Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
كتاب الوضوء
١٨١ - قوله: (المصلى أمامك) وقد مرَّ مفصلاً أنَّ وقتَ المغرب والعشاء في هذا اليوم
صارَ واحداً في نظر الحنفية.
١٨٢ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ عَليّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيى بْنَ سَعِيدٍ
قَالَ: أَخَبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَن نافِعَ بْنَ جُبِيرٍ بْنِ مُظَعِم أَخْبَرَهُ: أَنَّه سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ
المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ يُحَدِّثُ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِنَِّ فِي سَفَرٍ، وَأَنَّهُ
ذَهَبَ لِحَاجَةٍ لَهُ، وَأَنَّ مُغيرَةَ جَعَلَ يَصَُبُّ المَاءَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيهِ،
وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، وَمَسَحَ عَلَى الخُفَّينِ. [الحديث ١٨٢ - أطرافه في: ٢٠٣، ٢٠٦، ٣٦٣، ٣٨٨، ٢٩١٨،
٤٤٢١، ٥٧٩٨، ٥٧٩٩].
١٨٢ - قوله: (ومسح برأسه) وفي بعض طرقه: ((ومسح بعِمامته))، فحديث المُغِيرة لا يقومُ
دليلاً للحنابلة في الاكتفاء بالمسح على العمامة، ما لوٍ يأتوا بدليل نصاً على مسح العِمَامة بدون
المسح بشيء من الرأس. وأمَّا الحديثُ المُجمل فإِنَّه لا يكفي، فإن الراويَ قد يكتفي بِذكر
العِمَامة، ثم إذا أراد التفصيلَ ذَكَرَ معه المسحَ على الرأس أيضاً، مع أن الواقعة واحدةٌ فلا يمكن
إلا أَنْ يكون مَسَحَ على بعض الرأس وأدى سُنَّة التكميلِ بالمسح على العمامة.
٣٧ - بابُ قِرَاءَةِ القُرْآنِ بَعْدَ الحَدَثِ وَغَيرِهِ
وَقَالَ مَنْصُورٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: لَا بَأُسَ بِالقِرَاءَةِ فِي الحَمَّامِ، وَبِكَتْبِ الرِّسَالَةِ عَلَى غَيرِ
وُضُوءٍ. وَقَال حَمَّادٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: إِنْ كَانَ عَلَيهِمْ إِزَارٌ فَسَلِّمْ، وَإِلَّا فَلَا تَسَلِّمْ.
١٨٣ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيمَانَ، عَنْ كُرَيبٍ
مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسِ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ بَاتَ لَيلَةً عِنْدَ مَيمُونَةَ زَوْجِ النَِّّ وََّ،
وَهِيَ خَالَّتْهُ، فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا،
فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ◌َِّ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، اسْتَيقَظَ رَسُولُ
اللَّهِ وَّ فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ العَشْرَ الآيَاتِ الخَوَاتِيمَ مِنْ سُورةِ آلٍ
عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنّ مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءُهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي. قَالَ ابْنُ
عَبَّاسِ: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنِى عَلَى
رَأْسِيَ وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى بَفِتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَينٍ، ثُمَّ رَكْعَتَينٍ، ثُمَّ رَكْعَتَينٍ، ثُمَّ رَكْعَتَينٍ،
ثُمَّ رَكْعَتَينٍ، ثُمَّ رَكْعَتَينِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى أَتَاهُ المُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ
خَفِيفَتَينِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ.
لم يفصح المصنّف رحمه الله تعالى بأن المرادَ منه: الأصغر أو الأكبر؟ وعُلم من الخارج
أنها جائزةٌ عنده بعد الحدث الأكبر. قوله: ((وغيره)) أي في الأوقات العامة.
قوله: (لا بأس) وتُكره عندنا في الحمام كما في قاضيخان. وكذا لا يُقرأ عند الميت قبل
غَسْله.

٣٨٢
كتاب الوضوء
قوله: (وبكتب الرسالة) ومسُّ المصحف للمحدثِ حرامٌ عندنا مطلقاً، سواء كان مسَّ
حروفَه أو بياضه. نعم، يجوزُ مسُّ بياض التفاسير. وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى: أنه يجوز
في المصحف أيضاً .
أما قوله تعالى: ﴿لَّا يَمَشُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴿٣)﴾ [الواقعة: ٧٩] فقال مالك رحمه الله تعالى:
إنه خبرٌ لا إنشاء. وذهب إلى التوسُّع كالبخاري، ومعناه: أنَّ المطهرون هم الملائكة فأخبر أن
القرآنَ لا يمكن أن تقربَه الشياطين وتمسَّه، وأَن الملائكة هم الذين يمسُّونه، وليسٍ بإنشاءٍ
لِيَشتَرطَ الطهارة للمس. ومر عليه السهيلي وقال: إن ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ وصفٌ للملائكة، فإنَّهم الذين
يكونون دائماً على هذا الوصف، أمَّا بنو آدم فإنهم يتنجسون مرَّة ويتطهرون أخرى، فهؤلاء
متطهرون، أي طهارتهم كَسْبية لا مُطَهرون، لأنَّه يدل على دوام الطهارة، فلا يكون إلا
الملائكة .
١٨٣ - قوله: (ثم اضطجع) واعلم أنَّ الحنفيةَ رأوا الاضطجاع بعد سُنَّة الفجر جائزاً، ولم
يَروَه سنةً مقصودةً في حقه بَّر. أمَّا لو أراد أحدٌ أن يقتديَ بعادات النبي ◌َّ يؤجر أيضاً، ويصير
مقصوداً في حقه. وقال إبراهيم النَّخَعي: إنه بدعة. ثم نَسَبَ إلينا أن الاضطجاع بدعةٌ عندنا، مع
أنَّ الحنفية لم يقولوا به .
قوله: (خفيفتين) وفي رواية: أنَّه كان يقرأ فيها بسورة الإِخلاص، وقل يا أيها الكافرون.
وعند الطحاوي أن الإمام الأعظم كان يقرأ تارةً بجزء. قلت: ولعلَّه إذا فات حزبُه من الليل
فيطول القراءةَ تلافياً له. وفي ((الدر المختار)): أنَّه قرأ مرَّةً داخلَ الكعبة نصفَ القرآن في رَكْعة
قائماً على إحدى رجليه، ونصف القرآن في ركعة أخرى هكذا وتحير منه الشامي. قلت: وهو
ثابتٌ مرفوعاً أيضاً، كما ذَكَرَهُ أصحاب التفاسير في سورة طه .
قال الحافظ ابن تيمية في بيان نُكتة تخفيف هاتين الركعتين: إِنَّ النبي ◌َِّ كانَ يبدأ وظيفته
من الليل بالركعتين الخفيفتين، فلما دخل في وظيفة النَّهار أحبَّ أن يبدأها كذلك، لتكون شاكلةُ
الوظيفتين واحدة (١).
ثم اعلم أنَّ هذا الحديث أخرجه الطحاوي أيضاً، وفي إسناده قيس بن سليمان مكان
مَخْرِمَة بن سليمان، وهو سهو من النَّاسخ قطعاً، فإِنَّه لا دخل لقيس في هذا الإسناد.
فاعلمه .
٣٨ - بابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ إِلاَّ مِنَ الغَشْيِ المُثْقِلِ
١٨٤ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنِ امْرَأَتِهِ فَاطِمَةً،
عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّها قَالَتْ: أَتَيتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ◌َ حِينَ خَسَفَتِ
(١) قلت: فهو إذن كقول النبي ◌َله: ((صلاة المغرب وتر النهار فأوتروا صلاة الليل)) - أو كما قال - فكما أن صلوات
النهار اختتمت بالوتر، کذلك فلتگن صلاة الليل.

٣٨٣
كتاب الوضوء
الشَّمْسُ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ يُصَلُّونَ، وَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تُصَلِّي، فَقُلتُ: مَا للنَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ
بِيَدِهَا نَحْوَ السَّمَاءِ، وَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، فَقُلتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ أنْ نَعَمْ، فَّقُمْتُ حَتَّى
تَجَلَّانِي الغَشْيُ، وَجَعَلتُ أَصُبُّ فَوْقَ رَأْسِي ماءً، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ وَ حَمِدَ اللَّهَ
وَأَثْنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: ((مَا مِنْ شَيءٍ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي هذا، حَتَّى الجَنَّةَ
وَالنَّارَ، وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي القُبُورِ مِثْلَ - أَوْ قَرِيباً مِنْ - فِتْنَةِ الدَّجَّالِ - لَا أَدْرِي
أيَّ ذلِكَ قَالَتْ أَسْماءُ - يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ له: مَا عِلمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ أَوِ
المُوقِنُ - لَا أَدْرِي أيَّ ذلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ - فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَنا بِالْبَيِّنَاتِ
وَالهُدَى، فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحاً، فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنَاً. وَأَمَّا
المُنَافِقُ أَوِ المُرْتَابُ - لَا أَدْرِي أَيَّ ذلِكَ قَالَتْ أَسْماءُ - فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ
يَقُولُونَ شَيئاً فَقُلْتُهُ)).
قال الأطباء: إنَّ الإغماء يكون في الدماغ، والغَشْي في القلب، وهو من النَّواقض عندنا
أيضاً، فاعتبر فيه المراتب أيضاً، حيث عَدَّ الثقيلَ منه ناقضاً دون الخفيف.
١٨٤ - قوله: (فحمد الله وأثنى عليه) هذه الخُطبة للكسوف، وهي سُنَّة عند أبي يوسف
رحمه الله تعالى. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: إنها ليست من سُنن الصلاة، وإنما خَطَبها
الداعية المقام. قلتُ: وهذا من مراحل الاجتهاد.
قوله: (إلاّ قد رأيته) والرؤية غير العلم، فإنَّك ترى الجو من الفَلَك إلى السمك، ولا تعلم
كُنه ما في بطنك، فلا يُستدلَ به على العِلمِ المحيط.
٣٩ - بابُ مَسْحِ الرَّأْسِ كُلِّهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]
وَقَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: المَرْأَةُ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ، تَمْسَحُ عَلَى رَأْسِهَا، وَسُئِلَ مَالِكٌ:
أَيُجْزِىءُ أَنْ يَمْسَحَ بَعْضَ الرَأْسِ؟ فَاخْتَجَّ بِحَدِيثِ عَبَّدِ اللَّهِبْنِ زَيدِ .
١٨٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَمْروِ بْنِ يَحْيِىِ المَازِنِيِّ،
عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيدٍ وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ يَحْيِى: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَّنِي كَيفَ
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلا يَتَوَضَّأُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيدِ: نَعَمَّ، فَدَعَا بِمَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيهِ
فَغَسَلَ مَرَّتَيْنٍ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثاً، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثاً، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ
إِلَى المِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَذْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا
إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيهِ. [الحديث ١٨٥ - أطرافه في:
١٨٦، ١٩١، ١٩٢، ١٩٧، ١٩٩].
قوله: (وقال ابن المسيب) ... إلخ يعني أنها لا تمسح على الخمار اختار فيه مذهبَ

