِي الغُسْلِ عِنْدَ النَّاسِ
يعني لا بأس بالغُسل بينهم إذا كانت له سُترة تستره عن أعين الناس.
وحاصل المسألة عندي: أنَّ التسترَ في الفضاء مطلوب ولو بثوب، ولا أقلَّ من خطٍ، وإن
لم يفعل وأَمِن المرور لا بأس، أما في المُسْتَحِمّ والمُغْتَسَل - كما في زماننا - فلا بأس بالغُسل
عُرِياناً .
٢٨٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ
اللَّهِ: أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِىءٌ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِىءٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ
تَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُول اللَّهِ وَ سَِّ عَامَ الْفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ، فَقَالَ: ((مَنْ
هذهِ؟)) فَقُلتُ: أَنا أُمُّ هَانِىءٍ. [الحديث ٢٨٠ - أَطْرافه في: ٣٥٧، ٣١٧١، ٦١٥٨].
٢٨٠ - قوله: (فوجدته يغتسل) وفي الروايات أنَّه صلى ثمان ركعات، وفي ابن ماجه
تصريح بكون التسليمتين على كل ركعتين ثم إنها كانت صلاة الضحى أو شكراً للفتح ووافق
وقتها فلينظره.
٢٨١ - حدّثنا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ
سَالِمِ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيمُونَةً قَالَتْ: سَتَرْتُ النَّبِيَّ وَُّ
وَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ صَبََّّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا
أَصَابَهُ، ثُمَّ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى الحَائِطِ أَوِ الأَرْضِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيهِ، ثُمَّ
أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ المَاءَ، ثُمَّ تَنَخَّى فَغَسَلَ قَدَمَيهِ. تَابَعَهُ أَبُو عَوَانَةَ، وَابْنُ فُضَيلٍ، فِي
السَّتْرِ.
٢٨١ - قوله: (تابعه أبو عَوَانَة) هو وَضَّاحِ بن يَشْكُر (وابن فُضَيل) اسمه: محمد.
٢٢ - بابُ إِذَا اخْتَلَمَتِ المَرْأَةُ
٢٨٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَة، عَنْ أُمِّ سَلَمَةٍ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنَّها قَالَتْ: جَاءَتَ أُمُّ سُلَيمٍ، امْرَأَةٌ

٤٧٠
كتاب الغسل
أَبِي طَلحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَه فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، هَل
عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا هِيَ احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَ: ((نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ المَاءَ).
٢٣ - بابُ عَرَقِ الجُنُبٍ، وَأَنَّ المُسْلِمَ لاَ يَنْجُسُ
٢٨٣ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيى قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا
بَكْرٌ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َيَّ لَقِيَهُ فِي بَعْضٍ طَرِيقِ المَدِينَةِ وَهُوَ
جُنُبٌ، فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ، فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: ((أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟)) قَالَ:
كُنْتُ جُنُباً، فَكْرِهْتُ أَنْ أُجالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيرِ طَهَارَةٍ، فَقَالَ: ((سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ المُسْلمَ
لَا يَنْجُسُ)). [الحديث ٢٨٣ - طرفه في: ٢٨٥].
٢٤ - بابُ الجُنُبِ يَخْرُجُ وَيَمْشِي فِي السُّوقِ وَغَيرِهِ
وَقَالَ عَطَاءٌ: يَحْتَجِمُ الجُنُبُ، وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ، وَيَحْلِقُ رَأْسَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَضَّأُ .
٢٨٤ - حدّثنا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حمَّادٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ،
عَنْ قَتَادَة: أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ وَ لَ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ
الوَاحِدَةِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ.
٢٨٥ - حدّثنا عَيَّاشٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيدٌ، عَنْ بَكْرٍ، عَنْ
أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: لَقِيَّنِي رَسُولُ اللَّهِ وَّرَ وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَمَشَيتُ
مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ، فَانْسَلَلتُ، فَأَتْتُ الرَّحْلَ، فَاغْتَسَلتُ ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ:
((أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرّيرة؟)) فَقُلتُ لَهُ، فَقَالَ: ((سُبْحَانَ اللَّهِ يَا أَبَا هِريرة، إِنَّ المُؤْمِنَ لَا
يَنْجُسُ)).
وفي ((الدر المختار)) أن مُدْمِنَ الخمر لو وُجِدَ ريح الخمر من عَرَقه، فثوبه نَجِس. وفي
((المبسوط)) لمحمد رحمه الله تعالى أن غُسَالة الميت نَجِسة. وحَمَلَه المشايخ على ما اختلط بها
نجاسة خارجة منه، بخلاف الكافر، فإنه جِيفة حياً وميتاً، فغُسالته نَجِسَة ولو لم يخرج منه شيء.
وظني أنَّ المصنَّف رحمه الله تعالى ذهب إلى نجاسة بَدَنِ الكافر، ونُسِب إلى مالك رحمه الله
تعالى أيضاً، واختاره الحسن البصري أيضاً، فلو غَمَسَ يدَه في الماء يصير نجساً، كما ذكره
العيني، فكأنه أسوأ من الخنزير أيضاً حيث سؤره طاهر عند مالك في رواية، وهو ظاهر القرآن،
فإنه قال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] ... إلخ.
واعلم أن النَّجَس في اللغة: ما كان نَجِساً في ذاته كَعَذِرَةِ الإنسان وبوله، لا ما اختلطت
به النجاسة. وعلى هذا لا ينبغي أن يُطلق النَّجَس على الثوب النَّجِس، بل يقال فيه: إنه
متنجّس، لأن أهل اللغة لا يتعارفون إلا ما كان نَجَسَاً عندهم، وهو ما يكون متقذِّراً طبعاً، أما
ما يكون نَجِساً بعد حكم الفقهاء، فإنه بمعزل عن أنظارهم، ولذا لم يضعوا له لفظاً، ولمّا لم

٤٧١
كتاب الغسل
يكن عندهم لفظ موضوع لهذا النوع من النَّجَس اضطر الفقهاء إلى التوسيع في هذا اللفظ،
فاستعملوه في النَّجَسِ والمُتَنَجِّس أيضاً، وأما أصل اللغة فكما قلنا .
