Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ كتاب الإيمان بعد التحقيقِ إلى كثير طائل، فإن الترددَ في نفس إيمانه في الحالة الراهنة، غير جائز عند الكل، والاستثناءُ باعتبار الخاتمة جائز عن الكل، فمن مَنَعه فباعتبار الحالة الراهنة، ومن أجازه فبالنظر إلى الخاتمة فإنه لا يَعلمُ أحدٌ على ماذا يختمُ له، على الإيمان أو على الكفر؟! والعياذ بالله. قال ◌َ: ((والله لا أدري ما يفعل بي وأنا رسول الله ولا بكم)). أو كما قال كما في الصحيح. (ما منهم أحد يقول إيماني على إيمان جبريل وميكائيل) وفي هذا إشارة إلى أن المذكورين كانوا قائلين بتفاوت درجات المؤمنين في الإيمان. وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى في: ((تذكرة الحفاظ)) بإسناد صحيح: لا أقول: إيماني كإيمان جبريل. ونسب ابن عابدين الشامي إلى الإمام الأعظم رحمه الله تعالى عدم جواز الكاف والمثل كليهما في تلك العبارة. وفي ((الدر المختار)) عن أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى جواز الكاف دون المثل في رواية، وفي رواية أخرى الجواز مطلقاً. وجمعهما ابن عابدين أن جوازَ الكاف دون المثل لمن كان عالم العربية، وعدم جوازهما فيما لم يكن المخاطب صحيح الفهم، وجوازهما باعتبار نفسهما. وليراجع البحث من كتابه من باب الطلاق الصريح . قلت: وفي ((خلاصة الفتاوى)) وجدت نقلاً عن محمد فقط، وعلى هذا لم تجىء في هذا الباب رواية عن الإمام رحمه الله تعالى وثبت النفى عن الصاحبين، وظاهره يدل على إثبات التفاوت في درجات المؤمنين بحسب الإيمان. (وما يحذر من الإصرار) ... إلخ فمن أصر على نفاقِ المعصية يُخشى عليه أن يُفضي إلى نفاق الكفر. وكأن المصنف رحمه الله تعالى أشار إلى ما عند الترمذي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه مرفوعاً: ((ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة)). قال الحافظ: إسناده حسن. وهذا الخوفُ على الطالحين كما أن ما قبله كان في خوفِ الصالحين، فإنهم كانوا يخافون على أنفسهم النفاق، وهذا الخوف كان لصلاحِهم فلا يردُ أن إيمانَنَا أقوى منهم، لأنه فمأخذ سلف الأمة في الاستثناء أن الإيمان المطلق فعلُ جميع المأمورات، وترك جميع المحظورات، فإذا قال = الرجل: أنا مؤمن بهذا الاعتبار، فقد شَهِدَ لنفسه بأنه من الأبرار المتقين القائمين بفعل جميع ما أمروا به وترك كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله وهذا تزكيةُ الإِنسان لنفسِهِ وشهادته لها بما لا يعلم. وعن أحمد رحمه الله تعالى: أن الإيمان قول وعمل فقد جئنا بالقول ونخشى أن نكونَ فرَّطَنا في العمل، فيعجبني أن يستثني في الإيمان، يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، ومع هذا فلم يكن ينكر على من ترك الاستثناء إذا لم يكن قصدُه فعل المرجئة: أن الإيمان مجردُ القول، بل يتركه لما يعلم أن في قلبه إيماناً، وإن كان لا يجزم بكل إيمانه. وفي ((شرح مختصر التحرير)): يجوز الاستثناء في الإيمان بأن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، نص على ذلك الإمام أحمد، والإمام الشافعي، وحُكي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. وقال ابن عقيل: يُستحب ولا يقطعُ لنفسه، ومنع ذلك الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى وأصحابه والأكثرون، والله أعلم. انتهى من عقيدة السفاريني باختصار . ٢٢٢ كتاب الإيمان لا يخطر ببالنا النفاق، وذلك لأنهم كانوا أخشى خلقِ الله بعد الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام. وطريق الخائف أن يخافَ على نفسه كل حين، بخلاف غيرهم من الناس فإن قلوبَهم خاليةٌ عن تلك الخشية، فلا تذوقُ من ذلك الخوف ذواقاً، ومن لم يذق لم يدر، بخلاف الطالحين فإنه يُخاف عليهم النفاق لسوء أعمالهم. ٤٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ قَالَ: سَأَلِتُ أَبَا وَائِلٍ عَنِ المُرْجِئَةِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ وَّرَ قَالَ: ((سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفّرٌ)). [الحديث ٤٨ - طرفاه في: ٦٠٤٤، ٧٠٧٦]. ٤٨ - (وقتاله كفر) قيل: مقابلته بالفسوق يقتضي أن يكونَ المرادُ من الكفر ههنا، الكفر المخرج عن الملة. والجواب: أنه أطلقَ الكفر على الفسوق تغليظاً، ولو قال: وقتاله فسوق، لساوى حال السِّباب، مع أن القتال أشدُ من السِّباب، فلإظهار هذه الشِّدة أطلقَ عليه الكفر. وهذا الذي يُعنون بقولهم: إنه محمولٌ على التغليظ. والأصل: أن الحديث اتَّبع القرآن في ذلك، فإن الله تعالى أخبرَ عن جزاءِ القتل بالخلود . بأي معنى كان - والخلودِ جَزَاء الكفر، فاتبعه الحديث وقال: قتال المسلم كفر. وإن لم يحكم به الفقهاء في الدنيا، إلّا أن الحديثَ يختارُ من التعبيرات ما هو أدعى للعمل فيشددُ فيه لا محالة . وقال الدَّوَّاني: إنه وعيدٌ ويجوز الخُلْفُ في الوعيد. وأنت تعلم أنه إنشاءٌ لا خبر. وقيل: إنه محمولٌ على التَّشبُه كقوله: ((لا تَرْجِعُوا بعدي كفاراً يضربُ بعضُكم رقاب بعض)) ومعلومٌ أن المرءَ لا يصير كافراً بضرب الرقاب، ولكن لما كان شأنُ القتل أن يجري بين مسلم وكافر، لا بين مسلم ومسلم فمن ضرب رقبة أخيه وقاتل، فقد تشبه بالكفار، وفعل ما يفعلُهُ الكفار، ومن تشبّه بقوم فهو منهم. وهذا هو المختار عندي في الجواب، والله أعلم. فائدة قد سمعت أن بين هذه الأبواب الأربعة مناسبةً وارتباطاً، الأول: باب المعاصي من أمر الجاهلية. والثاني: باب كفرٌ دون كفر، والثالث: باب ظلمٌ دون ظلم. والرابع: باب خوف المؤمن أن يحبط عمله ... إلخ، فإن فيها على المشهور إيمَاضَاً إلى ما نقلته عن ابن تيمية وتأويلاً للأحاديث التي أُطلقَ فيها الكفرُ على المعاصي. وقد بينتِ لك ما سَنَحَ لي فيها - والله أعلم - لأن كلامَه مبهمٌ، فلكلِ وجهةٌ هو مُوَلِيها. أما مطابقةُ جوابٍ أبي وائل للسؤال عنهم، فبأن مقتضى الحديثِ تعظيمُ حق المسلم، والحكمُ بالفِسق على مَن سَبَّه بغير حق، وبالكفرٍ على من قاتله، فكأنه قال: كيف تكون مقالة المرجئة حقاً والنبي ◌َّ يقول هذا؟! ٤٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ٢٢٣ كتاب الإيمان أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَه خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقَالَ: (إِنِّ خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلَاحِى قُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسى أَنْ يَكُونَ خَيراً لَكُمُ، التَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالخَمْسِ)). [الحديث ٤٩ - طرفاه في: ٢٠٢٣، ٦٠٤٩]. ٤٩ - (فتلاحى رجلان) أي تنازع. قال الحافظ: إن المخاصمةَ مستلزمةٌ لرفع الصوتِ، وهو محبطٌ للعمل بالنص، قال تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ وبه يتضح مناسبة الحديث للترجمة. وقد خفيت على كثير من الشارحين. (فَرفعت) وفي رواية قويةٍ ما يَدلُ بظاهره على رفع أصلها عن هذه الأمة. أقول: بل المرادُ منها رفعُ العلم القطعي بها، لا رفعُ ليلة القدر كماَ فهمه الشيعة خذلهم الله، لأنا قد أُمِرْنا بالتماسها، ولو كانت رفعت مطلقاً لما كان لطلبها معنًى. ومن هنا ظهرت المناسبةُ للترجمة على وجه آخر أيضاً وهو: أن التنازع صار سبباً لرفع علم ليلة القدر، فكذلك المعصية قد تكون سبباً للحبط . قوله: (في السبع) ... إلخ، واعلم أن الشارحين عامّة ذهبوا إلى أن المأمور به هو التماسُها في ليلة واحدةٍ من تلك الليالي. والمرادُ عندي إحياءُ كلها لأجل ليلة القدر. وهي وإن كانت في الأوتار دون الأشفاع، لكن القيامَ مطلوبٌ في الكل، فكأنَّ التماسَها يكونُ بالقيام في العشر، أو السبع، أو الخمس، وهو المعهود من حاله ◌َّه وحالِ الصحابة رضي الله عنهم. ثم أقول: إن قَسَمتَ الشهرَ على العشرات فليلة القدر في الأخيرة منها، وإن قسمتَها على الأسابيع فهي في الأسبوع الأخير، وإن قسمتَها على الأخماس فهي في الخمس الأخير، وكيف ما كان تكونُ في وترِ منها. هذا، وإن لم يُقرِعْ سمعُك به من قبل، لكنه هو التحقيق إن شاء الله تعالى. ٣٨ - باب سُؤَالِ حِبْرِيلَ النَّبِيَّ ◌َّهِ عَنِ الإِيمَانِ وَالإِسْلَامِ وَالإِحْسَانِ وَعِلمِ السَّاعَةِ وَبَيَانِ النَّبِيِّ ◌َِِّ لَهُ ثُمَّ قَالَ: ((جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ)). فَجَعَلَ ذلِكَ كُلَّهُ دِيناً، وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ◌ََّ لِوَفدٍ عَبْدِ القَيسِ مِنَ الإِيمَانِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَبْتَغْ غَيّرَ الْإِسْلَكِمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. والغرضُ منه احتراسٌ مما ينشأُ من قوله: إن الإسلام والإيمان واحد، مع أن هذا الحديثَ يدل على المغايرة. وحاصلُ جوابِهِ على ما قرر الحافظ رحمه الله تعالى: أن الإيمان والإسلام لكل منهما حقيقةٌ شرعية، كما أن لكلٍ منهما حقيقةً لغوية، وكل منهما مستلزمٌ للآخر بمعنى التكميل له. فكما أن العامل لا يكون مسلماً كاملاً إلا إذا اعتقد، فكذلك المعتقدُ لا يكون مؤمناً كاملاً إلَّا إِذَا عمل. وحيثُ يُطلق الإيمانُ في موضع الإسلام أو العكس، أو يطلقُ أحدهما على ٢٢٤ كتاب الإيمان إرادتهما معاً، فهو على سبيل المجاز ويتبينُ المرادُ بالسياق، فإن وردا معاً في مقام السؤال حُمِلا على الحقيقة، وإن لم يردا معاً، أو لم يكن المقامُ مقامَ السؤال، أمكن الحمل على الحقيقة، أو المجاز، بِحَسَبَ ما يظهر من القرائن. ومحصَّلُ جوابه أن الإيمانَ والإسلامَ يفترقان إذا اجتمعا على صورة المقابلة، وحيث انفردا يكون أحدهما عينَ الآخر كما هو صنيعهم في المترادِفَات، فإنها إذا اجتمعت يفرَّق بينها في ذلك المقام خاصة. وإذن فالفرق في حديث جبرائيل مقاميٍّ ولا يدل على أن الإسلام والإيمان متغايران حقيقة، لأن النبيِ وَلَ﴿ل بيَّنَ لوفدٍ عبد القيس أن الإيمانَ هو الإسلام، حيث فسَّر الإيمانَ في قصتِهم بما فسرَّ به الإسلام ههنا. وفي ضمن الجواب استدل المصنف رحمه الله لمذهبه بالآية، بأنها صريحة في أن الدينَ والإسلام شيء واحدٌ فظاهر جوابه معارضة وبعد الإمعان حُلّ. وقد يقرر الجواب بطريق آخر أيضاً: وهو أن الاتحادَ بين الدين والإسلام ثابت من الآية: ﴿إِنَّ الّذِينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩] واتحادَ الإسلام والإيمان ثابتٌ من حديث وفد عبد القيس فثبت اتحاد الكل. والمصنف رحمه الله تعالى لم يفصِح بالجواب، وهذا دأبه كثيراً في كتابه، حيث يذكرُ مادةَ الجواب ولا يفصِحُ بمراده. أقول: وهذا الجوابُ غير مستقيم، لأن التغايرَ المقاميُّ إنما يكون إذا كان اللفظان في عبارةٍ واحدة، وههنا لم يقع السؤال أولاً إلا عن الإيمانِ فَحَسب، ولم يكن النبي ◌َّ يعلمُ أنه سائل بعد ذلك عن الإسلام أيضاً حتى يجاب بالتغاير المقاميِّ. وإنما ذكر أولاً حقيقةً الإيمان على ما كان عنده بدون نظرٍ إلى مفهوم الإسلام، حتى إذا سُئل ثانياً عن الإسلام أيضاً أجابه كذلك، فالجواب بالفرق باعتبار المقام لا يمشي ههنا . نعم، لو كان هناك سلسلة الأسئلة في عبارة واحدة، وكان النبي ◌َّ أجابَ عنها أيضاً كذلك لكانَ له وجه. فالوجه عندي: أن الجواب إنما يُلقى على السائل بقدرِ علمِهِ وفَطَانته، وسؤالُ جبرائيل عليه السلام وكذا حالُهُ لمَّا دلَّ على كمال فَطَانته، أجابه مفصلاً بذكر حقيقة كلٍ على حدة، بخلاف وفد عبد القيس فإن ضِمَام بن ثعلبة كان حديثَ العهد بالإسلام، فاكتفى في جوابه على الإجمال ولم يلتفت إلى بيان الحقائق. وحاصله: أنه راعى حال المخاطب في كلا الحديثين، كما أن الذي يعظُ الناسَ يراعي ما يحرِّضُ على العمل، فربما يذكر الضَّعاف من الأحاديث عند الترغيب والترهيب ولا يفصِّلُ في كلامه، ويقول: تارك الصلاة كافر، ولا يقول: كافر بكفرٍ دون كفر. بخلاف المعلمِ الذي يتصدى لإظهار الحقائق فيذكر حقيقةً الأمرِ ويُنَبِّه على المسامحات، ويفضِّلُ في المتعلّقات. فحاصل حديث جبرائيل عليه السلام: إعطاء العلم، وبيان الحقيقةِ كما يفعلُ المعلم وهو الأقرب بسياقه، بخلاف حديث وفد عبد القيس فإنَّ حاصِلَه التحريضُ على العمل، وفي مثله يتمشّى على الإجمال فيُتسامحُ في البيان. ٢٢٥ كتاب الإيمان ٥٠ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْماعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّنَ التَّيمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهَ بَارِزاً يَوْماً لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: ((الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَّلَّائِكَتِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بالْبَعْثِ))، قَالَ: مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: ((الإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَّ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ))، قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: ((أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ))، قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: ((مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبلِ الْبُهْمُ فِي البُنْيَانِ، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ))، ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ وَ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآيَةَ، ثُمُّ أَذْبَرَ فَقَالَ: ((رُدُّوهُ)). فَلَمْ يَرَوْا شَيئاً، فَقَالَ: ((هذا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِینَهُمْ)). قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: جَعَلَ ذلِكَ كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ. [الحديث ٥٠ - طرفه في: ٤٧٧٧]. ٥٠ - قوله: (بارزاً يوماً للناس) والبروز: الظهور. وعند الحافظ رحمه الله تعالى أن النبي ◌َّرَ كان يجلسُ بين أصحابه، فيجيءُ الغريب فلا يدري أيهم هو. فجعلنا له مجلساً يعرفه الغريبُ إذا أتاه. قال: فبنينا له دكاناً من طين كان يجلس عليه. (الإيمان أن تؤمن بالله) ... إلخ فذكر تحته الأشياءَ الغائبة، كما مر تحقيق الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن الإيمان لا يتعلق إلا بالمغيبات. (وبلقائه): وهذا هو الجزءُ الذي يتميزُ به الإسلامُ عن سائر الأديان الباطلة. فإن أهل يونان عقيدتهم أن العلومَ الحقَّة كلها تحصلُ في الأنفس بعد افتراقِها عن الأبدان، وتصيرُ جميعُ الأشياء مشهودةً لها، فيحصل لها بها سرورٌ، وهو جنتها ونعيمها، وإن لم يحصلُ لها العلوم أو حَصَلَتْ على خلاف ما كانت في الواقع، فهذا يكون غماً عليها أبداً وهو عذابُها وجحيمُها. وعندهم العقول بدل الملائكة، ولقاءه تعالى عندهم محال. وأما هنادكة الهند فيقولون: بحلول الألوهية في الجُثْمان ويُسمونَها "دیوتا، واوتار" ويعبدونَها ويزعمونَ بالتناسخ، فليس أحدٌ منهم قائل باللقاء إلا أهل الدين السماوي، قال تعالى: ﴿فَنْ كَانَ يَرْجُوْ لِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَدِحًا﴾ [الكهف: ١١٠]. ثم اعلم أنه ليس بين الدنيا والقيامةِ مسافةٌ يصلُ إليها بعد قطعها، بل تظهرُ القيامةُ من هذه الدنيا بعد خرابها، كما تظهرُ الشجرة من النواة، فإن النواةَ تنشقُّ، وينفُضَ قِشرها، وتفنى صورتُها، ثم تظهر من حاقها . الشجرة، كذلك الدنيا بعد الانفطار والاندِكَاكِ تفنى وتنعدِم، ومنها تخرجُ القيامة. وليست القيامةُ في بقعة أخرى وموطن غيرها، بل يسوَّى لها ذلك المكان وذلك الموطن. ٢٢٦ كتاب الإيمان ولي قصيدة بالفارسية في تمثل البرزخ والحشر وأطوار الوقائع، ومنها: "منكشف آن جهان شود كرجه درين جهان بود زندكى دكر جنان ذره بذره موبه مو رهكذر نكه نه ديد ديده درين رهـ كذر - درته خاك خفته جو دشت بدشت سوبه سو تانه شكست صورتي جلوه نزد حقيقتى - قد ورها شدن ازورنك برنك بوببو ظاهر وباطن اندران هم جونوات ونخل دان نى بعداد يك زدو جنب بجنب دو بدو " (ولا تشرك به) فيه طردٌ وعكسٌ، أي إحاطةُ الكلام بطرفيه. (ما الإحسان) قال الحافظ رحمه الله تعالى: وأشار في الجواب إلى حالتين: أرفعُها، أن يغلبَ عليه مشاهدة الحقِ بقلبه، حتى كأنه يراه بعينه وهو قوله: (كأنك تراه) أي وهو يراك. والثانية: أن يستحضرَ أن الحق مطلع عليه، يرى كل ما يعمل وهو