٣٨٤
كتاب الوضوء
مالك، ولا شك أن الرأس اسم لمجموع العضو، فلا يكون المأمور بالمسح إلا هو، وهذا هو
نظر المصنّف رحمه الله تعالى.
والذي فيه عندي، أنَّ نظر الأئمة دائرٌ في أنَّ الفعلَ إذا أُمر بإِيقاعه على محلٍ، فهل يُشترطُ
للامتثال به إيقاعُه على جميع المحل، أو يكفي على بعضه أيضاً؟ ولا إجمالَ في الآية كما
قرروه، لأنَّه يكون إما بالاشتراك أو بالغرابة، وليس ههنا واحد منهما. نعم، إن ثَبَتَ أن الإِجمالَ
قد يكون باعتبار مراد المتكلّم أيضاً، فهذا النوع ممكن ههنا، إلا أن الإِجمال عندهم ينحصر في
النحوين فقط .
فنحن معاشر الأحناف تفخَّصْنا حالَ النبي ◌َُّ في المسح فلم نجد فيه أقلّ من الرُّبُع فقلنا
به، وعلمنا أن الإِيقاعَ على الربع يحكي عن الكل، ويقومُ مَقَامه في نظر الشارع، ويؤدي مُؤدَّاه
عنده. لحديث المُغيرة رضي الله عنه، فإنه بعد اختلاف ألفاظه لا يدلُ إلا على أنه مسحَ على
بعض الرأس، أي الناصية، وهو ما كان شريطةً، وأما على العِمَامة فلأَداءِ سُنة الاستيعاب(١).
ولنا ما عند أبي داود: ((أنه مسحَ مُقدَّم رأسه ولم ينقض العِمَامة)) وفيه أبو مَعْقِل قيل: إنه
مجهول. قلت: وتبين لي اسمه وهو حَسَنٌ عندي، وهو عبد الله بن مَعْقِل كما في ((الفتح)) وفي
(تهذيب التهذيب)) عبد الله بن مَعقِل عن أنس في المسح على العمامة هو أبو مَعقِل يأتي في
الكُنى، سمَّاه صاحب ((الأطراف)).
وأيضاً عندي مرسلٌ عن عطاء بن أبي رَبَاحِ: ((أنَّ النبي ◌ََّ كان في سفر وكان على رأسه
عِمَامة، فوضَعَها على رقبته ثم مسح رأسه)) فلمثل هذه الأحاديث قلنا: إن الاستيعابَ ليس
بفرضٍ. وثَبَتَ في ((الفتح)) و((العُمدة)) عن ابن عمر رضي الله عنه: ((أنَّ المسح على الربع كافٍ
للخروج عن العُهدة))، فعُلِم أن الاستيعاب لم يكن شرطاً عند السلف أيضاً .
ثم اعلم أنَّ الراوي توجه في قوله: ((ولم يَنْقُض العِمامة)) إلى أمرٍ مُهم، لأنَّ السُنَّة في
المسح هو الإِقبال والإِدبار، فمسَّت الحاجةُ إلى تعليم المسح حالةَ التعمم، فإِنَّ الإِقبال والإِدبار
متعذران في ذلك الحال، فالظاهر أنَّه أراد أن يعلِّمَ كيفيةً المسح حال التعمم. والله تعالى
أعلم.
وفي ((مدارج النبوة)) عن ابن الظهيرة: أنَّ الأقوى بما في الباب مذهبُ مالك رحمه الله
تعالى. ((قلت)): وفي ((التفسير الكبير)) عن البغوي: أنَّ الأقوى مذهبُ الإِمام الأعظم، ولعلَّهُ في
((طبقات الشافعية)) أيضاً.
(١) واعلم أن عامة الأحناف يُنكرون المسح على العِمَامة رأساً. وتُوهِمه عبارة محمد رحمه الله تعالى في ((موطئه))
أيضاً، إلّ أن الجَصَّاص صرح في ((الأحكام)) أنه جائزٌ عندنا. قال: وقد بينا في حديث المغيرة بن شعبة: ((أنه
مسحَ على ناصيته وعِمَامته)). وفي بعضها: ((على جانبٍ، عِمَامته)). وفي بعضها: ((وضع يده على عمامته))، فأخبر
أنه فعلَ المفروضَ في مسح الناصية ومسحَ على العِمَامة، وذلك جائزٌ عندنا. اهـ. وكان الشيخ رحمه الله يُطيلُ
البحثَ في هذه المسألة في درس الترمذي.

٣٨٥
كتاب الوضوء
قوله: (وقال ابن المسيب ... الخ) وعن أحمد رحمه الله تعالى: أنَّ المرأةَ إن مسحت
على مُقَدَّم رأسها أجزأها .
١٨٥ - قوله: (فَأَفْرَغ على يده) واعلم أنَّه قد مر منا الاختلافُ في غسل اليدين قبل
الوضوء، هل هو من آداب المياه أو سُنن الوضوء؟ والذي يظهر أنَّه من باب اختلاف الأنظارِ
فقط، لأنه إذا ثَبَتَ غسلهُما قبل الوضوءِ عند الطائفتين.
فالذين قالوا: إنَّه من آداب المياه لم يذكروا له إلا حِكمة التقديم، وهي صِيَانة الماء، فهذا
نظرٌ لا غير.
والذين قالوا: إنَّه من سنن الوضوء، فكأنهم لم يلتفتوا إلى تلك الحكمة مع اتفاقهم على
أنَّه قبل الوضوء. نعم، لو ثَبَتَ عن النبي ◌َِّ تركُه في وضوئه لكان محلاً للخلاف.
ثم إِنه وقع لفظُ الوضوء في حديث المستيقظ فقال: ((فلَا يَغمِس يدَهُ في وضوئه)) فمن هنا
دارَ النظرُ في كونه من أحكام الوضوء أو الماء، وحينئذ الأولى أن يسلمَ النظران ويقال: إن
الغَسْل إنما هو لأجلِ صيانة الماء، لكنَّ موضِعَهُ قبل الوضوء كما في الحديث، فإِنَّ ماءَ الوضوء
أولى بالصِّيانة، وحينئذٍ يجتمع النظران ولا يبقى التناقض، ولا يذهب عليك أنَّ غَسلَ اليدين
مرتين ههنا من فعله نفسه، وما يذكره من فعله سير الذي رآه، ففيه كما في الرواية التالية: أنَّه
كان إلى المرفقين فاعلمه .
٤٠ - بابُ غَسْلِ الرِّجْلَينِ إِلَى الكَعْبَينِ
١٨٦ - حدّثنا مُوسى بن إسماعيل قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ، عَنْ عَمْروٍ، عَنْ أَبِيهِ: شَهِدْتُ
عَمْرَو بْنَ أبِي حَسَنِ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيدٍ عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ ◌َيْهِ، فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ
لَهُمْ وُضُوءَ النَّبِيِّ ◌ِّةِ، فَأَكْفَأَ عَلَى يَدِهِ مِنَ الثَّوْرِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثاً، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي
الثَّوْرِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثاً، ثُمَّ
غَسَلَ يَدَيهِ مَرَّتَيْنٍ إِلَى المِرْفَقَينِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَمَسَحَ رَأْسَهُ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَذْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً،
ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيهِ إِلَى الکَعْبَینِ».
قوله: (فأقبل بهما وأدبر) والإِقبال والإِدبار حركتان لا أنهما مَسْحتان، كما عن عبد الله بن
زيد في الرواية الآتية عقيبها: ((فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة)) فحسبُه مرةً واحدةً مع ذكر الإِقبال
والإِدبار. وكذا في حديث الربيع أخرجه الترمذي وغيره قالت: ((مسح رأسه، ومسح ما أقبل منه
وما أدبر، وصُدغيه وأذنيه مرةً واحدةً، ثم تقول هي: ((مسح برأسه مرتين، بدأ بمؤخّرٍ رأسه، ثم
بمقدَّمِهِ)) فتبين أنَّ مَن ذَكَر التكرار في المسح عنى به الإقبال والإِدبار.
وقال أبو داود: أحاديثُ عثمانِ الصِّحاح كلها تدلُّ على المسح مرة. على أنَّه روى الحسن
عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: أنَّ المسح ثلاثاً بماء واحد جائزٌ، كما في ((الهداية)) وفي
قاضيخان عن أبي حنيفة: أنه لو ثلَّث المسح لا تكون بدعةٌ ولا سُنة، وهو الرجح عندي، وإن
كان في بعض الكتب أنَّه بدعة.

