Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
لأحد النزاع فيه من الشيخ رحمه الله تعالى، فإنْ كانت قريحتُهُ تسمح بما ذكرنا من عاداته
فليقبله، وإلا فسوف يقبله. اهـ.
القول الفصل في أنّ خبر الصحيحين يُفيد القَطْع
اختلفوا في أن أحاديث الصحيحين هل تفيد القطع أم لا .
فالجمهور إلى أنها لا تُفِيد القطع، وذهب الحافظ رضي الله عنه إلى أنها تفيد القطع،
وإليه جَنَح شمس الأئمة السَّرَخْسِي رضي الله عنه من الحنفية، والحافظ ابن تَيْمِيَّة من الحنابلة،
والشيخ [أبو] عمرو بن الصلاح رضي الله عنه، وهؤلاء وإن كانوا أقلَّ عدداً إلا أنَّ رأيهم هو
الرأيُ، وقد سبق في المثَل السَّائر:
فقلتُ لَهَا: إن الكرامَ قَلِيلٌ
تُعَيِّرُنَا أَنَّا قليلٌ عَدِيدُنا
ثم صرَّح الحافظ رضي الله عنه أن إفادتها القطع نظريٌّ، كإعجاز القرآن، فإنه مُعْجِزٌ قطعاً،
إلا أنه نَظَرِيٌّ لا يَتَبَيَّن إلا لمن كان له يدٌ في علوم العربية عن آخرها، ولذا قيل: لَم يَدْرِ إعجازَ
القرآن إلا الأعرجان.
فإن قيل: إن فيهما أخباراً آحاداً، وقد تقرَّر في الأصول أنها لا تُفيد غير الظن! قلت: لا
ضَيْرَ، فإن هذا باعتبار الأصل، وذاك بعد احتفاف القرائن واعْتِضَادِ الظُّرُق، فلا يحصل القطع إلا
لأصحاب الفن الذين يَسَّر لهم اللَّهُ سبحانه التمييزَ بين الفِضَّة والقَضَّة، ورزقهم علماً من أحوال
الرواةِ والجرحِ والتعديل، فإنهم إذا مَرُّوا على حديث وَتَتَبَّعوا طُرُقَه، وفتَّشوا رجاله، وعلموا حال
إسناده، يَحْصُلَ لَهُمْ القطع، وإن لم يَحْصُلْ لمن لم يكن له بصرٌ ولا بصيرة.
ومن ههنا تبيَّن أن إفادة القطع ليست من جهة إطباق الأمة على أخبارهما، بل من جهة ما
قلنا، من أنَّ النظر في أحوال الرواة، وثقتِهم، وضبطهم، وعدالتِهم، وجلالتهم، قد يُفْضِي إلى
الجزم بخبرهم للمُعَاين العاني، والمتبصِّرِ المعَاني. والسرُّ فيه أنهم اعتبروا في تقسيم الخبر
القرونَ الثلاثةَ المشهودَ لها بالخير فقط. فالتواطُؤ وغيره إنما يعتبر فيها لا فيما بعدها، لأن كثيراً
من أخبار الآحاد قد اشتهرت فيما بعدها، فلا عبرة باشتهارها، لأن ما هو ظنيٍّ في الأصل لا
يَنْقلب قاطعاً بالاشتهار فيما بعد، فإطباق الأُمَّة على خبرهما لا يَضْلُح دليلاً على إفادة القطع
لكونها آحاداً في الأصل.
نعم، يمكن أن يُفِيد القطعَ بالنظر إلى حال الإسناد وأحوال الرجال، وهذا جهة أخرى،
ألا ترى أنَّ الواحدَ جليلَ القدر إذا أخبرك بأمر فنظرتَ إلى حاله، وثقته، وعِلمه، ودِينه، أيقنتَ
بخبره كَفَلَقِ الصبح، ولا يَبقى في نفسك قلقٌ واضطرابٌ، وكفاك عن جماعة، فإنَّ واحداً قد يَزِنُ
جماعةٌ، بل يرجحهم، والآخر قد يكون كريشةٍ طائرٍ لا يُوازِي جَنَاحَ بعوضة: ﴿وإنّ إبراهيمَ كان
أُمَّةً قانتاً﴾ [النحل: ١٢٠] ومن أَمته مَنْ يجيء يوم القيامة أُمَّةً وحدَهُ.
وليس على اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ أَنْ يَجْمَعَ العَالَمَ في واحدٍ
فهذا تفاوتٌ واختلافٌ بين الناس، فخبر الواحد مثل الأوَّلِ يفوق على خبرَ الذين ليسوا

٤٢
مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
بمثابته قطعاً ويقيناً، إلا أنّ تلك الإفادةَ تكون لمن له معرفةٌ في نقد الرجال وصَنْعة الحديث،
وبمثله أجابوا مما كان يَردُ على أهل قُبَاء حيث استداروا إلى الكعبة في صلاتهم بخبر الواحد مع
أنَّ قِبلتهم كانت ثابتةً بالقاطع، فلم يكن التحوُّل عنها جائزاً لهم إلا بالقاطع، ولم يوجد غير خبر
الواحد.
وحاصل الجواب: أنه كان عندهم خبرٌ مِنْ قَبْلُ؛ أنَّ النبي ◌َّهَ يُحبُّ أن يُوَجَّه إلى البيت،
وأنه يُقَلِّب وجهَه في السماء طمعاً في الوحي، وأن ربَّ سيسارعِ إلى ما يرضاه، حتى إذا جاءهم
ممن وَثِقوا به، واحتفَّ خبرُهُ بالقرائن، أذعنوا له، وعَلِموا أنَّ ربَه ولَّاه، وحَصَل لهم اليقينُ،
لأن الخبرَ بعد تلك الاحتفافات صار يُفيد اليقينَ بعد ما كان ظنياً من أصله، ونِعْمَ ما قال بعضٌ
من العلماء: إن أكثر الآحاد كان مفيداً للعلم في عهده وٍَّ. ولما كان هذا أمراً لا يسع إنكارُهُ
لأحد جعل الحافظ هذا النزاع راجعاً إلى النزاع اللفظي، فلم يبقَ في نفسٍ إفادةِ القطع خلافٌ
ولا شِقاق، وإنما هو في أن تلك الإفادة بديهية أو نظرية، فمن ذهب إلى أنها تفيد القطع أراد به
النظريّ، ومَنْ أنكرها أراد به الضروريّ.
هذا، فإنه تحقيق حقيقٌ بالقَبول، ومن حاد عنه فقد عَدَل عن المسلك القويم.
فإن قيل: وفيهما أحاديث شَكَّ فيها الراوي بنفسه وتردَّد فيها، فكيف سبيلُ العِلم بها؟
قلت: هذا الوَهْم لم يوجد في نفس الحديث الذي هو مدار المسألة، وإنما وُجِدَ في الأمور
الزائدة التي ليست لها دخلاً في الحكم، كتعيين اسم الراوي أو القصة ونحوهما، فلا يَضُرّ في
إفادة القطع.
وبعد اللَّتَيًّا والَّتِي: إن أخبار الصحيحين لا تخلو عن إفادة القطع إلا في موضع يمنع عنه
مانع، كأن أخرجه المصنّف حديثاً ثم لم يُبَوِّب على جزءٍ من أجزائه، فلا يكون مفيداً للقطع في
هذا الجزء، لأن عدم تبويبه على هذا الجزء أورث فيه شبهةً، والقطع كان من جهة القرائن،
وهذا قرينة على خلافه، فيتخلَّف عنه القطعُ في هذا الجزء خاصة، أما أَنْ لا يفيدَ القطع في
جزء من أجزائه ويخلو عنه الخبرُ بتمامه، فلا، ومثاله: حديث الركعتين بعد الوتر قاعداً، قد ثبت
بإسناد صحيح قولاً وفعلاً، وإن زعم الشيخ النووي رحمه الله أنَّ قَيْدَ القعود فيه اتفاقي، وظن
مالك أنه يُخالف قوله ◌َالر: ((اجعلوا آخر صلاتِكم بالليل وِتراً))، فترك العمل به، ولكنه معتبرٌ
عندي ولا يُخَالِف قوله ◌َّر أيضاً، كما سيجيء تقريره في موضعه إن شاء الله تعالى.
والبخاريُّ أخرج هذا الحديث وترجّم على سائر أجزائه، ولم يترجم على هذا الجزء
فقط، وهكذا صنع في حديث الاشتراط في الحج، فلم يُخَرِّجه في كتاب الحج، بل أخرجه في
كتاب النكاح لمسألةٍ أخرى، فالظن بجلالةِ المصنف رحمه الله أنه لا يفعله جُزَافَاً بل لغرض،
وهو أنه إذاً يريد أن لا يختارَ مسألة يُخَرِّج حديثها تارةً، ثم يترجِم على سائر أجزائه، ولا يترجِم
على هذه المسألة إشارةً إلى أنها غيرُ مختارة عنده، فكأنها لا تُسْتَنْبَطُ منه. وأُخْرَى لا يُخَرِّجه في
بابه أصلاً بل يخرِّجه في باب آخر يُناسبه باعتبار الجزء الآخر، إيماءً إلى أنه ليس غافلاً عن هذا
الحديث، إلا أن هذه المسألة عنده ضعيفة، فلا يُحبّ أن ينتقل إليها ذِهن ذَاهِن، فكأنه يَذْهَل