قوله: (فإنه يراك). وقال النووي: معناه أنك إنما تُراعي الآداب المذكورة إذا كنتَ تراه ويراك لكونه يراك، لا لكونك تراه، فهو دائماً يراك، فأحسن عبادته، وإن لم تره، فتأويل الحديث: فإن لم تكن تَرَاه فاستمرَ على إحسانِ العبادة، فإنه يراك. انتهى ملخصاً (١). (١) قلت: وقد تسلسل هذان الشرحان في الكتب، إلاّ أنه لم يُنِّه أحدٌ منهم على الفرق بينهما. وقد كان شيخي رحمه الله تعالى يفرِّق بينهما بعبارة وجيزة ما كنتُ أفهمُها إلى زمن طويل، فلم أزل أتفكرُ فيها وأراجع إليها مرة بعد مرة حتى ظننتُ أني قد فهمتُها، فحاصل الشرح الأول على ما فهمته من كلمات الشيخ رحمه الله تعالى: أن الإحسان ينقسم إلى حال، وعلم، فإن مشاهدةَ الحَق بقلبه كأنه يراهُ حال له، وصفة قائمة به، وليست علماً. بخلاف قوله: ((فإنه يراك)) فإنه ليس فيه من صفته شيئاً، ولكنه علمٌ وعقيدة بأن الله يراه وبعد غلبته وأن تصير حالاً، لكنه مع هذا يكون أقرب من العلم. والمعنى أن الحالة الأولى إن فاتت عنك فلا تَفت عنك الثانية، فهاتان حالتان مطلوبتان، وإن كانت الأولى أرفع، من الثانية، فإن الأولى حال يدل على كمال الاستغراق، بخلاف الثانية فإنها أقربُ من العلم والعلم أدون من الحال، لأنك قد سمعت منا أن العلم إنما يكون حالاً بعد رسوخه، وصيرورته صفةً للنفس. وإنما قدَّر في المعطوف قوله: ((وهو يراك)) إشارة إلى أن ذلك أمرٌ لا مناص عنه، ففي الحالة الأولى استحضار لرؤيته إياه مع علمه بكونه مشاهداً لعبده. وفي الحالة الثانية استحضار لمشاهدته فقط، فتلك الحالة أقرب من العلم. وحاصل شرح النووي: أن الإحسان: هو العبادةُ بغاية الخشوع والخضوع، وهي التي تكون في حالة العيان، فاعبد ربك في جميع أحوالك كما كنت تعبدُه لو كنت تراه، فهذا هو المقصود، ثم الخشوع ومراعاةُ الآداب في حالة العِيان إنما يكون لعلم العبد أن الله مطلعٌ عليه ويُبصرُه، وهذا المعنى موجودٌ مع عدم رؤية العبد، فإنه وإن لم يكن العبدُ يراه لكنه تعالى يراه، وحينئذٍ وجب عليك أن تستمرَ على عبادِهِ بغاية الخشوع في جميع الأحوال، فإن موجبه وهو رؤيته تعالى متحققٌ في الأحوال كلها، فالمقصود ليس هو الانصباغ بتلك الحال، بل المقصود هو العبادة بهذا الجهة، فالجهة الأولى حال لكنها مفروضة مقدرة، ولذا قال: ((كأنك تراه)» ولم يقل: لأنك تراه. = ٢٢٧ كتاب الإيمان واعلم أن لفظَ الإحسانِ شاملٌ لجميع أنواع البر من الأذكار، والأشغال وغيرها. والأذكارُ تقالُ للأوراد المسنونة، وما ذكرهُ المشايخَ من الضربات والكيفيات يقال لها: الأشغال. والنسبة في اصطلاحهم: ربطٌ خاصٌ سوى ربطِ الخالقية والمخلوقية، فمن حصل له ربطٌ سوى الربط العام يقال له: صاحب النسبة. والطرق المشهورة في التصوف أربعة: السهروردية، والقَادِرِية، والجشْتِية، والنَّقْشَبَنْدِية، والسلسلة السهروردية قد تسلسلت في أجدادنا من عشرةٍ متصلةٍ ثم ما نقل إلينا من الأوامر والنواهي، والوعد والوعيد سُمِّي شريعةً. والتخلُّقُ بها يُسمَّى طريقةً، وحينئذٍ تنصَبِغُ الأعمال بصبغ الإيمان كما كان في السلف. أما اليوم فعلمٌ بلا عمل، وإيمانٌ بلا تصديق من الجوارح، ((ربَّ تالٍ للقرآن والقرآنُ يلعنُهُ)). ثم الفوزُ بالمقصد الأسنى، والنيلُ بالمأرب الأعلى يُسمَّى حقيقةً. ومن ههنا ظهر أن الطريقةَ والشريعةَ لا تتغايران كما زعمه العوامُّ. وقد كتب الغزالي أن بعضَ العلم لا يُضطرُ العَالِمُ إلى العمل به، وبعضه يغلِبُ عليه، ويستعملُ الأعضاء في الطاعات، وهذا هو الإيمان عند السلف، وهو المرادُ بما قلت: إن الإيمان ينبسط من الباطنٍ إلى الجوارح، والإسلام يدخل من الظاهر إلى الباطن. فإن التصديقَ إذا غلب واستعمل الأعضاء صارَ الإِسَلامُ والإيمانُ متحدين، وهو المراد باتحاد المسافتين، وإلى هذا المقام أشير في قوله: ((أن تعبد الله كأنك تراه)) ... إلخ، فإن العبادة التي تتعلقُ والجهة الثانية متحققةٌ لكنها علم بحت على هذا التقدير، وليس المقصود تحصيلها، بل المطلوبُ هو عبادتُه من = تلك الجهتين. فالحاصل أن الإِحسانَ على الشرح الأول عبارة عن الحالتين المقصودتين تُثمِّرُهما معرفته تعالى وخشيته. وعلى الثاني عبارةٌ عن العبادة بهاتين الجهتين، فهاتان جهتان للعبادة المطلوبة، لا حالتان مطلوبتان للعبد، فالمطلوب هو العبادة فقط، و((كأنك تراه)) جهة لها، بمعنى أن العبادة ينبغي أن تكون بالخشوع بدون العيان كما تكون عند العيان، ومعلوم أنها عند العِيان تكون بغاية حسنِ السَّمتِ والتأدب ظاهراً وباطناً؛ فينبغي أن يكون عند عدم العِيان أيضاً كذلك، لأن الله تعالى يدرِكَ الأبصار ولا تدركه الأبصار، فهو غير مُعَاين لكن عبادتَه ينبغي أن تكون كما لو كنتَ تُعَاينُه، لأن العبادة في حالة المعاينة إنما تكون بالخشوع مراعاة لرؤيته تعالى، ولا دخل فيه لرؤيتك، لأنك إنما تخشى المَلِكَ لزعمكَ أنه يراكَ أو يعلَم حالك، وإن كنتَ تزعمَ أنه لا يراكَ أو لا يعلمُ حالَكَ، لا تخاف منه. وإن كنت تراهُ فكذلك عبادتك مع عدم رؤيتك، إياه ينبغي أن تكونَ كما لو كنت تراه ويراك، لأن موجب الآداب والاعتناء بها هو رؤيته، لا رؤيتك، وهو متحقق دائماً، فهذا أيضاً جهةٌ للعبادة المطلوبة، لا حالة مطلوبة في نفسها. بل عِلْمُ هذه الجهة تورثُ الخشوعَ في العبادة فهذه مؤثرةٌ ومورِئةٌ للخشوع. وبالجملة المقصود على الأول هو الانصباغ بهاتين الحالتين، وعلى الثاني المقصود هو العبادة من جهة حالة مقدرة وعلم محقق. وشرح النووي هو أقرب عند الشيخ رحمه الله تعالى، وإنما طوَّلت الكلام في بيان الفرق بينهما مع التكرار الشديد، بحيث يكادُ أن يملَ الناظر، لأنه تعسَّرَ عليَّ الفرقُ بينهما، وبعد تفكرٍ وتعمقٍ انكشف لي الأمر، فكأنما نَشِطت من عِقال، ودونك بيتين غريبين في هذا المعنى: وآخر يرعى ناظري ولساني كأن رقيباً منك يرعى خواطري وإني لأستحييك والبعد وبيننا كما كنت أستحي وأنت تراني ٢٢٨ كتاب الإيمان بالجوارح إذا صدرت عنه بذلك الخشوع والخضوع فقد خَرَجَ إيمانه إلى الأعضاء ودخل إسلامه في القلب واتحدت المسافتان، وحينئذٍ فالإسلام والإيمان شيء واحدٌ، بخلافِ ما إذا بقيَ تصديقهُ في القلب ولم يظهر إلى الأعضاء، أو اقتصر إسلامه على الأعضاء ولم يحصل له الإحسان، فبقيَ إسلامه على الأعضاء فقط ولم يسرِ إلى القلب، فهذا الإسلامُ غير الإيمان، والإيمانُ غير الإسلام، وقد ذكرناه سابقاً أيضاً . (ما المسؤول عنها) ... إلخ، ولم يقل: لست بأعلمَ منك، لأن الكناية أبلغُ من التصريح، كقوله تعالى ﴿وَرَوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا﴾ [يوسف: ٢٣] وذلك لكونه أبلغ. (إذا ولدت الأمة) ... إلخ، أي تصير الأصول فروعاً والفروعُ أصولاً. فالمرادُ منه انقلابُ الأمورِ عند إيَّانِ الساعة. وفيه شروحٌ عديدة أخرى أكثرها مرجوحةٌ عندي. ويؤيدُ ما قلنا قوله وَّرَ: ((إذا وُسِّدَ الأمرُ إلى غير أهله فانتظر الساعة))، فهو الحريُّ بالأخذ، لأن الحديثَ يفسرُ بعضه بعضاً. ثم إن التمسك فيه على جواز بيع أمهات الأولاد أو على عدم جوازه في غير موضِعه، فلم نلتفت إليه. (في خمس) ... إلخ أي علمُ وقتِ الساعةِ داخلٌ في خمس. ثم اعلم أن هذه الخمسَ لما كانت من الأمور التكوينية دون التشريعية، لم يُظْهِر عليها أحداً من أنبيائه إلا بما شاء، وجعل مفاتيحه عنده فقال: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ﴾ [الأنعام: ٥٩] لأنهم بُعِثُوا للتشريع، فالمناسبُ لهم علومُ التشريع دون التكوين. ثم المراد(١) منه أصولها. وأما علمُ الجزئيات فقد يُعطى منه الأولياء رحمهم الله تعالى أيضاً، لأن علمَ الجزئيات ليس بعلم في الحقيقة، لكونها محطاً للتحولات والتغيرات، ولأن علماً جزئياً لا يوصل إلى علم جزئي آخر فكأنه ليس علماً. وإنما العلمُ علمٌ يوصِلُ إلى علمٍ جميع أفرادِ ذلك النوع، وليس ذلك إلا علمُ أصولِ الشيء. ألا ترى أن ألوفاً من المصنوعات تُجْلبُ إلينا من ديار الأوربا ونحن نشاهدها ونعلمها، ولكن لا علم لنا بأصولها، فأيّ علم حصَّلناه بتلك الجُزئيات؟ ولكنّ العلمَ هو العلمُ الكُلي يتمكنُ به صاحبه من علم الجزئيات من ذلك النوع بأسرها ويطلع على حقائقها، وإليه أشار سبحانه بالمفاتح، فإنك إذا أُوتيت مِفْتَاحَاً قَدَرْتَ على فتح المغاليق كُلُّها مهما أردت، وليس (١) واستشكله الرازي ثم لم يُجب عنه موضحاً. ومرّ عليه الشوكاني فقال: إنه من زيغ فلسفته فإنه لا علم لأحد منهم يجزِنيٍّ من جُزئيات الغيب. ((قلت)): وإنما يَسمعُ دعواه من لا خبرة له بما دار في الدنيا، ولو طالع التاريخ لعلم أنَّ لأخبار بالمغيبات فنوناً ذكرها ابن خلدون. وقد اشتُهِرَ أن الكهنة أخبروا بشيء ثم وقع كما أخبروا به فليس ذلك من زيغه، بل لعدم وقوف الشوكاني بحقيقة الحال. واعلم أن الشوكاني الذي يُنكرُ على تقليد الأئمة ثم يريدُ هو أن يدعوَ الناس إلى تقليده، قد صنف تفسيراً سماه ((فتح القدير)) فجاء نواب صديق حسن خان بعده وألحقَّ به مقدمةٌ من قِبَلِه، وزاد ونقَّصَ فيه وسماه ((فتح البيان)) هكذا في تقرير الفاضل عبد العزيز الكاملفوري. ٢٢٩ كتاب الإيمان هذا الشأن إلا شأن العلم الكلي فلم يُعط أحدٌ إلا جُزئيات منتشرة. أما العلمُ الذي كالمفتاح فهو عند ربك الذي لا تخفى عليه خافية، وحينئذٍ صح الحصر في قوله: ﴿لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوْ﴾ بدون تأويل. أما تخصيصُ الخمس مع أن أصولَ الأشياءِ الأُخر أيضاً لا يعلمها إلا هو. فقيل: إن هذه أنواع والكل راجع إليها. قلت: بل لأن سؤال السائل لم يقع إلا عن هذا الخمس، كما ذكره السيوطي في شأن نزولها في ((لباب النقول في أسباب النزول)) وفي ((الدر المنثور)). ٣٩ - باب ٥١ - حدّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنٍ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسِ أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِيَّ أَبُو سَّفْيَانً أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ هَلِ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتٌ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذْلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ هَل يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ. [الحديث ٥١ - أطرافه في: ٢٦٨١، ٢٨٠٤، ٢٩٤١، ٢٩٧٨، ٣١٧٤، ٤٥٥٣]. هذا بابٌ بلا ترجمة والمناسبةُ ظاهرة، لأن هِرَقْل كان عالماً بالتوراة، وأنه أطلق الإيمان على الدين فقال: (هل يرجع أحد سخطة لدينه)، ثم قال: (وكذلك الإيمان) ... إلخ فدل قولُهُ على أن الدينَ والإيمان واحدٌ عنده. وهذا الحديث أظهرُ في مقصوده مما سبق، لأنه أطلق الدينَ فيما سبق على مجموع الإيمان والإسلام والإحسان. وقال في آخره: ((جاء يعلم الناس دينهم)). ويمكن المناقشة فيه بأن النزاع في اتحاد الدين والإيمان. أما كونُ المجموع ديناً فليس محلاً للخلاف، وما أخرجه ههنا صريح في اتحاد الدين والإيمان، فكان أظهرُ في مقصوده. ثم البَشَاشةُ في حديثه إشارةٌ إلى مرتبةِ الإحسان. ٤٠ - باب فَضْلٍ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ والمرادُ منه الاحتياطُ في الدين، وهو وإن كان خارجاً من الدين باعتبار بعض الجهات، لكن المصنفَ رحمه الله تعالى جَعَلَهُ أيضاً من الدين يعني إذا أحرزَ الرجلُ من دينه القدْرَ الضروري واحتاط بعد ذلك استبراء لدينه، فهل يُعدُّ ذلك من الدين مع أنه أحرز دينَه من قبل؟ فقد عُلم من الحديث أنه أيضاً من الدين وإن كان زائداً عليه من جهة أخرى. وهذا تقسيم آخر للدين والإيمان إلى من استبرأ لدينه، وإلى مَنْ لم يستبرىء. ولمن استبرأ لدينه زيادةُ فضلٍ على من سواه، فدل على ثبوت المراتب في الإيمان. ثم العبادةُ شيءٌ وجودي، والزهد: قِلةُ رَغْبَةٍ في الدنيا، والورع: احترازٌ عن الشُّبهاتِ، فهو شيء عدميٌّ. ٢٣٠ كتاب الإيمان واعلم: أن هذا الحديثَ من مُهِمَّاتِ الحديث وتصدّى لشرحه العلماء(١) والفضلاء، وكتبوا عليه رسائلَ مستقلة ولكنّ الحديثَ مهمٌ، وموضوعُهُ يحتاجُ إلى شرح الأئمة، ولا ينفعُ فيه كلام الآخرين، فإنه يتعلق بالحِلِّ والحرمة. ولا يمكنُ لنا الآن إلا شرحُ ألفاظِهِ فقط، ولو انكشفت حقيقته لوجدنا ضابطة الحلال والحرام من جهة صاحب الشريعة، ولكان هذا فصلاً في الباب، فإن ظاهرَ الحديث أن الحلالَ بيِّن في نفسه والحرام أيضاً كذلك، ولكن لا ندري ماذا أراد بقوله: ((مشتبهات)) فإن الاشتباه حاصل في كثير من المواضع، ثم لا تكون تلك بين الحلال والحرام، بل تكون تلك المشتبه إما حلالاً أو حراماً . والحاصل: أن في الحديث ضَابِطةٌ كليةٌ للباب الفقهي، ولكن لم يتحصَّل عندنا منه شيءٌ غير حلِّ الألفاظ. ولما كان في المثل السائر: ما لا يُذْرَك كله لا يُترك كله، رأينا أن نتكلم عليه شيئاً. فنقول: إن الحديث بعد ذكر الحلال والحرام انتقل من الأحكام والمسائل إلى الحوادث والوقائع، وذكر ضابطةً عُرْفية، ولذا تعرض إلى استبراء العِرْض، فاندفَع ما كان يخطر بالبال أنه لا دخل لذكر العرض في باب الحلال والحرام، فمعناه أن الرجل إذا اتقى الشبهات ومواضعَ التهم فقد أحرز دينه عن الضياع وعِرْضَه عن القدح فيه، وهو مرادُ قول علي رضي الله تعالى عنه: إياك وما يَسبقُ إلى الأذهان إنكاره وإن كان عندك اعتذاره، فليس كل سامع نكراً يطيقُ أن تسمعَه عذراً. فإنه ليس وارداً في المسائل فقط بل أعم منها. وكذلك الحديثَ وردَ صدرُهُ في المسائل وعجزُهُ في الحوادث مطلقاً. وقوله: ((فقد استبرأ)) على نحو استبراء المُدَّعى عليه عن نفسه في دار القضاء، أي فمن فعلَ كذلك وترك الشُّبهات فقد أحرزَ نفسَه عن أن تسري أوهامُ الناس إلى دينه كانت أو في عِرْضه. وترجمة قوله: ((فقد استبرأ)) ... إلخ، "تواس شخص في اینی دین اور آبروکی طرف سی صفائی بیش کردی". تحقيقُ لفظِ المُشْتَبِهَات ٥٢ - حدّثنا أَبُو نُعَيم: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ يَقُولُ: ((الَحَلَالُ بَيِّنٌ، وَاَلْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَينَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي (١) وقد طالعت فيه رسالةً الشوكاني فما وجدت فيه شيئاً يعلق بالقلب. نعم، لو مر عليه نحو الشافعي رحمه الله تعالى عنه لأغنى عن الإيضاح، وهذا الشافعي لمّا كان فقيَه النفس أثنى على محمد بن الحسن رحمه الله تعالى، بما هو أهله، فتارة قال: إنه كان يملأَ العينَ والقلب، لأنه كان جميلاً ويملأ القلب من العلم، وقال أخرى: إذا تكلم محمد رحمه الله تعالى فكأنما ينزلُ الوحي. ومرة قال: إني حملتُ عنه وقْرَي بعيرٍ من العلم. وأما المحدثون فمن لم يكن منهم فقيهاً لم يعرف قَدْرَه ورتبتَه ولم تُنْقَلْ عنهم كلماتُ التبجيل في شأنه رحمه الله تعالى، ووجه نكارَتِهم أنه أولُ من جرَّد الفِقه من الحديث. وكانت شاكلةُ التصنيف قبل ذلك ذكرُ الآثار والفِقه مختلطاً، فلما خالف دَأبَهم طَعُنوا عليه في ذلك. مع أنه لم يبق الآن أحدٌ من المذاهب الأربعة إلّ وقد فعل فِعْلَه وسار سِيرَتَه، فرحم الله من أنصف ولم يتعسف. انتهى تعريب ما في تقرير الفاضل عبد القدير. ٢٣١ كتاب الإيمان الشُّبُهَاتِ: كَرَاعِ يَرْعى حَوْلَ الحِمى، يُوشِكُ أَنْ يُواقِعَهُ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكِ حِمَّى، أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِّمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلبُ)). [الحديث ٥٢ - طرفه في: ٢٠٥١]. ٥٢ - (مشتبهات) رُوي من الإفعال والتفعيل والافتعال. واعلم أن المفسرينَ اختلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿مِنْهُ ءَايَتٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِنَبِ وَأُخَرُ مُتَشَبِهٌَ﴾ [آل عمران: ٧] فقيل : .. ملتبسات. واعتُرِض عليهم بأن الله تعالى قد وصف به جميعَ كتابه في موضع آخر، وقال: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا مُّتَشَبِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] ومعناه هناك كتاباً يصدِّق بعضه بعضاً، لا أنه يلتبسُ بعضُهُ ببعض، فإن هذا المعنى لا يليق أن يتصف به كتاب الله تعالى كما هو ظاهر، فأخذ بعضهم معنى التصديق في قوله: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَبِهٌَ﴾ أيضاً وهو مروي عن مجاهد. وذكره البخاري في التفسير. أقول: والمُتَشَابَه بمعنى المُصَدق، قريب من معنى المُحكم، وليس بينهما كثيرُ فرق، مع أن الله تعالى قابل بينهما وسَمَّى الذين يتبعونَ ما تشابه منه بالزائغين. وعلى هذا فتفسيرُ مجاهد مرجوحٌ، وكان ينبغي أن لا يذكره البخاري، والعذر عن البخاري رحمه الله تعالى يجيء في موضِعه . فمعنى المتشابهات في قوله: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَِهٌَ﴾ هو الملتبسات، وفي قوله: ﴿كِنَبًا مُتَشَبِهًا﴾ هو التصديق، أي مصدقاً بعضُهُ بعضاً. فإن قلت: إنه يوجب الانتشار في مطالب القرآن. قلت: لا انتشار فيه، لأن تغاير المعاني عند تغاير الصِّلات وإن كانت محذوفةً في اللفظ ليس من الانتشار في شيء. فالتَّشَابُه إذا كانت صلته ((على)) يكون معناه الالتباس، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَبَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠] أي التبس علينا، وهو المراد في قوله: ﴿وَأُخَرُّ مُتَشَبِهَدٌ﴾ وإذا كانت صِلته اللام يكون بمعنى التصديق، وهو المراد في قوله: ﴿كِتَبًا مُّتَشَبِهًا﴾ يعني متشابهاً لكم، أي مصدقاً بعضُهُ بعضاً. والسِّرُ فيه عندي أن اللفظَ إذا تغاير معناه عند تغاير الصلات يكون مشتركاً معنوياً . (لا يعلمها كثير من الناس) أي لا يعلم حكمُها، كما عند الترمذي بلفظ: ((لا يدري کثیر من الناس أَمِنَ الحلال هي؟ أم من الحرام؟)). ومفهوم قوله: ((كثير)) أن بعضاً منهم يعلمها وهم المجتهدون، فحينئذٍ يكون الاشتباه في حق غيرهم. وقد يقع الاشتباه لهم أيضاً، حيث لا يظهرُ لهم ترجيحُ أحدُ الدليلين، كذا ذكره الحافظ. (لكل ملك حمى ... إلخ) وعندنا يجوز الحمى للإمام فقط، كما كان عمر رضي الله تعالى عنه بَنَى رَبْضةً لخيل الجهاد دون غيره. أما الملوك فكانوا يتخذون الحمى لأنفسهم، وذلك محظور في الشرع، وأما حِمى الله فهو مطلوبٌ لله تعالى أن لا يرعَى عبدَه حولَه، ففيه تشبيه محمودٍ بمذموم، ولا ينبغي أخذ المسائل والأحكام من التشبيهات، فاعلمه، فإنه مهمٌ، وقد يَغْلَط فيه الناس. ثم الحديث إنما جاء على عُرْف الملوك وعاداتهم، وكان من عادات ملوكهم اتخاذُ الحمى كما علمتَ. (ألا وهي القلب) ونسبة القلب إلى الجسد كنسبة الأمير إلى المأمور وهو الأصل، ٢٣٢ كتاب الإيمان والأعضاءُ كالفروع له، وهو: مَعْدِنُ العلوم والمعارفِ والأخلاقِ والمَلَكاتِ. وفي ((الجامع الصغير)) للسيوطي رحمه الله تعالى: ((أن القلب ملك ... إلخ))، وفي البيهقي: أن الأُذَن قمْعٌ للقَلْب يُحضِرُ المسموعات عنده من الخارج، والعينان مسلحة يتقى بهما الحجر والشجر، واليدان جناحان، والرجلان البريد، والكبد رحمة، والطّحال ضحك، والرِّئةُ نَفَس، فإن صح هذا لدل على أن الضَّحِكَ من الطِّحَال، ولم يذكر الأطباءُ له وجهاً. وما وَضَحَ لدي، أنه يحدث من انقباض الرئة مرة وانبساطه أخرى. والقلبُ هو أصلُ اللطائفِ كلها عندي غير الروح، فإنها من الخارجِ والنفسُ مَعِدنه الكبدُ الطالبة للذات والشهوات، والقلب بعد فنائه في اللذات والهوى يُسمَّى نفساً. وعليه مدار الصلاح والفلاح وهو مهبطُ الأنوار ومنبعُ الأسرار. وفي الحديث أنه لما صوَّرَ آدم، طاف به الشيطان ودخل فيه ورأى فيه منافذ قال: إنه مخلوق لا يتمالك نفسه. وفي تفسير ((فتح العزيز)) زيادة: وهي أن في يساره حُجْرَة مسدودة لا أدري ماذا فيها، وكان فيه القلب. قلت: ولما كان القلبُ مَظهراً لتجلياتِ الصمد الأحد، جعله اللَّهُ صمداً ولم يبق فيه منفذاً، فهو إذن كالقَبةِ المُشرفةِ مسدودةٌ جوانبها، محكمةٌ أبوابها وغرفهَا، لا يدري سره إلا الله العلي العظيم. ٤١ - بابٌ أَدَاءُ الخُمُسِ مِنَ الإِيمَانِ ٥٣ - حدّثنا عَليُّ بْنُ الجَعْدِ قالَ: أَخْبَرِنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، يُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْماً مِنْ مَالِي، فَأَقَمْتُ مَعَّهُ شَهْرَينٍ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفَدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ: ((مَنِ القَوْمُ؟ أَوْ مَنِ الوَفِدُ؟)) قَالُوا: رَبِيعَةٌ قَالَ: ((مَرْحَباً بِالقَوْمِ، أَوْ بِالوَفْدِ، غَيَرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى)) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيكَ إِلا فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَينَكَ هذا الحَيُّ مِنْ كُفَّارٍ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَضْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلٍ بِهِ الجَنَّةَ. وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَة، فَأَمَرِهُمْ بِأَرْبَع، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعَ، أَمَرَهُمْ: بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: ((أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ باللَّهِ وَخَدَهُ)ً؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: ((شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدَاً رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَم الخُمُسَ))، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبع: عَنِ الحَنْتَمِ، وَالذُّبَّاءِ، وَالنَّقيرِ، وَالمُزَقَّتِ، وَرُبَّما قَالَ: ((المُقَيَّرِ، وَقَالَ: (احفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنََّ مَنْ وَرَاءَكُمْ)). [الحديث ٥٣ - أطرافه في: ٨٧، ٥٢٣، ١٣٩٨، ٣٠٩٥، ٣٥١٠، ٤٣٦٨، ٤٣٦٩، ٦١٧٦، ٧٢٦٦، ٧٥٥٦]. ٥٣ - (كنت أقعد مع ابن عباس) وسبب ذلك في كتاب العلم عند المصنف رحمه الله تعالى ولفظه: «كنت أترجم بين ابن عباس رضي الله تعالى عنه وبين الناس))، لأن أبا جَمْرة كان يعرفُ اللغة الفارسية، وكانت المعاملات عنده تجيءُ في تلك اللغة فيترجِمُ لهُ. (أقم عندي) إن كان هذا الإعطاء أُجرة الترجمة كان دليلاً على جوازِ أخذِ الأجرةِ على التعليم أيضاً، وإن كان بسببٍ آخرَ فلا. ونقل أنه كان ذلك بسببِ الرؤيا التي رآها في فسخٍ ٢٣٣ كتاب الإيمان العمرة، أنه قبل حجه وعمرته، وقد كان فسخُهُ على فتواه، فسُرَّ به. (إن وفد عبد القيس)(١) وأنهم أَتُوه مرتين: مرةً في السنة السادسة وأخرى عام فتح مكة. ومسجد عبد القيس بجُواثى، أول مسجدٍ صُليت فيه صلاةُ الجمعةِ بعد المسجد النبوي، فاحفظه فإنه ينفعُك في مسألة الجمعة في القرى، وسيجيء إن شاء الله تعالى تحقيقها. (غير خزايا ولا ندامى) وفي ندامى مُشاكلة كما في الغَدَايَا والعَشَايا. وإنما قال لهم ذلك لأنهم جاؤوا برغبةٍ منهم بدون الحرب. ثم ههنا إشكال وهو أنه وعد بذكر الأربع، فإن عَددنا الإيمانَ بالله منها، يبقى سواه أربعاً، ويصير المجموعُ خمساً فيزيدُ العدد. وإن جعلنا المجموعَ تفسيراً للإيمان وأدرجْنَاه تحته لم يحصل إلا أمر واحد، وعلى كلا التقديرين لا يحصلُ العدد الموعود. فقال البيضاوي في ((شرح المصابيح)): إن الإيمانَ بالله وحده أمرٌ واحد، وإقام الصلاة ... إلخ تفسير للإيمان، والثلاثة الباقية تركها الراوي. قلت: وحاصله هَذْر ما ذكره الراوي والأخذُ بما لم يذكره هو الرجم بالغيب. وقيل: إن العددَ باعتبار أجزاء التفصيل، فالإيمان واحدٌ ثم فصَّلَه في ذلك العدد. وقيل: إنه وَعَدَ بالأربع وزاد عليه بواحد عند الوفاء، فذكرُ إعطاء الخمس تبرع منه، ولا بأس في إعطاء الزيادة على الموعود. قلت: وهذا الجواب بعيد عن ترجمة المصنف رحمه الله تعالى بمراحل فإن إعطاء الخمس على هذا التقدير خارج عن الإيمان والمصنف رحمه الله تعالى بَوَّبَ عليه بكونه من الإيمان. ويمكن أن يُجاب عنه أن إعطاءَ الخمس وإن كان خارجاً عن الإيمان، لكنه معدودٌ عند المصنف رحمه الله تعالى من الإيمان، لأنه قد علم من صَنِيعِهِ أن جميع الأشياء المتعلقة بالإيمان إيمانٌ عنده. وقيل: إعطاءُ الخمسِ داخلٌ في إيتاء الزكاة، لأنَّه أيضاً من نوعه وهذا ألطفُ من جعله تبرعاً، سيما على مذهب الشافعية، فإنهم قالوا: في المعدِن الزكاة، وفي الرِّكاز الخمس. وقيل: إن الشهادتين ليستا من الأشياء الموعودة، وإنما ذكرهما تمهيداً ولكونهما لا بد منهما، والعددُ يبدأ من قوله: إقام الصلاة. أقول: ويرد عليه ما عند البخاري أنه ذكر الشهادتين وعقد واحدة. وهذا يدل على أنه عدَّها من الموعود. لا