Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ كتاب الوضوء وقدَّره علماء الهِنْد أنه مائتان وسبعون ((تولجة)) وكتب فيه ابن حَزْم شيئاً في ((المُحَلى)»، وظنِّي أنَّه خلاف الواقع. وفي الأوزانِ رسالةٌ (للملامبين)، ولكنَّها نادرة، ورسالةٌ أخرى للمخدوم هاشم السِّنْدِهي، ورأيتها فوجدت فيها مثل ذلك. وسها مولانا عبد الحي رحمه الله تعالى في حساب نِصَاب الفضة والذهب، ووجهه أنَّه اعتبر بالأحمر ما هو عند الأطباء، وهو أربع شعيرات، وفي الخارج هي قريب من ثلاث شعيرات، وما حقّق القاضي ثناء الله الفاني فتى رحمه الله تعالى فيه هو الصحيح. قال الشيخ السِّنْدِي في بيان وزن الصَّاعِ: دو صد هفتاد توله مستقيم " صاع كوفى هست أي مرد فيهم وزآن از ماشه دان نيم وجهار" باز دينارى كه دارد اعتبار وقد أضفت إليهما بيتين آخرين فقلت: كان سه ماشه هست يك سرخه دو جو " درهم شرعي أزين مسكين شنو هشت سرخه ماشه أي صاحب كرم" سرخه سه جوهست ليكن باوكم ٥٠ - باب المَسْحِ عَلَى الخُفَّينِ ٢٠٢ - حدّثنا أَصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ المِصْرِيُّ، عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرٌو، قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بَّنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنِ النَّبِيَِّّهِ: أنَّهُ مَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ. وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سَأَلَ عُمَرَ عَنْ ذلِكَ فَقَالَ: نَعَمَْ، إِذَا حَدَّثَكَ شَيئاً سَعْدٌ عَنِ النَّبِّيََّ، فَلا تَسْأَل عَنْهُ غَيْرَهُ. وَقَالَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ: أَخْبَرَنِي أَبُو النَّضْرِ: أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَخَبَرَهُ: أَنَّ سَعْداً حَدَّثَهُ فَقَالَ عُمَرُ لِعَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ. ٢٠٣ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ خَالِدِ الحَرَّانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ المُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِوَّةُ: أَنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ، فَاتَّبَعَهُ المُغِيرَةُ بِإِدَاوَةٍ فِيها مَاءٌ، فَصَبَّ عَلَّيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ، فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الخُفَّينِ. ٢٠٤ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّنَُّ يَمْسَحُ عَلَى الخُفَّيْنِ. وَتَابَعَهُ حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ، وَأَبَانُ، عَنْ يَحْيى. [الحديث ٢٠٤ - طرفه في: ٢٠٥]. وراجع لتعريف الخُفّ ((الكبيري))، ويُشْتَرط عندهم أَنْ يكون بحيث يمكن فيه تتابع المشي، ولذا يستعملون في الإِبل الأخفاف، لأَنَّ الخُفَّ عندهم اسمٌ لِمَا يمكن فيه قطع المسافة وليست ترجمته "موزة" ، بل هو خلاف المراد، لأنَّه لا يظهر منه هذا المعنى. ٢٠٢ - قوله: (وإِنَّ عبد الله بن عمر سأل)، قيل: وجه السؤال أنَّه كان يعرفُ المسحَ فيِ السفر، فسأل عن حالِ الإِقامة في البيوت أيضاً. قلت: ولا حاجةً إلى هذا التأويل أيضاً، فإنَّ أمور الدين تُعْرَف شيئاً فشيئاً، ومعلوم أنه لم يكن عندهم المدارس يتدرَّسُون فيها المسائل، بل ٤٠٢ كتاب الوضوء كانوا يتعلَّمون المسائل بحسب الحاجات والواقعات. ثم لا يخفى عليك أن ابن عمر رَضِيَ الله عنه هذا الذي يسأل عن المسح، هو حامل لواء رفع اليدين، مع أنه لم يَثْبُت عن الخلفاء الثلاثة . واعلم أنَّه لا ذكر في حديث المُغِيرَة للجَوْرَبَيْنِ والنَّعْلَين أصلاً، وهو وهمٌ قطعاً، فإِنَّ هذه الواقعة قد رُوِيَت في نحو سبعين طريقاً، ولا يذكر أَحدٌ أنَّ النبيَّ وَّرَ مسح فيها على الجَوْرَبَيْنِ والنَّعْلَيْن. فما أخرجه الترمذي وهمٌ قطعاً، وإنما صحَّحه نظراً إلى صورة الإِسناد فقط. ٢٠٥ - حدّثنا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ أَبِيِ سَلَمَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفِيهِ . وَتَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَمْرٍو قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌ٍَّ. ٢٠٥ - قوله: (يمسح على عِمَامته) ... إلخ، وبظاهره أخذ أحمد رحمه الله تعالى، واختار أنَّ الفريضة تتأدى بالمسح عليها بشرط أنَّ تكون مُحَنَّكةَ، وشرائطها شرائط الخُفّ. وجزم الشافعي رحمه الله تعالى: أنَّه لو مسح على بعض الرأس والعِمَامة، خرج عنِ عهدة الاستيعاب، وهكذا قال المالكية، إلاّ أنَّ القاضي أبو بكر بن العَرَبي منهم قال: إِنَّ القدر المستحب لا يَتَأَدَّى عندهم بالمسح عليها. ومذهب الحنفية أنَّه غير مُعْتَبَرٌ، وفي ((الموطأ)»: بلغنا أنه كان ثُمَّ تُرِكَ، ولذا وقع في بعض عباراتهم أنه بِدْعة عندنا. ومرَّ أبو عمرو في ((التمهيد)) على أحاديث المسح على العِمَامة، وحكم عليها بأنَّها مْعلُولة كلها. وقال ابن بَطَّال: الأصِيلي: قال ذِكْر العِمَامة في هذا الحديث من خطأ الأوْزَاعي. قال الحافظ: وله مُتَابعات أيضاً، وإنَ سلَّمنا تفرُّدَه، فإِنَّه لعلو كَعْبه، وجلالة قدره لا يوجبُ الإِعلال أيضاً، وأظنُّ أنَّ هذه واقعة عمرو بن الضَّمْرِي واقعة الحَضَر، والله تعالى أعلم. قلت: والبخاري وإن أخرج حديث المسح على العِمَامة، إلَّا أنَّه لم يُتَرْجِم عليه بهذه المسألة، فدلّ على ضعفٍ فيه، لأنَّه تحقَّق عندي من عاداتِه أنَّ الحديث إذا كان قوياً عنده، ويكون فيه لفظ يتردّد فيه النظر، يخرِّجه في كتابه، ولا يُتَرْجِم على ذلك اللفظ، ولا يخرِّج منه مسألة. فصنيعه هذا في المسح على العِمَامة يدلُّ على تردّد عنده فيه، ولذا تركه ولم يذهب إليه، والله تعالى أعلم. وأجاب عنه بعض الحنفية: أنه سوّى عِمَامته بعد المسح، وظنَّه الراوي مسحاً، فعبَّر عن التسوية بالمسح على العِمَامة. قلت: وهذا الجواب ليس بمرضيٍّ عندي، لأنه يُفْضِي إلى تغليط الصحابي الذي شاهد الواقع وحكي عنه كما رأى، ومعلومٌ أَنَّهم من أذكياء الأمة، كيف يُمكِن أن يَخْفَى عليهم الفرق بين المسح والتسوية؟ وهذا الجواب في الأصل للقاضي أبي بكر بن العربي، وليس مراده ما فُهِمَ، ولفظه: إن المسح على العِمَامة لم يكن عن نصٍ، وإنّما اختصر على مسح بعض الرأس ٤٠٣ كتاب الوضوء وإمرار اليد عليها تَبَعاً لمسح البعض، كما نشاهد البعض إذا مسح على البعض وكان على الرأس عِمَامة))(١). وحاصله: أنَّ المسح على الرأس كان أصلاً، وعلى العِمَامة تَبَعاً، وهو الذي أراده الرَّاوي، أي أنَّ النبيّ وَِّ فعله على الرأس قصداً، ومسح على العِمَامة أيضاً، إلاّ أنَّه لم يفعله قصداً، بل وقع تَبَعاً، فمعنى التَّبَع: بلا قصدٍ، لا أنه كان في الحقيقة تسويته، وظنَّه الرَّاوي مسحاً، فإنَّه يوجِبُ تغليط الراوي، وكم من فرق بينهما؟ وحاصل جواب القاضي على ما قرَّرت: أنَّ الرَّاوي ذكر المسح على العِمَامة كما وقع في الخارج، وإذا كان مَسَحَ بلا قصِدٍ، فنقله أيضاً كذلك، وليس فيه تغليظٌ له بل فيه تصويبٌ، فادر الفرق بينهما، ولا تتعصب، فإِنَّ من العصبية لجهلاً . وقد يُجَاب. أنَّ معناه أنه لم يمسح على العِمَامة، بل مسح على الرأس حال كون العِمَامة على الرأس، وحينئذٍ غرضُ الرَّاوي بيان طريق المسح حين التَّعَمُّم، كما تعرَّض إليه في حديث أبي داود: ((أن النبي ◌َّ مسح على رأسه ولم ينقض العِمَامة)). وقوله: ((مسح على العمامة)) متحملٌ لهذا المراد عُرْفاً وعربية . والحق عندي أنَّ المسحَ على العِمَامة ثابتٌ في الأحاديث، كيف لا؟ وقد ذهب إليه الأئمة الثلاثة رَضِي الله عنهم، ولو لم يكن له أصلٌ في الدين لَمَا اختاروه البتة. وإني لَسْتُ ممن يأخذون الدين من الألفاظ، بل أَوْلى الأمور عندي تَوَارث الأمة، واختيار الأئمة، فإِنَّهم هُدَاة الدين وأعلامه، ولم يَصِل الدين إلينا إلَّا منهم، فعليهم الاعتماد في هذا الباب، فلا نُسِيء بهم الظن، ولا نقول: إنَّ المسحَ على العِمَامة لم يَثْبُت في الدين، ومع ذلك ذهبوا إليه، ولذا لم يقل محمد رضي الله عنه: إنَّ المسحَ على العِمَامة لم يَثْبُت، ولكنَّه قال: إِنَّه كان ثُمَّ نُسِخَ. ومعنى التَّسخ قد علمته في المقدمة، فَرَاجِعه، فإِنَّه مهمٌ، وقد غَفَل عنه كثير من الناس، ولا يَرَوْن النسخ إِلَّا ما اشتهر عندهم، مع أنَّ النسخ في السلف أعُّ منه، ولذا لا أجترىء على أَنْ أقول: إنه بدعة كما يُتَبَادر من بعض الكتب، بل هو مباحٌ كما صرّح به الرَّازِي منا في ((أحكام القرآن)). وكان مولانا شيخ الهِنْد يقول بأداء سنة الاستحباب منه، وإن لم يكتبوه في الكتب، قلت: بل ينبغي أن يلتزم أداة الاستحباب منه، لأن الإِباحة تُفِيدُ لو كان المسح على العِمَامة من باب العادات، وأمّا إذا كان سنة قَصْدِيّة، فلا بُدَّ أن يُقَال بأداء سُنَّة التكميل منه. (١) قلت: قال الخَطَّابِي: وأبى المسحَ على العِمَامة أكثر الفقهاء، وتأوَّلوا الخبرَ في المسح على العِمَامة على معنى أنه كان يقتصرُ على مسح بعض الرؤوس، فلا يمسحه كلّه مقدمه ومؤخره، ولا ينزع عِمَامة من رأسه، ولا ينقضها وجعلوا خبر المُغِيرَة بن شُعْبَة كالمُفَسِّر، وهو أنه وصف وضوءه، ثم قال: ومسح بناصيته وعلى عِمَامته، فوصل مسح الناصية بالعِمَامة، وإنما وقع أداء الواجب من مسح الرؤوس بمسح الناصية، إذ هي جزء من الرأس، وصارت العِمَامة تَبَعاً له، كما رُوِيَ: ((أنه مسح الخف وأسفله))، كالتَّبَع له، والأصل أن الله تعالى فرض مسح الرأس، وحديث ثَوْبَان محتمل للتأويل، فلا يُتْرَك الدليل المُتَيَقَّن بالحديث المُحْتَمَل: اهـ. ٤٠٤ كتاب الوضوء والأحاديث في المسح على العِمَامة على أنحاءٍ: في بعضها ذكر العِمَامة فقط، وفي بعضها ذكر العِمَامة والرأس كليهما، وفي بعضها ذكر الرأس فقط. وقد جاء حديث المُغِيرَة على الطرق الثلاثة، فدلَّ على أنَّه لم يَمْسَح على العِمَامة في تلك الواقعة، إلاّ وقد أدّى القدر المجزىء على الرأس، ثم تفنَّن الراوي في بيانه، فاقتصر تارةً على ذكر المسح على الرأس، وأخرى على العِمَامة، وإذا أوعب القصة ذكرهما، فإِذا وجدنا في هذا الحديث ذكر مسح العِمَامة مكان المسح على الرأس تارةً، وبالعكس تارةً، وجمعهما الرَّاوي تارةً، يَسْبِقُ الذهن منه أن يكون في الأحاديث الأُخَر التي فيها ذكر المسح على العِمَامة فقط أيضاً كذلك، فما دام لا يَثْبُت أنه مسح على العِمَامة ولم يمسح معها على الرأس، لا تقوم الأحاديث المُجْمَلة في هذا الباب حُجَّة للحنابلة، لاحتمال أن يكون الأمر فيها أيضاً كما في حديث المُغِيرَة. ويمكن عندي أَنْ يكونَ المسح على العِمَامة في الوضوء على الوضوء، فإِنَّه قد ثَبَتَ الوضوء عندي على أنحاءٍ كما مرّ من قبل، وإن أنكرها ابن تَبِمْيَة. وثَبَتَ الاقتصار على بعض أعضاء الوضوء وعلى المسح في بعض أنحاء الوضوء، وعلى هذا يمكن عندي أن يكون هذا أيضاً نوعاً من الوضوء. وتبيَّن لي بعد تَتَبُّع الطرق أن هذه الواقعة والتي تليها في الباب الآتي واحدةٌ ((قال: أخبرني عمرو بن أُمَيَّة: أن أباه أخبره: أنه رأى رسول الله وَلَهِ يَحْتَزُّ من كَتِف شاةٍ، فَدُعِي إلى الصَّلاة، فألقى السِّكِّين، ولم يتوضَّأ))، وواقعة الباب أيضاً يرويها عمرو بن أُمَيَّة، عن أبيه، فإِن كانت تلك واحدة كما هو المُتَبَادَر عندي بعد جمع طرقها، فالأقرب فيها أنه لم يتوضّأ فيها وضوأً كاملاً، ولكنه اكتفى بالمسح على العِمَامة والخُفَّين، وحينئذٍ، فليكن هذا أيضاً نوعاً من الوضوء. ٥١ - باب إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَيهِ وَهُمَا طاهِرَتَانِ ٢٠٦ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قَالَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ المُغيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َّفِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيتُ لأَنْزِعَ خُفَّيهِ، فَقَالَ: (دَعْهُمَا، فَإِنِي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَينٍ)). فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا . أراد به أن يُتَرجم بلفظ الحديث، ولم يُشِر إلى تحقيق المسألة: بأن الطهارة شرط عند اللُّبْس أو عند الحدث، فإنَّه من مراحل الاجتهاد، ويجري السَّرْحَان في الحديث، ولو كان المصنّف رحمه الله تعالى أراد أن يُشِير إلى هذه المسألة، لغيَّر لفظ الحديث شيئاً يمكن أن يَنْتَقِل إليه ذهن الناظر. ٥٢ - باب مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ والسَّوِيق وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فَلَمْ يَتَوَضَّؤُوا. ٢٠٧ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ ٤٠٥ كتاب الوضوء عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ. [الحديث ٢٠٧ - طرفاه في: ٥٤٠٤، ٥٤٠٥]. دخل في مسألة الوُضُوء ممّا مَسَّت النار، واخْتَار مذهب الجمهور من عدم إيجاب الوُضُوء منه، وهو مذهب الأئمة الأربعة والخلفاء الراشدين، وقد وَرَدَ في الأحاديث الوُضُوء منه أيضاً، فقال بعضهم: إنه منسوخٌ لِمَا عند أبي داود عن جابر رَضِيَ الله عنه: ((كان آخر الأَمْرَيْن من رسول الله وَ﴿ٍ تَرْك الوُضُوء ممّا غَيَّرت النار)). وزَعَمُوه صريحاً في النسخ. قلت: لم يُرِد به جابر رضي الله عنه بيانَ النَّسخ، إِنَّما أشار إلى ما وقع من النبي ◌ِّ: الوُضُوء، وتَرْكه في يوم واحدٍ، حيث قال: ((قَرَّبْتُ للنبي وَلَّ خبزاً ولحماً، فأكل، ثم دعا بوَضُوء فتوضَّأ به - فهذا هو الأمر الأول - ثم صلَّى الظهر، ثم دعا بفَضْل طعامه فأكل، ثم قام إلى الصَّلاة ولم يتوضَّأ)) - وهو الأمر الآخر - فبيَّن جابر رضي الله عنه أنه توضَّأ منه، ولم يتوضَّأ أيضاً، والذي كان منهما آخراً هو عدم الوضوء، وإليه أشار أبو داود حيث قال بعد نقل حديث جابر الأول: ((كان آخر الأمْرَين ... )) إلخ، قال أبو داود: هذا اختصار من الحديث الأول، فإذن لا يريد بيان النسخ، أي أن الوُضُوء منه كان، ثم تُرِك، فكان آخر الأَمْرَين بهذا الطريق، بل أراد من الأَمْرَين الواقعتين كما ذكرهما هو قبله، ولا يَكْفِي للنسخ مجرد كونه آخراً، لأن ما يكون مُسْتَحَبّاً يَرِد فيه الفعل وتركه لا محالة، فلو كان ترك الوُضُوء آخراً بهذا الطريق، لَمَا كان فيه دليلاً على النسخ أصلاً . واختار الشَّاه ولي الله رحمه الله تعالى: أنه مُسْتَحبٌّ، وأزيد عليه شيئاً، فأقول: إنه مُسْتَحَبُّ الخَوَاصِّ دون العَوَامِّ، ومُسْتَحَبُّ الخَوَاصِّ هو ما يكون مُسْتَحَبّاً لأجل المعنى. فالمُسْتَحَبُّ على نحوين: مُسْتَحَبٌّ لأجل الصورة، وهو الذي وَرَدَ الشرع باستحبابه، وهو الدائر في الفقه، ومُسْتَحَبٌّ لأجل المعنى، وهو ما يكون فيه إيماء إلى الفائدة فيه، ولم يَردِ الشرع باستحبابه صراحةً، ولمَّا أومأ إلى فوائد فيه، عَلِمنا أَنَّه مطلوبٌ، فقلنا: إنه مُسْتَحَبٌّ لأجل المعنى الموجب للاستحباب، وإن لم يكن من جهة الصورة. وليس هذا النوع من وظيفة الفقهاء، واسَمِّيُه مُسْتَحَبَّ خَوَاصِ الأمة، كالوضوء للجُنُب، فإِنه أشار الشرع إلى معنى فيه، لما في ((معجم الطبراني)) في جُنُبٍ ينام ويموت: ((إن الملائكة لا تَحْضُر جِنَازته)). وبالوُضُوء تَنْدَفع هذه المَضَرَّة، فهذا المعنى أوجب القول باستحبابه. ومن هذا الباب: الوُضُوء من مَسِّ الذَّكَر، ومس المرأة ولحوم الإِبل عندي. فأقول: إن الوضُوءَ مُسْتَحَبٌّ في جميعها، إلاّ أنَّه مُسْتَحَبُّ الخَوَاصِّ، ولا بُعْدَ فيه، فإن فقهاءنا أَوْجَبُوا الوُضُوء بأقلَّ من هذه الأشياء، كالنظر إلى الأجنبية والغيبة مثلاً، فلو التزمنا الوُضُوء من مَسِّ الذكر والمرأة وغيرها الذي هو أفحش منه، لَمَا كان فيه بأسٌ، ولا خلاف للمذهب. أمَّا معنى ((فيما مَسَّت النار)): فإنَّ الملائكة لهم تُبَاعِد وتُنَافِر عن الأكل والشرب بطباعهم الزكية، ومن أكل أو شرب المطبوخ الذي تَدَنَّس بصنعهم ونَضَّجَتْهُ أيديهم، فكأنه وقع على بُعْدٍ ٤٠٦ كتاب الوضوء بعيد من طَبْعهم، فلعلّ الشرع أمر بالوُضُوء منه تلافياً