٣٨٦
كتاب الوضوء
أما الإِقبال والإِدبار فقال النووي: قال أصحابنا: وهذا الردُّ إنما يُستحَبُّ لمنْ كان له شعر
غير مضفور، أما من لا شعر له على رأسه، أو كان شعرُه مضفوراً، فلا يُستحب له الرد، إذ لا
فائدة فيه. ولو ردَّ في هذه الحالة لم يُحسب الردُّ مسحةً ثانيةً، لأن الماءَ صار مستعملاً بالنسبة
إلى ما سوى تلك المسحة. انتهى.
أقول وهو باطلٌ قطعاً، بل الإِقبال والإِدبار لتحقيق الاستيعاب، ويستوي فيه المضفور
وغيرُه. وأما حكاية الاستعمال فليست كما قال، لأنه لا يحكم به إلا عند الانفصال وحكمة
المسح كما ذكره الشاه ولي الله رحمه الله تعالى: أنَّ دأبَ الشرع أنه إذا خفَّفَ في أمرٍ يتركُ له
أُنموذجاً لئلا يُذْهَل عن الأصل بالكُلية، كغسل الأرجُل إذا سقط حالَ التخفف أقيم مُقَامه المسح
أنموذجاً للغسل وتذكاراً له، وكذلك في مسح الرأس، كان الأصل فيه أيضاً هو الغَسْل، إلا أنَّه
اكتفى بالمسح لِمَا نَبَّهناك أنفاً .
قلت: وعندي رواية عن علي رضي الله عنه ((من الترغيب والترهيب)»: أنه لئلا تنتشر
الأشعار في المحشَرِ من طول المُكث)). وإسناده ضعيف.
قوله: ((في الإِسناد)» وهو جد عمرو بن يحيى. ويعلم من ((الموطأ)) لمحمد رحمه الله
تعالى: أن الضميرَ راجعٌ إلى السائلِ، لأن عبد الله بن زيد ليس جد عمرو، بل جد عمرو بن
أبي حسن، كما في الرواية التالية: ((شَهِدْتُ عمرو بن أبي حسن سَأل عبد الله بن زيد)) ...
إلخ.
٤١ - بابُ اسْتِعْمَالٍ فَضْلٍ وَضُوءِ النَّاسِ
وَأَمَرَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَهْلَهُ أَنْ يَتَوَضَّؤُوا بِفَضْلِ سِوَاكِهِ.
١٨٧ - حدّثنا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيفَةً
يَقُولُ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ بَ يّهَ بِالِهَاجِرَةٍ، فَأَتِيَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَأْخُذُونَ
مِنْ فَضْلٍ وَضُوئِهِ فَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، فَصَلَّى النَّبِيُّ وَّهِ الظُّهْرَ رَكْعَتَينٍ، وَالعَصْرَ رَكْعَتَينٍ، وَبَيْنَ
يَدَيهِ عَنَزَّةٌ. [الحديث ١٨٧ - أطرافه في: ٣٧٦، ٤٩٥، ٤٩٩، ٥٠١، ٦٣٣، ٦٣٤، ٣٥٥٣، ٣٥٦٦، ٥٧٨٦،
٥٨٥٩].
١٨٨ - وَقَالَ أَبُو مُوسى: دَعَا النَّبِيُّ ◌َ بِقَدَحِ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ
فِيهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: ((اشْرَبَا مِنْهُ وَأَفرِغَا عَلَّى وُجُوهِكُمَا ونُحُورِكُمَا)). [الحديث ١٨٨ - طرفاه في:
١٩٦، ٤٣٢٨].
ذهب البخاريُّ إلى طهارةِ الماء المستعمل. قال الشيخ ابن الهُمَام وابن نُجَيم رحمهما الله
تعالى: إنَّ العراقيين قاطبةً أنكروا روايةَ النجاسة عن الإِمام، وهم المُتَثَبِّتُون في نقل مذهب
الإِمام عندي. وأثبَتَها مَنْ وراء النهر من علمائنا، وهي ضعيفة جداً، لأنِّي لا أجدُ أحداً من
السلف يُعَامِلُ الماءَ المستعمل معاملة النجاسات، إلَّا أنه لا شك أن المطلوب عند الشرع هو

٣٨٧
كتاب الوضوء
صيانةُ وضوئه عنه، كما عند الطحاوي عن أبي هريرة قال رسول الله وَّهُ: ((لا يَغْتَسِلُ أحدكُم في
الماء وهو جنب))، فقال: كيف يفعل يا أبا هريرة فقال: ((يتناوله تناولاً)). وكذا نَهَى الرجلَ عن
فَضلِ طَهورِ المرأة. عندي يُبتنى على هذه الدقيقة كما سيجيء تقريره.
والحاصل: أنَّ الماءَ المستعملَ طاهرٌ، لا دليلَ على نجاسته، إلا أنَّ التوقي منه مطلوب.
ثم إن البخاري رحمه الله تعالى استدل على طهارته بفضل طهور رسول الله وَلّ، ولي في
استدلاله نَظَرٌ ظاهرٌ، وإن كانت المسألةُ صحيحة في نفسها، لأن العلماء ذهبوا إلى طهارة
فَضَلاتِهِ وَّةَ، فكيف بفضلِهِ، فلا تقومُ حجة على الطهارة مطلقاً. نعم، يَثْبت طهارة فضله خاصَّة،
وبعد فالأمر سهلٌ، ونَسِبَ إلى مالك رحمه الله تعالى أنه مطهِّر أيضاً .
١٨٧ - قوله: (الهاجرة) أي نصفُ النهار، سُمِّي بها لأنَّهم يهجرون الطريقَ في هذا الوقت
ويجلسون في بيوتهم.
قوله: (فضل وضوئه) أي المتساقط من الأعضاء.
قوله: (فصلَّى النبي ◌ََّ) ... إلخ ولا دليل فيه على الجمع، لأنَّ الراوي بصدد تعديد ما
كان من أفعالِهِ وَّر، فجاء الاتصال في الذكر لهذا، لا لأنه تعرَّضَ إلى حال صلاته في الخارج.
وهذا كتعديده أشراط الساعة، وربما تكون بينها مدة طويلة، فيجيء أحدٌ من الجهلاء ويظُنها
متصلاً واحداً بعد واحد لمجرد القِران في الذِّكر.
قوله: (فَمَسَح رأسي) انظر كيف ظهرَ الفرقُ بين قوله: ﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]
وقوله: وامسحوا رؤوسكم، فإِنَّ المعتبرَ في الأول هو المسحُ المعهودُ في الشرع، وهو ما يكون
بإمرار اليد المبتلة. وأما الثاني فهو على مجرد اللغة، ومعناه إمرار اليد لا غير، ولذا قال:
((فمسح رأسي)) ولم يَقُلِ برأسي، وأجد هذا المسح للتبريك في الكتب السَّابقة أيضاً. ومنه سُمِّي
المسيح، كأنه مَسَحهُ ربُّه وصار مَسِيحاً بِمسحِهِ، ولذا كان محفوظاً عن نزغة الشيطان ومسحُ رأسٍ
الصبيان للتبريكِ رائج إلى الآن أيضاً .
١٨٩ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْراهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ:
حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعَ قَالَ: وَهُوَ
الَّذِي مَجَّ رَسُولُ اللَّهِ وََّ فِيَ وَجَهِهِ وَهُوّ غُلَامٌ مِنْ بِثِرِهِمْ. وَقَالَ عُرْوَةُ، عَنِ المِسْوَرِ
وَغَيرِهِ، يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ: وَإِذَا تَوَضَّأَ النَّبِيُّ نَّهَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى
وَضُوئِهِ.
١٨٩ - قوله: (كادوا يقتتلون) وهو واقعة صُلح الحُدَيْبِيَة.
٤٢ - بابٌ
١٩٠ - حدّثن عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الجَعْدِ
٠

٣٨٨
كتاب الوضوء
قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَِّّ ◌ََّ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ
إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ، فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعًا لِي بِالبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ
قُمْتُ خَلفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيهِ مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ. [الحديث: ١٩٠ - أطرافه
في: ٣٥٤٠، ٣٥٤١، ٥٦٧٠، ٦٣٥٢].
بَوَّب بلا ترجمة وقد ذكرنا وجهه .
١٩٠ - قوله: (فشربت من وضوئه) والظاهر أنه الباقي في الإِناء دون المتساقِطِ من
الأعضاء.
قوله: (زرِّ الحَجَلة) وقد أتى كل منهم في تشبيه ما كان أقربُ إليه في ذهنه وكان علامة
لختم النبوة. وناسب أن يكونَ على الظّهر على خلاف ما يكون على جبهة الدَّجَّال من: ك، ف،
ر، يقرأه كل راءٍ(١)، وذلك لأنَّ الختمَ يكونُ في الآخر، فناسب الظهر. وطبعه بالنقش المذكور
للإشاعة والإِعلان، فناسب الوجه(٢). ولم يكن الخاتم في حاق الوسط بل كان مائلاً إلى جانب
اليسار، وذلك لأنَّه محل وسوسة الشيطان كما كُشِفَ لبعضهم أنَّ للشيطان خُرطوماً، فإذا وسوس
في قلب ابن آدم جلس خلفَه ووسوس من ههنا، فجعل الله سبحانه محفوظاً من الخاتم، فناسب
ذلك المحل للختم.
٤٣ - بَابُ مَنْ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ
١٩١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيى، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيدٍ: أَنَّهُ أَفْرَغَ مِنَ الإِنَاءِ عَلَى يَدَيهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ - أَوْ مَضْمَضَ
وَاسْتَنْشَقَ - مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَفَعَلَ ذلِكَ ثَلَاثاً، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثَأً ثُمَّ غَسَلَ يَدَيهِ إِلَى
المِرْفَقَينِ مَرَّتَينِ مَرَّتَينٍ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَا أَقْبَلَ وَما أَذْبَرَ، وَغَسَلَ رِجْلَيهِ إِلَى الكَعْبَينِ، ثُمَّ
قَالَ: هكذا وُضُوءُ رَسُوَّلِ اللَّهِ وََّ.
ويُستفاد بلفظ ((من)) أنَّه يُشير إلى الاستدلال على الجمع فقط، لا أنَّه اختاره بنفسه
أيضاً. واعلم أنَّ الخلافَ في الفصل والوصل بين الحنفية والشافعية ليس في الجواز وعدمه،
بل في الأوْلَّوية، مع أنَّ في ((البحر)) تصريحاً بأنَّ أصل السنة تتأدى بالوصل أيضاً
وكمالَها بالفصل. وهو في ((إمداد الفتاح شرح نور الإِيضاح)) أيضاً، فلا حاجة إلى الجواب
عندي .
قلت: وعند الترمذي: ((يقرأه من يَكره عمله)) فاحفظه فإِن أكثرَ الأحاديث خاليةٌ عنه، وهو مهم.
(١)
(٢) قلت: وقد رأيت في الأحاديث كتابة التقدير بين السنن، فعند الترمذي في حديث طويل في بسط الرب تعالى
اليدين وعرض ذرية آدم بين يديه فقال: ((أي رب ما هؤلاء قال: هؤلاء ذريتك، فإذا كل إنسان مكتوب عمره بين
عينيه)) ... الحديث.

