Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
كتاب العلم
الحافظ العيني رحمه الله تعالى أطال الكلامَ ههنا وقال: إنه ليس فيه تخيير للأولياء، بل فيه
تعريضٌ لهم بالأخذ بالأحسنِ والأصلح، ومراده أن خذوا بما كان أحسنَ وأصلح أما إنه خيرهم
مستقلاً أو برضا القاتل؟ فإنه أمرٌ بمعزلٍ عن الحديث. وراجع كلامه إن شئت.
قوله: (إلا الإذخر) وهو نوع من النبات "مرجياكند" وفي الفنجابى "كترن" بالنصب
على الاستثناء. وعند ابن مالك يجوز الرفع أيضاً، وتقديره إلا الإذخر فإنه مُستثنى، وحينئذٍ
المستثنى جملة كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ، أَحَدًّا ﴿ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَسُولٍ﴾
[الجن: ٢٦، ٢٧] وبه يندفع الإشكال عن الآية. وقد مر الكلام عليها. ولعل إجازته واستثناؤه
بالوحي .
وليعلم أن تلكَ الصحيفة كانت عند أبي بكر رضي الله عنه، ثم عند عمر رضي الله عنه
كما عند الترمذي في الزكاة وكانت في قِرَاب السيف، وكانت فيها أحكام الزكاة كما في
البخاري أيضاً. وفي ((مصنف ابن أبي شيبة)) بإسناد جيد، يدل على أنها كانت فيها مسائل
الزكاة على وفق مذهب الحنفية، إلا أن الحافظ لما جمعَ أحكام تلك الصحيفة أغمضَ عن
تلك المسائل ولم يلتفت إليها، فعفى الله عنه حيث أخفى شيئاً كان فيه منفعةٌ للحنفية. ثم هذا
من دأبي القديم أني إذا أجدُ أمراً في البخاري ولو كان مُجملاً، ثم أجد تفصيلُهُ في غيره
أضيفُ ذلك التفصيلَ إليه، وعلى هذا ادَّعى أن مذهبَ الحنفية في باب زكاة الإبل ثابتٌ من
البخاري.
١١٤ - حدّثنا يَحْيِىِ بْنُ سُلَيمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بالنَّبِيِّ وَهُ وَجَعُهُ
قَالَ: انْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمَّ كِتَاباً لا تَضِلُّوا بَعَدَهُ، قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ غَلَبَهُ الوَجَعُ،
وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا. فَاخْتَلَفُوا وَكَثُرَ اللَّغَطُ قَالَ: ((قُومُوا عَنِّي، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي
التَّنَازُعُ)) فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ وَبَيْنَ
كِتَابِهِ. [الحديث ١١٤ - أطرافه في: ٣٠٥٣، ٣١٦٨، ٤٤٣١، ٤٤٣٢، ٥٦٦٩، ٧٣٦٦].
١١٤ - قوله: (فخرج) ولعل خروجه فيما بعد، لا عند واقعة القُرطاس، لأن ابن عباس لم
يكن هناك كما عند البخاري في موضع آخر، كأن يقول ابن عباس رضي الله عنه ... إلخ. وهو
الصواب فالمرادُ من الخروج ههنا خروجُه إلى تلامذته، وهذا وإن كان خلافَ الظاهر لكنه يجبُ
المصیرُ إليه.
٤١ - باب العِلمِ وَالعِظَةِ بِاللَّيلِ
١١٥ - حدّثنا صَدَقَةُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَينَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ
أُمِّ سَلَمَةَ، وَعَمْرٍو وَيَحْيِى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمَّ سَلَمَّةَ قَالَتْ: اسْتَيقَظَ
النَّبِيُّ ◌َِّذَاتَ لَيلَةٍ فَقَالَ: ((سُبْحَانَ اللَّهِ مَاَذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتَنِ، وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ

٣٠٢
كتاب العلم
الخَزَائِنِ، أَيقِظُوا صَوَاحِبَ الحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ)). [الحديث
١١٥ - أطرافه في: ١١٢٦، ٣٥٩٩، ٥٨٤٤، ٦٢١٨، ٧٠٦٩].
العِظة: التذكير للغير. والعلم: التذكير لنفسه. والمصنف رحمه الله تعالى يُشير إلى
قوله ◌َّير: ((لا سمر بعد العشاء ... إلخ)) ويقول: إن العلم والعظة ليس من السمر، فيجوز.
قوله: (صدقة) هو محدث متشدد في حق الحنفية، وراجع له نيل الفرقدين.
١١٥ - قوله: (ذات ليلة) قال الرضي: إن كلمة ذات مؤنث ذو، وتكون صفةً لموصوف
محذوف، أي مدة ذات ليلة. وقال العيني رحمه الله تعالى: إنها مقحمة زعماً منه أنها بمعنى
الحقيقة. قلت: وما اختاره الرضي أقرب، فإنه في هذا الباب أحذق.
قوله: (ماذا أنزل) وهذا من باب تجسد المعاني، ثم ما رآه النبي و ◌َلّ فهو أيضاً نحو
من الوجود كالتقدير، فعلى هذا ما يقدر في ليلة البراءة هو أيضاً نحو من الوجود. وقد مر
سابقاً أن للوجود أنحاءً من الجسماني، والرُّوحاني، والمِثالي، والعلمي، والذر، والتقديري
كلها وجودات لشيءٍ واحد. وكذا كل وجود عالم برأسه، فهذه سبع وجودات(١) وسبع
عوالم، وهو الله سبحانه رب العالمين. وسيجيء تحقيقُ عالم الذر بما لم يقرعُ سمعك إن
شاء الله تعالى. وبه ينحلُ حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه: ((أن الله خلق سبع أرضين))
إلخ وقد أشكل على الناس. وألف مولانا محمد قاسم النانوتوي فيه رسالة مستقلة. والوجه
عندي: أن الحديث تعرَّض إلى أنحاء وجُودات الشيء، فالشيء واحدٌ وهو متعددٌ بتعدُدٍ
الوجُودات، لا أنها أشخاصٌ متعددة وأشياء كثيرة فافهم، وستنفعك هذه الإشارة إن شاء الله
تعالى.
قوله: (صواحب الحجر) جمع حُجْرة، ثم إن كانت مُسَقَّفةً فهي بيت، وإلا فحجرة.
وصرح السَّمْهُودي في ((الوفا)) أن لكل من أزواجه وَّر كانت حجرة وبيتاً.
قوله: (رب كاسية عارية) بفقدان العمل ولباس التقوى ذلك خير، وهي إن كانت مرفوعة
فهي جواب رُبَّ، وإن كانت مجرورةً فجوابه محذوف.
٤٢ - باب السَّمَرِ فِي العِلم
١١٦ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ
خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَّيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ
قَالَ: صَلَّى بِنَّا النَّبِيُّ ◌َِّ العِشَاءَّ فِي أَخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ: ((أَرَأَيَتَكُمْ لَيلَتَكُمْ
هذهٍ، فَإِنَّ رَأْسَ مائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ)). [الحديث ١١٦ -
طرفاه في: ٥٦٤، ٦٠١].
(١) ذكرت ههنا ستة، فلعل السابع سقط من الضبط، وعسى أن يكون السابع: الوجود البرزخي، (من المصحح).

٣٠٣
كتاب العلم
وإطلاق السمر في العلم كإطلاق التغني في القرآن، وإلا فالسمر لا يكون إلا في غير
العلم كالقصص والحكايات. وقال النبي وَّرُ: ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن)) وألطفُ شروحِهِ ما
ذكره ابن العربي: أن مراده وضعُ القرآن موضعَ الغناء واختياره مكانه، فإن الغناءَ ألذُ عند عامة
الناسِ، والمطلوب تركه، فإذا تركه لا بد أن يضعَ مكانه شيئاً آخر يتلذذُ به، فعلى المؤمن
الخاشع أن يجعلَ القرآنَ مقامَه ويتنزه قلبه به، ويتركَ ما لا يعنيه، ويشتغل بما يعنيه. ومن لم
يفعل كذلك واشتغل باللهو والغناء وأضاعَ فيه وقته وجعلَ القرآن خلفَ ظهره، فإنه ليس منه وَّل
وليس على طريقه .
قوله: (أرأيتكم) قال النُّحاة: ضميرُ المنفصلِ فيه تأكيدٌ للمتصل. ومعناه: أرأيتم ومحصلُه
أخبرني على حد قول سعدي في بوستان.
"دو لشكر بهم برزدنذا زكمين
توكفتى زدند آسمان برزمين
يعني: لو كنتُ هناك لقلتُ هذا وكذلك معناه، لو كنت فرأيت فأخبرت.
١١٦ - قوله: (لا يبقى) ... إلخ وقد وقعَ في شرحه أغلاطٌ. ومعناه: أن كل من كان
موجوداً في وقت تكلمه على وجه الأرض فإنه لا يتجاوزُ عن هذه المدة، فالذين وُلدُوا بعد
هذه، لم يدخلوا تحت هذه المقُولة، وكذا لا حكمَ فيه بأن عمرَ أمته لا يزيد عليه. ومن ههنا
قال المحدثون: إن دعوى الصحابة بعد تلك المدة باطلة كما ادَّعى بابا رَتَن في "بهتندا " وردَّ
عليه الذهبي فأخطأ في اسمه فكتبه ((بطرند)). وتصحيح اسم لسان من عالم لسان آخر أمرٌ عسير.
وآخرهم وفاةً في مكة إنما هو عامر أبو طفيل، وفي المدينة جابر رضي الله عنه، وأنهما ماتا في
تلك المائة كما أخبر به النبي تَليم .
ثم تكلم في الخضر أنه حي الآن أو مات هو أيضاً؟ ونسب إلى البخاري أنه ليس بحيٍّ.
وعند عامتهم هو حيّ. وأحسن ما يستدل به على حياته ما في ((الإصابة)) بإسناد جيد أنّه خرج
عمر بن عبد العزيز مرة من المسجد ومشى مع رجل يتكلم معه فلم يعرفه الناس، فسألوه عنه
فقال: إنه كان خَضِراً. والعرفاء أيضاً ذهبوا إلى حياته إلا أنهم قالوا: بالبدن المثالي كما صرح
به بحر العلوم. ثم قيل في وجه الجواب: إنه يمكن أن يكون على وجه البحر إذ ذاك لا على
وجه الأرض، فلا يدخل في قضية الحديث.
وعندي هو مخصوصٌ، فإن العموم على التحقيق ظني. ثم هو من رجال الأمم السابقة
وغائب عن الأبصار، فلا بُعدَ في أن لا يشمَلَه الكلام ويبقى خارجاً عنه. ومن زوال كلام البلغاء
لا يراها تأويلاً، بل هو الطريق المسلوك في العبارات.
١١٧ - حدّثنا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ
جُبَيٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ فِي بِيتِ خَالَتِي مَيمُونَةَ بِنْتِ الحَارِثِ، زَوْجِ النَّبِّ ◌ِّره
وَكَانَّ النَّبِيُّ ◌َ عِنْدَهَا فِي لَيَلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ ◌ََّ الِعِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ
رَكَعَاتٍ، ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ: ((نَامَ الغُلَيِّمُ؟)) أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ، فَقُمْتُ عَنْ
يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَينٍ، ثُمَّ نَامَ، حَتَّى