٤٣
مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
عنها ويتغافل، ولا يذكر أنّ لها حديثاً في الذَّخيرة، وإذا جاء أوانُ ذكرِ المسألة الأخرى تَذَكَّر
وأخرج هذا الحديث بعينه، وترجم على الجزء الآخر الذي أراد أن يستنبط منه مسألةً مختارةً
عنده، وصَنِیعُهُ هذا کثیرٌ في كتابه، فاعلمه.
فخبر الواحد لا يكون مفيداً للقطع في هذا الجزء عندي، نعم، لا يخلو عن إفادة القطع،
وهذا ما أوردنا من قولنا: إن خبر الصحيحين يفيد القطع. والله تعالى أعلم.
تحقيقٌ في معنى الزّيادة بالخبر بما خَلَتْ عنه الزُّبُرِ والأَسْفَار
واعلم أنَّ النصَّ إذا جاء ساكتاً عن شيء وجاء الخبر يُثْبِته، فهل تجوز تلك الزيادة وتُزَاد به
على القاطع؟ فما ذكره ساداتنا العظام رحمهم الله تعالى أنها لا تجوز، لأنها في معنى النسخ،
وهو لا يجوز من خبر الواحد، ومن أجل تلك المقالة شَنَّعَ عليهم بعضُ المحدِّثين، حتى أن أبا
عمروٍ عَدَّها من أحدٍ وَجْهَي النَّكَارَة عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، والآخر منهما: قوله بعدم
جزئية الأعمال للإيمان، فإنهم فهموا أن إمامنا الهُمَام لا يبالي بخبر النبي ◌َّهُ مبالاةً، ولا يَهُمُّ
بالأعمال هماً، وهذا كما ترى يُبْنَى على صورة التعبير فقط، كما ستعرف تكرمه وشمائله في
كتاب الإيمان إن شاء الله تعالى .
فلذا غيَّرت عنوانهم من السلب إلى الإيجاب، وكم مِنْ مواضعَ فعلتُ فها مثلَ صنيعي في
هذا المقام غيرتُ العنوان وأبقيتُ المسألة على حالها، فإني أجد كثيراً من اعتراضاتهم علينا من
هذا القبيل، فإذا غُيِّر العنوان اندفعت وطاحت، وهذا كما قيل: والحقُّ قد يعتريه سوءُ تعبير.
وبعض الاعتراضات تُبْنَى على سوء الفهم، وفَرْطِ التعصب، وهذا أيضاً من باب:
وآفَتُهُ مِنْ الفَهم السَّقِيم
وكم مِنْ عائبٍ قولاً صحيحاً
فأقول مُغَيراً كلامَهم: إن خبر الواحد تجوز منه الزيادة، لكن في مرتبة الظن، فلا يُزَاد بهُ
على القاطع ركناً أو شرطاً، فما ثبت من القاطع يكون ركناً أو شرطاً، وما ثبت من الخبر يكون
واجباً أو مُسْتَحَبًّا، حسبما اقتضاه المقام، وليس هذا من باب التغيير في المسألة، بل من باب
التصرف في التعبير، فإن الزيادة عندهم في مرتبة الرُّكْنِيَّة والشرطية هي التي تسمَّى زيادةً
اصطلاحاً، وأما في مرتبة الوجوب والاستحباب، فلا يسمّونها زيادةٌ، فحينئذٍ معنى قولهم: لا
تجوز الزيادة، أي في مرتبة الركنية والشرطية، ومعنى قولي: تجوز الزيادة، أي في مرتبة
الوجوب، فلا خلاف ولا شقاق. نعم:
عباراتنَا شَتَّى وحُسْنُكَ واحدٌ
غير أنه يَرِدُ على تعبيرهم التهوينُ بأمر الخبر، بخلاف ما اخترته، فإنه يُشْعِر من أول الأمر
بإعمال الخبر، والاعتناء به، وإعطاء حقه، وتوفير حظه، ووضعه في مكانه.
والحاصل: أنّ الخبر عندنا معمولٌ به أيضاً كما هو عندهم، بل نقول: إن لنا مَزِيَّةً عليهم،
فإنه يلزم على قولهم توقف القاطع على الظني، والتسوية بين مقطوع الوجود ومُتَرَدَّدِهِ، وهو غير
معقول، بخلاف مذهبنا، فإن فيه إعمالاً للكلِّ في مرتبته، وتوفيراً لكلِّ ذي حَظ حَظّه، وإعطاءً
٠

٤٤
مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
لكل ذي حق حقَّه، ووضعاً لكل شيء في مكانه، فأين هذا من ذاك؟
وهذا كلُّه أخذته من كلام صاحب المنار حيث ذكر سِتَّ مسائل لكون الخاص بَيِّنَاً بنفسه
وقال: فلا يجوز إلحاق التعديل بأمر الركوع والسجود على سبيل الفرض، وبَطَلَ شرط الولاء،
والترتيب، والتسمية، والنية في آية الوضوء، والطهارة في آية الطواف. اهـ. لأنها كلها زياداتٌ
ثبتت من أخبار الآحاد، فلو قلنا بتلك الزيادات وجوَّزْناها لا يكون بياناً للنص، لأن الخاص بَيِّنٌ
بنفسه، فلا يكون إلا نسخاً، وهو لا يَصِح بخبر الواحد. أقول: ومعلوم أن تلك الزياداتِ كلها،
منها ما هي واجبة، ومنها ما هي مستحبَّة، فاعتبَرتْ كلُّها عندنا أيضاً، فكيف القول بعدم الجواز
مع الإقرار بتلك الزيادات، بعضها في مرتبة الوجوب، وبعضها في مرتبة الاستحباب، وهل هذا
إلا تناقض؟
ففهمت منه أنَّ الزيادة في مرتبة الوجوب والاستحباب كأنها ليست زيادةً عندهم
اصطلاحاً، بل هي ما في مرتبة الركنية والشرطية فَحَسَبْ، ولذا صَحَّ الإنكارُ بالزيادة مع الإقرار
بوجوب بعضِها واستحباب بعضها، ولعلَّك علمتَ أننا معاشر الحنفية نُوَفِّي كلَّ أحدٍ كَيْلَه، ولا
نُخْسِرُ الميزانَ، بل نَضَعُ الموازين بالقسطِ كما أمر الله سبحانه.
ولقد أحسن صاحب الهداية عند ذكر وجوب الفاتحة والسورة حيث قال: الفاتحةُ لا تتعيَّنُ
رُكْنَاً عندنا، وكذا ضمُّ السورة إليها، لقوله تعالى: ﴿فَقْرَهُواْ مَا تََّسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ [المزمل: ٢٠]
والزيادة عليه بخبر الواحد لا تجوز، لكنه يُوجب العمل، فقلنا بوجوبهما. اهـ.
فصرَّح بأن خبر الواحد موجِبٌ للعمل، وأنه قد عمل بموجَبِه، ثم إنه لم يبحث في الدلالة
بأن قوله ◌َّر: ((لا صلاة ... )) يدلّ على انتفاء الصلاة رأساً عند انتفاء القراءة، أو على انتفائها
كاملةً، بل صَبَا إلى إعطاء كل ذي حظ حظه، بخلاف الشيخ ابن الهُمَام، فإنه خالفه في طريق
الجواب، ونازعه في التقرير، وقال: إن قوله {َّ لمّا لم يكن فيه دليلٌ على أن المراد منه نفيُ
الأصل، وأمكن حَمْلُه على نفي الكمال حملناه عليه وقلنا به، فأقام البحث في دلالته على
المعنى المراد بأنه نفيُ الكمال، أو نفيُ الأصل رأساً، فمعنى الحديث عنده: لا صلاةٌ كاملةٌ،
لا نفيها رأساً.
أقول: وطريق صاحب الهداية هو الصواب، ولا ينبغي أن يُبْحَث في الدلالة كما فعله
الشيخ رحمه الله تعالى، فإنه إن أفاد في طرفٍ أضرَّه في طرف آخر، لأن الخبر ظنيُّ الثبوت من
قَبْلُ، وبالبحث في الدلالة يصير ظنيَّ الدَّلالة أيضاً، فيفوتُ الوجوب أيضاً كما فاتت الرُّكْنِيَّة،
فينهدم أساسُ المطلوب، فإن ظنيَّ الثبوت والدلالة لا يَثبت منه الوجوب، مع أنهما واجبان
عندنا أيضاً. وإن شئتَ تقريرَ الكلام على حَسَب ما رامه الشيخ رحمه الله تعالى فالأحسنُ فيه أن
يقال: إنه من باب تنزيل الناقص منزلة المعدوم. ولمَّا كانت الصلاةُ بدون الفاتحة خدَاجًاً
اعتُبِرَتْ في الحديث كأنها ليست صلاةً، ونُفِيَتْ بما يُنْفَى منه الأصل. وهذا طريق مسلوك بين
علماء المعاني، بخلاف تقدير الكمال، فإنهم لا يعرفونه، فاعلمه .

٤٥
مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
إعادة مع إفادة
ثم نعود إلى بحث الزيادة، والعَوْدُ أحمدُ، فنقول: إنهم يأخذون النصوص عند تلاقيها مع
الأخبار على اعتباراتٍ، ويُعلم من صنيع الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى أنه يأخذ الكتاب في
مرتبة الإطلاق، أي لا بشرط شيء، والشيء لههنا هو تعيين السورة، وَلْنُوَضِّخْ ذلك بمسألةٍ
ومثال، نلاحظ قوله تعالى: ﴿فَقْرَهُواْ مَا تَبَشَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِّ﴾ [المزمل: ٢٠] مع قوله ◌َّ: ((لا صلاةَ
لِمَنْ لم يَقْرَأُ بفاتحة الكتاب))، فأخذ الشيخ النص في مرتبة الإطلاق وجعله ساكتاً عن تعيين
السُّورَ، وحمله على بيان الإقدار، أي: اقرؤوا أيَّ قَدْرٍ شئتم من القرآن، فالمَسُوقُ له هو بيان
الإقدار، ويُستفاد من سكوته أن الفاتحة والسورة سواءٌ، والحديثُ إنما ورد في ذكر التعيين،
وحينئذٍ لم يَبْقَ بينهما تعارض، وصار طريقُ كلِّ غيرَ طريق الآخر، فما ذَكَرَ النصُّ ليس بمذكور
في الحديث، وما تَعَرَّض إليه الحديثُ لم يُسَق له النصُّ، فما ثبت بالنص يكون فرضاً، وما ثبت
بالخبر يكون واجباً .
ويُستفاد من صنيع فخر الإسلام أنه يأخذ النص في مرتبة التجرُّدِ أي بشرط لا شيء،
وحينئذٍ لا يكون طريق كلِّ على حِدَة، بل يتلاقى ويتعارض في بعض الأجزاء، فيعطي كلَّ ذي
حظ حظه، فإذا تعارض النصُّ والخبرُ كما ههنا، جَعَلَ ما ثبت بالكتاب فرضاً، وما ثبت بالخبر
واجباً، رفعاً للتناقض، فهذا غير طريق الشيخ رحمه الله تعالى، وإن اشتركا في المآل، فإنه حَمَلَ
النص على نفي التعيين، ثم إذا ورد التعيين في الحديث صار ظاهرُهُ التعارضَ، ودُفِع بإقامة
المراتب لا بتفريق الطُرُقِ. كما فعله الشيخ رحمه الله تعالى. وإقامةُ المراتب تكون في الشيء
الواحد، وتفريق الطرق يكون في الشيئين فاعلمه.
والطريق الثالث ما اختاره الشافعية، فإنهم يأخذون النص في مرتبة بشرط الشيء،
ويُخرِجون الحكم من المجموع، فيكون المُستفاد من النص بعد لِحَاظِ الخبر معه فرضيةُ الفاتحة
قطعاً .
أقول: إن الأمر ليس كما زعموه من أنَّ المأمور به في القرآن بعد ضم الحديث معه هو
الفاتحة فقط، بل الأمر: ما ثبت من النص نجعله ركناً، وما ثبت من الخبر نجعله واجباً، كما
ذكره صاحب الهداية، وقد مرَّ أنه لو لم نُعْطِ النَّصَّ حِّه بل نجعله موقوفاً على الخبر في معناه،
لَزِم توقّفُ القاطع على الظنيّ، وهو باطل، ولئن سَلَّمنا طريقَهُمْ فلنا أن نقول: إن القاطع قطعيٍّ
في مراده قطعاً، وما يستفاد منه بعد لِحَاظ الخبر معه فهو ظني، لأنه لم يثبت إلا بالظني، فلا
يفيد الحكم إلا بقدر دليله، فلا يثبت منه غيرُ الوجوب، لا ما راموه من الركنية، وكذا ما زعمه
الحنفية من أن المراد من النص أي قوله تعالى: ﴿فَقْرَهُواْ مَا تَبَشَّرَ﴾ القراءةُ مطلقاً، ولو بآية أيضاً
مرجوحٌ، لأن المراد منه ما تفعله الأمة الآن، أي الفاتحة مع السورة، وإلا يلزم حملُ القرآن
على الكراهة ودَرْجُهَا في نَظْمِه.
نعم، كون هذا المراد مراداً بالنص ظنيٍّ، ولذا كانت قراءة الفاتحة مع السورة واجبة، ألا
ترى أنّا لو فرضنا رجلاً قرأ آية في صلاته ثم ركع، فهل تراه خالف قوله تعالى: ﴿فَقْرَءُوا﴾ كيف