وحينئذ ظهر معنى ما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنه: أن المؤمن لا يَنْجُس حياً
وميتاً. ورَفْعُه معلول، وقد مرَّ عليه الوزير محمد بن إبراهيم(١) فقال: لا يصح إطلاقه على
المؤمن لا حقيقة ولا مجازاً، وهذا الفاضل زَيديٌّ، وعندهم أحاديث أهل السنة أيضاً حجةٌ،
والحافظ رحمه الله تعالى لما جاء إلى الحج أجازه أيضاً في الحديدة كما ذكره في ((الدُّرَر
الكامنة)» .
وقد مرّ أيضاً أن قوله وَّةٍ: ((إن الماء ظهورٌ لا ينجِّسُه شيء))، حمله الشيخ ابن الهُمَام على
الماء الخاص، وأخذ اللام للعهد، وقيَّده الطحاوي بقوله: ((كما زعمتم))، كما قَيَّد في سؤر
الهرة، وانكشف بهذا التحقيق أنه ليس بنَجَسٍ حال كون النجاسة فيه أيضاً، فإن له صورةً التطهير
بإخراج النجاسة ونَزْح البئر، فماء الآبار ليسَ بنَجَس، ولكنه متنجِّس، إلا أنه لمّا كَثُر في الفقه
إطلاق النَّجَس على المتنجِّس غُفِل عن هذا الإطلاق حتى لا يَسبقَ إليه ذهن أحد، وعليه قوله
تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ تَجَسُ فَلاَ يَقْرَبُوْ اَلْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ .
واعلم أنَّ في الآية حكمين: الأول: بنجاسة الكافر، والثاني: بحرمة دخولهم في
المسجد الحرام. وقد علمتَ مذهب مالك رحمه الله تعالى في الجملة الأولى، وأما في
الجملة الثانية فإنَّه قال: إن الكافرَ لا يدخل المسجد الحرام ولا غيرَه، مع أنه ثبت في
أحاديث الصحيحين وغيرهما دخولهم في المسجد، ومرّ عليه القاضي أبو بكر بن العربي
المالكي وقال: إن تلك الوقائعَ كلَّها قبلٍ عامهم هذا، وإنما النهي فيما بعد عامهم هذا، ثم إن
النَّصَ وإن خَصَّصَ المسجد الحرام بالذّكرِ لكنه عَمَّم الحكم بالتعليل فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ
نَجَسُ﴾ فالنهي عن دخولهم لكونهم أنجاساً، فيشمل المساجد كلها ولا يختص بمسجد دون
مسجد .
وأما الشافعية، فلم أر عنهم شيئاً في نجاسة المشرك، وصرَّحوا أن الكافر لا يدخل
المسجد الحرام، فوافقوا مالكاً رضي الله عنه في الحكم، وخالفوه في التعميم.
وأما الحنفية فإنهم قالوا: إنَّ المشركَ ليس بنَجَسٍ، وله أن يَدخل المسجد الحرام وغيرَه،
(١) وهو زيدي من القرن الثامن، وكان أخوه الكبير مَلِكاً وهذا وزيراً له، وكانت السلطنة في آبائه من نحو ألف سنة،
والزيدية لا يَسُبُّون الصحابة، وكُتُبُ أهل السنة كلُّها حجةٌ عندهم، غير أنهم يُفَضِّلون علياً رضي الله عنهم،
وكتابهم ((المجموع)) لزيد بن علي، وهو ابن زين العابدين، وهو راوٍ لبعض أحاديث أبي داود في موضعين أو
ثلاثٍ، وعلى تلك ((المجموع)) حاشية للوزير المذكور، وفيها: أن إطلاق النَّجَس لا يصح على المؤمن لا حقيقة
ولا مجازاً، «قلت: ونفي المجاز مُشْكِلٌ، ويُعْلَم من حاشيته أنه رجل دقيق النظر، واستجاز من الحافظ ابن
حجر رحمه الله تعالى حين سمع أنه جاء للحج، وسافر له من صنعاء اليمن، فأجازه الحافظ رحمه الله تعالى،
وصنف الحافظ رحمه الله تعالى ((النُّخبة)) وشرحه في السفر. كذا في تقرير الفاضل عبد العزيز.

٤٧٢
كتاب الغسل
كما في ((الجامع الصغير))، فأشكلتْ عليهم الآية. قلت: وفي ((السِّيَر الكبير)) أنَّه لا يدخل
المسجد الحرام عندنا أيضاً، كما هو ظاهر النص، واختاره في ((الدر المختار)) لأن ((السِّيّر)) آخر
تصانيف محمد رضي الله عنه.
بقي الكلام في الجملة الأُولى بعدُ، فأُجيب عنها أنَّ المرادَ من النجاسة نجاسةُ الشِّرْك
دون نجاسة البدن، وهو كما ترى. فإن النجاسة وإن كانت نجاسة الشرك لكن الحكم أن لا
يقربوا المسجد الحرام، والجواب حينئذ كما في ((الكشاف)) أن المراد من عدم القرب نهيهم
عن الحج والعمرة فقط(١)، كما في الصحيحين وغيرهما: أن النبي عليه بعد نزولها بعث أبا
بكرٍ أميراً، وعليّاً رضي الله عنهما لينادي في الناس أن لا يَحُجَّ البيتَ عُريان ولا مشرٌ،
فاستُفِيد منه أن الغرض من النهي هو منعهم عن الحج والعمرة، وفيه نظر بعدُ، لأنه يجري
البحث في أنه هل يجوز ترك لفظ القرآن بعد ما انكشف الغرض أم لا؟! والذي يظهر أن ترك
تعبير القرآن بحيث لا يبقى له حكمٌ وأَثَرٌ عسيرٌ جداً، وإنما يتوسع بمثله في الأحاديث لفُشوّ
الرواية بالمعنى، وأما في القرآن فإنه مشكل، ولا سيما إذا كانت المناسبة بين الجملتين ظاهرة
كما هو هنا .
فإنه حكم في القطعة الأولى بكونهم أنجاساً، ثم فَرَّع عليه أن لا يقربوا، فهذان
الحكمان يرتبطان جداً لما ظهر أثر اللفظ في الحكم أيضاً، ولذا اخترتُ رواية ((السِّيَر الكبير))
بأن دخولهم في المسجد الحرام غير جائز، وأن النجاسة فيهم أزيد من نجاسة الشّرك، أما
دخولهم في سائر المساجد فالأمر فيه موسّع، لأن الأصوليين قالوا: إن العموم إنما يكون في
الآحاد لا في الأزمنة والأمكنة، وإن ذهب إليه جماعة أيضاً، إلا أن المختار عندي أن العموم
في الأفراد والآحاد فَحَسْب، لأن الأحوال والأزمنة والأمكنة ليست موضوعاً لها ليشملها
اللفظ .
وعلى هذا فالنجاسة عندي محمولة على ما هو المعروف لا على نجاسة الشِّرك، ومع هذا
(١) قلت: هذا الجواب قد ارتضاه الجَصَّاص في أحكامه فقال: إنما معنى الآية على أحد وجهين: إما أن يكون
النهي خاصاً بالمشركين الذين كانوا ممنوعين من دخول مكة وسائر المساجد، لأنهم لم تكن لهم ذِمّة، وكان لا
يُقبل منهم إلا الإسلام، أو السيف، وهم مشركو العرب، أو أن يكون المراد منعهم من دخول مكة للحج،
ولذلك أمر النبي ◌َر بالنداء يوم النحر، وفي حديث علي رضي الله تعالى عنه حين أمره النبي ◌َّلل بأن يُبَلّغ عنه
سورة (براءة) نادى: ولا يحج بعد العام مُشْرِك، دليل على المراد بقوله: فلا تقربوا المسجد الحرام، ويدل عليه
قوله في فسق: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةُ﴾، وإنما كانت خشية العَيْلَة لانقطاع تلك المواسم بمنعهم من الحج، لأنهم
كانوا ينتفعون بالتجارات التي كانت تكون مواسم الحج، فدل ذلك على أن مراد الآية الحج ويدل عليه اتفاق
المسلمين على منع المشركين من الحج والوقوف بعرفة والمزدلفة وسائر أفعال الحج، وإن لم يكن في المسجد
ولم يكن أهل الذمة ممنوعين من هذه المواضع ثبت أن مراد الآية هو الحج دون قرب المسجد اهـ. يقول العبد
الضعيف: وهذا عندي كقوله تعالى في المحيض: ﴿وَلَا نَقْرَبُهُنَّ حَتَّى يَظْهُرْنٌ﴾ [البقرة: ٢٢٢] قيل: أُريد منه
الاعتزال مطلقاً، فكذلك ههنا فافهم.

٤٧٣
كتاب الغسل
يقتصر النهي على المسجد الحرام، لأنه ليس من ضرورة العموم في الأفراد العموم في الأمكنة
أيضاً ليعمَّ النهي سائر المساجد، وعُلِم من هذا الاختلاف أن العموم في الأفراد قويٌّ، وأما في
الأمكنة وغيرها فضعيف، حتى أنكره بعضهم كما علمتَ.
وهكذا يعلم من كتبنا أنهم اعتبروا نجاستهم فوق نجاسة الشرك ففي ((البدائع)) عن أبي
حنيفة رحمه الله تعالى في البئر سقط فيه كافر ثم أُخرج حياً أنه يُنْزَح كله، وكذا لو أسلم الكافر
يجب عليه الغُسل في رواية، كذا في ((الذخيرة)) عن الحسن بن زياد، فدلّ على أن نجاسة هؤلاء
أزيدُ من نجاسة الشِّرْك، إلا أنه لا يُدرى أنه إلى أين تجري وأين تُكَفُّ. وأجاب ابن رُشْد عن
الإشكال المذكور: أن إطلاق النَّجَس عليهم أُجْرِي مجرى الذَّمِّ، فالله سبحانه وتعالى بالغ في
ذمهم ونزَّلهم منزلةَ النَّجَس، لا أنهم أنجاسٌ حقيقةً، فلا يَرِدُ عليه شيء.
والحاصل: أن ههنا أربعة أجوبة:
الأول: أنَّ المراد من النجاسة نجاسة الشِّرك، وهذا لا ينفع في المسألة الثانية لصراحة
الحكم بعدم القُرْبِ، على أنه حُمِل اللفظ على الغير المعروف، والمعروف هو النجاسة
المتعارَفة التي تتقذرها الطبائع، ثم إنه لا يرتبط بالمسائل، لأن ما في الفقه يدلُّ على أن
نجاستهم فوق نجاسة الشرك، لتعلق بعض أحكام النجاسة بأبدانهم أيضاً. نعم، إن اخترنا رواية
((الجامع الصغير)) فله وجه ونفاذ.
والثاني: أنَّ المرادَ من النجاسة هي التي تُعُورِفت عندهم مع التزام النهي عن دخولهم في
المسجد الحرام، كما في رواية ((السير الكبير)).
والثالث: أن المراد من النهي عن القُرْبِ هو الحج والعمرة دون الدخول مطلقاً، وفيه أنه
يلزم عليه تركُ تعبير القرآن رأساً، وهو مُشكل ولا سيما إذا اتضحت المناسبة بين القرينين، فإن
الحكم بالنجاسة يدلّ على أن الغرض عدم دخولهم مطلقاً دون المنع عن الحج والعمرة فقط.