٣٠٤
كتاب العلم
سَمِعْتُ غَطِيطَهُ، أَوْ خَطِيطَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ. [الحديث ١١٧ - أطرافه: ١٣٨، ١٨٣، ٦٩٧،
٦٩٨، ٦٩٩، ٧٢٦، ٧٢٨، ٨٥٩، ٩٢٤، ١١٩٨، ٤٥٦٩، ٤٥٧٠، ٤٥٧١، ٤٥٧٢، ٥٩١٩، ٦٢١٥، ٦٣١٦،
٧٤٥٢].
١١٧ - قوله: (عن ابن عباس) إنما بعثه عباس ليرى صلاةً ليله وَلُهر ولاستيفاء دينه منه، لما
كانت جرت بينه وبين النبي ◌ّلّ معاملة للدين، فكان يستقرض منه ويصرفه في مصارف الزكاة،
ثم يؤديه إذا جاء عنده من مال الزكاة. واعلم أنه اختلف في عدد ركعات صلاة ليله ◌َّ تلك،
فقيل إنها إحدى عشرة وقيل ثلاث عشرة، ولم يترجح واحد منهما .
قوله: (فصلى أربع ركعات ... إلخ) وفهم الحافظ أنها قطعة من صلاة ليله وَل ،
والركعتان الأخيرتان كانتا سنة الفجر. وعندي هي سنهُ بعدِية للعشاء. وصرح الشيخ ابن الهُمام
رحمه الله تعالى بأن المؤكَّدة وإن كانت هي الركعتان، إلا أن الأربع أيضاً مأثور بعد العشاء.
وعند أبي داود عن عائشة رضي الله عنها قال: سألتها عن صلاة رسول الله وَّر، فقالت: ما دخل
رسول الله ◌َّ﴾ بعد العشاء إلا صلى أربع ركعات أو ست ركعات(١).
والتحقيق عندي: أن الراوي جمع فيه قطعتين من صلاته وَّ، فذكر السنة البعدية وخَمْسَاً
من صلاة الليل، وحذف منها الباقي كما هو مصرح عند أبي داود عن سعيد بن جبير. فجاء
فصلى أربعاً ثم نام، فهذه هي السنة البعدية، ثم قام يصلي ... فصلى خمساً. وعند أبي داود:
فصلى ركعتين ركعتين حتى صلى ثماني ركعات، ثم أوتر بخمس لم يجلس بينهن ... إلخ،
فصارت تلك إحدى عشرة ركعة صلى ثمانية منها في سلسلة وخمسة في سلسلة أخرى. فاقتصر
الراوي على إحدى السلسلتين وترك الأخرى.
أما الاستدلال بقوله: أوتر بخمس ... إلخ على خلاف وِتْرية الثلاث فليس بناهض، بل
يُبنى على خفاءِ حقيقة صلاته 18 في تلك الليلة. فاعلم أن صلاته وَّر في تلك الليلة على ما
يظهر من الروايات كانت هكذا: أربع ركعات، وثمان ركعات، وخمس ركعات، وركعتين.
والأرجح عندي في الأربع أنها كانت سنة بعد العشاء كما مر، فمجموع صلاة ليله: ثلاثة عشر،
والركعتان سنة الفجر. فصلى ثماني منها في سلسلة، وخمساً أخرى في سلسلة، يعني صلى
ثماني ركعات، ركعتين ركعتين ولم يجلس بينهما للاستراحة، فصارت تلك سلسلة واحدة ثم
جلس. وليست هذه الجلسة إلا جلسة الاستراحة، لا ما تكون في خلال الصلاة، ثم أتمها
بخمسة أخرى، فصلى ركعتين من صلاة الليل وثلاثاً للوتر في سلسلة واحدة، ثم جلس جلوس
الفراغ، ثم ركع ركعتي الفجر.
(١) قلت: وعن ابن مسعود رضي الله عنه موقوفاً: أربع ركعات بعد العشاء يحاسبن بمثلهن في ليلة القدر لعله حديث
آخر ولم يتيسر لي السؤال عنها أنها السنة البعدية أو صلاة مستقلة. حتى رحل الشيخ إلى جنة النَّعيم، فيمكن أن
تكون الأربع هي هذه.

٣٠٫
كتاب العلم
وإذا كانت صلاته في تلك الليلة هكذا، سرى فيه تفنن العبارات. فذكر بعضهم السنَّة
بعد العشاء، وحذف ثمان ركعات من صلاة ليله، ثم ذكر ركعات الوتر مع قِطعةٍ من صلاة
ليله، ثم ذكر ركعتي الفجر كما هو عند أبي داود عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس قال: بتُ
في بيت خالتي ميمونة بنت الحارث فصلى النبي ◌ّ﴿ العشاء، ثم جاء فصلى أربعاً ثم نام -
وهذا قريب من الصريح في أنها كانت سنة بعد العشاء، لأنه صلاها قبل النوم وبعد العشاء .
ثم قام يُصلي فقمت عن يساره، فأدارني فأقامني عن يمينه، فصلى خمساً ثم نام - وهذه
الخمسة من صلاة ليله، وسقط عنه ذكر الثمانية ههنا - ثم قام فصلى ركعتين ثم خرج فصلى
الغَدَاة. وهذا صريح في أن الركعتين كانتا سنة الفجر، لأنه فَصَلهما عن الخمس وذكرهما عند
الخروج إلى الفرض.
والدليل على أن ذكر الثمانية سقط من الراوي ما عنده عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس
من طريق آخر: أنه قال: قام فصلى ركعتين ركعتين حتى صلى ثماني ركعات، ثم أوتر بخمس
لم يجلس بينهن - وبقي في هذا الطريق ذكر ثنتي الفجر - وأيضاً عنده في تلك القصة أنه صلى
ركعتين خفيفتين ثم سلم، ثم صلى حتى صلى إحدى عشرة ركعة بالوتر ثم نام - فذكر فيه
مجموع عدد صلاة الليل بدون الفصل بين الثمانية والخمس. وقد علمت حال الاختلاف في
بيان العدد المجموع بين إحدى عشرة وثلاث عشرة - فأتاه بلال فقال: الصلاة يا رسول الله،
فقام فركع ركعتين ثم صلى للناس، وهذا أصرح في أنهما كانتا سنة الفجر لا غير - فيذكر الراوي
تارة صلاته قِطعةً قِطعةً لأنها كانت في الخارج كذلك، وتارة يُعطى العدد المجموع لداعية له،
وأخرى قد يتعرض إلى ركعتي الفجر وقد يحذفها. وإذا تبينتَ أن النبيَّ ◌َّ صلى الثمانية في
سلسلةٍ وفصل بين هذه القطعة وقطعة أخرى بعدها لم يبعد حذفها من العبارة أيضاً. ثم إذا لم
يحصل له الفراغ عن صلاة ليله إلا بعد الخمس، تعرض إلى بيانه وقال: أوتر بخمس ثم فرغ
عن صلاته، يعني تمت صلاته على هذا العدد ولم يتجاوزه.
وعبر عنه بقوله: لم يجلس بينهن، أي جلوس الفراغ، لأنه كان بصدد حكاية ما رأى من
كيفية صلاته ◌ّر، ولم يره جالساً جلوس الفارغ إلا بعد الخمس، فرواه كما رأى، وليس هو
بصدد بيان ركعات الوتر فقط أو الجلسات بينهما، وإنما أراد أن يحكيَ عن صورة صلاته في
تلك الليلة. وكان ذهب لذلك فكأنه أراد التصوير على اصطلاح علماء المعاني، ولم يكن منه بدٌ
أن يذكرَ تلك القطعات كذلك. إلَّا أن بعض الرواةٍ لما ذكرها إجمالاً ذكر العدد المجموع فقط،
وبعضهم زاد ونقص حسب ما سنح لهم عند روايتهم.
ثم إن الدليل على أن الوترَ من تلك الخمس كانت هي الثلاث: ما أخرجه مسلم عن ابن
عباس رضي الله عنه في تلك القِصة بعينها وفيه: ثم فعل ذلك ثلاث مراتٍ ستَّ ركعات، كل
ذلك يَستاكُ ويتوضأ ويقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث.
وأشار الحافظ رحمه الله تعالى إلى تفرُّدٍ فيه. قلت: لا تفردَ فيه، بل له متابعاتٌ شتى
أخرجها الطحاوي عن قيس بن سليمان، عن كريب مولى ابن عباس: أن عبد الله بن عباس

