Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
ترجمة إمام العصر الأستاذ المحدِّث محمد أنور الكشميري الحنفي
أسانيده في الحديث
الإمام العصر أسانيد في الحديث أحببتُ أن أذكرها بالإجمال، مع الإشارة إلى طرقها،
وإلى الإِثْبَات التي ينتهي إليها سندُه، فإنّ الإسناد من خصائص هذه الأمة، وفضلُه أظهر من أن
يُقام عليه دليل. فمن الحتم علينا حفظه وإبقاؤه.
الإسناد الأول: يروي رحمه الله تعالى عن شيخه المحدث شيخ الهند محمود حسن
الدُّيُوبَنْدي، عن شيخه الحجة العارف محمد قاسم النَّانُوتَوِي.
(ح) وعن شيخه المحدث الفقيه الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي، كلاهما عن المحدث
الشيخ عبد الغني المُجَدِّدِي الدِّهْلَوي.
(ح): ويروي شيخ الهند عالياً عن الشيخ عبد الغني، وعن الشيخ أحمد علي
السهار نفوري، وعن الشيخ محمد مظهر النَّانُوتُوِي، وعن الشيخ عبد الرحمن الفانيفتي. وهؤلاء
الأربعة عن الشيخ المحدث محمد إسحاق الدِّهَلَوِي، عن جده لأمه المحدث الحجة الشاه عبد
العزيز، عن والده الإمام الشاه ولي الله الدهلوي.
(ح): ويروي الشيخ عبد الغني عن الشيخ محمد عابد السِّنْدِي ثم المدني.
وحصَلَت لإمام العصر شيخنا إجازة عن المحدث الكنكوهي بالإسناد المذكور سنة (١٣١٩
هـ) تاسع ذي الحجة. وأسانيد الشيخ محمود استوعبها الشيخ عبيد الله الديوبندي في أول كتابه
((التمهيد لأئمة التجديد)).
وأسانيد الشيخ عبد الغني مذكورة في ((اليانع الجني))، طبع بالهند مرتين.
وأسانيد الشيخ محمد عابد مذكورة في ((حصر الشارد)).
وأسانيد الشاه عبد العزيز في رسالته («العُجَالة النافعة)). وأسانيد والده الإمام في رسالته
((الإرشاد إلى مُهِمَّات علم الإسناد))، وفي القسم الثاني من ((الانتباه في سلاسل أولياء الله))،
وفي ((القول الجميل)) كلها من مؤلفاته.
وإليك صورة ما كتبه الشيخ محمود حسن الدُّيُوبَنْدي إجازة له بيده الشريفة(١).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْيِ
الحمد لله الذي شَرَّفنا بجوامع الكَلِم، وَأَمَرَنَا بأن نُصَلِّيَ على سيد وَلَدِ آدم، سيدنا ومولانا
محمد وعلى آله وأصحابه ونُسَلِّم. رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ◌ّ نبياً، وبالقرآن
والحديث قدوةً وإماماً.
(١) صادفت هذه الورقة في مذكرات إمام العصر غير أنه ضاعت موضع توقيع الشيخ محمود وتاريخها وبعض جوانبها
بأكل الدودة. نعم كونها عقيب الفراغ في حدود سنة ١٣١٤هـ - معلوم.

٢٢
ترجمة إمام العصر الأستاذ المحدِّث محمد أنور الكشميري الحنفي
أما بعد، فيقول المفتقرُ إلى الله الودود الحقيرُ الصغيرُ المدعو بمحمود، تجاوز الله عن
ذنوبه وذمائم خِصَاله، ووقاه بِمَنِّه من شر نفسه وسوء أعماله: إنَّ أخي في الله المولوي ((محمد
أنور شاه» دخل في هذه المدرسة، وفرغ من جميع الكتب المتداوَلة في علوم شتى، وقد قرأ
عليّ واستمع عندي ((الصحيح)) للبخاري، و((الجامع)) للترمذي، و ((السَّنن)) لأبي داود
السجستاني. والمجلد الثاني من ((الهداية)) إلى كتاب العاريَّة، رضي الله تعالى عنهم أجمعين،
وأفاض علينا من بركاتهم إلى يوم الدين.
فأحسبه - والله سبحانه حسيبه - أهلاً للعلوم، قد أُغْطِيَ فهماً ثاقباً، ورأياً صائباً، وطبيعة
ذكية، وأخلاقاً رَضِيَّة، فأُجيزه كما أجازني مشايخي الكرام أن يرويها عني بشرط الضبط،
والتيقُّظ، والإتقان، والتثبّت، وبشرط استقامة العقائد والأعمال، على طريقة الصحابة والتابعين،
وحسن التأذُّب بحضرة المحدثين والمجتهدين.
وأوصيه كما أوصي نفسي بتقوى الله تعالى، واتباع السنة، والتجنب عن حطام الدنيا وأهل
البدعة، والاشتغال بالعلوم السَّنِيَّة الدينية.
وأسأل الله الكريم لي وله أن يوفقنا لما يُحِبُّ ويرضى، ويجعلَ آخرتنا خيراً من الأُولى.
وصلى الله تعالى على نبيه وحبيبه وعلى آله وأصحابه أجمعين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب
العالمين .
العبد ....
وهذه صورة ما أجازه الفقيه المحدث الكَنْكُوهي رحمه الله تعالى.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسَّلام على خير خلقه محمد سيد الأنبياء
والمرسلين، وآله وأصحابه وأتباعه أجمعين إلى يوم الدين.
أما بعد، فيقول المفتقر إلى رحمة ربه الصمدِ، الفقيرُ الأحقر المدعو برشيد أحمد،
الأنصاري نسباً والجنجوهي (الكنكوهي) موطناً، تجاوز الله تعالى عن زلله ومعايبه، ورضي عنه
وعن مشايخه: إن المولوي محمد أنور شاه ابن معظم شاه الكشميري قد قرأ على مَن أثقُ به
الأُمِّهَاتِ الستَّ المشهورةَ عند المحدثين، المحتوية للصحاح والحسان من أحاديث الرسول
السيد الأمين: الصحيحين للشيخين، و((الجامع المسند)) للترمذي، و((السنن)) لأبي داود
السجستاني، و ((السنن)) للنَّسائي، والسنن لابن ماجه القزويني، رضي الله عنهم أجمعين،
وأفاض علينا من بركاتهم، وجمعنا معهم يوم الدين. وأنا أُجِيزه أن يرويَها عني بشرط الضبط
والإتقان في الألفاظ والمعاني، والتيقُّظ والتثبّت في المقاصد والمباني، وبشرط استقامة العقائد
والأعمال على طريقة الصحابة والتابعين، وحسن التأدُّب بحضرة العلماء المحدثين
والمجتهدين .

٢٣
ترجمة إمام العصر الأستاذ المحدِّث محمد أنور الكشميري الحنفي
وأُوصيه بتقوى الله تعالى والاعتصام بسنة سيد المرسلين، وبالاجتناب عن البدع المختَرَعَة
في الدين، والتبعدُّ عن صحبة المبتدعين، وبالاشتغال بإشاعة العلوم السَّنِيَّة الدينية، والاحتراز
عن التدنُّس برذائل الفلسفة وحُطام الدنيا الدنيَّة، وأسأل الله لي وله أن يوفقنا لما يُحِبُّ ويرضى،
وأن يجعل آخرتنا خيراً من الأولى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والصَّلاة والسَّلام
على سيدنا ومولانا محمد نبيه الكريم، وآله وصحبه وأتباعه ناصري طريقه القويم فقط.
حرَّرته تاسع ذي الحجة من الشهر المنتظم في سنة ألف وثلاثمائة وتسع عشرة من الهجرة،
على صاحبها ألوف الصلوات والتسليمات والتحية. اهـ.
إنما نقلت الإجازتين بلفظهما لينجلي في هذه المرآة ما يترقرق في خلال سطورها من
مسلك مشايخنا الدُّيوبَنْدِيين من عدم الإفراط والتفريط في الأمر، والحرص على اتباع السنة
والنُّفرة عن البدع المُحْدَثَة في الدين، وما عدا ذلك ما لا يخفى ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ
١٣٧
قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ
الإسناد الثاني: يروي رحمه الله تعالى عن شيخه المحدث محمد إسحاق الكشميري
المتوفَّى في حدود سنة (١٣٢٠ هـ) في المدينة المنورة، عن الشيخ السيد نعمان، عن والده
الشيخ السيد محمود الآلوسي مفتي بغداد وعالمها صاحب (روح المعاني))، وأسانيده مذكورة
في ثَبَتِهِ، ولم يُطبع، وذكرها في كتابه ((غرائب الاغتراب ونُزهة الألباب)) بإجمال، وهو مطبوع
سنة (١٣٢٧ هـ) ببغداد، ويشير هناك إلى نيف وسبعين ثَبتاً لمشايخه الأثبات. فراجعه.
ويروي رحمه الله تعالى بهذا السند عن شيخه محمد إسحاق سائر كتب الصحاح وعدة
مسلسلات، وأحاديث جِنِّيَّة، وما قرأه خاصة عليه من كتب الحديث من ((صحيح مسلم)) كله، و
(سنن ابن ماجه)) كله، و ((سنن النسائي)) إلا بعضاً من آخره، و ((موطأ مالك)) إلا قدراً من آخره،
ورسالة سعيد بن سنبل، وما عدا ذلك من الكتب الدينية.
الإسناد الثالث: يروي رحمه الله تعالى عن الشيخ حسين ابن الشيخ محمد الجِسْر
الطَّرَابُلُسي الشامي، صاحب ((الرسالة الحميدية)) وغيرها. حصلت له الإجازة عنه سنة (١٣٢٣ هـ)
بالمدينة المنورة زادها الله كراة، وهو يروي عن الشيخ عبد القادر الدَّجَاني اليافي، عن والده
الشيخ محمد الجِسْر، وشيخ والده الشيخ محمد بن حسن الكُتُبي المتوفى سنة (١٢٨٠هـ)
كلاهما عن الأمير الكبير أبي عبد الله محمد بن محمد المالكي المتوفى سنة (١٢٣٢ هـ) وعن
الشيخ الفقيه المحدث السيد أحمد الطَّخْطَاوي التُّوْقَادي الحنفي المتوفى سنة (١٢٣١هـ).
وكذا يروي عن الشيخ حسين الجِسْر بسنده إلى الشيخ محمد أمين المدعو بابن عابدين
الشامي الحنفي المتوفى سنة (١٢٥٢هـ)، وأسانيد الشيخ محمد الأمير في ثَبَتَه المعروف، وطبع
بمصر سنة (١٣٤٥هـ)، وأسانيد السيد الطحطاوي في ثَبَتَه الخاص ولم يُطبع، وأسانيد الشيخ ابن
عابدين في ثَبَتِهِ المعروف ((عقود اللآلي في الأسانيد العوالي)) وقد طبع بمصر.
وهذه صورة إجازة الشيخ حسين الجِسْر ما نصه:

٢٤
ترجمة إمام العصر الأستاذ المحدِّث محمد أنور الكشميري الحنفي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّمَنِ الرَّحِيَةِ
الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فقد أجزتُ أخانا في الله الفاضل الشيخ محمد أنور بن المولوي مُعَظّم شاه
الكشميري بسند الأستاد الشيخ محمد الأمير المصري، وبسند الشيخ أحمد الطحطاوي
المصري، المجاز بهما من سيدنا الشيخ عبد القادر أبي رباح الدَّجَاني اليافي، المجاز بهما من
المرحوم والدي الشيخ محمد الجِشْر، ومن شيخ والدي المرحوم الشيخ محمد الكُتُبي، وهو قَبِل
مني ذلك. وأوصيه بتقوى الله، وبحفظ شرف العلم، وبالدعاء لي بالخير، كما أجزته بحديث
الأوَّلية بالرحمة، وهو ما روي عنه عليه الصَّلاة والسَّلام من قوله: ((الراحمون يرحمهم الرحمن،
ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)).
کتبه الفقير إليه تعالى
حسين الجِسر الطَّرَابُلُسي عُفي عنه
هذا ما تيسّر لي من ذكر أسانيده بما اطلعت عليه، ويحتاج تفصيلها وجمعها إلى مجلد
ضخم، فإنها تحتوي على أسانيد الهند، والحرمين، والشام، ومصر، وبغداد، من الحنفية
والشافعية والمالكية، وإن وُفِّقت إلى جمعها لأفردتُ لها جزءاً، والله الموفِّقُ، وقد ذكرتُ
مصادرها ومراجعها بما وقفت عليه ليكون أصحابه على بصيرة من الأمر. هذا ما حاولته في هذه
الفسحة من ذكر نبذة من ترجمة إمام العصر صاحب ((فيض الباري))، والموضوع يقتضي فراغاً من
الوقت ونشاطاً من الفكر والطبع، وإذا كان طرف من حياته موضوع بحث فالمجال واسع جداً.
ولا بد أن يعود الباحث وإن أجهد نفسه متمثلاً بما قيل:
فقصر عما صالح فيك من جهدي
مدحتُكَ جهدي بالذي أنت أهله
فما كلُّ ما فيه من الخير قلتُه ولا كلُّ ما فيه يقولُ الذي بعدي
تبصرةٌ وذِكری
إن الله سبحانه اصطفى كتابه العزيز فجعله مهيمناً على الكتب وإماماً لها، فلا جَرَم أن يوعد
بحفظه عن كل تبديل وتحريف، وَوَفَّقَ لصفوة عباده للقيام بأعباء خدمته من كل ناحية، حتى لا يخلو
عصر من الناهضين بخدمته حفظاً وتفسيراً، ما يبلغ عديدهم إلى التواتر المُخْبِر، طبقة بعد طبقة في
بلادٍ شتى، فضلاً عن تواتر الطبقات بدرسه وتلاوته، وفضلاً عن تواتر الطبقات بكونه تنزيلاً من
حكيم حميد، لم يَسْبِقِ معشار هذه الخدمة والعناية البالغة بآية من آيات الكتب السابقة، فضلاً
عن جميعها، حتى يُحكى أنه بلغ عدد التفاسير المؤلفة إلى مائتي ألف تفسير، وترى فيها ما
يجاوز عن مائة مجلد غير قليل، ولا غَرْوَ فإنه: ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فُصْلَت: ٤٢]، والأمةُ
خيرُ أمةٍ أُخْرِجَتْ للناس.
ثُمَّ وَهَبَ مزيةً لكتاب من كُتُب خلقه، فجعله على ألسنة عباده أصحَّ الكتب بعد كتاب الله

٢٥
ترجمة إمام العصر الأستاذ المحدِّث محمد أنور الكشميري الحنفي
وهو (الجامع الصحيح))، لأمير المؤمنين في الحديث، وطبيبه في علله، أبي عبد الله محمد بن
إسماعيل البخاري، فَبَلَّغه إلى ذروة المجد والسناء كالشمس في كَبِد السماء. وانتهض أكابرُ
أعيان المذاهب الأربعة لشرحه، والتعليق عليه، وتلخيصه، واختصاره، وترتيبه وأطرافه، وشرح
تراجمه وترجمة رجاله، وبيان غريبه، ووصل مُرْسَله وتعليقه، وإبراز فوائده: فِقِهاً وحديثاً وبلاغةً
وغيرها، مما لا مجال لذكره.
وقُصارى القول: إنه لم تعتنِ الأمةُ بكتاب بعد كتاب الله اعتناءها بصحيح البخاري، بل
قال إمام العصر شيخنا رحمه الله: ليس في التفاسير المطبوعة بمثابة ((فتح الباري على صحيح
البخاري)) بَيْدَ أنَّ الله قد خص كلَّ عظيم من عظماء الأمة بخصائص في شرحه لا تُلْفَى في غيره.
فهذا الإمام البخَّاثة الغوَّاص، والنظَّار المُحَنَّك، المحدِّث الجليل، إمام العصر الشيخ محمد
أنور الكشميري الذي شَامَمْتُ نفحةً من ترجمته، قد اعتنى بصحيح البخاري درساً، وإملاءً،
وخوضاً، وإمعاناً، ما لم يعتنٍ بما عداه.
فطالعه قبل الشروع في تدريسه ثلاثَ عشرة مرة من أوله إلى آخره، مطالعة بحث وفحص
وتحقيق، وطالع شروحه المطبوعة من ((الفتح)) و((العمدة))، و ((الإرشاد))، وغيرها من المطبوعة
والمخطوطة، ما تيسر له في ديار الهند والحجاز، وكان ((العمدة)) و((الفتح)) كأنهما صفحةٌ بين
عينيه، ثم وُفِّقَ لتدريسه ما يَرْبُو على عشرين مرة، دراسةً إمعان وتدقيق، حتى أَجْهَدَ نفسَه شطر
عمره في العكوف عليه تحقيقاً وبحثاً، وكأنه خُلِقٍ لذلك، فهل كان يساهمه في ذلك أحد أو
يُسَاجِله؟! كلا، كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ له، فكان من دَأُبه في التدريس أن يأتي بتحقيقات رَصِينة
وأبحاث متينة، وكان أكبر عنايته بإفصاح ما لم يذكره الشارحون، كما أسلفتُهُ في آدابه، فإن كان
دينُ شَرْحِهِ قَضَاهُ الحافظ ابن حَجَر، فقد وَفَّى دينَ تدريسه إمامُ العصر.
وكان كثيرٌ من الطلبة في كل عام يَضْبِطون ما يُلْقيه إمام العصر، ويَحْتَطِبُ كلٌّ بحبله حَسَب
مقدرته، فقام من بينهم من قرأ عليه أو سمع نحو خمس مرات، وَوُفِّق للاستفادة منه ما لم يوفّق
غيرُهُ، وتيسَّر له من طول الصحبة وكثرة الملازمة ما لم يتيسر لأحدٍ غيره من أفاضل تلامذته
وأصحابه، صاحب الفضيلة العالم الفاضل الذكي مولانا بدر العالم الميرتهي، فرتَّب ما ضبطه،
وجمع ما سمعه، وحاول أن يُحَرِّر ويُصَوِّر، فَوفَّق في كثير من المواضع إلى ذلك.
نعم، لا يمكن أن يدَّعي أنه عُصِم عن الخطأ فيما جمعه، ولا أن يدّعي أنه جمع جميع ما
كان يلقيه إمام العصر بِنَقِيره وقِظْمِيره، من مشكلات العلوم وتراجم الرجال، والفوائد المختلفة
والنظريات العميقة، ولم يغادر كلمة إلا أحصاها. ولا أن يدَّعي إصابته، في تنقيح جميع ما
وصل إليه من الشيخ وتحريره وتفصيله، ولا أن يدعي إصابة المرمَىّ في فَهُم جميع ما سمعه
ووعاه، أو ضبطه قلمه وأحصاه، ولا أن يدَّعي أنه استوعب محاسن التأليف والجمع
والترصيف.
كيف! وأنا أدري أنه لم ينتهز فرصة لترصين العمل وإحكامه، وأدري أنه لم ينتهض بأعباء

