Indexed OCR Text
Pages 101-120
الظاهر، وقيل: التكثير؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَمْ سَبْعِينَ مَّةً﴾ [التوبة: ٨٠]، و- أيضاً -: عدمُ عودهم إليه، فقيل: لا يعودون مرة أخرى إليه أبداً، والمراد: بيان كثرة الملائكة، وأنهم مع دخول كل يوم منهم في البيت المعمور سبعون ألفاً، لا تصل النوبة إلى الداخلين مرة أخرى. وقيل: لا يدخلون ذلك اليوم، والمراد: أن عبادة الملائكة فيه، ودخولهم فيه کل یوم مرة. والأولُ أظهر، ويدل عليه: ما جاء في بعض الروايات من زيادة قوله: ((فَإِذَا خَرَجُوا مِنْهُ، لَمْ يَعُودُوا فِيهِ آخِرَ ما عَلَيْهِمْ)). وإنما سمي البيت المعمور؛ لكثرة عمارته بدخول الملائكة فيه، وتعبدهم في جوفه. السابع: في السدرة المنتهى : قوله: (ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ المُتَهَى) - على الوصف -، وهو المشهور من الرواية، وفي بعضها: ((سِدْرَةِ اَلَمُنْتَهَى)) - بالإضافة -، ولكلٍّ وجهٌ. وفي ((البخاري)): ((وَرُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ المُنْتُهَى))، والمعنيان متقاربان؛ إذ الأول يدل على ذهاب جبريل - عليه السلام - إلى السدرة، والثاني على رفع الحجاب عنها، وتمكُّنه من النظر إليها . واختلاف الروايات حيث ذكر أن البيت المعمور في السماء السابعة، وذكر بعده أن جبريل ذهب به إلى السدرة المنتهى، وفي بعضها ١٠١ بعد ذكر السدرة: ((ثم رُفع لي البيتُ المعمورُ))، فقيل: من جملة سائر الاختلافات الواقعة في هذا الحديث. وقيل: كلاهما في السماء السابعة، والتقديم والتأخير في الذكر بلفظ (ثم) لأجل التفاوت في الرواية تارة، وفي المرتبة الأخرى. والسِّدْرَة: شجرة نَبَّقٍ في السماء السابعة، عن يمين العرش، ووصفت بالمنتهى؛ لأنها في منتهى الجنة وآخرها. وقيل: لأن عِلْم الملائكة ينتهي إليها، ولم يجاوزها أحد إلا رسولُ الله ◌َله، ولا يعلم أحد ما وراءها. وقيل: تنتهي إليها أرواح الشهداء. وقيل: ينتهي إليها ما يهبط من فوقها، وما يصعد من تحتها من أمر الله تعالی. فإن قلت: الظاهر من رواية الكتاب: أن السدرة المنتهى في السماء السابعة، أو فوقها، وقد جاء في ((النسائي)) من رواية يزيد ابن أبي مالك، عن أنس: ((ثُمَّ صُعِدَ بِي(١) فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، فَأَتَيْنَا سِدْرَةَ المُنْتَهَى))، وهذا تصريح بأنها فوق السماوات السبع، وقد جاء في حديث ابن مسعود، وعلى ما سيجيء أنها في السماء السادسة، فما وجهه؟ قلت: الظاهر - والله أعلم -: أن أصلها في السماء السادسة، (١) في الأصل: ((صعدنا إلى)). ١٠٢ وأغصانها وظلها في السابعة، وفوقها، على ما جاء أنها قد أظلت السماوات والجنة من هذه الروايات، لما كان المراد بيان أوراقها وثمرها، ذكر أنها في السماء السابعة وفوقها، ولما كان في حديث ابن مسعود بيان التسمية، وأن إليها ينتهي ما يعرج إليها، ذكر موضع أصلها، وهي السماء السادسة. وقيل: حديثه موقوف علیه، وحديث أنس وغيره الذي فيه بيان أنها في السابعة أو فوقها مرفوع، وهو أولى، وهذا ضعيف؛ لأنها إنما يصار إليها إذا لم يمكن الجمع . و- أيضاً -: أمثال هذه الأمور ليست مما يستقل العقل بإدراكها، فالظاهر أنه سماع من النبي - عليه السلام -، فالموقوف كالمرفوع. * وقوله: (مَا غَشِيها) تعظيم وتكثير لما يغشاها، وإيماء إلى أنها أشياء لا يكتنفها النعت، ولا يحيط بها الوصف، على ما يشير إليه بقوله: ((فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا))، ومثل