٣٠٦
كتاب العلم
حدثه ... ثم أوتر بثلاث، وفيه غلطٌ من الكاتب إنما هو: مَخْرَمة بن سليمان عن أبي إسحاق،
عن المنهال بن عمرو، عن علي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنه وفيه: حتى صلى ست
ركعات وأوتر بثلاث. وعنه عند النسائي عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس
رضي الله عنه قال: كان رسول الله ◌َِّ يوتر بثلاث. وهو عند الطحاوي أيضاً.
فتحصل من هذه المتابعات أن وتر النبي # في تلك الليلة كانت هي الثلاث. وإنما ذكر
معه الركعتين من صلاة الليل لأنهما كانتا صُليتا معه في سلسلة كما علمت. وستعلم إن شاء الله
تعالى أن المطلوبَ في نظر الشارع أن يصلى الوتر مع شيء من صلاة الليل، وهو معنى قوله:
((لا توتروا بثلاث، أوتروا بخمس أو سبع ... إلخ)) فمعنى النهي عن الإيتار بالثلاث إفرازها عن
صلاة الليل، والإيتار بها بدون أن يكون شيء قبلها. أما إذا كان قبلها ركعتان أو أربع ركعات،
فقد خَرَجَ عن معنى النهي، لأن الوتر لما كانت لإيتار صلاة الليل، ناسب أن تكون قِطعة من
صلاة الليل معها، ليظهر معنى الإيتار، وستعرف إن شاء الله تعالى.
وقال مولانا شيخ الهند محمود حسن رحمه الله تعالى: الركعتان مع الوتر ليستا قِطعة من
صلاة الليل، بل هما اللتان تصليان بعد الوتر قاعداً. وقد كان رحمه الله تعالى يُجري هذا
الجواب في حديث عروة أيضاً. قلت: أما الأحاديث في الركعتين بعد الوتر فقد بلغت إلى
الأربع وكلها صحاح، إلا أني لم أختر هذا التوجيه، لأن مالكاً رحمه الله تعالى أنكرهما ولم
يخرج لهما في ((موطئه)) شيئاً، ورآه وهَمَاً مخالفاً لقوله وَ له: ((اجعلوا آخرٍ صلاتكم بالليل وتراً))
فإنه صريح في أن الوتر ينبغي أن يكون في آخر صلاة الليل، وحينئذٍ لو سُلُّم ثبوت الركعتين بعده
لزم أن يكون الآخر هما هاتان، وتفوت آخرية الوتر. والبخاري رحمه الله تعالى وإن أخرجهما
في كتابه إلَّا أنه لم يبوب على هذا اللفظ.
وقد تحقق عندي: أن البخاري رحمه الله تعالى إذا يخرج لفظاً ويكون فيه ضعف عنده لا
يُترجم عليها، فهذا أيضاً دليلٌ على ضعف في المسألة عنده. ثم إن السلف أيضاً كانوا مختلفين
فيها، فحملها على هاتين الركعتين، وإن كان ممكناً في حديث ابن عباس رضي الله عنه، إلا
أني تركته لما علمت آنفاً. أما في حديث عُروة فحملُها على هاتين الركعتين مُشكلٌ، فإن عروةَ
ممن ينكرهما رأساً كما هو في ((قيام الليل)) للمروزي، فهاتان غير ما في حديث عروة قطعاً.
وإن أمكن حملهما عليهما في غير حديثه، إلّا أني لمّا لم أحملْهما في حديث عروة على
الركعتين بعد الوتر لما علمت، وجعلتهما من صلاة الليل. لهذا المعنى أحببتُ أن تكون شاكلةُ
الجواب في كلها واحدة، وإن أمكن الحملُ عليهما في حديث ابن عباس رضي الله عنه .
أما المسألة في هاتين الركعتين فإنهما جائزتان عندي، غير أنهما تصليان قاعداً. وقد
اتضحت لي حكمةُ القعود أيضاً، وهي: إبقاء آخرية الوتر ولو بوجه، فإنها وإن فاتت صورةً
ناسب أن لا تفوت معنى أيضاً، فحرفهما عن شاكلة الصلاة التي صليت قبلهما، لتصير صلاة
متميزةً مستقلةً ممتازةً عما قبلها ويبقى الوتر آخراً فيما جعل لها آخراً، وهي صلاة الليل. وأما
الركعتان بعدها فكأنها صلاة أخرى لم يقصد تأخير الوتر عنها. ولما كان القعودُ فيها لتغيير

٣٠٧
كتاب العلم
الشاكلة وإبقاء آخرية الوتر، كان تصدياً فلو صلاهما قائماً يفوت المعنى. والله تعالى أعلم
بالصواب.
١١٧ - قوله: (نام الغليم) قيل: وهو موضع الترجمة. قال الحافظ رحمه الله تعالى: بل
هو مذكور في طريق آخر عنده في كتاب التفسير، وفيه: فتحدث مع أهله ساعة. قلت: وهو
الصحيح، وهذا هو السمر الذي أراده.
٤٣ - باب حِفظِ العِلم
١١٨ - حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ
الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَوَّلَا أَيْتَانِ فِي كِتَابٍ
اللَّهِ مَّا حَدَّثْتُ حَدِيثاً؛ ثُمَّ يَتْلُو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيْنَتِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ -
﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠]. إِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفقُ بِالأَسْوَاقِ،
وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ العَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلزَمُ رَسُولَ
اللَّهِ أَّهُ بِشِبَعِ بَطْنِهِ، وَيَحْضُرُ مَا لَا يَحْضُرُونَ، وَيَحْفَظُ مَا لَا يَحْفَظُونَ. [الحديث ١١٨ - أطرافه
في: ١١٩، ٢٠٤٧، ٢٣٥٠، ٣٦٤٨، ٧٣٥٤].
١١٩ - حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ أَبُو مُصْعَبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ ،
عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ المَقْبُرَيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي
أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثاً كَثِيراً أَنْسَاهُ؟ قَالَ: ((ابْسُطْ رِدَاءَكَ)). فَبَسَطْتُهُ، قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ:
((ضُمَّهُ)). فَضَمَمْتُهُ، فَمَا نَسِيتُ شَيئاً بَعْدَهُ.
حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيكٍ بِهِذا، أَوْ قَالَ: غَرَفَ بِيَدِهِ فِهِ.
١٢٠ - حدّثنا إِسْماعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللّهِ وَّهَ وِعَاءَيْنِ: فَأَمَّا أَحَدُّهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الْآَخَرُ
فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هذا البُلعُومُ.
١١٩ - (فما نسيتُ بعد) والظاهر عندي عدم نسيانه جميع ما سمعه في عمره، لا أنه يقتصرُ
على هذا المجلس فقط. والعلم الآخر إنما لم يبثه أبو هريرة رضي الله عنه لأنه كان يتعلق بالفتنِ
وأسماء أمراء الجَور، كما نقل في ((حاشية الصحيح)) للشيخ أحمد علي رحمه الله تعالى
فراجعه. ثم إن هذه الأمة إنما ابتُليت بالفتن لأنها رُفعَ عنها عذاب الاستئصال. وعليهم تقوم
الساعة، فابتليت بالفتن للتمحيص.
٤٤ - باب الإِنْصَاتِ لِلعُلَمَاءِ
١٢١ - حدّثنا حَجَّاجٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي
زُرْعَةَ، عَنْ جَرِيرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: ((اسْتَنْصِتِ النَّاسَ)) فَقَالَ: ((لَا