والرابع: أن اللفظ النَّجَس أُخْرِج مخرج الذَّم، وما يُساق لأجل الذم أو المدح لا يُعتبر فيه
اللفظ، ويكون المراد هو المعنى فقط، فكذلك فيما نحن فيه، لما أطلق عليهم النَّجَس ذَمّاً
وشناعة لهم لا يجري عليهم ما يجري على النَّجَس حقيقة.
قوله: (سبحان الله) وفي النظم لابن وَهْبَان ما معناه: أن إخراج تلك الكلمات عن
موضوعها ليس بصحيح. قلت: ورأيت كثيراً ما يُخْرِجونها عن موضوعها كما ترى ههنا، فإنها
وإن وُضِعَتْ للتسبيح لكنه مستعمل في التعجب.
٢٥ - بابُ كَيْنُونَةِ الجُنُبِ فِي البَيتِ إِذَا تَوَضَّأَ
٢٨٦ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ وَشَيْبَانُ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ:
سَأَلْتُ عَائِشَةَ: أَكَانَ النَّبِيُّ بَبِّهِ يَرْقُدُ وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَيَتَوَضَّأَ. [الحديث ٢٨٦ - طرفه
في: ٢٨٨].

٤٧٤
كتاب الغسل
لعله يشير إلى ما رواه ابن ماجه أن الملائكة لا تشهد بيتاً فيه كلب أو جنب أو تصاوير إلا
أنه ليس على شرطه .
٢٦ - بابُ نَوْمِ الجُنُبِ
٢٨٧ - حدّثنا قُتَيبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ
الخَطَّابِ سَأَلَ رَسُولَ اللّهِ وَهَ: أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: (نَعَمَّ، إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ
فَلَيَرْقُدْ وَهُوَ جُنُبٌ)). [الحديث ٢٨٧ - طرفاه في: ٢٨٩، ٢٩٠].
وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى عند الطحاوي أنه لا بأس بنوم الجُنُب من غير أن يتوضأ
لأن التوضؤ لا يخرجه من حال الجنابة إلى حال الطهارة، وعندهما يتوضأ ثم ينام، لِمَا في
((تنوير الحوالك)) من ((معجم الطبراني)): ((أن ملائكة الرحمة لا تَحْضُر جنازة الجُنُب))، فهو ضرر
عظيم، ويدور النظر فيما يشتمل المقام على الضرر مع عدم ورود الوعيد والنهي صراحةً، فينظر
بعضهم إلى المعنى فيذهب إلى الوجوب، كما في ((شرح المنهاج)): أن التسمية واجبةٌ عند الأكل
عند الشافعي رحمه الله تعالى في رواية، وكالتسمية قبل الوضوء عند البخاري، فإن الشيطان
يشترك في كل أمرٍ لم يُبْدَأ باسم الله ويمحق بركته، وهذه مَضَرَّةٌ عظيمة.
ويَنظر بعضهم إلى اللفظ، فإن كان ورد فيه الأمر أو النهي يقول به، وإلا لا، والظاهر أن
الوجوب والحُرمة تدور على الخطاب دون المعنى كما مرّ مفصلاً.
أقول (١): ولم يثبت عندي نومه وَّر في حالة الجنابة إلا بالغسل أو الوضوء، وثبت التيمم
أيضاً كما في ((المصنَّف)) لابن أبي شيبة، كما في ((الفتح))، وفي ((البحر)): أن التيمم فيما لا
تُشترط فيه الطهارة صحيح مع وجدان الماء أيضاً، وهو مختار جماعة، وهو الصحيح عندي،
وما رواه أبو إسحاق عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها في نومه وَ ل# في حالة الجنابة، فقد
(١) قلت: وهذا التحقيق مما ينبغي أن يحافظ عليه، لأن السيوطي تكلم عليه في ((حاشية النسائي)) مبسوطاً، ونقل عن
الخطّابي أن المراد من الملائكة الذين لا يدخلون بيتاً فيه الجُنُب ملائكةُ الرحمة، ثم نقل أنه فيمن يتهاون
بالغسل، وزعم أنه ثبت عن النبي * النوم جُنُباً، ونقل عن وليّ الدين العراقي أن ذلك لامتناعه عن قراءة
القرآن، وتقصيره بترك المبادرة إلى الاغتسال، ثم قال: وفيه نظر، ثم عدل إلى ما اختاره الخطّابي، وإليه مال
صاحب ((النهاية))، قلت: وهؤلاء الجبال إنما أشكل عليهم الأمر لأنهم إلتزموا نومه مسلم في حالة الجنابة، وصح
عندهم عدم دخول الملائكة في بيت الجُنب فاستبعدوا عدم دخولهم في بيته وََّ في تلك الحالة، فاضطروا إلى
هذه التوجيهات، والأمر كما قرره الشيخ رحمه الله تعالى، وحينئذٍ لا حاجة إلى التأويلات، لأنها من باب بناء
الفاسد على الفاسد. وحاصله: أن النبي ◌َّ لم يثبت عنه النوم حالة الجنابة إلاّ في إِبَّان الصبح قُبَيْلَه بلحظات،
أما إذا أجنب في أول الليل فإنه لم ينم إلاّ بالتوضؤ، أو التيمم أحياناً، ولم يثبت في واقعة واحدة أنه نام بدون
طهارة مطلقاً، وحمل النووي حديث أبي إسحاق على بيان الجواز، واستبعده الشيخ رحمه الله تعالى لما عند
مسلم: عن ابن عمر أن عمر استفتى النبي ◌ّ فقال: هل ينام أحدُنا وهو جُنُب؟ قال: ((نعم إذا توضأ))، فلم
يُرَخِّص به إلاّ على طهارة.