٤٦
مقدمة محمد أنور شاء الكشميري
وأنه قد أتى بما أُمِر على هذا التقدير، فهل تستطيع أن تحكم على رجل امتثل بما في القرآن،
وأتى بما أُمِر أنَّ صلاتَه مكروهةٌ تحريماً، مع أنه أدّاها كما أمره الله سبحانه؟! وهذا معنى قولنا:
يلزم دَرْجُ كراهة التحريم في النظم، وحمل النص عليه، فإنه يلزم أن تبقى صلاته مكروهةً بعد
الإتيان بما في القرآن أيضاً، فإن قلتَ: وإذ قد منعتَ أنْ تُراد من الكتاب الفاتحةُ فقط، فكيف
ساغ لك أن تريد منه الفاتحة مع السورة قلت: هذا غير مُتَأَتِّ علينا، فإنا لا نقول بركنيتهما، بل
نقول بالوجوب فيهما أيضاً، بخلاف الشافعية، فإنهم أخذوا الفاتحة في مرتبة الركنية، فَمَنَعْنَاه.
بقي شيء وهو أنَّ خبرَ الصحيحين إذا أفاد القطع وإن كان نظريًّا على ما حققناه سابقاً .
فهل تجوز به الزيادة أو لا؟ والذي عندي أنه لا تجوز لأنها أخبارُ آحادٍ بعدُ لم تَرْقَ إلى مرتبةٍ
المتواتر والمشهور، وإفادة القطع آمرٌ آخر، فإنه استُفِيد من تِلْقَاء الإسناد، ثم هو مقتَصِرٌ على
المطّلِعِ المتيقّظِ، حتى لا يكاد يَحْصُل الكثير من الناس ولذا أنكروه، والقطعي الذي يجوز منه
الزيادة هو ما أفاد القطع بدون النظر إلى حال الإسناد، والفحصٍ في أحوال الرجال، وهو
المتواتر والمشهور، فاعلمه.
نُقُولٌ ينبغي للناظر أن يُرَاعِيَها
حكى البيهقي في باب المسح على الجوربين ص ٢٨٤ عن مسلم أنه قال: لا يُتْرَك ظاهرُ
القرآن بمثل أبي قيس، كذا في (تهذيب السُّنن)) لابن القيِّم، والزيلعي إلا أن فيه: قالوا: لا
يُترك ... الخ، بدل قال: لا يُتْرك، والظاهرُ قال: لا يترك ... إلخ، كما في البيهقي.
وفي الترمذي في باب الوضوء بالنبيذ قال أبو عيسى: وقول مَنْ قال: لا يتوضأ بالنَّبِيذ
أقربُ إلى الكتاب وأَشْبَهُ، لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]
انتھی .
قلت: وإنما يَسْتَنْكِرُ هذا على مذهبنا، ولا بُعْدَ فيه على مذهب الشافعية وَمَنْ نحا نَحْوَهم،
فإن مذهبهم جوازُ الزيادة على الإطلاق، وإنما نقلتُ كلام الإمامين لتكون على ذكرٍ منه، ولا
تَغْفُل، فإن كلام الترمذي مع كونه شافعياً يُومىء إلى ما اخترناه، ويَليقُ بأصلنا .
تحذير
واعلم أنه قد وقع في كُتُب الأصول في هذا البحث لفظ: الردّ أنْ نأخذ بالكتاب ونَرُدَّ
الخبر، وأرادوا به عدم اعتداده في مرتبة الكتاب، وصَدَقُوا، إلا أنهم أساؤوا في التعبير، فينبغي
أن يُحْتَرَزَ عن هذا التعبير المُوهِم، وهذا كما في كتبنا في كثير من المواضع جارٍ، وصَحَّ، مع
أنَّ المقام يشتمل على كراهةٍ التحريم عندنا أيضاً، وظاهرُ كلامهم بِنَفْسِها لئلا يُسْتَوْحِشَ منه
الخُصُوم، فينبغي أن يُوضَع لفظٌ آخرُ مكانه، ويُتَّقَى عن مواضع الرَّيْب والرِّبة.
هل التخصيص والزيادة من باب واحد؟
ثم أن يُلْحَقُ بهذه المسألة مسألةُ تخصيص عامِّ الكتاب بالخبر، فقيل: إنه من بابٍ واحدٍ،

٤٧
مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
فلا يجوز، كالزيادة، وقيل: من بابين فيجوز، وفي كُتُبنا عامة أَنَّ عامَ الكتاب لا يُخَصَّص بالخبر
عندنا، والذي وَضَحَ لديّ أنه يجوز، لأن كتب المذاهب الثلاثة صرَّحوا بجوازه عند الأئمة
الأربعة، كما في ((المحصول))، و((المختصر)) وشرحه للعَضُد، و(شرح الإسْنَويّ)) على
((المنهاج)) للقاضي البيضاوي، و ((المستصفى)) وغيرها، فاختلف علماؤنا وعلماء المذاهب
الأُخر في نقل مذهبنا، وكنتُ أظن أوّلاً أنَّ المذهب الصحيح ما نقلوه، لأن ما في كتبنا نَقْلُ
المتأخرين، وقد نُسِب إلى الكَرْخِي منا رحمه الله تعالى أنَّ التخصيص جائزٌ عنده، فاعتمدت
عليه للمذهب، وجعلتُ ما اختاره مذهبَ الإمام، لأنه أَقدمُ وأثبتُ، وما في كُتُبِنَا فكأنَّه مختارُهُم
وليس مذهبَنَا، اللهم إلا أن يكون عندهم نقلٌ صحيح من صاحب المذهب.
وجعل الشيخ ابن الهُمَام مسألة الزيادة والتخصيص من وادٍ واحد، وقال: إنه زيادةٌ كتقييد
المُطْلَق، إلا أنهم لا يُسَمُّونها زيادةً اصطلاحاً، بل يسمّونها تخصيصاً، والتقييد زيادةً.
أقول: بل هما مسألتان مختلفتان، وليس التخصيصُ من باب الزيادة، فإن الزيادة إنما
تكون فيما يكون النصُّ ساكتاً عنه، فجاء الخبرُ بالمسكوتِ عنه، والتخصيص يجري فيما يتناوله
النص لا في المسكوت عنه، لأنه إخراج بعضٍ متناولات النص فينبغي شموله أوّلاً ليصحَّ
إخراجه آخِراً .
يقول الجامع: هكذا وجدتُ في تذكرتي، ورُبَّ موضع لم أسمع منه إلا مرةً واحدة، وهذا
منها، فليُنْظَر فيه .
عُقْدَةٌ في حُكْمِ التَّعَارُضِ وَحَلُّهَا
واعلم أنَّ الحديثَين إذا لاح بينهما تعارُضٌ، فحكمه عندنا أنْ يُحْمَلَ أوّلاً على النَّسْخِ،
فيُجْعل أحدُهُما ناسخاً والآخرُ منسوخاً، ثم يُتَنَزَّل إلى الترجيح، فإن لم يظهر وجه ترجيح
أحدهما على الآخر، يُصَار إلى التطبيق، فإن أمكن، فبها، وإلا فإلى التساقط، هذا هو الترتيب
عند التعارض عندنا كما في ((التحرير)). وعند الشافعية يُبْدَأ أوّلاً بالتطبيق، ثم بالنسخ، ثم
بالترجيح، ثم بالتساقط .
قلت: وما اختاره الشافعية رأي حسن في بادىء النظر، وما يظهر بعد التعمق هو أنّ ما
ذهبنا إليه أولى، لأن الترتيب بين التطبيق والتساقط ظاهرٌ، فإنَّ التساقط إنما هو عند تعذُّر
التطبيق، وما دام أَمْكَنَ الجمعُ لا معنى للتساقط، وكذا تقديمُ الترجيح على التطبيق أيضاً،
واضح، فإنَّ الأخذ بالراجح مما جُبِل عليه الإنسان، فهو مُودَعٌ في فِطرته، ألا ترى أنك إذا
سمعتَ رجلاً أفتاكَ في مسألة بجواب، ثم تسمعُ رجلاً أفضلَ منه يُجيب بغير جوابه تأخذ بما
أجاب به الأفضلُ بدون تأمُّلٍ، ولا تَرْكُنُ إلى قول المفضول أصلاً. وهذا هو الأخذ بالراجح من
حیث لا نَذْریه .
بقي تقديمُ النسخ على الترجيحِ، فغير ظاهر، وما يَحْكُم به الوِجْدَان أنَّ النَّسخ آخِرُ الحِيَل،
فينبغي أن يُؤَخَّر عن الكل، وقد تَصَدَّى لجوابه بعضٌ من العلماء المتأخرين، فكتب عليه رسالةً