هذا الإبهام أوصَلُ إلى الغرض من التصريح، وفي التنزيل: ﴿إِذْ يَغْشَى السّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦]. وقيل: يغشاها الجَمُّ الغفير من الملائكة يعبدون الله عندها. وروي عن النبي - عليه السلام -: ((رأيتُ على كلِّ ورقةٍ من ورقها مَلَكاً قائماً يُسَبح الله)). وعنه: ((يَغْشاها رَفْرَفٌ من طيرٍ خُضْر)). وعن ابن مسعود: يَغْشاها فَراشٌ من ذَهَب. ١٠٣ ، وقوله: (فَأَوْحَى اللهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى) فيه تفخيم للذي أوحي إليه، وقيل: أوحي إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك. وأما في فرض الصلاة خمسين صلاة كل يوم وليلة، ثم نسخت إلى خمس، استدل على جواز [النسخ] قبل التمكن من العمل، وعليه كلام لبعض المخالفين، وسيأتي. الثامن: فرض الصلوات، وسؤال التخفيف: * قوله: (فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى) هذا ظاهر إلى أن موسى - عليه السلام - في سماء أخرى تحت السماء التي فيها وحي ما يوحى. وفي ((البخاري) في: (المعراج): ((فَرَجَعْتُ، فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى))، وفي (كتاب التوحيد): ((ثُمَّ هَبَطَ حَتَّى بَلَغَ مُوسَى))، والمراد من الرجوع إلى الربِّ - تعالى وتقدس - الرجوع إلى موضع المناجاة، على ما جاء مصرحاً في بعض الروايات في الرجوع إلى مكان الإلحاق. وأما اختصاص موسى - عليه السلام - بذلك القول، والأمر بطلب التخفيف لأجل الأمة، فقيل: لأن في شريعته العبادات أكثر من سائر الشرائع، وأن قومه بعد إيمانهم وخلاصهم من يد القبط، أكثرُ اقتراحاً للأمور من سائر الأمم، على ما صرح في قوله: ((فَإِنِّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ))، ويؤيد ما جاء في ((النسائي)) من هذا الحديث: أن موسى - صلوات الله عليه - قال بعدما أخبره النبي - عليه السلام - باستقرار الخمس: ((فَارْجِعْ إِلَى رَبِكَ، فَاسْأَلْهُ النَّخْفِيفَ؛ فَإِنَّهُ ١٠٤ فَرَضَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ صَلاَتَيْنِ، فَمَا قَامُوا [ِبِهِمَا])). وقيل: لأن موسى - صلوات الله عليه - كان في السماء السابعة، وكان أول الأنبياء ملاقاة في المراجعة. وهو ضعيف؛ فإن الصحيح أن موسى كان في السماء السادسة، وإبراهيم - عليه السلام - في السابعة، فالوجهُ ما ذكرنا. وفي حديث أبي هريرة على ما في البزار: أن النبي - عليه السلام - قال: ((كانَ موسى - عليهِ السلامُ أَشَدَّهُمْ عَلَيَّ أَوَّلاً، وَخَيْرَهُمْ لِي آخِراً» . التاسع: في الجمع بين الروايات الواقعة في هذا: * قوله: (قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِ حَتَّى اسْتَخْیَيْتُ مِنْهُ) ربما یعارض على ذلك برواية شَريك؛ حيث قال: (فرجع النبي - عليه السلام - إلى الله تعالى بعد بلوغ فرض الصلاة إلى الخمس، فقال: يَا رَبِّ! إِنَّ أُمَّتِى ضُعَفَاءُ أَجْسَادُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ، فَخَفِّفْ عَنَّا). ويجاب: بأنه من جملة زيادات شريك في الرواية، والحق أن في رواية شريك: أن الرسول - عليه السلام - لما طلب التخفيف في الخامسة، قال الجبار - جل جلاله -: ((يَا مُحَمَّدُ! قَالَ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: إِنَّهُ لاَ يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ، كَمَا فَرَضْتُ عَلَيْكَ فِي أُمّ الكِتَابِ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا، فَهْيَ خَمْسُونَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ، وَهْيَ خَمْسٌ عَلَيْكَ))، فقوله في الكتاب: ((وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا ... )) إلى آخره، بيانُ ما جاء في رواية شريك بلا خلاف في المعنى، غير أنه ما صرَّح بالرجوع كرَّة خامسة، بل ذكر الجواب مع جواب المرة الرابعة اختصاراً. ١٠٥ نعم، في رواية شريك: أن النبي - عليه السلام - لمَّا أخبر موسى - عليه السلام - بفرض الصلوات الخمس، قال موسى: ((قَدْ - وَاللهِ - رَاوَدْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ، فَتَرَكُوهُ، ارْجِعْ إِلَى رَبِكَ، فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ أَيْضاً. قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: يَا مُوسَى! قَدْ - وَاللهِ - اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِي مِمَّا اخْتَلَفْتُ إِلَيْهِ)»، فجواب النبي - عليه السلام - لموسى - عليه السلام - بالاستحياء، إنما هو في أمره له بالرجوع مرة خامسة، في الرواية المشهورة، وسادسة في رواية شريك، ويؤيد رواية شريك في أن النبي - عليه السلام - راجع ربَّه بعد بلوغ الصلوات إلى الخمس: ما أخرجه النسائي من رواية يزيد بن أبي مالك، عن أنس: أن موسى - عليه السلام - لمَّا أمر النبيَّ - عليه السلام - بالرجوع بعد الخامسة، قال: فرجعتُ إلى ربي ◌ّ، فسألته التخفيفَ، فقالَ: ((إِنِّي يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فَرَضْتُ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ خَمْسِينَ صَلاَةٌ، فَخَمْسٌ بِخَمْسِينَ، فَقُمْ بِهَا أَنْتَ وَأُمَّتُكَ، فَعَرَفْتُ أَنَّهَا مِنْ اللّهِ [صِرَّى]، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمِ، فَقَالَ: ارْجِعْ، فَعَرَفْتُ أَنَّهَا مِنْ اللّهِ [صِرَّى] - أَيْ: حَتْمٌ -، فَلَمْ أَرْجِعْ)). وفي هذه الرواية - أيضاً -: بيان أن النبي - عليه السلام - لم يزل يراجع ربه حتى علم أن الخمس محتوم، وأنها بمنزلة خمسين، لكل واحد عشراً، ويدل عليه سائر الروايات - أيضاً -، فهو رد على مَنْ ذهب إلى وجوب الوتر، فإنها لو كانت واجبة، لكانت الصلوات المقررة ستين؛ إذ كل واحدة بعشر، وهو ظاهر. ١٠٦ العاشر: في قوله: (قال الشيخ أبو أحمد): الأحسنُ أن يُكتب هذا في حاشية الكتاب، كما في بعض النسخ؛ لأنه ليس من هذا الكتاب، ولا من كلام مسلم - رحمه الله -، بل فائدة رواها عبد الغافر الفارسي، الراوي لهذا الكتاب عن شيخه الجُلُودِيّ. وأبو أحمد کنیته، a والمعنى: أن الجُلُودِيّ ذكر أن هذه الرواية حدثه بها - أيضاً - أبو العباس الماسرجسي، عن سفيان بن فروخ، فيكون قد سمع هذه الرواية عن غير ابن سفيان، عن مسلم، بل رتبته فيها رتبة شيخه إبراهيم بن سفيان؛ لأن بينه وبين سفيان بن فروخ في هذه الرواية واسطة واحدة، وهو الماسرجسي، ومسلم، فالجُلودِيّ ساوى شيخه في هذه الرواية. الحادي عشر: في شرح حديثه : قوله: (أَتِيتُ فَانْطَلَقُوا) الشرح في الأصل: الكشف، ومنه: شرح اللحم، وشرح المشكل، ویتعدی بنفسه، وفي تعدیته بـ (عن) زيادة مثل إلى معنى الكشف؛ لأنه معدَّى بـ (عن) - أيضاً -. وفيه إيماء - أيضاً - إلى معنى الزيادة والإزالة، كأنه قال: فأزيل عن صدري بعد كشفه ورؤيته ما فيه من العلقة، ثم غسل بعد إزالة ذلك بماء زمزم، ففي إيراد (عن) إيماء إلى هذه المعاني، ولو قيل: فشرح صدري، لم یکن فيه ذلك، فتدبر . * وقوله: (ثُمَّ أُنْزِلْتُ) الرواية على بناء المفعول وسكون اللام ورفع التاء، والظاهر: أنه إيماء إلى رجوعه إلى مكانه الذي كان فيه، ١٠٧ كأنهم أخذوه راكباً، ثم ردوه كذلك إلى مكانه، وتركوه، أو إشارة إلى رجوعه إلى مكانه بعد العروج به، والمعنى: فانطلقوا بي، وأزيل عن صدري ما كان فيه من الأمور المنافية، ثم غسل بماء زمزم، ثم عرج بي إلى السماء، ثم أنزلت، فتكون هذه الرواية مختصرة من التي تأتي بعدها من رواية أبي ذر، ويحتمل أن يكون بمعنى: تركت؛ من أنزل له عن كذا بمعنى: تركه له، ومنه قول ذي الرمة لجرير: انزل لي عن هذه الأبيات. وأما القول بأن الرواية: (تُركْت)، وأن (أنزلت) تصحيف، مع اتفاق جميع نسخ الأصول على ذلك، بعيدٌ جداً. وأما رواية البَرقاني، وهي: (أَنْزِلَتْ) - بفتح اللام وسكون التاء - (عَلَيَّ) - بتشديد الياء - (طَسْت مِنْ ذَهَبٍ)، فلا تصلح مصححاً لرواية الكتاب؛ لأنه يؤدي إلى القول بكثرة الحذف، وبالتغيير، وهو بعيد، وإيراد الفعل الذي يحصل منه التباس بدون ذکر المسند إليه، ليس من باب الاختصار. ومنهم من زعم: أن رواية البرقاني: (ثُمَّ أُنْزِلْتُ) بفعل المتكلم، و(على طسْتٍ) - بالجر -؛ أي: أُدخلت في طست، والمراد: القلب، ذِكْراً للبدن، وإرادة القلب، وهو بعيد. * وقوله: (أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ(١)) فیه: دليل على أن الموكَّلَ بالنبي - عليه السلام - من أول أمره، بل من أول صباه، هو (١) في الأصل: ((مع الصبيان)). ١٠٨ جبريل - عليه السلام -، وأنه أتاه في الصغر، لكن إتيانه بالوحي إنما یکون بعد استکمال سنّه. وفي رواية عبد ربه بن سعيد، عن البناني، عن أنس بن مالك: (أَنَّ الصَّلَوَاتِ فُرِضَتْ بِمَكَّةَ، وَأَنَّ مَلَكَيْنِ أَنْيَا رَسُولَ اللهِوَهِ، فَذَهَبَا بِهِ إِلَى زَمْزَمَ، فَشَقَّا بَطْنَهُ، وَأَخْرَجَا حَشْوَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَغَسَلاَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ [كَبَسَا] جَوْفَهُ حِكْمَةً وَعِلْماً)) أخرجهما النسائي. وسيجيء في حديث شريك عن أنس: أنه قال: ((لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِّهِ مِنْ مَسْجِدِ الكَعْبَةِ أَنَّهُ جَاءَهُ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ)) . وفي حديث مالك بن صعصعة - على ما سيجيء أيضاً -: ((بَيْنَا أَنَا فِي الحَطِيمِ - وَرُبَّمَا قَالَ: فِي الحِجْرِ - بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْطَانِ، إِذْ أَتَانِي آتٍ، فَشَقَّ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ»، الحديث، ففي هذه الأحاديث التصريحُ بأن شق البطن كان بمكة في المسجد الحرام. وكذا حديث أبي ذر على ما سيجيء. وحديث أبي بن كعب على ما سيجيء. وحديث أنس من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عنہ صريحٌ في أن الشق كان في وقت كون النبي - عليه السلام - في بني سعد، وكان يلعب مع الصبيان، فلما أخذ يشق بطنه، جاء الغلمان إلى ظئره. وجاء في حديث حليمة بنت الحارث: قَالَتْ: فَبَيْنَا هُوَ - تعني: النبيَّ عليه السلام - يَلْعَبُ وَأَخُوهُ - تعني: ابنها - يَوْماً خَلْفَ الْبُيُوتِ ١٠٩ [يَرْعَيَانِ بَهْماً لَنَا]، إِذْ جَاءَنَا أَخُوهُ يَشْتَدُّ، فَقَالَ لِي وَلْأَبِيِهِ: أَدْرِكَا أَخِي القُرَشِيَّ، قَدْ جَاءَهُ رَجُلانِ فَأَضْجَعَاهُ، فَشَقًّا بَطْنَهُ، فَخَرَجْنَا نَحْوَهُ نَشْتَدُّ، فَانْتُهَيْنَا إِلَيْهِ وَهُوَ قَائِمٌ مُنْتَقِعٌ لَوْنُهُ، فَاعْتَنَقَهُ أَبُوهُ، وَاعْتَنَقْتُهُ، ثُمَّ قُلْنَا: مَا لَكَ أَيْ بُنَّ؟ قَالَ: ((أَتَانِي رَجُلانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، فَأَضْجَعَانِي، ثُمَّ شَقًّا بَطْنِي، فَوَاللهِ! مَا أَدْرِي مَا صَنَعَا))، قَالَتْ: فَاحْتَمَلْنَهُ، فَرَجَعْنَا بِهِ. رواه أبو يعلى، والطبراني، ورجاله ثقات. وحديث عتبة بن عَبْدِ السُّلمي: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ: كَيْفَ كَانَ أَوَّلُ شَأْنِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «كَانَتْ حَاضِنَتَي مِنْ يَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَابْنٌّ لَهَا فِي بَهْمٍ لَنَا، وَلَمْ نَأْخُذْ مَعَنَا زَاداً، فَقُلْتُ: يَا أَخِي! اذْهَبْ فَأْتِنَا بِزَادٍ مِنْ عِنْدِ أُمِّنَا، فَانْطَلَقَ أَخِي، وَمَكَثْتُ عِنْدَ البَهْمِ، فَأَقْبَلَ طَيْرَانِ أَبْتَضَانٍ كَأَنَّهُمَا نَسْرَانٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَهُوَ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَقْبَلاَ يَبْتَدِرَانِي، فَأَخَذَانِي فَبَطَحَانِي إِلَى القَفَا، فَشَقَّا بَطْنِي، ثُمَّ اسْتَخْرَجَا قَلْبِي، فَشَقَّهُ فَأَخْرَجَا مِنْهُ عَلَقَتَيْنِ سَوْدَاوَيْنِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اثْنِي بِمَاءِ ثَلْجِ، فَغَسَلاَ بِهِ جَوْفِي، ثُمَّ قَالَ: اثْنِي بِمَاءِ بَرَدٍ، فَغَسَلاً بِهِ قَلْبِي، ثُمَّ قَالَ: اثْتِي بِالسَّكِينَةِ، فَذَرَّاهَا فِي قَلْبِيٍ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: حِصْهُ، فَخَاصَهُ، وَخَتَمَ عَلَيْهِ بِخَاتَمِ النُُّؤَّةِ» رواه أحمد، والطبراني، وإسناده حسن. وحديث أبي هريرة: أنه سأل النبيَّ - عليه السلام - عن أمره، فقال: ((إني ابنُ عشرٍ سنينَ وأَشْهُرِ، وإذا بكلام فوق رأسي، وإذا برجلٍ يقول لرجل: أهو هو؟ قال: نعم، فاستقبلاني بوجوهٍ لم أرَها لِخَلْقِ ١١٠ قَطُ، وأرواحٍ لم أجِدْها مِنْ خَلْقٍ قَطُ، وثيابٍ لَمْ أَرَها على أحدٍ قَطُّ، فأقبلا إليَّ يمشيانِ، حتى أخذَ كلُّ واحدٍ منهما بعَضُدي، لا أجدُ لأخذهما مَسّاً، فقال أحدُهما لصاحبه: أضجِعْه، فأضجعاني بلا قَصْرِ ولا هَصْر، فقال أحدُهما لصاحبه: افلقْ صَدْرَه، فَهَوى أحدُهما إلى صَدْرِي فَفَلقها فيما أرى بلا دَمٍ ولا وَجَع، فقال له: أخرجِ الغِلَّ والحَسَدَ، فأخرجَ شيئاً كهيئة العَلَقَة، ثم نَبَذَها فَطَرحها، فقال له: أَدْخِلِ الرحْمَةَ والرَّأفةَ، فإذا مثلُ الذي أخرج شبيه الفِضَّة، ثم هَزَّ إبهامَ رِجْلي اليمنى، فقال: اغدُ واسْلَم، فرجعتُ بها أغْدُو بها رِقَّةً على الصغير، ورحمةً على الكبير)) رواه عبدالله بن أحمد، ورجاله ثقات. وفي إيراد (عَنْ) في قوله: (فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ) - أيضاً -: إيماء إلى معنى الإزالة -؛ على ما مَرَّ -؛ حيث لم يقل: فشق قلبه؛ لأن الغرض: بيان شق موضع القلب، وإخراجه، لا شق القلب، فالمعنى: فكشف اللحم، وأزاله عن قلبه بالشق، فأخرج قلبه، ولما كان القلب يطلق على اللحم الصنوبري الذي هو مكان القلب بمعنى الروح والقوة المدركة، وقد شق هو - أيضاً -، كرر الاستخراج؛ ليعلم أن جبريل - عليه السلام - شق أولاً صدره، فاستخرج القلب؛ أي: اللحم الصنوبرية، ثم شقه - أيضاً -، واستخرج منه العلقة التي [أراد] أن تستخرج منه، فأومأ إلى الأول بلفظة (عَنْ)، وإلى الثاني بتكرير