٣٨٩
كتاب الوضوء
وقد أجاب عنه الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى(١) أنَّ المرادَ من قوله: ((من كُفَّة واحدة))
هو الاستعانة بيد واحدةٍ على خِلاف سائر الوضوء، فإنه يُستعان فيه باليدين. فالراوي لا يريد
الفصلَ والوصلَ، بل يريد بيانَ استعمال كفة لا كفتين.
وقال آخر: إنَّه من باب تنازع الفعلين، والذي وَضحَ لدي: (٢) هو أنَّ حديث عبد الله بن
زيد واقعة واحدة، وفيها الوصل لما في النسائي: ((من ماء واحد)) وروى: ((غَرفة واحدة)) لكن لا
لكونه سُنة بل لكون الماء قليلاً. أما كونه واقعة فلما أخرجه البخاري في باب الغسل والوضوء
من المِخْضَب يكونُ الغُسْل مرتين أيضاً سُنة لهذا الحديث بعينه، مع أنه لم يقل به أحد.
ثم اعلم(٣) ولا تغفل أن هذا من دأبهم أنه إذا تكونُ عندهم واقعةٌ عن النبي ◌ُِّ يُضيفونها
(١) قال الشيخ رحمه الله تعالى: وأول ما رأيت هذا الشرح في ((شرح ابن مَلَك على مشارق الأنوار)) لشمس الدين
الصغاني وقد جمع أحاديث الصحيحين. وابن مَلَك مقدَّم على ابن الهُمَام رحمه الله تعالى، وله شرح آخر
لصاحب ((العناية)) أيضاً، إلاّ أنه ليس فيه إلاّ حل الألفاظ؛ كذا في تقرير الفاضل عبد العزيز مما ضبطه من
تقريرات الشيخ رحمه الله تعالى.
ونص عبارة الشيخ رحمه الله تعالى مما تتعلق بهذا الحديث في موضع آخر هكذا. وأما صفة الوضوء التي أراها
(٢)
عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه، وفيه ما ظاهرهُ الجمع وهو حديث الباب، فالذي يظهر والله أعلم: أنه
أخذها من واقع عينٍ لا عمومَ لها، كما يدلُّ عليه سِيّاق عبد العزيز بن أبي سلمة عند البخاري في باب الغسل من
المخضب؛ في أول هذا الحديث: ((أتانا رسول الله ◌َّ فأخرجنا له ماءً في تؤْرٍ من صُفْر، فتوضأ ... الحديث.
ولعل هذه القصة هي التي روتها أم عبد الله بن زيد، وهي أم عُمَارة بنت كعب، اسمها نَسيبة، وزوجها زيد بن
عاصم وابناها منه: حبيب وعبد الله كما في ((الإصابة)) للحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ((أن النبي ◌َّل توضأ فأتي
بماء في إناء قَدْر ثُلثي المُد)). قال شعبة: حفظ أنه غَسَلَ ذراعيه وجعل يدلكهما ويمسحَ أذنيه باطنهما، ولا أحفظُ
أنه مسح ظاهرهما. رواه النّسائي في ((سننه)) من طريق حَبيب عن عبَّاد بن تميم، وحَبيب هذا هو حَبيب بن زيد بن
خلَّاد كما يظهر من ((التهذيب)). وخلَّد جدُّ حبيب هذا لعله ابن عبد الله بن زياد كما يظهرُ من قول ابن سعد في
ترجمة عبد الله: بلغني أنه قُتِل بالحرّة، وقُتل معه ابناه: خلَّد وعلي، كذا في ((التهذيب)).
وعبَّاد بن تميم هو ابن أخي عبد الله بن زيد، فحديث عبد الله بن زيد إن شاء الله ليس حكاية عن العادة الكريمة، بل
هي حكاية فعل ◌ُزئي يمكن حمله على التخفيف والجواز، دون الإكمال والإِتمام كما يُشعر به الاكتفاء بتثنية غَسْلَ
الذراعين،، مع أن السنة التثليثُ بالاتفاق، وفي حديث أم عُمَارة إشارةٌ إلى قِلة الماء الموجبة للتجوز في الوضوء.
ويُؤيد ما قلنا من كونه حكايةُ فعل جُزئي ما قاله الحافظ رحمه الله تعالى: في رواية مالك عن عمرو بن يحيى
المازني، عن أبيه: أن رجلاً قال لعبد الله بن زيد: إن تستطيع أن تُريني كيف كان رسول الله مَّر يتوضأ؟ فقال
عبد الله بن زيد: نعم! فدعا بماء ... الحديث، وقال وفي رواية وهيب: فدعا بِتَورٍ من ماء، وفي رواية عبد
العزيز بن أبي سلمة: أتانا رسول الله نَّ فأخرجنا له ماءً في تور من صُفْر. قال: والتور المذكورُ يُحتمل أن يكون
هذا الذي توضأ منه عبد الله بن زيد، إذا سئل عن صفة الوضوء، فيكون أبلغُ في حكاية صورة الحال. انتهى كلامه.
(٣)
بل كان بعضُهم يداومُ عليها مع عدم كونها مسألة. وأعجب أمثلتِهِ ما أخرجه أبو داود عن أنس قال: ((كانت لي
ذؤابة فقالت لي أمي: لا أجزها كان رسول الله نَّهُ يمدها ويأخذها)) ولا يبعدُ أن يكونَ تطبيق ابن مسعود رضي الله
تعالى عنه، وأذان أبي مَحْذُورة رضي الله تعالى عنه من هذا الباب. ويجيء تفصيله في موضعه. والله تعالى
أعلم.

٣٩٠
كتاب الوضوء
إليه كالعادة له، ويعبرون عنها كأنها وضوء النبي ◌َِّ دائماً، ولا يمكن لهم غيره، فإنهم لم يَرَوه
إلا كذلك، فلا بد أن يجعلوه كالعادة له، فإن الصحابة لم يتيسر لكل منهم الصُّحبة إلى زمان
طويل، بل صَحِبَ بعضُهم مرةً فقط، وبعضٌ آخر أزيدَ منه وهكذا. ثم عبَّر كلُّ واحدٍ منهم عن فعله
كما رآه في مدة إقامته .
فلمَّا كان النبي ◌َّ توضأ في بيته ووصل فيه بين المضمضة والاستنشاق وغَسْل ذراعيه
مرتين، حكاه كذلك وجعله وضوءَ النبيِ وَلّر. والذي يَذْهَل عن هذه الدقائق يَحسبُه عادةً وسُنة
مستمرةً وقاعدةً مُنعقدة، ولا يدري أنه مجرد تعبير منه، لا أنَّه رأى من وضوئه مراراً، ثمَّ حقَّقَ
المسألة، ثم أراد أن يذكرَها كما يذكرون المسألة، بيد أنَّه ينقل الواقعة، وهكذا يفعله الرواة في
نَقْلٍ سائر الوقائع، فيريدون بها حكايتها كما وقعت ولا يتعرضون إلى تخريج المسائل وهكذا
فعلوا في مهر صفية رضي الله عنها فقالوا: ((وجعل عِنْقَها صَدَاقها)) وفعلوا مثله في حديث
استقراض الحيوان بالحيوان. وسنقرره إن شاء الله تعالى.
وإنَّما هو إلى الفقهاء فإِنهم يُنَفِّحُون المناظَ، ويخرِّجُون عنها الأصول، ويُفرِّعون عليها
الفصول، والناس غافلون عن هذا الصنيع. فربما يأخذون المسائل عن تعبيراتهم وليس بشيء
عندي. والحاصل: أنَّ وضوء النبي ◌َّر عند الصحابة هو ما رأوه ولو مرةً، فهذا عبد الله بن زيد
ليست عنده غير تلك الواقعة وحكاية الحال، فنقلها كما رآها، فليُفهم.
إلخ عنه قال: ((أتى رسول الله وَّرَ فأخرجنا له ماءً في تَوْرٍ من صُفْر، فغسل وجهه ثلاثاً
ويديه مرتين)) ... إلخ. وعند أبي داود في باب الوضوء في آنية الصفر عنه قال: ((جاءنا
رسول الله وَ﴾ فأخرجنا له ماءً في تَوْر)) فدلَّ على أنَّ ما يحكي عبد الله بن زيد عن وضوئه وَّل
إنما هو واقعةٌ عنده. وعند النسائي عن أم عُمَارة أم عبد الله بن زيد ما يدلُّ على قِلة الماء في
تلك الواقعة، وفيه: ((أن النبي ◌َّر توضأ فأُتي بماءٍ قَدْر ثلثي المُد)) فكأنَّها تشير إلى ذلك. (باب
قدر الذي يكتفى به الرجل من الماء ((نسائي))) ولذا اكتفى النبيُّ وَّ فيها في الغَسْل إلى المِرْفَقين
بالمرتين فقط، فلو كان الوصلُ سنةً كاملةً لحديث عبد الله بن زيد ينبغي أن ولنا ما أخرجه ابن
السَّكَن في ((صحيحه)) ونقله الحافظ في ((التلخيص الحبير)) عن أبي وائل شقيق بن مسلمة، قال:
(شَهِدْت علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان توضاً ثلاثاً ثلاثاً، وأَفْرَدا المضمضة من
الاستنشاق، ثم قالا: هكذا رأينا رسول الله وَل﴾ توضأ)). وأخرج أبو داود أيضاً حديثَ وضوئهما
إلاّ أنه ليس فيه التصريح بالفصل. نعم، ظاهره الفصل قطعاً، وإن كان يُتوهَّمُ من بعض الألفاظ
الوصل.
ثم إنَّ عثمان رضي الله تعالى عنه إنما اهتم بوضوءِ النبي ◌َّه لأنَّه اختلف في زمانه في
صفة وضوئه كما في ((الكنز)). عن أبي مالك الدمشقي قال: حُدِّث أن عثمان بن عفان اختلف
في خلافته في الوضوء، فأذن للناس فدخلوا عليه فدعا بماء ... إلخ، وهكذا فعله علي
رضي الله عنه، وبَّوب أبو داود على الفصل. وأخرج تحتَه حديثاً، إلاّ أنه ليَّنَه لما فيه: ليث بن