٤٨
مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
مستقلة، وبَذَلَ جَهْدَه فيها، ثم لم يَقْدِر على الجواب! وما فتح الله عليَّ هو: أنَّ المرادَ من
النسخ ما جاء مُصَرَّحاً في الحديث، كقوله ◌ِّرَ: ((نهيتُكُمْ عن زيارة القبور ألا فزُورُوهَا))، وكما
رواه الترمذي عن أَبيِّ بن كعب: «إنما كان الماءُ من الماءِ رُخْصَةً في أوَّل الإسلامِ ثُمَّ نهى
عنها)). ولا يَسْتَرِيبُ في تقديم هذا النوع إلا مَن سَفِه نفسَه، فإنه إذا تعيَّن النسخُ في باب،
فالتصدي إلى الجمع أو الترجيح لا يكون إلا سَفَهاً وغَباوةٌ .
فعُلِم أنَّ ما اختاره الحنفية هو الترتيبُ العقلي، وهو الحقُّ بعد الإمعان، وإن كان النظرُ
الظاهرُ يَحْكُم بخلافه، ونَزِيدُك إيضاحاً بما رواه مسلم عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخُدْرِي،
عن أبيه قال: خرجتُ مع رسول الله وَل﴿ يوم الاثنين إلى قُبَاء، حتى إذا كنا في بني سالم وقف
رسول الله ﴿﴿ على باب عِثْبَان فصرخ به، فخرج يَجُرُّ إزاره، فقال رسول الله ◌ٍَّ: «أَعْجَلْنَا
الرَّجُل))، فقال عِتْبَان: يا رسول الله، أرأيتَ رجلاً يَعْجَل عن امرأته ولم يُمْنِ ماذا عليه؟ قال
رسول الله ◌َ﴾: ((إنما الماءُ من الماء))، فهذا يدلّ صراحةً على أن الغُسْل إنما يجب بالإنزال
فقط، وعلى أنَّ قوله ◌ِّ: ((إنما الماء من الماء)).
وَرَدَ في الجماع يقظةً، كما يدلُّ عليه السياق. ويُعارِضه ما رواه عن عائشة رضي الله عنها
قالت: قال رسول الله وَ﴾: ((إذا جَلَسَ بين شُعَبها الأربع، ومَسَّ الخِتَانُ الخِتَانَ، فقد وَجَبَ
الغُسل)) مختصراً. وفي رواية أبي هريرة عنده: ((وإن لم يُنْزِل)).
فهذا يدلّ صراحةً على أنّ الغسل يُنَاط بالإنزال، بل يدور على المَسِّ والغيبوبة: فقدَّمنا
النسخَ على أصلنا، وطَلَبْنَا هل نَجِدُ في هذا الباب شيئاً؟ لأن العدول عنه عندنا إلى غيره إنما هو
عند فُقدان دليل النسخ، فوجدنا نسخه ظاهراً ولا كظهور الشمس في رابعة النهار، فقد روى
الترمذي عن أبيّ بن كعب: ((إنما كان الماء من الماء رُخْصةً في أول الإسلام)). وأظْنَبَ
الطحاوي الكلامَ فيه وأكثرَ في الروايات الدالة على النسخ، وأقوى شيءٍ ما أخرجه عن عمر
بأسانيد عديدةٍ: أنه قال بمحِضَرٍ من الصحابة رضي الله عنهم: ((لا أسمعُ أحداً يقول: الماء من
الماء إلا جعلته نَكَالاً)).
فإذا تبيَّن النَّسْخِ بهذه المثَابَة وتَحَتَّم، فحينئذٍ إبداءُ المَحَامِلِ وذِكْرُ وجوه الترجيح أو التطبيق
لا يكون إلا خِلافَ الواقع، ولذا أقول: ما رواه الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنه: الماءُ من
الماء في الاحتلام، ينبغي أن يُصْرَف عن ظاهره ويُحْمَل على بيان المسألة بعنوان الحديث، أو
إبراز عنوان الحديث غير المنسوخ في بعض الجزئيات، لا كما تَوَهَّم بعضهم أنه تفسيرٌ لمعنى
الحديث وبيانٌ لمراده، بحيث لا يُحتاج إلى النسخ، فإنه يكون من باب توجيه القائل بما لا
يرضى به قائله، لأنك قد علمتَ أنَّ قولَه ◌َّر: ((الماء من الماء)) لم يَرِد في الاحتلام قط، بل
جاء في الجِمَاعِ، كما يدلّ عليه قِصة عِتْبَان، فكيف يَصْلُح أن يكون بياناً لمراده اَله؟
على أنّ حاصل هذا التوجيه: أنّ الغُسْل من الإنزال لم يكن في الإسلام أصلاً، وأنه لم
يَرِد في هذا الباب نَسْخٌ، وأن المسألة فيما يُوجب الغُسلَ الآن كما كان، ومعلوم أن العمل عليه

٠
٤٩
مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
استمرَّ إلى زمنٍ ثُمّ نُسِخَ، ونحن لا نظنُّ بمثل ابن عباس رضي الله عنه أن يكون غافلاً عن مثل
هذه المسألة الفاشية، سيما بعد هذا الإجماع الظاهر. وإذن لا بد علينا أن نذكر لكلامه وجهاً،
وقد ذكرناه، ولعله يَضِيق به صدرُ مَنْ اعتاد بالمشي على الألفاظ، وأما من ارتاض وتَدَرَّب،
فيُشْرَح به صَدْرُه، ويُفْرَجُ أمرُه، ألا ترى أن ابن عباس رضي الله عنه يقول: إن الإقعاء سُنَّة، فهذا
نحو تعبير لنكتة، ومِثْلُ هذا في تعبيراته كثيرٌ، والذكي الفَطِن يقول كذلك كثيراً، كالبخاري ربما
يذكر المسألة بعنوان الحديث، وهذا بعد ما عرفتَ نُكَاتِهِ نحو من البلاغة، وإنما أطنبنا الكلام
فيه لأنا نريد أن نصون جَنَاب ابن عباس رضي الله عنه عن تأويلات بعيدة، ولو أنصفتَ لحكمتَ
أنَّ حملَ كلامه على ما ذكرنا أولى بشأنه مما ذكروه، وللناس فيما يعشقون مذاهب.
والحاصل أنَّ النسخَ إذا عُلِمَ من جهة صاحب الشريعة أو صحابته رضي الله عنهم يُقَدَّم
على الترجيح وغيره، من غير رَيْبٍ ورِيبة، فلا تكن من المُمْتَرِين. والله تعالى أعلم.
ولما أنجز الكلام إلى ههنا ألحقنا به بعض مباحث النَّسْخ أيضاً .
كيف النَّسْخُ قبل العمل؟
واعلم أن النسخ قبل العمل لا يجوز عند جماعة، وأجازه آخرون، وقد فُرِغَ عنه في
مقامه. ويرد على الأول أن النبيَّ وَّ لما أُسْرِي به وفُرِضَ عليه خمسون صلاة، ثم خُفِّفَ عنه
حتى آل الأمر إلى الخمس، فجاء النسخ قبل العمل، وتحيَّر في جوابه أُولو الأحلام والنُّهى،
فاحتال بعضهم لدفعه وقال: إن الواجبَ هو الإيمانُ بالمنسوخ وعقدُ القلب، والعملُ عليه غير
ضروري، وإذ قد وُجِد التسليم من النبي ◌َّ، فقد ناب عن أمته. وهذا القدر يكفي للنسخ.
وهذا مخدوش، فإن كون الاعتقاد بِحَقِّية المنسوخ كافياً للنَّسْخِ أَوَّلُ النَّظَر، وذكروا له وجوهاً
أُخَر لا ترجع إلى كثير طائل.
ولا نسخ فيه عندي، فلا سؤال ولا جواب، بل هو إلقاءٌ للمراد على المخاطبَ بعد
مراجعات شتَّى، وإبرازٌ لما في الضمير حِصَّةً حِصةً، ليكون له وَقْعٌ في النفس ومحلٌّ من
القَبول، لأن الحاصل بعد الطلب أعزُّ من المُنْسَاق بلا تعب، فهذا من طرق التفهيم، بل هو نحو
من العناية والإكرام، والتفضُّل والإنعام على سيد الأنام. كيف وفي النَّسائي: فقال: ((هي خمس
وهي خمسون، لا يُبَدَّل القولُ لديّ ... )) إلخ، فنَّه الله سبحانه على أنه لا نسخ وإنما هو من
باب الحسنات بعشر أمثالها، فالخمس ههنا خمسون عند ربنا تبارك وتعالى، كما قال: ﴿وَإِنَّ
يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] وهذا كما عند الترمذي وصححه عن
عِمران بن حُصَين قال: ((جاء رجل إلى رسول الله وَ له، فقال: إن ابني مات فما لي من ميراثه؟
قال: لك السُّدُس، فلما ولَّى دعاه، قال: لك سدس آخر، فلّما ولّى دعاه، قال: إن السدس
الآخر طُعْمَةٌ))، فلم يجعل له الثلثَ من أوَّلِ الأمر، بل جعل السِدسَ والسدس. فهل يقول عاقل:
إنه نسخ؟ بل هو إلقاء للمراد حِصةً حصةً لمعانٍ يُرَاعيها المتكلِّم في نفسه، فاعلمه ولا تكن من
القاصرين.

٥٠
مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
هل يُعْتَبَرُ العملُ بالمنسوخ بعد نزول الناسخ(١)؟
نُسِبَ إلى البعض أنَّ العمل بالمنسوخ لا يُعتبر بمجرد نزول الناسخ، سواء بلَّغه النبي ◌ُِّ
أو لم يبلِّغه إلى أحد، وفيه أنَّ بطلان العمل قبل العلم بالناسخ بل قبل التبليغ مما لا يُعْقَل، فإنه
يؤول إلى التكليف بما لا يُطَاق. وفَصَّل فيه الآخرون فقالوا: إنْ عَمِل به بعد ما بلَّغه النبي ◌ِّ،
ولو واحداً منهم، بطل، وأما إذا لم يبلِّغ أحداً منهم، فلا، وهذا معقول، فإن تبليغ الجميع
متعذّر، فلا يجب عليه، والواحد كافٍ لظهور الناسخ. والظهورُ في حق البعض كالظهور في حق
الكل فيما تعذّر الوصول إلى الكل.
وما يَحكم به الخاطر الفاتر أنه يُتَوَقَّف في حكم الصحة والبطلان، ويُنْظَر أن النبيِ وَ لِّ هل
تكفَّل بإبلاغه إليهم خاصةً، أوْ لا؟ فإن كان تكفَّل به، مثل إن أَرْسَلَ إليهم رجلاً يُخْبِرهم به، لم
يَبْطُل عملهم قبل بلوغه إليهم، وإلا لزم أن يلغوا فعله، ولا تظهر ثمرته، والعياذ بالله، وإن لم
يتكفل به واكتفى بالتبليغ إلى الحاضرين في الآن الحاضِرِ، بطل عملهم بالمنسوخ؛ وإنْ لم يبلِّغ
الناسخ إليهم، فإنه إذا ظهر في حق البعض فقد ظهر في حق الكل، وتظهر ثمرته في حق
القضاء .
إذا علمتَ هِذا فاعلم أنّ أهل قُبَاء صَلَّوا ثلاث صلوات إلى بيت المقدس بعد نزول
الناسخ، لأنه لم يُبَلَّغ إليهم إلا في الفجر. فينبغي عندي أن تصح صلواتهم تلك كلها، ولا تجب
الإعادة عليهم، لأن النبي ◌َّير كان تكفَّل لهم وبعث إليهم رجلاً لذلك، كما في الدَّارَقُطْني، وإن
كان في الترمذي وغيره: أنه مرَّ بهم، وليس فيه أنه أمَرَه به، والله تعالى أعلم.
تنبيه
[النسخ عند السلف]
ومما ينبغي أن يُعلم أن النسخ عند السلف أُطلق على تقييد المطلق، وتخصيص العامِّ،
وتأويل الظاهر أيضاً، نص عليه ابن تيميَّة وابن حَزْم رحمهما الله تعالى. وهو عند المتأخرين
عبارة عن رفع حكم شرعي. ووسَّع فيه الطحاويّ بطريق ثالث، فأطلقه على ظهور أمرٍ بخلافٍ ما
كان عند الصحابة رضي الله عنهم أيضاً، كما فعل في مسألة الإبراد، فكان عندهم التعجيل، فإذا
(١) قال المازِرِي وغيره: اختلفوا في النَّسْخ إذا ورد متى يتحقَّق حكمُهُ على المكلَّف، ويُحْتَجُّ بهذا الحديث لأحد
القولين - أي حديث نزول الناسخ في تحويل القبلة عند البخاري في كتاب الإيمان - وهو أنه لا يَثْبتُ حكمه حتى
يبلغَ المكلفَ، لأنه ذكر أنهم تحوَّلوا إلى القِبلة وهم في الصلاة ولم يُعِيدوا ما مضى، فهذا يدلُّ على أنَّ الحُكْمَ
إنما يثبت بعد البلاغ، وقال غيره: فائدة الخلاف في هذه المسألة في أن ما فُعِل من العبادات بعد النسخ وقبل
البلاغ هل يُعاد أم لا؟ ولا خلاف أنه لا يَلزم حكمُه قبل تبليغ جبرائيل عليه السلام. وقال الطحاوي: وفيه دليل
على أن مَنْ لم يعلم بفرض الله، ولم تبلغه الدعوة، ولا أمكنه استعلامُ ذلك من غيره، فالفرض غير لازم،
والحُجَّة غير قائمة عليه.