الاستخراج، فتأمل، ولا يذهبْ وَهَلُكَ بأن معنى قوله: ((فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ)) بمعنى : شق قلبه. ١١١ * وقوله: (فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً) بدل من قوله: (فَاسْتَخْرَجَ القَلْبَ) على ما سبق إلى بعض الأوهام، فإنه قول يطرح أشياء مذكورة مفيدة لا وجه في طرحها - على ما لا يخفى .. * قوله: (ثُمَّ غَسَلَهُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ) الظاهر: أن هذا الكلام من شق الصدر، واستخراج القلب منه، وغسله في طست من الذهب بماء زمزم على الحقيقة؛ لأن جميع ذلك من الأمور الممكنة، وقد أخبر بها الصادق الأمين، فوجب الاعتقاد به، ولا يَستبعد ذلك أن شق الصدر وإخراجَ القلب موجبٌ للموت، فإن ذلك أمر عادي، وكان جُلُّ أحواله ◌َله خارقاً للعادة؛ إِمَّا معجزة، وإِمَّا كرامة . والظاهر: أن الطست كانت من آنية الجنة؛ إذ لم ينقل أنه لأحد من أهل مكة، و - أيضاً -: المناسب لكرامة النبي - عليه السلام - أن تکون تلك من آنیتها . وفيه - أيضاً -: بيان شرف ماء زمزم؛ حيث اختص بغسل قلب سيد المرسلين. وأما ما جاء في بعض الروايات: (من ماء زمزم)، فبمعنى الأول؛ إذ الابتدائيةُ فيها معنى الإلصاق. وأما كونُ الطست ممتلئة إيماناً وحكمة، فعلى المجاز، كذا ذكره النووي. ويحتمل أن تكون الطست مملوءة من ماء زمزم، فغسل قلبه من ١١٢ ذلك الماء، ثم أفرغ الباقي في جوفه، فامتلأ إيماناً وحكمة، وعلى هذا فقوله: (مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ) بلفظ (مِنْ) دون الباء، والمعنى: أن جبريل - عليه السلام - لمَّا غسل قلبه من ذلك الماء، فرغ بقية ماء الطست في جوفه، ومسح بها سائر مواضع جوفه وعروقه، لينقل الماء في جميع بدنه، فحصل بذلك الإيمان والحكمة، ولا غرو في ذلك؛ فإن ماء زمزم التي هي من معجزات إسماعيل - عليه السلام - إذا مسح به ملكٌ أمين جوفَ نبي مرسلٍ أمين، لا شك في حصول الخير والحكمة والإيمان من ذلك، وزيادة طمأنينة القلب به، وبهذا يحمل اختصاص فضل وضوء نبينا - عليه السلام - بكونه مظهرَ الغرائب، ومعدِنَ العجائب على ما وردت الأخبار الصحيحة بذلك، وكذا عرقُه - عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات -. وقيل: الطست مملوءة من ماء الحياة، وصبت في قلبه - عليه السلام -، فامتلأ إيماناً وحكمة؛ إذ بها تحصل حياة القلوب. وفي ((صحيح البخاري)) عن شريك: ((فَشَقَّ جِبْرِيلُ مَا بَيْنَ نَحْرِهِ إِلَى لَبَّتِهِ، حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَدْرِهِ وَجَوْفِهِ، فَغَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ بِيَدِهِ، حَتَّی أَنْقَى جَوْفَهُ، ثُمَّ أَتِيَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ تَوْرٌ مِنْ ذَهَبٍ مَحْشُوّاً إِيمَاناً وَحِكْمَةً، فَحَشَا بِهِ صَدْرَهُ وَلَغَادِيدَهُ - يَعْنِي: عُرُوقَ حَلْقِهِ -، ثُمَّ أَطْبَقَهُ)). وأما ما يقال: إن شق الصدر، وإخراج القلب وغسله بالماء غسلات لتأييد جبريل - عليه السلام - وإمداده بالوحي، وحصول الكمالات النفسانية بسبب نزوله، فلا ضرورة إلى المصير إليه مع ١١٣ . إمكان الحقيقة، وورود الأخبار الصحيحة فيه. وقول أنس ظه: (وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ المِخْيَطِ) - بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الياء -؛ أي: الإبرة في صدره، [ ... ] يكون ذلك على الحقيقة، ودفع بصدر من يُلْحد في