٣٠٨
كتاب العلم
تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْض)). [الحديث ١٢١ - أطرافه في: ٤٤٠٥، ٦٨٦٩،
٧٠٨٠].
وقد مر أن الإنصات صموت للاستماع. ومعناه توجيه الحواسِّ نحو المتكلم لما يُلقي إليه
منه. وفي كتب غريب الحديث: أنه بمعنى سكتَ سكوتَ مُستمع، فقيل: إنه تقييد، وقيل:
تشبيه فقط. والأول يفيدنا في مسألة القراءة خلف الإمام، وإن كان الثاني فلا يفيدنا، فإن معناه
حينئذٍ أن يكون حالهُ مشابهاً لحالِ المستمع وإن لم يكن مُستمعاً حقيقة. وقد مر مني أن الآية
تقتصر على الجهرية فقط، فلا تقوم حجةً عليهم في حق السرية .
١٢١ - قوله: (رقاب بعض) مفعولٌ مطلق، أو حالٌ للتشبيه.
٤٥ - باب مَا يُسْتَحَبُّ لِلعَالِمِ إِذَا سُئِلَ:
أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَيَكِلُ العِلمَ إِلَى اللَّهِ
١٢٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ:
أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيرٍ قَالَ: قُلتُ لإِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفاً البِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسى لَيسَ
بِمُوسى بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنَّمَا هُوَ مُوسى آخَرُ؟ فَقَالَ كَذَبَ عَدُوُّ اللّهِ، حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ،
عَنِ النَّبِيِّ ◌َِّ قَالَ: ((قَامَ مُوسى النَّبِيُّ خَطِيباً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟
فَقَالَ: أَنَّا أَعْلَمُ، فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلمَ إِلَيهِ، فَأَوْحِى اللَّهُ إِلَيهِ أَنَّ عَبْداً مِنْ
عِبَادِي بِمَجْمَعِ البَحْرَينِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيفَ بِهِ؟ فَقِيلَ لَّهُ: احْمِل حُوتاً
فِي مِكْتَلِ، فَإِذَا فَقَدْتَهُ، فَهُوَ ثَمَّ، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ وَحَمَلَا حُوتاً فِي
مِكْتَلٍ، حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُؤُوسَهُمَا وَنَامَا، فَانْسَلَّ الحُوتُ مِنَ المِكْتَلِ،
﴿فَتَّخَذُ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ سَرَبًا ﴿®﴾، وَكَانَ لِمُوسى وَفَتَاهُ عَجَباً، فَانْطَلَفَا بَقِيَّةَ لَيلَتِهِمَّا
وَيَوْمِهِمَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ مُوسى لِفَتَاهُ: ﴿ءَإِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾
[الكهف: ٦٢] وَلَمْ يَجِدْ مُوسى مَسّاً مِنَ النَّصَبِ حَتَّى جاوَزَ المَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ. فَقَالَ لَهُ
فَتَاهُ: ﴿أَرَءَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّيْ نَسِيتُ اَلَمُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣] قَالَ مُوسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا
نَبْغَّ فَارْتَدًا عَلَىَّ ءَثَارِهِمَا قَصَصًا (﴿3﴾ [الكهف: ٦٤] فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، إِذَا رَجُلٌ مُسَجّى
بِثَوْبٍ، أَوْ قَالَ: تَسَجَّى بِثَوْبِهِ، فَسَلَّمَ مُوسى، فَقَالَ الخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟
فَقَالَ: أَنَا مُوسى، فَقَالَ: مُوسى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ مُوسَى: ﴿هَلْ أَتَِّعُكَ عَلَّ
[الكهف: ٦٦ - ٦٧] يَا
أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشِدًا ﴿ قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا
مُوسى، إِنِّي عَلَى عِلم مِنْ عِلم اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لَّا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلم عَلَّمَكَهُ لَا
﴾ [الكهف: ٢٩] فَانْطَلَقَا
أَعْلَمُهُ. ﴿قَالَ سَتَجِدُنِّ إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِى لَكَ أَمْرًا (٦)
يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ البَحْرِ، لَيسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ
يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الخَضِرُ، فَحَمَلُوهُما بِغَيرٍ نَوْلٍ، فَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفٍ

٣٠٩
كتاب العلم
السَّفِينَةِ، فَتَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَينِ فِي البَحْرِ، فَقَالَ الخَضِرُ: يَا مُوسى مَا نَقَصَ عِلمِي
وَعِلمُكَ مِنْ عِلم اللَّهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هذا العُضَفُورِ فِي البَحْرِ، فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوْحِ مِنْ
أَلوَاحِ السَّفِينَةِ فَتَزَّعَهُ، فَقَالَ مُوسى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلِ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَها
قَالَ لَا نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ﴾
لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا؟ ﴿ قَالَ أَلَمَّ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا
[الكهف: ٧٢ - ٧٣]؛ فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسى نِسْيَاناً ﴿فَانْطَلَقَا﴾ فَإِذَا غُلَامٌ يَلعَبُ مَعَ
الغِلمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلَاهُ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مُوسى: ﴿أَقَلْتَ نَفْسًا
٧٥)
قَالَ أَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا
زَّكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف: ٧٤]
[الكهف: ٧٥]. قَالَ ابْنُ عُيَينَةَ: وَهذا أَوْكَدُ ﴿فَأَنْطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا
فَأَبَوْ أَنِ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] قَالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ، فَأَقَامَهُ،
﴿ قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٧ -
فَقَالَ لَهُ مُوسى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَنَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا
٧٨]، قَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسى، لَوَدِذْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا)).
وقد مر أن الاختلافَ فيه إنما كان لأن هذه القِصة لم تكن في التوراة، لأنها عَرَضت في
التِّيه، وكانت التوراة نزلت قبل ذلك.
١٢٢ - قوله: (ليس موسى بنى إسرائيل) وهذا اختلافٌ آخر. وقد مر التنبيه على تعدد
الاختلاف فيه .
قوله: (هو أعلم منك) مناقشةٌ لفظيةٌ لتركِهِ الأليق بشأنه، فإن الأدب في مثل هذه المواضع
أن يُوكل العلم إلى الله سبحانه ولا يحكمُ من عند نفسه بشيء.
قوله: (وكان لموسى وفتاه عجباً) وإنما تعجّب فتاه إذ ذاك لأنه كان مستيقظاً ناظراً إلى
عجائب قدرته تعالى من حياته واتخاذه في الماء سرباً. أما موسى عليه السلام فكان نائماً وإنما
تعجّب بعد ما استيقظ وعِلم قِصة الحوت.
قوله: (نصباً) وإنما ألقي عليه النصب تكويناً، مع الأمر بالانطلاق تشريعاً، فكان مأموراً
بالانطلاق ومع ذلك يُلقى عليه النَّصبُ من جهة التكوين، فعلم: أنهما بابان قد يتحدان
وقد يتخالفان، فلا يوافقُ التشريع التكوين، ولا التكوينُ التشريع دائماً، والنجاةُ في اتباع
التشريع دون التكوين كائناً ما كان، وكذلك ألقي عليه النسيان تكويناً فلا بُعد في نِسيانه مرة
بعد مرة.
قوله: (قصصاً) "بير ديكهتى هوئى".
قوله: (مُسجى) وفي طريقه على متن البحر مضطجعاً .
قوله: (أنى بأرضك السلام) ولعله رد عليه السلام، ثم قال ذلك.
قوله: (خضر) نبي عند الجمهور، وليس داخلاً تحت شريعة موسى عليه السلام.

٣١٠
كتاب العلم
قوله: (أنت على علم ... إلخ) ولذا قلت: إن الأعلم في قول موسى عليه السلام كان
على العرف، فعند هذا طرفٌ من العلم وعند هذا طرف، والبعض مشتركٌ وإنما الفضل لموسى
عليه السلام.
قوله: (فجاءت عصفورة) وهو أيضاً تكوينٌ ليضرب له مثلاً. وعلم منه عقيدة النبيين في
علم الله تعالى وأنه لا يُوازى بعلم الله شيء.
قوله: (أقل لك) كلمة لك لمزيد التأكيد. قال الزمخشري: وكنت في سفر فقلت لأعرابي
وهذا الشغدف، فقال: نعم هذا شغنداف، كما يقال في الهندية "روتى بك كئى؟ جواب دياجائى
كه روتى بلكه روت!" ثم الزمخشري يمر على مواضع من القرآن وربما يقول: إنه لمزيد
التصوير، كما يقال: سمعت بأذني ورأيت بعيني ومراده في الهندية: "فوتؤاتارنا" على حد قول
الشاعر :
فعولان بالألباب ما تفعل الخمر
وعينان قال اللّهُ كونا فكانتا
فقوله: (كونا)) ههنا ألطف ما يكون، يعجِزُ عن إدراكه المعقولي، فإنه يقول: إن كل شيء
بتكوين من الله تعالى، فلا وجه لتخصيص العينين. وسئل الشيخ صلاح الدين الصفدي السُّبكي
عن قوله: إن واستطعماها، أوجز من قوله: ﴿أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ [الكهف: ٧٧] فأجاب عنه السبكي
وبيَّن الفرقَ بينهما ونكتة هذا التطويل (١) .
قوله: (يريد أن ينقض) نسبَ فيه الفعلَ إلى الجماد، وهو مليحٌ جداً عند البلغاء.
قوله: (لو صبر ... إلخ) انكشف فيه عقيدة خاتم الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام في حق
علمِهِ أيضاً .
قوله: (أقتلت) وقد روي في التفاسير أن خَضِراً عليه الصَّلاة والسَّلام نَزَعَ اللحم عن كتفِهِ
وأراه، فإذا فيه طبع يوم طبع: كافراً، وهذا لا يخالف حديث الفِطرة وسيجيء في موضعه
تحقيقه .
٤٦ - باب مَنْ سَأَلَ وَهُوَ قَائِمٌ عَائِماً جالساً
أي أن السائلَ قائمٌ والمسؤول عنه جالس، فهذا مجلسٌ سَطحي ليس فيه اهتمام بالفقه .
فهل يجوز السؤال في مثل هذا الحال؟ أو يقال: إنه كان عنده حديث في هذا المضمون، فأراد
أن لا يتركه خالياً عن الترجمة ويستفيدَ منه مَسْألة. وقد نُقل عن مالك ما يدلُ على أنه كان يكرهُ
ذلك، فإنه مر على شيخ يحدث قوماً، فلم ير في المجلس فُسحةً فلم يقف، وذهب إلى وجهه
(١) قلت: والأسف كل الأسف على أنه لم يذكر ماذا كان جوابه، وقد استشكل جوابه على الفحول ذكره الشيخ بهاء
الدين بن التقي السبكي عن والده التقي السبكي مفصلاً في كتابه («عروس الأفراح)) في بحث مسألة: وضع المُظهرِ
موضعَ المَضمر، فراجعه إن شئت: من البنوري (المصحح).

٣١١
كتاب العلم
ولم يجلس فيه، وقال: كرهت أن أُسمِعَ الأحاديث وإني قائم. وكان إذا حدَّث حدث بالوقَار
والتؤَدة .
١٢٣ - حدّثنا عُثْمَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِيِ
مُوسى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِّنَلِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا القِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَإِنَّ
أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَباً، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، فَرَفَعَ إِلَيهِ رَأْسَهُ - قَالَ: وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسِهُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ
قَائِماً - فَقَالَ: ((مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ العُليَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ).
[الحديث ١٢٣ - أطرافه في: ٢٨١٠، ٣١٢٦، ٧٤٥٨].
١٢٣ - قوله: (فرفع رأسه) لأنه كان جالساً وكان السائل قائماً.
قوله: (فقال) لم يتعرض إلى استقصاءِ الأقسامِ واستيفاءِ الوجوه، بل عَدَلَ إلى مراده.
قوله: (فإن أحدنا) والفاء ليست للتعليل على طريق المعقوليين بل لمجرد التناسب.
وحاصله: أني أرى القتال على أنحاء.
قوله: (لتكون كلمة الله هي العليا) حُكِي أن تيمورَ لما قَتَلَ قوماً وجمع هامات المقتولين
ووضع عليها سريره، واستوى عليها ظلماً وعلواً، سأل علماءَهم عن قتله هؤلاء، فتقدم للجواب
من كان أهدى منهم، وقال: من قاتل لتكونَ كلمةُ الله هي العليا فهو في سبيل الله، ففطِن أنه رام
به تخلیص نفسه، فترکه.
٤٧ - باب السُّؤَالِ وَالفُتْيَا عِنْدَ رَمْي الحِمَارِ
١٢٤ - حدّثنا أَبُو نُعَيمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ
عِيسى بْنِ طَلحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: رَأَيثُ النَّبِيَّ ◌َّهِ عِنْدَ الجَمْرَةِ وَهُوَ يُسْأَلُ،
فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَحَرَّتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: ((ارْم وَلَا حَرَجَ)) قَالَ آخَرُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ؟ قَالَ: ((انْحَرْ وَلَا حَرَجَ))، فَمَّا سُئِلَ عَنْ شَيءٍ قُدِّمَ وَلَا
أُخْرَ إِلَّا قَالَ: ((افعَل وَلَا حَرَجَ)).
وعند الترمذي: السعي ورمي الجمار لإقامة ذكر الله. ولما كان هذان الفعلان خاليين عن
معنى الذكر ظاهراً، تعرض إليهما خاصة. ونبه على أنهما أيضاً لإقامة ذكر الله، فإنهما كانا من
أفعال المُقربين، فأدخلهما الله تعالى في الحج وجعلَ حِكاية أفعالهم وتذكيرها ذكراً برأسه.
ويفعلُ اللَّهُ ما يشاء ويحكمُ ما يريد.
وغرضُ البخاري أن هاتين إذا كانتا عبادة فالسؤال في خلال الذكر قادحٌ أم لا؟ أو نظره
إلى ما روي ما حاصله: أن لا يقضي القاضي في حالة غير مطمئنة. وهذا أوانُ الذكر، فهل يفتي
في تلك الحال بشيء؟ والجواب على الأول: أن الفُتيا ليس بقادح في الذكر، لأنه أيضاً ذكر.
وعلى الثاني أنه جائزٌ للمتيقظِ الفطنِ. ورأيت في تذكرة بعض المحدثين أن الطلبة كانوا يقرؤون

٣١٢
كتاب العلم
عليه، فكان يجيبُ كلاً في زمان واحدٍ، ويميزُ ما كان غلطهم من صوابهم، فهذا أمرٌ يختلفُ فيه
أحوال الناس. وذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاءً.
٤٨ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿وَمَآ أُوْتِلْتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾
١٢٥ - حدّثنا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ
سُلَيْمَانٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ نَّهُ فِي
خَرِبَ المَدِينَةِ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:
سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ، لَا يَجِيءٌ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ:
لَنَسْأَلَنَّهُ، فَقَامَ رَّجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِم مَا الرُّوحُ؟ فَسَكَتَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحِى إِلَيْهِ،
فَقُمْتُ، فَلَمَّا أَنْجَلَى عَنْهُ فَقَالَ: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنَّ الزُّوَجْ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ وَمَآ أُوِتُم مِّنَ الْعِلْمِ
[الإسراء: ٨٥] قَالَ الأَعْمَشُ: هُكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا. [الحديث ١٢٥ - أطرافه في:
إِلَّا قَلِيلًا (٥َالم
٤٧٢١، ٧٢٩٧، ٧٤٥٦، ٧٤٦٢].
وفي بعض الروايات الصحيحة أن هذا السؤال كان في مكة. وفي أخرى أنه كان في
المدينة. وعندي كلاهما صحيح. واعلم أن الروح قد يطلق ويراد به المَلَك، قال الله تعالى:
﴿فَزَّلُ الْمَلَبِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ [القدر: ٤] وقد يُطلق ويقصد به المدبِّر للبدن، أعني الروح المنفوخة في
الجسد. وادعى الحافظ ابن القيم رحمه الله أن المراد منه في تلك الآية هو المعنى الأول. وأما
المعنى الثاني فلم يُذكر في القرآن إلا بلفظ النَّفس. ولم يُستعمل هذا اللفظ في المدبِّر للبدن
وإذن سؤالهم عن الملك.
قلت: ولعل المراد منه ههنا هو المعنى الثاني، أي المدبر للبدن، لأن السؤال عنه هو
الدائرُ السائر بين الناس. أما الروح بمعنى المَلَك فلا يَعرفونَه غير أهل العلم، فينبغي أن تحملَ
الآية على المتعارف وإطلاقه على المدبر للبدن ثبت في الأحاديث. روى الحافظ عن ابن عباس
رضي الله عنهما أن الروحَ مخلوقٌ من مخلوقات الله تعالى ... إلخ ونقله السُّهيلي في ((الروض))
وجعله موقوفاً .
وما كنت أفهمُ مرادَه حتى طالعت كلام السُّهَيْلي رحمه الله فإنه قال: إن نسبة المَلَك إلى
الروح كنسبة البشر إلى الملك، فكما أن الملائكة ينظرون إلينا ولا نراهم، كذلك الروح ترى
الملائكة ولا يرونها، فتبين أنه ليس مراده كونها مخلوقة لله تعالى فقط فإنه أمر ظاهر، بل
المرادُ أنه نوع مستقلٌ مخلوق لله تعالى كالملائكة والإنسان. والفرق بين الروح والنفس لا
تجدُ ألطفَ من كلام السُّهيلي، فراجعه. وما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى يبنى على
مكاشفات الصوفية.
١٢٥ - قوله: (من أمر ربي) واختلفوا أنهم هل أجيب لهم فيها أم لا؟ فقيل: لا، وقيل:

٣١٣
كتاب العلم
نعم. ومنهم الغَزَالي، وكذلك اختلف في تفسير عالم الأمر والخَلْق، فقيل: إن المشهودَ عالم
الخَلْقِ والغائب عالم الأمر، فما كان من عالم الأمر لا يمكنُ فهمُ كُنْهِهِ لمن كان من عالم
الشهادة. وأن المرءَ يقيسُ على نفسه مثل سائر. وقال المفسرون: إن الخلق عالم التكوين
والأمر عالم التشريع.
وحينئذٍ حاصل الجواب: أن الروحَ من أمره تعالى أمرها. فوجدت من أمره تعالى. ولما
لم تُعطوا من العلم إلا قليلاً فلا ينكشفُ عليكم حقيقتها أزيد منه، وعلى هذا فكأنهم مُنعوا عن
السؤال عنها والخوض فيها، فلا يجوزُ البحث فيها إلا بعد رعاية قواعد الشريعة.
وقال الشيخ المجدد السَّرهندي رحمه الله تعالى: إن تحت العرش عالم الخلق،
وما فوقه عالم الأمر. وذهب الشيخ الأكبر رحمه الله تعالى: إلى أن ما خلق الله من كُتم
العدم، بلفظ: كن، فهو عالم الأمر. وما خلق شيئاً من شيء كالإنسان من الطين، فهو عالم
الخلق.
قلت: والشيءُ الأول يقال له: المادة، وهو مُسلَّمٌ عند الكل ولا ينكرها إلا مكابر. أما
الهيولى فليس بشيء إنما هو أوهامهم غلبت عليهم. وقد قيل: إن الوهم خلاق. والذي تحقق
عندي في بيان مراده أمر آخر ويتوقف على مقدمة وهي: أن المتكلمين قالوا: إن الفعل مختصّ
بذي شعور، ومَنْ لا شعور فيه لا فعل له. وأقر الطوسي في ((شرح الإشارات)) والصدر الشيرازي
صاحب ((الشمس البازغة)): على أن للطبيعة شعوراً.
وأقول: يمكن عندي أن يصدر الفعلُ ممن لا شعور له أيضاً، لكن لا بد من انتهائه إلى
ذي شعور. كما أن ابن سينا خمَّس الحركة وسمَّى نوعاً منها حركة التسخير. والحاصل: أن
الفعل لا بد أن ينتهي إلى شعور أو إلى ذي شعور. وإذا علمت هذا فاعلم أن القرآن لم
يتعرض في الجواب إلى حقيقة الروح ومادتِهِ، بل ذكر العلة الصُّورية فقط، ويريدُ أن الروحَ
محرٌِ للبدن وانتهاء شعورها أمرُ الرب، فهذا علتها الصورية فقط. أما حقيقتها فلا يعلمها إلا
هو (١).
٤٩ - باب مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الإِخْتِيَارِ مَخَافَةَ
أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ فَيَقَعُوا فِي أَشَدَّ مِنْهُ
١٢٦ - حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ
قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ الزُّبَيرِ: كَانَتْ عَائِشَةُ تُسِرُّ إِلَيكَ كَثِيراً، فَمَا حَدَّثَّتْكَ فِي الكَعْبَةِ؟ قُلتُ:
قَالَتْ لِي: قَالَ النَّبِيُّ ◌ِهِ: ((يَا عَائِشَةُ لَوْلَا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ - قَالَ ابْنُ الزُّبَيرِ - بِكُفرٍ،
(١) قلت: ولم يتحصل لي في تقرير مرادِهِ مع تفكر تام غير هذه الجمل، فهي ضالةُ الحكيم، فمن وَجَدَها فهو أحق
بها، ويحتمل أن تكون سقطت عند الضبط فأشكّلَ الغرض.

٣١٤
كتاب العلم
لَنَقَضْتُ الكَعْبَةَ، فَجَعَلتُ لَهَا بَابَينِ: بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ وَبَابٌ يَخْرُجُون)). فَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيرِ .
[الحديث ١٢٦ - أطرافه في: ١٥٨٣، ١٥٨٤، ١٥٨٥، ١٥٨٦، ٣٣٦٨، ٤٤٨٤، ٧٢٤٣].
يريدُ أنَّ العملَ بالمرجوح مع العلم بالراجح جائزٌ إذا كانت فيه مصلحة.
قوله: (الاختيارات) أي الجائزات. وكان النبي ◌َّ أراد أن يُردَّ بناء البيت إلى البناء
الإبراهيمي، إلّا أنه لم يفعله لما في الحديث. وترك هذا الاختيار وهو موضع الترجمة.
٥٠ - باب مَنْ خَصَّ بِالعِلمِ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ كَرَاهِيَةَ أَنْ لاَ يَفْهَمُوا
وَقَالَ عَلِيٍّ: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
١٢٧ - حدّثنا عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى، عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذٍ، عَنْ أَبِي الطَّفَيلِ عَنْ عَلِيّ
بِذلِكَ.
١٢٨ - حدّثنا إِسْحاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ
قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّـ وَمُعَاذْ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ - قَالَ: (يَا
مُعَاذُ بْن جَبَلٍ)) قَالَ: لَبَّيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيكَ، قَالَ: ((يَا مُعَاذُ)). قَالَ لَبَّيَكَ يَا رَسُولَ
اللَّهِ وَسَعْدَيكُ ثَلَاثاً، قَالَ: ((ما مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ
صِدْقاً مِنْ قَلبِهِ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ))، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أَخْبِرُ بِهِ النَّاسَ
فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: ((إِذاً يَتَّكِلُوا)) وَأَخْبَرَ بِهَاَ مُعَاذْ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثَّماً. [الحديث ١٢٨ - طرفه في:
١٢٩ ].
١٢٩ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَساً قَالَ:
ذُكِرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ ◌ََّ قَالَ لِمُعَاذٍ: ((مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيئاً دَخَلَ الجَنَّةَ)). قَالَ: أَلَا
أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: ((لَا، إِنِّي أَخافُ أَنْ يَتَّكِلُوا)).
يعني العلم شيءٌ شريف فهل يخصُّ به أحداً دون أحد؟ فكان الباب الأول في الفرق بين
الفَطِن الذكي والبليد الغبي. وهذا البابُ في الفرق بين الشريف والوضيع.
١٢٨ - قوله: (إلا حرمه الله) واستشكله الناس. فإن ظاهره يدلُ على أنه لا حاجة للنجاة
إلى سائر الفرائض، بل تكفي لها كلمةُ التوحيد فقط فحملَهُ بعضهم على زمنٍ قبل زمان نزول
الأحكام. فإن مدارَ النجاة إذ ذاك كان هو التوحيد فقط. فعند مسلم في باب الرخصة في
التخلف عن الجماعة، عَن عِثْبان: فإن الله قد حرَّم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك
وجه الله. وفي الرواية التي بعده قال الزُّهري: ثم نزلت بعد ذلك فرائض وأمور، نرى أن الأمر
انتهى إليها، فمن استطاعَ أن لا يغير فلا يغير.
قلت: وهو بعيد جداً، فإن الراوي معاذ بن جبل وهو أنصاريٌّ، ولا يمكنُ عدم نزول حكم
إلا ورودَهم في المدينة، زادها الله شرفاً. وبعضهم قَسَم النار أي: نار الكفار ونار عصاة

٣١٥
كتاب العلم
المؤمنين (١) وحملوها على الأول. أقول: وتقسيمُ النار وإن كان صحيحاً في نفسه لكنه لا يصلحُ
شرحاً للحديث. وقد صح في الأحاديث اختلاف أنواع العذاب.
أقول: والصواب عندي أن الائتمارَ بالطاعات والانتهاء عن المعاصي مراعى ههنا أيضاً
وإن حذف ذكره من العبادة، لأن الشارعَ لما فرغ من ذكرها مرة وتفصيلها باباً باباً، والترغيب
فيها طاعة طاعة، والتحذير عنها معصية معصية، فقد استغنى عن تكريره في كل موضعٍ، لأنه بيَّنَ
وأكَّد لسليم الفطرة أن هذه الأشياء أيضاً دخيلة في النجاة عنده، فلم تبق له حاجة إلىّ القيود في
كل مرة، وهو الطريقُ المسلوك في العرف، فإنهم يرون المعلوم كالمذكور، وإنما يستوفون
الكلام فيما يتعسر انتقال الذهن إليه.
وإنما خصَّ الكلمةَ من بين سائر الأجزاء لكونها أساساً وأصلاً ومداراً للحياة الأبدية، فهي
المؤثرة حقيقة. والأعمال وإن كانت دخيلة فى تحريم النار، إلا أن المُؤَثِرة فيها هي تلك
الكلمة. ثم تلك الكلمة وإن كانت هي المؤثرة، لكنها لا غنية بها عن تلك الأعمال. فالحاصل
أن تحريم النار وإن دار بالمجموع لكنه خُصَّ من هذا المجموع ما كان أهم من بينها، وهو تلك
الكلمة كالأصل للشجرة، فإنه لا حياةً لها بدون الأصل. ثم إن هذه القاعدة مُطَردةٌ في جميع ما
ورَدَ فيه الوعد والوعيد، فلا يتعرضُ فيه إلى وجود شرط ورفع مانع، فإنه يكون عنده ملحوظاً
على كنهه. وإنما يذكر الكلام مرسلاً لظهوره.
ثم اعلم أن من فطرةِ الإنسان أنه يجعلُ كلياتٍ من عند نفسه، وليس هذا إلا لعدم إحاطته
بأطراف الشيء وجوانبه، وليس حال العامة كالطبيب، فإنه إذ يحكم على دواءه بأنه مفيد أو
مضر، لا يحكم إلا بظنه الغالب، لكن إذا جاءَه واحدٌ من الأغبياء يجعله كلياً ويزعمُ أنه مفيد
أبداً ولا يمكن عنده خلاف ذلك، حتى إذا تخلَّف عنه الحكمُ مرةً يسبُّ الطبيب ويكذبُهُ، ولا
يدري أنه لا يسبُّ إلا نفسه. فكذلك إذا أخبر الشارع عن أشياء غائبة وإن كان حكمُهُ عليها
(١) ومما يدل على ذلك ما رواه مسلم في باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار عن أبي سعيد قال: قال
رسول الله مثل: ((أما أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يَحْيَون، ولكن ناسٌ منكم أصابتهم النار
بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فأمَاتَهم الله تعالى إماتَةً، حتى إذا كانوا فُحْماً أذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر .
أي جماعات - فبثوا على نار الجنة)) إلخ. قال النووي: هذه الأماتةُ إماتةٌ حقيقية يذهبُ معها الإحساس، ويكون
عذابهم على قَدْر ذنوبهم ثم يميتهم، ثم يكونون محبوسين في النار من غير إحساس المدة التي قدَّرها الله تعالى
ثم يخرجون من النار موتى.
والوجه الثاني ما حكاه عن القاضي عياض: أنه ليس بموت حقيقي ولكن يغيب عنهم إحساسهم بالآلام، قال:
ويجوز أن تكون آلامهم أخف. انتهى مختصراً جداً. وقال الحافظ رحمه الله تعالى في ((الفتح)): ووقع في حديث
أبي هريرة أنهم إذا دخلوا النار فإذا أراد الله تعالى إخراجهم أحسَّهم ألمَ العذاب تلك الساعة. اهـ.
ووجدت فيه زيادة في تقرير الفاضل عبد العزيز أن فيه رواية في ((البدور السافرة» تدل على أنهم لا يكون لهم
حِسٌّ ما داموا في النار، فإذا أخرجوا أحسُّوه من ساعته كما ذكره الحافظ رحمه الله تعالى، ففيه دليلٌ على تعدد
النارين.