٥١
مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
أَبْرَدَ النبيِ وَّر فقد ظهر بخلاف ما كان عندهم، فأطلق فيه النسخ، وهكذا فَعَلَ في رفع اليدين
وغيرٍ واحدٍ من المواضع، ولذا كثر في كلام السلف إطلاقُ النسخ، ومَنْ لا يعلم طريقهم يتحيَّرْ
فيه، وقد بيَّنا لك حقيقةَ الحال.
أفعاله تعالى مُعَلَّلة بالأغراض أم لا؟
قد ظنَّ قوم أن أفعاله تعالى غير معللة بالأغراض، وبرهنوا عليه في مقامه. قلت: وما
ذكروه فاسد، لأن غاية ما وجَّهوه به هو لزوم الاستكمال بالغير، فأفعاله تعالى لا تتوقف على
غرض ولا تُعَلَّل به، وَوَجْهُ الفساد ما ذكره الشيخ ابنِ الهُمَام رضي الله عنه في ((التحرير)): أن
الفقهاء والمحدثين أجمعوا على أن أفعاله تعالى معلَّلة بالأغراض، ولا دخل فيه للاستكمال،
فإنّ كماليّتَه تعالى هي التي استوجبت أن تترتب على أفعاله تلك الأغراض، فذاته تعالى لا تخلو
عن الكمال في مرتبة من المراتب، ومن هنا تَنْحَلُّ شبهة عظيمة أوردها الفلاسفة في كون
الصفات عيناً له تعالى لا زائدة عليه.
قالوا: إن القول بزيادة الصفات يستلزم خُلُوَّ الذات عنها في مرتبة الذات، وهو يُوجِب
نقصاناً في الذات من جانب، أو الاستكمال بالغير من جانب آخر، وهو أوهنُ من بيت
العنكبوت، فإن الذات ليست عارية عن الكمال في مرتبةٍ ما، كالشمس، فإن الضوء زائد على
الشمس وصفةٌ لها، ومع هذا لا يلزم منها سلب الضوء في أيِّ مرتبة فُرِض، والسُّ فيه أن الذات
إذا كانت كاملةً فلا تتجرَّد عن كماليَّتها في أيِّ مرتبة لُوحِظَت، كما أَن ذَاتياتِ الشيءِ وذاتَه لا
تنفك عن نفسه، بل فَكَّه وتجريده عن ذاته يستلزم إعدامَه، ولذا قالوا: انسلاخُ الذاتيات عن
الذات محالٌ، فالشمس مستضيئة ومستنيرة في ذاتها، فتبقى كذلك في أي مرتبة فُرِضَتْ.
كذلك الله سبحانه وتعالى كَمَالِيَّتُهُ - بالنظر إلى ذاته - ليست مرهونةً بأيدي الصفات، فلا تُفْرَضُ
ذاتُهُ في مرتبة إلا كان كاملاً في تلك المرتبة، وتجريدُهُ عن الكمالية وقطعُ النظر عنه يستلزم قطعَ
النظر عن الذات.
فإذن الصفات من فروع الذات، وهذا لفظ الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى، وما أحسنَ
وأملَح لفظَ الفروعِ فَذُقْهُ، بل الصفاتُ من أَجَلِّ البرهان على كمال الذات، فإنه لو لم تكن الذاتُ
كاملةٌ لما أُفِيضت منها تلك الصفات. ولنا فيه كلام طويل ذكرناه في موضعه.
وما قال جهلاء الفلاسفة فليس بشيء، ولا أدري ماذا أرادوا بقولهم: إن الصفاتِ عينُ
الذات، مع أن في ((الشفاء)) ((فصل على نفي القدرة))، وكذلك حال السمع والبصر والإرادة
عندهم، فإن الله سبحانه وتعالى فاعلٌ بالإيجاب عندهم. بقي العلم، فمذهب أَرِسطو وابن سينا
أن علم الباري حصولي، فيكون زائداً قَطْعاً، فأين الصفاتُ عندهم ليقال: إنها عينُ الذات؟
فإنهم نَفَوْهَا رأساً، ثم إنْ أَقَرُّوا بالعلم فقد جعلوه زائداً على الذات بجعله حصولياً، فحينئذٍ لم
يبقَ لقولهم مصداقٌ، وصار كقولهم: أَسمع جَعْجَعَةً ولا أرى طِحْنَاً. ثم لزم على قولهم
الاستكمالُ بالغير أيضاً، ولم يَحْصُل لهم التفَصِّي بجعل الصفات عيناً .

٥٢
مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
والحلُّ ما ذكرناه، فاعلمه وكن من الشاكرين. والأنسبُ عندي أن يُتْرَك لفظُ الأغراض
ويقال: إن أفعاله تعالى مُعَلَّلة بالغايات. والفرق بين الغاية والغرض غير خفيٍّ على اللبيب. والله
تعالى أعلم.
ذكرُ الترتيب بين الصِّحاح السِّتِّ،
وبيانُ مذاهبهم مع بعض الفوائد المهمة
واعلم أنه انعقد الإجماع على صحة البخاري ومسلم، إلا أنَّ مسلماً يشتمل عندي على
الحِسَان أيضاً كما في باب مَذِمَّة الشِّعر، وذلك لأنه جرى على اصطلاح القدماء، ولم يفرِّق بين
الحسن والصحيح. قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن تقسيم الحديث عند قدمائهم كان إلى
قسمين فقط: صحيح وضعيف، والحسنُ لذاته كان عندهم داخلاً في الصحيح، وإليه جَنَح غير
واحد من الأئمة، حتى أنه نُقِل الإجماع على ذلك.
قلت: دعوى الإجماع غير صحيحة لأن البخاريَّ وعليَّ بن المَدِيني ممن يُفَرِّقان بينهما،
حتى جاء الترمذي وتَبع في ذلك شيخَه، فشهره ونوَّه بذكره، وعليه مشى في جميع كتابه. وما
ذكره مسلم في المقدَّمة من تقسيم الرواة على ثلاث طبقات، وَعَدَّ من الثانية ليث بن أبي سُلَيم،
وهو راوٍ لحديث: ((قراءة الإمام له قراءة))، فمراده تثليث طبقات الرواة، والاكتفاء بذكر أحاديث
الاثنتين منها في كتابه، لا أنه يُصَنِّف ثلاث تصنيفات باعتبار طبقات الرواة، كما فهمه النووي.
ثم إنّ الدَّارَقُظْنِي تتَبَّع على البخاري في أزيد من مائة موضع، ولم يستطع أن يتكلم إلا في
الأسانيد بالوصل والإرسال غير موضع واحدٍ وهو: ((إذا جاء أَحَدُكم والإمام يَخْطُب، فليصلِّ
ركعتين وليتجوَّز فيهما))، فإنه تكلم فيه بما يتعلَّق بحالِ المتن. وَوَجْهُهُ أنَّ الدَّارَاقُطْني يمشي على
القواعد المُمَهَّدة عندهم، فينازِعُهُ من القواعد، وشأن البخاري أرفع من ذلك، فإنه يمشي على
اجتهاده، وينظر إلى خصوص المقام وشهادة الوجدان، وإنما القواعد لغير الممارِس على حَدِّ
التحديد للعوام فيما لم يَرِد به التحديد من الشارع. ورتبتُهما أعلى من الكل بعد اختلاف يسيرٍ
بینھما .
وبالجملة فالمقدَّم: ((صحيح البخاري)) ثم ((صحيح مسلم))، وبعدهما عندي ((صغرى
النسائي)) على خلاف ما عندهم، لأنه قال: كلُّ ما أخرجتُ في ((الصغرى)) فهو صحيح عندي،
بخلاف أبي داود، فإنه لم يشترط الصحةَ بلِ قال: كلُّ ما أخرجتُ في كتابي فهو صالح للعمل
عندي، فيعم الحسن. وأما الحافظ فلا يَتركُ أحاديث النَّسائي ((والموطأ)» بالنقد، كأنه يشير إلى
أن أحاديثهما تحتاج إلى النقد جزئياً، ولا يحكم عليها بالصحة كلياً، وعندي النَّسائي كلَّه
مستغني عن النقد. قال السُّبْكي والذهبي: إن النسائي أحفظُ من مسلم.
قلتُ: هذا الفرق في أشخاصهما لا في كتابَيْهما، فإن كتاب مسلم أصحُ من النسائي،
وقصته أنَّ السُّبكي كان يتعلَّم على الذهبي، فلما رجع يوماً قال لأبيه الشيخ تقيّ الدين: إن
أستاذي قال اليوم قولاً عجيباً! قال: ما هو؟ قال: قال: إن النسائي أحفظُ من مسلم! فقال

