Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ کتاب العلم قبل. وهذا كلُّه قبل هذه الشريعة الآخرة، وأما بعدها فلا يسعُ لأحدٍ الانحراف عنها بحال: ﴿وَمَن يَبْتَعْ غَيْرَ الْإِسْلَكِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. وبالجملةِ دعوةُ التوحيد لا تختصُ بنبي دون نبي، بل هي عامة مطلقاً. وأما الدعوة إلى شريعته فخاصة بالنبي ◌َّر، بمعنى أنه يجب أن يدعوَ إليها جميع من في الأرض، وقد تمت على أيدي الخلفاء الراشدين. وأما سائر الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام فكانت دعوتهم إلى شرائعهم مقصورة على أقوامهم وتبليغُ من سواهم كان في اختيارهم، ولم يكن فريضة عليهم. والسر في شُهرةٍ عموم بعثة هذين النبيين أنه لم يُبْعث لمناقضةِ الكفر غيرُ هذين. أما موسى وعيسى عليهما الصَّلاة والسَّلام فإنهما بُعثا إلى بني إسرائيل وكانوا مسلمين نَسَبَاً فإنهم من أولاد يعقوب عليه الصَّلاة والسَّلام، بخلاف نوح عليه الصَّلاة والسَّلام فإنه أول من ناقض الكفر، ولذا لقِّب بنبي الله، وكذلك إبراهيم عليه الصلاة والسلام أول من رد على الصابئين وأسس الحنيفية. والنبي إذا رد على شيء يكون عاماً لجميع البلاد وهذه مقدمةٌ ينبغي أن يُبحث عنها أن النبي إذا ردّ على شيءٍ فهل يقتصرُ ردُّه على من بُعث إليهم أو يعمُ لمن في الأرض. وهذا في باب العقائد ظاهر، فإنها مشتركة في الأديان كلها فيعم الرد قطعاً، وأما في الشريعةِ ففيه نظرٌ، فالعموم من هذه الجهة، وللقومٍ أجوبةٌ أخرى فليراجعه من ((الفتح) (١) . إذا علمتَ هذا فاعلم أن عبد الله بن سلام إنما هو ممن بلغ إليه خبر عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام، ولا نظن بمثل عبد الله بن سلام إلا أن يكون صَدَّقَه لما قد علمنا من سلامة فطرتِهِ حين حضر بمجلس النبي ◌َّ وانطلق لسانُهُ بعد نظرة، بأن هذا الوجه ليس بوجه كذاب فلا نسيُ به الظن. ولا نقول: إنه لم يصدقه، فإذا كان كذلك فقد كفاه عن عهدة الدخولِ في شريعته، لأنه لم تبلغ إليه الدعوة إلى شريعته وإن بلغ إليه خبره كما علمت، نعم لو كان بلغ إليه وصي عيسى عليه الصَّلاة والسَّلام ودعاه إلى شريعته، لوجب عليه الدخول في شريعته أيضاً، ولكنه لم يصل إليه ومات دونه فكفَاهُ تصديقهُ به لإحراز أجر إيمانه. وحينئذٍ بقاؤه على اليهودية وعمله بالتوراة لا يمنعُ عن تحصيل الأجر، فلما ظَهَر النبي ◌َُّ وآمن به أيضاً حصل له الأجر مرتين، لأنه أحرز إيمانَه مرة من قبلُ، وهذا إيمانٌ ثانٍ فيحصل له الأجر أيضاً. نعم، الذين كانوا في الشام وأنكروا به لا يحصلُ لهم بالإيمان بالنبيِ وَّ إلا أجرٌ واحد، بخلاف مَنْ كانوا في المدينة، فإنه ليس عليهم إلا التصديق لعدم بلوغ دعوة الشريعة إليهم، وكانوا على دين سماوي من قبلُ فيُحرزُون الأجر مرتين. فإن قلت: وفي المعالم أن عبد الله بن سلام جاء النبي ◌َّرُ مع ابن أخيه، وقال: لو آمنت (١) قلت: إن عموم بعثتهما لزوماً كان أو قصداً بأي معنًى أخذتُه، إنما كان لأهل زمانهما، بخلاف عموم بعثة نبينا ◌َّ فإنه مبسوطٌ على البسيطةِ طولاً وعرضاً يعني تحبط على جميع من في الأرض إلى يوم القيمة، ولا يختص بزمان، فلا شركة فيه لأحد، والله تعالى أعلم. ٢٨٢ كتاب العلم بجميع الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام غير عيسى فهل يكفى ذلك للنجاة؟ فقال النبي ◌َّ: ((كلا»، أو كما قال. وهذا يدلُ على أنه لم يؤمن به أيضاً. قلت: أولاً : إن إسناده ساقطٌ. وثانياً: إن سؤاله من باب الفَرض. وتحقيق المسألة لا أنه يُخبرُ عن حالهِ، بل يريد أنه لو فَعَلَه أحدٌ هل يُعتبر منه أم لا؟ وثالثاً: أنه لما آمن بعيسى عليه الصَّلاة والسَّلام إجمالاً لعدم التفصيل عنده، ثم عنده التوراة من قبل إماماً ورحمة. وهذه الشريعة الكاملة الجامعة الآن، فهل يجبُ عليه الإيمانُ بها تفصيلاً بعد هاتين أم لا؟ فهذا أيضاً احتمال من الاحتمالات. والحاصل: أنه إذا ظهر أمرهُ ونيتُهُ من الأحاديث القوية فلا نتركه لروايات ساقطةٍ ولا نُسيءُ به الظن ونأولُ فيما وردَ خلافه. وبعد هذا التحقيق انحلت العقدة التي عرضتْ على الحافظ رحمه الله تعالى فألجأتهُ إلى التزام باطل، والحمد لله. ثم قال قائل: إن مسألة إحراز الأجرين ينبغي أن تكون مقتصرةٌ على زمانٍ عدم التحريف، فأما إذا حرفوا كتبهم وبدلوا كلام الله من بعد ما عَقَلُوه فلا ينبغي أن يحصل لهم الأجران. قلت: وهذا القائل خالفَ نصَ الحديث، فإن حديثه وَّ﴿ إنما كان لأهل زمانه، وحالُهم إذ ذاك معلومٌ. والذي عندي أن يُفضَّلَ في التحريف، فإن كان بلغَ تحريفُهم إلى حد الكفر البواحِ، ينبغي أن لا يحصل لهم الأجر مرتين، وإلا فالأمر كما في الحديث. نعم، يمكن اختلاف كلمات الكفر في الشريعتين كلفظ: الابن، فإنه مستعمل في الكتب السابقة بأي تأويل كان، وهو كفر في شريعتنا مطلقاً، فينبغي رعايته أيضاً. وراجع بحثه من ((فتح العزيز)) من تفسير قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَبْكُّأْ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١٨] إلخ من أن التأويلَ الباطل هل يُفيد شيئاً أم لا؟ فإن النصارى كفار قطعاً، لكنهم كذلك يدَّعون التوحيد أيضاً. والشريعة الغراء قد اعتبرت به بعض اعتبار، حيث ميَّزَهَم عن سائر الكفار في جواز المُنَاكحات مع نسائهم وأكل ذبائحهم. فإذا خفف اللَّهُ فيهم في أمور الدنيا لرعايةٍ دينٍ سماوي، فلا بُعد أن يغمض عنهم في الآخرة أيضاً ويمنحهم أجرهم مرتين بعبرة إيمانهم الأول أيضاً لمجرد ادعائهم. فإن قلت: إن الأجرين لهؤلاء الثلاثة فقط أو لغيرهم أيضاً، فالجواب كما قاله السيوطي رحمه الله تعالى في نظم له: أنهم يبلغون إلى اثنين وعشرين نوعاً. ومن ههنا ترددت أن هذا العدد محصورٌ أو فيه أمرٌ جامع، وما تحصل لي هو أن كلَّ عمل عُرِضَ على بني إسرائيل فقصَّروا فيه، فإن حافظنا عليها فلنا فيه الأجران. كما عند مسلم في صلاة العصر: ((إنها صلاة فُرضت على مَنْ قبلكم، فإن حافظتم عليها فلكم أجران)» - بالمعنى -. وكما أن بني إسرائيل كانوا يغسِلون أيديهم قبل الطعام، فلو غسلناها قبل الطعام وبعده فلنا أجران الترمذي. فإن قلت: إذا كان الأجران على العملين فأي فائدة في ذكر هذه الثلاثة؟ فإن كلَّ من يعملُ عملين يستحق أجرين. قلت: إنما خصَّصها لانضباطها والاعتداد بحالها. والحكم الشرعي إنما يجيءُ في نوعٍ أو في صِنْفٍ منضبط لا في الأشخاص، فإن ورد في شخص يعد من خصوصيته ولا يعم. ومَّن ههنا بحث في الأصول، أنه هل يجوز خلوّ حكم شرعي من الحكمة. ونسب إلينا أنه يجوز كما في استبراء البِكْر، فإن البكر لا شبهةَ فيها للعلوق، فالاستبراء فيها خال عن ٢٨٣ كتاب العلم الحكمة ظاهراً، ومر عليه شارح ((الوقاية)) وقال: إن ما يجبُ هو أن لا يخلو صِنْفٌ منضبط عن الحكمة، لا أنه يجب وجودُها في كل جزء. وحينئذٍ فخلوّ هذا الجزئيِّ بخصوصه عن الحكمة لا يضرنا. ولم يقدر الشارحُ على غير هذا الجواب. وعندي جوابُهُ لكنَّ الوقتَ لا يتحملُ بيانه وقد فَصَّلتُهُ في بَرْنَامجي. وقد يقال: إن في هذه الثلاثة إشكالاً ولا يتبادرُ الذهنُ إلى حصول الأجرين فيها، فإن المنساقَ إلى الذهن أن الإيمان طاعةٌ واحدةٌ، وإنما الفرقُ في الفروع، فاعتبار هذا الإيمان وهذا الإيمان ربما يفضي إلى التعجب، فتعرَّض إليه الحديث بأن الإيمان وإن كان واحداً إجمالاً، لكنه لما تعلق بنبيٍّ بخصوصه تفصيلاً، ثم تعلق بنبي آخر كذلك صار متعدداً باعتبار الشخص، فإنه إذا آمن بنبي فهذا عملٌ، ثم إذا آمن بنبي آخر في زمانه فهذا عمل آخر متجدداً. وكذلك يتوهم أن العبدَ عبدٌ لمولاه، فلعله لا يستحق الأجرَ في خدمته، وكذلك التزوج لنفعه فلا يكونُ عليه الأجر أيضاً . وقد يقال: إنه خصَّصَها بالذكر لأجل التنبيهِ والتحريض على هذين العَمَلين، فإن جمعهما عسير، لأن الكتابي إذا آمن بنبيه فالإيمان بالنبي وَلِّ يَشُقُّ عليه. فنبه على أنه بهذا الإيمان لا يُحرمُ عن أجر إيمانه، بل يبقى إيمانُهُ معتبراً ومأجوراً عليه كما كان، بل يضعَّفُ أجره فيحصل مرتين. وكذلك العبدُ إذا اشتغل بخدمة مولاه، ربما لا يجدُ وقتاً لأداء الصلوات ولا أقل من أن يتعسر عليه، فحرَّضَهُ على أن يؤديَ حق الله أيضاً ليحصل له