٤٧٥
كتاب الغسل
بَيَّنَه الطحاوي(١) مفضَّلاً، وبَعْدَه لا يبقى فيه ما يُخَالفنا بشيء. فساق أولاً حديث عائشة قالت:
((كان رسول الله وَّ إذا رَجَعَ من المسجد صلى ما شاء الله ثم مال إلى فراشه وإلى أهله، فإن
كانت له حاجة قضاها، ثم ينام كهيئته ولا يَمَسّ الماء))، ثم قال الطحاوي: إنه حديث مختصر
اختصره أبو إسحاق من حديث طويل فأخطأ في اختصاره إياه.
والحديث الطويل ما رواه فهد: حدثنا أبو غسان حدثنا أبو إسحاق قال: أتيت الأسود بن
يزيد، وكان لي أخاً وصديقاً، فقلت: يا أبا عمرو حَدِّثْني ما حدَّثَتْكَ عائشة رضي الله تعالى
عنها أمُّ المؤمنين عن صلاة رسول الله وَلِّ: ((ينامُ أوَّلَ الليل ويُحيي آخره، ثم إن كانت له
حاجة قضى حاجته، ثم ينام قبل أن يَمَسَّ ماء، فإذا كان عند النداء الأول وَثَبَ))، وما قالت:
نام فأفاض عليه الماء، وما قالت: اغتسل، وأنا أعلم ما تريد، ((وإن كان جُنُباً توضأ وضوء
الرجل للصلاة))، فصرح في هذا الحديث الطويل أنه إن أراد أن ينام وهو جُنُب توضأ وضوءه
الصَّلاة، وأما قولها: ((ولم يمسَّ ماء)). فالمراد منه الماء الذي للغُسل، لا على الوضوء، لِمَا
رواه غير إسحاق عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها: ((أن رسول الله ﴿ ﴿ إذا أراد أن ينام
أو يأكل وهو جُنُب يتوضأ))، وهكذا روي عن الأسود من رأيه وهكذا رواه مسلم إلا أن في
آخره جملة تناقضه وهي: ((وإن لم يكن جُنُباً توضأ وضوءه للصلاة))، ولم يتعرض إليه أحد.
ويمكن أن يوفّق بينهما أنّ ما في الطحاوي فهو حالُهُ في أول الليل، وما عند مسلم، فهو
حالُه في آخر الليل، أي: إن كان جُنُّباً في آخر الليل اغتسل، وإن لم يكن جنباً توضأ وضوء
الرجل للصلاة، وأشار محمد رحمه الله تعالى إلى ما ذكره الطحاوي. نعم كَشَفَه الطحاوي، ثم
إني تتبعتُ إلى زمان لأَعْلَم أن مأخذ كلام الطحاوي ما هو؟ فبان لي بعد الفحص البالغ أن أصله
يكون من محمد رحمه الله تعالى، ثم الطحاوي يُفَصِّله. قال محمد رحمه الله تعالى في
((مُوَّئه)): هذا الحديث أوفقُ بالناس.
٢٧ - بابُ الجُنُبِ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَنَامُ
٢٨٨ - حدّثنا يَحْيى بْنُ بُكَير قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ أبِي جَعْفَرٍ، عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَاَمَ وَهُوَ
جُنُبٌ، غَسَلَ فَرْجَهُ، وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ.
(١) قال القاضي أبو بكر بن العربي: تفسيرُ غَلَطِ أبي إسحاق هو أن هذا الحديث الذي رواه أبو إسحاق ههنا مختصراً اقتطعه من
حديث طويل، فأخطأ في اختصاره إياه، ثم ساق القاضي الحديث بطوله، كما أخرجنا عن الطحاوي، ثم قال: فهذا
الحديث الطويل فيه: ((وإن نام وهو جُنُبٌ توضأ وضوءه للصلاة))، فهذا يدلُّك على أن قوله: ((فإِن كانت له حاجةٌ قضى
حاجته ثم ينام قبل أن يمسَّ ماءً أنه يَحْتَمِلُ أحدَ وجهين: إما أن يريد بالحاجة حاجة الإِنسان من البول والغائط فيقضيها
ثم يستنجي، ولا يمس ماء وينام، فإِن وَطِىء توضأ كما في آخر الحديث، ويَحْتَمِل أن يُريد بالحاجة حاجةً الوطء،
وبقوله: ((ثم ينام ولا يمس ماء)) يعني: الاغتسال، ومتى لم يُحْمَل الحديث على أحد هذين الوجهين تناقض أوَّله
وآخره، فتوهم أبو إسحاق أن الحاجة هي حاجة الوطء، فنقل الحديث على معنى ما فهم. والله تعالى أعلم.

٤٧٦
كتاب الغسل
٢٨٩ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيرِيةُ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:
اسْتَفْتَى عُمَرُ النَّبِيَّ ◌َِّ: أَيَنَامُ أَحدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: (نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ)).
٢٩٠ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ لِرَسُولِ اللَّهِ بَّهَ: أَنَّهُ تُصِيبُهُ الجَنَابَةُ مِنَ
اللَّيْلِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((تَوَضَّأُ، وَاغْسِلَ ذَكَرَكَ، ثُمَّ نَمْ)).
٢٨٨ - قوله: (غسل فرجه وتوضأ للصلاة) اختصر فيه الراوي اختصاراً مُخِلاً، والمراد توضأ
وضوءه للصلاة، وانكشف ههنا أن غَسْلَ الذَّكَرِ والوضوء كله مطلوب في الحالة الراهنة، وأنه من
أحكام الجنابة كما مَرَّ مراراً، فلا بد للمشتغل بالفقه أن يراعيّ الأحاديث ويمارسها ويزاولها، لأن في
الشرع أحكاماً خَمَلَتْ في الفقه. فإن قلت: إذا كان مقلداً فلا حاجة له إلى النظر في الأحاديث،
ويكفي له قول إمامه الذي يُقَلِّده. قلت: كلا بل لا يتحتَّم التقليد إلا بعد المراجعة إليها، فإنه إذا يمرُّ
على الأحاديث والمسائل، ويرى مأخذها، يستقر رأيه، ويطمئن قلبه لا محالة، ويقلد من يقلد بعد
ثَلْجِ الصَّدْرِ، كما حررناه من قبلُ، ومن كان تقليده تقليدَ الأعمى، فإنه علی رِجْلٍ طائر.