٥٣
مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
الشيخ تقيّ الدين رحمه الله تعالى: أصاب الذهبي ولا ريب أنه كذلك. وبعده أبو داود، فإنه وإن
اشتمل على أحاديث ضعافٍ إلا أن ضعفها يسير، وقد أخرج أبو داود روايةً عن جابر الجُعْفِي
أيضاً، وهو أجمع كتاب في السنن، حتى قال الخَطّابي: إنه أجمع كِتاب في الدِّين، ويقربه
عندي كتابٍ الّحاوي المشهور ((بشرح معاني الآثار))، فإن رواته كلّهم معروفون، وإن كان
بعضُهم متكلَّماً فيه أيضاً .
ثم الترمذي، وكتابه وإن اشتمل على غرائبَ وضعافٍ لكنهُ ينَبِّه عليه في كل موضع، وهو
وإن كان أقلَّ حديثاً باعتبار السَّرْد في الأبواب إلا أنه جَبَرَهُ بالإيماء إليها ضِمن قوله: وفي
الباب. ثم إن الترمذي ليس عنده إسناد مذهب الإمام أبي حنيفة، فلذا لا يَذكر اسمه صراحةً،
بخلاف مذاهب الأئمة الأخر فلها عنده أسانيد سردها في كتاب العِلَل، ويَظُنُّ من ليس عنده علمٌ
أنه لا يذكر اسمه لعدم رضاه عنه. وبعده ابن ماجه، وفيه نحوٌ من عشرين حديثاً مُتَّهم بالوَضْع.
وأما ((الموطأ)) لمالك؛ فلكونه مشتملاً على الآثار كثيراً لم نتكلم عليه، قال ابن حزم:
لقد أحصيتُ ما في موطأ مالك، فوجدتُ فيه خمسمائة ونَيِّفَاً مسنداً، وثلاثمائة ونيِّفَاً مرسلاً،
وفيه نيِّفٌ وسبعون حديثاً قد ترك مالكٌ نفسُهُ العملَ بها، وفيها أحاديث ضعيفة أوهاها جمهور
العلماء. قال الخطيب: إن ((الموطأ)) مقدَّم على كل كتاب من الجوامع والمسانيد.
مراتب الصحيح
والصحيح عندي على أربعة أنحاء:
الأول: ما يكون رواته ثقاتٍ وعدولاً مع تعاضُدِه بالتوارث والتعامل، وهو أعلى الصحاح
عندي .
ثم ما صححه أحدٌ من الأئمة صراحةً.
ثم ما أُخْرِج في الكتب التي التُزِم فيها بالصحة، وإن لم يُصَحَّح جزئياً، كصحيح ابن
خُزَيمة، وصحيح ابن السَّكَن، وصحيح ابن حِبَّان، والنَّسائي.
ثم ما يكون رواتُهُ سالمين من الجرح.
مذاهب أصحاب الكتب السِّتة
واعلم أن البخاري مجتهِدٌ لا ريب فيه، وما اشتَهر أنه شافعي، فلموافقته إياه في المسائل
المشهورة، وإلا فموافقته للإمام الأعظم ليست أقلَّ مما وافق فيه الشافعي، وكونه من تلامذة
الحُمَيْدِي لا ينفع، لأنه من تلامذة إسحاق بن رَاهُويَه أيضاً، وهو حنفي، فَعَدُّهُ شافعياً باعتبار
الطبقة ليس بأولى من عَدِّه حنفياً، وأما الترمذي فهو شافعيُّ المذهب لم يخالفه صراحة إلا في
مسألة الإبْرَاد، والنسائي وأبو داود حنبليان، صَرَّح به الحافظ ابن تيمية، وزعم آخرون أنهما
شافعيان، وأما مسلم وابن ماجه فلا يُعْلَم مذهبهما. وأما أبواب مسلم فليست مما وضعها
المصنف رحمه الله تعالى بنفسه لِيُسْتَدَلَّ منها على مذهبه.

٥٤
مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
تحقيقُ المَنَاط وتخريجه وتَنْقِيحُه
واعلم أنه قد طال بحثُهم في تحقيق معاني هذه الألفاظ وتنقيحها وتخريجها، فنحن نُلقي
عليك قدراً جمْلِيًّا لتكونَ على ذكرٍ منه، ولا يسئمك تطويلهم في هذا الباب، وقد فتَّشْتُ كلماتِهِم
وأتعبتُ نفسي في تحصيل لُبِّ كَلامهم ومُخِّه، فلم أقدِر على تلخيصه مع التسهيل، فكلّما
هممتُ أنْ الخُصِّه صَعُب عليَّ تسهيله وتفهيمه كما أريد، وكلّما أردتُ أن أُسَهِّله صَعُبَ عَليَّ
تلخيصُهُ، فإما كانت العبارةُ تَطُول والفريضةُ تَعُول، أو كانت تبقى مجملةً ولا ينقطعُ عنها قالِ
يَقُول، وكذلك لم أر أحداً منهم نَفَّح الكلامَ على هذا النمط، فلو شئت أن أنقل كلماتِهم أيضاً
لم أَغْجِز عنه، ولكني أردتُ أمراً فوقه ينفعك إن شاء الله تعالى.
قال الشيخ رحمه الله تعالى في تقريرٍ ألقاه على حفلة انعقدت بدُيوبَنْد عند قدوم السيد رشيد
رِضَا، مدير جريدة ((المنار)) بمصر، وقد كان مرَّ في سلسلة الكلام على هذه المسألة يسيراً،
فنقلته ههنا مع بعض زيادات مهمة نافعة، التقطتها في الأيام الخالية، قال الشيخ: إنَّ تحقيق
المناط أن يَصْدُر حُكْمٌ من الشارع في صورة جزئية، ثم يَثْبُت ويُحَقَّق ذلك في سائر الجزئيات من
نوع تلك الصورة، مثاله: تَقْوِيم جزاء الصيد فَتَعَرُّف القيمة في جزئيٍّ هو تحقيق المناط، وليس
ذلك بقياس، فلذا يشترك فيه الخاص والعام، ولا يحتاج إلى اجتهاد.
وتنقيح المناط أن يَصْدُرَ حكمٌ من الشارع في صورة، قد اجتمعتْ هناك أمور واتفقت
بعضُ تلك الأمور مناظُ ذلك الحكم وبعضها لا دَخْل لها فيه، فَتَعَرُّف الأمر الذي هو العِلّة هو
تنقيح المناط، مثاله في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((أتى رجل النبيَّ ◌َّ فقال:
هَلَكْتُ! قال: ما شأنك؟ قال وقعتُ على امرأتي في رمضان، قال: فهل تَجِدُ ما تَعْتِقُ رقبة؟
قال: لا، قال: فهل تستطيعُ أن تصومَ شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تُطْعِم
ستين مسكيناً؟ قال: لا ... )) الحديث فنقَّح أبو حنيفة مناط وجوب الكفَّارة كون ذلك الفعل
مُفْطِراً، جماعاً كان كما في هذه الصورة، أو أكلاً أو شرباً. بعد أن يكون عمداً، فكونه جماعاً
في هذه الواقعة أمرٌ اتفاقي كسائر الاتفاقيات، وذهب أحمد إلى أن المناط هو كونه جماعاً، فلا
يُعَذَّى الحكمُ إلى الأكل والشرب.
وتخريجُ المناطِ أن يَصْدُر حكمٌ من الشارع في صورة، تجتمعِ هناك أمور يَصْلح كلٌّ منها
للعِلِّيةِ فيرجِّح المجتهد أمراً من بين تلك الأمور للعِلِّية ويجعله مناطاً، مثَالَهُ: حديث النَّهي عن
الربا في الأشياء الستة، اجتمع هناك أمور: القَدْر والجنسية، والطعم والثمنية، والاقتيات
والادِّخار، فذهب أبو حنيفة إلى أنّ مناط الحكم هو الوصف الأول، والشافعي إلى أنه الثاني،
ومالك إلى أنه الثالث، على ما أدى إليه اجتهادهم، فالفرق بين تنقيح المناط وتخريجه أن في
الأول اجتمعت أمورٌ لا دَخْل لها في المناط، فنقَّح المجتهدُ المناظُ، وفي الثاني اجتمعت أمور
كلٍّ منها صالح لأن يكون مناطاً، فرجَّح المجتهد أحَدها لأن يكون مناطاً. وتنقيح المناط
وتخريجه وظيفةً المجتهد، يُزَاحم فيه بعضهم بعضاً .

مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
الفَرْقُ بين القياس وتنقيح المَنَاط
نعم بقي الفرق بين القياس والتنقيح، والرأي فيه مختلف، أما الغزالي رحمه الله فذهب
إلى أنه نوع من القياس، إلا أنَّ القياس: إبداءٌ للجامع، والتنقيح: إلغاء للفارق، وهو الذي
اختاره الإسْنَوِي في ((شرح المنهاج))، وإليه ذهب الشَّوكاني في ((إرشاد الفحول)).
قلتُ: والحكم إذا احتوى على أشياءَ مؤثرةٍ وغير مؤثرة، فتحصيل المؤثرة منها هو تنقيح
المناط، فيجري في المنصوص أيضاً كما اختاره البيضاوي في ((المنهاج))، فهو نوعٌ مغاير
للقياس لا أنه قِسم منه، والفَرْقُ الآخر: أنه لا بُدَّ في القياس أن يتعدّى الحكم الشرعيُّ الثابتُ
بالنص بعينه إلى فرع هو نظيره، ولا يجب ذلك في التنقيح، كقول النبي وَلٍ: «تحريمها
التكبير))، فنقَّح أبو حنيفة مَنَاطَه بكلِّ ذِكْرٍ مشعرٍ بالتعظيم، ومع ذلك لم يلزم منه جواز غير تلك
الصيغة، كما صرح به الشيخ ابن الهُمَام، وكقولَه بَّه: ((وتحليلها التسليم))، فالمناط فيه وإن كان
هو الخروج بصُنعه على ما قيل، لكنَّه لم يُوجِب جوازَ غيره كالحدث العمد، فصيغة: الله أكبر
واجبةٌ، وغيرُها مكروه، وكذلك لفظ السلام واجبٌ وغيره مكروه، مع وجود المناط فيهما،
وهذا لأن أبا حنيفة رحمه الله تعالى لم يَقِس غيرَ هاتين الصيغتين عليهما ليشترط استواء
الحُكْمَينْ، بل نَقَّح المناط في المنصوص، ولا يُوجِب ذلك تعديته إلى غير المنصوص، فضلاً
عن أن يكون جائزاً .
وحينئذٍ سقط ما أَورد عليه المحقق ابنُ أمير حاجّ من أن الخروج بصُنع المصلي لو كان
فرضاً لكان قُرْبَةً، لأن المستحبَّ لا يخلو عن الثواب، فما ظنك بالفريضة، ولا قُرْبَة في
الضحك والقهقهة وغيرها، فإذن انحصر التحليل في التسليم، وذلك لأنه مبنيٌّ على كونه قياساً،
وهو في حَيِّز المنع، لأنك علمتَ أنه تنقيحُ المناط وليس بقياس، فلا يوجب أن يكون حكم
السلام والضحكِ واحداً .
والفرق الآخر: أن النظر في القياس يكون أولاً إلى الفرع، ثم يُلْحِقُهُ المجتهدُ بنصِّ من
النصوص يراه أقربَ إليه، وأشبه به، بخلاف التنقيح، فإنّ النظر فيه أوّلاً إلى المنصوص، لأنه
يتعرَّف مناط حكمه ثم يتعدى إلى فرع يكون مشتركاً في المناط.
والحاصل: أن التنقيح ليس بقياس عندي، وإليه ذهب البيضاوي، فيجري في الحدود
والكفارات أيضاً، بخلاف القياس، فإنه لا يجري فيهما .
ثم اعلم أنَّ إبداء أنواع الحكم تشريعٌ، والحكم بأنَّ هذا الجزئيَّ من أفراد هذا النوع
اجتهادٌ، فإنك قد عَلِمْتَ أنَّ الجزئيَّ الواحد قد يَصْدُق عليه ألف كَلِّيات، كذلك الواقعة الواحدة
تدخل تحت قواعد مختلفة، فيتردَّد النظرُ هناك، ولا يتعيَّن أنها بأيِّ القواعد أقرب، وبأيِّ
أنواعها أشبه، لِيُجْرِيَ عليها حُكْمَها، فيحكم مجتهدٌ أنها داخلةٌ تحت هذه دون هذه، وهذا هو
الاجتهاد. مثلاً: صلاتُك بمكة في الوقت المكروه جزئيٌّ واحد، أمكنَ أن يكون داخلاً تحت
الاستثناء ((إلا بمكة)) عند من يكون صحيحاً، وأمكن أن يكون داخلاً تحت الأحاديث الواردة في
النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة، فأدخله بعضُهم تحت الاستثناء وقال بالجواز.