٣٩١
كتاب الوضوء
سليم. وقد جاء في شواهدٍ أمَّا ما في طلحة، عن أبيه، عن جده من الجهالات فرفعه الشيخ
عمرو بن الصلاح وحَسَّنه (١). ثم تتبَّعتُ ((مسند أحمد)) لذلك فتبادر من وضوءٍ غيرٍ واحد من
الصحابة رضي الله تعالى عنه الفصل. والله تعالى أعلم.
ثم اعلم أنَّ الروايات التي وردت فيها غرفة واحدةً للمضمضة والاستنشاق حَمَلها النووي
على الجمع بينهما ستُّ مراتٍ، كل منهما ثلاث مرات. فكأنه أراد إجراء سُنة التثليث فيها
أيضاً، وهو أحدُ وجوهِ الجمع عندهم وإِن كان عسيراً، ومرَّ عليه ابن القيم وقال: بل هي
محمولة على وضوئه مرة مرة، فالجمع في غرفة واحدةٍ إنما هو في وضوئه مرةً مرةً. وفي
الغَرْفتين في وضوئه مرتين مرتين، لا أنه مضمض واستنشق ثلاثاً ثلاثاً، مع غسل سائر الأعضاء
مرة مرة.
قلت: ما اختاره ابن القيم هو الأقربُ عندي (٢). وليعلم أنَّ الترمذي نقلَ مذهب الشافعي
كالحنفية، حيث قال: قال الشافعي رحمه الله تعالى: إن جَمَعَهُما في كَفَّ واحدٍ فهو جائز، وإن
فَرَّقَهما فهو أحب. اهـ.
قلت: ذلك رواية الزَّعْفَراني عنه، وتلك كانت بالعراق حين استفادته من محمد رحمه الله
تعالى، والمعتبرُ عند الشافعية ما اختاره بعده لما رجع إلى مصر.
١٩١ - قوله: (كفة واحدة) قيل: الكُفَّة لم يثبت في اللغة بمعنى الكَفّ. وقيل: إنه فُعْلَة من
نَصَر، بمعنى المرة والصواب أنه غَلَطً من الراوي.
٤٤ - بابُ مَسْحِ الرَّأْسِ مَرَّةً
١٩٢ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيِى، عَنْ
أَبِيهِ قَالَ: شَهِدْتُ عَمْرَو بْنَ أَبِي حَسِّنِ، سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيدٍ عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ وَِّ، فَدَعَا
بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ لَهُمْ، فَكَفَأَ عَلَّى يَدَيهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثاً، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ،
فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثاً، بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِناءِ، فَغَسَلَ
(١) لما سئل عبد الرحمن بن مهدي عن اسم جدِّه قال: عمرو بن كعب أو كعب بن عمرو، وكانت له صحبة، وقال
الدوري عن ابن معين: المحدثون يقولون: إن جدَّ طلحة رأى النبيَّ ◌َ ﴿ وأهل بيتِهِ يقولون: ليست له صحبة.
وقال الخلال عن أبي داود: سمعت رجلاً من ولد طلحة يقول: إن لجدِّهُ صُحبة. قال الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله
تعالى: ما نقل عن ابن معين غيرُ قادحِ، فإِذا اعترف أهلُ الشأنِ بأن له صحبةٌ تمَّ الوجه، أهلُ بيته يعرفون أم لا ؛
وقال ابن القطان: علةُ الخبرِ عندي الجهل بحال مُصَرِّف بن عمرو والد طلحة، ولكن حَسَّن إسناده ابن الصلاح.
كذا في ((فتح الملهم)) نقلاً عن بعض كتب الشوكاني.
(٢) قلت: وسرحت طرفي في ((شرح مسلم)) و((زاد المعاد)) إلاّ أني ما وجدتُه فيهما في بادىء النظر، وما أوغلت في
طلبِهِ لِقلّة الفرصة إذ ذاك، ولعله سها فيه قلمي في درس البخاري، أو نظري عند المراجعة، إلاّ أنه شرح
صحیح.

٣٩٢
كتاب الوضوء
وَجْهَهُ ثَلَاثاً، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، فَغَسَلَ يَدَيهِ إِلَى المِرْفَقَينِ مَرَّتَينٍ مَرَّتَينٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ
يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِيَدَيهِ وَأَذْبَرَ بِهِمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِناءِ، فَغَسَلَ
رِجْلَیهِ.
وحدّثنا مُوسى قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيِبٌ قَالَ: مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً.
جَزَمَ البخاري هنا بمذهب الإِمام الأعظم رحمه الله تعالى وترك مذهب الشافعية. قال
الحنفية: إن الإِسباغ في المسح هو بالاستيعاب، لأنه لا يُنَاسبُه التثليث.
١٩٢ - قوله: (من ماء) هذا تصريحُ بكونِ الماءِ واحداً.
قوله: (وقال مسح برأسه مرة) وفَهِمَ هذا الراوي عينَ ما فهمه الحنفية: أن الإقبال والإِدبار
حركتان، والمسحُ واحد. ولم يحملهما على التكرار في المسح كما فَهِمَه الشافعية رحمهم الله
تعالى .
٤٥ - بَابُ وُضُوءِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ، وَفَضْلٍ وَضُوءِ المَرْأَةِ
وَتَوَضَّأَ عُمَرُ بِالحَمِيمِ مِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةٍ
واعلم أن تظهر الرجل والمرأة من إناء واحد جائزٌ بإجماع المسلمين، وكذا تطهر المرأة
بفضلِ الرجلِ أيضاً جائزٌ بالإِجماع. وأما تطهر الرجل بفضلها، فذهب جمهورُ السلف والأئمة
الثلاثة إلى جوازه، سواء خَلتْ بالماء أو لم تخلٍ. وقال أحمد وداود: إنها إذا خلت بالماء
واستعملته لا يجوزُ للرجلِ استعمال فضلها. وجمَعِ الخَطَّابِي بين أحاديث النهي عن الفضل
وجوازه: بأن المراد من الفضل في أحاديث النهي المُّتَساقط من الأعضاء، وفي أحاديث الجواز
ما بقي في الإِناء.
وحاصله: أنه نهى عن استعمال الماء المتساقِطِ من الأعضاء، وأباح استعمالَ الماءِ الباقي
في الإِناء، فلا تنافي بين الحديثين.
وقال آخرون: بل المراد به في الحديثين هو الباقي في الإِناء، والنَّهي لئلا تخطر ببالِهِ
الوساوس الشهوانية. ويرد عليهم قوله: ((وليغترفا جميعاً))، فإن النهي إن كان لأجل الوساوس،
فهي في حالة الاغتراف جميعاً أزيدُ وأكثر منها في حالة الانفراد. وحمله بعضهم على التنزيه،
وهو الصواب، إلّ أنهم لم يُبيّنوا مرادَ الحديث، وهو مع كونه بديهياً عسيرٌ. وكأنه من قبيلٍ
السهلِ المُمتنع، وقد كشفَ اللهُ على مراده.
فاعلم أنَّ النَّهي في الغسل ورد من الطرفين، كما هو عند أبي داود: نهى الرجل أن يغتسل
بفضل المرأة، والمرأةَ بفضلِ الرجل)) وفي الوضوءِ من جانبٍ واحدٍ فقط، فنهى الرجلَ عن فضلٍ
المرأة، ورأيتُ عكسَه أيضاً في بعض الروايات، إلاّ أن المحدثينِ عللوه. ومناطُ النَّهي عندي:
هو صِيَانة الطَّهُور عن وقوع الماء المُسْتَعْمَل فيه، كما مرّ مني: أنَّ الماء المُسْتَعْمَل وإن لم يكن

٣٩٣
كتاب الوضوء
نجساً عند صاحب الشرع، إلاّ أن المطلوبَ الاحتراز عنه والاحتياط فيه، لئلا يقع في مُغْتَسَلِهِ،
وهو المذكور في فقهنا، حتى لو سقط الماء المُسْتعمَل في وَضُوئه وغَلَب عليه، لا يجوز
الوضُوء منه، ولا يبقى مُطَهِّراً.
ولمّا كانت النساء أقل نظافةً، وأقل احتياطاً في أمور التطهير، خصَّ الرجل بالنهي عن
استعمال فضلهَّن. ولو ثَبَتَ عكسه أيضاً، فالنهي عن فَضْل الرجال جَرْياً على مقتضى طَبْعهن،
فإِنهنَّ يَرَوْن الرجال أقلّ نظافةً من أنفسهن، فراعى في الأول الواقع في نفس الأمر، وفي الثاني
الواقع في زَعْمِهِنَّ، لئلا تَتَوَسْوَس صدورهنَّ في استعمال الماء، فإِن عدم الوسواس في أمر
التَّطَهّر مطلوبٌ. فناسب أن ينهى عن فَضْل الرجال أيضاً، حسماً لمادة الوَسَاوِس وقطعاً لِعِرْقها،
والمراد منها التي تقع في طهارة الماء وعدمها، دون الوَسَاوِس الشهوانية.
والحاصل: أن الحديث وَرَدَ على وَفْقَ طَبْع الرجال والنساء، وإن كان ما في طَبْع الرجل
مُوَافقاً للواقع، وما في طَبْعهنّ مخالفاً له، إلّا أن الغرضَ لمّا كان قَطْعِ الوَسْوَاس لم يُنَاظِر
معهنَّ، وتركهن على فِظْرَتهن، ولا تبديل لخَلْق الله، نعم الوَسَاوِس التي تكون لا عن منشأ
صحيح لم يعتبرِها الشرع أصلاً، ولذا أباح الاغْتِرَاف معاً، لأنَّ الذين يكرهون استعمال السُّؤْر لا
يَرَوْن به بأساً، أَلَا تَرَى أن من يَكْرَه أن يأكل فَضْل طعامك، لا يَكْرَه أن يأكل معك، لأنه لا يراه
سُؤْراً فالدَّخْل فيه للسُّؤْر دون الوَسَاوِس. والمعنى أن لا يُسْئِرِ الرجلُ الماءَ للمرأة، ولا تُسْئِّر هي
له، فكما أنك تَكْرَه أن تُسْئِرِ طعامَك وشرابَك لحبيبك، كذلك أراد الشرع أن لا يُسْئِرِ الزوجان
أحدهما للآخر غِسْلَه.
فهذا الحديث من باب حُسْن الأدب، وسدّ الأوهام، وأول ما انتقل إليه ذِهْني من كلام
الطَّحَاوِي، فإِنه بوَّب أولاً بسُؤْر الهرة، ثم بسؤو الكلب، ثم بسُؤْر بني آدم، وأخرج تحته حديث
النهي عن اغتسال الرجل بِفَضْل المرأة وبالعكس، فكأنه أشار إلى أن المعنى في هذه الأحاديث
هو السُّؤْرِيَّة والإِسْار، دونَّ الوَسَاوِسِ الشهوانية، فللَّه دَرهُ ما أدقّ نَظَره. ويدلك على ما قلنا ما
أخرجه النسائي عن أمُ سَلَمَة: ((أنهاَ سُئِلَت: أَتَغْتَسِلُ المرأه مع الرجل؟ قالت: نعم، إذا كانت
كَيِّسَة)). فأشارت إلى أن الأمر يدور على الكِيَاسة وعدمها، ولَمَّا كان الرجل كَيِّساً لم يُنْه عن
استعمال فَضْل وضُوئه، بخلاف النساء، فإِنهنَّ لَسْن كذلك في عامة الأحوال، وإذا كانت كَيِّسَة
تَعْرِف طريق آداب الماء وصيانته،، فلها أن تَغْتَسل معه .
فإِن قُلْتَ: إذا كان الأمر كما وَصَفْتَ لِمَ نهى النساء عن اغتسالهنَّ بفَضْل الرجال؟ قُلْتُ:
إن التَّقَاطُرَ في الاغتسال يمكن منهم أيضاً، فإِنَّه استعمالٌ للماء الكثير وغسلٌ لسائر البدن،
والأواني كانت مُتَّسِعَة كالمِرْكَن، فيُشْكِلُ فيها التَّحَفُظ من الرجال أيضاً، فلذا وَرَدَ فيه النهي
للطرفين .
فإِن قلتَ: وحينئذٍ ينبغي أن يُنْهَى الرجل عن الاغتسال بفَضْل الرجل أيضاً، فَلِمَ خصَّصَ به
الزوجين مع أن العِلَّة تشملهما؟ قلتُ: لتحقّق الاغتسال كثيراً بين الزوجين، بخلاف غيرهما،