لهذا البُعْدِ، أمّا اليانع على الشجر، فإِنه بمَعْزِلٍ عن النظر، لأنه حديث عَهْدٍ بربه، وبركة من الله. وكان النبي وَلَر يضع البَاكُورَة على عينيه، ويعطيه أصغر الولدان، وأمّا المطبوخ، فقد مَسَّته النار، ولَحِقَتْهُ صَنْعَة، البشر، وغيرته عمّا نزل إليهم، فمَحَقَت بركته، وبدَّلت قُرْب عهده بالبُعْد، ودَنَّسَتْهُ بأدناس البشر، فشأنه لا يكون شأن الثمر، فإِنه قد عُلِمَ من شأنه رَّ أنه كان يَتَبَادر إلى ماء المطر، ويقوم فيه قائلاً: ((إِنه حديثُ عهدٍ بربه)). ولم يكن يفعل مثله بسائر المياه، لأن هذا الماء بعد استقراره في حفرة أو بِرْكة تلطّخ بأنواع الأدناس، ولم يبقَ على صفة حَدَاثة العهد. فالحاصل: أن الوضوء من هذه الأشياء ليس كالوضوء من الأحداث والأنجاس، بل من باب التشبُّه بالملائكة والتقرُّب إليهم. ولَمّا اختار المُصَنِّف رحمه الله تعالى مذهب الجمهور، لم يخرِّج أحاديث الجانب الآخر، وترك ذكرها رأساً، وهذا من دأبه. وإنَّما خصَّ اللحم بالشاة، لمكان الخلاف في لحم الإِبل، فإِنه ذهب أحمد رحمه الله تعالى إلى الوُضُوء منه ولو كان نِيئاً. وقال بعضهم: إن المرادَ من الوضوء هو الوضوء اللغوي. قلت: وهو خلاف المُتَبَادر عندي، لا لِمَا قاله ابن تَيْمِيةَ، فإِن أقسام الوُضُوء قد ثبتت عندي في غير واحدٍ من الأحاديث، بل لأنه لا يَشْهَدُ به الوجدان، ولا يشْهَد به العمل، وإن كان لا بُدَّ لك أن تقول به، فالأَولى أن تستدلّ عليه بما أخرجه السيوطي في ((الجامع الكبير)) عن ((المختارة)) للضياء المَقْدِسي: ((الوُضُوء الناقص ممَّا مَسَّت النار)) فليُحْمَل الوُضُوء في هذه الأحاديث على الوُضُوء. الناقص على رواية ((المختارة))، والحافظ ضياء الدين شرط الصِّحَّة في كتابه، وقال ابن تَيْمية: إنه أحسن من ((المستدرك)) للحاكم، ثم إن حديث: ((الوضوء ممَّا مَسَّت النار))، يشتمل على القصر، وقد وجَّهناه فيما أَمْلَيْنَاه في درس ((الجامع)) للترمذي. ٢٠٨ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيِثُ، عَنْ عُقَيلِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ: أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ وَلَهُ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفٍ شَاةٍ، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَأَلقَى السِّكِّينَ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ. [الحديث ٢٠٨ - أطرافه في: ٦٧٥، ٢٩٢٣، ٥٤٠٨، ٥٤٢٢، ٥٤٦٢]. ٢٠٨ - قوله: (يَحْتَزُّ)، ولم يكن الاحتزاز للأكل كما يفعلونه أهل أوروبا، بل للقطع فقط، وقطعة اللحم إذا كانت كبيرة، لا بُدَّ من قطعها. ثم تلك أمورٌ يعرفها كلٌّ بِفِظْرَتِه السليمة: أن أيها يكون للضرورة، وأيها للتشُّبه بهم، فإِن كنت أوتيت من الإِيمان نوراً فاعرفه، فإِنَّ المؤمن ينظر بنور الله، وإلاّ فأنت وشأنك، وإنما يجادل في مثل هذه المواضع من لا حياء لهم ولا دين. وصَدَقَ الله: ﴿وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]، والجدل: بأن لا يريد العمل، ويتعلَّل بالشُّبُهَات، ويُخَاصِم لمجرد هواه، فَلَسْنَا نَشْتَغِل بجوابهم، والله المستعان . ٤٠٧ كتاب الوضوء ٥٣ - باب مَنْ مَضْمَضَ مِنَ السَّوِيقِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ٢٠٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيرِ بْنِ يَسَارٍ مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ: أَنَّ سُوَيدَ بْنَ النُّعْمَانِ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ عامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالصَّهْبَاءِ - وَهِيَ أَذْنَى خَيْبَرَ - فَصَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ دَعَا بِالأَزْوَادِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلاّ بالسَّوِيقِ، فَأَمَرَ بِهِ فَثُرِّيَ، فَأَكَّلَ رَسُولُ اللَّهِوَِّ وَأَكَلنَا، ثُمَّ قَامَ إِلَى المَغْرِبِ، فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضَنَا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ. [الحديث ٢٠٩ - أطرافه في: ٢١٥، ٢٩٨١، ٤١٧٥، ٤١٩٥، ٥٣٨٤، ٥٣٩٠، ٥٤٥٤، ٥٤٥٥]. ٢١٠ - حدّثنا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ بُكَيرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ مَيِمُونَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ أَكَلَ عِنْدَهَا كَتِفاً، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ . ولمَّا كان عند المصنّف رحمه الله تعالى بعض جزئيات ممَّا مسَّت النار، أراد أن يُبَوِّب لكلٍّ منها باباً باباً . ٢٠٩ - قوله: (صَهْبَاء)، وهي الموضع الذي رُدَّت فيها الشمس بين خَيْبَر والمدينة، وصحَّحه الطَّحَاوي في ((مُشْكِل الآثار))، ونقل عن شيخه أنَّه أَوْصَى الأمة بحفظ هذه المعجزة الباهرة التي ظهرت على يد النبي ◌َ﴾(١)، ونَسَبَ النووي إليه أنه قائل بتعدّد القصة وهو سهوٌ منه، وإنّما صحَّحَ الطَّحَاوِي واقعة واحدة ولم يقل بتعدّدها أصلاً، ولعلّ النووي لم يَظْفَر بالأصل أو لم يرجع إليه، فوقع في الغَلَط، وهكذا تكون الأغلاط في أخذ النقول بدون المراجعات إلى الأصول. والذي تحصَّل لي في تنقيح القصة: ((أنَّ النبي ◌َّ بَعَث علياً رضي الله عنه لحاجةٍ قبل العصر، فذهب إليها ولم يصلٍ حتى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثم لما أَخْبر به النبي ◌َِّ، دعا له فرُدَّت له الشمس)). وما سوى ذلك، فكلّه من اضطراب الرواة، أمّا إنه لم يصلِّ العصر، فالوجه عندي أنه تَزَاحَم عنده أمران: الأول: الأمر العام في أداء الصَّلاة في وقتها، والثاني: الأمر الخاص، وهو أَمرُ النبي ◌َّه في هذا اليوم بالفَرَاغ عن حاجته التي بعثه إليها قبل غروب الشمس، كما يجيء في البخاري في قصة بني قُرَيْظَة، حيث أمرهم النبي ◌َِّ أَنْ يُصَلُّوا العصر في بني قُرَيْظَةِ، فأدركهم الوقت قبل بلوغهم إليهم، فصلّى بعضهم العصر نظراً إلى الأمر العام، ولم يُصَلِّها بعضهم حتى فاتتهم الصَّلاة، لأنَّهم رجَّحُوا الأمر الخاص على العام، وفَهِمُوا أنَّهم أُمِرُوا بأن يُصلُّوا العصر في هذا اليوم في بني قُرَيْظَة وإن فاتهم الوقت في الطريق. وهذا اجتهاد مُشْكِلٌ، لأَنَّه إن رجَّحَ الأمر الخاص، يَفُوته الأمر العام، وإن عَمِلَ بالأمر العام، فإِنَّه الخاص. ثم إِنَّ (١) قال الطّحاوي بعد سَرْد الأحاديث في قصة رَدِّ الشمس: وكل هذه الأحاديث من علامات النبوة، وقد حكى عليٍّ بن عبد الرحمن بن المُغِيرَة، عن أحمد بن صالح أنه كان يقول: لا ينبغي لمن كان سبيله العلم التخلُّف عن حفظ حديث أسماء الذي رُوِيَ لنا عنه، لأنه من أَجَلٌ علامات النبوة، اهـ. ((مشكل الآثار)). ٤٠٨ كتاب الوضوء هذه القصة في خَيْبَر، وسَهَى بعضهم حيث فَهِمَ أنها في غزوة الخَنْدَق، مع أنه ليس فيها رَدُّ الشمس، بل فيها غروب الشمس وفوات الصلاة. ٥٤ - باب هَل يُمَضْمِضُ مِنَ اللَّبَنِ ٢١١ - حدّثنا يَحْيِى بْنُ بُكَيرٍ وَقُتَيبَةُ قَالَا: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ نََّ شَرَبَ لَبَناً، فَمَضْمَضَ وَقَالَ: (إِنَّ لَهُ دَسَماً)). تَابَعَهُ يُونُسُ، وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. [الحديث ٢١١ - طرفه في: ٥٦٠٩]. وقد مرّ منِّي أن المَضْمَضَة لحال اللََّن، لا لحال الصَّلاة، فالمَضْمَضَة من متعلقات الأكل، وآدابه عندي، فيُسْتَحَبُّ عقِيبه لا عند الصَّلاة خاصة. نعم قد يجتمع الفراغ عنه والقيام إلى الصَّلاة، وحينئذٍ يتأكَّد كما قلتُ في حديث المستيقظ، فإِنَّه من مسائل المياه في الأصل، ثم الصِيَانة مطلوبةٌ في مياه الوُضُوء بالأَوْلَّى، فَيَنْجَرُّ إلى الوُضُوء أيضاً، وإليه يُشِير تعليله: ((بأن له دَسَماً))، يعني به: أنَّه لحال الطعام. ٥٥ - باب الوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ، وَمَنْ لَمْ يَرَ مِنَ النَّعْسَةِ وَالنَّعْسَتَينِ أَوِ الخَفقَةِ وُضُوءًا ٢١٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ قَالَ: ((إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلَيَرْقُدَّحَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ، لَا يَدْرِي لَّعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ)). ٢١٣ - حدّثنا أَبُو مَعْمَرِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِّ ◌َّهِ قَالَ: ((إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلَيَنَمْ حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَقْرَأُ)). وظاهر الرواية فيه: أنَّ الثَّوم عند تمكّن المَفْعَد لا يُفْسِد، ويُفسد عند التَّجافي، وأمَّا الهيئة التي في كتب الفقه فأوَّل من فصَّلَها الطحاوي، ثُمَّ تبعه القُدُوري، ثم تبعه الناس، وفي ((الدُّر المختار)): إن تمكَّن مقعده ونام، لا يفيد وإن طال، وفي عبارةٍ: وإن جلس مستنداً، فهذا هو المذهب. أمَّا الفَتْوَى فإنَّها تبني على المصالح واختلاف الزمان والمكان، فلا يُوَسَّع فيها في هذه الأيام، فإنَّها أيام يأكل فيها الناس كثيراً، فيُحدِثُون مع تمكُّن المَفْعَد. وذهب بعضهم إلى أن النوم ناقضٌ مطلقاً، وقال آخرون: إنه غير ناقض، مطلقاً . وحاصل ترجمة المصنّف رحمه الله تعالى: أنَّ فيه تفصيلاً، فيكون ناقضاً تارةً وغير ناقض تارةٍ ولم يَضْبطه، لأنه غير مُمْكِن، ومذهب الحنفية مرَّ تفصيله. ٢١٢ - قوله: (فَلْيَرْقُد)، أي حتى يعلم أنَّه يَسْتَغفرُ أو يَسُبَّ، وأنه ماذا يَقْرَأ، وفي («الدُّرِّ المختار)): أن الاختيار شرطٌ للصَّلاة، ومُرَاده أَنْ يكونَ بحيث يبقى له فَهْمٌ، فلا يَغْفُل عمَّا يفعل ٤٠٩ كتاب الوضوء كُلِيَّةً، وفي ((البحر)): أنَّه لو نام في قعدة التراويح لم تَفْسُد صلاته وإن غرقا ... إلخ. قلتُ: وكأنَّ الحديث مأخوذٌ من قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا نَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] إلخ. ومن ههنا ذهب الفقهاء إلى أنَّ نام الإغماء والجُنُون ناقِضَان، فإِنّهم رأوا أَنَّ القرآنَ جَعَل العلم بما يقولون غايةً للصَّلاة، فإِذا كان بحيث لم يَكُن له أن يَعْلَم ما يقول، فإِنه لا يَقْرَب الصَّلاة، فجعلوا الإِغْمَاء والجُنُون ناقضين، لأنَّه لا يَدْرِي فيهما ما يقول. ومِنْ هذه الآية أُخِذَ أدنى مقدار الخُشُوعِ: وهو أنَّ يَعْلَم الرجل أنَّه ماذا يقرأ هو أو إمامه، فاعلمه فإِنَّه مهمٌ ثم الخُشُوعِ مُسْتَحبٌّ كما في ((الاختيار شرح المختار))، ولم أجده في عامة كُتُبنا، وهو بالنظر إلى مَوْضع سُجُوده في حال القيام، إلى آخر ما قالوا، ولم أَزَلِ أَتَتَبَّعُ هذا التفصيل مَأْخَذاً من كتب أصحابنا، فرأيته في متن ((المبسوط)) للجَوْزَجَانِي، وهو تلميذُ محمد بن الحسن رحمه الله تعالى. وعن أحمد رحمه الله تعالى في كتاب ((الصَّلاة)): أنَّ المصلِّي في حال القيام يَخْنِي رأسه شيئاً، إلاّ أني أتردّد في كون الكتاب المذكور من تصنيف أحمد، وفي ((الفتح)): أنَّه تصنيفه. ٢١٢ - قوله: (لعلّه يَسْتَغفر) ... إلخ، أي يريد أن يَسْتَغْفِر، فَيَهجُر ويَسُبّ نفسه مكان استغفاره لها، وقيل: معناه أن يَمَلَّ عن الصلاة، فيَسُبّ نفسه لِمَ فُرِضَتْ عليه. ٥٦ - باب الوُضُوءِ مِنْ غَيرِ حَدَثٍ ٢١٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَساً (ح) وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدْ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ، عَنْ أَنَسِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َِِّّ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، قُلتُ: كَيفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قَالَ: يُجْزِىءُ أَحَدُنَا الوُضُوءَ مَا لَمْ يُحْدِثْ. ٢١٥ - حدّثنا خالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيِى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُوَيدُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بِ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ، صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَيَ العَصْرَ، فَلَمَّا صَلَّى دَعَا بِالأَطْعِمَةِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ، فَأَكَلِنا وَشَرِبْنا، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ◌َِّإِلَى المَغْرِبِ، فَمَضْمَضَ، ثُمَّ صَلَّى لَنَا المَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأُ. أراد أن يُشِير إلى الوُضُوءِ المُسْتَحَبّ، فَأَخْرَجَ تحته الوُضُوء وتركه، وهو مُسْتَحَبٌّ في نحو عشرين مَوْضِعاً كما في ((الدُّر المختار))، وقد مرَّ مني أَنَّ الوضوءَ عند كل صلاة مطلوبٌ عند الشرع، وهو الظاهر من قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى اُلْصَلَوَةِ﴾ [المائدة: ٦]، ولذا لا أُقَدِّر فيه: وأنتم مُحْدِثون، كما قَدَّره المفسِّرون، كيف وقد ثَبَتَ عند أبي داود بإِسنادٍ قوي: ((أنَّ النبي ◌َّ كان مأموراً بالوضوء طاهراً أو غير طاهر، فلمَّا شَقَّ عليه، أُمِرَ بالسِّواك عند كل صلاة)). وعُلِمَ منه أيضاً أنَّ السِّوَاك بدل الوُضُوء، وكان الأصل هو الوُضُوء، إلا أنه لما شَقَّ عليه أُقِيَم أُنْمُوذَجْ الشيء مَقَام الشيء، وقد مرَّ مني عنِ ((فتح القدير)): أنَّ السِّواك مُسْتَحَبُّ عند الصَّلاة عندنا أيضاً، ٤١٠ كتاب الوضوء ثم الوضوء من الأشياء التي تقدَّمَ حكمُها نزولَ النَّص، لأنَّ آية المائدة آخرها نزولاً، والوضوء كان فرضاً قبلها أيضاً . ٥٧ - باب مِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ لاَ يَسْتَتِرَ مِنْ بَوْلِهِ ٢١٦ - حدّثنا عُثْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ◌ََّ بِحَائِطِ مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ، أَوْ مَكَّةَ، فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِيَ قُبُورِهِمَا فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ)) ثُمَّ قَالَ: ((بَلَى كَانَ أَحَدُهُما لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ))، ثُمَّ دَعَا بِجَرِيد فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسْرَةٍ فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هُذَا؟ قَالَ: (لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ تَيْيَسًا، أَوْ إِلَى أَنْ بَيْسَا)». ٢١٦ - قوله: (فسمع صوت إنْسَانَيْن) ... إلخ، وهذا دليلٌ على أنَّ العذابَ محسوسٌ ومسموعٌ لمن كان له أذنان، لا أنه مُتَخَيَّلٌ فقط، نعم هو في عالم آخر، والناس يريدون أن يسمعوه في هذا العالم، فَيَقَعُون في الخَبْط، ألا ترى أنّ الحواس الخمس في هذا العالم، ثم لا يدري أحدهما ما في عالم الآخر، فلا تدري الشَّامَّة ما السمع والذوق؟ ولا تدري السامعة ما الشُّ والذوق؟ فهكذا لا يمكن أن يَكْتَنِهَ مَنْ في عالم الأجساد ما في عالِم البَرْزَخ، إلاّ أَنْ يُسْمعَهُ الله تعالى: ﴿وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِعِ مَّن فِ الْقُرِ﴾ [فاطر: ٢٢] ولم يدّعِ الشرع أَنَّ أحوال البرزخ من أحوال عالم الأجساد، ليُقَال إنَّا لا نسمع الصوت، ولا نرى أحداً في القبر معذَّباً إلى غير ذلك، فاعلمه . قوله: (في كبيرٍ) أي بحَسَب نَفْسِه ووجوده، لا بحَسَب الإِثم. قال النَّووي ما حاصله: إِنَّ عدم الاجتناب من البول ليس بكبيرة في نَفْسِهِ، بل يُفْضِي إلى كبيرة، وهي الصَّلاة في تلك الثياب النجسة المستلزِمَة لبطلان الصَّلاة. قلت: إنْ أراد به الصغائر لا يُعَذَّب عليها، فهو ليس بصحيح، وإلّا فعدم الاتقاء كبيرة في نَفْسِه، بل كلٍ صغيرة تَصِير بالإِصرار كبيرة، فَمَنْ قلَّت مبالاته بأمرٌ البول واعتاد به، فقد ارتكب الكبيرة، صلَّى فيها أم لا، لأنَّه قد مرَّ مني أن التطهُّرَ في عامة الأحوال مطلوبٌ، والتلطُّخ بالنجاسات مكروهٌ، وهذا وإن كان صغيرة، لكنه لمَّا أصرَّ عليه واعتاده، صار كبيرة حتى حقَّت عليه كلمة العذاب، والعياذ بالله. قوله: (لا يَسْتَتِر) ... إلخ، وفي لفظ: لا يَسْتَنْزِهِ، وفي لفظٍ آخر: لا يَسْتَبْرِئ. وتوهَّم بعضهم: أن معناه أنه لم يكن يَسْتُر عورته عند البول. وقيل معناه: أنه لم يكن يَحْتَرِز عن رِشَاش البول. أقول: ومُحَصَّل كلها واحدٌ مع فرق يسيرٍ بينها، فمعنى عدم الاستتار: أنَّه لم يكن يضع سُتْرة بينه وبين البول، ولا يتَّقي من رِشَاشه، فيعود إليه رِشَاشه. والاستنزاه والاستبراء هو الاستنجاء على طريقٍ مسنونٍ، أعني به الطريق الذي يعمل به النَّاس لقطع التقطير: من التنحنح، ٤١١ كتاب الوضوء والمشي خطوة أو خطوتين، وكالنَّتْر عند ابن ماجه مرفوعاً، وهو عند الأطباء مُضِرُّ. فإِن كان ما أظنُّه صحيحاً، فالحديث على الأخيرين يَقْتَصِر على بول النَّاس فقط، ويكون معناه: أنَّه لم يكن يَخْتَاط في الاستنجاء ودفع التقطير، فابْتُلِي بالعذاب لأجل هذا التهاون، وعلى الأول يمكن أن يُرَاد من البول مُظْلَقه الشامل لِبول الإِنسان وغيره، لأنَّ عدم الاتقاء من رِشَاش البول يتحقَّق في سائرها، ويكون معناه: أنه مُعَذَّبٌ لقلة مُبَالَاته بالأبوال. ثم فَتَشْتُ عن وجه خصوصية البول في عذاب القبر، ليظهر أنَّ المراد به بول النَّاس أو مطلقه، فإِن كان ذلك المعنى مُخْتَصّاً ببول الناس، يقتصر الحديث على أبوالهم، وإن كان عامّاً فليَعُمَّ الحديث أيضاً حَسَب عمومه، ولم أرَ فيه شيئاً غير ما في ((شرح الهداية)): ((أنَّ أول ما يُسْأَل العبد عنه يوم القيامة، هو الصلاة)). فناسب أن يكون أول ما يُسْأَل عنه في القبر هو الطهارة، لأنَّ البَرْزَخْ مقدَّمٌ على الحشر والطهارة متقدِّمة على الصَّلاة، فناسب أن يُسْأَل في أول منزل من منازل الآخرة عن شرائط الصلاة. وما وَضَح لديّ هو أنَّه لا دَخْلَ فيه لخصوصِ البول، بل النَّجاسات كلها مُؤثِّرَة في العذاب، لأنَّ ملائكة الله تتأذَى عن النجاسات بطبعهم، والمعاملة في القبر إنما تكون معهم، فيقَعَ من جانبهم التعذيب لهذا، فالملائكة إنما يَسْتَأْنِسُون بالطهارة، ويَتَنَفَّرون بالنجاسة، والبول نجاسةٌ حِسّاً، والنميمة معنًى، لأنَّها لحم الأخ. وإنَّما خصَّ ذكر البول، لأنَّ الخِئِي والرَّوْثَةَ وعَذِرَةَ الإِنسان، وكذا سائر القَاذُورَاتِ يَحْتَرِز عنها كلُ جاهل وعالم من فِظْرَته، وقَلَّما يتحمّل أن يتلطّخ بشيء منها بخلاف البول، فإِنَّ عامَةً العرب لم يكونوا يبَأَلُون به، كما صرَّح به الشارِحون في قصِة بول الأعرابي: أنَّ بوله في المسجد كان على عادتهم في قلة المُبَالاة به. ولذا قال: ((وما يُعَذَّبان في كبير)). قوله: (ما لم يَيْبِسَا) ... إلخ، قيل في وجه تخفيف العذاب: إنَّه من آثار تسبيح الجريدة، وإنما وقته باليَيْس، لأنَّها لا تُسَبِّح بعده. وقيل: بل هو ببركة يده الكريمة، ومثل هذه الواقعة عند مسلم في أواخره، وفيها تصريحٌ باستشفاعه وَّ لهما، ففي حديث جابر الطويل في صاحبي القبرين: ((فأُجِيبت شفاعتي أن يرفع ذلك عنهما ما دام القضيبان رَظْبَان)»، وهذا صريحٌ في شفاعته وَّةِ، وأنَّه لا دَخْل فيه للقضيب، نعم عدم اليَبْس أجلٌ فقط، فالتوقيت ليس لعدم التسبيح بعده، بل لأنَّه ضُرِبَت له هذه المدة. ثم إنَّ الحافظين بَحَثًا في هاتين القصتين أنهما اثنتان أو واحدة، ومال الحافظ رحمه الله تعالى إلى التعدُّد، وقال: إنَّ ما في الباب قصة المُسْلِمَيْن في المدينة، وما في أواخر مسلم قصة الكَافِرَيْن في سفرٍ، والتزام تخفيف العذاب عن الكافر مع عدم النجاة. وذهب الشيخ البدر العَيْني إلى الوَحْدة. أمَّا إلقاء الرَّيَاحين على القبور، ففي ((الفتاوى الهِنْدِيَّة)) عن ((مطالب المؤمنين)»: أنَّه جائزٌ تمسُّكاً بحديث الباب. قلت: وصرَّح العيني أنَّه لغوٌ وعَبَثٌ. وقال الخطّابي: إِنَّ ما يفعله الناس ٤١٢ كتاب الوضوء على القبور لا أصل له كما في النووي، ومُصَنِّف ((المطالب)) ليس من الكبار لِيُثَق به(١) ، بقي البحث في أنَّ المُؤثِّرَ لو كان هو التسبيح، فهل ينقطع عنها التسبيح، بعد اليَيْس، فإِنه يخالف ظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِنِ مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِحَدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]. البَحْثُ في تسبيح الأشجار، قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِعُ بِحَدِهِ﴾ واعلم أنَّ المفسِّرين أخْرَجُوا آثاراً تحت قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَيِّحُ بِهِ﴾، ويُسْتَفَاد منها انقطاع التسبيح في زمان، مع أنَّ الآيةَ تدلُّ على العموم، ففي الآثار: أنَّ الثوبَ إذا كان أبيض، فإِنَّه يسبِّح، وإذا اتّسَخَ، فإِنه لا يسبِّح، وهكذا الماء إنَ كان جارياً يسبِّح، وإن ركد ينقطع عنه التسبيح، وكذلك المرأه إذا حاضت، وأمّا الحمار والكلب، فإنهما لا يُسَبِّحَان أصلاً، ومن ههنا تبيّن لي وجهُ كونهما قاطِعَيْن لصلاة المُصَلِّي، فإِذا كانت دونهما سُتْرةٌ لم يَضُرَّ مرورهما، ولذا غَضِبَت عائشة رضي الله عنها، وقالت: ((عدَّلْتُمَونا بالكلاب والحُمُر)). وقيّد الحائضة وإن لم يكن في عامة الطُرُق، لكنه عند أبي داود: ((يقطع الصَّلاة: المرأة الحائضة، والكلب)) ولم أرَ أحداً منهم تنَّه لهذه الدقيقة. قلتُ: ولذا يتنجَّس بوقوع النجاسة، كما اختاره الحنفية، وهكذا الحال في الحجر إذا ثَبَتَ في مكانه وإذا أُقْلِع، والشجر إذا كان رَظْباً وإذا يَبِسَ. والذي تبيَّن لي - والله تعالى أعلم . أنَّ هذه الأشياء كلها تُسَبِّح في الحالين، كما شَهِدَ به النص، إلاّ أنه يتغيّر نوع تسبيحها، فإِن الاتساخَ والرُّكُود والقَطْع والقَلْع موتٌ لهذه الأشياء، وهكذا الإِنسان يُسَبِّح نوعَ تسبيحِ ما دام حياً، وإذا مات وصار تراباً ولَحِق أجزاءه بالعناصر، فإِنَّه لا يُسَبِّح هذا التسبيح، بل بتسبيح العناصر، فيتغيَّرِ نوعُ تسبيحه، لا أنه لا يُسَبِّح أصلاً، لأنَّ القرآن صرَّح بأن تسبيحَ كل نوعٍ على حِدَة، فقال: ﴿كَلَ قَدْ عَلِمَ صَلَائَهُ وَتَسْبِحَهُ﴾ [النور: ٤١] وهكذا يُسْتَفَاد الاستغراق من عامة الآيات، (١) قلت: وقد توغَّل الناس في إلقاء الرَّياحين على القبور، حتى أنهم جعلوه من سمات الحنفية، ومن لا يَّتبع هواهم يَرْمُونه بالوهَّابية، ويسخرون به، ويَنْبِزُوَنه بالألقاب، فهداهم الله تعالى طريق الصواب، حيث يتمسَّكون من قصة واحدة اختلف المَثَار فيها، ولم يتحقق بعد، بل الأرجح والأصرح أن يكون المَثَار هو بركة يده الكريمة، وفكّر في نفسك: أن أي هذين أوْلى؟ تخفيف العذاب بشفاعة خير البشر، أو بتسبيح الشجر، وكيفما كان، إن كانوا يدَّعون اتباع الحديث، فعليهم أن يضعوا الجرائد دون الرَّياحين، وعلى المعذّبين دون المقرَّبين، لأن الحديث إنما وَرَدَ في المعذّبين فللمتبع للحديث أن يعمل به أولاً، ثم يُعَدِّيه إلى الآخرين. وأمَّا الذين كانوا يتّبعونه ظاهراً وباطناً، وهم الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم، فلم يُنْقَل عنهم أنهم عَمِلُوا به إلاّ رجلٌ أو رجلان، فإنهما أوصيا به اتباعاً لفعل النبي ◌َّر، وجماهيرهم لم يَرَوْا فيه نفعاً، ولو كان عندهم نفع لَمَا تركوه البتة. ولا يخفى أن البدعة تجري في مثل هذه الأمور، فلا تكون مادتها معصية، بل وربما تكون طاعة، وإنما يُلْبِسُون عليها الهيئة من عند أنفسهم، ويَنْتَصِبُون منصب الشارع، فهؤلاء الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يُحْسِنُون صُنْعاً، فإن قلتَ: إن كان تخفيف العذاب لأجل بركة يده، فما معنى ((ما لم بيبسا))؟ قلت: هذا أَجَلُّ لبقاء بركة يده الكريمة، كما أفاده حضرة الشيخ رحمه الله تعالى، وما البُعد فيه.؟. ٤١٣ كتاب الوضوء إلّ في آيةٍ واحدةٍ، فإنَّها تُشِيرُ إلى التخصيص، فقال بعد ذكر السجدة - والسجدة والتسبيح من نوع واحد - ﴿وَكَثِيرُ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨]، قال الشيخ الأكبر في ((الفصوص)): إن بُنْبَة الكافر لا تُسَبِّح، وتسبِّح أجزاؤه. قلت: ومراده ما مرَّ مني: أنَّ الهيئةَ الوحدانية لا تُسَبِّح، وإنما تُسَبِّح أجزاؤه وعناصره من نوع تسبيحه . والحاصل أنَّ الشجرَ الرَّطب يُسَبِّح تسبيح النبات، وإذا يَبِسَ فإنه يُسَبِّح تسبيح الجماد، وهو معنى قوله: (ما لم يَيْبَسا))(١) . وليُعْلَم أن قوله تعالى: ﴿وَكَثِيرُ حَقَ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ ليس فيه استثناءٌ صراحةً، فإِن الاستثناء إخراجٌ عن الحكم، وليس له عندهم لفظ سوى ((إلاّ)) بل هذا خاصٌّ وَرَدَ بنقيض حكم العامّ، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ﴾ [الإسراء: ٤٤] إلخ، فليس فيه استثناء، بل تَعَارُض، فهو يُومِىء إليه . ثم أقول: ليس العذاب في القبر غير تلك المعاني التي يراها الرجل في حياته من الضيق والانشراح، فمن يرى في نومه أنه متلطّخ بالنجاسات مثلاً، فإِنه تَشْمَئِزُّ نفسه، ويَضِيقُ صدره، وتَطُول عليه ساعاته، كذلك في القبر إذا يرى نفسه متلطّخة بالنجاسة، فإِنه يَتَنَفَّر عنه، ولعلّ الغِيبَة تتجسَّد لحماً، ويكون بهذا الطريق عذابه. ونِعْمَ ما قال الصفدي: شَرُّ الوَرَى بمساوىء الناس مَشْتَغِلٌ مثل الذباب يَراعَى مَوْضِع العِلَلِ ولا أجد أحداً من الحيوانات مُتَتَبِّعاً للنجاسات مثل الذباب والكلب، وفي الكلب معاني أخرى أيضاً، فمن عاداته الؤُلُوغ في الأواني، فلا يَمرُّ بآنيةٍ إلاّ ويشُمُّها ويَلَغُ فيها، ومن عاداته أن يَسْطُوَ على الإِنسان، فإِذا هدَّده بالعصى فرَّ، ثم إذا تَغَافَل عنه شيئاً عاد إليه. وهو حال الشيطان، فإِنه أيضاً في مراقبة أحوال الإِنسان، فإِذا وَجَدَ موضعاً نقص فيه، وكذلك حاله مع الذكر كحال الكلب مع العصى، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَِّفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ ﴾ [الأعراف: ٢٠١]، فذكر الله مَطْرَدَةً للشيطان، وحياةً للقلب، فتلك تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ الطبائع الإِبليسية التي في جِيْلَة الإِنسان هي التي تتمثّل في القبر، ويزداد منها عذاباً، لا أُرِيدَ به أن العذاب في القبر تَخْييلٌ فِقط، كما تَفَوَّه به بعض الملاحدة، بل أُرِيد تفهيمه وتقريبه إلى الأذهان بنوع من الأمثلة، فيُعَذَّب في القبر كما وَرَدَ في الحديث (٢) . (١) قلت: ولعلَّه يكون فرق بين تسبيح الرَّطْب واليابس، كتسبيح الحي والميت، حيث لم ينفع تسبيح اليابس في تخفيف العذاب. وإذا تُحِقِّق ممَّا أفاده إمام العصر صاحب هذه ((الأمالي)): أن يَبس الجريدتين انتهاء الأجل التخفيف، فلا إشكال، (من المصحِّح). يريد إمام العصر رحمه الله: ما حقّقه في غير هذا الموضع من تجسُّد المعاني والأعراض في البَرْزخ والمحشر، (٢) وتحوَّلها جواهر بما أَخْبَرَ عنه المخبرُ الصادق ◌ََّ، لا أنها أمور خيالية لا يكون لها وجود في الخارج، وفي العِبَارة نوع قصور عن الإيضاح فليتنَبه، وليراجع لإيضاح ما أشار إليه إمام العصر ما ذكره الغزالي في ((الإِحياء)» من عذاب القبر، والشاه ولي الله الدَّهْلَوِي في ((حجة الله البالغة)) في عالم المثال، (من المصحِّح). ٤١٤ كتاب الوضوء ٥٨ - باب مَا جَاءَ فِي غَسْلِ البَوْلِ وَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ لِصَاحِبِ القَبْرِ: ((كَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ)). وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَى بَوْلِ النَّاسِ. ٢١٧ - حدّثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي رَوْحُ بْنُ القَاسِمِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيمُونَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّـ إِذَا تَبَرَّزَ لِحَاجَتِهِ، أَتَيْتُهُ بِمَاءٍ فَيَغْسِلُ بِهِ. ٥٩ _ بابٌ ٢١٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاؤُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ◌َّه ◌ِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ: ((إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُما فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بالنَّمِيمَةِ). ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةٌ رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصْفَينٍ، فَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هذا؟ قَالَ: ((لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا)). قَالَ ابْنُ المُثَنَّى: وَحَدَّثَنَا وَكِيْعٌ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِداً، مِثْلَهُ. فَقَصَر البول على بول الناس، ونصَّ عليه، ولم يُرِد به مطلق البول، واختار طهارة بول مأْكُول اللحم، وحينئذٍ يقتصر قوله: يستنزهوا من البول، على بول النَّاس عنده، بل يُسْتَفَاد من تراجمه: أنه اختار طهارة الأبوال مطلقاً سوى بول الإنسان، وقال الشارحون: إنه اختار مذهب داود الظاهري القائل بطهارة الأبوال والأذبال غير عَذِرَة الإِنسان والخنزير والكلب. قلت: وقد مرّ مني فيِ الباب السابق: أن لفظ الاستنزاه والاستبراء يُشْعِرُ بأنَّ المراد منه بول الإِنسان، فإِنه لا يتحقَّق إلَّا في الإِنسان، فلفظ الاستنزاه في هذا الحديث يُومىء إلى أن المُرَاد به بول الناس خاصةً، وحينئذٍ يسقط الاحتجاج به على نجاسة سائر الأبوال. والقرينة الثانية على أن المراد به بول الناس فقط: ما رُوِيَ عن بني إسرائيل أنهم كانوا إذا أصابهم البول يَقْرِضُون جلدهم بالمَقَاريض. وأوَّلَهَ ابن دقيق العيد، وقال: إن المراد من قطع الجلد هو قطع الفَرْوِ دون قطع الجسد، فإِنه مُسْتَبْعَدٌ. قلت: ورأيت في بعض الألفاظ قطع الجسد أيضاً، ثم رأيت في ((مصنَّف ابن أبي شيبة)) (١): ((أنهم كانوا مأمورين بقطع الثوب في الدنيا، أمَّا قطع الجلد، فكان عذابهم به في قبورهم)). فتبيَّن لي أن هذا القطع كان طريق عذابهم في القبر، وأظنُّ أن أثره باقٍ في هذه الأُمّة أيضاً، وإن كان خُفِّفَ فيه بنوعٍ، والله أعلم. (١) ومصنَّفه صُنفَ قبل البخاري، وابن أبي شيبة من رجال مسلم، كذا في تقرير الفاضل عبد العزيز من الزيادة. ٤١٥ كتاب الوضوء والقرينة الثالثة: أن الرُّوَاة إنما يَتَنَاقَلُونه في بَوْل الناس، يعني أنَّ الرُّوَاة عند السؤال والجواب والمُرَاجعات إذ يأتون بهذا الحديث يريدون به بول الناس، وهذا يؤيِّد أنه محمولٌ على بول الناس عندهم، ولمَّا لم يكن عندي دليلٌ على التخصيص، رَاعَيْتُ الجانبين، فقلتُ باعتبار تَنَاقُل الرُّوَاة: إن المراد منه بول الناس، وهو مراد أَوْلَى، ولفقدان دليل التخصيص قلتُ: أنَّ المرادَ منه البول مطلقاً، وهو مرادٌ ثانوي. وهذا واسع عندي: أن يقتصر الشيء على أمر باعتبار مراده الأَوْلى ويُعَمَّم بَحَسب مراده الثانوي، ولأنَّه لا فارق بين بول الناس وغيره، فيلحق غيره به أيضاً . وقد تحقَّق عندي تعدُّد المِصْدَاق، ولم يُنَبِّه عليه أحدٌ، إلّ بعض شارحي ((التلويح)) حيث قال: إن خمر العنب مِصْدَاق أَوْلى للفظ الخمر، وما يقوله الجمهور مِصْدَاق ثانوي له. وهكذا أقول في البول، ثم أقول: إنَّ الحُكمُ إذا ورد على اسم يكون بعضُ ما صَدُقَاتِ مُسَمَّاهُ كثيرَ الوقوع، ثم خَصَّص الحديثُ هذا البعضَ الذي هو كثيرُ الوقوع بحكم، فهل يقتصر هذا الحكم على هذا البعض فقط، أو يدور على الاسم مطلقاً؟ والذي يتَضِح: أنه يدور على الاسم، ولا يَقْتَصِر على هذا البعض، لأن الاقتصار فيه إذا كان لكَثْرَة الوقوع، فلا معنى للتخصيص، وههنا أيضاً كذلك، فإِنَّ حُكْمَ التعذيب وإن اقتصر على بول الناس، كما اختاره البخاري، إلّ أن تخصيصه بالذكر لكَثْرَة المعاملة معه، فلا يَقْتَصِر الحكمُ عليه، بل يتعدّى إلى سائر الأبوال، وحينئذٍ لا يحتاج إلى التقرير السابق أيضاً . أما الأصوليون فلم يذكروا تعدُّد المِصْدَاق، نعم قسَّمُوا العُرْف إلى: لفظِيٍّ، وعمليٍّ، واللفظي: أن يدلّ عليه اللفظ بوضعه. والعمليّ ما تُرِكَ به العمل في بعض ما صَدُقَاتِهِ، وإن اشتمل عليه اللفظ لغةً كاللحم، فإِنه لا يُظْلَقُ في العُرْفَ على لحم السمك، وإن اشتمل عليه لغةً، فاعتبروا اللفظيَّ مطلقاً، وقد يَعْتَبِرون بالعملي أيضاً، ويجعلونه مخصِّصاً كما في اللحم، فمن حَلَف أن لا يأكل اللحم، فإِنه لا يَحْنَثُ بأكل لحم السمك. والذي أقول في مثل هذه المواضع: هو إقامة المراتب واختلاف الأحكام في بعض أفراد المُسَمَّى، ففي معنى اللحم مراتب يَسَعُ للمتكلِّم أن يريدَ بعضَها ويَتْرُكَ بعضَها، وهذا أيضاً وجه. وإقامة المراتب لم يتعرَّض إليها الأصوليون أيضاً، وكان مهماً. وما في حاشية (نور الأنوار)) نقلاً عن ((مُسْتَذْرَك الحاكم)) أنَّ النبي ◌َُّ لِما فَرَغْ من دفن سعد، وابْتُلي بعذاب القبر، جاء إلى امرأته فسألها عنه، قالت: كان يرعى غنماً، ولا يستتر من بولها، فقال: ((استنزهوا من البول))، فلم أجده في النسخة المطبوعة ولا في القدر الموجود من النسخة القلمية عندي، ولو ثَبَتَ لكان فصلاً في الباب، وسيأتي بعض الكلام في باب ما يقع من النجاسات ... إلخ. ٦٠ - باب تَرْكِ النَّبِيِّ ◌َلِّـ وَالنَّاسِ الأَعْرَابِيَّ حَتَّى فَرَغَ مِنْ بَوْلِهِ فِي المَسْجِدِ ٢١٩ - حدّثنا مُوسى بْنُ إِسْماعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحاقُ، عَنْ : ٤١٦ كتاب الوضوء أَنَسِ بْنِ مَالِكِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّرَأَى أَعْرَابِياً يَبُولُ فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ: ((دَعُوهُ)). حَتَّى إِذَا فَرَغَ، دَعَاَ بَمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيهِ. [الحديث ٢١٩ - طرفاه في: ٢٢١، ٦٠٢٥]. لعلّه يريد بيان ما هو الأنفع فيما بَالَ الرجل في: المسجد، ولم يدخل في مسألة التطهير بعد، وقد مرَّ في باب الماء الذي يُغْتَسل به شعر الإِنسان ... إلخ. ٦١ - باب صَبِّ المَاءِ عَلَى البَوْلِ فِي المَسْجِدِ ٢٢٠ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ أَغْرَابِيٍّ فَبَالَ فِي المَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ الَنَّبِيُّ ◌َِّ: (دَعُوهُ، وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ - أَوْ ذَنُوباً مِنْ مَاءٍ - فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِين)). [الحديث ٢٢٠ - طرفه في: ٦١٢٨]. حدّثنا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، عَنِ السَّبِّ ◌َِ﴾. ٦٢ - باب يُهَرِيقُ المَاءَ عَلَى البَوْلِ ٢٢١ - حدّثنا خالِدٌ قَالَ: وَحَدَّثَنَا سُلَيمَانُ، عَنْ يَحْيِى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَبَالَ فِي طَائِفَةِ المَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ◌َ، فَلَمَّا قَضى بَوْلَهُ، أَمَرَ النَّبِيُّ ◌َّهُ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَأَهْرِيقَ عَلَيهِ. يَظْهُرُ السَّطْحُ بالصَّبِّ، والجَوْفُ بالجفاف أو بالحفر، لأنَّه إذا صَبَّ الماء يصير جارياً، واعلم أنَّ في فقهنا مسألة عجيبة وهي: أنَّ دَلْوَين إذا كان أحدهما نَجِساً والآخر طاهراً، ثم صُبًّا من الفَوْق معاً، يكون مجموع الماء الساقط طاهراً للجريان، فيراها النَّاظر ويَزْعُم أنَّها متفقٌ عليها بدون اختلاف، مع أنها تُبْنَى على أصل آخر اخْتُلِفَ فيه عندنا، وهو أن الجَرْيَ هل يُشْتَرَطُ له المَدَدَ أم لا؟ فقال بعضهم: إن الماء لا يُسَمَّى جَارِياً ما لم يكن له مَدَد، وأطلقه آخرون وسمَّاه جارياً بمجرد الجَرْي. ثم جعلوا يتفرَّعُون على قول من لم يَشْتَرِطِ المَدَدَ للجَرَيَان، كما رأيت المسألة المذكورة، فينظرها ناظر ويَغْفُل عن الأصل الذي اخْتُلِف فيه، وبظنها مُسَلَّمَة بدون اختلاف، فاعلمه . قوله: (طائفة من المسجد) ... إلخ، وترجمة الناحية عندي (يكسو) وعلى هذا ما في ((الموطأ)) لمحمد رحمه الله تعالى: ((أَحْسِن إلى غنمك وأَطِبْ مُرَاحها، وصلِّ في ناحيتها، فإِنَّها من دوابٌ الجنة))، معناه "يكسوا ورايكطرف هو كرنما زيرط"، فيكون دليلاً على نجاسة أزبال مأُكُول اللحم وأبوالها، لأنه أمره بالتجنُب عنها، والصَّلاة في الناحية: أي في طرف منه . ٤١٧ كتاب الوضوء قوله: (أعرابي) هو ذو الخُوَيْصِرَة(١) وهو يماني، ورجل آخر تميمي، والأوَّل رجل صالح، والثاني شِقَّي رأس الخوارج، نَّه عليه ابن الأثير. ٦٣ - باب بولِ الصِّبْيانِ ٢٢٢ - حدّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ بِصَبِيّ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ. [الحديث ٢٢٢ - أطرافه في: ٥٤٦٨، ٦٠٠٢، ٦٣٥٥]. ٢٢٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ، عَنْ أُمَّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصِنٍ: أَنَّهَا أَتَتْ بِأَبْنٍ لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ يَأْكُلٍ الطَّعَامَ، إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ، فَأَجْلِّسَهُ رَسُولُ اللَّهِ بِ، فِي حَجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ. [الحديث ٢٢٣ - طرفه في: ٥٦٩٣]. نَسَبَ ابن بطَّال إلى الشافعية: أن بول الصبي الذي لم يَطْعَم طاهرٌ عندهم، وأنكر عليه الشافعية، وقالوا: إنه نَجِسٌ عندنا إلاّ أنه يكفي النَّضْح لتطهيره. قلت: ومذهبهم أنَّه إذا رَشَّ الماء على بوله، فقد طَهُرَ وإن لم تتقاطر منه قطرة، فإِنه صار مغلوباً، وحينئذٍ لاذنب لابن بطّال إن نَسَبَ إليهم الطهارة، فإِنَّ النجاسة إذا لم تخرجٍ بشيء، فكيف طَهُرَت بمجرد كونها مغلوبة، وقال الثلاثة: إنه نَجِسٌ يُغْسَل كسائر الأنجاس، إلّا أنه لا يحتاج إلى المبالغة في غسله من الدَّلْك والعصر في كل مرَّة، وصرَّح محمد رحمه الله تعالى في ((موطئه)): أن في بول الرضيع رُخْصَةً - أي تيسيراً - وهو مُقْتَضَى الأحاديث، فَوَرَدَ فيه خمسة ألفاظ: أَتْبَعَه بوله، ورَشَّه، ونَضَحَه، وصَبَّه، ولم يَغْسِلْهُ غَسْلاً، كما عند مسلم والآخر صريحٌ في نفي التأكيد. قال ابن عصفور في حاشية ((كتاب سيبويه)): إنَّ المجازَ لمّا كان له تطرُّق في لغة العرب كثيراً، وضعوا لدفعه طُرُقاً، منها التأكيد، فقولنا: جاءني جاءني: لبيان أنَّ الفعلَ هو المجيءِ حقيقةً دون مقدماته. وقولنا: جاءني أمس أمس: لدفع تطرُّق المجاز في الزمان، وقالوا: إنَّ لدفع التطرُّق في الفعل طريقٌ آخر، وهو التأكيد بالمفعول المُطْلَق، وعلى هذا قوله: ((لم يغسله غسلاً)): للتأكيد ودفع تطرُّق المجاز، فمعناه أنَّه لم يغسله غَسْلاً مؤكّداً، وهو الذي أراده بإِثبات الرشّ والنَّضْح، فالنفي والإِثبات يترقيان في المعنى والمآل، فقد عنى بالنفي تفي الغسل مؤكّداً، وبالأمر أمر الرشّ ومثله. (١) لعلّ هذا لقبه، حيث قال السُّهَيْلي: اسمه نافع، وقيل حَرْقُوص بن زهير، وجَزَم به أسعد. اهـ. (من المصحِح البنوري). ٤١٨ كتاب الوضوء ثم المسألة عند اختلاف الألفاظ ينبغي أن تُؤْخَذ بعد رعاية جميع الألفاظ، فَمَنْ نظر إلى لفظ التَّضْح والرشّ، فقد قطع نظره عمّا يجب عليه النظر إليه، وإنَّما اختلفت الألفاظ في بيان تطهيره، لأنه لم يكن فيه تأكيد، فاستخفَّ أمره، وعبَّر عنه تارةً بالنضح والرشّ، وأخرى بالصَّبِّ، فهذا مجرد تعبير وطريق بيان، لا مسألة منضبطة، وهكذا إذا يستخفُّ الأمر تَرِد فيه التعبيرات بكل نحو، ومن ههنا يُسْتَفاد الرخصة. ثم في ((الدُّرِّ المختار)) مسألةٌ سها فيها صاحبه وهي: أنَّ العَصْرَ إنما يُشْتَرط إذا غسل الثوب في الإِجَّانة، وإلاّ كفى له الصَّبُّ ولو لم يَعْصِرَّه. قلت: وهو سهوٌّ بيِّن، فإِنَّ هذه المسألة كانت في النجاسة المرئية، فنقلها في غير المرئية أيضاً، كما في ((الخلاصة))، والعجب من ابن عابدين حيث لم يتعقّب عليه. ثمَّ إن الطَّحَاوِي (١) أجاب عن لفظ الرَّشِّ بوجهٍ آخر، وقال: إنما أراد بالنَّضْحِ صَبَّ الماء عليه، فقد تُسَمِّي العرب ذلك نَضْحاً، ومنه قول النبي نَّهُ: ((إني لأعرف مدينة يَنْضِحُ البحر بجانبها)) فلم يَعْنِ بذلك النَّصْحِ الرَّش، ولكنه أراد يَلْزَقُ بجانبها. انتهى .. قلت: والنَّضْح في الأصل: إسالة الماء وقتاً فوقتاً، وشيئاً فشيئاً، بخلاف الصَّبِّ: فإِنَّه إسالة الماء دفعة، ولذا يُقَال للإِبل الذي