٣١٦
كتاب العلم
قطعياً، لكن تكون هناك شرائطَ وموانعَ معتبرة عنده، فيجيءُ واحدٌ من الأشقياء ولا يُراعي تلك
الشرائط والموانع ويجعلُ الكلامَ المرسل كلياً. ثم إذا تخلّف عنده الحكم يضطربُ ويقلقُ، فلا
يلومن إلا نفسه .
ولما كان حالُ الإنسان بين طرفي نقيض فقد يتداوى بدواء ويكون عندَه أنه نافعٌ قطعاً فلم
ينفعه، فإنه لا يكذبُ نفسه، ولا يلزمُ الطبيب، ولكنه يعللُ تارة بأن الدواء كان رديئاً، أو لم
يستعمله على وجهه، أو عدم حمايتِهِ نفسَه عن المضرات. ولكنه إذا مر على آية من آيات الله أو
حديث من أحاديث رسوله بَّهُ ويبدو له فيه قلقٌ، فإنه لا يتعللُ بشيء ولا يطمئنُ قلبه بحال حتى
﴾ [عبس: ١٧] فلا يخلو حالُهُ إلا من حُمق جلي، أو
يكونَ أولَ كافرٍ به. ﴿قُئِلَ الْإِسَنُ مَآ أَكْفَرَهُ
نفاق خفي.
والجواب الآخر: أن الشارع ذكر الخواص على طريق ((التذكرة)) دون ((القرابادين))
والتذكرة في مصطلح الطب: ما تذكر فيها خواص المفردات. والقرابادين: ما تذكر فيها
خواص المُرَكبات. فحكمُهُ على العبادات وذكر خواصِّها على طور التذكرة فقط، ولا يمكنُ
غيره في الدنيا، فإن التركيبَ لا يحصلُ إلا بعد انصرام العالم، فحكمه أيضاً لا يظهر إلا
هناك. وهذا كالطبيب يحكمُ على المفردات أن هذا سُمّ، وهذا تِرْيَاقٌ، وهذا مُسهِّلٌ، وهذا
قَابِضٌ، ثم إذا رَّب دواءً من الأشياء الحارة والباردة معاً وكسر هذا سورة هذا، يخرج من
بينها مزاجٌ ثالثٌ مع وجود الدواء الحار والبارد فيه ولا يأتي فيه قال وقيل، ولا يكذبُهُ أحدٌ
لأنه ما كان ذكر من حرارته وبرودته إنما كان حاله بانفراده، فإذا مزج أحدهما بالآخر خرج منه
مزاج آخر.
وهكذا كلمة التوحيد فإنها تحرِّم النارَ بلا مِرية ولا فرية، إلا أنها إذا خالطتها المعاصي
ماذا يصير مزاجه، فالله أعلم به. نعم، إن غلبت آثار الكلمة على المعاصي جرَّته إلى الجنة،
وإن كان غير ذلك فالعياذ بالله. وإذا علمت أن المزاجَ المركبَ لا يحصلُ إلا في الآخرة،
علمت أن مطالبةَ ((القرابادين)) في الحالة الراهنة جهلٌ وسَفَهٌ، وكأنه استخبارٌ عن أمرٍ لم يوجد
بعد ومآلَهُ الاطلاع على التقدير. وكذا المنعُ من بيان ((التذكرة)) أيضاً حمقٌ وغَبَاوةٌ، فإن في عدمِ
الذكرِ مطلقاً ضررُ الأمة، فإنه وإن لم يحصل عندها بالتذكرة العلمُ التام لكنه لم يبق مجهولاً
مطلقاً أيضاً وحصل نحو من العلم.
فإن قلتَ: ففي ذكر ((التذكرة)) بعض حرج وإشكالات. قلت: لا إشكالَ فيها للفطرة
السليمة والجاهل بمعزل عن النظر، وبمثله ينحل حديث الكفارات. فإن الصلاةً إلى الصلاة مثلاً
لما صارت كفارةً ولم يبق له ذنبٌ، فماذا تصنع المكفرَّاتِ الأُخر. وحله: أن مجموعَ المكفرات
دخيلة في مجموع المعاصي، ولا يحصل هذا المجموع إلَّا في الآخرة. ولكن الشارع لما أراد
الاطلاع على قطعة قطعة، جاء التعبيرُ كما ترى.
قوله من كان آخر كلامه وليس المرادُ من الكلمة ههنا ما كانت على طريق العقيدة، بل هي
عملٌ من الأعمال الصالحة وحسنةٌ من حسناته، أجرُها عند الرحيل هو النجاة، فهذه فضيلةٌ لمن

٣١٧
كتاب العلم
جرت تلك الكلمةُ على لسانه. ولما كانت على طريق الأذكارِ دون الإِيمان فلا يحكم بالكفرِ
على مَنْ لم تجر تلك الكلمة على لسانه. ومعنى الآخرية أن لا يجري على لسانه بعدها شيء من
كلام الدنيا، فمن قالها وأغمي عليه ليلاً مثلاً ومات فيه ولم يفق، فإِنه يُرجى له هذا الأجر
الموعود إن شاء الله تعالى.
قوله: (إذاً يُتكلوا) قد يسبقُ إلى الأذهان أن المرادَ منه الاتكالَ عن الفرائض، لأن الكلمةَ
المجردة إذا صارت كفيلةً للنجاة فلم تبق حاجةٌ إلى الأعمال الأُخر. وليس بمراد قطعاً بل
المرادُ الاتكال من فضائل الأعمال وفواضلها، لأن الإِنسانَ أرغبُ في دفع المضرة من جلب
المنفعة، فإِذا علم أنَّ الكلمةَ والفرائض تكفي له لدفع النار، ذهب يقنع عليها، ويتكاسل عن
النوافل، ولا يسابق إلى المدارج العليا .
وقد حكى الله سبحانه عن فطرته تلك بقوله: ﴿الْكَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَ فِيَكُمْ
ضَعْفًا ... الخ﴾ [الأنفال: ٦٦] فالإِنسان لا يزالُ مجتهداً في آخرِهِ، فإِذا تيقنَ نجاته فتر. وهذا أمرٌ
مركوز في خاطره، ولذا منعه النبي ◌َّر عن إخباره لأن الاكتفاءَ بالفرائض والافترارَ عن الفضائل
نقيصةٌ لهم وحِرمان عن الطبقات العُلى، فأحب أن لا يتكلوا ويجتهدوا في معالي الأمور،
لأن الله تعالى يحب معالي الهمم، وقد مدح حسان النبي ◌َّر بقوله:
له هممٌ لا مُنتَهى لكبارها
وهمته الصغرى أجل من الدهر
والدليل على أن المراد من الاتكال هو الاتكال عن الفرائض وأنه في طلب الدرجات ما
رواه الترمذي عن معاذ بن جبل في هذا الحديث: أن رسول الله وَّر قال: ((من صام رمضان،
وصلى الصلاة، وحَجَّ البَيَت لا أدري أذكرَ الزكاة أم لا؟ - إلاّ كان حقاً على الله أن يغفر له إن
هَاجَرَ في سبيل الله، أو مكث بأرضه التي ولد بها)) قال معاذ: ألا أخبر بها الناس؟ فقال
رسول الله وَّ: «ذر الناسَ يعملون فإِن في الجنة مائة درجة .. والفردوسُ أعلى الجنة ... فإِذا
سألتم الله فاسألوه الفردوس. ففيه ذكرُ الفرائض أيضاً والتحريض على الدرجة العليا، فانكشف
أنه لم يَرد في الحديث المجمل الاتكال عن الفرائض.
وأن الحديث لا يختصُّ مرادهُ بكونه قبل نزول الأحكام. كيف وترك الفرائض لا يُرجى من
عوام الناس؟ وشأن الصحابة رضي الله عنهم أرفع. وعند الترمذي عن معاذ أيضاً قال: كنت مع
النبي ◌َّ في سفر فأصبحت يوماً قريباً منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله أخبرني بعمل
يُدخلني الجنة ويباعدني عن النار. قال لقد سألتني عن عظيم وإنه ليسيرٌ على من يسَّرَه الله عليه،
تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتأتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت)) ...
إلخ. ففيه أيضاً ذكر الفرائض بتمامها .
وأيضاً عند البخاري وهو وإن كان عن أبي هريرة لكن المضمون واحد قال: قال
النبي ◌ُّلة: ((من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقاً على الله أن يُدخله
الجنة، جاهدَ في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها)) قالوا: يا رسول الله أفلا نُبشر
الناس؟ قال: ((إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله)).

٣١٨
كتاب العلم
فتبين من هذا: أن الحديث لم يردْ في القَدَر المُتحتم، وإنما أراد اتكالهم عن الفضائل
والفواضل. والحاصل: أن هذا الوعدَ إنما هو بعد لحاظ جميع ما ورد في الشرع من الأوامر
والنواهي، ثم الاتكالُ فيما وراء ذلك. ولما أراد أن يبشر به الناس أبهمَ في الشروط وتركَ
استيفاء الأمورِ، فإِن البشارة باب آخر، والمناسب لها الإِجمال والإِبهام.
٥١ - باب الحَيَاءِ فِي العِلمِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَتَعَلَّمُ العِلمَ مُسْتَحْي وَلَا مُسْتَكْبِرٌ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ
الأنْصَارِ، لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي أَلِّينِ.
١٣٠ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةٍ أُمِّ سلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَّمَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَِّ فَقَالَتْ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْبِي مِنَ الحَقِّ، فَهَل عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلِ إِذَا اخْتَلَمَتْ؟ قَالَ
النَّبِيُّ وَِّ: ((إِذَا رَأَتِ المَاءَ)) فَغَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ - تَعْنِي وَجْهَهَا - وَقَالَتَْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أو
تَحْتَلِمُ المَرْأَةُ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا؟)). [الحديث ١٣٠ - أطرافه في:
٢٨٢، ٣٢٢٨، ٦٠٩١، ٦١٢١].
١٣١ - حدّثنا إِسْماعيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللّهِ نَّهِ قَالَ: ((إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُها، وَهِيَ مَثَلُ المُسْلِم،
حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟)) فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَادِيَةِ، وَوَقَعَ فِي نَفسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، قَالَ عَبَّدُ
اللَّهِ: فَاسْتَحْيَيتُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنَا بِهَا، فَقَّالَ رَسُولُ اللّهِ: ((هِيَ النَّخْلَةُ)).
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي، فَقَالَ: لأَنْ تَكُونَ قُلتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ
يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا .
لما ورد الحديث في الطرفين فحديث ابن عمر رضي الله عنه يدُل عل حُسنِهِ، وحديث
عائشة رضي الله عنها على قُبحه، قسمه على الحالات وجعله في بعض الأحوال حسناً وفي
بعضها قبيحاً، فإِن الحياء إذا كان عن تحصيل علم فهو مذموم، وإن كان كما استحى ابن عمر
رضي الله عنه فهو ممدوحٌ، فإنه لم يتبدل بسكوته حلال أو حرام، ولكن فاتته فضيلة بالحضرة
النبوية عليها الصلاة والسلام، ولعله يؤجر عليها في الآخرة. وعن أبي حنيفة رضي الله عنه في
جواب سائل: ما بخلت بالإِفادة ولا استحييت من الاستفادة. وعن الأصعمي: ذِلة السؤال خير
من ذلة الجهل مُدَّة عمره.
١٣٠ - قوله: (إن الله لا يستحي) وقد تأول الناس فيه، وإني لا أتأخرُ عن إسناد أمر
أسنده الله سبحانه وتعالى بنفسه إلى نفسه، ولكن أكِلُ علمَ كيفيته إلى الله عزّ وجلّ. ولا أقول
كما قال البيضاوي: إن الرحمة عبارة عن رقة القلب فإِسنادها إليه تعالى مجاز. ويا للعجب !!!
فإِن الرحمة إذا كان إسنادُها إلى الله تعالى مجازاً فإِلى مَنْ يكون حقيقة؟