٣٩٤
كتاب الوضوء
وأراد بالمرأة في حديث التَّوَضُّؤْ من كانت في بيته، ولم يقل في المرأتين شيئاً، لأنهن يَفْعَلْنَ ما
هو عادتهنّ.
والحاصل: أن الأقسام ستة فَضْل الرجل للمرأة، وبالعكس. وفَضْل الجنس للجنس، وكلٌّ
منه إمَّا في الوُضِوء، أو الغسْل. والأحاديث وَرَدَت في الأربعة منها، وإن علَّل المحدِّثون واحداً
منها كما مرَّ، ولم يَرِد في الاثنين لِمَا بيًَّّا. وجملة الكلام أن الحديث لا دَخْل فيه للوَسَاوِس
الشهوانية، بل وَرَدَ على طبائع الناس في السُّؤْر، فالنَّهي فيه كأمر الغُسْل بِغَسْل الميت، والوُضُوء
بِحَمْلِه، والمراد بالفَضْل: هو الباقي في الآنية، لا كما قاله الخطَّابي، وتَبَعِه الحافظ رحمه الله
تعالی .
قوله: (بالحميم) ... إلخ، ويُتَبَادَرُ من ظاهر عبارته أنهما واقعتان: الأولى في استعمال
الحَميم، والثانية في استعمال ماء النصرانية، مع أنها واقعةٌ واحدةٌ في مكة حين جاء للحج،
فقضى حاجته، ثم طلب الماء وتوضأ بالحَمِيم من بيت نصرانية. والظاهر أن الماء إذا كان من
بيتها، أنها غَمَسَت فيه يدها أيضاً، ولعلَّه كان من سُؤْرها، ومع ذلك توضّأ ابن عمر منه، فَثَبَتَ
أن وُضُوء الرجل بفَضْل المرأة لا بأس به. وهذا من عادات البخاري حيث يعتبر الاحتمالات
القريبة، لأنَّه لمّا شدَّد على نفسه في باب الحديث، وأراد أن يخرِّج المسائل، ويَبْسُط فقهه في
تراجمه، فلزمه أن يوسِّع في الإِشارات وطُرُق الاستدلال.
١٩٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ الرِّجَالُ وَالنَّسَاءُ يَتَوضَّؤُونَ فِي زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّجَمِيعاً.
١٩٣ - قوله: (جميعاً) قال السِّيرافي: إنه يُسْتَعمل بمعنى كلّهم، وبمعنى معاً، والأول يدلّ
على الاستغراق، والثاني على المَعِيَّة الزمانية وتفصيله: أن هذا اللفظ قد يُستعمل للثاني، أي
بمعنى الاجتماع والمَعِيَّة، وهو المناسب ههنا، فإن التعرُّض إلى اغتسال الرجال والنساء مطلقاً
ليس بأهم، وإنما المفيد بيانُ اغتسالهما معاً. ثم أقول: والشيء بالشيء يُذْكَر، أن إمامنا
رحمه الله تعالى ذهب إلى مقارنة المقتدي مع الإِمام في جميع أفعال الصلاة، واختاره صاحباه
أيضاً، إلَّا في التحريمة والتسليم، والشافعي رحمه الله تعالى ذهب إلى التعقيب في جملة
أفعالها غير آمين، وتمسَّك من أحاديث الائتمام، وفيها الفاء: ((إذا كبر فكبروا ... )) إلخ، وهي
للتَّعَقِيب عندهم، فَلزمَ التَّعْقِيب في جميع الأفعال كما أراد.
قلت: وفي ((شرح التسهيل)): أن فى الفاء الجَزَائية قولان: التَّعْقِيب، والمقارنة، وحينئذٍ
صحَّت الفاء على مذهبنا أيضاً، ثُمَّ أقولُ من عند نفسي: إن التعقيب قد يكون ذاتياً والبعدية
الذاتية اعتبرها أهل اللغة أيضاً فلا تنافيها المقارنة الزمانية، فهي للتَّعْقِيب ذاتاً، والمقارنة زماناً
عندي .
ولا بُدَّ أن يكون بين أفعال الإمام والمأموم تقدُّماً وتأخّراً ذاتاً، وإنما أراد الإِمام من
المقارنة أن يدخل المقتدي في الرُّكن حين يدخل الإِمام فيه، ولا ينتظر بلوغه فيه له، فَيْركع حين

٣٩٥
كتاب الوضوء
يَرْكع، لا أنه ينتظر الإِمام حتّى إذا أتمَّ راكعاً رَكَع معه. ومعلومٌ أن رُكُوعَه لا يكون إلَّا بعد ركوع
إمامه بَعدِيَّة ذاتية، وإن أراد المقارنة، فإن ركوع الإِمام كالعِلَّة لركوعه، وهو المُلْحَظُ في
الجماعة عندي، لأن ظاهر أمر الجماعة أن تكونُ حركتهُم واحدةً، وصلاتُهم واحدةً، وقراءتُهم
واحدةً(١)، وسنعود، إلى تفصيله في مواضع إن شاء الله تعالى.
٤٦ - بابُ صَبِّ النَّبِيِّ ◌ََّ وَضُوءَهُ عَلَى المُغْمَى عَلَيهِ
١٩٤ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ
جَابِراً يَقُولُ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ وَ ل﴿ يَعُودُنِي وَأَنَا مَرِيضٌ لَا أَعْقِلُ، فَتَوَضَّأَ وَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ
وَضُوئِهِ، فَعَقَلتُ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَن الَمِيرَاثُ، إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةٌ؟ فَنَزَلَتْ آيَةُ
الفَرَائِضِ. [الحديث ١٩٤ - أطرافه في: ٤٥٧٧، ٥٦٥١، ٥٦٦٤، ٥٦٧٦، ٦٧٢٣، ٦٧٤٣، ٧٣٠٩].
ولعله أراد بيان مسألة الماء المستعمل.
٤٧ - باب الغُسْلِ والوُضُوءِ فِي المِخْضَبِ وَالقَدَحِ وَالخَشَبِ وَالحِجَارَةِ
١٩٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ: سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيدٌ، عَنْ أَنَس
قَالَ: حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَامَ مَنْ كَانَ قَرِيبَ الدَّارِ إِلَى أَهْلِهِ، وَبَقِيَ قَوْمٌ، فَأَتِيَ رَسُولُ
اللّهِ وَلَهُ بِمِخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةٍ فِيهِ مَاءٌ، فَصَغُرَ المِخْضَبُ أَنْ يَبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ، فَتَوَضَّأَ القَوْمُ
كُلُّهُمْ. قُلَنَا: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: ثَمَانِينَ وَزِيَادَةً.
١٩٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرِيدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ
أَبِي مُوسى: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهُ دَعَا بِقَدَحِ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ.
١٩٧ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا
عَمْرُو بْنُ يَحْيى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيدٍ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهِ، فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً
فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ، فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَاً، وَيَدَيهِ مَرَّتَينِ مَرَّتَينٍ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بِهِ
وَأَدْبَرَ، وَغَسَلَ رِجْلَيهِ .
قوله: (المِخْضَب والقدح) ... إلخ، هذا في بيان الهيئة.
قوله: ((والخشب والحجارة)) هذا في بيان مادتهما.
(١) قلت: وذلك لأنه يُعْلَم من النظر إلى الشريعة أنه اعتبر الجماعةَ كنفسٍ واحدةٍ في أمور، كإعطاء الأمن، فإنه يسعى
به أدناهم، وينفَّذُ على الكل، وكما في أمر السلام، ففي ((المشكاة)) عن عليّ رضي الله عنه قال: ((يجزىء عن
الجماعة إذا مرّوا أن يُسلم أحدهم، ويجزىء عن الجلوس أن يردّ أحدهم)). رواه البيهقي في ((شعب الإيمان)»
مرفوعاً. ورواه أبو داود، وقال: رفعه الحسن بن علي، وهو شيخ أبي داود، فهكذا القراءةُ في الجماعة تكون
واحدةً عند الحنفية، سواء اعتبرتَها واحدة حقيقةً، أو على طريق أن قراءةَ الإِمام قراءةٌ للقوم، والله تعالى أعلم.