٥٦
مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
وَعَكَسَهُ آخرُ وأدخله تحت أحاديث النهي وجعل الصلاة بمكة وغيرِها سواءً، فقال بالكراهة.
فهذا من مدارك الاجتهاد.
أما الخلفاء الأربعة فمنصبهم عندي أرفعُ من الاجتهاد وتحت التشريع، من حيث حكمُ
الشارع باقتداءِ سُنَّتِهِمْ خاصةً: ((عليكم بسُنَّتَي وسنة الخلفاءِ الراشدين))، ومن هذا الباب زيادةُ
عثمان رضي الله عنه النِّداء الثالث، وإقامةُ عمر التراويح بعشرين ركعة.
هل العامُّ قَطْعِيٌّ؟
واعلم أنَّ في علماء الحنفية طبقتين: عراقيين، وما وراء النهر. فمن مشاهير الأُولَى:
الجُرْجَاني، والقُدُوري، والجَصَّاص.
ومن مشاهير الثانية: صاحب ((البدائع))، وفخر الإسلام، والكَرْخِي، والسَّرَخْسِي،
وصاحب ((الكنز))، و((الوقاية))، و((الشاشي))، و((المنار))، و((التوضيح))، و ((الحسامي)).
والأُولى أثبتُ في نقل المذهب، والثانية أكثر شغلاً بالفروع والاجتهاديات. فذهب
الأولون إلى أنه قطعي، والآخرون إلى أنه ظنيّ، وهو مذهب أكثر الشافعية والحنابلة، وهو
المختار عندي .
وثمرةُ الخلاف تظهر في التخصيص. قلت: وما نُسِبَ إلى العراقيين أيضاً محلُّ تردُّد، لما
في ((البدائع)) و ((الميزان)) ما يدلُّ على إنكارهم القطعيَّةَ، والحقُّ عندي كما اختاره الشيخ ابن
الهُمَام رحمه الله تعالى أنه قطعيٍّ في الدَّلالة، لأن اللفظُ وضِع لمعنى العموم، وظنيٍّ في المراد.
قلتُ: وعليه فليُحْمَل مذهبُ العراقيين، يعني أنَّ مرادهم بالقطع هو القطع في الدلالة فقط
دون المراد.
التنبيه على الفَرْقِ بين المدلول والغرض
ومما كان يجب عليهم التنبيهُ على الفرق بين المدلول والغرض، فإن غَرَضَ المتكلم قد
يكون أعمَّ من المدلول، وقد يكون أخصَّ وقد يُبَاينه، وأُخْرى يساويه، ألا ترى إلى قوله تعالى:
﴿وَأُوِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] لم يُرِدْ به ذلك العمومَ الذي يدلُّ عليه لفظُ: كلّ، وكقوله:
﴿ فَقْرَءُواْ مَا يَسَّرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ [المزمل: ٢٠] لم يُرِدْ به القراءة مطلقاً، ولو كانت بآيةٍ كما علمتَ
تكرمه وشمائله في المقدمة. وكما في الحديث: ((ما الحَدَثُ؟ قال: فُسَاء أو ضُرَاط))، فإن
مدلول التركيب القَصْرُ، وليس بمراد قطعاً .
ثم إنّ علماءَ الأصولِ والمعاني قد بَنَوا بعضَ مسائلهم على الفرق بينهما، إلا أنهم لم
يُفْصِحوا به، ولم يذكروه كالمقدمة في الفن، وكان لا بُدَّ منه، فالأصوليون فَرَّقوا بين المنطوق
والمَسُوق له فما كان منطوقاً سَمَّوه إشارةَ النص، وما كان مَسوقاً له سَمَّوه عبارة النص،
فالمنطوقُ هو مدلول اللفظ، والمسوقُ له هو غرضُ المتكلم، وكذلك علماء البيان أيضاً
كالتَّفْتَازَانيّ في ((شرح التلخيص)»، فإن المتن إذا قال: تقديم المُسْنَد لكذا مثلاً، يَزِيدُ الشارح

٥٧
مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
بعده: يعني لغرضٍ كذا، فكأنه يُشير إلى أنه غرضٌ لا أنّه من مدلولات الكلام، وصرَّحِ هو بنفسه
في ((المطوّل)) في شرح مقدمة ((التلخيص)): أن الأغراض التي يريدها المتكلم إثباتاً ونفياً هي
المعاني الثَّوَاني، لا المعاني الأُوَل التي تُفهم من حَاقِّ اللفظ ومنطوقه، فكأنه يُشير إلى الفرق
بين مدلول اللفظ وبين غرض المتكلم منه.
وأما الفقهاء، فقد دلّوا عليه أزيدَ من الفريقين، فقالوا في كتاب الأَيْمَان: إنّ مبناها على
عُرْفِ القرآن عند مالك رحمه الله تعالى، وعلى اللغة عند الشافعية، وعلى العُرْف العامِّ عندنا،
فلم يَرَوْا فيها إلى مدلول اللفظ، بل رَاعَوُا الغرضَ باعتبار متفاهَم العُرف، عاماً كان أو خاصاً.
قلت: وقد تعسَّر عليهم الفرقُ بين الكِناية والمجاز وقد ذكروه على أنحاء. والفرق عندي
أَنَّ المجاز مستعمَلٌ في غير ما وُضِعَ له اللفظ، بخلاف الكناية، فإنه مستعمَلٌ فيما وُضِع له، إلا
أنه لا يكون غرضاً ومحظّاً للحكم في جانِبَي الإثبات والنفي، بل الغرض يكون من توابعه
وروادِفِهِ. ومن ههنا عُلِم أَنَّ الشافعي رحمه الله تعالى إنما جعل الطلاقَ الواقع بالكنايات رجعياً
لأنها كناياتٌ عن لفظ الطلاق عنده. فالعاملُ عنده لفظُ الطلاق والواقعُ به رجعيٍّ، بخلاف
الحنفية، فإنها بوائنُ عندهم، لأن ألفاظ الكنايات عواملُ عندهم بأنفسها، وإنما سُمِّيَتْ كنایاتٍ
الاستتار المراد. فالكناياتُ عند الحنفية على اصطلاح الأصوليين، وعند الشافعية على اصطلاح
أهل المعاني. فافهمه فإنه يَنْفَعُكَ في كثير من المواضع، وسيأتي عليك تفصيله في الكتاب.
العموم في المقصود وغير المقصود
وإذا علمتَ أنَّ المدلول لا يَلْزَم أن يكون مساوياً لغرض المتكلم دائماً، فاعلم أنّ معنى
العموم قد يَقْصِده المتكلم، وحينئذٍ يكون عمومُه مؤكّداً ولا يلائم تخصيصَه، وقد لا يقصِده
المتكلم، فَيَضْعُفْ جداً ويجوز تخصيصه ولو بالرأي، وهذا كحديث رواه أبو داود في باب: إذا
أخَّر الإمامُ الصلاةَ عن الوقت، قال: ((صَلِّ الصلاةَ لوقتِهَا، واجعلْ صلاتَك معهم سُبْحَة)).
حَمَلَهُ الشافعية على أنَّ المَخْلَصَ من جهة الشرع في زمن أمراءِ الجَوْر هو مجموع
الأمرين: يعني الصلاة لوقتها في البيوت، والصلاة معهم في المساجد. وزعموا أن الصلاة في
البيوت لإدراك فضل الوقت، والصلاةَ معهم لإدراك فضل الجماعة، فَلَزِمَتِ الإعادة لإدراك
الفضلين، وحينئذٍ الإعادة مع الجماعة معنى مقصود، فيكون العمومُ فيه عموماً في المقصود،
وتتبادر الإعادة في الصلوات الخمس، ويكون التخصيص فيه إفقاداً لغرض الشارع وإعداماً
المراده.
وحَمَلَهُ الحنفية على أنَّ المَخْلَص هو الصلاة في البيوت فقط، أما الصلاة معهم فليست
مقصودة، فلو أدركها معهم في الوقت يصليها، وإلا لا، كما عند أبي داود: ((قال رجل: يا
رسول الله، أُصَلِّي معهم؟ قال: نعم، إنْ شئت))، وهذا صريح في أن الصلاة معهم ليست
مقصودةً، لا في ذهن الصحابة رضي الله عنهم ولا في ذهن النبي ◌َّر، ولذا خَيَّره وتركه على
مشيئته، كيف شاء فعل.