يُحْمَل عليه الماء للاستسقاء: النَّاضِح، لأنه يجيء بالماء وقتاً فوقتاً، وإن كان الماء عليه كثيراً، فالإِنصاف أن النَّضْح في الثوب هو بمعنى الرَّش دون الصَّبِ وإن لم يكن في البحر، والنَّاضِح كذلك، وهذا لتفاوت مَقَام وَمَقام، فنَضْح البحر وإن كان أَزْيَد من الصَّب والإِسالة، لكن نَضْح الثوب لا يكون كذلك، بل يكون بمعنى الرَّش، لأن نَضْح كل شيء بحسبه، فقلة الماء وكَثْرَته في البحر ليس مأخوذاً في نفس اللفظ، بل هو لأجل المقام. وأما النَّضْحُ لغةً فمعناه: رشُّ الماء شيئاً فشيئاً فقط، وإن كان نَضْح البحر صَبّاً، فاعلمه . (١) قال الخَطَّابي في ((معالم السنن)): إن النَّضْح في هذا الموضع الغَسْل، إلَّا أنه غَسْلٌ بلا مَرْس ولا دَلْكِ. وأصل الَّضْحِ الصَّب، ومنه قيل للبعير الذي يُسْتَقَى عليه: النَّاضِح، فأمَّا غَسْل بول الجارية، فهو غَسْلٌ يُسْتَقْصَى فيه، فيُمْرَسُ باليد ويُعصر بعده. وقد يكون النَّضح بمعنى الرَّش أيضاً. ثم قال: إن النَّضح فيه ليس من أجل أنَّ بول الغلام ليس بنجس، ولكنه من أجل التخفيف الذي وقع في إزالته. انتهى مختصراً. قلتُ: وعلى هذا لا أدري ماذا بقي الخلاف بيننا وبين الشافعية؟ فإِن النّضْح على ما أراده الخطّابي هو الغَسْل بلا مَرْسٍ، وهو متفق، عليه على ما يظهر من ((الموطأ))، إلاّ أن يفرِّق بإقامة المراتب في التخفيف. قال الشيخ رضي الله عنه: إنَّ كتاب الطَّحَاوي أحسن كتاب للحنفية إلاّ أن الأسف أنهم لم يمارسوه ولا يستفيدون به بخلاف المالكية فإنهم يستفيدون من كتابه في تصانيفهم، حتى قيل: إن الطّحاوي أعلم بمذهب المالكية والشافعية من أنفسهم. والطّحاوي فقيه النفس، لا يبلُغ مبلغ كلامه إلاَّ فقية كذلك، وله كتاب في الفقه الشهير ((بمختصر الطحاوي))، وتعلّم الفقه على القاضي الإِسْبِيجَابي. والبيهقي لمّا رأى كتابه ((معاني الآثار))، وصنّف لجوابه كتاباً سمَّاه ((معرفة السنن والآثار))، ورَد فيه على الطحاوي في بعض المواضع، ووافقه في بعض، ثم جاء الشيخ علاء الدين التركماني فذبَّ عن الحنفية، وصنّف كتاباً لجوابه سمَّاه ((الجوهر النقي في الردّ على البيهقي))، إلاّ أنه لم يُجِب فيه عن ((المعرفة))، بل أجاب عن أصل كتابه الذي كان صنَّفه أولاً، أي («السنن الكبرى)). انتهى، أفاده الشيخ رضي الله عنه. ٠ ٤١٩ كتاب الوضوء وعفا الله عن النووي حيث قال: والأحاديث الصريحة تَرُدُّ على أبي حنيفة، مع كون ثلاثة ألفاظ من الخمسة لأبي حنيفة رحمه الله تعالى: ((أَتْبَعَهُ بوله))، و((صَبَّه)) و((لم يَغْسِله غَسْلاً))، على أن لفظ النَّصْحِ وَرَدَ في تطهير دَمِ الحيض، كما سيأتي، فلم يقل هناك أحد بالتخفيف، كما في بول الصبي. ٦٤ - باب البَوْلِ قَائِماً وَقَاعِداً ٢٢٤ - حدّثنا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيفَةً قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ وَِّ سُبَاطَةَ قَوْمٍ، فَبَالَ قَائِماً، ثُمَّ دَعًا بِمَاءٍ، فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ. [الحديث ٢٢٤ - أطرافه في: ٢٢٥، ٢٢٦، ٢٤٧١]. ٦٥ - باب البَوْلِ عِنْدَ صَاحِبِهِ، وَالتَّسَتُّرِ بِالحَائِطِ واعلم أنَّ الشارحينَ توجَّهوا إلى أنه لِمَ لَمْ يخرِّج حديث البول قاعداً مع ذكره في الترجمة؟ قلت: وإنَّما لم يخرِّجه لشهرته، وإنما عمَّم في الترجمة دفعاً لتوهم الاقتصار. وفي الشامي: أنه جائز. قلت: وينبغي التضييق فيه في زماننا، لأنَّه صار من شعار النصارى، ولا ينزل عن كراهة التنزيه. أما بوله (١) وَلّ قائماً، فمحمول على الأعذار. ففي ((المستدرك)) للحاكم: أنه كان لوجع في مَأْبِضِه - أي باطن ركبتيه وإسناده وإن كان ضعيفاً، إلّ أنَّه يصلح لبيان الاحتمالات. وعن الشافعي رحمه الله تعالى: أنَّ العربَ كانت تَسْتَشْفي لوجع الصُّلْب بالبول قائماً . وأحسن الوجوه أَنْ يُقال: إن السُبَاطَةَ تكون مُلْقَى الكُنَاسَة، وتكون مخروطية في أكثر الأحوال، فلو بال قاعداً ارتد إليه بوله. وأمّا بوله بقُرْب الدّور مع أن المعروف من عادته الإِبعاد، فذكر القاضي عِيَاض رحمه الله تعالى: أنَّه كان مشغولاً بأمور المسلمين، فلعلَّه طال عليه المجلس، وحَفَزَه البول، فلم يمكنه التباعد، ولو تباعد لتَضَرَّر. ويُسْتَفَاد من الحديث: أنه يجوز البول في الصحراء بدون الاستئذان من صاحبه. قال السيوطي رحمه الله تعالى في ((حاشية النسائي)): إن تثليث الوضوء سنةٌ، وتركَه مكروةٌ تحريماً. وأمَّا تركه مه التثليث تارةً، فهو موجبٌ للثواب في حقه، فإن البيان واجبٌ عليه، والإتيان بالواجب موجبٌ للثواب قطعاً . (١) قلت: وبؤَّب عليه النَّسائي: ((بالرخصة في البول في الصحراء قائماً))، وعلى حديث عائشة رضي الله عنها: (بالبول في البيت جالساً))، فحديث حُذَيْفَة محمولٌ على خارج البيت، وحديث عائشة: ((ما كان يَبُول إلَّا جالساً)) على البيت. نبَّه عليه السندهي. اهـ. ٤٢٠ كتاب الوضوء قلت: بل ترك التثليث ليس بمكروهٍ لأحدٍ من الناس عندي بشرط أن لا يتركه أزيد مما ثَبَتَ عن النبيّ بَّهَ، ولا يَعْتَاد عليه(١). ٢٢٥ - حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيفَةَ قَالَ: رَأَيْتُنِي أَنَا وَالنَّبِيُّ ◌ََّ نَتَمَاشَى، فَأَتَّى سُبَاطَةً قَوْم خَلفَ حَائِطِ، فَقَامَ كَمَّا يَقُومُ أَحَدُكُمْ، فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إِليَّ فَجِثْتُهُ، فَقُمْتُ عِنْدَ عُقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ. ٢٢٥ - قوله: (خلف حائِط) ... إلخ، والحائط كانت أمامه. قوله: (فقام كما يقوم) ... إلخ، تشبية في أصل القيام لا غير. قوله: (فأشار إليَّ) ... إلخ، ويُسْتَفَاد منه: أنَّ الكلامَ في هذا الحال مما لا ينبغي، ولذا اكتفى بالإِشارة وما عند مسلم فقال: ((اذْنُه - باللفظ - فَدَنَوْت ... )) إلخ، لعلَّه روايةٌ بالمعنى، والمُتَبَادَرُ أنه لم يتكلَّم في تلك الحال. ومنع مولانا الكَنْكُوهِي رحمه الله تعالى رَدَّ السلام حالة البول، ووسَّع فيه عند الاستنزاه والاستبراء والاستنجاء بالمَدَر. ومنعه مولانا محمد مظهر رحمه الله تعالى في حالة الاستنجاء أيضاً(٢). ٦٦ - باب البَوْلِ عِنْدَ سُبَاطَةٍ قَوْمٍ أشار إلى أنَّ البولَ عند السُّبَاطة ممّا لا يحتاج إلى الإذن من صاحبه لكونه معلوماً عُرْفاً . ٢٢٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسى الأَشْعَرِيُّ يُشَدِّدُ فِي البَوْلِ، وَيَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَانَ إِذَا أَصَابٌ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ. فَقَالَ خُذَيفَةُ: لَيْتَهُ أَمْسَكَ، أَتَى رَسُولُ اللَّهِوَّرَ سُبَاطَةَ قَوْم، فَبَالَ قَائِماً. ٢٢٦ - قوله: (يُشَدِّه) ... إلخ، فإِنَّه كان يُبُول في القَارُورَة اتقاءً عن الرشَاش. قوله: (قَرَضَه)، وفي بعض الروايات الصحيحة: ((قَرَض الجلد)) أيضاً كما مرَّ، وقد تحقَّق عندي أنَّ هذا القَرْض يكون في القبر تعذيباً، لا أنه كان في الدنيا تشريعاً، وإن كانت ألفاظ الرُّوَاة تشْعِر بخلافه، وأظن أنَّ العذابَ منه في هذه الأمة أيضاً من بقاياه، والله تعالى أعلم. قوله: (فقال حذيفة رضي الله عنه) ردٌّ على تجاوزه عن الحد، لا أمرٌ بالبول قائماً. (١) قلتُ: وراجعت حاشيته على النَّسائِي، فما وجدته فيه. نعم في النووي: ولكن المستحب تطهير الأعضاء كلها ثلاثاً ثلاثاً، كما قدَّمناه: وإنما كانت مخالفتها من النبي ◌َّر في بعض الأوقات بياناً للجواز، كما توضَّأ ◌َلِ مرةً مرةً في بعض الأوقات بياناً للجواز، وكان في ذلك الوقت أفضل في حقه وَّر، لأن البيان واجبٌ عليه ◌َِّّ، فلعلَّه سهوٌ من القلم، والله تعالى أعلم. (٢) وما عند أبي داود: ((لا يَخرُج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدَّثان، فإن الله عزّ وجلّ يَمْقُت على ذلك))، فالظاهر أن المَقْتَ على مجموع الأمرين دون التحدّث فقط، على أن التحدّث معناه: على ما كان من عاداتهم في الجاهلية، وأمَّا الكلام لأجل الحاجة فهو بمَعْزِلٍ عنه. ٠