٣٩٦
كتاب الوضوء
١٩٥ - قوله: (أتى رسول الله وَ ﴾) ... إلخ، وهذا تصريحُ بأنه ◌َلير جاءه في بيته وتوضَّأ،
فكانت هذه واقعةٌ عند عبد الله بن زيد، وفيها تصريحٌ بغسل المرفقين مرتين. وأمَّا الغسل إلى
الرُّسْغَين فهو ثلاثُ مرارٍ باتفاق الروايات.
١٩٨ - حدّثنا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ
اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ◌َهِ وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ، اسْتَأْذَنَ
أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَ لَهُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بَيْنَ رَجُلَينٍ تَخُطُ رِجْلَاهُ فِي
الأَرْضِ، بَيْنَ عَبَّاسِ وَرَجُلٍ آخَرَ، قَالَ عُبَيدُ اللّهِ: فَأَخْبَرَّتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: أَتَدْرِي
مَنِ الرَّجُلُ الآخَرُ؟ قُلتُ: لَا، قَالَ: هُوَ عَلِيٍّ. وَكَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تُحَدِّثُ: أَنَّ
النَّبِيَّ ◌َ﴿ قَالَ بَعْدَ مَا دَخَلَ بَيتَهُ وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ: ((هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَل
أَوْكِيَتُهُنَّ، لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ)). وَأَجْلِسَ فِي مِخْضَبٍ لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ وَِّ، ثُمَّ طَفِقْنَا
نَصُبُّ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ القِرَبِ، حَتَّى طَفِقَ يُشِيرُ إِلَيْنَا: أَنْ قَدْ فَعَلتُنَّ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ.
[الحديث ١٩٨ - أطرافه فى: ٦٦٤، ٦٦٥، ٦٧٩، ٦٨٣، ٦٨٧، ٧١٢، ٧١٣، ٧١٦، ٢٥٨٨، ٣٠٩٩، ٣٣٨٤،
٤٤٤٢، ٤٤٤٥، ٥٧١٤، ٧٣٠٣].
٤٨ - باب الوضُوءِ مِنَ الثَّوْرِ
١٩٩ - حدّثنا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ يَحْيِى، عَنْ
أَبِيهِ قَالَ: كَانَ عَمِّي يُكْثِرُ مِنَ الوُضُوءِ، قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيدٍ: أَخْبِرْنِي كَيفَ رَأَيتَ
النَّبِيَّ ◌َلَ يَتَوَضَّأُ؟ فَدَعَا بِتَوْرِ مِنْ مَاءٍ، فَكَفَأَ عَلَى يَدَيهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ أَذْخَلَ يَدَهُ
فِي التَّوْرِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَّهُ فَاغْتَرَفَ بِهَا،
فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيهِ إِلَى المِرْفَقَينِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَينٍ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ مَاءً
فَمَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ، فَأَذْبَرَ بِهِ وَأَقْبَلَ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيهِ فَقَالَ: هَكذا رَأَيتُ النَّبِيَّ ◌َ يَتَوَضَّأْ.
٢٠٠ - حدّثنا مُسَدَّدْ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ دَعَا بِإِنَاءٍ
مِنْ مَاءٍ، فَأُتِيَ بِقَدَحِ رَحْرَاحِ فِيهِ شَيءٌ مِنْ مَاءٍ، فَوَضَّعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ، قَالَ أَنَسٌ: فَجَعَلْتُ
أَنْظُرُ إِلَى المَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، قَالَ أَنَسٌ: فَحَزَرْتُ مَنْ تَوَضَّأَ منهُ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى
الثَّمانِينَ.
١٩٨ - قوله: (اسْتَأْذَنَ) ... إلخ، إما لأن القَسْمَ كان واجباً عليه، أو استحباباً لتطبيب
قلوبهنَّ.
قوله: (بين رَجُلَيْن)، وفي تعيين الرجل الآخر اختلاف، وإنما أُبْهِمَ، لأنهم كانوا يتناوبون
الأخذَ بيده الكريمة مَّ﴾، تارةً هذا، وتارةً هذا: وكان العباس رضي الله عنه أَدَام الأخذ بيده لِمَا
له من السن والعمومة، كذا قال النووي. وحمله العَيْنِي على تعدّد الوقائع.

٣٩٧
كتاب الوضوء
قوله: (سَبْع قِرَب) ... إلخ، وفي كتب السِّير: أن تلك السَّبْع كانت من الآبار السَّبْع،
ولعلّ تعدّد السبع وعدم الحل دخلا في الشفاء، كما يكون مثل هذه الشرائط في باب العملياتِ
والتعويذاتِ كثيراً .
قوله: (ثم خرج إلى الناس) ... إلخ، وخروجه هذا إنما هو في العشاء عندي.
ذِكْرُ عدد صلواته وَّل في مرض موته، وخروجه إلى المسجد
وتحقيقه على خلاف ما اختاره الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى
واعلم أنَّ الروايات في غَيْيُوبته ◌َِّ في مرضه عن المسجد مختلفةٌ: فعند البخاري أنَّه غاب
ثلاثة أيام، واختاره البيهقي وتَبِعَه في ذلك الزَّيْلَعِي. وعند مسلم أنَّه غاب خمسة أيام، واختاره
الحافظ .
قلت: ولعلّ الحافظ رحمه الله تعالى عدّ الكُسُور أيضاً، ولعلّ ابتداءَ الغَيْبة عنده يكون من
ليلة الخميس، وحينئذٍ لو اعتبرنا ذلك اليوم مع يوم الاثنين حصل الخَمْس، ومَنْ قال بثلاثة أيام،
اعتبر اليوم التام، فارتفع الخلاف.
ثم إنَّهم اتفقوا على أنَّه خرج في صلاة من تلك الأيام، ولعلّه ◌ُهْر السبت أو الأحد، لأنَّ
الغَيْبة لمّا كانت من عشاء الخميس على ما اختاره الحافظ، فلا يُمكِنُ أن يكون ظُهْر هذا اليوم،
ولا من يوم الجمعة، وتُوفِّي يوم الاثنين، فتعيَّن أن يكون إما ◌ُهْر السبت أو الأحد. والعجب
من الحافظ حيث جَعَلَ قدوتَه فيه الإِمام الشَّافعيّ رحمه الله تعالى، مع أنَّ الإِمام رحمه الله تعالى
وإن اختار شركته في صلاةٍ واحدةٍ، إلّ أنَّه ذَهَبَ إلى أنَّها الفجر، بخلاف الحافظ، فإِنَّه اختار
أنَّها الظُّهْر.
أقول: والذي تبيّن لي: هو أنَّه وَّلِ دَخَلَ في أربع صلوات بعد الغَيْيُوبة:
الأولى: العشاء التي غُشِيَ عليه في ليلتها - كما في رواية الباب - فإِنَّه لم يستطع أولاً أن
يَخْرُج، ثم وجد في نفسِهِ خِفَّة، وخرج إليها وصلَّىٍ بهم وخطب النَّاس، كما عند البخاري،
وفيه: قالت وخَرَجَ إلى النَّاس فصلّى لهم وخَطَبهم. وأَوَّله الحافظ رحمه الله تعالى، وقال معناه:
إنه أراد الخروج، ثم لم يَقْدِر عليه.
والثانية: الظُّهْر من أي يوم كانت، وأَقَرَّ بها الحافظُ رحمه الله تعالى أيضاً.
والثالثة: المغرب كما هو عند الترمذي في باب القراءة بعد المغرب، عن أمّ الفَضْل
قالت: ((خرج إلينا رسول الله وَّلةٍ، وهو عاصبٌ رأسه في مرضه، فصلَّى المغرب، فقرأ
بـ: المرسلات، فما صلّها بعد حتى لَقِيَ الله عزّ وجلّ. وهو عند النسائي أيضاً، وأوَّله الحافظ
بأنَّه خرج من مكانه إلى موضع في بيته، لا أنه خرج إلى المسجد.
والرابعة: الفجر من اليوم الذي تُوُفِّي فيه كما في «مغازي موسى بنِ عُقْبَة))، وهو تابعي
صغير السِّن، وأقرَّ بها البيهقي أيضاً، ودخل فيها في الركعة الثانية، وصَلَّاها خلف أبي بكر

٣٩٨
كتاب الوضوء
رضي الله عنه. نعم، ظاهر البخاري خلافه، إلاّ أني جَمَعْتُ بينهما بأنه اقتدى من حُجْرَته، ولم
يَخْرُج إلى المسجد.
فهذه أربع صلوات دخل فيها النبي ◌َّ﴿ بعد غَيْبُوبته عن المسجد، ولم أَجِد شَركَته في
العصر في يوم، وكذا لم أَجِد الترتيب في تلك الصَّلاة. وأقرَّ الترمذي أنه صلّى في مرض وفاته
ثلاث صلوات، وزِدْتُ عليه رابعة، وهي المغرب.
وفي العَيْنِي: أنه ذهب جماعةٌ إلى القول بتعدّد الصلوات حتى نُقِل عن الضِّيَاء، وابن
ناصر، وابن حِبَّان: أنَّ من أنكر تعدّد خروجه وَّه إلى الصَّلاة، فإِنَّه جاهلٌ عن الحديث.
ثم اعلم أني بالغت في هذا التفتيش، لأنه يُفِيدُنا في مسألةِ القراءةِ خلفَ الإِمام، لأنه ثَبَتَ
عند الطَّحَاوي خروجُه في صلاة جَهْرِيَّةٍ، وأخذ القراءةَ من حيث تَركَها أبو بكر رضي الله تعالى
عنه، وحينئذٍ لا بُدَّ أن تَفُوتَه الفاتحة، كلُّها أَو بعضُها، فلو كانت رُكْناً لَزم أن لا تتِمّ صلاته وََّ،
والعياذ بالله، فهذه آخر صلاة صلاها النبي ◌َّر كانت مُسَّتَدَلاً للحنفية، ولم يَشْعُر به أحدٌ منهم
غير ابن سيِّد الناس في ((شرح الترمذي))، إلاّ أنه لم يُجِب عنه.
وعَرَضَ للحافظ رحمه الله تعالى إشكالٌ آخر، وهو: أنَّ الصَّلاة التي خَرَج إليها النبيّ ◌َّ
هي الظُهْر عنده، فكيف أخذَ القراءةَ من حيث تَرَكَها أبو بكرَ رضِي الله تعالى عنه؟ فالتزم أنَّ أبا
بكر رضي الله تعالى عنه لعلّه جَهَر بآيةٍ منها. وأمَّا على ما اخْتَرْتُ، فلا حاجة إلى هذا التأويل،
فإِنه ثَبَتَ خروجُه إلى العشاء أيضاً، وهي جَهْرِيَّة .
ولفظ الطّحَاوِي في قصة مرض موته: ((وجَدَ رسول الله وٍَّ من نفسه خِفَّةً، فخرج يُهَادَى
بين رجلين، فلمَّا أحسَّ أبو بكر، سبحوا به، فذهب أبو بكر يتأخّر، فأشار إليه النبيُّ وَّل
مكانك، فاسْتَتَمَّ رسول الله وَّ من حيث انتهى أبو بكر من القراءة))، ورواه ابن ماجه،
والدَّارقطِنيُّ، وأحمد في ((مسنده))، وابن الجَارُود في ((المُنْتَقى))، وأبو يَعْلَى في ((مسنده))،
والطَّبَرِي في (تاريخه))، وابن سعد في ((الطبقات))، والبَزَّار في ((مسنده) .
وإذ قد عَلِمْتَ أنَّه خَرَج في أربع صلواتٍ، منها الفجر والمغرب، أَمْكَن لنا أَنْ نقول: إنَّ
ما عند الطَّحَاوِي قصةٌ في إحدى هاتين الصَّلاتين، وأخذ فيها النبيُّ وَّرِ القراءةُ من حيث تركها
أبو بكر رَضِي الله تعالى عنه، ولم يُدْرِك الفاتحةَ كلَّها أو بعضَها، ثم صحَّت صلاته، وحُسِبَت
قراءة أبي بكر رَضِيَ الله تعالى عنه عن قراءته، فلو كانت الفاتحة ركناً لا تصحَّ الصَّلاة بدونها،
فأين ذَهَبْتَ من صلاة النبي ◌َّ هذه؟ وقد بَسَطْتُ فيه الكلام في رسالتي بالفارسية المسماة
بـ((خاتمة الخطاب في فاتحة الكتاب)).
ومرَّ الحافظ على رواية ابن ماجه هذه - وهي عند الطَّحَاوي أيضاً - فَحَكَمَ عليها بالحُسْن،
وحَكَمْتُ عليها بالصحة، وعَزَوْتُها إلى الحافظ رحمه الله تعالى، فاعترض عليَّ بعضُ المُدَّعِين
بالعمل بالحديث: أنه خلافُ الواقع، فإن الحافظ رحمه الله تعالى لم يَحْكُم عليه بالصحة،
فَأَجَبْتُ له: أن الحافظ رحمه الله تعالى مرَّ عليها في موضعين، فحكم بالحُسْنِ في المجلد
الثاني، وبالصحة في المجلد السادس.