الأجران. وهكذا الأمر في تزوج الجارية، فإن الطبائعَ الفاضلةَ نافرةٌ عنها، فحرَّضَ على إعتاقِها والتزوج منها، ليحصل له الأجران. وتوهّم بعضهم أن العبد إن صلى فله أجران على صلاته، وليس كذلك، بل الأجران على العملين: أجرٌ على خدمةِ مولاه، وأجر على أداء الصلاة (١). (١) قال أبو جعفر: وهذا الذي جئنا بهذه الآثار من أجل قول رسول الله وَ ل# في الثلاثة الذين يؤتون أجرهم مرتين: ((رجل آمن بنبيه ثم أدرك النبي ◌ّل﴿ فآمن به)). لأنا عقلنا بذلك إنما أراد مَنْ دخل من أهل دين النبي الذي كان قبل رسول الله ◌َّ ممن كان مؤمناً به في دين النبي. وعقلنا بذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام الذي كان رسول الله ◌َ﴿ يعقبه من أنبياء الله عزّ وجلّ هو عيسى عليه السلام، فمن كان كذلك استحق أجره مرتين، وإن من لم يَكُن كذلك لم يستحق بدخولِهِ في دين النبي ﴿ إلّ أجراً واحداً، وهو أجر دُخوله في دينه . فأما ما كان فيه قبل ذلك من دين موسى عليه السلام فإنه لا يستحقُ به مثل ذلك، لأن دين عيسى عليه السلام قد طرأ على دين موسى ولم يَتَبْعه، فخرج بذلك من دين موسى ثم اتبع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد كان من قبلٍ أتباعه إياه على غير ما كان الله عزّ وجلّ تعبَّده أن يكون عليه عن دين عيسى. وعقلنا مما ذكرنا أن الذي يؤتي أجره مرتين بإيمانه، كان بنبيه ثم بإيمانه كان بالنبي عليه الصلاة والسلام هو الذي أدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو على ما تعبد عليه من دين النبي الذي كان قبله وهو عيسى عليه السلام حتى دخل منه في دين النبي صلی الله عليه وآله وسلم. ومما يؤكدُ ما ذكرنا، ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قوله في حديث عياض بن حماد ما قد حدثنا يزيد بن سنان وإبراهيم بن أبي داود حدثنا أبي عمر الحوفي حدثنا همام بن يحيى حدثنا قتادة حدثني العلاء بن زياد ويزيد أخو مطرف ورجلان آخران - نسي همام اسميهما - أن مطرفا حدثهم أن عياض بن حماد حدثه أنه سمع= ٢٨٤ كتاب العلم ٣٣ - باب عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ ٩٨ - حدّثنا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءٌ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاس قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ◌َِّ - أَوْ قَالَ عَطَاءٌ: أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ - خَرَجَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاء، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنّ بِالصَّدَقَّةِ، فَجَعَلَتِ المَرْأَةُ تُلقِي القُرْطَ وَالخَاتمَ، وَبِلَالٌ يَأْخُذُّ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ. وَقَالَ إِسْماعِيلُ: عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءٍ، وَقَالَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ وَخَّهِ. [الحديث ٩٨ - أطرافه في: ٨٦٣، ٩٦٢، ٩٦٤، ٩٧٥، ٩٧٧، ٩٧٩، ٩٨٩، ١٤٣١، ١٤٤٩، ٤٨٩٥، ٥٢٤٩، ٥٨٨٠، ٥٨٨١، ٥٨٨٣، ٧٣٢٥]. ٣٤ - باب الْحِرْصِ عَلَى الحَدِيثِ ٩٩ - حدّثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((لَقَدْ ظَنَنْتُ - يَا أَبَا هُرَيْرَةَ - أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هُذَّا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ قَالَ: لَا إِلَّهَ إِلَّ اللَّهُ خَالِصاً مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ)). [الحديث ٩٩ - طرفه في: ٦٥٧٠]. يريدُ أن التبليغَ لا يختصُ بالرجال، بل يعم النساءَ أيضاً. وكان هذا يومُ عيدٍ، ولعل التحريض كان في صدقَةِ الفِطر. قوله: ((شنف)) (بالى) قرط (در) أسعد الناس (يعني كسكى قسمت مين آب كى شفاعت زیادە بریکی). ٩٩ - قوله: (خالصاً) وأكثرُ الأحاديث ساكتةٌ عن هذا القيد، وهو معتبرٌ قطعاً. والخُلوصُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في خطبته: ((إن الله اطلعَ على عبادِهِ فمقتهم عربهم وعجمهم إلاّ بقايا من = أهل الكتاب - فأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يدخل في مقت الله ذلك بقايا من أهل الكتاب وهم عندنا والله أعلم الذين يقولون نحن على ما بعث به عيسى عليه السلام ممن لم يبدله ولم يدخل فيه ما ليس منه وبقي على ما تعبده الله عزّ وجلّ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم يومئذٍ هذا القول والله نسأله التوفيق مشكل الآثار ص ٣٩٦ ج ٢. قلت: وظهر مما ذكرنا من كلام الطحاوي أن الأجرين إنما هما على عَمَلين: إيمانه بنبيه وإيمانه بالنبي ◌َّ، ومن لم يكن عنده إلاّ إيمان واحد فإنه لا يستحقُ الأجرين، وهذا الذي اختاره الشيخ رحمه الله وذهب بعضهم إلى أن الأجرين لهم على عمل واحد أي، الإيمان بالنبي ◌َّر، وذلك من حيث أن الكتابيَّ يشقُّ عليه الإيمان بالنبي وَّ فبشره بالأجرين ليتقدَّم إليه، والظاهر هو الأول، والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٨٥ كتاب العلم في اللغة: ما لا غِش فيه. وفي الاصطلاح: قريب من معنى الحنيف، ثم لا تعارضَ بينه وبين ما رُوي: ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)) فإن الأول فيمن يدخل في الشفاعة. والثاني فيمن يظهرُ في حقِّه النفع الكثير. وكذا لا يخالفُ ما عند البخاري ومسلم: ((أن قوماً يخرجون بلا عمل عَمِلُوه بقبضة الرحمن ولا يكونُ خروجهم بيد النبيِ وََّ، فإنه يدل على أن شفاعته مختصةٌ بالعاملين. وأما الذين لا عملَ لهم فإنهم يخرجونَ بقبضة الرحمن، ولا تنفع الشفاعة فيهم مع وجود كلمة التوحيد عندهم. قلنا: إن الشفاعة نفعت لهم أيضاً، بيد أنَّ الرحمنَ توثَّل بإخراجهم ولم يفوضه إلى أحد، فهؤلاء أيضاً يخلصون عن النار ببركة الشفاعة، إلَّا أنهم لا يخرجونَ بيده الكريمة، بل يتولَّهُم الرحمن بنفسه وقد بينا سره في كتاب الإيمان(١). ٣٥ - باب كَيفَ يُقْبَضُ العِلمُ وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولٍ اللَّهِ وَ﴿ فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفتُ دُرُوسَ الْعِلمِ وَذَّهَابَ العُلَمَاءِ، وَلَا تَقْبَلِ إِلَّ حَدِيثَ النَّبِّ وَّةِ، وَلتُفْشُوا العِلمَ، وَلَتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ العِلمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرّاً. ١٠٠ - حدّثنا إِسْماعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قُّالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ يَقُوَّلُ: ((إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ العِلمَ انْتِزَاعَاً يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلكِنْ يَقْبِضُ العِلمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِماً، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوساً جُهَّالاً، فَسُئِلُوا، فَأَفَتَوا بِغَيرِ عِلْم، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)). قَالَ الفِرَبْرِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ قَالَ: حَدَّثَنَا قُتَبَةُ: قال: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ نَحْوَهُ. [الحديث ١٠٠ - طرفه في: ٧٣٠٧]. قوله: (أبو بكر بن حزم) قاضي المدينة "دروس " وحقيقته الفَنَاءُ بعد البِلى تدريجاً " يعني برانا بن بيدا هونا أو رفنا هوتی جانا " . والتحقيق عندي: أن كل شيء يمر عليه الزمان فإنه يندرسُ ويفْنَى تدريجاً، أي يَبْلى فيبلى ثم يَفْنى. ولذا ترى الأجساد أنها تندرسُ لأنها يمر عليها الزمان. ولما كان الله عز وجل لا تبلغُ شائبةُ الاندراس إلى جَنَابٍ قُدْسِهِ، كان عالياً عن الزمان أيضاً. (١) وتفصيله أن المؤمنين العاصين حين يدخلون في جهنم يُحرَّمُ عليها أن تأكلَ وجوههم. وقيل: بل أعضاء الوضوء كلها، وكيفما كان يعرفهم النبي ◌َّر بسلامة وجوههم أو الأعضاء منهم فيخرجُهم عن النار. أما الذين لا عَمَلَ عندهم ولا خير، فيمتحشون مطلقاً وتتغيرُ وجوهُهم أيضاً، ولا يبقى سبيلٌ إلى معرفتِهم فلا يقدِرُ النبيِ وَلّ على إخراجهم بيده الكريمة، إلّ أن شفاعتَه تشملُ لكل من قال: لا إله إلاّ الله، فيخرجهم الله تعالى