Indexed OCR Text

Pages 121-140

عن حالهم، فيقال له: إنهم ارتدوا بعدك، وما قاموا على ما وجب
عليهم من الاستقامة، بل مالوا إلى الدنيا وحظوظها.
ولما كان بعضهم من الذين صحبوا، وبعضهم من أمته الذين أتوا
بعده، قال في شأن الذين في زمانه: ((سحقاً لهم وبعداً)؛ حيث مالوا
عن الاستقامة التي كانوا عليها في زمانه، ورغبوا إلى الدنيا، ولم
يأخذوا بقوله، وما وعظهم من وجوب اجتنابها .
وما ذكر ذلك في الحديث الذي يذكر أنهم من أمته؛ إما لأجل أنه
- عليه السلام - عذرهم بنوع عذر؛ حيث كانوا في الزمن الذي فشا فيه
الفسوق، وكانت الاستقامة فيه في غاية الإشكال، حتى يكون الصبر
فيه كالقبض على الجمر.
وإما لأجل أنهم ما أدركوا شرفَ صحبته، وما سمعوا منه الموعظةَ
البليغة بلا واسطة، أو اكتفاء بذكر ذلك لمن كان في زمانه، أو ذكر لهؤلاء
- أيضاً - مما جاء في بعض الأحاديث، وتركه الراوي اكتفاء بالمذكور
قبله.
وبالجملة: الذين يُطردون عن الحوض، ويسأل النبي - عليه السلام -
عن حالهم، بعضهم من الذين كانوا في زمانه، وعلمُه محيط بأحوالهم
في حياته بأنهم من أهل الاستقامة، ثم غيروا حالهم إلى الخروج عنها،
وهو المعنيُّ بالارتداد، ويدل عليه: أنه عبّر عنه بالتعديل أيضاً، وبعضُهم
من الذين أتوا بعده، وربما عرفهم بالسيما التي ذكر.
١٢١
:

وبالجملة: ليس فيهم من يرتد على عقبه وكفر، ولا فيهم المنافق،
بل هم المطرودون أولاً من غير التفات إليهم قطعاً، فالمطرودون عن
الحوض: الكفارُ، والمنافقون، وكذا الفسَّاقُ في أمته، والمسؤول عن
حالهم هم الفساقُ دون غيرهم، والذي يدل على ذلك: قوله بعد ذكر
الحوض وهذه الحالة: ((وَإِنِّي - وَاللهِ - مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي،
وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا))، وسيجيء لهذا المقام زيادةُ شرح
في (باب ذكر الحوض) - إن شاء الله تعالى -.
* وقوله: (فَيُجِيبُنِي) - بالباء الموحدة -؛ من الجواب، وهي
المشتهرة من الرواية، وفي رواية أبي جعفر (فَيَجِيئِي)؛ من المجيء،
وله ۔أیضاً - وجه.
٦٠٧ - (٢٤٩ / ٣٩) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَسُرَيْجُ بْنُ
يُونُسَ، وَقَتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ جَمِيعاً، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ
جَعْفَرٍ - قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ - أَخْبَرَنِ العَلاَءُ عَنْ أَبِهِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ أَتَى المَقْبُرَةَ، فَقَالَ: «السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ
دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ، وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا
إِخْوَانَنَا)). قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((أَنْتُمْ أَصْحَابِيٍ،
وَإِخْوَانَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ». فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ
أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: ((أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلاً لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ
١٢٢

ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ، أَ يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟)). قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ،
قَالَ: ((فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرَاً مُحَجَّلِينَ مِنَ الوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى
الحَوْضِ، أَلاَ لَيْذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا بُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ،
◌ُنَادِهِمْ: أَلاَ هَلُمَّ، فَيَقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقاً
سُخْقاً)).
٦٠٨ _ (٢٤٩ / ٣٩) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ -
يَغْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ ح، وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا
مَعْزٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ جَمِيعاً، عَنِ العَلاَءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ الهِلَّهِ خَرَجَ إِلَى المَقْبُرَةِ، فَقَالَ: ((السَّلَامُ عَلَيْكُمْ
دَرَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ)). بِمِثْلِ حَدِيثٍ إِسْمَاعِيلَ
بْنِ جَعْفَرٍ، غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ مَالِكٍ: ((فَلَيْذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي)».
الحديث الرابع: حديثُ أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ أَتَى المَقْبُرَةَ،
فَقَالَ: ((السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ،
وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا)). قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ:
(أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانْنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ)). فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ
لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: «أَرَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلاً لَهُ خَيْلٌ غُرِّ
مُحَجََّةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلِ دُهْمٍ بُهْمٍ، أَلاَ يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟)). قَالُوا: بَلَى يَا
رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرَّاً مُحَجَّلِينَ مِنَ الوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ
عَلَى الحَوْضِ، أَلاَ لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ،
١٢٣

أُنَادِيِهِمْ أَ هَلُمَّ، فَيْقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقاً سُخْقاً)
أخرجه النسائي، وابن ماجه .
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع :
الأول: في السلام على أهل المقابر:
يؤخذ من هذا الحديث: أن إلقاء السلام على [أهل] المقابر
مسنون؛ لأن احترامهم ينبغي أن يكون مثل احترامهم في حال حياتهم،
ولهذا منع من الجلوس عليهم، ولا يكاد غير ذلك مما فيه نوعُ إهانة
بالنسبة إلى الأحياء، وسمى المقابر: (دَارَ قَوْم)؛ إيماءً إلى أنهم بمنزلة
الأحياء الجالسين في دار مجتمعين فيه، فكما أن الداخل على أهل دار
جالس فيها، أن يسلم عليهم، فكذلك ينبغي أن يفعل إذا دخل، ولا
يذهب إلى وَهَلِه أنهم أموات، وأن مواضعهم خربة، وأن قبورهم
مندرسة مطموسة؛ فإن الكل سيصير كذلك؛ فإن آخر أمر الدنيا الفناء،
وعاقبة العمارة الخراب.
وفي السلام على أهل القبور دعاءٌ لهم، ويدل ذلك على حسن
التعاهد، وكرم العهد، ودوام الحرمة .
وذكر ابن عبد البَرِّ حديثاً صحيحاً عن أبي هريرة، مرفوعاً: ((مَا
مِنْ مُسْلمٍ يَمُرّ بِقَيْرِ أَخِيهِ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيًا، فَيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، إِلاَّ رَدَّ عَلَيْهِ
السَّلاَمَ مِنْ قَبْرِهِ».
وإتيانُ النبي - عليه السلام - المقابرَ دليلٌ على جواز زيارة القبور،
وسيجيء الكلام عليه في موضعه - إن شاء الله تعالى -.
١٢٤

والرواية في: (دَارَ قَوْم) - بالنصب على الاختصاص -، وقيل:
على حذف حرف النداء، وجوّز بعضهم الجرَّ على البدل من المجرور
في (عَلَيْكُمْ)، والمراد بالدار على الآخَرَيْن: أهلُ الدار، وعلى الأول
يحتمل أن يراد: المشتركُ - أيضاً -، كذا ذكره النووي، وهذا يوهم
أن في وجه الاختصاص يصح التسليم على الدار بمعنى المنزل،
ولا يصح على وجهي النداء والبدل، وليس كذلك؛ فإن التسليم على
كل التقادير على أهل الدار، وإن جُعل ذكرُ الدار مجازاً عن أهلها،
ويسلم عليها، كما هو المتعارف في نداء الأطلال والنَّعي، فلا فرق فيه
- أيضاً - عن كونه نصباً على الاختصاص، أو على غيره.
، وقوله: (وَإِنَّ إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لاَحِقُونَ) أتى بالاستثناء مع أن
الموت لا شك فيه؛ نظراً إلى زمان وقوعه، والمعنى: إذا تعلقت
مشيئة الله تعالى بلحوقنا بكم، كنا لاحقين، وكما قيل في قوله تعالى:
◌ُمَّ إِذَا شَآءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢]، وقيل: قاله للتبرك والامتثال كقوله
تعالى: ﴿ وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ﴾ [الكهف: ٢٣] الآية، وقيل: تحسين
للكلام عادة من غير قصد إلى الاستثناء.
قال الخطابي: وقيل: عائد إلى اللحوق في هذا المكان، فإنه
وإن كان يعلم أنه يموت بالمدينة، ويدفن فيها؛ لأنه قال للأنصار:
((المَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالمَمَات مَمَاتكُمْ))، لكن لم يعيّن له البقعة التي
یکون فيها إذا ذاك.
وقيل: استثناء في الواجب؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ
١٢٥

اَلْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ هَامِنِينَ ﴾ [الفتح: ٢٧]، وتكون فائدته التفويض المطلق.
وقيل: إلى استصحاب الإيمان.
وقيل: معه ناس مؤمنون حقيقة، وجماعة يظن بهم النفاق،
فالاستثناء عائد إليهم.
وقيل غير ذلك.
الثاني: في تسمية المؤمنين إخواناً:
* قوله: (وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَتَا) الظاهر من سوق الحديث:
أن رسول الله ولي علم أحوال جميع أمته إلى قيام الساعة، في أحوال
الآخرة، وأنه يوحى إليه بأن الناجي منهم أكثرُ من الهالك، وعبَّر عن
ذلك العلم بالرؤية؛ إيماءً إلى أنه عِلْمٌ لا شك فيه؛ كما في المحسوس
المرئي.
وفيه إيماءٌ - أيضاً - إلى: أنه قد رأى أحوال أهل هذه الصور،
الذين قد سلم عليهم، وعلم أنهم في الروح والنعيم، وقد استحقوا
تسليم النبي - عليه السلام -، وأنه من رؤية حالهم تمنى أن يريه الله
تعالى حال جميع أمته، كما قد أراه حال الذين ماتوا من أصحابه .
وأما ما قيل: إنه تمنى رؤيتهم في الحياة، فبعيد جداً؛ لأن النبي
- عليه السلام - ما تمنى طول العمر بحيث يرى أحوال جميع أمته في
الحياة، على أن آخر الحديث ينافي ذلك - أيضاً -؛ لأن النبي - عليه
السلام - لو تمنى ذلك، لما كانوا إخوانه على التفسير المذكور، بل
کانوا حينئذ أصحابه.
١٢٦

وقيل: تمنى لقاءهم في القيامة، وهو أبعدُ من الأول - على ما لا
يخفى -.
وبالجملة: لمَّا سمعت الصحابة أنه تمنى رؤية قوم، وسماهم(١)
إخوانه، أرادوا أن يسألوا عنهم، وظنوا أن الأُخوَّة قد انسلخت عنهم،
فجمعوا بين السؤالين، وقالوا: ((أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ؟)) وأنهم قد سمعوا
من النبي - عليه السلام - كونَهم إخوانه؛ كما قال في أبي بكر: ((وَلَكِنْ
أُخُوَّة الإِسْلاَم وَمَوَدَّته))، فأجاب بأن المراد من الذين تمنى رؤية
أحوالهم هم الذين حصلت لهم صفة الأخوة فقط، والذين صحبوه قد
حصلت لهم صفة زائدة على تلك الصفة، وهي الصحبة، فهم
أصحابه وإخوانه، وهؤلاء إخوانه فقط، ويؤيده: ما جاء في بعض
طرق هذا الحديث: أنه قال: ((إخواني الذين يؤمنون بي ولم يروني،
ويُصَدِّقون برسالتي ولم يَلْقَوْني، يودُّ أحدُهم لو رآني بأهلِه ومالِهِ)).
وقيل: المراد: بيان فضل الذي تمنى النبيُّ - عليه السلام - معرفة
أحوالهم بأنهم إخوانه، فيكون المراد: الذين ماتوا بعده مقتفين أثره في
الهداية والاستقامة في الزمان الذي زاغ أكثر أهله، وما بقي للشخص
القائم على الحق من مُعين.
وعن ابن مسعود: إن أمر محمد كان بيِّناً لمن رآه، والذي لا إله
غيره! ما آمن مؤمنٌ أفضلَ من إيمان بغيب، ثم تلا قوله تعالى:
(١) في الأصل: ((وسماعهم)).
١٢٧

﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَبٍ﴾ [البقرة: ٣] الآية.
ولا يَرِد على هذا كونُ قرنه خيرَ القرون؛ لأنه يحتمل أن يكون
المراد: أن الزمان في وقته - عليه السلام - [كان] نورانياً مشرقاً، وليس
لأحد عليه مانع من الدخول في الدين، وسلوك مسالك اليقين
بالمهتدين الثابتين على الدين في زمانه، ليس لهم عُذر عن العدول
عنه، ولکن یحدث بعد قرنه قرونٌ لا يبقى فيها شيء من المعادن، بل
يوجد فيها أشياء كلها تُعين على الباطل، وتمنع الشخص عن القيام،
فيكون المراد من الحديث: بيان شرفه؛ فإنه ببركة وجوده، والحث
على الإقبال بالأعمال قبل حدوث زمن الفتن والموانع، وإخباره بوقوع
الفتنة .
وبه جُمع بين هذا الحديث، وبين قوله: ((أُمَّتِي كَالمَطَرٍ))، وأمثاله
- على ما سيجيء -.
وبالجملة: ليس في هذا الحديث دلالةٌ على فضل الصحابة على
الذين سماهم إخوانهم، ولا فضلهم على الصحابة، بل فيه بيان أنه
يأتي بعده أقوام على سيرته وشريعته، وهم إخوانه، وأنه تمنى معرفة
حالهم، وأنه يعلمهم يوم القيامة بالعلامة الحاصلة لهم من إسباغ
الوضوء، وأنهم مميزون بتلك العلامة من بين سائر الناس.
وفيه حثٌّ على أن الفضيلة، وتحصيل المثوبة بالعمل، لا بمجرد
إدراك زمن النبي - عليه السلام -، والفوز بصحبته، ولا بعدم رؤيته -
عليه السلام -، بل كلُّ مقبلٍ على العمل الصالح يحصل له الفوز،
١٢٨

ويصير هو من جملة إخوانه، وإن كان وجوده بعد مدة مديدةً من
زمانه، وأنه منخرط في سلك الناجين، وداخل في زمرة المهتدين.
وأما القول بأن الصحابة أفضلُ من غيرهم، وأن من صحبه يوماً،
ورآه مرة، حصلت له مرتبة الصحبة، وأن فضيلة الصحبة لا يعدلها
عمل، فما ينبغي أن يذهب عاقل إلى خلافه، وهو مذهب الجمهور،
وعلى هذا ديننا، ونموت عليه - إن شاء الله تعالى -.
وأما ما أخذ ابن عبد البر، وجمع من هذا الحديث، ومن قوله -
عليه السلام -: ((إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى
الجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِمْ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلاً مِنْكُم)) أن يكون فيمن
يأتي بعد الصحابة مَنْ يكون أفضل ممن كان في جملة الصحابة،
فمخالف لكلام الجمهور، وفضيلة الصحبة لا يعدلها عمل؛ لأن أثر
نظر النبي - عليه السلام -، وبركة مشاهدته ليس لها بدل، وقد جمع
هذا في الصحابة، مع السبق إلى الإسلام، وخصوصية الذين [كانوا]
في حضرته - عليه السلام -، وفضيلة الهجرة، وفضيلة ضبط الشريعة
وحفظها عن النبي - عليه السلام -، وتبليغهم إياها إلى مَنْ بعدَهم،
وفضيلة السبق إلى البيعة في الإسلام، وأنهم سنُّوا كل سُنَّة، ونقلوا عن
النبي - عليه السلام - كلَّ حجة، وفتحوا أبواب الدين، وشيّدوا معالم
اليقين، فهم شركاء مع كل عامل يعمل خيراً، ومحاسنُ الصحابة
ومكارمُ أخلاقهم مما لا يُعد ولا يُحصى.
وقد أخرج البزار من حديث جابر بن عبدالله، مرفوعاً: ((إِنَّ اللهَ
١٢٩

اختَارَ أَصْحَابِي عَلَى العَالَمينَ، سِوى النَّبِيِّينَ والمُرْسَلِينَ، واخْتَارَ لِي
مِنْ أَصْحَابِي أَرْبَعةً - يعني: أبا بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وعلياً -،
فَجْعَلَهُمْ أَصْحَابِي))، وقَالَ: ((فِي أَصْحَابِي كُلِّهِمْ خَيْرٌ»، وقد قال النبي
- عليه السلام -: «اتَّقُوا اللهَ في أَصْحَابِي، لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ
ذَهَباً، مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلا نَصِيفَهُ»
ومناقبُ الصحابة كثيرة جليلة، وسيجيء الكلام عليها في
موضعه ۔ إن شاء الله -.
* وفي قوله: (إِخْوَانْنَا) - بالجمع -؛ حيث لم يقل: وإخواني،
مع أنه مناسب لقوله: (أَنْتُمْ أَصْحَابِي) إيماءٌ إلى أنهم إخوانه، وإخوان
المؤمنين، أو رمز إلى أنهم إخوانُ من يصح أن يعبَّر عنه بقول الواحد
المطاع، فحصول تلك الأخوة لهم نعمة ليس وراءها شيء؛ كما قيل
في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى فَضَّلَنَا﴾ [النمل: ١٥] ﴿عُلِّمْنَا مَنطِقَ
اُلَطَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦] الآية.
و- أيضاً -: قوله: (وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الحَوْضِ) بإسناد الفرط إلى
ضمير (هم)، مع أن الأصل تغليبُ المخاطب على الغائب؛ لأنه -
عليه السلام - فرطً لجميع أمته من أصحابه وإخوانه، وقد جاء في غير
هذا الحديث: ((وَأَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ)» إيماء إلى شرفهم، وأنه -
عليه الصلاة والسلام - فرط لمن واظب على العمل، ولا يعتبر بأمر من
الأمور من صحبة وقرابة ونحوهما.
والفَرَطُ - بفتح الفاء والراء -: الذي يتقدَّم القومَ، ويُصلح لهم
١٣٠

مصالحَهم من الماء والكلأ، وهذه فضيلة عظيمة لهذه الأمة - زادها الله
شرفاً -، وهنيئاً لمن كان رسول الله وَلٍّ فَرَطه.
وما قيل: إن الخطاب في قوله: (أَنْتُمْ أَصْحَابِي) للذين سألوه،
وقالوا: (أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ)، وهم جمع مخصوصون من الصحابة، وإن
النبي - عليه السلام - قد عَلِم موتهم قبله، والمراد من قوله: (وَإِخْوَانْنَا
الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ): الذين يموتون بعده، وهو يتناول الصحابة
وغيرهم = مما لا يخفى بعدُه، على أن سؤالهم بعد ذلك بكيفية معرفة
النبي - عليه السلام - مما لا معنى له في الذين لم يصحبوه.
* وقوله: (عَلَى الحَوْضِ) لفظة (عَلَى) - هاهنا - قيل: بمعنى
(إلى)؛ لأن المستعمل: فلانٌ فَرَطُ القوم إلى كذا.
وقيل: يدل على محذوف، والتقدير: فيجدوني على الحوض،
والأوجه أن يقال: قد ضمَّن فرط معنى الدليل، والمعنى: أنا فرطُهم
الدالُّ على الحوض، فيعلم من لفظ الفرط تقدُّمُه، ومن لفظ (على)
تضمين معنى الدلالة منه، فتأمل.
الثالث: في قوله: (غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ مَالِكٍ: أَلاَ لَيُّذَادَنَّ)، وفي
رواية مالك: (فَلَيُذَادَنَّ) بحذف (ألا) التي للتنبيه، وزيادة الفاء.
هذا في ((مسلم))، وأما في ((الموطأ))، فروي: (فَلَيُذَادَنَّ) كما
ذكره مسلم عن مالك، وروي: (فَلاَ يُذَادَنَّ) بـ (لا) النافية، ومعنى
الأول على حذف القسم، والتقدير: فوالله! ليذادنَّ، ومعنى الثاني:
لا يتعاطى أسباب الذَّود عن حوضي، فيكون من باب: لا أرينك هاهنا.
١٣١

والذود: الدفع.
و(الدُّهْمُ) جمع أدهم، وهو الأسود من الخيل، الذي يضرب إلى
الخضرة، و(البُهْمَ) - بضم(١) الموحدة وسكون الهاء: جمع البهيم، وهو
الذي لا لون فیه سوی الدهمة.
[ ١٣ - باب
تَبْلُغُ الحِلْيَةُ حَيْثُ يَبْلُغُ الوَضُوءُ]
٦٠٩ - (٢٥٠ / ٤٠) - حَدَّثَنَا قُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا خَلَفٌ
- يَعْنِي: ابْنَ خَلِيفَةَ -، عَنْ أَبِي مَالِكِ الأَشْجَمِيِّ، عَنْ أَبِي حَازِمِ،
قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاَةِ، فَكَانَ يَمُدُّ يَدَهُ حَتَّى
تَبَّلُغَ إِبْطَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةً! مَا هَذَا الوُضُوءُ؟ فَقَالَ: يَا يَنِي
فَرُّوِخَ! أَنْتُمْ هَاهُنَا؟ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ هَاهُنَا، مَا تَوَضَّأْتُ هَذَا الوُضُوءَ،
سَمِعْتُ خَلِيلِ وَ﴿ يَقُولُ: (تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ
الوَضُوءُ».
الحديث الخامس: حديثُ أبي حازِمٍ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ أَبِي
هُرَيْرَةَ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاَةِ، فَكَانَ يَمُدُّ يَدَهُ حَتَّى تَبْلُغَ إِنْطَهُ، فَقُلْتُ لَهُ:
يَا أَبَا هُرَيْرَةً! مَا هَذَا الوُضُوءُ؟ فَقَالَ: يَا يَنِي فَرُوخَ! أَنْتُمْ هَاهُنَا؟ لَوْ
(١) في الأصل: ((بفتح)).
١٣٢

عَلِمْتُ أَنَّكُمْ هَاهُنَا، مَا تَوَضَّأْتُ هَذَا الوُضُوءَ، سَمِعْتُ خَلِيلِي ◌َمُ
يَقُولُ: (تَبْلُغُ الحِلْيَّةُ مِنَ المُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الوَضُوءُ» أخرجه النسائي.
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع.
الأول: التعریف برواته سوی ما سلف.
(خَلَفٌ): وهو ابْنُ خَلِيفَةَ بن صاعد أبو أحمدَ الأشجعيُّ مولاهم،
الکوفيُّ.
رأى عمرو بن حُرَيثٍ الصحابيَّ، وروى عن أبيه خليفةَ، وحُمید
الأعرج، وأبي بشر، وخلائق.
وعنه هشیم، وسعيد بن منصور، وابن حُجْر، وآخرون.
وَثَّقَهُ ابن سعد، وأخرج له الستة إلا البخاريَّ.
قال أبو حاتم: صدوق.
وقال ابن معين: لا بأس به.
الثاني: في ابن (فرّوخ).
وهو بفتح الفاء وتشديد الراء وآخره خاء معجمة.
قال الخليل بن أحمد: بلغنا أن فروخ من ولد خليل الرحمن
إبراهيم - صلوات الله عليه -، ولد له بعد إسماعيل وإسحاق، وكثر
نسل فروخ، ونَمَا عددُه، فولد له العجم الذين هم في وسط البلاد.
والمراد ببني فروخ في قول أبي هريرة: الموالي؛ مثل أبي حازم
وأضرابه.
* وقوله: (لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُمْ هَاهُنَا، مَا تَوَضَّأْتُ هَذَا الوُضُوءَ) فيه
١٣٣

إيماءٌ إلى غاية أخذهم ما رأوا من الطاعات، وأنهم يواظبون على
ذلك؛ بحيث يرون فعلَ النبي - عليه السلام - حتماً عليهم، فإذا رأوا
وضوءه هذا، لربما [رأوا] أخذه واجباً عليهم(١)، ويحصل لهم الضرر،
وربما بلّغوا غيرهم - أيضاً-، فيتضرر به الناس.
وفي هذا أدبٌ حسن لمن كان في أمر فيه تشديدٌ ورخصةٌ أن
يفعله في الخلوة، وبحضور من يعلم أصل ذلك ولا يعتقده، وأنه إن
فعل بحضور جمع لا علم لهم بذلك، ينبغي أن يبين لهم أن هذا فيه
فضيلة .
وبالجملة: غرضُ أبي هريرة: أن هذا وضوءٌ تحصل به زيادة
الفضيلة، وأما مفتاح الصلاة، فلا يحتاج إلى هذا الإسباغ، وأن هذا
ليس أمراً أخبر عنه هو من نفسه، بل هو سمع من النبي - عليه الصلاة
والسلام -: أنه قال: ((تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الوَضُوءُ»،
فمن أراد بلوغ الحلية فيه إلى أقصى أعضائه، فليُوصِل الماء إليها.
والثالث: في قوله: (خَلِيلِي) إيماءٌ إلى أن النبي - عليه الصلاة
والسلام - لا يقول جميع الأحاديث لجميع الناس، بل يبلغ إليهم ما
يحتاجون إليه، وأما ما فيه زيادة الفضيلة، أو فيه شرف المشقة، فإنما
يقوله لمن عرف فيه فهمَه، وقابليةَ الإقدام عليه، وأنه لما رأى في أبي
هريرة قابلية ذلك، وعلم حرصه على الحديث، وقيامه عليه، قال له،
(١) في الأصل: ((عليه)).
١٣٤

وأدخله في جملة من يعرف منهم الاجتهاد في ذلك.
وفيه: إشعارٌ بأنكم لأجل كونكم أولادَ خليل الرحمن، ينبغي
عليكم أن تأخذوا بقول رسول الله ◌َلي الذي هو أيضاً خليل الرحمن،
ففيه حتٍّ لهم على القيام بما رأوا منه، وفي قوله: (يَا بَنِي فَرُّوخَ) نوعُ
إيماء إلى ذلك.
ويحتمل: أن أبا حازم لما قال: (مَا هَذَا) ظن أبو هريرة أنه ينكر
عليه ذلك، وأنه ما رأى ذلك من غيره من الصحابة، فأجاب بأنه أمر
مخفي سمعه من خليله، وأنه يُقدم عليه في الخلوة، وما عرفه أبو
حازم من الوضوء، والمتعارف هو الذي يفعله النبي - عليه السلام -
والصحابة في الملأ، وهذا هو الذي يفعله في الخلوة، فيكون المعنى:
إني لو عرفت أنكم هاهنا، ما فعلت ذلك، بل فعلت الذي هو تعرفونه
أنتم، ففيه: أنهم غير لائقين بإرشاد ذلك، فعلى هذا ذكر بني فروخ
لأجل الذم؛ إذ العجمُ لا يعبأ بهم العرب(١).
[١٤ _ باب
فَضْلٍ إِسْبَاغِ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ]
٦١٠ - (٢٥١ / ٤١) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ
(١) كذا في الأصل، وهذا الاحتمال - إن سلم من التصحيف - من الغرابة
والعجب بمكان.
١٣٥

جَمِيعاً، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ - قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ -:
أَخْبَرَِي العَلاَءُ عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ لِ قَالَ: ((أَلَ
أُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟)). قَالُوا: بَلَى
يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((إِسْبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إِلَى
المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ».
٦١١ - (٢٥١ / ٤١) - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ،
حَدَّثَنَا مَعْنٌ، حَدَّثَنَا مَالِكٌّ حِ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ
ابْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ جَمِيعاً، عَنِ العَلاَءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِهَذَا
الإِسْنَادِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ ذِكْرُ الرِّبَاطِ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ
ثِنْتَيْنِ: ((فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ)).
الحديث السادس: حديثُ أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ قَالَ:
(أَلَ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتٍ؟)). قَالُوا:
بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((إِسْبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا
إِلَى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ، فَذَلِكُمُ الرََّاطُ)).
وفي رواية: ((فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ))، مرتين، وليس في
روایة ذکرُ الرباط، أخرجه الأربعة سوی أبي داود.
وقال الترمذي: وفي الباب: عن علي، وعبد الله بن عمرو، وابن
عباس، وعبدة بن عمرو، وعائشة، وعبد الرحمن بن عائش، وأنس.
١٣٦

وأقول: حديث ابن عباس: ((وَاللهِ! مَا خَصَّنَا رَسُولُ اللهِ بِشَيْءٍ
دُونَ النَّاسِ، إِلاَّ بِثَلاَثَةِ أَشْيَاءَ؛ فَإِنَّهُ أَمَرَنَا أَنْ نُسْبِخَ الوُضُوءَ، وَلاَ نَأْكُلَ
الصَّدَقَةَ، وَلاَ نْزِيَ الحُمُرَ عَلَى الخَيْلِ)) أخرجه الترمذي، والنسائي،
وأخرج ابن ماجه بلفظ: ((أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِنَّهِ بِإِسْبَاغِ الْوُضُوءِ)).
وحديث عبدالله بن عمرو: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((أَسْبِغُوا الوُضُوءَ))
أخرجه النسائي.
وحديث علي، مرفوعاً: ((إِسْبَاغُ الوُضُوءِ فِي المَكَارِهِ، وَإِعْمَالُ
الأَقْدَامِ إِلَى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ، يَغْسِلُ الخَطَايَا
غَسْلاً)) رواه أبو يعلى، ورواه البزار بزيادة: ((أَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يُكَفِّرُ
اللهُ بِهِ الخَطَايَا)) من أوله، ورجاله رجال الصحيح.
وحديث عبيدة بن عمرو الكِلاَبيِّ، قال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - عليه السلام
- تَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ، وقال)) رواه أحمد، والبزار، والطبراني.
وحديث أنس، يرفعه: ((أَلَاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يُكَفِّرُ اللهُ بِهِ الخَطَايَا؟
إِسْبَاغُ الوُضُوءِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ)) رواه البزار.
وحديث عائشة ما وجدته في الأصول، وستجيء أحاديث في
المشي إلى المساجد، وانتظار الصلاة في مواضعها - إن شاء الله تعالى -.
وفي الباب: عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ وَل
قَالَ: ((أَلَاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يُكَفِّرُ اللهُ بِهِ الخَطَايَا، وَيَزِيدُ بِهِ فِي
الحَسَنَاتِ؟)). قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((إِسْبَاغُ الوُضُوءِ عَلَى
١٣٧

المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاَةِ بَعْدَ الصَّلاَةِ»
أخرجه ابن ماجه.
ومن حديث خولة بنت قيس مرفوعاً: (أَلا أُخْبِرُكُمْ بِكَفَّارَاتِ
الخَطَايَا؟»، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((إِسْبَاغُ الوُضُوءِ عِنْدَ
المَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ»
رواه الطبراني، ورجاله ثقات.
وعن جابر، يرفعه: ((أَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الخَطَايَا،
وَيُكَفِّرُ بِهِ الذُّنُوبَ؟))، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((إِسْبَاغُ الوُضُوءِ
من الكَرِيهَاتِ، وَكَثْرَةُ الخُطَا إِلَى المَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ
الصَّلاةِ، وَهِيَ الرِّبَاطِ» رواه البزار، وإسناده حسن.
وعن عبادة بن الصامت، مرفوعاً، مثله. رواه البزار، والطبراني.
وعن جُبير بن مُطعم، يرفعه، مثله. رواه الطبراني.
وعن أبي رافع، قال: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ نَّهِ مُشْرِقَ اللَّوْنِ،
فَعُرِفَ السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: ((رَأَيْتُ رَبِي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ
لِي: يَا مُحَمَّدُ! أَذْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأُ الأَعْلَى؟ فَقُلْتُ: يَا رَبّ! فِي
الكَفَّارَاتِ، قَالَ: وَمَا الكَفَّارَاتُ؟ قُلْتُ: إِلاغُ الوُضُوءِ عَلَى
الكَرَاهِيَّاتِ(١)، وَالمَشْيُ عَلَى الأَقْدَامِ إِلَى الصَّلَوَاتِ، وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ
بَعْدَ الصَّلاةِ» .
(١) في الأصل: ((الكريهات)).
١٣٨

وعن طارق بنِ شهاب، قال: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: فِيمَ يَخْتَصِمُ
المَلأُ الأَعْلَى؟ قَالَ: ((فِي الدَّرَجَاتِ، وَالكَفَّارَاتِ))، فَأَمَّا الدَّرَجَاتُ:
فَإِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَإِفْشَاءُ السَّلامِ، وَالصَّلاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، وَأَمَّا
الكَفَّارَاتُ: فَإِسْبَاغُ الوُضُوءِ فِي السَّبَاتِ، وَثِقَلُ الأَقْدَامِ إِلَى الجُمُعَاتِ،
وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ))، رواه الطبراني.
وحديث عبد الرحمن بن عائش: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ خَرَجَ عَلَيْنَا
ذَاتَ غَدَاةٍ، وَهُوَ طَيِّبُ النَّفْسِ، مُشْرِقُ الوَجْهِ، فَقَالَ: ((رَأَيْتُ رَبِّي فِي
أَحْسَنِ صُورَةٍ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: [لاَ
أَدْرِي أَيْ رَبِّ]، فَوَضَعَ كَفَّيْهِ بَيْنَ كَتِفَيَّ، فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْتَيَّ،
فَعَلِّمْتُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ، ثُمَّ ثَلاَ: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِىّ
إِنْزَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾[الأنعام: ٧٥]، ثُمَّ
قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأُ الأَعْلَى يَا مُحَمَّدُ؟ فَقُلْتُ: فِي الكَفَّارَاتِ. قَالَ:
وَمَا هُنَّ؟ قُلْتُ: المَشْيُ عَلَى الأَقْدَامِ إِلَى الجَمَاعَاتِ، وَالجُلُوسُ فِي
المَسْجِدِ خِلاَفَ الصَّلَوَاتِ، وَإِبْلاَغُ الوُضُوءِ عَلَى المَكَارِهِ، قَالَ: قَالَ
اللهُ وَ: مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَعِشْ بِخَيْرِ، وَيَمُتْ بِخَيْرِ، وَيَكُونَ مِنْ خَطِيئَتِهِ
كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وَأَمَّا الدَّرَجَاتُ: طِيبُ الكَلَامِ، وَبَذْلُ السَّلَامِ، وَإِطْعَامُ
الطَّعَامِ، وَالصَّلاَةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! قُل: اللَّهُمَّ إِنِّي
أَسْأَلُكَ فِعْلَ الطَّيِّبَاتِ، وَتَرْكَ المُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ المَسَاكِينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ
لِي وَتَرَحَمْنِي وَتَتُوبَ عَلَيَّ، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً بِقَوْمٍ، فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ)»
رواه أحمد، ورجاله ثقات.
١٣٩

وعن ثوبان، مرفوعاً نحوه، وعن ابن عمر، يرفعه بمعناه، رواهما
البزار، وعن أبي أمامة، مرفوعاً نحوه، رواه الطبراني.
إذا عرفت هذا، فاعلم أن المراد بمحو الخطايا: غفرانها.
وقيل: مَحْوُها من كتاب الحَفَظَة، وهو - أيضاً - علامة المغفرة.
ورفع الدرجات أعلى المنازل في الجنة، ولا يكون ذلك إلا بعد محو
الخطايا، فذكر الأمرین علی الترتيب، ونبه بأن الأمرین جميعاً يحصل
بالقيام على المذكورات.
ثم المقصود الأصلي من الأمور المذكورة: شيء واحد، وهي:
إقامة الصلاة في الجماعة: والانتظار لصلاة أخرى وإسباغ الوضوء
وكثرة الخطا مقدماتٌ وشروط لها.
والغرض الأصلي الحاصل للفاعل - أيضاً -: رفع الدرجات في
الجنة، ومحو الخطايا، ودخول الجنة، من المقدمات والشرائط، فنبّه
الشارع بأن من أراد حصول جميع هذا الخصائل له، فعليه بالإقدام على
الجميع، فكان الإسباغ في مقابلة محو الخطايا، وكثرة الخطا إلى المساجد
في مقابلة دخول الجنة، وقيام الصلاة في الجماعة، وانتظار الصلاة في
مقابلة رفع الدرجات، فكما أن رفع الدرجات هو الغرض الأقصى،
فكذلك قيام الصلاة، وانتظار الصلاة الأخرى في المسجد كذلك.
ولفظ (ذلك)، وإن صح أن يكون إشارة إلى أمور عديدة، لكن
ينزَّل الواحد لبعد مرتبته منزلة الكثير، وينزل بعد مرتبته وإن كان قريباً
١٤٠