٢٦
ترجمة إمام العصر الأستاذ المحدِّث محمد أنور الكشميري الحنفي
المراجعة في كل بحث إلى الأصول، وأدري أنه لم يلتزم سردَ الأحاديث ومباحثَ الكتب التي
أُحيل عليها بعبارتها؛ فإن ذلك أمر خطير يَستدعي فراغاً من الوقت وبُرهةً خالية أَزْيَد مما صَرَف
فيها وُسْعَه، ولو كان ذلك لكان العملُ أحكمَ، وفائدتُهُ أكملَ وأعم؛ غير أني أقول: إنه حاز
قَصَبَ السَّبْقِ من بين أصحاب الشيخ في أداء ما وصل إليه علمه وفهمه، ولم يقصِّر في التحرير
والإيضاح حسب مقدرته، والاعتناء بإحساسات الشيخ الناضجة بعد طول التدرب والتفكير،
واستمرى له أخلاف فكره، وأنضى فيه ركائب نظره وقلمه، فالذي أخرجه إلينا - نظراً إلى
المجموع - له مزية لا تجدها في ما عداه من أمالي إمام العصر التي ضبطها أصحابه، فنشكر
عارِضَتَه وعَرْضَتَه، ونُقَدِّر معاناته في التفصيل والترتيب.
ثم إنه لم يقتنع بما عنده، بل استفاد كثيراً من الأمالي التي ضبطها صديقنا الفاضل
المحترم مولانا عبد القادر الكاملفوري، وصديقنا الفاضل المحترم مولانا عبد العزيز
الكاملفوري، دام فضلهما. وكنت قد وُفِّقْتُ لمطالعته بِرُمَّته، إلا أبحاثاً من أواخره - في الجامعة
الإسلامية، والآن لأجل إشراف المجلس العلمي (بدابهيل سُورَتْ بالهند) على طبعه، فُوِّض إليَّ
الإشراف على الأصول، وقد انتهى طبع الجزء الأول، وطالعته قبل الطبع مطالعة بحث
وتحقيق، فنظراً إلى طول عهدي بمزاولة هذا المجموع، ونظراً إلى ما شَنَّفْتُ أَذنيَّ بأكثر ما كان
الشيخ يلقيه على الطلبة، أو كان يُمليه على الأشهاد، يُسَوَّغ لي أن أنقده نقداً علمياً إجمالياً،
بأنه وقع تقصير في أمور كان الاعتناء بها أعنى وأهم من الأمور التي عُنِيَ بها، من جمع النقول
في الحاشية من الكتب التي سَهْلٌ حصولها لكل أحد، وإن كان ذلك لا يخلو عن فائدة، ولا
سيما لمن لم يتيسر له هذه الكتب.
فإن الأعنى جمع علوم الشيخ وإنفاد الوسُعْ في تقديمها للعلماء ناصعة الجبين، لتطمئنَّ بها
قلوبهم ويُحِسُّ ذلك من استفاد من منهاج دراسة الشيخ على بصيرة. وسنحت لنا في أثناء
الاشتغال بها أمور أتعبتنا وكلّفتنا بما لم تتسع له ظروفنا، ولم أقتصر على خدمة ترجع إليَّ في
تحسين محياه بما تسنَّى لي في مثل هذه الظروف، فلم نقصِّر ولا نقصر فيما بعد، إلا أنّ الأسف
على أن ضيق المجال لا يسمح لنا بما تصبو إليه نفوسنا، وقد أشار إلى ذلك كله فضيلة الجامع
نفسه، واعترف به أوضح مما قلت، فإذن لا حاجة إلى التطويل في هذا الباب.
فائدة: وربما يُحِسّ بعض المستأنسين بالأساليب العصرية والخُطّة الحديثة في التعبيرات
خفاءً في المقصود في مواضع، وعدم وفاء العبارة بأداء الغرض، أو سَقَماً في الكلمات، فليكن
أمام الناظر: أنّ العبارة ليست من كلام الشيخ، بل هي تعريبٌ لما ألقاه الشيخ باللغة الأُرْديَّة
وتُرْجِمَتْ منها إلى العربية، فليُعْذَر الجامع بعدم مساعدته القلم في هذه المواضع، ومع هذا
فأمثال هذه المواضع في كثير من الأبحاث يقال فيها: دُرَرٌ وجواهر قد قُدِّمَتْ لأهل المعرفة في
صِحَاف من خَزَفٍ أو خشب، فعسى أن يقدِّرَها من يعرفها فيغتنمها، ويُحْرَم منها مَنْ لا يعرفها
فَيُعْرض عنها. فإن فاته حسن الألفاظ في مواضع فلا يفوته حسن المعاني، وكفى هذا القدر
تبصرة وذكرى لكل عبد منيب.

٢٧
ترجمة إمام العصر الأستاذ المحدِّث محمد أنور الكشميري الحنفي
ونرجو الله سبحانه أن يوفقه وإيانا لخدمة علوم الشيخ إمام العصر رحمه الله تعالى أكثر من
هذا وأعلى إنه سميع مجيب.
هذا آخر ما حاولتُ إيرادَه في هذه التقدمة لكتاب ((فيض الباري))، لم يكن في الوقت
فسحة غير أنَّ رغبةَ صديقنا المحترم الفاضل الأستاذ السيد أحمد رضا البجنوري مدير المجلس
العلمي قد حثتني على ذلك. وصلى الله على صفوة البرية رحمة للعالمين محمد وآله وصحبه
أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه الأحقر محمد يوسف ابن السيد محمد زكريا ابن السيد مزمل شاه ابن السيد مِير أحمد
شاه البُنُوري، نزيل القاهرة عفا الله عنه وعافاه، ووفَّقه لما يُحبّه ويرضاه.
يوم الخميس ٢٥ جمادى الآخرة سنة ١٣٥٧هـ
٢٨ أغسطس سنة ١٩٣٨م

.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
مُقَدِّمَة
٠
هذه مقدمة أَفرزتُ فيها ما كان إمام العصر يَذْكُرُه في مبادىء درس ((صحيح البخاري))،
وأضفتُ بعض أشياء في تضاعيفها .
نُبْذَة من ترجمة البخاري رحمه اللَّه تعالى
هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المُغِيرة بن بَرْدِزْبَه الجُعْفِي. وبَرْدِزْبَه
بالفارسية: الزَّرَّاع عند أهل بخارى. وكان بَرْرِزْبَه فارسياً على دِين قومه، ثم أسلم ولده المغيرة
على يد اليمان الجُعْفي والي بخارى فنُسب إليه نِسبة ولاءٍ، عملاً بمذهب الإمام الهُمَام أبي
حنيفة رحمه الله تعالى، فإنه يقول: إن مَنْ أسلم على يده شخص كان ولاؤه له وإنما قيل له :
الجُعْفي لذلك.
قال البخاري: أُلهمت حفظَ الحديث وأنا في الكُتّاب. قيل له: كم أتى عليك إذ ذاك؟
فقال: عشر سنين أو أقل، ثم خرجتُ من الكُتَّاب فجعلت أختلف إلى الدَّاخِليّ وغيره، فقال
يوماً فيما كان يقرأ للناس: سفيان، عن أبي الزبير، عن إبراهيم. فقلت: إنّ أبا الزبير لم يروٍ
عن إبراهيم! فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل فنظر فيه ثم رجع،
فقال: كيف هو يا غلام؟ فقال: هو الزبير وهو ابن عدي عن إبراهيم، فأخذ القلم وأصلح كتابه
وقال لي: صدقت.
وكان البخاري إذ ذاك ابن إحدى عشرة سنة، فلما طعن من سنه في ست عشرة سنة حفظ
كتاب ابن المبارك ووكيع، وبعد ذلك بسنتين صنَّف كتاب ((قضايا الصحابة والتابعين))، ثم صنف
((التاريخ)) في المدينة عند قبر النبي وَلّ.
قال حاشد بن إسماعيل: كان البخاري يختلف معنا إلى مشايخ البصرة وهو غلام، فلا
يكتب حتى أتى على ذلك أيام، فلمناه بعد ستة عشر يوماً، فقال: قد أكثرتم عليّ، فأعرضوا
علي ما كتبتم، فأخرجناه فزاد على خمسة عشر ألفَ حديث، فقرأها كلها عن ظهر قلب حتى
جعلنا نُحْكِم كُتُبَنَا من حفظه.
وقال عبد الله بن عبد الرحمن الدَّارمي: قد رأيتُ بالحرمين والحجاز والشام والعراق، فما
رأيتُ أجمعَ من محمد بن إسماعيل، وقال: هو أعلمنا وأفقهنا وأكثرنا طلباً. وسئل الدَّارمي عن
حديث، وقيل له: إن البخاري صححه، فقال: محمد بن إسماعيل أبصر مني، وهو أكيس
خلق الله، عَقَلَ عن الله ما أُمَر به ونَهى عنه من كتابه وعلى لسان نبيه، إذا قرأ محمدٌ القرآن شغل
٢٩

٣٠
مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
قلبه وبصره وسمعه، وتفكّر في أمثاله، وعرف حلاله من حرامه. وقال له مسلم: أشهد أنه ليس
في الدنيا مثلُك.
قيل: إنه قَدِم بغداد فسمع به أصحاب الحديث فاجتمعوا وأرادوا امتحان حفظه، فعمدوا
إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا
المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس، لكل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا
المجلس أن يُلقوا ذلك على البخاري، ففعلوا حتى فرغوا كلهم من إلقاء تلك الأحاديث
المقلوبة، والبخاري لا يزيدهم على: لا أعرفه، فلما عَلِم أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول
فقال: أما حديثُك الأول، فقلت: كذا، وصوابه كذا، وحديثُك الثاني كذا، وصوابه كذا،
والثالث والرابع على الولاء حتى أتى على تمام العشرة، فردّ كل متن إلى إسناده، وكل إسناد
إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك. قال الحافظ رحمه الله تعالى: ما العجبُ من رده الخطأ
إلى الصواب، فإنه كان حافظاً، بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه من مرة
واحدة، وقد جمع البعض تاريخ ولادته ومدة حياته ووفاته في البيتين.
كان البخاريُّ حافظاً ومحدِّثَاً
جمعَ الصحيحَ مکمَّلَ التحرير
فيها حميدٌ وانقضى في نور
ميلادُهُ صِدْقٌ ومُدَّةُ عمره
وأجمل تصانيفه مطلقاً، وأنفعها للطالب مَغْرِباً ومَشْرِقَاً، وأجلّها قدراً وأشهرها ذكراً، هو
هذا ((الجامعُ الصحيح المُسْنَد من حديث رسول الله ◌َُّ وسُنَنِهِ وَأَيَّامه))، ومراده من الحديث
قوله ◌َّ، ومن السنن فعله، ومن الأيام مغازيه ◌َّيره جرياً على اللغة، وإن كان الاصطلاح في
الحديث والسنن على خلاف ذلك. والمصنف رحمه الله تعالى لم يضع في كتابه حديثاً إلا
اغتسل عنده وصلى ركعتين. وعنه أنه صنفه من ستمائة ألف حديث في ست عشرة سنة. وعنه أنه
صنفه في المسجد الحرام، ولم يُدخِل فيه حديثاً حتى استخار الله وصلى ركعتين وتيقَّن صحته.
ذكر شرط البخاري رحمه الله تعالى
وأما شرطه، فقال الحَازِمي: إنه لم يَثْبت شرط عن إمام على لسانه، وإنما استُفِيد من
صنيعهم في مصنفاتهم وسَيْرٍ كتبهم. ثم الرواة على خمسة أنحاء:
الأول: كثير الضبط والإتقان، وكثير الملازمة لشيوخهم.
والثاني: كثير الضبط وقليل الملازمة.
والثالث: بالعكس.
والرابع: قليل الضبط وقليل الملازمة.
والخامس: قليل الضبط وقليل الملازمة، مع غوائل الجرح سوى ذلك.
فالبخاري يستوعب الأول وينتخب الثاني، ويترك البواقي بالكلية. ومسلم يستوعب الأول
والثاني، وينتخب الثالث، ويترك البواقي، والرابع يأخذ عنهم أبو داود، والخامس يأخذ عنهم
الترمذي رحمه الله تعالى. والمراد منه التنزّل إلى هؤلاء عند الإعواز في الباب، فالبخاري لا
٠

٣١
مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
يتنزل عن الثاني، وأبو داود عن الرابع، والترمذي يتنزل إلى الخامس أيضاً، لا أنهم يأخذون
عنهم فقط ولا يخرجون عن غيرهم، فإنه مَغْلَطة نشأت من قلّة الفهم، وفَرْط الوَهْم.
ثم اعلم أنّ البخاري شَرَط اللقاء أيضاً للاتصال، واكتفى مسلم بالمعاصرة، فإن روى أحد
عن أحد، مع عدم المعاصرة واللقاء تكون روايةً منقطعة عندهما، وإن روى مع تحقق اللقاء
والمعاصرة يكون مقبولاً عندهما. نعم، إنْ روى عن معاصره الذي لم يثبت لقاؤه، ففيه
الخلاف: قَبِله مسلم والجمهور، وردّه البخاري. وكنتُ أرى زمناً أن البخاري إنما يحكم باللقاء
أو عدمه بعد ثبوته عنده من خارج، ثم اطلعتُ بعد ذلك على أنّ حكمه هذا لا يكون لنقل عنده
على ذلك، وإنما يَحْكُم لإسناد يُصَرَّح به، فإني رأيت أن الترمذي سأله عن رجل هل سمع من
فلان؟ قال: نعم، وساق إسناداً دالاً على سماعه، ففهمت منه أنه لم يكن عنده نقل من خارج
على ذلك، فحكمت أنّ أمر السماع يدور عنده على التصريح بالسماع في إسناد، فإذا ثبت
السماع عنده في موضع يحكم به في سائر المواضع.
قال ابن حزم رحمه الله تعالى: إن البخاري إذا أنكر السماع لا يقول: إن فلاناً لم يسمع
من فلان، بل يقول: لم يثبت سماع فلان من فلان، والناس لا يميِّزون بينهما، فيحكون عنه أنه
قائل بعدم سماعه منه، مع أنه يُنْكَر الثبوت عنده دون السماع في نفس الأمر، وهذا يدلّك ثانياً
على أن أمر السماع عنده لا يُبْنَى على ثبوته من خارجٍ جزئياً، وإنما يحكم به نظراً إلى الأسانيد.
وكيفما كان شرطه هذا إنما هو الصحيح في كتابه خاصةً، لا للصحيح مطلقاً، فلا يُخَرِّج
حديثاً في صحيحه إلا بعد ثبوت السماع فيه على النحو الذي بيَّناه، وإن كان صحيحاً في نفسه
عنده أيضاً، فمخالفته للجماهير ليس في نفس تعريف الصحيح، بل هو شرط التزم به للصحيح
في كتابه، فهذا تشديد منه على نفسه في هذا الكتاب فقط، ولكلِّ ذي هِمَّةٍ وعزم أن يُشَدِّد على
نفسه بما شاء، لا مَسَاغَ لأحد للطعن فيه. ذُقْ هذا فاسترح عما يختلج في الصدور، والله تعالى
وليُّ الأمور.
وما قيل: إنّ شرطه أن يكون للصحابي راويان فصاعداً، ثم يكون للتابعي راويان ثقتان،
وهكذا، فمنتَقَضٌ. قال الحافظ الحازمي رحمه الله تعالى: هذا الذي قاله الحاكم قول من لم
يُمْعِنْ في خبايا الصحيح، ولو استقرأه لوجد جملةً من الكتاب ناقضةً دعواه. أقول: قول الحاكم
هذا أكثريٌّ لا كُلِّي، ولعله أراد منه أن يصير الراوي معروفاً، فلو روى واحدٌ جليلُ القدر لكفى
أيضاً، ولههنا سؤال وجواب، طوينا عنه كَشْحَاً لقلة الجدوى.
تحقيق كون الحديث على شرط البخاري
قال جماعة: معنى كون الحديث على شرطه أن رواته موصوفون بصفاتِ رُواةِ البخاري.
وليس هذا بمشهور، ولا ريب أنَّ دَرْكَه عسيرٌ جداً. وقال المتأخرون معناه أن رواته رواةٌ
البخاري، أي مما وقع في كتابه متفرقاً. قال الحافظ الزَّيْلعي رحمه الله تعالى: وفيه نظر، فإن
هذا القدر لا يكفي لكون الحديث على شرطه، لأن البخاري لا يَنْظر إلى ثقة الراوي فقط، بل

٣٢
مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
إلى ملازمته لشيخ روى عنه أيضاً، ويمكن أن يكون الراوي ثقةً في نفسه ومِنْ رجاله، ومع هذا
لا يكون ملازماً لهذا الشيخ الذي يروي عنه، فحينئذٍ كيف ينبغي أن يُحْكم عليه مطلقاً أنه على
شرطه؟!
ثم ثقة الراوي وضعفه قد تكون في نفسه، وقد تكون بالنسبة إلى شيخ مُعَيَّن، فيكون ثقة
في نفسه وضعيفاً في هذا الشيخ، مثل سفيان: ثقة في نفسه وضعيف في الزُّهْري، لأنه لمَّا كتب
عنه أحاديث ورجع، اشتد الريح في الطريق، وطارت بأوراقه، فكتبها من حفظه.
أقول: ينبغي أن يُوَسَّع الأمر من ذلك، فإن هذا التضييق إنما يناسب شأنه وعلمه، وعندي
يُحْكم عليه أنه على شرطه ما لم تُوجد فيه علة في خصوص هذا المقام، من أهل الشأن في هذا
الفن، ولا يُلْتَفَتُ إلى هذه الاحتمالات لتتوقَّر ذخيرةُ الحديث ولا يُفْقَد كثير من الأحكام، كما
وقع على مذهب من ردَّ الأحاديث المرسلة، فإنه يَلزم منه أن تَضِيع حصةٌ كثيرة من الدِّين،
فاعلمه .
وعلى هذا ينبغي أن يُحْكم على حديث: ((من كان له إمام ... )) أنه على شرط الشيخين
كما حكم به الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى وأصاب، لكنه نسبه إلى («المسند» لأحمد بن
مَنيع. وقال الحافظ: إني لم أجده فيه، فلم أزل مضطرباً فيه حتى رأيت من قلم الحافظ: أن
الأجزاء الكثيرة من هذا المسند غائبةٌ، فاطمأننتُ وسكنتْ إليَّ نفسي.
ومن الغرائب في هذا المقام قول الذهبي في ((المستدرك)» للحاكم: إنه لا يحلّ لأحد أن
يعمل به قبل المراجعة إلى تلخيصه، مع أن الحاكم متفقٌ عليه في حفظه وإتقانه، وقال بعضهم:
إنه ليس فيه حديث صحيح، وتوهَّم بعضهم أن فيه إلحاقاً من الروافض، والأمر الذي هو بين
الأمرين ما صرح به الذهبي أن نصفه صحاح وحسان، والمائتان أو أزيد منه مما لا ينبغي عليه
العمل، والباقي يشتمل على الضعاف والموضوعات أيضاً.
أقول: ولا أدري ما وقع للحافظ الحاكم، وأيّ أمر دعاه إلى وضع الموضوعات في
كتابه، وكيف ساغ له ذلك! وقد اعتذر عنه الناس وذكروا في التَّفْصِّي عنه وجوهاً لا ترجع إلى
کثیرٍ طائلٍ.
ثم اعلم أني أرى فيه أحاديثَ في أسانيدها رجال البخاري من أعلاها، والوضاعون
والكذابون من طرف آخر، ومع ذلك يحكم عليه الحاكم أنه على شرطه، ثم ظهر لي أن حكمه
هذا ينسحب على قطعة دون قطعة، فكأنه اصطلاح جديد منه، وإلا فالظاهر أن يحكم باعتبار
مجموع الإسناد، لا باعتبار طرفٍ منه .
ذِكَرُ نُسَخ البخاري
واعلم أنّ البخاري رحمه الله تعالى صنَّف كتابه في ست عشرة سنة، وخَرَّجه من ستمائة
ألف حديث، وقد سمعه منه تسعون ألف رجل، وعُلِّق عليه ثلاث وخمسون شرحاً، واثنان
وعشرون مُسْتَخْرَجاً، وأشهر المُسْتَخْرَجات للإسماعيلي، وقد رأيتُ خطبته في أعلى ذُروة
الفصاحة والبلاغة، ورأيت مقولة لرافضي قال: مَن أراد العربية كفى له القرآن وكتاب البخاري

٣٣
مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
و((الهداية)). قلت: لا ريب إنه حقّ.
وعندي ابن الأثير وصاحب ((مقامات البديع)) من البلغاء، أما الحريري فلا. نُقِل أن
مقاماتِهِ لمّا طارت إلى الآفاق دعاه بعض الخلفاء العباسيين وأمره أن يُنْشىء مضموناً، وكان إذا
كتب شيئاً أو تكلم في أمر نتف لحيته، فلم يقدر عليه، وانقلب خائباً، فلما بلغ خبره إلى بعض
أدباء العصر، قال: دَعُوه فإنه رجل مقاماتي (يعني وقائع نكار).
ونُسَخُ البخاري تسعة عشر: إحداها لكريمة بنت أحمد، وهي امرأة مُحَدِّثة، وثلاثة من
أصحاب النَّسخ حنفيون: إبراهيم بن مَعْقِل النَّسَفي، وهو تلميذ البخاري بلا واسطة، وحَمَّاد بن
شاكر، والحافظ شمس الدين الصَّغَاني، كان أصله من خُراسان، رحل إلى بلدة لاهور وأقام
بها، ثم رحل إلى بغداد وتوفي هناك. كان من علماء القرن السابع، ومن مصنَّفاته: ((المُحْكَم)»
و((اللُّبَاب))، و((القاموس)) مأخوذٌ منهما. وأولاها بالاعتبار عندي نسخة الصَّغَاني، لأنه يقول: إنه
نقلها من النسخة التي قُرِئت على المصنّف رحمه الله تعالى، لكن الحافظ رحمه الله تعالى لا
يَرَى فيها مَزِيَّةً، ويتعامل معها كما يتعامل مع سائر النسخ.
وأما الآن فينبغي أن يُعْتَمَد على نُسخة القَسْطَلاني، لأنه اعتمد على نسخة الحافظ شرف
الدين اليُونِيني جِهِْذَةٍ زمانه، وحافظ أوانه، لأن السلطان أراد مرةً أن يعرب البخاري، وجمع له
أفاضل عصره، فجاء اليُونيني فصحَّح متونَ الأحاديث، وابن مالك صاحب الألفية فأعربها. قال
القسطلآني: فوجدتُ النصف الأول من نسخة اليُونِيني، فاعتمدت عليها في شرحي، ولم أجد
النصف الآخر، حتى وجدته أيضاً بعد ثلاثين سنة، فاعتمدت عليها في النصف الآخر.
ثم اعلم أنه قد يتغيَّر المراد باختلاف النُّسخ، ولعل وجهَه أنّ الناسَ لما أخذوا عن
المصنّف رحمه الله تعالى أخذوا أصل الحديث وجعلوا الخصوصيات هدراً، وحَسِبوه كالواجب
المخيَّر، فردوها كيفما رَأَوا، والله تعالى أعلم.
ذکر شروح البخاري مع بيان خصائصها
فمن شروح الحنفية: شرح للحافظ قُطْب الدِّين الحلبي، وشرح للحافظ علاء الدين
المُغُلْطَائي، وشرح للحافظ العيني. والموجود في أيدينا هو الأخير فقط، ومن أحسن شروح
الشافعية ((فتح الباري)) لحافظ الدنيا المشهور بابن حَجَر العسقلاني، وكأنَّ شَرْحَي: العيني
والحافظ صارا مسنَدَين لمن شرحه بعدهما، كـ: ((الخير الجاري)) للمُلاّ محمد يعقوب،
وكالقَسْطَلَّاني، ثم شرحُ الحافظ أفضل الشروح، باعتبار صَنْعةِ الحديث، والاعتبار، وحسن
التقرير واتساق النَّظْم، وبيان المراد. وأما شرح العيني فأحسنها للألفاظ شرحاً، وأتمُّها تفسيراً،
وأكثرها لنقول الكبار جمعاً، لكنه منتشر ليس في اتساق النّظم كالحافظ رضي الله عنه، وسمعت
من حضرة الشيخ رضي الله عنه هذا في الأجزاء الأول منه، ولعله قال رحمه الله: إلى الثالث أو
الرابع. وشرحُ الحافظ رضي الله عنه مقدَّمٌ على شرح العيني.
وفي ((التذكرة): أن الحافظ رضي الله عنه لما أتم شرحه صنع للناس مَأْدُبةً، ودعى إليها

٣٤
مقدمة محمد أنور شاء الكشميري
السلطان أيضاً، وحضر فيها ثمانون من مشاهير العلماء، ثم قرأ عليهم مقدمة الفتح، وهي في
مجلد من أولها إلى آخرها. وهذا الشرح قد بلغ إلى العيني بإجازة مصنفه، فلما رأى تعقّباته
على الحنفية تعقب في شرحه على الحافظ في غير واحد من المواضع، فلما بلغ شرحُه إلى
الحافظ رضي الله عنه صَنَّف لجوابه كتاباً آخر سماه ((انتقاض الاعتراض)) - وقد رأيت نسخة خطية
منه - فجمع فيه جميع اعتراضات العيني رضي الله عنه، وأجاب عن بعضها، وترك لجواب
بعضها بياضاً، فدلّ على تحيره في جوابه، وحيثما أراد الجواب لم يشدِّد في الكلام. ولا ريب
أنه قد أجاب عن بعضها جواباً شافياً، إلا أن الحافظ رضي الله عنه لم يتأخر إلى إتمامه حتى
ضرب عليه بالرحيل.
وهناك شروح أُخَّر كلها كالعيال لهذين الشرحين، وذكر في كشف الظنون شروحاً لم نجد
لها ذكراً في أحدٍ من الشروح، ولا وجدنا نقلاً عنها في شرح. والله تعالى أعلم.
أحاديث البخاري
قال الحافظ في ((المقدمة)): إن العدد الذي ذكره النووي لأحاديث البخاري ليس بصواب،
ثم ذكر ما هو الصواب(١) عنده تفصيلاً، وتصدَّى مولانا أحمد علي السهار نفوري رضي الله عنه -
(١) قال العلامة محمد هاشم بن عبد الغفور السندهي في رسالة جمعها في أطراف أحاديث البخاري سماها: ((حياة
القاري بأطراف صحيح البخاري)): (الفائدة الأولى) في بيان ما ذكروا في عدد ما في صحيح البخاري من
الأحاديث مكررة أو بلا تكرار. أما مع التكرار: فقال الحافظ ابن حجر العسقلاني إني قد عددتها فبلغت بالمكرر
سوى المعلقات والمتابعات سبعة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعين حديثاً - قال وجملة ما فيه من التعاليق ألف
وثلاثمائة وأحد وأربعون وأكثرها مخرج في أصول متونه والذي لم يخرجه مائة وستون، قال وفيه من المتابعات
والتنبيه على اختلاف الروايات ثلاثمائة وأربعة وثمانون اهـ.
وأما بدون التكرار: فقد قال ابن الصلاح ثم النووي، إن أحاديث أي الموصولة المعلقات والمتابعات بدون تكرار
أربعة آلاف لكن قال الحافظ ابن حجر إني عددتها فما بلغت العدد الذي ذكره ابن الصلاح والنووي ولا قاربته بل
بلغت - بدون المكرر - ألفين وخمسمائة وثلاثة عشر هكذا قال في شرحه على البخاري لكن قال في مقدمة الفتح
أن ما وقع في صحيح البخاري من الأحاديث الموصولة بدون تكرار ألفا حديث وأربعمائة وستون حديثاً ومن المتون
المعلقة المرفوعة التي لم يصلها في موضع آخر من الجامع المذكور مائة وتسعة وخمسون حديثاً فجميع ذلك ألفا
حديث وستمائة وثلاثة وعشرون حديثاً اهـ. ما في مقدمة الفتح. قلت: فحصل أن في عدد الأحاديث الموصولة
الغير المكررة ثلاثة أقوال: أحدها ما ذكره ابن الصلاح والنووي، وثانيها: ما ذكره الحافظ ابن حجر في فتح
الباري، وثالثها: ما ذكره الحافظ في مقدمة الفتح والذي يظهر من التفصيل الآتي: أن الصحيح ما في مقدمة الفتح
وهو تعالى أعلم اهـ.
قلت: كانت الرسالة المذكورة خطية وكانت قطعة منها عند الفاضل محمد يوسف الكاملفوري مصحح الزيلعي نقلها من
مكتبة بيرجهندط من ناحية السند - ثم أقول إني راجعت الفتح فوجدت أن النسخة المذكورة أيضاً سهواً، ولعله من الناسخ
فإن عدد المتابعات في الفصل العاشر من مقدمة الفتح ثلاثمائة وأربعة وأربعون حديثاً وفي رسالة السندهي ثلاثمائة وأربعة
وثمانون وبينهما تفاوت لا يخفى - قال الحافظ فجميع مافي الكتاب على هذا بالمكرر تسعة آلاف واثنان وثمانون حديثاً -
وهذا العدد لا يحصل على ما في نسخة السندهي فتبين أن في نسخته سهواً من الناسخ والله تعالى أعلم.
=

٣٥
مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
فمشى البخاري إلى صورة التوفيق بينهما، وهو عندي من باب توجيه القائل بما لا يرضى به
قائله. فإن الحافظ ردًّ بنفسه على النووي رضي الله عنه، فكيف يمكن أن لا يكون بينهما
خلاف، ثم إن العدد الذي ذكره الحافظ رضي الله عنه فيه أيضاً سهو، لكنه من الكُتَّاب نَبَّه عليه
القسطلاني، وهو تلميذ للحافظ رضي الله عنه، فعددناها فوجدناه كذلك.
ثم إن القسطلاني لعله أخذ عن الشيخ ابن الهُمَام رضي الله عنه أيضاً، وكان الشيخ ابن
الهُمَام والشيخ بدر الدين العيني والحافظ ابن حجر - رضي الله عنهم - في عصر واحد، وكان
الناس يذهبون لأخذ الحديث إلى الحافظ رضي الله عنه، ولأخذ الفقه والأصول إلى ابن الهمام
رضي الله عنه، ولعل ابن الهمام رضي الله عنه لم تكن له إجازة عن الحافظ رضي الله عنه
بالمشافهة، نعم، يُستفاد من ذكره بلفظ الشيخ أن تكون له إجازة منه كتابة.
ذكر تراجمه وكشف رموزها
واعلم أنَّ المصنف رحمه الله تعالى سَبَّاقُ غايات، وصاحب آيات في وضع التراجم، لم
يَسْبِقْهُ به أحدٌ من المتقدمين، ولم يستطع أن يُحاكيه أحدٌ من المتأخرين، فكان هو الفاتح لذلك
الباب، وصار هو الخاتم. وضع في كل ترجمة آيات تناسبها، وربما استقصاها مما يتعلق بهذا
الباب. نَبَّه على مسائل الفروع وطرق استنباطها من الحديث، مع الإيماء إلى مختاراته، وعَلِم
مظانَّ أبواب الفقه في القرآن، بل أقامها منه ودلَّ على طُرُق التأنيس من القرآن، وبه يَتَّضحُ ربطٌ
الفقه والحديث والقرآن بعضه مع بعض.
ومن رِفعة اجتهاده ودِقته في الاجتهاديات وبسطها في التراجم. قيل: إن فقه البخاري في
تراجمه. فكان في تراجم المصنف علومٌ متفرِّقة من الفقه، وأصوله، والكلام، أومأ إليها بغاية
إيجازٍ واختصار، قَلَّ مَن يهتدي إليها، وذلك لمعانٍ:
منها: أنه لا يريد أن يتكلم بشيء من لفظه، فربما يترجم بلفظ الحديث، ثم يتلو آثاراً يريد
بها التنبيه على رجحانه من جانب، فإذا ضاق عليه الأمر زاد لفظاً أو لفظين، وقد ينقل آثاراً
متعارضة تنبيهاً على موضع الخلاف وعدم بَتِّهِ من جانب، فإذا لم يتكلم من جانبه بحرف، وأراد
أن يدلَّ عليه من ألفاظ الحديث وقطعات الآثار، عَزَّ تحصيل مراده لا محالة، فلم يُدْرَك إلى
وليعلم أن الحافظ رحمه الله تعالى تعرض إلى عدد ما في البخاري من الموصولات والمعلقات مكررة أو غير مكررة
=
في موضعين: الأول في المقدمة، والثاني في خاتمة المجلد الثالث عشر ص ٣١٩ وقد وقع التعارض بين
الموضعين في عددها بحذف المكررات كما نبه عليه السندهي. والصواب كما في المقدمة وما في شرحه فهو سهو
من الناسخ وهذا الذي نقله القسطلاني في شرحه فاعتمد بما في مقدمة الفتح وذلك لأنه عدد في المقدمة حديثاً
حديثاً وذكر في آخر شرحه العدد جملة فهو سهو من الناسخ قطعاً - ولم أجد في القسطلاني على هذا السهو تنبيهاً
فهو من سبقة قلمي ولعل الشيخ رحمه الله تعالى قال إن هذا السهو يظهر من اعتماد القسطلاني على مافي المقدمة
دون ما في الشرح فنحرف إلى ما ذكر والله تعالى أعلم بالصواب.

٣٦
مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
الآن ماذا مرادُهُ إلا على سبيل الحَزْرِ والتخمين، ولذا تَجِدُهُم يختلفون في تحقيق مراده،
ويُعْرِقون فيه جبينَهُمْ، ثم لا ينكشف الأمر على جَلِيَّتِهِ.
ثم إن المصنف رحمه الله العَلَّام لَمَّا شَدَّد في شروط الأحاديث حتى أغمض عما حَسِبوه
حسناً بل صحيحاً أيضاً، قَلَّتْ ذخيرة الحديث في كتابه، ثم لما أراد أن يتمسك منها على جملة
أبواب الفقه، اضطر إلى التكرار والتوسع في وجوه الاستدلال، وذلك من كمال بَدَاعَتِهِ. ومَن لا
دراية له بغوامضه، ولا ذوق له من علومه، يتعجب من حُجَجه، ولا يدري أن التوسع فيه من
أجل تضييقه على نفسه في مادة الأحاديث، فيستدل من الإيماءات ويكتفي بالإيماضات.
ومن العجائب أنه مع كثرة قياساته شَدَّد الكلامَ فيمن قال بالقياس، والسرُّ فيه عندي أنه
يعمل بتنقيح المناط، وهو غير القياس، كما ستعرف الفرق بينهما من وجوه إن شاء الله تعالى.
ومن غرائبه أنه إذا اختار جانباً يَهْدِر جانباً آخر، حتى لا يَذْكر له دليلاً، وإن كان حديثه على
شرطه وفي كتابه، ولكنه لا يُخَرِّجه في هذا الباب، بل يخرِّجه في غيره استشهاداً منه على مسألة
أخرى تكون مختارة عنده، بخلاف الترمذي وأبي داود، فإنهما يَضَعَان الأبواب للجانِبَين، وكذا
يذكرانِ المُتَسَمَّك لكلٍّ من الفريقين. ومن دأب المصنف رحمه الله أنه يأتي بالآثار في التراجم:
بعضها بصيغة المعروف، وبعضها بصيغة المجهول، والمشهورُ فيه أنه يأتي بالمعروف فيما كان
مُحَقَّقاً، وبالمجهول فيما كان مُمَرَّضاً يحتاج إلى نقد.
قال الحافظ رحمه الله في المعروف: إن الحال فيه إلى المعلَّق عنه يكون مستقيماً جَزْماً،
لكن يبقى النظر دائراً فيمن أبرز من رجال ذلك الحديث، ثم قال: وتبين بعد الاستقراء أن
الحال فيه على أنحاء:
فمنه ما يلتحق بشرطه، ومنه ما لا يلتحق بشرطه.
أما ما يلتحق بشرطه، فالسبب في كونه لم يُوصَل، أمورٌ ذكرها الشارحون.
وأما ما لا يلتحق بشرطه، فمنه حسنٌ، أي لذاته، ومنه ضعيف، لكن لا من جهة قَدْح في
رجاله، بل لانقطاعٍ يسير في إسناده.
أقول: ومن ههنا عُلِم أنَّ علة الانقطاع عند البخاري أيضاً يسيرة، ولا يتأتَّى منه السقوط،
ولذا لا يُمَرِّضه بل يأتي بصيغة المعروف. وأما في المُمَرَّض فقال: إنه لا يُستفاد منه الصحة إلى
المعلَّق عنه، لكن فيه ما هو صحيح، وفيه ما ليس بصحيح. فالأول: لم يوجد فيهِ ما هو على
شرطه إلا في مواضع يسيرة جداً، ووجدناه لا يَستعمل ذلك إلا حيث يورد ذلك المعلَّق بالمعنى،
هذا إذا أورده مسنداً في موضع آخر من كتابه، وإنما يورده بصيغة التمريض في المعلَّق ولا يَجْزِم
به، لأنه رواه بالمعنی.
وأما إذا لم يورده في موضع آخر مما أَورده بهذه الصيغة، فمنه ما هو صحيح، إلا أنه ليس
على شرطه، ومنه ما هو حسن، أي لغيره، ومنه ما هو ضعيف فرد إلا أن العمل على موافقته،
ومنه ما هو ضعيف فرد لا جابر له، وهذا الأخير قليلٌ في هذا الكتاب، وحيث يقع ذلك فيه
يتعقبه المصنف رحمه الله تعالى بالتضعيف، بخلاف ما قبله، فالبخاري رحمه الله تعالى اعتنى