بعلمِه المحيط من أجل شفاعة حبيبه و 8* لهم. ومن هنا تبين أن الشفاعة ظهرت فيهم أيضاً وإن تكفَّل بإخراجهم الرحمن، والله تعالى أعلم بالصواب. ٢٨٦ كتاب العلم قوله: (وكتب عمر بن عبد العزيز) وهو أولُ من تهيأ لجمع العلم. قوله: (ينزعه) أي لا يسلب ما كان حاصلاً من قبل. قوله: (الفِرَبري) رحمه الله تعالى هو من تلامذة البخاري. وليس هذا من عبارة البخاري، إنما ألحقها صاحب النُّسخة، فهذا الإسناد عند الفِرَبري من غير طريق البخاري، وكثيراً ما يفعله الفربري، فإنه كلما يجدُ إسناداً غير إسناد البخاري يأتي به أيضاً. ٣٦ - باب هَل يُجْعَلُ لِلنِّسَاءِ يَوْمٌ عَلَى حِدَةٍ فِي العِلمِ ١٠١ - حدّثنا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الأَصْبَهَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحِ ذَكْوَانَ: يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ وَ غَلَبَنَا عَلَيكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَل لَنَا يَوْماً مِنْ نَفْسِكَ، فَوَعَدَهُنَّ يَوْماً لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ، فَكَانَ فِيما قَالَ لَهُنَّ: ((مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثاً مِنْ وَلَدِهَا، إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَاباً مِنَ النَّارِ)). فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: واثنين؟ فَقَالَ: ((واثنين)). [الحديث ١٠١ - طرفاه في: ١٢٤٩، ٧٣١٠]. ١٠٢ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدٍ الرَّحْمُنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َّلْ بِهذا . وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: (ثَلَاثَةٌ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ)). [الحديث ١٠٢ - طرفه في: ١٢٥٠]. ١٠١ - (أبو سعيد) اسمه: سعيد بن مالك. قوله: (من نفسك) يعني اجعل لنا يوماً من نفسك ومن عندك، لأنه لا يليقُ بنا أن نُعيِّنَه من عندنا . قوله: (واثنين) عطفُ تلقين، وأثبت الحافظ رحمه الله تعالى أنه حكم الواحد أيضاً، فإن مفهومَ العدد لا يعتبر إجماعاً، نعم قد يعرضُ للمتكلم أمر اعتباري في الذهن يكون سبباً لذكر العدد المخصوص، ولا يكون مداراً للحكم. وفي الحديث فيه قيد وهو ((لم يبلغَ الحِنثِ)) والحِنْثُ في اللغة: "ناشايان كام" والمراد منه البلوغ، فلو كانوا بالغين فكذلك أيضاً، إلَّ أنَّ نفعَ الصبيان لعصمتهم وشفاعتِهم، ونفعَ البالغين لمزيدِ التأسفِ على وفاتهم والصبر عليهم. ٣٧ - باب مَنْ سَمِعَ شَيئاً فَرَاجَعَ حَتَّى يَعْرِفَهُ ١٠٣ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ◌َّهِ: كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيئاً لَا تَعْرِفُهُ، إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ نَِّ قَالَ: (مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ)) قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلتُ: أَوَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ﴿﴾ [الانشقاق: ٨] قَالَتْ: فَقَالَ: ((إِنَّمَا ذلِكَ العَرْضُ، وَلكِنْ مَنْ نُوقِشَ الحِسَابَ يَهْلِكْ)). [الحديث ١٠٣ - أطرافه في: ٤٩٣٩، ٦٥٣٦، ٦٥٣٧]. ٢٨٧ كتاب العلم هذا هو الترتيب الصحيح. ويردُ عليه سؤال عائشة رضي الله عنها. وحاصلُ جوابِهِ وَّ أن الحسابَ اليسيرَ هو العَرْضُ فقط، والعذابُ لمن نُوقِش فيه. ١ وانعكس الترتيب في بعض طرقِهِ كما يأتي في الصفحة الآتية. فقدم فيه قوله: ((من نوقش عذب)) ولا يتأتى عليه سؤالُ عائشة رضي الله تعالى عنها، فإنه لم يقل بالعذاب لمن حوسب، وإنما أخبرَ به لمن نُوقش، فلا سؤال، فاحفظه ولا تغفُل. فإن الحديثَ إذا وردَ بألفاظٍ مختلفةٍ فليؤخُذ بجميع ما ورد من طرُقِهِ ثم ليخْتَر أقربَ ألفاظه وأعجبها إلى الذوق والتبادر، فإن الرواية بالمعنى فاشيةٌ، والتغييرَ من الرواة معلومٌ. ١٠٣ - قوله: (إنما ذلك العَرْض) واستفدتُ منه أنه يجوزُ للتفهيم تغييرُ عُنوان القرآن، كما غيره النبي ◌َّ من الحساب اليسير إلى العَرْض، وهذا مهم فاعلمه. ثم العَرْض غير التعليم، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ اٌلْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَضَهُمْ عَلَى الْمَلَئِكَةِ﴾ [البقرة: ٣١] فآدم معلّم والملائكة معروضٌ عليهم. ولم يعلمهم من أسمائها شيئاً فلا إشكال في حديث عَرْض الأعمال. ٣٨ - باب لِيُبَلِّغ العِلمَ الشَّاهِدُ الغَائِبَ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََِّّ. ١٠٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي شُرَيح: أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ - وَهُوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ .: ائْذَنْ لِي أَيُّها الأَمِيرُ، أُحَدِّثَّكَ قَوْلاً قَامَ بِهِ النَّبِيُّ ◌َّةِ الغَدَ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَينَايَ، حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنِى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ، وَلَمْ يُحَرِّمُهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لإِمْرِىءٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَماً، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللّهِ وَ فِيهَا فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلِيُلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ)). فَقِيلَ لأَّبِي شُرَيحِ: مَا قَالَ عَمْرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيح، إِنَّ مَكَّةَ لَا تُعِيذُ عاصِياً وَلَا فارّاً بِدَم وَلَا فَارّاً بِخَرْبَةٍ. [الحديث ١٠٤ - طرفاه في: ١٨٣٢، ٤٢٩٥]. قوله: (أبو شريح) صحابي. (عمرو بن سعيد) والي المدينة من جهة يزيد: ولم يذكر المحدثون سُوء حاله، إلا أني رأيت حكايةً بالإسناد تدلُّ على شَقَاوته، حتى أخشى عليه سلبَ الإيمان، فلا أدري هل خفيتْ عليهم أو ماذا؟ وكيفما كان ذِكرُهُ ههنا في ذيلِ القصة لا أنه راوي الحديث ليعدّ من رواة الصحيح. ثم إن المسألة عندنا فيمن جَنَى خارج الحرم، ثم التجأ إليه، أنَّ جنايتَه لو كانت في ٢٨٨ كتاب العلم الأطراف يُقتصُ منه في الحرم. فكأنها جعلت في حكم الأموال. وإن كانت في النَّفْس لا يُقتص منه في الحرم، ويُلجأ إلى الخروج حتى يُقتص منه. وعند الشافعية يقتص في الحرم، فحُرمةٌ الحرمِ أزيدُ عندنا من الشافعية. وتمسك الحافظ رحمه الله تعالى بقول عمرو بن سعيد. قلت: وأنا رَاض على هذا التقسيم، فإن الصحابيَّ في هذا الحديث يُوافقَنا في المسألة. ١٠٤ - قوله: (ولا يعضد) وراجع لتفصيله ((شرح الوقاية)) من الجاف والمنكسِرِ والنابت بنفسه، وعدمُ كونه مما ينبتُهُ الناس. قوله: (ساعة من نهار) وهي من طلوع الشمس إلى الغروب كما في ((مسند أحمد)). قوله: (الخَرْبَة) في الأصل سرقة الإبل، ثم عمَّم. وفي بعض النُّسخ: الخزية بمعنى "رسوائي" وراجع ((دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة للحبيب)) فإنه تكلم في هذا الحديث كلاماً حسناً. وكتب أن الإمامَ أبا حنيفة رحمه الله تعالى قد فَهِمَه حق الفهم، وكان مصنفه من علماء السند، وأصله من الكشمير، وأجازه الشاه ولي الله قُدِّس سره بالكتابة، وحرر له أني أجيز لك ولمن كان لها أهلاً من أهل بلدك - وقد تكفل بطبعه غير المقلدين في زماننا، لأن مصنف الدراسات أيضاً لم يكن مقلداً، إلَّا أنه لم يكن متعصباً مثل هؤلاء، فإذا وجد كلمةَ حقٍ أقرَّ بها كما فعل ههنا - فإنه مدح الإمام على أنه هو الذي أدى حق الحديث وعمل به بدون تخصيص ولا تأويل. قوله: (إن الحرمَ لا يعيذُ عاصياً) قلت: هو من باب كلمةٍ حق أريدَ بها الباطل، فإنه لا يصدُقُ على ابن الزبير أصلاً، بل يصدقُ عليه وعلى يزيد. وملخص القصة أن معاويةَ رضي الله عنه لما ولى يزيد أنكرَ عبد الله بن الزبير وأصحابَه أن يُبَايعوه ورحلَ عبد الله بن الزبير رضي الله عنه إلى مكة، فاستخلف بعدَه مروان، ثم عبد الملك، فولى عبد الملك الحجاج المبير ظالمُ هذه الأمة، فتولى قتْلَ ابن الزبير رضي الله عنه وفعلَ ما فعل، وأحرقَ قرناً كَبْش إسماعيل