٣١٩
كتاب العلم
قوله: (أوتحتلم المرأة؟) واعلم أنه اختُلف في الاحتلام في حق الأنبياء، والحقُّ إنه
يجوز في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إلاّ أنه يكون لامتلاء كِيَسَة المني ولا دخل فيه
للشيطان. وما نقل(١) عن محمد رحمه الله تعالى: أن لا غُسل على المرأة إذا احتلمت، فتأويلُه
أنه إذا لم يخرج من عضوها الداخل إلى الخارج.
قوله: (بم يشبهها؟) وفسروا العُلُو تارةً بالغلبة، وأخرى بالسبق.
٥٢ - باب مَنِ اسْتَحْيَا فَأَمَرَ غَيرَهُ بِالسُّؤَالِ
١٣٢ - حدّثنا مُسَدَّدْ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرِ الثَّوْرِيِّ،
عَنْ مُحَمَّدٍ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ أَنْ يَسْأَلَ
النَّبِيَّ وَِِّّ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: ((فِيهِ الوُضُوءُ)). [الحديث ١٣٢ - طرفاه في: ١٧٨، ٢٦٩].
ووجه الاستحياء مذكور في لفظ الحديث وهو قوله: «لمكان ابنته تحته)) وهو معنى صحيح.
١٣٢ - قوله: (فأمرت المقداد) أي للسؤال في حق نفسه. وسأل هو أيضاً، لكنه على
طريق الفَرض بدون التعرُّض إلى الواقعة لمن هي، فلا تناقض.
قوله: (ففيه الوضوء) وذهب أحمد رحمه الله تعالى إلى أنّ الحديثَ من أحكام المذي دون
الصلاة، فينبغي أن يكون الوضوءُ عقيب خروجه، لا عند القيام إلى الصلاة فقط. وهكذا نسبه
الشوكاني في ((النيل)) إلى الحنفية أيضاً. قلت: ولا أترددُ في أن المطلوبَ عند الشرع هو إزالة
النجاسات على الفور. والتلطخ بها زماناً مكروهٌ عنده قطعاً إلاّ أن أثره لمّا لم يظهر إلّ عند القيام إلى
الصلاة جاء الخمول في كتب الفقه كحكم الديانات، فإِنها قلما تُذكر في المتون وعامة الشروح.
ووجهه أن الفقهاء عامة يتعرضون إلى بيان الفرائض والواجبات، وقليلاً ما يذكرون
المُستحبات والسننِ الزوائد. ولما كان هذا النوع من الوضوء مستحباً عقيبَ خروج المذي،
وواجباً عند القيام إلى الصلاة، لم يذكروه إلاّ عند القيام إليها. ثم إنه إن توضأ عقيبه وقام إلى
الصلاة متصلاً يتأدى في زمنه الفرضُ أيضاً، وفي بعضٍ طرقه: غسل العضو فقط، وفي بعضها:
غسل الأنثيين أيضاً، وفي بعضها: غسل المرفقين أيضاً، وتصدى المحدثون إلى إعلاله. قلت:
هو صحيح ويحمل على الاستحباب. وما ذكره الطحاوي أن الغُسل للعلاج لا يريد به العلاج
الطبي، بل انقطاع التقطير في الحالة الراهنة، كما أمر النبي ◌َّ للمستحاضة أن تغتسلَ ولبعضها
أن تجلس في المِرْكن.
(١) وتفصيله: أن في مني المرأة اختلافاً للأطباء، فذهب أرسطو إلى تحقيق المني في النساء، وذهب جالينوس إلى
نفيه وقال: إنه رطوبة أخرى يشبه المني، ويكون الولد من ماءِ الرجل فقط، بخلاف أرسطو فإنه اختار كون الولد
من مجموع مني الرجل والمرأة، ولا بُعدَ أن يكون قول محمد رضي الله عنه مبنياً على هذا الاختلاف. وأما
تأويله على مذهب الجمهور فقد ذكرناه. هكذا وجدته في تقرير المولى عبد العزيز بالهندية فيما ضبطه من إملاء
الشيخ رحمه الله تعالى.

٣٢٠
كتاب العلم
الكلام في الربط بين القرآن والحديث والفقه كيف هو؟
واعلم أن فهمَ الحديثِ والاطلاع على أغراض الشارع مما لا يتيسرُ إلاّ بعد علم الفقه،
لأنه لا يمكنُ شرحُه بمجرد اللغة ما دام لم يظهر فيه أقوال الصحابة رضي الله عنهم ومذاهب
الأئمة بل يبقى معلقاً (١)، لا يُدرى وجوههُ وطرقه، فإِذا انكشف ما ذهب إليه الذاهبون واختاره
المختارون خفَّ عليك أن تختارَ واحداً من هذه الوجوه، وهو حال الحديث مع القرآن ربما
يتعذرُ تحصيلُ مرادِهِ بدون المراجعة إلى الأحاديث، فإذا وردت الأحاديث التي تتعلق به قُرُب
اقتناصُ غرضٍ الشارع. وهذا من غاية علوه ورفعة محله، بل كلما كان الكلامُ أبلغَ كان في
احتمال الوجوه أزيدَ، ولا يُفهم هذا المعنى إلّ من عُنِيَ به.
وأما الجاهل فيزعمه سهل الوصول لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧] إلخ
ولا يدري أنه ليس تيسيره على قدر ما فهمه، بل معناه أنه يشتركُ في تحصيل معناه والاستفادة
منه الأعالي والأداني، لكنه يكون بقدر نصيبهم من العلم. وهذا من غاية إعجازه، يسمعه
الجاهلُ ويأخذ منه علماً بقدره، ويَرَاه الفحولُ ويُفعِمون منه دِلاءً بقدر أفهامهم، بخلاف كلام
الناس فإِنه إن كان ملتحقاً بأصوات الحيوانات فإِنه لا يَلتفِتُ إليه البلغاء، وإن كان في مرتبة من
البلاغة لا يُدرِكُ مرادَه الجهلاء. وهذا كتابٌ بلغ في مراتب البلاغة أقصاها ولم يزل سحاب
علومِهِ مَاطِراً على كافة الناس، عقلائهم وسفهائهم سواء بسواء، وهذا معنى التيسير لا ما فهموه.
٥٣ - باب ذِكْرِ العِلمِ وَالفُتْيَا فِي المَسْجِدِ
١٣٣ - حدّثنا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدٍ
اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلاً قَامَ فِي المَسْجِدِ فَقَالَ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ مِنَ أَينَ تَأْمُوَّنَا أَنْ نُهِلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ: ((يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي
الحُلَيفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّأُمِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ)).
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِّهِ قَالَ: ((وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ))،
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أَفقَهْ هذهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. [الحديث ١٣٣ - أطرافه في: ١٥٢٢،
١٥٢٥، ١٥٢٧، ١٥٢٨، ٧٣٣٤].
(١) ولا يَشُق عليك هذا اللفظ، فإِنه رُوي عن الإمام أبي حنيفة النعمان كما في ((الميزان)): لولا السنة ما فَهِمَ أحدٌ منا
القرآن وعن الإِمام الشافعي رضي الله عنه: جميع ما تقولُه الأئمة شرح للسنة، وجميع السنة شرح للقرآن. وقد
روي عن عمران بن حُصين رضي الله عنه: أنه قال الرجل: إنك امرؤ أحمق، أتجدُ في كتاب الله الظهرَ أربعاً لا
يجهر فيها بالقراءة، ثم عدَّد إليه الصلاة والزكاة ونحو هذا، ثم قال: أتجد هذا في كتاب الله مفسراً وإنَّ كتاب الله
أبهم هذا وأن السنة تفسر ذلك. وقال الأوزاعي: الكتاب أحوج إلى السنة من السنة إلى الكتاب. قال ابن عبد
البر: يريد أنها تقضي عليه وتبين المراد منه. وسئل أحمد بن حنبل عن الحديث الذي رُوي أن السنةَ قاضيةٌ على
الكتاب، فقال: ما أجسرُ على هذا، ولكني أقول: إن السنة تفسر الكتاب. كذا في ((الموافقات)) مع اختصار.