٢٨ - باب إِذَا التَّقَى الخِتَانَانِ
٢٩١ - حدّثنا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ (ح) وحدّثنا أَبُو نُعَيم، عَنْ هِشَام،
عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((إِذَا جَلَسََ
بَينَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ، ثُمَّ جَهَدَها، فَقَدْ وَّجَبَ الغُسْلُ)). تَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ، عَنْ شُعْبَةَ:
مِثْلَهُ. وَقَالَ مُوسىّ: حَدَّثَنَا أَبَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا الحَسَنُ: مِثْلَهُ.
٢٩ - باب غَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنْ رُطُوبَةٍ فَرْجِ المَرْأَةِ
٢٩٢ - حدّثنا أَبُو مَعْمَرِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنِ الحُسَينِ، قَالَ يَحْيى:
وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ: أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ زَيدَ بْنَ خَالِدَ الجُهَنِيَّ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَأَلَ
عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ: أَرَأَيتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمْنِ؟ قَالَ عُثْمَانُ: يَتَوَضَّأُ كَمَا
يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ. قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ بِ، فَسَأَلتُ عَنْ ذلِكَ
عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيرَ بْنَ العَوَّامِ، وَطَلحَةَ بْنَ عُبَيدِ اللَّهِ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُمْ، فَأَمَرُوهُ بِذلِكَ. قَالَ يَحْيِى: وَأَخَبَرَنِي أَبُو سَلَمَة: أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيرِ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ
ذلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ.
٢٩٣ - حدّثنا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ:
أَخْبَرَنِي أَبُو أَيُّوبَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبِ أَنَّهُ قَالَّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ
المَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِل؟ قَالَ: ((يَغْسِلُ مَّا مَسَّ المَرْأَةَ مِنْهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي)). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ :
الغَسْلُ أَحْوَطُ، وَذَاكَ الأَخِيرُ، إِنَّمَا بَيِّنَا لإِخْتِلَافِهِمْ.

٤٧٧
كتاب الغسل
واعلم أنه ذهب جماعة إلى إنكار النسخ في هذا الباب رأساً، وأن الأمر الآن كما كان
يُوهمه ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه عند الترمذي من قوله: (إنما الماء من الماء في
الاحتلام))، وقد مر معنا تحقيقه في المقدمة وأنه ثبت فيه النسخ البتة، وأنه ينبغي أن يُؤَوَّلَ قول
ابن عباس رضي الله عنه. وكذلك ما أخرجه البخاري عن عثمان: ((أن الرجل إذا جامع امرأته
ولم يُمْنِ يتوضأ وضوءه للصلاة، ويغسل ذكره)). يُحْمَل على [أنه كان] قَبْلَ جمع عمر رضي الله
عنه إياهم وإجماعهم على وجوب الغُسْل بمجاوزة الخِتَانَين.
فقد أخرج الطحاوي أن أصحاب رسول الله ﴿ لّ تذاكروا عند عمر بن الخطاب الغُسْلَ من
الجنابة، فقال بعضهم: ((إذا جاوز الخِتَان الختانَ فقد وَجَبَ الغُسْل))، وقال بعضهم: ((إنما الماء
من الماء))، فقال عمر رضي الله عنه: ((قد اختلفتم عليَّ وأنتم أهل بدر الأخيار؟ فكيف بالناس
بعدكم؟ فقال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين إن أردتَ أن تَعْلَم ذلك فأرسل
إلى أزواج النبي ﴿ ﴿ فسلهنَّ عن ذلك، فأرسل إلى عائشة رضي الله عنها، فقالت: إذا جاوز
الخِتَانُ الخِتَانَ فقد وَجَبَ الغُسْل، فقال عمر رضي الله عنه عند ذلك: لا أسمعُ أحداً يقول:
الماء من الماء إلا جعلته نَكَالاً)).
قال الطحاوي: فهذا عمر رضي الله عنه قد حمل الناس على هذا بحضرة أصحاب
رسول الله وَّر، فلم يُنْكِر ذلك عليه مُنْكِر. قلت وهذا أصرح شيء. وأقواه في أن الأمر كما في
حديث عائشة رضي الله عنها، وأن حديث: ((الماء من الماء)) منسوخ، ومع ذلك يتسلسل النقل
عن عثمان أنه كان يختار حديث: ((الماء من الماء))! فالذي ينبغي أن نحمله عليه أنه كان قبل
إجماع أهل الحَلِّ والعَقْد، وأما بعده فلا ينبغي تلك النسبة إليه كما وقع في ((الفتح)) ولذا عَدَّه
الترمذي فيمن أوجبوا الغُسل بالمجاوزة. وأخرج الطحاوي أيضاً قال: اجتمع المهاجرون: أنه
ما أوجبَ الحدَّ من الجلد والرَّجْم أوجبَ الغُسل: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم،
فعدَّ عثمان رضي الله عنه أيضاً منهم(١).