يقال: إن العقد كان للإشارة إلى التوحيد، لأنا نقول: المعهودُ فيها (١) واعلم أن رَبَيْعة، ومُضَر، وأَنَمار، وزيداً كانوا أبناء أب. ومضرُ منهم أحد أجداد النبي ◌ََّ، ومن ههنا صار الوفدُ المذكور من بني أعمامه ®. ثم اعلم أن والد هؤلاء كان من الأغنياء، فلما أشرف على الموت أوصاهم بالإِشارة أن يقتسموا أمواله بينهم، وعيَّن لكلِّ ولد صِنفاً من المال، فكان الخيل في حظ ربيعة، فاشتهرت بربيعة الخيل، وكذا الذهب في حظ مُضَر، فاشتَهْرت بمضر الحمراء، فإِن الذهبَ يُكنى بالأحمر، وقد ذكرهم خواجه أمير خسرو أيضاً في كتابه / هشت بهشت/ غير أنه لم يدرك الحقيقة وقد ذكرناها لك. كذا في تقرير الفاضل عبد العزيز . ٢٣٤ كتاب الإيمان الإشارةُ بنصبِ المسبحة دون العقد. والراوي يذكر العقدَ. والأولى عندي أن يقال: إن الأربعة هو الإيمان مع ما بعده، وما بعده تفسيرٌ للإيمان. فإذا قلنا: إنها إيمانٌ، قلنا: إنها شيء واحدٌ، وإن نظرنا إلى الأجزاء قلنا: إنها أربعة، فهو واحد من جهة الإجمال، وأربعةٌ من جهة التفصيل. وبعبارة أخرى: أن المقصود كان الأمرُ بالإيمان، غير أنه قال(١): أربعة نظراً إلى أجزائه الداخلة فيه. وهذا يوافق غَرَضَ المصنفِ رحمه الله تعالى أيضاً، فإنه جعل أداء الخُمُس من الإيمان. وأيضاً يوافق لما ذكره في باب سؤال جبرائيل ما بينَه النبي ◌َّ لوفد عبد القيس، فإنه دليل على أنه عدَّ الأشياء الأربعة من أجزاءِ الإيمان وتفسيره. وكذلك بَوَّب في كتاب السِّير والجهاد بقوله: باب أداء الخمس من الدين، فدل على أنه معدودٌ عنده من الإيمان. (وحده) وفرق في ((المطول)) بين الواحد والأحد. فقال: إن الواحدَ مشتقٌ من الوَحَد، ويصيرُ أحداً بانقلاب الواو ألفاً، فالأحدُ اثنان: الأول من الوَحَد، وهو للعدد المقابل للاثنين، والثاني: للمنفرد عن الشيء. والأولُ لا يردُ إلا في سياق النفي، كقوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ أي واحداً. والثاني يُستعمل في الإثبات كقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾﴾ أي منفرد. ثم قيل: إن الواحد لا جمع له إلا أنه ثابت في شعر الحماسة: قامُوا إليه ذرافات ووحدانـا قال التبريزي: والوُحْدَان جمع الواحد، بمعنى المنفرد دون الواحد، بمعنى العدد المقابل للاثنين. قلت: لا بأس في كون الجمع للواحد بمعنى العدد أيضاً. وليطلب استعمالاته من ((كليات)) أبي البقاء فإنه بحث فيها أنه للانفراد عن الذات أو للانفراد عن الفعل. وكتب فيه السُّهيلي رسالة مستقلة. (إقام الصلاة ... إلخ) قيل: إنه مجرور ومعطوف على الإيمان وتفسيره قد تم عند ذكر الشهادتين. ثم إنه بعد كونه معطوفاً على الإيمانِ إيمانٌ أيضاً. وقيل: بالرفع. وأقول: إنه داخلٌ في تفسير الإيمان، وهو الأقرب عندي وأوفق لغرض المصنف رحمه الله تعالى، ثم إنه قال الحافظ رحمه الله تعالى: إن الحج ليس بمذكور في أحد من ظُرقه، لأنه فُرِضَ بعدَه وما ذُكِرَ في بعض طرقه من الحج معلولٌ عند المحدثين. (وصيام رمضان) وهو مصدرٌ لغةً، لا جمعُ صوم وفي كتب الفِقه من قال: عليَّ صيام يلزمه ثلث صيام فدل على أنه جمعٌ عندهم، ولعله عُرفٌ حادثٌ. وإلا فالصيام مصدرٌ وليس بجمع . (الحنتم) "سبزرنك كى روغنى كهر يا جيسى مرتبان" والحنتم وإن فسروها بالجرة الخضراء، ولكن لا يشترطُ أن تكونَ خضراءَ دائماً. بل هذا بالنظر إلى الغالب. (١) قلت: ولا يبعد أن يقال: إنه لما نهاهم عن أربعةٍ ناسب، أن يأمرهم بأربعة، فإن الجمعَ بين أعداد المأمورِ به والمنهيُّ عنه من نوع واحد أيضاً من المُحسِّنَات، وحينئذٍ لطف تعبير الإيمان بالأربعة جداً، فذقه. ٢٣٥ كتاب الإيمان (الدباء) "تونبرى" (النقير) ما يُتخذُ من نقر أصل النخلة. و(المزفت) وهو المُقيَّر، والقِيرُ والقَارُ واحد. والزفت ليست ترجمته "رال" كما في الغياث، بل هو نوع من الدُّهن يُجلب من البصرة. والنهي عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها لأنه يُسرع فيها الإسكار، ثم ثبتت الرخصةُ في الانتباذ في كل وعاءٍ إذا لم يُسكر. رواه الترمذي في الأشربة قال: إن ظرفاً لا يُحلُّ شيئاً ولا يُحرَّمه، وكل مسكر حرام. اهـ. ٤٢ - باب ما جاءَ أَنَّ الأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالحِسْبَةِ، وَلِكُلِّ امْرِىءٍ مَا نَوَى فَدَخَلَ فِيهِ الإِيمَانُ، وَالوُضُوءُ، وَالصَّلَاةُ، وَالزَّكَاةُ، وَالحَجُّ، وَالصَّوْمُ، وَالأَحْكَامُ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤] عَلَى نِّيَّتِهِ. و((نَفَقَّةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا صَدَقَةٌ)). وَقَالَ النبي: ((وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ)). ٥٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مالِكٌ، عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمِدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلقَمَةَ بْنٍ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَِّ قَالَ: الأَعْمَالُ بِالنّيَّةِ، وَلِكُلِّ امْرِىٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ومَنْ كَانَّتْ هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيهِ». ٥٥ - حدّثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ نَّمَ قَالَ: ((إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ)). [الحديث ٥٥ - طرفاه في: ٤٠٠٦، ٥٣٥١]. ٥٦ - حدّثنا الحَكَمُ بْنُ نَافِع قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِي قَالَ: حَدَّثَنِي عامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَّهِ قَالَ: ((إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّ أَجِرْتَ عَلَيهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ في في امْرَأَتِكَ)). [الحديث ٥٦ - أطرافه في: ١٢٩٥، ٢٧٤٢، ٢٧٤٤، ٣٩٣٦، ٤٤٠٩، ٥٣٥٤، ٥٦٥٩، ٥٦٦٨، ٦٣٧٣، ٦٧٣٣]. الغرضُ منه الردُ على من قال: إن الإقرار باللسان كافٍ للإيمان. فقال: إن الإيمانَ عملٌ، وكل عملٍ لا بد له من النية، فعُلم أن الإيمانَ أيضاً لا بد له من النية القلبية. وأما الإقرار باللسانِ فقَط فليس بإيمان. أقول: وظني أنه لا يكونُ هناك من يقولُ بكفايةِ الإقرار فقط، ولعل غَرَضَهم غيرُ ما نَقَلَ عنهم الناقلون. (والحسبة) وقد مر مني أن الحسبة أمرٌ زائدٌ على نيةٍ صحيحة، فإن النيةَ مرتبةُ العلم، والحِسبةَ مرتبةُ علم العلم، أي استحضار تلك النية واستشعارِهَا . (والوضوء) وافقَ الحجازيين في اشتراط النية للوضوء، وسوَّى بين العبادات المقصودة وغير المقصودة. وقد مر مني أن الوضوءَ بلا نيةٍ لا ثوابَ فيه عندنا أيضاً، كذا في ((خزانة ٢٣٦ كتاب الإيمان المفتين)). والبحث عن مسألة النية في العبادات قد مر منا في شرح الحديث الأول مستوفى، وأن حديثَ: ((إنما الأعمال بالنيات)) مخصوصٌ عند الكل، فإن طاعاتِ الكافر وقُرُباتِهِ كلّها يصحُ ولا حاجة فيها إلى النية عند أحد. (والأحكام) لا يُعلم ماذا أراد بها المصنف رحمه الله تعالى. أما الفقهاءَ فيريدونَ بها مسائل القضاء، ولعل المصنف رحمه الله تعالى أراد منها بقية المعاملات، وهي خارجةٌ عِن الحديث عند الشافعية وعند الحنفية على القول المشهور. قلت: وفي المعاملات أيضاً نيةٌ، إلَّا أن في المعاملات جهتين: جهة تتعلق بالعباد ولا عبرة للنية فيها، وجهة تتعلق بالله تعالى والنيةُ معتبرة فيها أيضاً. فالحديث عامٌّ عندي كما قاله المصنف رحمه الله تعالى. (على شاكلته) فسَّرِه المصنف رحمه الله تعالى بالنية. وأصلُ معناه على مناسبةٍ طَبْعيَّة، فالإنسان إنما يعمل على طريقةٍ طبعية، ومناسبتها كيفما خُلِقَتْ وطُبِعَتْ، فمن طُبعَ على السعادة يعمل لها، ومن طُبعَ على الشَّقَاوة يعمل لها . (ونفقة الرجل ... إلخ) وقد مر أن النيةَ الإجمالية كافيةٌ لإحراز الثواب، وإنما الضروريُّ انتفاء النية الفاسدة فقط، فينبغي أن يَحْصُلَ الأجرُ في نفقة العيالِ بدون الاحتساب، لأن الاحتسابَ أمرٌ زائدٌ على النية. وقَيَّدَ الاحتساب ههنا لأنه موضعُ ذهولٍ، لا يرجُو فيه الأجر أحد، فإنه أمرٌ طبعيٌّ، فزاد الاحتسابَ تنبيهاً على هذا، كما مر مفصلاً. (ولكن جهاد