٥٨
مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
فإذا كان المَخْلَص هو الأمرَ الواحدَ دون إدراك الجماعة، فإنه في خِيَرَتِهِ، فقد يكون وقد
لا يكون، عَلِمنا أنَّ الإعادة ليست مقصودةً، والعمومُ فيها يكون عموماً في غير مقصود، فيجوز
تخصيصه بلا تأمل .
وقد ذكرنا هذه المسألة مبسوطةً مع دلائلها ومؤيَّدةً بشواهدها فيما كتبنا على الترمذي.
وإنما ذكرتُ ههنا نُبذة منها لأن الناس عامةً غافلون عن هذه الدقيقة، ولا يُمْعِنُون النظر في
غرض الشارع، ويأخذون في الطريق قبل الرفيق، فأردت أن تتوجه أذهانهم إليها لئلا يكونَ
تأويلُهم تحريفاً .
تخصيص العموم بالزّأي
ثم إنَّ العام إذا كان قطعياً عندهم أشكل عليهم تخصيصُه بالرأي، فإذا اضطروا إليه في
بعض المواضع رَكِبوا هناك تأويلاتٍ باطلة أخرى، مع أن التخصيص بالرأي جائز عندنا ولو
ابتداءً، كما ذكره الشيخ تقيّ الدين بن دَقِيْقِ العيد في شرح حديث تَلَقِّي الجَلَب، قال: إن
الحنفية إنما يَحْمِلون النهي فيما يكون تلقي الجَلَبِ مُضِراً لأهل البلد. وهذا وإن كان تخصيصاً
بالرأي لكنه جائز لانجلاء المناط .
قلت: ثم رأيتُ أنهم كلهم لا يكترثون بتخصيص الأحاديث الواردة في الأخلاق
والمعاملات، ويخصصونها بالرأي ابتداءً بلا نكير، بخلاف العبادات، وذلك لظهور المَنَاط في
الطائفة الأُولى وخفائه في الثانية، فعُلِم أنَّ مناط التخصيص على انجلاء الوجه لا غير، فحيث
يكون المناط ظاهراً يجوز التخصيص، وحيث يكون خفياً لا يجوز.
هل يجري العموم في الأزمنة والأمكنة
فاعلم أنَّ العموم يجري في الآحاد والأفراد لأنه موضوع لها، أما العموم في الأزمنة
وغيرها، فذهب جماعة إليه أيضاً، ونفاه آخرون لكونها خارجةً عن مدلول اللفظ.
قلت: وظهر من اختلافهم أن العموم فيها ضعيف، حتى نفاه جماعةٌ رأساً، وحينئذٍ لو
قَصَرْنا النهيَ في قوله تعالى: ﴿فَلَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] على المسجد الحرام
خاصةً لم يَبْعُدْ، وسيجيء تقريره إن شاء الله تعالى.
تنبيه يتعلق بمراتب المُسَمَّى
فاعلم أن إقامة المراتب في مسمى اللفظ ليس من باب العموم فإنه يكون في الأفراد، ولا
من باب الإطلاق، فإنه يجري في الأوصاف والتقادير الممكنة الاجتماع، على اصطلاح أهل
المعقول في الكلية الشرطية، وقد تعرَّض الأصوليون إليهما ولم يذكروه، وهذا باب ثالث، وهو
تعيين المرتبة المقصودة من مراتب المسمَّى إذا كانت فيه مراتب متعددة، فإنه قد يُعتبرُ بعضُ

٥٩
مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
جميعَ المراتب، وقد لا يعتبر، وذلك نحو جملة: ((إنما جُعِلَ الإمامُ ليؤتمَّ به))، لا يُدْرَى أنه على
مسائل القدوة عند الشافعية بالموافقة في الأفعال فقط، أو على فروع تضمن الحنفية بالبناء على
صلاته، وقد بسطه الشيخ في ((كشف الستر))، وأوضح الأمثلة وسهَّلها. قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُواْ
النِّسَاءَ فِى الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] لأن الاعتزال عَرَضٌ عريض: من الاعتزال عن البيوت، إلى
الاعتزال عن موضع الطَّمْثِ، وقد دارت أنظار الأئمة في أن المقصودَ منها المرتبة الأخيرة،
وهي الاحتراز عن موضع الدم فقط، أو المتوسطة التي من السرة إلى الركبة، فاحفظ هذه
المباحث النادرة، لا تكاد تجدها في مطاوي الكتب، ومن ادَّعَى فليأتنا ببيان، ولله الحمد أولاً
وآخراً.
المفهوم المُخَالِف
واعلم أنَّ في الكلام طرفين: الأول: الطرف الذي يُفْهَم من صريح الكلام، وقُصِد إلقاؤه
عليه، ونُطِق به، فما ثبت به يقال له: المنطوق، والطرف الآخر: هو الذي لا يُفْهَم من صريح
اللفظ، ولا نُطِق به، ويقال له: المفهوم، وهو نوعان:
مفهومُ موافقة: وهو أن يُفْهَم من اللفظ حال المسكوت عنه على وَفْقِ المنطوق.
ومفهوم مخالفة: وهو أن يُفْهَم منه خلاف ما فُهِم من المنطوق. وقَسَّموا الأخيرَ إلى أقسام
وعدَّها الحنفية بأسرها من الوجوه الفاسدة. واعتبره الشافعية وجعلوه حجةً في الأحكام، وعلى
نقيضهم الحنفيةُ فَهَدَرُوه بالكليَّة وقالوا: إنّ المفهوم المخالِف لا يُعتبر. هكذا في عباراتهم
عَامَّةً، والحقُّ عندي كما في ((المُسَلَّم)) أنه معتبر عندنا أيضاً، ولكن لا كاعتبار الشافعية حيث
جعلوه دليلاً، كيف وإنه مسكوتٌ عنه، فلا يُساوي المنطوق، بل يُعتبر في النُّكات البلاغية،
ويحتاج إلى بيان نكتة كما في قوله تعالى: ﴿الْخُّ بِالْخُ﴾ [البقرة: ١٧٨].
فإن مفهومه أنَّ الحُرَّ لا يُقْتَل بالعبد، وهو مذهب الشافعية، وقد تمسَّكوا به، فجاء بعضُ
من لا ذَوْق له بكلام البلغاء فقال: إنه مفهومٌ وهو غيرُ مُعْتَبَر، واكتفى بهذا القدر، وزعم أنه قد
تخلَّص عن عُهْدة النص، وليس كذلك، بل لا بد لك من بيان نُكتة في تقييده بالحُرّ دون العبد،
مع تساوي الحكم عندك أيضاً، وهو الذي اختاره الشاه وليّ الله رحمه الله تعالى، ثم نقل تفسيره
كما في ((المدارك)).
وحاصله: أن اللام فيه ليست للجنس بل للاستغراق، والمعنى أن كل حُرٍّ، شريفاً كان أو
وَضِيعاً، يُقْتَل بكلِّ حُرِّ كذلك، لا كما كان عندهم في الجاهلية أنَّ الشريف لم يَكُنْ يُقْتل
بالوضيع، وحينئذٍ لم تَرِد الآيةُ في مسألة الحُرِّ بالعبد، وخرجت عما نحن فيه، نعم لو كانت
اللام فيه للجنس لكان المعنى أن جنس الحُرّ، أي لا يُقْتَل بجنس الحُرّ، أي لا يُقْتَل بجنس
العبد، وحينئذٍ كان حجةً للشافعية.

٦٠
مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
تنبيه في الفرق بين لام الجِنْس والاستغراق
قال الزَّمَخْشَري: إن اللام في قوله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ للجنس وليست للاستغراق،
وزعم الناس أنه مِنْ نَزْعَةِ الاعتزال، فإن أفعال العباد عند المعتزلة مخلوقةٌ لأنفسهم، فلا يكون
جميع أفراد الحمد لله تعالى على طَوْرهم.
قلت: وليس كما فَهِموه، بل لام الجنسِ ههنا أولى، والقَصْرُ فيها أظهر من الاستغراق،
فإن القصر في لام الاستغراق ليس مدلولاً للَّفظ، بل يلزم من خصوص المادة، بخلافه في
الجنس، فإنه مدلولُه، لأن التقابل في لام الاستغراق يكون بين الكلِّ والجزء من أفراد جنسٍ
واحد، كالشريف والوضيع من الحُر، بخلافه في لام الجنس، فإنه يكون بين جنس وجنس
كالحُر والعبد، فالنفي والإثبات في لام الاستغراق يَقْتَصِر على أفراد ذلك الجنس بعينه، ونفي
جِنسٍ يقابله لا يكون من مدلوله، بخلاف لام الجنس، فإن النفي والإثباتَ فيه يكون باعتبار
الجنس من أول الأمر.
وعلى هذا إنْ أخذنا اللام في ﴿اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ للاستغراق يكون القصر باعتبار الأفراد فقط،
أما عدمُ تحققُّ ذلك الجنس في غيره تعالى فليس من مدلوله: نعم إذا ثبت جميع أفراده لله تعالى
وانتفى عن غيره لزم انحصارُ جنس الحمد فيه، لكن لا لأنه مدلولهُ، بل لانقطاع مادةٍ تحققُّهِ
وانحصارِها فيه، بخلاف ما إذا حملناه على الجنس كان المعنى إثبات هذا الجنس لله تعالى،
ونفيه عن غيره ابتداءً، فالمعنى على الأول: أن بعض أفراد الحمد ليس لغيره تعالى، وعلى
الثاني: أن جنس الحمد ليس لغيره تعالى، وإذا انتفى الجنس عنه لزم انتفاء جميع أفراده أيضاً،
فإنه لو تحقَّق في غيره فردٌ من الحمد لم يثبت انحصار الجنس فيه تعالى، لأنه يكفي لتحقق
الجنس فردٌ مّا، وإذا تحقق فردٌ فقد تحقق الجنس في ضمنه، فليس هذا من نزعة الاعتزال بل
لاطلاعه على حقيقة الحال، ومن نازعه فيه فقد غَفَلَ عن المآل.
والحاصل: أن النفي والإثبات يُستوفَى كلٌّ منهما من حَاق اللفظ في لام الجنس، ويكون
إثبات الجنس وانتفاؤه من مدلوله بخلافه في لام الاستغراق، فإنه لا يَمَسّ بنفي جنس آخر،
وإنما يلزم من جهة خصوص المحلَّ والمقام، والله تعالى أعلم.
تقسيم العوالم
العوالم عند الصوفية على أنحاء:
عالم الأجساد العنصريَّة: وهي التي فيها المادة والمِقْدَار.
وعالم المِثَال: وهي التي لا مادةً فيها مع بقاء الكَمّ والمِقْدَار، كالشَّبَح المرئي في المرآة،
وعالم الأرواح: وهي التي لا مادة فيها ولا كَمَّ ولا مِقْدَار، وقد صَرَّحوا أنَّ عالم المِثَال لتجرُّده
عن المادّة أقوى من عالم الأجساد، وليس كما زعمه بعض الجهلاء أنه من التخيلات الصِّرْفَة.
وقالوا: إن زيداً في آن واحد موجودٌ في مواطنَ ثلاثة: عالم الأجساد، والمِثَال، والأرواح بدون
تفاوت ولا تغیُّر .