وعبارة المصنّف رحمه الله تعالى مع التكرار في الموضعين تُوهِم أنه ذهب إلى إيجاب
الغُسل من الإنزال دون المجاوزة، ولذا أُلَانَ في الكلام فقال مرة: الغُسْلُ أحوط، وأخرى:
الماء أنقى، ويمكن أن يُؤَوَّل قوله: إنَّ الأحوط لا ينحصر في الاستحباب بل يُظْلَق على
(١) قلت: وقد جاء الاختلاف في هذه المسألة بنحوٍ آخر أيضاً، وإن كان هو أيضاً قبل هذا الإجماع، إلاّ أني أردتُ
التنبيه عليه فقط، فقد أخرج الطحاوي عن أبي صالح قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخطب فقال:
((إن نساءَ الأنصار تُفتين أن الرجل إذا جامع فلم يُنْزل فإِنَّ على المرأة الغُسل ولا غُسل عليه، وإنه ليس كما
أَفْتَينَ، وإذا جاوز الخِتانُ الخِتانَ فقد وجب الغُسْلِ)) فدلَّ على أن حديث: ((الماء من الماء)» كان عندهم في
الرجال المجامِعِين، لا في النساء المجامِعَات، وأن المخالطة، تُوجب على النساء الغُسل ولو بدون إنزال،
فالإِنزال شرط للغُسل في الرجال فقط.
قلت: إذا كان تحقَّقُ الإنزال فيهن عسيراً أوجب عليهن الغسل بالمجاوزة فقط عند القائلات به، بخلاف الرجال،
فإن ذاك الإِنزال فيهم أظهر فأَدِير الغُسل عليه، فإِذا لم يُمْنِ لا يجب عليه الغسل. والله تعالى أعلم.

٤٧٨
كتاب الغسل
الواجب أيضاً عند تعارض الدليلين، يعني إذا تعارض الدليلان فاخترتَ الوجوب احتياطاً مثلاً،
صَدَقَ قولُك إنك اخترت الأحوط على الواجب أيضاً. وأما إذا حُمِلَ قوله على الحكم، أي
حكم الغسل أحوط، يعني: الأحوط له أن يغتسل، وإن لم يغتسلْ لا بأس، لأن الواجب فيه
الوضوء لا غير، فحينئذ لا يكون لقوله وجهٌ، ويخالف الإجماع.
قلت: وإن فرضنا أنه أَلَانَ الكلامَ واختار استحبابَ الغُسل، فلعله أوَّلَ قولَه وَلِّ: ((إذا
جاوز الخِتانُ الختانَ)) أنه كناية عن الإنزال لخروج الماء بعدها في الأغلب، وحينئذ لا يكون
الحديث المذكور عنده صريحاً في إيجاب الغُسل بالمجاورة فقط، وإذا لم يَقُمْ عنده دليل على
إيجاب الغُسل بمجرَّد المجاوزة أَلَانَ في الكلام وقال: الغُسْل أحوط. ولذا لما أراد أن يُخَرِّج
حديثاً يدلُّ على عدم وجوب الغسل بالمجاوزة بَوَّب عليه كما سيأتي: ((باب غَسْلِ ما يُصِيب مِن
فَرْج المرأة))، ونَظَرُه إلى إخراج الأحاديث كما ترى، إلا أنه أراد أن لا يُفْصِح بمَراده احتياطاً،
ولكَنه وَجَّه الناظرين إليه فقط، فإن الموضع مُشْكِل، فأراد أن يُخَرِّج مادتَه من الأحاديث ومن
أسماء الصحابة الذين ذهبوا إليه، ويشير إليه فقط ولا يتكلم بشيء.
ثم وإن رُوي عند مسلم في هذا الحديث: ((وإن لم يُنْزِل)) صراحةً لكنه ليس على شرطه
ليكون عليه حِجَّة، وما كان على شرطه يَصْلُح أن يُجعل كناية عن الإنزال مع نقل الاختلاف فيه.
فهذا وجه ما ذهب إليه البخاري واختيارُه لو كان اختاره. والله أعلم بالصواب.
والحاصل: أنَّ المسألةَ منفصلة، وإنما ذكرته بحثاً فقط ليظهر وجه ما للبخاري مع ورود
هذه الصرائح في الباب.

بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيَةِ
٦ - كِتَابُ الحَيضِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَآءَ فِى الْمَحِيضِِّ وَلَا
نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَّ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُهُرَ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ﴾
[البقرة: ٢٢٢].
والحيض دم معروف حَدَّده فقهاؤنا، ولا تحديد في الخارج، وإنما يختلف باختلاف
الأمصار والأعصار، ولذا ذهب مالك رحمه الله تعالى إلى أنَّه أمكن أن يكون ساعةً أيضاً، وإنما
وَقَّتَه في باب العدة فقط، ولم يَرِد في هذا الباب من المرفوع شيء ولو بإسناد ضعيف، ومَرَّ عليه
الزيلعي رحمه الله تعالى في تخريج الهداية، فلم يأت إلا بالمناكير - وهو رفيق للحافظ زين
الدين العراقي رحمه الله تعالى، وكان يصنّف في هذه الأيام تخريج الاحياء والزيلعي رحمه الله
تعالى ((تخريج الهداية))، وكان يرافق أحدُهما الآخر، فإذا ظَفِر أحدُهما بحديث نادر أرسله إلى
الآخر ليستفيد منه في تصنيفه، وظني أن الزيلعي رحمه الله تعالى أحفظُ من الحافظ ابن حجر
رحمه الله تعالى. وقد صنف الحافظ رحمه الله تعالى ((فتح الباري)) في اثنين وعشرين سنة،
وصنَّف العيني رحمه الله تعالى ((عمدة القاري)) في عشرة سنين - وصرح ابن العربي رحمه الله
تعالى أنه لا توقيت فيه.
وكنتُ أتمنى أن أرى مثلَه من قلم حنفي أيضاً إلا أني مع التتبع الكثير لم أرَ أحداً صرَّح
به، ثم ذكر ابن العربي رحمه الله تعالى أنه صنف رسالةً مستقلة في هذا الباب، إلا أنها ضاعت
منه في سفر فلم يقدر على جمعها ثانياً. أما في هذا العصر فلا توجد غير رسالة البِرْكِلي وهو
معاصر لصاحب ((الدر المختار))، إلا أنها لاشتمالها على الأغلاط قد انقطعت الفائدة منها، لأن
المصنّف رحمه الله تعالى ذكر في خُطبتها أنه جمع هذه الرسالة من كتب مملوءة بالأغلاط،
فاجتهد في تصحيحها، ومع ذلك بقيت فيها أغلاط كثيرة.
وقد راجعت تلك الرسالة فوجدتُ فيها أغلاطاً كثيرة، وشرحها ابن عابدين واتَّبَعَ الماتن،
فاحتوى شرحه أيضاً على الأغلاط. ونِعْمَ ما فعله المالكية حيث وقَّتوه في باب العِدَّة، أما في
معاملة بيتها وصلاتها وصيامها، فاعتبروا فيها رأيَها وفَوَّضوها إليه. والحاصل: أن دم الحيض
غير موقت شرعاً وعرفاً، وليت الحنفية كتبوا مثله ولكن:
ما كلُّ ما يتمنَّى المرءُ يُذْرِكُه تأتي الرِّياح بما لا تشتهي السُّفُنُ
وهكذا الأمر في توقيت مُدَّة الحَمْل، فإنها أيضاً غير مُوَقَّتة، فقد تمتد إلى عشرة سنين
٤٧٩

٤٨٠
كتاب الحيض
لأجل المرض، مع أن فقهاءنا صرَّحوا أن أكثر مدة الحمل سنتان، ولم يكتب أحدٌ منهم أنها مدة
طَبْعِيَّة. وأما بالعوارض فيمكن أن تزيد عليها، فلو كتبوه لاسترحنا .
وكان ينبغي للفقهاء أن يرجعوا إلى الأطباء. في مثل هذه الأمور، فإنّ لكل فنّ رجالاً، ثم
إنه تحديد اجتهادي لا تحديد شرعي، والأصل فيما لم يَرِد فيه التحديد أن يرسل على حيالها
ولا يقدَّر كما في أصول الفقه: أن نصب الحدود والمقادير لا يجوز بالقياس. ومرادهم من
الحدود والمقادير كأعداد الرَّكَعَات ونحوها دون الحدود التي هي زواجر أو سواتر على اختلاف
الرأيين، وعليه جرى السَّرخسِي رحمه الله تعالى في تحديد العمل الكثير والقليل، والماء القليل
والكثير، ففوَّضه إلى رأي المبتَلَى به، وهكذا فعل في أَجَلِ السَّلَم وتعريف اللُّقَطَّة، فأحاله على
رأي المبتَلَى به، وإن حدده أصحابُ المتون.
ثم الأصل وإن كان هو التفويض إلا أنَّ نظامَ العالَم لا يستوي إلا بالتقدير، فإن كثيراً من
العوام ليس لهم رأي، ولا ينفع فيهم التفويض أصلاً، فيحتاج إلى التحديد لا محالة، فالتحديد
من المجتهد فيما لم يَرِدْ به الشرع إنما هو لقضاء حوائج الناس، كما قالوا في مسألة الظُّهْر: إنه
لا حدَّ لأكثره، ومع ذلك حدوده عند نَصْبِ العادة في زمن الاستمرار، وفي هذه المسألة ستة
أقوال لمشايخنا. والمختار عندي أنها تخرج من عدتها في ثلاثة أشهر، ويُحْسَبُ شهرُها عن
ظُهر وطَمْثٍ، وهكذا في ممتدة الطهر حيث ليس لها حيلة على مذهبنا إلا بالتربُّص ثلاثة قروء،
ولا شك أنه مُعْتَضِد بالنص، فإنها مطلَّقة، وهذه عدتها بالنص إلا أن طُهرها إذا امتدَّ وضاق
عليها أمرها لجأنا إلى الإفتاء بمذهب مالك رحمه الله تعالى.
فكما أنهم اضطروا إلى التحديد في هذه المواضع لئلا تتعطل عن حوائجها، كذلك
اضطروا إلى تحديد أقل الحيض وأكثره، وإن لم يتوقَّت في الخارج.
والحاصل: أن المجتهد في هذا التحديد مجبور ومأجور، بل أُهنِّئُهُم عليه حيث أخرجوا
مخرجاً وسبيلاً للخلائق، وخلصوهم عن المضائق، ولعلك ما نسيتَ ما كنتُ ألقيتُ عليك في
كتاب العلم أنَّ الحديثَ أيضاً قد يحتاج إلى الفقه في بعض المَلَاحِظ، وهي أمثال هذه، فإنه لا
يكفي لك فيها الاقتصار على الحديث، ولا يسع لك قطع النظر عن الفقه. فالفقه لا يتم بدون
الحديث، لأن المرء إذا مرَّ بالحديث، وجال نظره فيه، وفَهِمَ مداركه ومعانيه، استقر على الفقه
وسكن قلبه، حيث لم يجده رأياً محضاً غيرَ مستنِدٍ إلى دليل سماوي، وكذلك الحديث لا يستقرّ
مراده ولا ينقطع محتملاتُه بدون المراجعة إلى أقوال الفقهاء ومذاهب الأئمة. فإذا ادَّراها وأمعن
النظر فيها تبيَّن له الوجوه، ولم يبق له فيما سواها مساغ.
فالفقه محتاج إلى الحديث في نفسه، والحديث محتاج إليه للعمل، وهكذا القرآن يبقى
معلَّقاً بدون الرجوع إلى ألفاظ الحديث، وأعني بالتعليق أنَّ النظر لا يزال يتردد فيه، ولا يَقْنَع
بشيء، حتى إذا رجع إلى الحديث استقر وسكن. وهذا لأن اللغة لم تتكفل إلا ببيان المعاني
الموضوعة له دون مراد المتكلِّم، وهو ربما يتعسَّر تحصيلُه في كلام الناس، فكيف بالكلام