ونية) هذه قطعة حديثٍ قاله في فتح مكة. ومعناها أن الهجرة من مكةً إلى المدينة قد خُتمت، لأن مكةَ صارت دارُ الإسلام، ولكَنَ الجهاد والنية باقيانٍ إلى يوم القيامة، فمن كان منكم يتمنَّى أن يجتهدَ في الدين فلا يتأسَّف من انقطاع الهجرة، فإن المجالَ واسعٌ بعدُ، فالجهادُ باقٍ والنية باقيةٍ، فليجتهد فيها . ٤٣ - بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ◌َّ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعامَّتِهِمْ» وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهٍ،﴾ [التوبة: ٩١]. ٥٧ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيِى عَنْ إِسْماعِيلَ قَالَ: حَدَّثَني قَيسُ بْنُ أَبِي حازِم، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ عَلَى إِقام الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّضَّحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. [الحديث ٥٧ - أطرافه في: ٥٢٤، ١٤٠١، ٢١٥٧، ٢٧٠٥، ٢٧١٤، ٧٢٠٤]. ٥٨ - حدّثنا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زِيادِ بْنِ عِلَاقَةَ قالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ يَوْمَ ماتَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِاتَّقَاءِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالوَقَارِ، وَالسَّكِينَةِ، حَتَّى يَأْتِيَّكُمْ أَمِيرٌ، فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ. ثُمَّ قَالَ: اسْتَعْفُوا لأَمِيرِكُمْ، فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ العَفوَ. ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَتَيتُ ٢٣٧ كتاب الإيمان النَّبِيَّ ◌ََّ قُلتُ: أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلَامِ، فَشَرَطَ عَلَيَّ: ((وَالنّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِم))، فَبَايَعْتُهُ عَلَى هذا، وَرَبِّ هذا المَسْجِدِ إِنِّي لَنَاصِحٌ لَّكُمْ. ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ. وفيه تعريفُ الطرفين وهو يفيد القصر، إلا أن التفتازانيَّ يقول بالقصر من جانب واحدٍ، وهو المُعرَّف بلام الجنس فقط فالأميرُ زيدٌ وزيدٌ الأمير: معناهما واحد عنده، أي قَصَرَ الأعمَّ على الأخصِّ. وفضَّل فيه الزمخشري أن القَصرَ قد يكون من جانب المبتدأ وقد يكون من جانب الخبر أيضاً، فجوَّزَهُ من الطرفين، وهو الحق عندي. قال في ((الفائق)) في حديث: ((لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر)» إن الله مقصورٌ والدهرَ مقصور عليه. والمعنى أن الله هو الجالب للحوادث لا غير الجالبِ. قلت: بل فيه تعريفُ المبتدأ بحالِ الخبر كما في قوله: فإنْ قَتَلَ الهوى رجلاً فإني ذلك الرَّجُلُ وحينئذٍ معنى الحديث عندي: أيها المخاطب أنك تعرفُ الدهرَ من قَبْل بنسبة جلبِ الخير والشر إليه، فالله هو ذلك الدهرُ. وبمثله قرره الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] في ((الكشاف))، وعليه قوله ◌َّ: ((هو الطهور ماؤه)) عندي يعني: أنك تعلمُ الظَّهُورَ من القرآن: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] فالطَّهُور الذي تعلمه هو هذا. ومعنى قوله: ((الدين)) مقصور على النصيحة فقط، وليس بغش فالمبتدأ مقصورٌ والخبر مقصور عليه. وكذا قوله: ((الدعاء هو العبادة)) معناه الدعاء مقصورٌ على صفةِ العبادة، لا أن العبادةَ مقصورةٌ على الدعاء كما فهمه الناس. فترجمته "دعا عبادت هى هى" والناس يترجمونه "دعا هى عبادت هى". ثم النصيحة لله أن لا تشركَ به شيئاً، وللرسول أن تصلِّقه فيما جاء به، وللأئمة أن تطيعَهم، ولعامة المسلمين أن تتعامل معهم بالخلوص بدون غش، والله تعالى أعلم. وهذا آخر كتاب الإيمان (١). (١) قلت: إن الشيخ رحمه الله قد خالف في كثير من شرح تراجم الأبواب وغيره الشارحين، وهو أهل لذلك لا يجب عليه تقليدهم، ثم مع هذا ربما يكون من قبيل احتمالٍ من المحتملات، لا يكون على سبيل الجزم واليقين، بل هو أيضاً محتملٌ من المحتملات وسرُّ ذلك قد علمته أن المصنف العلام من غاية رفعته وفَرْطَ ذكائه، سلكَ مسلك الاختصار ولم يُفصِح بمراده في مواضع، لأنه لا يريد أن يتكلم بَلفظ مِنْ قَبْلِهِ إلاّ إذا اضَظُر إليه، وذلك أيضاً في التراجم، ولذا يأتي بالأحاديث في تراجمه، فإذا أراد أن يقولَ شيئاً من قِبَلِ نفسه وضعَ بدلهَ حديثاً يؤدي مؤدّاه، فإِذا لم يجد له حديثاً أتى بلفظ أو لفظين مِنْ قَبْلِه، ومن ههنا ترى ضيق نطاق بيانِهِ، وحينئذٍ لا بد أن يَحْدُثَ الاختلاف في شرح التراجم، وهذا هو السبيل، فيما يأتي أيضاً، فعليك أن تتأمل في أمثال تلك المواضع. ثم إن بعد هذا الإِطناب ههنا كلام جميل للشاه عبد العزيز رحمه الله تعالى محقق هذه الأمة تَنَبهتُ له من تنبيه شيخي في ((مشكلات القرآن)» وها أنا أعرِّبُه لك إفادة. واعلم أن الإيمان في الشرع عبارة عن التصديق بمعنى / كرويدن، وباور كردن/ ويتعلق بما جاء به النبي مّ كونه من الدين ضرورة، وذلك لأن الله تعالى جعله من أفعال القلب في مواضع فقال: ﴿وَقَلْبُهُ مُظْمَيِنُّ بِالْإِيمَنِ﴾ [النحل: ١٠٦] وقال: ﴿كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ﴾ [المجادلة: ٢٢] وقال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِ قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] لا شك أن فعلَ القلبِ هو التصديق لا غير، ثم إن ذكرَه مع الحسنات والمعاصي وقارَن بينه = وبيننا بالعطف فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الضَّالِحَتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧] وقال: ﴿وَإِن ◌َآَيِفَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ٢٣٨ كتاب الإيمان أَقْنَتَلُواْ﴾ [الحجرات: ٩] وقال: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ﴾ [الأنفال: ٧٢] فدل على أن الطاعات ليست أجزاءً له، = كما أن المعاصي ليست محبطةً له مطلقاً، ثم إنه نعى على مَنْ أقر باللسان فقط ولم يؤمن قلبُه كما في البقرة فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَا بِاللَّهِ وَبِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾﴾ [البقرة: ٨] فعلم أن الإقرار فقط ليس إلاّ حكاية عن الإِيمان، فإِن طابقت تلك الحكايةُ مع المحكي عنه فيها وإلاّ فالإِقرارُ المحضُ لا يزيد إلّ الخداع والكذب. وتحقيقُ المقام أن للإِيمان أيضاً وُجُودَات كما هي لسائر الأشياء: وجود عينيٌّ، ووجود ذهنِّي، ووجودٌ لفظيٍّ. وقد تقرر عندهم أن الأصل فيها هو الوجود العيني، وسائرها فروعٌ وتوابعٌ فالوجود العيني للإِيمان هو نورٌ يُقْذَفُ في القلب بِرفع حجابٍ بينه وبين الحق، وهذا هو النور الذي حَكَى عنه الله تعالَى في قوله: ﴿مَثَلُّ نُرِهِ، كَمِشْكَوْفٍ فِهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٢٥٧] وذكر تمثيله بإشباع، ثم ذكر سبّبَه في قوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الْقُلُمَتِ إِلَى النُّورِّ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. وهذا النورُ مِثْلُ سائر المحسوسات، قابلٌ للقوةِ والضَّعف، واشتدادٍ وانتقاص، وهو الذي يزيدُ وينقُصُ كما في قوله: ﴿وَإِذَا تُلَِتْ عَلَيْهِمْ ءَتُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢] ونحوها كثيراً، والسرُّ فيه أن الحُجُبَ كلما ترتفع يزدادُ هذا النور، ويزدادالإِيمانُ قوةً وثباتاً إلى أن يبلغَ الأوج، ثم أنه يتسعُ ذلك النور شيئاً فشيئاً حتى يحيط بالأعضاءِ كلِّها، والقوى أجمعِها، وحينئذٍ ينشرحُ الصدرُ للإِسلام، ويطلعُ على حقائقِ الأشياء، وتتجلى على مُذْرَكَتِهِ غیوب الغيوب، ويعرفُ كلَّ شيءٍ في محله ويذوقُ من وجدانه ما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أخبروا به إجمالاً أو تفصيلاً، ثم يزيدُ هذا النورُ والانشراح حتى ينبعثَ القلبُ إلى الائتمار بأوامر الشرع والانتهاء عن مناهيه. وبعد ذلك ينضم هذا النورُ مع أنوارِ الأخلاق الفاضلة، والمَلَكَات الحميدة، والأعمالِ الصالحة، فيضيءُ ظلماتٍ الطبائعِ البهيمية والشهوانية، فتذل له، وإليه أشير