عليه الصَّلاة والسَّلام، وتهدمت حِصةٌ من البيت أيضاً، والعياذ بالله. ١٠٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ذُكِرَ النَّبِيُّ نَّهِ قَالَ: ((فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَخْسِبُهً قَالَ - وَأَعْرَاضَكُمْ، عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا،ٍ فِي شَهْرِكُمْ هذا، أَلَا لِيُبِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ))، وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِوَلِّ، كَانَ ذلِكَ: ((أَلَا هَلَ بَلَّغْتُ)) مَرَّتَینٍ. ١٠٥ - قوله: (وكان محمد) جملةٌ معترضةٌ ومعناها: تصديقُ ما أخبرَ به النبي ◌َّ من أنه وَقَعَ كما أخبر. وثبت أن رُبَّ غائبِ أحفظ من السامع. ٣٩ - باب إِثْم مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ ◌َل ١٠٦ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ قَالَ: سَمِعْتُ ٢٨٩ كتاب العلم رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيّاً يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ وَِّ: ((لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَليَلِجِ النَّارَ)). ١٠٧ - حدّثنا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدٍ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلتُ لِلِزُّبَيرِ: إِنِّي لَا أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَكَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ، وَلكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلَيَتَبَوَّأُ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)). ١٠٨ - حدّثنا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ قَالَ: قَالَ أَنَسِّ: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًاً كَثِيراً أَنَّ النَّبِيَّ نَلِقَالَ: ((مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِباً فَلَيَتَبَوَّأُ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)). واعلم أنَّ الجمهورَ على أن الكذبَ على النبي بَ﴿ عمداً من أشدِّ الكبائر. وذهب أبو محمد الجويني - من كبار الفقهاء - إلى أنه كفرٌ. وأيَّده من المتأخرين الشيخ ناصر الدين بن المنير وأخوه الصغير زين الدين بن المنير. وأما من فرق بين الكذب عليه والكذب له تمسكاً، بقوله: من تكذب عليّ فإنه جاهل، فإن الكذب كيف كان ليس له في حال بل هو عليه في كل حال فلا يجوزُ الكذبُ في الترغيب والترهيب أيضاً. والكذب بكسر الذال اسمٌ، وبسكونها مصدرٌ. قال العيني: من ذكر حديثاً موضوعاً بدون ذكر وضعِهِ أو غَلِط في الإعراب فهو أيضاً تحت هذا الوعيد. قال الحافظ في ((الفتح)): إن هذا الحديث ثابت عن ثلاثين من أصحاب النبي وَيّ. قلت: وهو عندي عن خمسينَ منهم. والحاصل: أنه حديثٌ متواترٌ قطعاً. فائدة واعلم أني لم أجد أتقن في باب النقل من المحدثين، ثم الفقهاء، ثم أهل اللغة فإنهم قد لا يأتون بحديث لا يكون له أصلٌ في كتب الحديث. وأما الذين أشربت قلوبهم فنَّ المعقول فإنه تبيَّن بعد الاستقراء أنهم لا علم لهم بأن الحديث ما هو؟ وأن البحثَ عن الأسانيد ماذا؟ ولكنهم إذا سمعوا الناس قالوا في كلام: إنه حديث، جعلوا يقولون: إنه حديث وإن كان موضوعاً . ١٠٩ - حدّثنا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بن الأكوع قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَيَقُولُ: ((مَنْ يَقُل عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُل، فَلَيَتَبَوَّأُ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)). ١٠٩ - قوله: (مكي بن إبراهيم) وهو حنفيٌ من أصحاب أصحاب أبي حنيفة رحمه الله. وهذا أول الثلاثيات عند البخاري، وهي أزيدُ عند الدارمي منه، فإن الدارميَّ أكبر سناً منه، وشيء منها عند ابن ماجه أيضاً وليست عند أحد من الصحاح غيرها. وفي ((مسند الإمام أبي ٢٩٠ كتاب العلم حنيفة)) الثنائيات أيضاً. وقد مرَّ أنه تابعيّ رؤيةٌ وتبع التابعي رِوَايةٌ، فإنه ثبتَ رؤيتُهُ أنساً رضي الله تعالى عنه عند الكل. وادَّعى العيني أنه رأى سبعة من الصحابة. وردها العلامة قاسم بن قُطْلُوبُغَا وقال: إنه لم يثبت له غير رؤية أنس رضي الله عنه. وقال الحافظ رحمه الله تعالى: إن العلامة قاسم مُتقنٌ وهو في اصطلاحهم من لا يغلطُ في أسماء الرواة وألفاظ الحديث. قلت: بل هو حافظ، وإن لم يكن مثل الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. ثم إن ((مسند الإمام)) إنما جُمِعَ بعده، والمتداول في الأيدي هو ((مسند الخوارزمي)) وهو المشهور بـ(مسند الإمام)). وقد كان جَمعَهُ عشرة من الناس منهم حفاظ، ثم جمعَ الجميعَ الخوارزمي ثم جمع ((مسنده)) أربعة من الأئمة أيضاً: منهم أبو بكر المقرىء، وأبو نُعيم الأصبهاني وهذه المسانيد مفقودة كلها. وأحسن ما يمكن جمع مسنده من أمالي أبي يوسف رحمه الله تعالى، وكان يملي في زمان قضائه. وقد حضرَ في مجلس إملائه أحمد رحمه الله تعالى وابنَ معين أيضاً وعن ابن مَعين عندي أن أبا يوسف رحمه الله تعالى كان يحفظُ في زمن حفظهِ ستين حديثاً في مجلس واحد، وليس في ((الجامع الصغير)) حصة من الأحاديث. نعم، في ((المبسوط)) حصة منها، لكن الآفة فيها أن الطابع لم يميز فيما بين كلام محمد وكلام الشارح، وكذا حذف الأسانيد فتعطلت عن الفائدة. ١١٠ - حدّثنا مُوسى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نََّ قَالَ: ((تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي، وَمَنْ رَآنِي فِيّ المَنَامِ فَقَّدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُوَرَتِي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلَيَتَبَوَّأُ مَقْعَدَهُ مِنَّ النَّارِ)). [الحديث ١١٠ - أطرافه في: ٣٥٣٩، ٦١٨٨، ٦١٩٧، ٦٩٩٣]. ١١٠ - قوله: (تسموا باسمي .... إلخ) كان دأب العرب أنهم إذا دعوا أحداً أو أرادوا توقيره، دعوه بكنيته دون اسمه، وعليه ما جاء في الحديث أن رجلاً دعا أحداً بأبي القاسم، فالتفت إليه النبي ◌َّ فقال الرجل: إني لم أردكَ، فنهى النبي ◌َُّ أن يُكْتَنَى أحد، بكنيته لئلا يحصلَ الالتباس، ولذا قال بعض العلماء: إن النهي مقتصر على زمانه، سواء تَكنَّى منفرداً أو مع اسمه الشريف. وفي المسألة أقوال عديدة ذكرها الشارحون. قوله: (من رآني في المنام ... إلخ) والمعنى: من تعلقت رؤياه بي فهو تعلق صحيح، أي من تعلقت رؤياه بي في اعتقاده فهي رؤيا صحيحة، كذا قال صاحب ((القوت)). واعلم أنه اختلف في رؤيته وَّر ومراد الحديث. فقال بعضهم: إنه مخصوصٌ بما إذا رآه في حليته المباركة، واعتبر هؤلاء أطوارَ الحلية ولم يجوزوا المخالفة ولو بشعرة، فإن كان رآه في حليةٍ صباه ينبغي أن تطابق بما كانت حليته فيه، وكذا في حلية الشباب والشيخوخة. ونقل البخاري عن ابن سيرين في كتاب الرؤيا أنه كان يسأل الرائي عن حليته التي رآه فيها، فهذا دليلٌ على اعتباره أطوار الحلية، وهذه الجماعة قليلة . ٢٩١ كتاب العلم وعممها بعضهم وقالوا: إن المرئي هو النبي ◌َل# في أي حلية كان إذا كان عنده أنه رآهُ، ولم يعتبروا المطابقةَ بين الحلية المرئية والحلية التي هي حليتُهُ. ولما ضيَّق الأولونَ في رؤيته وقيدوها بتقييداتٍ وسعوا في اعتبار أقواله الحُلمية، بخلاف الجمهور فإنهم إذا وسَّعوا في أمر الرؤية ضيَّقوا في اعتبار تلك الأقوال، ولكنها تُعرضُ على الشريعة عند جميعهم، فإن وافقت قُبلتٍ وإلا لا. وما ذكره النووي رحمه الله تعالى مضرٌ جداً، لأن ما أخبر النبي وَّر به هو في رؤيته، ولم يخبرنا بأنه يقول له ويكلمه أيضاً، فما ثبتَ عنه يقظةً لا يُترك بما رئي مناماً. وأيضاً النائم ليس على يقينٍ من كلامه ولا من كلام تلك الصورة المُرتبة، وليست تلك صورةٌ بصرية، بل رؤيا حُلمية، وأكثر الناس لا يعرفون حقيقتها، فلذا لا يجبُ الأخذ بها. ولكن إذا لم تخالف حكماً ظاهراً من الشرع حَسُن العملُ بها أدباً مع صورته وَل﴿ أو مِثالها. ولا ندَّعي أنه قاله ◌َيه في الواقع، ولا أنه خاطبه، ولا أنه انتقل من مكانه، ولا أنه أحاط علمه الشريف بذلك البتة، وإنما الله أراه إياهُ لحكمةٍ علمها. وراجع له ((شرح منهاج السنة)) للسبكي . وفيه حكاية ذكرها الشيخ عبد الحق رحمه الله تعالى: أن رجلاً رأى النبي ◌ّ في المنام يقول: اشرب الخمر، وكان الشيخ علي المتقي حياً إذ ذاكَ وهو حنفي، شيخ لمحمد طاهر صاحب ((مجمع البحار))، وهو أيضاً حنفي كما صرح به هو بنفسه في رسالة خطية، وسها مولانا عبد الحي رحمه الله تعالى حيث عده من الشافعية ومن مصنفات شيخه ((كنز العمال)) رتب فيه كتاب السيوطي رحمه الله تعالى ((جمع الجوامع)) - فأجابه: أن النبي ◌َّو إنما قال: لا تشرب الخمر، ولكن الشيطان لَبَّس عليك، والنوم وقت اختلال الحواس. فإذا أمكن في اليقظة أن يسمعَ رجلٌ بخلاف ما قاله القائل لعلة في الخارج أو من جهته، ففي النوم أولى. والدليل عليه أنك تشرب الخمر، فأقر به، وقال: نعم إني أشرب الخمر. وعندي أنه قال له: اشرب الخمر تعريضاً على حاله القبيح، ويفهم هذا المعنى من لهجة المتكلم وكيفية تكلمه، فاللفظ الواحد قد يكون لمعناه، وقد يكون للتعريض. ثم التعريض قد يكون قولياً وقد يكون فعلياً، يُعرف ذلك بالقرائن. وقالت هذه الطائفة: إن الحلية تُنبىء عن حال الرائي، فإن كان حاله حسناً يراه في حالة حسنة، وإلا ففي غير ذلك. وفيه أيضاً حكاية أن رجلاً رآه وَيِّ وعلى رأسه القَلنسوة الإنكليزية، فاستوحش منه، وكتب إلى مولانا الكنكوهي رحمه الله تعالى، فكتب إليه أنه إشارة إلى غلبة النصرانية على دينه. ثم التحقيقُ أن رؤيتَه ◌َّ﴿ لا تتعين في رؤيةٍ عين الذات المباركة، فإن الأحوال في رؤية الشخص مختلفة، فربما نرى شخصاً من الأحياء ولا يكون له علمٌ برؤيتنا ولو كان في المنام عين ما في الخارج لكان عنده شعور بها، فالمرئيُ إذاً والله تعالى أعلم قد يكونُ صورةً مخلوقة لله تعالى على مِثال تلك الصورة، أي أنه تعالى يخلق حقيقة على مثال صورتِهِ وروحانيته أرانا إياها وأوقع في نفسنا مخاطبتها إياها، وقد تكونُ روحه المباركة بنفسها مع البدن المثالي. ثم قد تكون يقظَّةً أيضا كما أنها قد تكون مناماً . ٢٩٢ كتاب العلم ويمكن عندي رؤيته ◌َّ يقظةً (١) لمن رزقه الله سبحانه كما نقل عن السيوطي رحمه الله تعالى - وكان زاهداً متشدداً في الكلام على بعض معاصريه ممن له شأن - أنه رآه وَّ اثنين وعشرين مرة وسأله عن أحاديث ثم صححها بعد تصحيحه وَثّر. وكتب إليه الشاذلي يستشفع به ببعض حاجته إلى سلطان الوقت، وكان يوقّره فأبى السيوطي رحمه الله تعالى أن يشفع له، وقال: إني لا أفعلُ وذلك لأن فيه ضررُ نفسي وضررُ الأمة، لأني زرتُهُ فََّ غير مرة ولا أعرفُ في نفسي أمراً غير أني لا أذهب إلى باب الملوك، فلو فعلتُ أمكن أن أحرم من زيارتِهِ المباركة. فأنا أرضى بضررِك اليسير من ضررٍ الأمة الكثير. والشعراني رحمه الله تعالى أيضاً كتب أنه رآه وي ير وقرأ عليه البخاري في ثمانية رفقة معه، ثم سمَّاهم وكان واحد منهم حنفياً وكتب الدعاء الذي قرأه عند ختمِه. فالرؤية يقظة متحققة وإنكارُهَا جهلٌ. ثم عند مسلم في لفظ آخر: ((فسيراني في اليقظة)) ولعله حديث آخر ومضمون آخر يقتصر على حياته ◌َّير، وفيه تبشير بالصحابية لمن كان رآه في المنام، ولكن الراوي شك فيه وقال: أو فكأنما رآني، فوقع التردد في أنهما حديثان أو واحد. ونقل العيني رحمه الله تعالى فيه زيادة أخرى ((فإني أرى في كل صورة)) وهي تضرُ الطائفة الأولى فإنها تُشعر بالتعميم وأن لا تخصيصَ بحلية دون حلية. أقول وظاهرُ حديث البخاري يؤيد الطائفة الأولى، سيما إذا كان من لفظه: فإن الشيطان لا يتكونني، وحينئذٍ صرفُ هذه الزيادة عن ظاهرها أولى، فإنها لا توازي حديث البخاري. وشرحُهَا عندي دفع استبعاد، وهو أن النبي ◌َّ إذا كان في المنام هو ولم يتمكن الشيطان من تمثله، فكيف تكون رؤيته في زمان واحدٍ لأشخاصٍ عديدة في أمكنة كذلك. والجواب: أنه ممكنٌ لأنه يُرى في كل صورة. أما إن تلك صورة مثالية أو عينه وَّر فهو تابعٌ لمنامه قد تكون كذا وقد تكون كذا(٢). (١) قلت: وقد بحث فيه السيوطي رحمه الله تعالى في رسالته: ((تنوير الحَلَكَ في رؤية النبي والمَلَكَ)) وملخصه على ما أحفظ الآن: أن عامَة المحدثين إلى النفي وعامة الأولياء إلى إثباتها، وراجع التفصيل منها إن شئت. (٢) قلت: هذا آخر ما سمعت من شيخي رحمه الله تعالى في هذا الباب. وهو يُشعر أنه اختار مسلكَ ابن سيرين ومن نحا نحوه. ولم يُعمم أمرَ الرؤية، بل قصرها على مطابقتها بما في الخارج، ولذا احتاج إلى تأويل قوله: فإني أرى في كل صورة. وقد كنتُ كتبتُ عنه فيما مضى ما يُشعر بخلاف ذلك، وهو أن السؤال عن حليته ينبغي أن يقتصرَ على الزمان الذي كان فيه أحدٌ ممن رآه ◌َّ* حياً كما في زمن الصحابة رضي الله عنهم، وأما إذا لم يكن بقي فيه واحد منهم فلا ينبغي السؤال عنها كما هو اليوم، وهكذا يفعلون أهل العرف في رؤياهم، فإذا رأيت رجلاً في المنام وقد بقي ممن رآه في حياته يسألونك أنَّك كيف رأيت صورته؟ فلو ذكرت ما خالف حليته يكذبونك ويقولون: إنك ما رأيته، لأنه لم يكن على تلك الحلية. وأما إذا مضى عليه، برهة من الزمان ولم يبق لأحدٍ ممن رآه فلا يبحثون عن حليته، وهكذا ينبغي، فإن المنازعة إنما تكونُ ممن كان رآه، وأما إذا انقطع أثرُه وذهب ذِكره وفِكره فلا يمكنُ المنازعة، ويحتاج إلى تصديق رؤياه إلى شهادة قلبه فقط، فإِذا ألقى في قلبه أنه رآى فلاناً فإنه كذلك، ولو خالفت حليته مما في الخارج، فكذلك ينبغي رؤيته النبي ◌َّر أن لا يُسأل عن حليته اليوم، لأنه لم يبق من الصحابة رضي الله عنهم ولا من رآهم ورأى من رآهم أحد، فمن الباحث عن الحلية إنما هو شهادة القلب وبُشرى المؤمن، فتحقيقه هذا يعلّق بالقلب ويثلج به الصدر، إلاّ أنه فيما أفهم راجعٌ إلى المذهب الثاني أو أمر بين الأمرين. ٢٩٣ كتاب العلم ثم اعلم أن الأحاديث عامةٌ في الرؤيا تبنى على التقسيم الثنائي: الرؤيا من الله، والحُلُم من الشيطان. وشرحه العلماء بأن ظاهرَه إن كان خيراً فهو من الله، ويَسألُ عن تعبيره. وإن كان مشوهاً فهو تحزينٌ من الشيطان ولا يَسأل عن تعبيره وأمره كما في الحديث. وفي بعض الأحاديث التقسيم الثلاثي أيضاً: تحديث النفس، وتخويفٌ من الشيطان، وبشرى من الله، وقد كنت مدةً طويلةً أظن أن حديث الباب يبنى على التقسيم الثنائي، فإذا انتفى الحُلم تعيَّنَ أن يكونَ من الله تعالى، وهذا معنى قوله: ((فقد رآني)) أي رؤياه صحيحة وحق ومن الله لانتفاء مَدْخليَّة الشيطان منها، لأنه لا يمكنُ أن يتمثل به وَيَّة. أما الخطور بالبالِ أنه رآه أو انتقاشُ صورتِهِ المباركة بتكررِ الخيال، فهما خارجان عن مصداق الحديث، فلم يدخلا تحت الشرط، فكذا في الجزاء أيضاً وإن كانا واقعين في الخارج. وبين الانتقاش والخطور فرق، فإن الرؤية في الأول متحققةٌ ولو كانت من أجل تصوره، ولا رؤية في الثاني غير الخطور بباله أنه رآه. ثم تبين لي بعد مرور الزمان أنه يبنى على التقسيم الثلاثي. والحديثُ لا يصرحُ إلا بانتفاء الحُلم فيه، فلا يمكنُ في رؤيته مَدْخليَّةٌ الشيطان. نعم، يمكن أن يكون على طريق تحديث النفس أيضاً وحينئذٍ معنى قوله: ((فقد رآني)) أي تارة على طريق الرؤيا الإلهية، وأخرى على طور تحديث النفس، فبقي هذان الاحتمالان داخلين تحت مِصداق الحديث. وعلى الشرح الأول لم يكن فيه إلا احتمالُ كونها من الله، سواءٌ كان ذلك رؤية لشخصه أو مثاله. والآن انفسحَ الأمرُ وأمكنَ أن يكونَ على طريق تحديث النفس أيضاً . بقي الشق الرابع، وهو رؤيته على سبيل الخُطور، فهو خارجٌ عن قضيةِ الحديث مطلقاً، فإنها ليست برؤيته أصلاً، فلا يدخل تحت الشرطِ فكيف في الجزاء فإن قوله: ((فقد رآني)) يُصدَّق فيمن تحققَ فيه الشرط، وهو قوله: ((من رآني في المنام)) ورؤيته على سبيل الخطور ليست من الرؤية في شيء. وهكذا أخرجه السبكي أيضاً. وجملةُ الأمر أن ما بدا لي بعد مضي الدهر هو أن الحالَ في رؤيته وَّر على ثلاثة أنحاء كما هو عندهم في الرؤيا العامة، وإن كنتُ أظن أولاً أنه على خلافها من كونه مبنياً على التقسيم الثنائي. وبالجملة أن الرؤية قد تكونُ عنايةً من جهته وَّر، وتلك هي أعلاها، وقد تكون تلك على المثال دون الشخص بعينِهِ، وكلتاهما داخلتان في قضية الحديث أما الرؤية على طريق الخُطور بالبال، فقد أخرجه السبكي رحمه الله تعالى. بقي تحديثُ النَّفْسِ فهو داخلٌ بعد كما ظهر آخراً. وإنما اخترتُ هذا الشرحَ لأني رأيت الحالَ في الخارج كذلك، فلما أمكن شرحُ الألفاظ بما يطابق الخارج رأيته أولى. وتفصيله: أن القوةَ الخياليةَ بتكررِ الخيال، وممارستها قد تُحِدثُ في النفس صورةً، ولا يكون هذا إلا تصرفاً منها كما اشتهر في المثل في بلادنا: أن الهرةً لا ترى في نومها إلا لحماً، فإنها تحبُّه وتمارسه حتى لا تكاد تغيب عن ذهنها صورتُهُ، فتلك هي رؤياها في نومها كما هي في اليقظة، فكذلك حالُ من أُغْرِمَ بحب النبي ◌َُّ وأكثر ذكره وطال فيه فِكرُه، ولم يزل مشغولاً به في اليقظة، فربما ٢٩٤ كتاب العلم يصوِّر في نومه ما عَلِق به قلبه في اليقظة، فهذا أمرٌ ممكنٌ، بل واقعٌ ونوعُ بشارةٍ له أيضاً، فإن هذا الخيال وإن لم تكن له حقيقة لكنه مبارك. والحاصل أن رؤياه ◌َّ: قد تكون كرامةً من الله تعالى، وهو بشرى المؤمن حقيقة، وقد تكون على طور تحديث النفس، فهذا أيضاً نوع بِشارة، وإن كانت ضعيفة ولذا يشتركُ فيها الصالح والطالح، ولو كان مع ذلك عناية من جانبه تعالى، فالأمر أعلى؛ وأما على طريق تحزين الشيطان فهذا أبعد وأبعد، نعم، يتحقق ذلك في الرؤيا العامة، هكذا حققه الشيخ المجدد السَّرهندي رحمه الله تعالى وأعلى درجته في عليين وبعده الشیخ ميرزا جان جانان الشهيد والشاه رفيع الدين رحمهما الله تعالى، فإنهم كلهم كانوا قائلين بالرؤية الخيالية أيضاً. ولعَمري إنه مذهبٌ محكمٌ مطابقٌ بما في الواقع، والله تعالى أعلم. ٤٠ - باب كِتَابَةِ العِلمِ ١١١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلام قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جُحَيفَةَ قَالَ: قُلتٌُ لِعَلِيّ: هَل عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: لَا، إِلَّ كِتَابُ اللَّهِ،َ أَوْ فَهَمْ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هذِهِ الصَّحِيفَةِ، قَالَ: قُلتُ: فَمَا فِي هذهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: العَقْلُ، وَفِكَاكُ الأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. [الحديث ١١١ - أطرافه في: ١٨٧٠، ٣٠٤٧، ٣١٧٢، ٣١٧٩، ٦٧٥٥، ٦٩٠٣، ٦٩١٥، ٧٣٠٠]. واعلم أن الاهتمام في عهده وَيرٍ كان بجمع القرآن فقط، ولم تكن هممهم مصروفةً إلى جمع الأحاديث، بل كانوا يحفظونَها عن ظهر قلبَ، إما بالألفاظ بعينها إن أمكن، وإلا فبالمعنى مع إبقاء المراد على حاله. ثم جَمَعَ أبو بكر الصديق مما تفرق من القرآن في مقام واحد، ثم أخذ عنه عمر رضي الله عنه نقولاً في زمان خلافته. أما عثمان رضي الله عنه فكتب جميع ما كان قرأه جبرئيل على النبي ◌ٍَّ في العَرْضَةِ الأخيرة وأرسل نقوله إلى البلاد وما كانت عندهم من القراءات المختلفة أمر بحرقها لئلا يَشقَّ الناسُ عصاهم في أمر القرآن. ثم إنه ثبت عنه النهي عن كتابة الحديث وثبت عنه الإجازة أيضاً لبعض أصحابه وَّةِ، فقد رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: إني لا أعلمُ أحداً أحفظُ لحديث رسول الله وَّ مني غير عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، فإنه كان يكتب ولا أكتب (١)، فكان عبد الله بن عمرو بن العاص جمع أحاديثه وَّيٍ في كتاب وسمَّاه الصادقة. (١) قلت: وأحسن وجوه التوفيق بينهما أن يقال: إن النبي ◌َّل، إنما نهى عن كتابتها في أول الأمر، لأن القومَ كانوا أميين لا يُحسنون طرق الكتابة وكان أهم حينتئذٍ القرآن، فلو أجيز لهم بالكتابة لخلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، واختلط عليهم القرآن وتعسر عليهم معرفة الصحيح من غلطه، لأجل عدم تحسينهم الكتابة كما ترى اليوم، فإن الكتُبَ عامة مملوءة من الأغلاط، مع تعلُّم الناس حرفة الكتابة، حتى أن بعضها قد انقطعت عنه الفائدة لأجل = ٢٩٥ كتاب العلم وأخرج الطحاوي عن عمر رضي الله عنه أنه أراد أيضاً جمعَ الأحاديث واستخار إلى شهرٍ، فاستقر رأيهُ على أن لا يجمعها وقال: إني سمعت قوماً نزلت عليهم الصحيفةُ فكتبوا حديثَ نبيِّهم وانهمكوا فيها، حتى غَفَلوا عن صحيفتهم فضاعت، فرأى أن لا يجمع. ثم أول من صنف فيه من التابعين الزُّهْري، فجمع فيه السير والمغازي. ثم صنف ابن جُرَيج في زمن عبد الملك. وجمع مالك رحمه الله تعالى في ((الموطأ)) المرفوع مع الآثار. ثم جرَّد أحمد رحمه الله تعالى المرفوع من الآثار مع عدم التميز بين الصحيح والسقيم، حتى ظهر البخاري وصنف ((صحيح البخاري)) مميِّزاً بين الصحيح وغيره. حتى قيل في حقه: إنه أصحُ الكتب بعد كتاب الله تعالى، ثم صنف الناس كتباً تَتْرى على اختلافهم إلى أن بلغ الأمر كما ترى. قلت: وإن جَمْعَ الأحاديث في زمنه نَّ وإن كان أحسنَ في بادىء الرأي، إلّا أن المرضِيَّ عند ذلك كان أن لا تدونَ الأحاديثُ مثل تدوين القرآن، ولا تحفظُ حفظه، ولا تنتهي في الحتم نهايته، ولا تبلغُ في الاهتمام بألفاظها مبلغَه، ولا ينفي عنه الاختلاف والشبهات نفيها عنه، بل تبقى في مرتبة ثانوية يمشي فيها الاجتهادُ، وتفحصُ العلماء، وغور الفقهاء، وبحث المحدثين لينفسح عليهم أمر الدين، ويتوسع عليهم من كل جانب، وصدق حيث قال: ((إن الدين يُسر)) ثم رأيت أثراً عن الزهري في كتاب ((الأسماء والصفات)) قسم فيه الوحيَ وقال: إنه لا يُكتب منه إلا قسم واحدٌ، فعلمتُ أن انضباطَ نوعٍ دون نوع في زمنه ◌َّ كانت هي المسألة، لا أن عدم كتابة الأحاديث كانت اتفاقاً فقط. قوله: (ولا يقتل مسلم بكافر) وبظاهره أخَذَ الأئمة الثلاثة وقالوا: إن المسلم لا يقتل بكافر حربياً كان أو ذِمياً. وخالفهم أبو حنيفة رحمه الله تعالى في الذُّمي وقال: إن المسلم يقتل بالذمي وإليه ذهب داود الظاهري وأبو بكر الضحاك في كتاب الديات، وأبو بكر هذا بعد البخاري بزمن قريب. قلت: والمستأمنُ أيضاً كذلك فيقتلُ بالمستأمن أيضاً، وإن كان بعض عبارات الفقه يُوهم بخلافه، لكنَّ المذهبَ ما قررنا. واحتج الأئمة رحمهم الله تعالى بقوله: ((لا يقتل مسلم بكافر)) ونقل الحافظ في ((الفتح)) أن زفرَ رحمه الله تعالى قيل له: إنك تقولُ بقتل المسلم بالذمي مع أن الحدود مُندرئةٌ بالشبهات، وأي شبهةٍ أقوى من أن يقتصَّ من المسلم بالذمي مع قوله بَّ: ((لا يقتل مسلم بكافر)) فرجع عنه وقال: أشهد أني رجعت عن هذه المسألة. وأجاب عنه عدم ◌ُودة الناسخين، فلو كان بلغ أمرُ الحديث إلى هذا في زمن النبي ◌َّلما بلغَ اليوم أحاديثه ◌َّة إلينا بهذه = الصحة، فإن الطبائع بعد الكتابة تتكاسل في الحفظ وتعتمدُ على الكتابة كما ترى اليوم وأَنَّ الناس يعظمون رغبتهم في كُنت غير مطبوعة فإذا طُبعت يتكاسلون عنها لعلمهم أنها لا تضيع الآن، ثم إذا شاع الإسلام ودخل فيه من كانوا يحسنون الكتابة، وكان عندهم علم ورآهم أهلاً واطمأن بهم أجازهم بالكتابة، وهذا هو سر التخليط في كتبٍ بني إسرائيل، أنهم كتبوا التفاسير على هوامش الكتاب فأدرجت في المتن، فلم يميزوا بينهما إلى الآن، فكان النهي في زمنه هو الأولى، هكذا استفدت من كلام ابن قتيبة رحمه الله تعالى. ٢٩٦ كتاب العلم الطحاوي (١) أن المرادَ من الكافرِ هو الحربيُّ دون الذمي، بقرينة قوله: ((ولا ذو عهد في عهده)) قال الطحاوي في ((معاني الآثار)) بعدما أخرج حديث علي رضي الله تعالى عنه من لفظ ((ولا ذو عهد في عهده)): (١) أن الذي فيه من نفي قتل المؤمن بالكافر هو قوله: ((لا يقتل مؤمنٌ بكافر، ولا ذو عَهْدٍ في عهده)) فاستحال أن يكون معناه على ما حمل إليه أهل المقالة الأولى، لأنه لو كان معناه على ما ذكروا لكان ذلك لحناً، ورسول الله ◌ٍَّ أبعدُ الناس من ذلك، ولكان لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذي عهد في عهده، فلما لم يكن نَقطّ كذلك وإنما هو ولا ذو عَهد في عهده، علمنا بذلك أن ذا العهد هو المعنيُّ بالقصاص، فصار ذلك كقوله: لا يقتل مؤمن ولا ذو عهد في عهده بكافر. وقد علمنا أن ذا العهد كافرٌ، فدل ذلك أن الكافر الذي منع النبي ◌ٍَّ أن يقتل به المؤمن في هذا الحديث هو الكافرُ الذي لا عهد له، فهذا مما لا اختلاف فيه بين المؤمنين، أن المؤمنَ لا يقتلُ بالكافر الحربي، وأن ذا العهدِ الكافر الذي قد صار له ذمة لا يقتلُ به أيضاً. وقد نجد مثل هذا كثيراً في القرآن، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَبِكُمْ إِنِ أَرْبَّبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَثَّهُ أَشْهُرٍ وَلَِّى لَمْ يَحِضْنَّ﴾ [الطلاق: ٤] فكان معنى ذلك: واللائي يئسن من المحيض واللائي لم يحضن إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر، فقدم وأخر. ثم أجاب الطحاوي عن كون الجملة ((ولا ذو عهد)) ... إلخ مستأنفة وقال: إن هذا الحديث إنما أجري في الدماء المسفوكِ بعضها ببعض، لأنه قال: ((المسلمون يد على من سِوَاهم، دماؤُهم، ويسعى بذمتهم أدناهم)). ثم قال: ((لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده)) فإنما أجرى الكلام على الدماء التي تؤخذ قصاصاً ولم يجر على حرمة دم بعهد، فيُحمل الحديث على ذلك. ثم نُقل مِثْله عن علي رضي الله عنه وهو أعلم بمعنى الحديث، ثم أتى بنظر يُؤيدهُ وقال: إن الحربيَّ دمُه حلال وماله حلال، فإذا صار ذمياً حَرُم دمه وماله، كحرمة دم المسلم وماله، ولذا يجبُ القطع بسرقةٍ ماله كما في سرقة مال المسلم، فإذا كانت العقوبةُ في انتهاك حرمة ماله كالعقوبة في انتهاكِ حُرمة مال المسلم، كان دمُه أجرى أن يكون عليه في انتهاك حرمته من العقوبة ما يكون عليه في انتهاك حرمة دم المسلم. والنظر الثاني أنهم أجمعوا أن ذمياً لو قتل ذمياً ثم أسلم القاتل أنه يقتلُ بالذمي الذي قتله في حال كفره ولا يُبطِلُ ذلك إسلامه، فلما رأينا الإسلام الطارىء على القتل لا يُبطِلُ القتلَ الذي في حال الكفر، كذلك الإِسلامُ المتقدمُ لا يدفعُ عنه القَوَد، وقال أهل المدينة: إن المسلم إذا قتلَ الذميَّ قَتلَ غِيْلة على ماله أنه يقتل به، فإذا كان هذا عندهم خارجاً من قول النبي اَلة: ((لا يقتل مسلم بكافر)) فما تنكرون على مخالفكم أن يكون كذلك الذمي المحايد خارجاً من قول النبي ◌َّله. انتهى مختصراً. ثم إن الطحاوي قد تكلم عليه في ((مشكل الآثار)) أيضاً وهو أوضح مما ذكره في (معاني الآثار))، قال الطحاوي في ((مشكل الآثار)): ثم تأملنا ذلك فوجدنا قوله مَ الٍ: ((ولا ذو عهد في عهده)) لا يخلو من أحد وجهين أن يكون معطوفاً على ما قبله كما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه فيه. أو على كلام مستأنف، بمعنى: ولا يقتل ذو عهد جائز قتله بمن يقتله قَوَداً به وكان في ذلك ما قد دل أنه لم يكن قوله: ((ولا ذو عهد في عهده)) على نفي القتل عنه، لأن ذلك لو كان كذلك لما وجب أن يقتلَ على حال من الأحوال، والظاهرُ يوجبُ أن لا يقتلَ بحال من الأحوال ما كان في عهده. ولما وجب أن يقتلَ في عهد بحال من الأحوال لعله أيضاً سهو من الناسخ عَقَلنا بذلك أن المراد بأن لا يقتل في عهده، إنا هو بأن لا يقتلَ بمعنى خاص، ولا خاصّ في هذا غير الكافر الحربي، لأنه عطف عليه، فصار المرادُ بأن لا يقتلَ أي بما لا يقتل به المؤمن المذكور قبله في هذا الحديث، وعاد قوله: ((لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده)» إلى أن لا يقتل مؤمن ولا ذو عهد في عهده بكافر غير ذي عهد وذو العهد كافر، فدل ذلك أن الكافرَ المراد في هذا الحديث هو الكافرُ غير ذي العهد، وأن قوله مسي الذي ذكرناه على التقديم والتأخير، بمعنى: لو قال لا يقتل مؤمن ولا ذو عهد في عهده بكافر. ثم نقل نحوه عن عمر رضي الله عنه. عمله .انتھی .. وكانت النسخة مملوءةٌ من سهو النَّساخ فأتيتُ بعبارته مع إشارات إلى التصحيح وبعد عبارته غير مفصحة. ٢٩٧ كتاب العلم وشرحه بأن المسلمَ لا يُقتل بكافرٍ ولا يقتلُ ذو عهدٍ في عهده بكافر أيضاً. وحينئذٍ وجب أن يرادَ من الكافر الحربيُّ فقط، ليستقيم التقابل بين ذي العهد والكافر. وقال الشافعية: إن في الحديث قطعتين: الأولى في حكم القصاص، أي لا يقتصُ من المسلم بقتل كافر حربياً كان أو ذمياً. وأما القطعة الثانية فلم تُذكر لحكم القصاص بل لحكم المعاهد، أي أنَّ القصاص وإن لم يجب لقتله، ولكن قتلَهُ حرامٌ، فلا يقتِلُ ذو عهدٍ في عهده، كما في حديث رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً قال: ((إلَّا من قَتَلَ نَفْسَا معَاهِداً له ذِمَّة الله وذِمَّة رسُولِهِ، فقد أخفر ذمة الله فلا يُرَح رائحة الجنة .. إلخ))، وهذا الحديث سِيق لبيان حرمَةٍ قتله، لا لأجل القصاص. فكذلك القطعة الثانية في حديث الباب إنما سيق لبيانٍ حرمةٍ قتلهِ، وليست مرتبطة بما قبلها، وحينئذٍ يمكنُ أن يكونَ معنى الحديث: أن المسلم لا يُقتلُ بحال بكافر، سواءٌ كان الكافر حربياً أو ذمياً. أما ذو عهد فإنه لا يقتلُ أيضاً، لأنه حَرَامٌ قتله، فلم يتعين مرادُهُ فيما ذكره الطحاوي وبقي الأمر في التردد بعد. وأجاب عنه الشيخ ابن الهُمَّام (١) أن الحديثَ إنما ورد في دماء الجاهلية وذحولها . والمعنى أن مسلماً بعد إسلامه لا يقتلُ في قصاص كافرٍ قَتَلَه في الجاهلية، فدعاوي الجاهلية لا يرافع بها بعد الإسلام. قلت: وهذا لطيف جداً: فإنه قطعة من خُطبة النبي ◌َّ خَطَبها في فتح مكة. وإعلانُ هذه المسألة هو الذي يناسبُ المحلَ والمقامَ. وقد ورد عند البخاري حديث آخر عن ابن عباس، وشرحه العلماء بعين هذا، وفيه أنه قال: ((أبغض الناس عند الله ثلاثة: مبتغ في الإسلام سنة الجاهلية، ومطالب دم امرىء بغير حق ... إلخ)). قال العلماء: إنه في دماء الجاهلية فلا يُبعد أن يكونَ هذا الحديث أيضاً في دمائها كما ادَّعاه الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى . والجواب(٢) عندي: أنَّ حقنَ دمَ الذميِّ مستفادٌ من عهده بالمسلمين، حيث لم يعاهده (١) قال الجَصَّاص: قوله ثَّ: ((لا يقتل مؤمن بكافر ... )) الحديث. إن ذلك كان في خطبته يوم فتح مكة، وقد كان رجلٌ من خُزَاعة قتل رجلاً من هذيل بِذَحْلِ الجاهلية فقال عليه الصلاة والسلام: ((ألا إن كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدمي هاتين لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده)) يعني والله أعلم بالكافر الذي قتله في الجاهلية، وكان ذلك تفسيراً لقوله: ((كل دم كان في الجاهلية فهو موضوع تحت قدميّ))، لأنه مذكور في خطابٍ واحدٍ في حديث، وقد ذكر أهلُ المغازي أن عهدَ الذمة كان بعد فتح مكة، وأنه إنما كان قبل ذلك بين النبي ◌َّ وبين المشركين عهودٌ إلى مدد، لا على أنهم داخلون في ذمة الإسلام وحكمه، وكان قوله يوم فتح مكة: ((لا يقتلُ مؤمنٌ بكافر)) منصرفاً إلى الكفار المعاهدين إذا لم يكن هناك ذمي ينصرفُ الكلامُ إليه، ويدل عليه قوله: ((ولا ذو عهد في عهده)) إلخ. (٢) وهذا الجواب أشار إليه علي رضي الله عنه، فلما رأيته سررتُ به جداً فأخرج الجَصَّاص في ((الأحكام)) عن أبي الجَنُوبِ الأسدي قال: جاء رجل من أهل الحِيْرة إلى علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه، فقال: يا أمير المؤمنين رجل من المؤمنين قتل ابنه ولي بيِّنة، فجاء الشهود فشهدوا، وسأل عنهم فزكوا، فأمر بالمسلم فأقعِدَ وأعطي الجِيري سيفاً وقال: أخرجوه إلى الجبانة فليقتله وأمكناه من السيف، فتباطأ الحيري، فقال له بعض أهله: هل لك في الدِّية تعيش فيها وتَصنع عندنا يداً، قال: نعم، وغَمَدَ السيفَ وأقبل إلى علي رضي الله عنه. = ٢٩٨ كتاب العلم إلا على حفظٍ دمهٍ ومالهِ. وعند الترمذي: أن لهم ما لنا وعليهم ما علينا. فالمعاهدة لا تقع إلا على حفظٍ دمه وعِرضِهِ ومالِهِ. فمن قتله من المسلمين فقد أَخْفَرَ ذمة المسلمين وافْتَاتَ عليهم، فيكون ناقضاً لذمتهم لأنهم ما عاهدوه إلا على أن دمَه يكون كدمهم، فلو لم يُقتل بقتلِهِ بَطَلَ معنى المُعاهدة فيُقتلُ لأجل معاهدتِهم إياه لا أصالة، فكأن قتل المسلم بالذمي من لوازِمٍ عقد الذمة. وحينئذٍ معنى الجملة الأولى: ((لا يقتل مسلم وذمى بكافر، وإنما أخرجنا لفظ الذمي في العبارة فقط بياناً لحكمه، لأنه بعد عقد الذمة دَخَلَ في أحكام المسلمين في الدنيا لا أنه مقدَّرٌ ليكون تأويلاً. ومعنى القطعة الثانية كما ذكره الآخرون. وبهذا الطريق حصل الجواب عن الحديث مع بقاء موافقتهم في الشرح. ومن ههنا ظهر الجوابُ عما أُورِدَ على زفر رحمه الله تعالى فإن له أن يقول: يقتل لِخَفْره ذمة المسلمين وإزالةِ عصمتِها لا أصالة. ولي طريق آخر لم يسلكه أحدٌ، ويقتضي تمهيدَ مقدمة: وهي أن بيت الله كان تحت ولاية جُرْهم الذين تزوَّج فيهم إسماعيل ثم بقي كذلك في ذريتهم إلى زمان ثم تحول إلى يد خُزاعة، وليسوا بقريش، فإن لَقَبَ قريش شرع من قُصَيّ. واخْتِلف في خُزاعة أنهم كانوا مُضَرِيين أم لا؟ ثم لما صارت الولاية إلى قريش أخرجوا خزاعة ففروا إلى حوالي مكة وسكنُوا فيها، فعُلم منه أنه كانت عداوةٌ بين قريش وخُزَاعة من زمان طويل، فلما وقعَ صُلح الحُدَيْبِيَة دخل بنو خُزاعة في العهد مع النبي ◌ٍَّ، وكان النبي لل ارتضع فيهم ودخل بنو بكر أو بنو ليث - هكذا يشك الراوي - مع قریش . ومضى عليه زمان حتى وقعت حربٌ بين بني خُزَاعة وبين بني بكر حليف قريش فأعانهم قريش على خلاف المُعَاهدة ونقضوها وقتلوا رجلاً من خزاعة، فجاء خزاعةُ وافدين إلى النبي ◌ِّل﴾. وقد أخبره الله سبحانه عنهم قبل مجيئهم وكان يتوضأ وهو يقول: ((سأنصر خزاعة)). فسألته عائشة رضي الله عنها بمن تكلم يا رسول الله؟ قال: يجيء وَفْدُ خزاعة فلما جاؤوا وقَصُّوا عليه القِصةَ وعدهم بالنُّصْرِةِ، وغزا قريشاً مع عشرة آلاف من صحابته وحاربهم من الطلوع إلى الغروب، وهي الساعة التي أَحلت له 8 18، فلما فتحت مكة أعلن النبي ◌َّ بالأمن وكان رجل من بني بكر - أو ليث - يجيء إلى النبي ◌َّ ولا يدري أنه كان يريد الإسلام أم لا؟ فقتله خُزَاعة بقتيل لهم على بني بكر - أو ليث - كما كانت عادتُهم في الجاهلية، فأُخبرَ به النبي ◌َّ فَرَكب راحلتَه مُغضَباً وخَطَبَ: أن الله تعالى حبس عن مكة القَتْل أو الفيل)). قال فقال: لعلهم سبُّوكَ وتواعدُوك قال: لا والله، لكني اخترت الدية، فقال علي: أنت أعلم. قال ثم أقبل علي = رضي الله عنه على القوم فقال: أعطيناهم الذي أعطيناهم لتكون دماؤنا كدمائهم، ودياتا كدياتهم، وهو مذهب عمر رضي الله عنه، وعلى رضي الله عنه، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، قال ولا نعلمُ أحداً من نظرائهم خالف ذلك. ٢٩٩ كتاب العلم محمد، أي البخاري: اجعلوه كذلك على الشك فإني سمعت من شيخي هكذا إلى أن قال: ((فمن قتل قتيلاً فهو بخير النظرين)) ... إلخ. وكانت هذه واقعةٌ قَتَلَ مَسلمٌ ذمياً، لأن الرجل وإن لم يكن ذمياً لكنه كان في حكمهم، لأنه لما أمر بالكفّ عن القتال وأمن الناس فدخل هذا الرجل أيضاً في أمنه، والنبي نَّهَ ذَكَرَ فيه القصاصَ صراحةً، فإن النظرة الواحدةَ هي القصاصُ، فمورد الحديثِ يُقوي مذهبنا ويلزم عليهم أن يخصِّصوا النصَّ بما وراء المورد، فلا یکون له حكم في المورد. وهذه المسألة اختلف فيها الأصوليون: أنه هل يجوز إخراج مورد الحديث عن حكم النص أو لا؟ والظاهرُ أنه لا يجوز، فعليهم أن يخصُّوا النصَّ بما وراء المورد. وإنما لم يقتص منه النبي ◌َّ مع جَوَازِه لأنه أعذره، وكان الموضِعُ موضعَ تسامح وإغماض، لأن إعلان الأمن كان عن قريب، واحتملت المدة أن لا يشيعَ خبرُهُ ولا يصل إلىّ الأطراف أو يقال: إنه عَفَى عنه، وهذا جائز بشرط عدم الخُصومة والمراضاة، كما في فقهنا: أن المستحب للقاضي أن يدعوهم إلى الصلح أولاً كالتحكيم. وفَعَلَه عمر رضي الله عنه في الحقوق المالية كثيراً. وإنما أدى الدية من قِبَلَ نفسه إطفاءاً لنار الفتنة. ثم عند الترمذي في كتاب الديات ما هو أصرح منه في شموله سبب الورود أيضاً. عن أبي شُريح الكعبي أن رسول الله وَّر قال: ((ثم إنكم معشر خُزَاعة قتلتم هذا الرجل من هذيل، وإني عاقلته فمن قتل له قتيل بعد اليوم فأهله بين الخيرتين ... إلخ)) فهذا يدل على أنه كان ينبغي أن يقتصَّ منه إلا أنه أغمض عنه لمصلحةٍ رآها. ثم إن الحافظ نقل رواية عن الواقدي واستدل منه لمذهبه، إلا أنه لم يُسمِّه، فقلت: سبحان الله، وهل يُستدل بمثل الواقدي في أحكام الفقه؟ ولو فعله حنفيٌّ لبقي عليه عارهُ أبدَ الدهر. وتحصل من المجموع أربعة أجوبة: الأول: أن المراد من الكافر هو الحربي دون الذمي، بقرينة مقابلته بالذمي. والثاني: أن الحديث في وضع دماء الجاهلية. والثالث: أن الذمي في حكم المسلم في النفس فقط والمال بنص الحديث وبالعهد فيدخل في المسلم بهذا الاعتبار. والرابع: أن النبي ◌َّرُ أعلنَ في خُطبته بالقِصاص بين المسلم والذمي، فاعلمه. ١١٢ - حدّثنا أَبُو نُعَيم الفَضْلُ بْنُ دُكَينٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيِى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ خْزَاعَةً قَتَلُوا رَجُلاً مِنْ بَنِي لَيْثٍ - عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ - بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذلِكَ النَّبِيُّ ◌ََّ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ، فَقَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنَّ مَكَّةً القَتْلَ، أَوِ الَفِيلَّ - شَكَّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - وَسَلَّطَ عَلَيهِمْ رَسُولَ اللَّهِ بَلَهَ وَالمُؤْمِنِينَ، أَلَا وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، أَلَا وَإِنَّها حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلَا ٣٠٠ كتاب العلم وَإِنَّهَا سَاعَتِي هذهِ حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا تُلتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّ لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ له قَتِيلٌ فَهِوَ بِخَيرِ النَّظَرَينِ: إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ))، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ، فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: ((اكْتُبُوا لِأَبِي قُلَانٍ))، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيشَ: إِلََّ الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌ِ: ((إِلَّا الإِذْخِرَ، إِلَّ الإِذْخِرَ)). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُقَالُ: يُقَادُ بِالقَافِ، فَقِيلَ لأَّبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَيُّ شَيءٍ كَتَبَ لَهُ؟ قَالَ: كَتَبَ لَهُ هذهِ الخُطْبَةَ. [الحديث ١١٢ - طرفاه في: ٢٤٣٤، ٦٨٨٠]. ١١٣ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ: أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهِ، عَنْ أَخِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ وَ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثاً عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَاَ أَكْثُبُ. تابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. ١١٢ - (قوله: ولا تحل لأحد بعدي) وهذا تكوينٌ ولا يخالفُ تسلط الكفارِ على مكة في زمان، لما في ((الجامع الصغير)): أن مكةً لا يُحِلها أحد حتى يُحلِها أهلها . قوله: (ولا تلتقط) وإنما عَدَلَ إلى المجهول لكونِهِ أبلغَ من المعروف ههنا، لدلالته على انتفاء الفعل رأساً. وهو حكم لُقطَةِ الحرم عند الشافعي رحمه الله تعالى، أي من التقطها يجبُ عليه التعريف دائماً لقوله: ((إلا لمنشد)). وعندنا حكمُها حكمُ سائر اللقطات. وإنما خصَّها بالذكر للاعتناء بشأنها، لأنه يمكن أن يفهمَ ناظرٌ عدم الإنشاد فيها، فإنه محل مجتمعُ فيه الناس من كل فج عميقٍ، فلعله لا يظهر فيه للإنشاد كثيرُ فائدة لرجوع الناس إلى أوطانهم. فقال إن فيها الإنشاد أيضاً . قوله: (فمن قُتِل) يعني أن المسألةَ بعد اليوم تكونُ كذلك، كما هو صريح عند الترمذي وقد مر وإنما سامح في هذه الواقعة لما مر من قبل. قوله: (إما أن يقاد من أقاد) بمعنى "قصاص دلوانا " ويقاد "يعنى قصاص دلوائى جائين" وبظاهره أخذ الشافعي رحمه الله تعالى. وموجِبُ القتلُ عنده على التخيير: إما القصاص، وإما الدِّية. وعندنا: موجبُ العمد هو القصاص فقط. وإنما يُرجع إلى الدِّية بالمراضاة، فلو عفا الأولياء عن القِصاص أو سكتوا ثم طالبوا الدِّية بعد بُرهة ليس لهم شيء، وإنما عليهم ذِكْرُ مالٍ الصلح في المجلس . قلت: والحديثُ صادقٌ على مذهبنا أيضاً فإنه جاز له أن يقتصَّ منه وأن يأخذ الدِّية عندنا أيضاً، وإنما لم يذكر رضا القاتل لأن رضا القاتل ببذل المال عن نفسه أمر بديهي والعسر إن كان ففي رضا أولياء المقتول على الدية فإنهم يأخذون المال بدل النفس. ومعلوم أنَّ النَّفْسَ أعز. ولذا لم يذكر شرط الرضا في القاتل، وإنما لا أدخل في هذا الباب لأنه من باب التفقه. ثم