٣٩٩
كتاب الوضوء
٤٩ - باب الؤُضُوءِ بالمُدِّ
٢٠١ - حدّثنا أَبُو نُعَيم قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ جَبْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَساً
يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َِّ يَغْسِلُ - أَوْ كَانَ يَغْتَسِلُ - بالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةٍ أَمْدَادٍ، وَيَتَوَضَّأُ بِالمُدِّ.
واعلم أنهم اتفقوا على أنَّ الصَّاعِ أربعة أَمْدَاد، واختلفوا في تقدير المُدِّ: فقال العِرَاقِيُون:
إِنَّ المُدَّ رَظْلَان، وقال الحِجَازِيُون: إنَّه رَظْلٌ وثُلُث. وعلى هذا يكون الصَّاعُ ثمانية أَرْطَالٍ عند
العِرَاقِيين، وخمسةُ أَرْطَالٍ وثُلُثُ عند الحِجَازِيين.
قلت: ولا يمكن لأحدٍ أن يُنْكِرَ صَاعَ العِرَاقِيين، فإِنَّه كان مُسْتَعْمَلاً في زمن النبيّ وَّل
قَطْعاً، لِمَا رُوِيَ من غير وجهٍ: ((أنه كان يتوضأ بالمُدِّ)). ثم أَخْرَج أبو داود عن أنس قال: ((كان
النبيُّ نَّه يتوضَّأَ بِإِناءٍ يسعِ رَطلين)) ... إلخ. وفيه شَرِيك، وأَخْرَجَ عنه مسلم، وعند النَّسَائِي عن
موسى الجُهَنِي قال: ((أتى مُجَاهِد بقَدَحِ حَزَرْتُه ثمانية أرْطَالٍ، فقال: حدَّثتني عائشة: أن
رسول الله وَلّ كان يَغْتَسِلُ بمثل هذا)). وعند الطحاوي عن إبراهيم قال: ((قدَّرْنا صاعَ عُمر،
فوجدناه حَجَّاجِيّا))، والحَجَّاجِيّ عندهم: ثمانية أرْطَال.
والحافظ لمَّا مرَّ على صاعنا سمّاه حَجَّاجِيّاً، ولم يُسَمِّهِ فَارُوقِيّاً، مع أنَّ الحجّاج إنما
صَنَعَ صاعَهُ على صاع عمر، وكان يَفْتَخِرُ عليهم بذلك، وهو صاع عمر بن عبد العزيز أيضاً،
فأصله عن عمر رضي الله عنه، والحَجَّاجِ شَهَرَه لا أنه صنعه هو. ومنهم مَنْ أَرَادَ من كونِه
عُمَريَّاً عمر بن عبد العزيز، وهو أيضاً عُدُولٌ عن الصواب. فإِن صاعَنا ثَبَتَ في عهده وَِّ ثبوتاً
لا مردّ له.
وفي الباب روايات أُخْرَىَ تدلُّ على مذهبنا، إلاّ أنَّا لم نُرِدْ استيعابها، لأنَّه لا يسع لأحدٍ
أن يُنْكِر على صاع الحنفية، وأقرَّ به ابن تيمية رحمه الله تعالى، إلاّ أنه قال: إنَّ الصَّاعَ فيِ
الوضوء والغُسْل ثمانية أَرْطَال، وفي صدقة الفِطْر خمسة أَرْطَال وثُلُث. ونحن نقول: إنَّ
الاحتياط أن يؤخذ في جميع المواضع بثمانية أرْطَال.
ثم اعلم أنَّه أخرج ابن حِبَّان في ((صحيحه)) عن أبي هريرة رضي الله عنه: ((أنَّ
رسولَ الله وَلَّ قيل له: إِنَّ صاعنا أصغر الصِيعَان، ومُدَّنا أكبر الأَمْدَاد فقال: اللهم بارك لنا في
صاعنا، وبارك لنا في مُدِّنا))، ولا يبدو في بادي النظر مَحَظُ سؤالهم، فإِنَّ كون الصَّاع صغيراً،
والمُدّ كبيراً لا يظهر فيه معنى الشِّكَاية. وكنت متردداً في مراده حتى رأيت عبارة في («موطأ
مالك)) رحمه الله تعالى في الظّهار، انكشف بها المراد، وأخذت منه أَنَّ المُدَّ عندهم كان باعتبار
طعام رجلٍ واحدٍ، وكان مِكْيَالُهم لطعامهم وشرابهم مُستَعمَلاً عندهم في البيوت بخلاف الصاع
فإنه كان مستعملاً فيما بينهم في التجارات. وفي المقدار الكثير يطبخون الطعام كَيْلاً في زماننا
أيضاً، وحينئذٍ حاصل سؤالهم: أن المُدَّ الذي نستعمله في البيوت في طعامنا كبيرٌ، والصاع
الذي في التجارات صغيرٌ، فكأنهم شَكُوا من كثرة المصارف وقلة المال، فدعا لهم: ((اللهم
بارك لنا ... )) إلخ. وحملوه على البركة المعنوية، وحَمَلْتُه على البركة الحِسِّيَة أيضاً، حيث صار

٤٠٠
كتاب الوضوء
ثمانية أرْطَال في زمن عمر رضي الله عنه مع بقاء اسمه، ولعلّه زاد ثمنه، فبقاء الاسم والثمن مع
زيادة الوزن هو ثمرةُ دعاء النبي ◌َِّ، فصاعنا من ثمرات دعائه ◌َّر.
وأمَّا وجه رَوَاجه في زمن عمر رضي الله عنه دون زمنه نََّ، فَوُفور الأشياء في زمن عمر
رضي الله عنه، بخلاف زمن النبي ◌َّر .
ويُسْتَفَاد مِنْ هذا الحديث تعدّد الصِيعَان في عهد النبيِّ نَّهَ كما قلت: إنَّ صَاعِ العِرَاقيين
والحِجَازيين كلاهما كانا في زمنه ◌َّ، وإنْ كان أحدهما أقل استعمالاً من الآخر، على أنه
يَنْهَدِم منه أصل المقدمة المتفق عليها أيضاً، لأنه يدلُ على أنَّ المُدَّ ليس رُبْع الصَّاع، فاختلفت
الأَمْدَاد أيضاً، وحينئذٍ لا يكون أكبر الأَمْدَاد رُبْع أصغر الصِيعَان، ثم (الصُّوَاع)) في سورة يوسف
والصَّاعِ واحدٌ، مع أن الصُّوَاعِ أكبر من صاع الشافعية. وفي ((الفنجاب)): مِكْيالٌ يُقَال له "جها"
وظنّي أنَّه من الصَّاع مكيال آخر "كروه" ، ولعلَّه من الكُرِّ. وليُعْلَم أن الناس إنما تحيّروا في
معرفة مقادير هذه المكاييل لفُقدانها في زماننا، وانقطاع العمل عمّا كانت في عهد النبي ◌َّر ،
فتعلَّلنا عنها بالاسم فقط، وهذا هو الحال في جميع الأشياء التي لا توجد بين الناس.
وقد تصدَّى صاحب ((القاموس)) لبيان تعداده، فقال: إنَّ المُدَّ مكيالٌ يسع حَثْيَة من حَثْيَة
الرجل المتوسط، والضَّاعِ ما يَسَع أربع حَثَيَات كذلك.
قلت: ولو كان المقصودُ بيان استقامة الحساب على مذهب الشافعية، فإِنَّه يستقيمُ على
مذهب الحنفية أيضاً، فإِنَّ صاعهم إن كان يتمّ بأربع حَثَيَات، فصاعنا يتمّ بستة حَثَيَات.
وصاحب ((القاموس)) كما أنَّه لغوي كذلك حافظً للحديث أيضاً، وقد سَمِع مرّة أربعمائة
سطر، فَوَعاها من ساعته. وقد صنَّف ((القاموس)) في اليمن، وهو شافعي، ومعتقدٌ لأبي حنيفة
رحمه الله تعالى، إلاّ أنه قد يتجاوزُ عن الحد في حماية مذهبه، وله رسالة بالفارسية سمَّاها:
((نور سعادت))، وأتى فيها برواياتٍ لا أصل لها عند المحدِّثين، وهكذا قد يذكر لتأييد مذهبه
أسماء الصحابة ولا يكون له أصلٌ، ولا يكون مقصوده منه إلاّ تكثير السواد، كما فعله في مسألة
رفع السَّبَّابة، فإِنَّه لم يثبت عمَّا ذكره من عدد الصحابة قط. وهكذا فعل في رفع اليدين، فقد عدّ
فيه جماعاتٍ كثيرةً. مع أنه خلاف الواقع، كما سنحقّقه في بابه إن شاء الله تعالى.
ولنا أحاديث عند الطَّحَاوي، وأبي داود، والنَّسائي، وقد مرَّ أن النَّسائي أذكى من مسلم،
وأمَّا أبو داود، فهو حنبلي راوٍ لفِقه الإِمام أحمد رحمه الله تعالى، كمحمد وأبي يوسف لفقه
الحنفية، ومَنْ عدَّه من الشافعية، فكأنَّه لم يقصد به إلاّ تكثيرَ السواد، ولا ريب أنَّه حنبلي
فاعلمه .
ثم اعلم أنَّ ابن جَبْر هذا الذي في إسناد البخاري، هو الذي يفسِّر المُدّ: أنه رطلان عند
أبي داود، ولم يُرْوَ في تحديد الماء في الوضوء عن الأئمة شيء، غير أَنَّه يتوضّأ وضوءاً بين
الوضوءين، ووقَّته محمد رحمه الله هنا بالمُدِّ تبعاً للحديث، والحافظ رحمه الله تعالى لم يذكر
اسمه، وضرب عنه كَشْحاً، وأغمض عنه، وأمَّا خمسة أمْدَاد في الغُسْل، فقيل: المُد للوضوء،
وأربعة أمْدَاد للغُسْل. وقيل هو للغُسْل إلاّ أنه إذا أراد الماء من الصَّاع فإِلى خمسة أمْدَاد.