في قوله تعالى: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَبْدِيهِمْ وَيَأَيْمَتِهِمْ﴾ [التحريم: ٨٠] وفي موضع آخر: ﴿نُ عَلَى نُورِّ يَهْدِى اَللَّهُ لِنُورِهِ، مَن يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥] هذا في الوجود العيني. أما الوجودُ الذهني فله درجتان: ((الأولى)): ملاحظة المعارَف المتجلِّية إجمالاً، والنظرُ إلى الغيوب المنكشفةِ كلياً، وهو مفاد كلمة: لا إله إلّ الله محمد رسول الله وتسمَّى تلك الملاحظةُ تصديقاً إجمالياً وبلفظ آخر: / كرويدن وباور كردن/؛ و((الثانية)» ملاحضة كل من تلك الغيوبِ المتجلية تفصيلاً، بمعنى كل فرد فرد، مع الارتباط بينها، وتسمَّى تصديقاً تفصيلياً . أما الوجود اللفظي ففي اصطلاح الشرع عبارة عن الشهادتين فقط. وظاهر أن الوجود اللفظي للشيء بدون تحقق حقيقة لا يُسْمِنُ ولا يُغني من جوع، وإلاّ لزم أن يروي، الغليل من ذكر الماء ويشبعَ الجائع من اسم الخبز، ولكن لمّا لم يكن في عالم البشر للتعبيرِ عما في ضميرِهِ سبيلٌ غير النُّطقِ والتلفظ، صار للشهادتين دَخْل عظيم في الحكم بالإِيمان، فقال النبي ◌ِّر: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله)) ومن ههنا عُلِمَ كيفيةُ زيادة الإيمان ونقصانه، وقوته وضعفه، ولاح أن ما ورد في الحديث الصحيح: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن))، وقوله: ((والحياء من الإيمان))، وقوله: ((لا يؤمن أحدكم حتى يأمن جاره بوائقه)» كلها محمول على كمال الإيمان والوجود العيني له. ومن ذهب إلى نفي الزيادة والنقصان أراد المرتبة الأولى من الوجود الذهني، وحينئذٍ لم يبق بين الفريقين نَزاعٌ ولا خلاف. ثم الإِيمان على نحوين: تقليدي وتحقيقي. والتحقيقي أيضاً ينقسِمُ إلى قسمين: استدلالي وكشفي. وكل منهما على نحوين: إما أن يبلغ إلى حدٍّ لا يتجاوزه أولا. والثاني: يُسمَّى علم اليقين. والأول على ضربين: إما المشاهدة، ويُسمَّى بعين اليقين، أو الشهودِ الذاتي، ويسمى حقَّ اليقين. وهذانِ الأخيران لا يدخلان في الإيمان بالغيب هذا. بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ ٣ - كِتَابُ العِلمِ ١ - باب فَضْلِ العِلمِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المُجادلة: ١١]، وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿رَبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]. واعلم أن العلم عند الماتريدية: صفةٌ مُودَّعة في القلب، كالقوة الباصرة في العين، من شأنها الانجلاء بالشروط اللائقة بها، فالعلمُ واحدٌ مع تعدُّد المعلومات. نعم، تعدُّد الإضافات ضروري. بخلاف الفلاسفة فإنهم قالوا: إنه حصول الصُّورة، أو الصُّوَر الحاصلة، ولا مُسكّة لهم على ذلك. ومن ههنا عُلم أن العلمَ والمعلومَ متغايران بالذات، لا كما زعموا أنهما متّحدان بالذات. ويتعلق بالمعدوم، لاكالفلاسفة القائلين بتوسُّط الصور؛ فإنهم لما استحالوا العلم بالمعدوم، ذهبوا إلى إقامة الصُّوَر في البين، وقالوا: إن الصورة تَحصلُ أولاً، ثم يحصلُ العلمُ بالمعدوم بواسطتها . قلت: وليس في هذا غير تطويل المسافة، فإنَّا نسأل كيف تُعلَّقُ تلك الصورة بذي الصورة؟ فإن كان بصورة أخرى يلزم التسلسل، وإن كان بالمعدوم فليكن تعلّقُ العلم أيضاً كذلك، على أنه يلزم عليهم أن يَحْصَلَ العلم قبل المعلوم، فإن المعلومَ عبارة عن الصورة من حيث هي هي، وهي مأخوذة عن درجة العلم التي هي عبارة عن الصورة من حيث الاكتشاف. وتَقَدُّمُ المأخوذ منه على المأخوذِ أمرٌ بديهِيّ، فلزم أن يحصل العلم قبل المعلوم، وتقدم الصورة المطلقة التي هي علمٌ على الصورة الملحوظةِ بقيد الاكتشاف لا ينفع ههنا، فهذا كله جهل وسَفَه. والحق إن العلم يتعلق بالمعدوم والموجود، ولا يحتاج إلى تخلَّل الصُّوَر. ثم إن العلم حُسْنَه وقُبْحَه بحسنِ المعلوم وقبحه. وقد أبدع المصنف رحمه الله تعالى في الترتيب، حيث وضع الوحيَ أولاً، ثم الإيمان ثم العلم، ثُمَّ الطهارة ثم الصلاة ... إلخ. واعلم أن العلمَ إنما يُعدُّ كمالاً، لكونِهِ وسيلةً إلى العمل المُفْضِي إلى رضائه تعالى، فالعلم الذي ليس على هذه الطريقة، فهو وَبَالٌ على صاحبه، وإليه يشير آخرُ الآية: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خِيرٌ﴾ نبَّه فيه على ما به كمالُ أولي العلم والفوز بالدرجات. ثم إن العمل الصحيح يرضاه ربك، ولا علم به إلا من تلقاء النبوة، فدعت الضرورة إلى الإقرار بالنُّوة، ومَنْ أنكرها فهو صابئيٌّ مثل كفار يونان وعراق بعد نوح عليه الصَّلاة والسَّلام، فإنهم كانوا يُنْكرونها. ومرَّ ابن تيمية رحمه الله تعالى على تحقيقهم فلم يُذْرِكه. وقد ذكر الشَّهْرَسْتَاني مناظرة الحنفاء ٢٣٩ ٢٤٠ كتاب العلم والصابئين في كتابه في نحو ثلاثين ورقة، وعَدَّها من غرائبه. ويتضحُ منها أنهم كانوا يُنْكِرون طَوْرَ النبوة. ثم إن المفسرين تكلموا في فضل آدم عليه الصَّلاة والسَّلام ورأَوْا أنّ فضله من جهة العلم، وهي عندي عبوديته، لأن الخلافةَ يستحِقُّها باعتبار الظاهر ثلاثة: آدم، والملائكة، وإبليس. أما إبليس فقد علمتَ حالَه، وأما الملائكة فإنهم سألوا ربهم عن سرّ الخلافة لَمّا كان ظاهرُ حال بني آدم يُنبىء عن سَفْك الدماء وغيرها، ولم يُحْسِنوا في السؤال، غيرَ أنهم لمّا لم يُصِروا عليه غُفر لهم. وأما آدم عليه الصَّلاة والسَّلام فإنه لم يواجِه ربّه إلا بالتضرّع والابتهال حين ناداه: ﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] مع أنه كان عنده جوابٌ أفحم به موسى عليه الصَّلاة والسَّلام حين تناظر معه، كما في الحديث، إلّا أنه لم يأت بحرف منه حين مواجهة ربه عبوديةً وطاعةً. ومن ههنا عُلم سر المناظرة بين موسى وآدم عليهما السلام، وإنما أظهر الله تعالى علمه لكونه وصفاً يمكن ظهوره، بخلاف العبودية، فإنها صفة مستورة في العبد لا سبيل إلى العلم بها، لا لكونه مَدَارَاً للفضل، فعُلِم أنّ فضل العلم إنما يظهر إذا كان العمل يساعده، كآدم عليه الصَّلاة والسَّلام، فإن علمه عُدَّ فضلاً وكمالاً لعبوديته وعَمَلِه حسب عِلْمه. كيف وإنه وسيلة العمل، والوسيلة لا تفوق ما هو وسيلة إليه. ولعلك الآن ذُقت معنى قوله تعالى: ﴿وَللَّهُ بِمَا نَعْمَلُونَ خِيرٌ﴾ ولا نُنْكِر فضل العلم، فإن مالكاً وأبا حنيفة رحمهما الله تعالى ذهبا إلى أن الاشتغال بالعلم خيرٌ من الاشتغال بالنوافل على عكس ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله. وعن أحمد رحمه الله روايتان: إحداها في فضل العلم، والأخرى في فضل الجهاد، كما ذكره ابن تيمية رحمه الله في ((منهاج السنة))، ولكني أردتُ بيان جهة الخلافة على ما كانت عندي. والله يعلم الحقَّ وهو يَهدي للصواب. قوله: (قول الله: ﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ ... إلخ) فيه أيضاً سابِقِيَّة للإيمان على العلم، والآية سيقت لبيان فضل عامة المؤمنين، ثم للعلماء لا للثاني فقط. ومعنى قوله: ﴿وَالَّذِينَ أُوتُواْ اٌلْعِلْمَ﴾ أي الذين آمنوا ومع ذلك أُوتوا شيئاً آخر وهو العلم. قوله: (﴿دَرَجَاتٍّ﴾) جمع درجة، يُستعمل في الجنة، كالذَّرَكَات جمع دَرَكَة في النار قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الُْفِقِينَ فِى الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾. قوله: (وقوله عزَّ وجل: ﴿رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾) دلالته على فضل العلم واضحة. ٢ - بابُ مَنْ سُئِلَ عِلماً وَهُوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ، فَأَتَمَّ الحَدِيثَ ثُمَّ أَجَابَ السَّائِلَ ٥٩ - حدّثنا مُحَمَّدٌ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيحٌ (ح) وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ حَدَّثَنَا مُحَمَدُ بْنُ فُلَيحِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي هِلَالُ بْنُ عَلِيّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَينَما النَّبِيُّونَ﴿َ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَوْمَ، جَاءَهُ أَغْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَّى