Indexed OCR Text

Pages 301-320

وغيّر اللبن؛ لبقاياه، وفي ((البخاري)): ((وَغُبَّرَاتٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ))،
وهي بمعنى الغبر، ويقال للماضي - أيضاً -: غابر، فهو من الأضداد،
والتغيير - أيضاً -: اختراع شيء من خزف، ومنه قيل لتطريب المتصوّفة،
وصوت الذين يتناشدون الأشعار بالألحان: التغيير، ولأجل ذلك
سميت المتصوفة: المغبرة، وقيل: سُمُّوا مغبّرة؛ لتزهيدهم في الفانية،
وترغيبهم في الغابرة، وعن بعضهم:
رشَّ علينا المَغْفرة
عِبادك المُغَـّرة
وبالجملة: المراد من غُبَّر أهل الكتاب: بقاياهم، وهم إما بقايا
شر منهم، على ما يفصح عنه: (فيدعى اليهود)، ويُسأل عن معبودهم،
فيجيبون بأنهم عَبَدوا العُزير، ويدعى النصارى، فيجيبون بأنهم كانوا
يعبدون المسيح، فيكون المراد: أن من كان يعبد شيئاً من الطواغيت،
وليس له كتاب وشرع، سقط في النار، وبقي من كان يعبد الله، سواء
كان بإخلاص وعمل، وهو البَرُّ، أو بلا عمل خير، وهو الفاجر، وبقي
هؤلاء - أيضاً -، وعبَّر عنهم بالغُبَّر ولَمَّا كان لهم كتاب وشريعة،
والواجب عليهم إرشاد الغير في الدنيا، فضلاً عن ثباتهم على الضلال
وقيامهم على الإضلال، أخَّر إلقاءهم في النار، وسلموا، ليكون ذلك
أقرعَ لهم، وأزجر لفعلهم، و- أيضاً -: هم في الدنيا يراؤون الناس
بأنهم أخلصُ عباد الله تعالى، وأعلمهم بحدوده، فحُبسوا في
الصراط، وأدرجوا في سلك عباده؛ ليقوى رجاؤهم، فظنوا أنهم قد
فازوا، ثم حكم عليهم بالهلاك، وذلك أشدُّ عليهم من الحكم أولاً؛
٣٠١

لأنهم كانوا يتوقعون(١) في الأول ذلك، وفي هذه الحالة خلافه،
و
ووصولُ الألم بعد توقَّع الراحة أشدّ، وهذا كما يُفعل بمنافقي هذه
الأمة - على ما مَرَّ -.
والتعبير عنهم بلفظ الغُبَّر الدالِّ على الغبار؛ لأنهم شَوَّهوا وجوهَ
بواطنهم بغبار الشرك، أقوى دليل على أن المراد: أشرارُهم.
وإمّا المراد: الأخيار منهم، وعبّر عنهم بالغبر؛ إيماء إلى أنهم
تركوا الفانية، واختاروا الغابرة، ولذلك ثبتوا على إخلاص العمل،
وتركوا حطام الدنيا الفانية، فالمعنى: لم يبق إلا البر والفاجر، وبقايا
أهل الكتاب الذين هم على الرشاد والسداد، فيكون تخصيصاً بعد
تعميم البرّ؛ استحساناً لصنيعهم.
* وقوله: (فَيُدْعَى اليَهُودُ ... ) إلى آخره، فيصل للفاجر،
والأولُ أوجه - على ما لا يخفى -، وإن ذهب إلى الثاني - أيضاً -.
ورواية البخاري: ((وَغُبَّرَاتٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ
تُعْرَضُ كَأَنَّهَا سَرَابٌ، فَيُقَالُ لِلْيَّهُودِ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ)) الحديث، بتوسّط
قوله: (ثُمَّ يُؤْتَى بِجَهَنََّ)) إلى آخره، بين ((غُبََّاتٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ))، وبین
قوله: ((فَيَّقَالُ لِلْيَّهُودِي))، حديث ابن مسعود: ((فَلْيَنْطَلِقْ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى
مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ [فِي الدُّنْيً))، قَالَ: ((فَيَنْطَلِقُونَ، وَيُمَثَّلُ لَهُمْ أَشْيَاءُ
مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ]، فَمِنْهُمْ مَنْ يَنْطَلِقُ إِلَى الشَّمْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْطَلِقُ
(١) في الأصل: ((موقعون)).
٣٠٢

إِلَى القَمَرِ، وَإِلَى الأَوْثَانِ [مِنَ الحِجَارَةِ](١) وَأَشْبَاهِ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ))،
قَالَ: ((وَيُمَثَّلُ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُ عِيسَى شَيْطَانُ عِيسَى، وَيُمَثَّلُ لِمَنْ كَانَ
يَعْبُدُ عُزَيْراً شَيْطَانُ عُزَيْرٍ، وَيَبْقَى مُحَمَّدٌّ ◌ِهِ وَأُمَّتُهُ)).
ثم ساق الحديث، وهذا صريح في أن المراد من غُبَّرات أهل
الكتاب: أشرارهم. رواه الطبراني، ورجاله ثقات.
، وقوله: (فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ: أَلاَ تَرِدُونَ؟ فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا
سَرَابٌ) فيه إشعار بأن الله تعالى يجازي هؤلاء القوم بمثل صنيعهم؛
لأنهم لمَّا تركوا في الدنيا عبادة الله تعالى، واشتغلوا بعبادة غيره،
وأضلوا الناس؛ حيث أوهموهم بأنهم يعبدون الله، ويدَّعون أنهم
أحبار، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَاَلنَّصَرَىِ غَحْنُ أَبْنَوُاْ اللَّهِ وَأَحِبَّؤُهُ ﴾ [المائدة: ١٨]،
ويقولون: النجاة منحصر بهم، ومحصور عليهم، ﴿وَقَالُواْلَن يَدْخُلَ
اُلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَى﴾ [البقرة: ١١١] سئلوا يوم القيامة عن
صنيعهم، ثم سئلوا عن مطلوبهم، ولمّا غلبهم العطش في الموقف،
ورأوا جهنم كالسّراب، فظنوا أنها ماء، سألوا الماء، وطلبوا الورود
عليها، فقيل لهم: ألا تردون؟ فيدخلون فيها.
وفي ((البخاري)): ((حَتَّى يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ مِنْ بَرِّ أَوْ فَاجِرٍ،
وَغُبََّاتٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، ثُمَّ يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ تُعْرَضُ كَأَنَّهَا سَرَابٌ، فَيُقَالُ
لِلْيَهُودِ: مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟)) إلى آخره، والإتيان ((بجنهم كأنها سراب))،
(١) بياض في الأصل.
٣٠٣

فقدم في روايته على السؤال، وليس له ذكر في رواية الكتاب، ولكن
يعلم من قوله: ((فَيُشَارُ إِلَيْهِمْ))؛ لأن الإشارة إنما تكون إلى جهنم،
ولا بد من أن تكون بمرآهم.
، وقوله: (كَأَنَّهَا سَرَابٌ) إشارة إلى أنهم يرونها كالسراب، فيظنون
أنها ماء، فيظنون الورود فيها، ويعطيهم نصيبهم، ويا خساراً لهم.
عافانا الله الكريم بكمال كرمه وفضله منها، ومن كل مكروه.
* وقوله: (يَحْطِمُ)؛ أي: يكسر بعضها بعضاً، وذلك لشدة
إيقادها، وتلاطم أمواج لهبها، وفي جعلها كالسراب في أعينهم إيماءٌ
إلى أن أعمالهم في الدنيا - أيضاً - كذلك، وأنهم كانوا يَحْسَبون أنهم
يحسنون صنعاً، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوْ أَعْمَلُهُمْ كَمَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ اُلَّمْشَانُ
مَآءَ﴾ [النور: ٣٩].
الثالث: في امتحان المؤمنين :
قوله: (قَالُوا: يَا رَبَّنَا! فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا أَفْقَرَ مَا كُنَّا
إِلَيْهِمْ، وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ)؛ يعني: أنا تركنا مصاحبتهم في الدنيا في حال
كوننا محتاجين إليهم؛ لأنهم كانوا رؤساء أغنياء، ونحن مساكين
فقراء، فلا نصاحبهم اليوم في هذا الموضع مع استغنائنا عنهم، وهذا
تضرُّعٌ منهم إلى الله تعالى في كشف هذه الشدة عنهم، وابتهالٌ إليه،
وإظهار أنهم مع احتياجهم في الدنيا إلى الذين تركوا عبادة الله، وزاغوا
عنها، قد تركوهم، وصبروا على مشاق الأحوال الدنيوية، طلباً للخفة
والسرور في هذا اليوم، وأنهم ليسوا ممن يتبع الناس ويقلدونهم، بل
٣٠٤

إنهم يتبعون الحق، ويطلبون مرضاته، وهذا دأب الصحابة من
المهاجرين وغيرهم، وطريقة الصالحين في كل زمان، قد تركوا
الأوطان والأوطار؛ لأجل تحصيل النعيم في دار القرار، وانقطعوا عن
الإخوان والأحباب؛ ابتغاء مرضاة رب الأرباب، وفي هذا إيماءٌ إلى أن
مَنْ صاحب شيئاً في الدنيا، وتمكَّنَ ذلك في قلبه، يتبعه في ذلك
اليوم، فالواجبُ اتباعُ الهدى، ومصاحبة من يدعو إليه، واجتنابُ
مكائد الردى، والاحتراز عن ملاقاة متابعيه.
اللهمَّ ارزقْنا توفيقَ الثبات على الهدى، والاستمساك في جميع
أوقاتنا بالعروة الوثقى، وثبتنا على محبة عبادك الصالحين، واحشرنا
وسائر المسلمين في زمرتهم أجمعين، يا واسع المغفرة.
وذكر القاضي عياض: أن في هذا الكلام تغييراً؛ إذ المعنى: أنا
فارقنا الناس في الدنيا في معبوداتهم، ولم نصاحبهم، ونحن اليوم
أحوجُ إلى ربنا؛ أي: محتاجون إليه، كما يقال: هو أهونُ عليه؛ أي:
هین، هذا کلامه.
وإنما أوقعتْه في هذا الأمر الروايةُ الواصلة إليه في ((البخاري)):
((فَارَقْنَاهُمْ وَنَحْنُ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَيْهِ اليَوْمَ)) بتوحيد الضمير في (إِلَيْهِ)،
فذهب بأنه راجع إلى الله تعالى، أو فسّر بما فسّر، والكلام الواقع في
((مسلم)) صريحٌ على خلاف هذا، إذ المعنى: بيان أنهم فارقوا الناس
في الدنيا مع احتياجهم إليهم، لا مع احتياجهم إلى الله تعالى، ولهذا
حکم بالتغيير.
٣٠٥

والصواب ما وقع في ((مسلم))، والمعنى ما ذكرنا، والرواية في
((البخاري)) - أيضاً -: (إليهم) بجمع الضمير، والسياق فيه - أيضاً -
صريحٌ على المعنى الذي ذكرنا؛ فإن الكلام فيه بهذه العبارة: ((فَيُقَالُ
لَهُمْ: مَا يَحْبِسُكُمْ وَقَدْ ذَهَبَ النَّاسُ؟ فَيَقُولُونَ: فَارَقْنَاهُمْ وَنَحْنُ أَحْوَجُ
مِنَّا إِلَيْهِمُ الْيَوْمَ، وَإِنَّا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي: لِيَلْحَقْ كُلُّ قَوْمٍ بِمَا كَانُوا
يَعْبُدُونَ، وَإِنَّمَا نَنْتَظِرُ رَبَّنَا))، ولو سُلُّم توحيد الضمير في (إِلَيْهِ)، [فهو]
راجع إلى الفراق الذي يدل عليه [لفظ]: ((فَارَقْنَاهُمْ))(١)، ويكون
المعنى على حاله مستقيماً كما ذكرنا، فتأمل .
* وقوله: (حَتَى إِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَكَادُ أَنْ يَنْقَلِبَ) هكذا الرواية
بإثبات (أن) مع كاد، وهي لغة.
و(يَنْقَلِبَ) - بالنون والقاف -؛ أي: يرجع، والمراد: بيان شدة
الأمر عليهم، ونهاية الابتلاء بهم، [ ... ]، ورجوعه عن هذا القول،
وعن سَنَن الاستقامة، وليس المراد: بيان رجوع ذلك البعض وتزلزله،
وإنما المراد: بيان شدة الأمر، وتفاقم الحال، ﴿وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وقد مَرَّ: أنه يحتمل أن
يكون التردد من جمع المقلدين في الدين، غير الراسخين في العلم،
والذي يدل على أن المراد: بيان شدة الأمر قوله: ((فَيُكْشَفُ عَنْ
سَاقٍ))، فإنه يستعمل فيما يشتد الأمر، ويتفاقم الحال، ولا كشف ثَمَّ،
(١) في الأصل: ((فارقنا)).
٣٠٦

ولا ساقَ، وإنما هو مثلٌ لشدة الأمر؛ لأن من وقع في بليَّةٍ يُشَمِّر
ساعده، ویکشف عن ساقه، قال :
وَكُنْتُ إِذَا جَارِي دَعَا لِمَضُوفِةٍ
أُشَمِّرُ حَتَّى يَنْصُفَ [السَّاقَ] مِثْزَرِي
فجعل كشف الساق عبارةً عن الشدة، وحصول المشقة؛ كما
يقال للأقطع الشحيح: يده مغلولة، ولا يدَ ثَمَّ، ولا غُلَّ، وإنما هو
مثلٌ في البخل، وفي التنزيل: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾ [المائدة: ٦٤]، وقد
قدمنا لك أن في أمثال هذه المقامات، السلامةُ تركُ الخوض فيها.
ونحن إنما نورد على سبيل النقل أحسنَ كلام الخائضين فيه بعد
تقديم ما هو الأوجَهُ.
وقيل: المراد بالساق هنا: نور عظيم؛ يعني: يحصل للمؤمنين
عند رؤية الله تعالى من الفوائد والألطاف ما لا يبلغ كُنْهه.
وقيل: الساق: علامة بينه وبين المؤمنين؛ من ظهور جماعة من
الملائكة على خلق عظيم؛ لأنه يقال: ساقٌ من الناس: جماعتهم؛ كما
يقال: ((رِجْلٌ مِنْ جَرَاد)»، ورواية البخاري: ((فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ
تَعْرِفُونَهُ؟ فَيَقُولُونَ: السَّاقُ، فَيَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ)) أشدُّ طباقاً عليه.
وقيل: قد تكون ساق مخلوقة، جعلها الله علامة للمؤمنين خارجة
عن السوق المعتادة، والرواية المذكورة مطابقة لهذا المعنى - أيضاً -.
وقيل: معناه: كشف الخوف، وإزالة الرعب عنهم، وإذهاب
٣٠٧

ما كان غلب على عقولهم من الأهوال، فتطمئن عند ذلك نفوسهم.
وقيل غير ذلك.
وذهب قوم إلى التشبيه، وهو باطل قطعاً؛ لما تقرر في موضعه.
وفي ((الكشاف)): يحكى هذا التشبيه عن مقاتل، وعن أبي عبيدة:
خرج من خراسان رجلان؛ أحدهما شبَّه حتى مثَّل، وهو مقاتلُ بنُ
سليمان، والآخرُ نفى حتى عَطَّل، وهو جَهْمُ بنُ صفوان، وإنما يُصار
إلى التشبيه لضيق العَطَن، وقلة النظر في علم المعاني والبيان، ومَنْ
أَحَسَّ بمضارٍّ فَقْدِ هَذا العِلْمِ، عَلِمَ مِقدارَ عِظَمٍ منافعِهِ.
* وقوله: (فَلاَ يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، إِلاَّ
أَذِنَ اللهُلَهُ بِالسُّجُودِ)؛ يعني: من كان يسجد لله تعالى في الدنيا خالصاً
مخلصاً من نفسه، طلباً لمرضاة الله تعالى، واستقامة عليه من خالص
قلبه وصمیم اعتقاده، أذن له في ذلك اليوم بالسجود، وحصل له،
فسجدةُ المُخلِصِ: الانقيادُ الذي كان له في دار التكليف في ذلك
المقام المشهود، فسجد المخلصون، وعلم جميع من حضر أن هؤلاء
هم الذين أخلصوا دينهم لله، وواطأت قلوبُهم ألسنتَهم [ ... ] عليهم
من كان يسجد لله في الدنيا اتقاء؛ أي: خوفاً من السيف، وطلباً
لحظوظ حطام الدنيا، ورياء، ونحوه، لا بالإخلاص، وخوف الله تعالى،
وطلب نعيم الآخرة، صار ظهرُهم طبقة واحدة؛ أي: فَقارةً واحدة،
لا يقدرون على السجود، وكلما أرادوا أن يسجدوا، يخِرُّوا على
قفاهم، فعلم جميعُ مَنْ رآهم أنهم كانوا يسجدون لله تعالى ويعبدونه
٣٠٨

في الدنيا لأجل حطامها، لا بالإخلاص والدعاء إلى السجود في ذلك
المقام المشهود للامتحان، وامتياز الخُلَّص من غيره في مرأى الناس؛
ليعلم الجميع، ويعز المخلص، ويُهان المدحض، كما يكون إنطاق
الخوارج لذلك.
وفيه توبيخٌ وتعنيف لهم؛ حيث أُمروا بالسجود مع إعقام أصلابهم،
والحيلولة بينهم وبين الاستطاعة، ويتحسرون ويندمون على تركهم
السجودَ المعتدَّ به في الدنيا، حین دُعوا إليه وهم سالمو الأصلاب
والمفاصل، فراموا العلل عن ذلك، ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ
سَلِمُونَ﴾ [القلم: ٤٣]
والرابع: في الرؤية :
. قوله: (وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) الرواية
المشهورة: (في صورته) بإثبات الهاء، وهو الموجود في ((الجمع بين
الصحيحين)) للحافظ عبد الحق - أيضاً -، وفي بعض النسخ (فِي صُورَة)
بدون [هاء]، وهو الواقع في ((جمع الحميدي))، وظاهر هذا الكلام: أن
تحصل لهم الرؤية مرتين قبل دخولهم الجنة؛ مرة قبل السجود، وحين
قالوا: ((أَنْتَ رَبَِّا))، وبعده حين يرفعون رؤوسهم من السجود، والتي في
الجنة على ما في سائر الأحاديث غير ثابت، فتكون ثلاثاً.
لا نزاع عند أهل الحق في ثبوت الرؤية في الجنة، وإنما الكلام
في الرؤية قبل الدخول، فقيل: يرونه كما هو ظاهرُ هذا الحديث.
ومعنى قوله: ((وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ» :
٣٠٩

أن الله تعالى قد حوّل الصورة التي رآه المؤمنون قبل السجود، وأزالها،
وتجلى هو بنفسه، فرآه المؤمنون، ثم أمروا بالسجود، فسجدوا، ولم
يزل الحق لذلك متجلياً، لكن المؤمنون الاشتغالهم بالسجود منصرفين
عن رؤيته، فلما فرغوا منه، عادوا إلى رؤيته مرة ثانية، فيكون قوله:
(وَقَدْ تَحَوَّلَ) حالاً متقدمة قبل سجودهم؛ بمعنى: وقد كان حوّل قبل
الرؤية مرة واحدة بعد السجود حين يرفع المؤمنون رؤوسهم منه،
والرؤية التي كانت قبل السجود هي رؤية صفة من صفات الله تعالى،
لا يشاركه فيها غيره، ولذلك قالوا: (أَنْتَ رَبُّنَا)؛ بمعنى: أن هذه
الصفة هي الصفة التي عرفناك في الدنيا أن ربّنا يتصف بها، لا بالتي
رأيناها قبل هذا، وعلى هذا قوله: ((وَقَدْ تَحَوَّلَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ
فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ)) تجلى لهم بنفسه في تلك الصورة في المرة الأولى،
لأجل من كان معهم من المنافقين حتى يميزوا عنهم.
وقيل: يرون الصورة الصفة، والعلامة التي يحصل لهم الوثوق
بأنه ربّهم، وهذا الخطاب خطابه، ولا يرونه معاينة إلا في الجنة،
وعليه أكثرُ المحققين.
ولما كان القول بالرؤية قبل السجود يوهم حصولها للمنافقين،
وغُيَّرِ أهل الكتاب؛ لأنهم كانوا مع المؤمنين، ولم يتميزوا عنهم بعد،
ذهبت السالمية إلى أن المنافقين يرونه - أيضاً - في المرة الأولى؛
لأنهم لما بقوا مع المؤمنين، وحصل التجلي للجميع، فرآه الجميع.
وقد أطبق المحققون على أن هذا باطل؛ لما تقرر من أن الرؤية
٣١٠

لا تحصل إلا للمؤمن الخالص، والمنافقُ متحيّر في أمره، مضطربٌ
في شأنه؛ بحيث لا يبصر من بين يديه، ولا يكون الخطاب والكلام
معه، والنصُّ الصريحُ واردٌ في كونهم محجوبين عن الرؤية، قال الله
تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِهِمْ يَوْمَئِذٍ لََّحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]، فلا تحصل لهم
الرؤية إن ثبت أنهم ما ميزوا بعد، وما سقطوا في النار؛ لما ذكرنا من
دهشهم، وجمودهم في مكانهم.
على أن الأقرب: أن التجلي بالصفة في الأول بما فيه شيء من
سمات الحدوث، وفي الثاني بما ليس فيه ذلك، ولا يشاركه فيها
غيره، ويؤيده: ما جاء في بعض الروايات: (فيقال لهم: وكيف
تعرفونه؟ قالوا: إنه لا شبيه له ولا نظير)، وإطلاق الصورة على الصفة
غير مستبعد، يقال: صورة هذا الأمر كذا؛ أي: صفة.
وأما الرؤية التي تكون مَنْفَعَة عند أهل الحق، فهي التي تكون في
الجنة، والمنافق في الدرك الأسفل، فأنى له ذلك؟!
وقد استدل من الأمر بالسجود للمنافقين، مع عدم الإمكان
[على] جواز التكليف(١) بما لا يطاق، ووقوعه، ورُدَّ بأن الآخرة ليست
دارَ تكليف، ووضع المسألة في التكليف.
والخامس: في الجواز على الصراط:
قوله: (ثُمَّ يُؤْتَى بالجسْرِ) - بفتح الجيم وكسرها - لغتان
(١) في الأصل: ((المكلفين)).
٣١١

مشهورتان، وهو الصراط .
في حديث ابن مسعود على ما في ((الطبراني)): ((ثُمَّ يَأْمُرُ بِالصِّرَاطِ،
فَيُضْرَبُ عَلَى جَهَنَّمَ)).
: وقوله: (دَحْضٌ) بفتح الدال وسكون الحاء المهملتين وآخرها
ضاد معجمة.
* (مَزْلَقَةٌ) (١)؛ أي: مكان تزلق فيه الأقدام، ولا تستقرّ، والمَزِلَّةٌ
- أيضاً - قريب إلى معناه، كأن في الدحض معنى الميلان وعدم
الاستقامة، وفي المزلة معنى عدم الثبات والاستقرار، ولما كان الناس
في الدنيا بين ثابت على الحق واليقين وهم المؤمنون، ومائل عنه وهم
الكافرون، ومزلزل فيه غير ثابت وهم المنافقون، جعل الصراط دحضاً
مزلة، يثبت ويعين عليه من كان ثابتاً في الدنيا، ويميل عنه ويسقط في
جهنم من كان مائلاً عن الدين، ويزلزل فيه ولا يستقرّ من كان مزلزلاً.
أعاننا الله تعالى بفضله العميم على العبور عليه، وثبت أقدامنا
فيه، وجعلنا من الذين يجوزون بأسرع ما يمكن، بكرمه وفضله.
، وقوله: (فَيَمُرُّ المُؤْمِنُونَ كَطَرْفِ العَيْنِ، وَكَالبَرْقٍ، وَكَالرِّيحِ،
وَكَالطَّيْرِ، وَكَأَجَاوِيدِ الخَيْلِ، وَالرِّكَابِ) وهذا الجواز بحسب الأعمال،
كما جاء مخرجاً في حديث ابن مسعود: ((فَيَمُرُّ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ زُمَراً،
أَوَائِلُهُمْ كَلَمْحِ الْبَرْقِ، ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، ثُمَّ كَأَشْرَعِ
(١) الرواية: ((مزلَّة)).
٣١٢

البَهَائِمِ، ((ثُمَّ كَذَلِكَ حَتَّى يَجِىءَ الرَّجُلُ سَعْياً، حَتَّى يَجِىءَ الرَّجُلُ مَشْياً،
حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ رَجُلاً يَسْعَى عَلَى بَطْنِهِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! أَبْطَأْتَ
بِي، فَيَقُولُ: إِنَّمَا أَبْطَأَ بِكَ عَمَلُكَ».
ويظهر قَدْرُ الأعمال بقدر النور المعطى في ذلك الموقف، على
ما جاء في حديث ابن مسعود - أيضاً -: ((ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ،
فَيَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ، فَيُعْطِيهِمْ نُورَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ
يُعْطَى نُورَهُ مِثْلَ الجَبَلِ العَظِيمِ يَسْعَى بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُورَهُ
أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى نُوراً مِثْلَ النَّخْلَةِ بِيَمِينِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ
يُعْطَى نُوراً أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى يَكُونَ رَجُلاً يُعْطَى نُورَهُ عَلَى إِبْهَام
قَدَمِهِ، يُضِيءُ مَرَّةً، وَيَفِيءُ مَرَّةً، فَإِذَا أَضَاءَ، قَدَّمَ قَدَمَهُ فَمَشَى، وَإِذَا
طُفِىءَ قَامَ))، قَالَ: ((وَالرَّبُّ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - أَمَامَهُمْ، وَيَقُولُ: مُرُّوا،
فَيَمُرُونَ عَلَى قَدْرِ نُورِهِمْ، مِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَطَرْفِ العَيْنِ))، الحديث رواه
الطبراني، وسيجيء في الكتاب من حديث أبي هريرة، وحذيفة،
وجابر شيءٌ من ذلك - إن شاء الله -.
* وقوله: (فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشْ مُرْسَلٌ، وَمَكْدُوسٌ) قُسِّمَ
المارُّون على ثلاثة أقسام :
قسم: مسلّمٌ لا يناله شيء من الخوف والتزلزل.
وقسم: مخدوش یخدش وینال، ثم يرسل فيخلص، وفي الخدش
إيماء إلى قلة التعرض، وفيه - أيضاً -: إشعار بأن القسم الأول لا يتعرض
لهم أصلاً.
٣١٣

والقسم الثالث: المكدوس، يروى بالسين المهملة في أكثر
الأصول، وهو المجتمع بعضاً فوق بعضهم، ومنه تَكَدَّسَتِ الدواب:
إذا ركب بعضها بعضاً، ورواه العذري بالشين المعجمة؛ من الكَدْشُ،
وهو السَّوْقُ.
في ((الصحاح)): الكدش: الخدش، ويقال: هو يَكْدِشُ لعياله؛
أي: يَكْدَحُ، وكَدَشْتُ من فُلانٍ عَطاءً: أصبته منه، والكَدْشُ - أيضاً -:
السّوْقُ الشدید.
فعلى الرواية المشهورة معناه: أنهم يلقون في جهنم، ويكدس
بعضهم فوق بعض، ففيه إيماء إلى كثرة الملقى، وكون الهالكين
کثیرین.
وعلى الرواية الثانية: أنهم يساقون السوق الشديد إلى النار، وفي
ذلك إيماء إلى أن إلقاءهم في جهنم بسرعة، كما يحصل الخلاص
للناجين كطرف العين وکالبرق.
ثم هذا القسم يحتمل أن يكون في فرق المؤمنين خاصة، ويكون
قوله: (مَخْدُوشُ)، و(مَكْدُوسٌ) معطوفاً على قوله: (مُسَلَّمٌ)، والنجاة
تشملهم، ويريد بها: الخلاص من العذاب المخلد؛ فإن من حصل له
الخلاص من العذاب الشديد، فهو ناج، ولكن لمّا كانت مراتب
الناجين متفاوتة، ذكرهم على الترتيب، فقال: منهم مسلم، ومنهم
مخدوش، ومنهم ملقى في جهنم، ثم ينجَّى بالشفاعة والفضل، ويدل
عليه: رواية البخاري: ((فَتَاجِ مُسَلَّمٌ، وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ، وَمَكْدُوسٌ))،
٣١٤

وفيه - أيضاً - بعد قوله: ((وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ)): قوله: ((حَتَّى يَمُرَّ
آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْباً»، وفي هذا دليل على أن الأقسام في المسلمين؛
فإن مرور آخرهم بهذه الصفة أن يكون للمؤمنين، والذي يسحب سحباً
هو آخرهم، لا آخر الكافرين.
:
ويحتمل أن يكون في الناس جميعاً، ويكون الثالث معطوفاً على
(ناج)؛ أي: فمنهم ناج مسلم، ومنهم ناج مخدوش، ومنهم هالك
مكدوس، ولكن الاحتمال الأوّل ربما يؤيده قوله: ((حَتَّى إِذَا خَلَصَ
المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ)) إلى آخره؛ فإنه ظاهر على أن المراد من الخلاص
من النار: الخلاص في العبور من الصراط، وأنهم يشتغلون بعد ذلك
بالشفاعة لإخوانهم، وإخراجهم لهم من النار بأمر الله تعالى.
وفيه دليل على أن المكدوش هو الفاسق من أهل الإيمان،
فتأمّل.
السادس: في الشفاعة :
* قوله: (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ فِي اسْتِقْصَاءِ الحَقِّ
مِنَ المُؤْمِنِينَ لِلّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ) قد وقع في ضبط قوله: (فِ اسْتِقْصَاءِ
الحَقِّ) اختلاف، روي بالتاء الفوقانية ثم قاف ثم صاد مهملة، واختاره
القاضي عياض، ويروى: (فِي اسْتِبْقَاءِ) بالتاء الفوقانية ثم باء تحتانية
ثم قاف، وهو قريب إلى الأول، ويروى: بتاء فوقانية ثم باء تحتانية ثم
ضاد معجمة؛ يعني: استبضاء، ويروى كذلك، إلا أنه بحذف الياء
المثناة التحتانية، والمعنى في الجميع متقارب، يعني: ما من أحد
٣١٥

منكم إذا ألبس عليه الحق، وخفي الحال في الدنيا، وهو يناشده الله
تعالی، ويدعوه، ويتضرع إليه، ويطلب منه الكشف عليه، يناشد مثل
مناشدة هؤلاء؛ أي: لا تكون مناشدةُ أشدِّكم مناشدة في هذه الحالة
مثل مناشدة المؤمنين الله يوم القيامة لأجل استخلاص إخوانهم من
المؤمنين الذين سقطوا في النار.
ولا شك أن الإنسان عند خفاء الأمر عليه، وطلب وضوحه، أو
عند وصول التعدي إليه، وطلب استخلاص حقه، يكون أشد مناشدة
ودعاء وتضرعاً من كونه على غير هذه الحالة، فرواية الاستقصاء
- بإثبات الياء وحذفها - ناظرةٌ إلى الحقوق الدينية؛ فإن من خفي عليه
شيء من أمر دينه، وهو ممن يجزيه ذلك؛ بأن يكون من الطالبين
للحق واليقين، الراغبين في الآخرة، الزاهدين في الدنيا، تكون
مناشدته ربه وطلبه الاستيضاء منه أشد وأقوى من غيره؛ إذ المهم له
أمرُ دینه، ووضوحُ مسالك یقینه.
ورواية الاستقصاء والاستبقاء ناظرة إلى الحق الدنيوي؛ فإن مَنْ
حَقُّه من الحقوق الدنيوية في يد متعدّ ظالم، وهو محتاج إليه، فإنه
يناشد الله تعالى، ويطلب منه استخلاصَ حقه، واستيفاءه من يد
خصمه أشد مناشدة، يعرفونه بتلك العلامة الواضحة، فيُخْرِجون مَنْ
فيه تلك العلامة بدفعات على ما نطق به الحديث، وعلامةُ الذي
ما عمل خيراً، ولكن ينوي أخفى من الأول، وجريمته أكثرُ وأقوى،
فلا يعرفه المؤمن؛ لأنه إنما يَعرف العلامةَ الظاهرة، فيظن عند إخراجه
٣١٦

الذين قد عرفهم، وعدم بقاء مَنْ فيه تلك العلامة أن لا يبقى أحد من
أهل الإيمان في دَرَك النيران، فيفرح بذلك، ويحصل له سرورُ قَبولٍ
شفاعته، وسرورُ رؤيتِهِ خلاصَ إخوانه على سرور أن لا يبقى من جملة
إخوانه أحد، وإنما يعرفه الأنبياء والملائكة؛ لأن قواهم أقوى من قوى
غيرهم، واطّلاعهم على الخَفِيَّات أكثر، ومراتبهم أجلّ، فيقبل الله
تعالى شفاعتهم في أولئك، فيُخْرِجون من النار مَنْ فيه تلك العلامة
الخفیة، حتى لم يبق منهم أحد، ویحصل لهم سرور علی سرور - كما
قلنا -.
ثم بعد ذلك عند جزم كل المكلفين من الأنبياء والملائكة
والمؤمنين بعدم بقاء أحد في النار ممن يستحق الشفاعةَ، والدخولَ في
الجنة، وأن كلَّ مَنْ بقي في النار هو من أهلها، أظهر الله تعالى كمالَ
قدرته، ونهايةَ إحاطةِ علمه، وغايةَ رحمته ورأفته على خلقه، فقبضَ
بيدِ قدرته قبضةً من النار، فأخرج منها قوماً ما لهم علامةٌ، ولا يعرفها
أحد من خلقه، وبيَّن أن فيهم شيئاً من الإيمان، وهو الصنف الثالث؛
إذ ليس لهم علامة بها يُعرفون، فرحمهم، وأدخلهم الجنة، وإنما
قال: (فِي قَلْبِهِ)؛ لأن العمل الصالح المعتدّ به هو الذي يكون عن
تصميم قلبه؛ سواء فعله بجوارحه بعد التصميم، أو نواه بقلبه فقط،
ولا يخطر ببالك أن ذلك قرينة أن المراد الخير من الإيمان؛ كما سبق
إلى بعض الأذهان؛ فإن هذا التدريج والترتيب ربما يضمحلُّ عند هذا
الوهم، على أنه قد جاء مصرّحاً في حديث جابر: ((حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ
٣١٧

النَّارِ مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَكَانَ فِى قَلْبِهِ مِنَ الخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً))،
وفي غير ذلك من الأحاديث على ما يُعرف بالتتبع.
هذا غاية ما يمكن من الكلام في هذا المقام، فعليك بالتأمّل
الصافي، والتدبر الوافي؛ فإنه مقام قد زلَّت فيه الأقدام، وضلَّت فيه
أفهام، ووقع لقوم منه السلوك، وخفي على البعض كيفية السلوك،
والله المستعان، وعليه التكلان.
* وقوله: (ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبََّا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْراً) الرواية بسكون
الياء في ((خَيْراً) على أنه على حذف المضاف؛ أي: صاحب خير، ورُدَّ
بأنه لا يحتاج إلى التقدير؛ فإن الخير إذا فقد، فَقِد معه صاحبه.
وأقول: الاحتياج إلى الأصحاب لأجل أن المراد: ما تركوا في
النار أحداً فيه شيء من خير، بل أخرجوا الكل ممن كان في قلبه مثقالُ
دينار من خير، إلى من كان في قلبه مثقالُ ذرّة منه؛ كما جاء مصرحاً
في المرّات السابقة؛ حيث قالوا: (لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا أَحَداً)،
فالإضمار لأجل أن المراد: بيان صاحب الخير، لا الخير نفسه،
ويمكن أن يراد بالخير: نفسه، بلا تقدير للمضاف، ويكون على سبيل
المبالغة؛ كما في قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآية، وقد
صُحِّف (خَيِراً) - بتشديد الياء-، ويعد سهواً.
* وقوله: (أُصَيْفِرُ وَأُخَيْضِرُ) الرواية بلفظ المصغّر، وكذلك في
أبيض، ثم الواقع فيهما الرفع، وفي (أَبْيَض) النصبُ، والوجه فيه: أن
لفظة (كان) في قوله: (تَكُونُ إِلَى الحَجَرِ)، وفي قوله: (يَكُونُ إِلَى
٣١٨

الشَّمْسِ) وفي قوله: (يَكُونُ مِنْهَا إِلَى الظُّلِّ) تامة، بمعنى: يقع في
المعنى: أن الحبة تقع إلى جانب الحجر والشجر، فالذي يقع ويبيت
إلى جانب الشمس أخضر وأصفر، والذي يقع في جانب الظل أبيض،
وإن (كان) في قوله: (يَكُونُ أَبْيَضَ) ناقصة، والغرض من زيادة
(كان): الإيماءُ إلى أن يسوق الكلام إليه؛ فإن الغرض: بيان أن
أضعف ما ينبت من الحبة التي تنبت أبيض، وهي المشبه بها، فأدخل
(كان) عليه إيماء إلى ذلك، وإشعار بأن النار أثرت فيهم التأثير التام،
حتى إنهم بعد الخلاص منها، والوقوع في نهر الحياة، في غاية الضعف،
ونهاية الهزال، ولغاية خفائهم، خفي حالهم على المخلوقات، واستأثر
بمعرفة حالهم الخالقُ بکمال علمه .
وفي رواية البخاري: ((فَمَا كَانَ إِلَى الشَّمْسِ مِنْهَا، كَانَ أَخْضَرَ،
وَمَا كَانَ مِنْهَا إِلَى الظُّلِّ، كَانَ أَبْيَضَ)) بالنصِّ في الموضعين على أن
(كان) ناقصة، وروايةُ الكتاب أشملُ على الفوائد؛ فإن في التصغير،
وزيادة (كان) في الموضع المقصود، وزيادة لفظة: (مِنْهَا) فيه شواهدُ
صدق على ما ذكرنا من القصد، وهذا ظاهر.
وذكر القرطبي: أن فيه تنبيهاً على أن ما يكون إلى الجهة التي تلي
الجنة، سبق إليه البياض المستحسن، وما يكون منها إلى جهة النار،
ويتأخر ذلك النُّصُوعُ عنه، فيبقى أخيضر وأصيفر إلى أن يتلاحق
البياض، ويستوي الحسن والنور ونضارة النعمة عليهم.
* وقوله: (فِي رِقَابِهِمُ الخَوَاتِمُ) جمع خاتم؛ يعني: يجعل الله
٣١٩

تعالى في أعناق الذين يُدخلهم الجنةَ بفضله ورحمته خاصةً خواتمَ من
ذهب؛ ليكون علامة لهم، وفي ذلك إيماءٌ إلى أنه لما خفي حالهم
على الخليقة، وبقوا على الخمول، وحُبسوا في الجحيم عند خروج
أمثالهم من المؤمنين بشفاعة إخوانهم المؤمنين والملائكة والنبيين،
أعطاهم الله تعالى بدلَ ذلك نباهةَ شأن يمتازون عن غيرهم الامتياز
الظاهر، وهو الخاتم في العنق، سواء اختصاصهم عتقاء الله تعالى.
السابع: في المتابعة:
(قَرَأْتُ عَلَى عِيسَى بْنِ حَمَّدٍ) هو أبو موسى عيسى بنُ حماد
ابنِ مسلمٍ التُّجيبيُّ، مولاهم، البصريُّ.
عن الليث، وابن وهب، وابن القاسم، وجماعة.
وعنه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأخرجوا له،
وأبو زرعة، وأبو حاتم، وخلق آخرهم أحمد بن عيسى الوشَّاء.
وثقه النسائي، وأبو حاتم، والدارقطني، وقال أبو داود: لا بأس به.
وقال ابن يونس: جاوز تسعين، وهو آخر من حدّث عن الليث
من الثقات.
توفي سنة ثمان وأربعين ومئتين.
وأما (شيخه خالد)، فهو أبو عبد الرحيم خالد بن يزيد الجمحيُّ
مولاهم، البربري، ثم المصريُّ الفقیه.
عن عطاء بن أبي رباح، والزهري، وجماعة.
٣٢٠