٣٧
مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
بهاتين الصيغتين في صحيحه، فيقول في الترجمة الواحدة بعضَ كلامه بتمريض وبعضه بجزم،
مراعياً ما ذكرنا .
وبهذا تبين أنّ ما اشتهر في إتيانه بصيغة التمريض من الوجه ليس بصحيح، فإنه يأتي
بصيغة التمريض فيما يكون صحيحاً عنده أيضاً، وإنما لا يَجْزِم به، لأنه رواه بالمعنى لا للضعف
في الإسناد.
ومن دأبه أنه قد يذكر في الباب قطعةً حديث مرفوع بعينها إفادةً لِحُكْم، مع أنها تكون
ضعيفة في الخارج، لأن ما يستفاد منها المسألة تكون بَثَّة، وإنما يكون الوَهْن في إسنادها
وطريقها، فيذكرها بصيغة التمريض، ثم يستدل عليها بحديث على شرطه، فاقْدرُ قَدْرَ المصنّف
رحمه الله تعالى وجلالته، حيث لا يتكلم من عند نفسه بكلام فيما يسوغ له الكلام، فما يريد أن
يَذْكُره من الاستنباطات، والمسائل، واختيار البعض، وترك البعض، يذكر فيها ويشير إليها،
ويستدل عليها بما تتحيَّر فيه العقول ويعجز عنه الفحول.
ومن دأبه أنه قد يُخَرِّج حديثاً ويضع عليه باباً بدون ترجمة، وقد يضع باباً مع ترجمة ولا
يذكر لها حديثاً، وأحسن الأجوبة في الأول أنه فيما يكون كالفصل من السابق، أقول: وحينئذٍ
يلزم أن يكون مناسباً للسابق ليصح كونه فصلاً وإلا فلا يجري فيه هذا الجواب. وقال مولانا
وشيخنا رحمه الله تعالى: إنه يكون تمريناً للناظرين أن يترجموا عليها من عند أنفسهم بعد
الإمعان في معنى الحديث، وقيل في الثاني: إنه فيما لم يجد لها حديثاً على شرطه. أقول: وقد
يريد بيان مسألة بدون إفادة الدليل، كبعض أجزاء الترجمة، وسيأتي بعض تفصيله.
ومن دَأُبه أنه يضع في التراجم التعليقاتِ والآثارَ والضعافَ من الأحاديث المرفوعة بضعف
يسير، وكثيراً ما يُخَرِّج المتابعاتِ بعد الفراغ عن المرفوع تعليقاً. فتعليقاته على نحوين: منها ما
يُخَرَّج في الترجمة، ومنها ما يُتَابَع به المرفوع، ثم صنيعه في متابعاته على خلاف صنيع مسلم
والطحاوي، فإنهما يخرِّجان الإسناد من أوله إلى آخره مع التنبيه على زيادة لفظه أو نقصانه، ولا
يُخَرِّجان المتن بتمامه. والنسائي يُخَرِّج مفصَّلاً متناً وسنداً، وهذا أنفع جداً. وأما أبو داود،
فيكتفي بالإحالة فقط .
ومن دأبه أنه قد يذكر في الترجمة مسائل مختلفة ربما لا تكون من باب واحد، فتكلّف
هناك بعضُهُم بإرجاع كلها إلى باب واحد، وإبداء قَدْرٍ مشترك بينها، مع أن المصنّف رحمه الله
تعالى يذكرها لكونها من ملحقات الباب، لا يريدُ منها كونها مُتَّسِقة أصلاً، فلا تُتْعِبْ نفسَك في
مثل هذه المواضع، فإنه مَضِيقٌ جعلنا لك منه مخرجاً، ومثاله في صفحة ٢٩، باب الماء الذي
يُغْسَل به شعرُ الإنسان، وكان عطاء لا يَرَى به بأساً أن يُتَّخَذ منه الخيوط والحبال، وسُؤر
الكلاب وممرها في المسجد ... إلخ. وهذا كما ترى، الأُولَى من مسائل المياه أو اتخاذ
الحبل والخيوط، والثانية مسألة الأسآر، فهذه ليست من مسائل المياه، فإن السؤر عامٍّ، سواء
اختلط مع الماء أو الطعام أو غيرهما، يتنجس ما وقع فيه عند من يرى سؤر الكلب نجساً،
ويبقى طاهراً عند من لا يراه نجساً، فاضطرب الشارحون فيه، وأرادوا إرجاع كلٌّ منهما إلى قدرٍ

٣٨
مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
مشترك، وتجشَّموا لذلك. وعندي لا بأس بذكر مسائل مختلفةٍ منتشرة في ترجمة واحدة بعد أن
تكون مناسبة، ولو بوجه.
ثم إنْ دلَّ عليه دليل فيما يأتي من المرفوع يكون مترجماً به، وإلا فهو مترجَم له، كما
قَرَّره الحافظ رحمه الله تعالى، كما سيأتي. وقد يفعله المصنف على ما سميته إنجازاً، أي أن
المسألة وإن كانت من غير هذا الباب لكنها لما كانت مُسْتَنْبَطَةٌ من الحديث الذي أخرجه، نَبَّه
عليه لِيَفْرُغَ من تلك المسألة قبل أوانها، لكونها قد جاء استدلاله، فلم ينتظر لبابها وفرغ عنها
ههنا .
ومن دأبه أنه قد يزيد لفظاً من جانبه يريد به تعميمَ الحديث عن مورده، وله فيها رموز
أخرى ستعرفها في تقريرنا هذا إن شاء الله تعالى. ومن دأبه تكرير الحديث في أبواب متفرقة
باعتبار المناسبات، بخلاف مسلم، فإنه يُخَرِّج الحديث مرة في باب واحد بجميع طرقه وتغاير
ألفاظه وصَنْعَةُ الاعتبار توجد في مسلم أزيدَ من البخاري، فإنه يجمع جميع طرق الحديث في
بابه، ويأتي أوّلاً بالطريق الذي يصل إلى راوٍ، ثم يأتي بالآخر يصل إلى قرينه، ثم وثم. ويقول
عند ذكر المتن: نحوه ومثله، ويتّضح منه المتابعة أيّ اتضاح.
قال النوويّ رحمه الله تعالى لم يقصد البخاري رحمه الله تعالى: في كتابه إخراجَ المسانيد
فقط، بل أراد التنبيه على المسائل أيضاً، فلزمه أن يُخَرِّجَها مكرراً في الأبواب، وقلّما يُورِد
حديثاً في موضعين بإسنادٍ واحد ولفظ واحد، فمن أراد أن يأخذ حديثاً بريئاً عن العلل، فليأخذه
عن البخاري، ومن أراد أن يَطَّلِع على الفرق برواية اللفظ والمعنى، فليأخذه عن مسلم، فإنه
اهتمَّ لهذا المُهمّ.
إضافات على الإِفَاضَات
مُلْتَقَطَّة من ((الفتح))
ومن دأبه أنه قد يذكر الترجمة بلفظ المترجمَ له أو ببعضه، أو بمعناه، وقد يأتي من ذلك
ما يكون في لفظ الترجمة احتمال لأكثر من معنى واحد، فيعيِّن أحدَ الاحتمالين بما يذكره
تحتها من الحديث، وقد يوجد عكس ذلك، بأن يكون الاحتمال في الحديث والتعيين في
الترجمة، والترجمة ههنا بيان لتأويل ذلك الحديث. وأكثرُ ما يفعل ذلك إذا لم يجد حديثاً
على شرطه في الباب ظاهرَ المعنى في المقصد الذي يترجم به، وقد يفعل ذلك لغرض شَحْذٍ
الأذهان في إظهار مُضْمَرِه واستخراج خبيئه، وكثيراً ما يفعل هذا الأخير حيث يذكر الحديث
المفسِّر لذلك في موضع آخر متقدِّمَاً أو متأخراً، فكأنه يُحِيل عليه، ويُومىء بالرمز والإشارة
إليه .
ومن دأبه أنه قد يترجم بلفظ الاستفهام، كقوله: هل يكون كذا، أو: من قال كذا، وذلك
حيث لا يَتَّجِه له الجزم بأحد الاحتمالين، وغرضُه بيانُ هل ثبت ذلك الحكم أو لم يثبت،
فيترجم على الحكم. ومراده أنه محتمِل لهما، وربما كان أحد الاحتمالين أظهر، وغرضُه أن

٣٩
مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
يُبقي للناظر مجالاً، وينبه أن هناك مجالاً أو تعارضاً يوجب التوقف، حيث يَعْتَقِد أن فيه إجمالاً
أو يكون المُدْرَك مختلفاً في الاستدلال.
ومن دأبه أنه كثيراً ما يُتَرْجِمِ بأمرٍ ظاهرٍ قليل الجدوى، لكنه إذا حققه المتأمل أجدى،
كقوله: ((باب قول الرجل: ما صَلَّينا))، فإنه أشار به إلى الردِّ على مَنْ كَرِه ذلك. ومن دأبه أنه
يُتَرجِم بأمر يختص ببعض الوقائع لا يَظْهَر له في بادىء الرأي وجهٌ، كقوله: ((باب استياك الإمام
بحضرة الرعيَّة))، فإن الاستياك قد يُظَنّ أنه من أفعال المهْنَة، فلعل أنْ يُظَنّ أنَّ إخفاءه أولى،
فلما وقع في الحديث أنه ◌َّر استاك بحضرة الناس، دلّ على أنه من باب التَّطييب نَّه على ذلك
ابن دَقِيقِ العِید.
قال الحافظ رحمه الله: ولم أر هذا في البخاري، فكأنه ذكره على سبيل المثال، وقد
ذكرنا أنَّ مِنْ دأبه تكرير الحديث. قال النووي رحمه الله: وقلّما يُورِد حديثاً في موضعين بإسناد
واحد ولفظ واحد، وإنما يُورِده من طريق أخرى لمعانٍ:
منها أنه يُخَرِّج الحديث عن صحابي ثم يورده عن صحابي آخر، والمقصود منه أن يُخْرِج
الحديث عن حَدِّ الغَرَابة، وكذلك يفعل في أهل الطبقة الثانية والثالثة وهَلُمَّ جَرا إلى مشايخه.
ومنها أنه صَحَّح أحاديث على هذه القاعدة، يشتمِلُ كلُّ حديث منها على معانٍ متغايرة،
فيورِده في كل باب من طريق غير الطريق الأوَّل.
ومنها أحاديث يرويها بعض الرواة تامَّةً وبعضهم مختصرةً، فيرويها كما جاءت لِيُزِيلَ الشبهةَ
عن ناقلها .
ومنها أن الرُّواة ربما اختلفت عباراتُهم فحدَّث راوٍ بحديثٍ فيه كلمة تحتمل معنى آخر،
فيُورِده بطرقه إذا صَحَّت على شرطه، ويُفْرِدُ لكلِّ لفظٍ باباً مفرداً، ومنها أحاديث تعارض فيها
الوصل والإرسال، ورَجَحَ عنده الوصلُ، فاعتمده، وأوردَ الإرسال منبِّهاً على أنه لا تأثير له عنده
في الموصول.
ومنها أحاديث زاد فيها بعض الرواة رجلاً في الإسناد ونَقَصَهُ بعضُهُم، فيوردها على
الوجهين حيث يَصِحُّ عنده أنَّ الراويَ سمعه من شيخِ حَدَّثه به عن آخر، ثم لَقِيَ آخر فحدَّثُه به،
فکان یرویه علی الوجهین.
ومنها أنه ربما يأتي حديث عَنْعَنَهُ راويه، فيُورِده من طريق آخر مصرِّحاً فيها بالسماع، على
ما عُرف من طريقه في اشتراط ثبوت اللقاء مِن المُعَنْعِن.
وأما تقطيعه للحديث في الأبواب تارةً، واقتصارهُ على بعضِه أخرى، فلأنه إن كان المتنُ
قصيراً أو مرتبطاً بعضه ببعض وقد اشتمل على حُكْمَين فصاعداً، فإنه يُعِيده بحسب ذلك، مراعياً
عدم إخلائه من فائدة جليلة حديثية، وهي إيرادُهُ له من شيخ سِوَى الشيخ الذي أخرجه عنه قبل
ذلك، فيُستفاد بذلك كثرةُ الطرق لذلك الحديث، وربما ضاق عليه فخرَّج الحديث حيث لا
يكون له إلا طريق واحد، فيتصرَّف حينئذٍ فيه في مواضع موصولاً وفي آخر معلّقاً، وتارة تاماً،

٤٠
مقدمة محمد أنور شاه الكشميري
وأخرى مقتصراً على طرفه الذي يُحْتاج إليه في ذلك الباب، فإن كان المتن مشتمِلاً على جُمَل
متعددة لا تعلَّق لإحداها بالأخرى، فإنه يُخَرِّج كلَّ جملةٍ منها في باب مستقل فراراً من التطويل،
وربما نَشِط فساقه بتمامه، فقد اتضح أنه لا يُعيد إلا لفائدة. وللغفلةِ عن هذه المقاصدِ الدقيقة
اعتقدَ مَن لم يُمْعِنِ النَّظَر أنه تَرَكَ الكتاب بلا تبييض، وبالجملة تراجِمُهُ حَيَّرَتِ الأفكارَ وأدهشتِ
العقولَ والأبصارَ، ونِعْمَ ما قيل:
أَعْيَا فُحُولَ العلمِ حَلُّ رمُوزِهَا أَبْدَاهُ فِي الأَبْوَابِ والأَسْرَارِ
الكلام على المُتَرْجَم له وَبِهِ
والتَّتْبِيه على ما وقع للحافظ من الاختلاف فيه
قال الحافظ في ((المقدمة)) ما حاصله: إن جميع ما في الترجمة من الآيات والآثار
وغيرها، فهو مترجَم به، لأنه جيء به في الترجمة وُقِدَتِ الترجمة به، فهو مترجَم به، وما
بعدها من الأحاديث المرفوعة فهو مترجّم له، لأنه أُورِدت الترجمة لأجله ولسببه، ثم ذكر
الحافظ رحمه الله تعالى في مقام آخر كلاماً يخالفه يسيراً، ويدلُّ على أن نفس أجزاء الترجمة
قَدْ يكون بعضها مترجَماً بها وبعضها مترجَماً لها، كما في ص ١١٠ باب يَهْوِي بالتكبير حين
يسجد. وقال نافع: كان ابن عمر يَضَع يديه قَبْل رُكبته، ثم أخرج البخاري حديثاً يناسب الجزء
الأول فقط، ولم يخرِّجْ للثاني حديثاً. قال الحافظ: واستشكل إيراد هذا الأثر في هذه
الترجمة، لأنه لا مناسبةً له من الهُوِيّ بالتكبير! ثم نقل جواباً عن ابن المُنَيِّر رحمه الله تعالى
ولم يرض به، وأجاب من عند نفسه، وقال: والذي يظهر أن أثر ابن عمر من جملة الترجمة،
فهو مترجَم به لا مترجَم له. فجعل كما ترى قوله: يَهْوِي بالتكبير .... إلخ مترجمَاً له،
وقوله: قال: نافع ... مترجَماً به، مع أن كله مترجَم به على الاصطلاح الأول. وأراد
بالمترجَم له هنا: ما يُذْكر له دليل في ما بعدُ، وبالمترجَم به: ما لا يوجد له دليل، وإنما
الغرضُ من ذِكر تلك الأجزاء الاطلاعُ عليها فقط، لكونها مناسِبة للباب أو ضرورية في
أنفسها، بخلاف الأجزاء التي جُعِلَتْ مترجَمَاً لها، فإنّ المقصودَ من ذِكرها الإيذانُ بإثباتها
وإيراد الدليل عليها، وهذا اصطلاحٌ آخرُ منه، وكان الأليقُ الطَّرْدَ على اصطلاح واحد في
جميع الشرح لئلا يتشئَّتَ البال.
ولعله رام منه التفصِّي عن العويصات عند بيان المناسبة بين الأبواب والمرفوعات، فإنه قد
يُوجد في الترجمة ما لا يناسبه الحديث المرفوع فَيُشْكِل بيان المناسبة ويحتاج إلى إبداء
التأويلات. وحينئذٍ حاصل جوابه: أن الأجزاء التي لا يناسبها الحديث ليست مترجمة لها
لِيُطْلَبَ لها دليل في المرفوع، وإنما ذُكِرَت تبعاً، فلاحاجة إلى تَجَثُّم التكلُّفات.
(يقول الجامع): لا يَخْفَى على العلماء ذوي الألباب أن المصنف العلّامة لم يُفْصِحِ بنفسه
بعاداته في جامعه ولا في الخارج، وإنما ذَكَر العلماء ما ذكروا من عاداته بعد السَّبْر حَدْساً منهم
لا غير، فكلٌّ يقول حسب فهمه واشتغاله بكتابه، فإنّ الرجل وفِظْنَتَه والرجل وذكاءه، فلا ينبغي