صفات رسول الله وَّةِ، ونِعْمَ ما قال الأصمعي حين سُئل عن معنى قوله - عليه السلام -: ((إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي)) الحديث: أنه لو كان عن قول غير النبي - عليه السلام -، لقلت فيه شيئاً، ولكن لما كان عن قلبه - عليه السلام -، فالواجب تركُ الفضول، والاكتفاءُ بالخير الموصول، والإيمان بما نزل، والاحتراز عن التمحلات والجدل. فإن قلت: رواية ثابت عن أنس تدل صريحاً على أن هذه القضية في صغر النبي - عليه السلام -؛ حيث قال: ((وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الِغِلْمَانِ))، وكذا حديث حليمة، وعتبة، وأبي هريرة - على ما مَرَّ -، ورواية قتادة عنه، وحديث المآدب وسائر الروايات تدل على أنها في الكبر، بل بعد البعثة؛ حيث قال: ((ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَعَرَجَ بِي))، وقوله: ((ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ))، وغير ذلك، فما وجه التوفيق؟ قلت: هذا - أيضاً - من جملة ما سبق من أن الواجب الإذعان والإيمان بما ورد، والاحتراز عن الخوض بالقبول والرد. ولكن الخائضين قال بعضهم: ذلك مرتين، ثم اختلفوا، فبعضهم ذهب إلى أن الشيء في حالة الصغر في اليقظة، والأخرى في المنام، مستدلاً بما ورد في الأولى، في رواية ثابت: (وَجَاءَ الغِلْمَانُ ١١٤ [يَسْعَوْنَ] إِلَى أُمِّهِ - يَعْنِي: ظِئْرَهُ -، فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّداً قَدْ قُتِلَ. فاسْتَقبَلُوهُ، وَهُوَ مُنتَقعُ اللوْنِ)، وبما ورد في الثانية من رواية شريك: (وَهْوَ نَائِمٌ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ). وقال بعضهم: ذلك مرة واحدة، وهو قوله: ((ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ)) لا يقتضي كونَ العروج بعد إفراغ الطست بمدة قليلة، فضلاً عن أن يدل على أنها في ذلك اليوم، أو تلك الليلة؛ لأن (ثم) للتراخي، ورواية شريك ليست بقوية عند أرباب النقل - على ما مَرَّ -، والوجه الأوسط أظهر؛ نظراً إلى ظاهر الروايات، والله تعالى عالم الستر والخفيات، وسيجيء لهذه زيادة بيان - إن شاء الله تعالى -. * وقوله: (يَعْنِي: ظِئْرَهُ) - بكسر الظاء المعجمة وسكون الهمزة -: المرضعة، قيل: ثويبة - بضم المثلثة - مولاة أبي لهب، والأصحّ أنها حليمةُ بنتُ أبي ذؤيبٍ عبدِالله بنِ الحارث، السعديةُ، ويؤيده ما مَرَّ من حديثها . * وقوله: (مُنْتَقَعُ اللّوْنِ) - بضم الميم وسكون النون وفتح التاء المثناة الفوقانية وفتح القاف -؛ أي: متغير اللون، يقال: انْتُقِعَ لونُه: إذا تغير من حزن أو فزع، وفي معناه: امْتُقِعَ - بالميم بدل النون -، فهو مُمْتَقَعٌ، وابْتُقعَ - بالباء بدلها -، فهو مُبْتَقَع، والقاف مفتوحة في اللغات الثلاث. الثاني عشر: في بيان ما في رواية شريك من الزيادة والنقصان: وقد عرفت رواية ثابت البناني لهذا الحديث، وستجيء رواية ١١٥ قتادة - أيضاً -، ونذكر رواية شريك؛ حتى يظهر ما فيها من التفاوت. قال شَريك بنُ عبدالله بن أبي نمر: إنه سمع أنس بن مالك يَقُولُ: لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِلَّهِ مِنْ مَسْجِدِ الكَعْبَةِ: أَنَّهُ جَاءَهُ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، وَهْوَ نَائِمٌ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، فَقَالَ أَوَّلُهُمْ: أَّهُمْ هُوَ؟ فَقَالَ: أَوْسَطُهُمْ: هُوَ خَيْرُهُمْ. فَقَالَ آخِرُهُمْ: خُذُوا خَيْرَهُمْ. فَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَرَهُمْ حَتَّى أَتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرَى فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ، وَتَنَامُ عَيْثُ وَلاَ يَنَامُ قَلْبُهُ، وَكَذَلِكَ الأَنْبِيَّاءُ تَنَامُ أَعْنُهُمْ وَلاَ تَنَامُ قُلُوبُهُمْ، فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ حَتَّى احْتَمَلُوهُ، فَوَضَعُوهُ عِنْدَ بِثْرِ زَمْزَمَ، فَتَوَلاَهُ مِنْهُمْ جِبْرِيلُ، فَشَقَّ جِبْرِيلُ مَا بَيْنَ نَحْرِهِ إِلَى لَبِّهِ، حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَدْرِهِ وَجَوْفِهِ، فَغَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ بِيَدِهِ، حَتَّى أَنْقَى جَوْفَهُ، ثُمَّ أُنِّيَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ تَوْرٌ مِنْ ذَهَبٍ، مَحْشُوْاً إِيمَاناً وَحِكْمَةً، فَحَشَا بِهِ صَدْرَهُ وَلَغَادِيدَهُ - يَعْنِي: عُرُوقَ حَلْقِهِ -، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيًا، فَضَرَبَ بَاباً مِنْ أَبْوَابِهَا، فَنَادَاهُ أَهْلُ السَّمَاءِ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: حِبْرِيلُ. قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مَعِي مُحَمَّدٌ، قَالَ: وَقَدْ بُعِثَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: فَمَرْحَباً بِهِ وَأَهْلاً، فَيَسْتَبْشِرُ بِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ، لاَ يَعْلَمُ أَهْلُ السَّمَاءِ بِمَا يُرِيدُ اللهُ بِهِ فِي الأَرْضِ حَتَّى يُعْلِمَهُمْ، فَوَجَدَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا آدَمَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَذَا أَبُوَ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَرَدَّ عَلَيْهِ آدَمُ، وَقَالَ: مَرْحَباً وَأَهْلاً بِابْنِي، نِعْمَ الإِبْنُ أَنْتَ، فَإِذَا هُوَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا بِنَهَرَيْنِ يَطَّرِدَانٍ، فَقَالَ: مَا هَذَانِ النَّهَرَانِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا النِّيلُ وَالفُرَاتُ عُنْصُرُهُمَا، ثُمَّ مَضَى بِهِ فِي السَّمَاءِ، فَإِذَا هُوَ بِنَهَرٍ آخَرَ عَلَيْهِ قَصْرٌ مِنْ ١١٦ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ، فَضَرَبَ يَدَهُ، فَإِذَا هُوَ مِسْكٌ، قَالَ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الكَوْثَرُ الَّذِي خَبَأَ لَكَ رَبُّكَ، ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَتِ المَلاَئِكَةُ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتْ لَهُ الأُولَى: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قَالُوا: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ ◌َِ. قَالُوا: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالُوا: مَرْحَباً بِهِ وَأَهْلاً. ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، وَقَالُوا لَهُ مِثْلَ مَا قَالَتِ الأُولَى وَالثَّانِيَةُ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى الرَّابِعَةِ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الخَامِسَةِ، فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، كُلُّ سَمَاءٍ فِيهَا أَنْبِيَاءُ قَدْ سَمَّاهُمْ، فَأَوْعَيْتُ مِنْهُمْ: إِدْرِيسَ فِي الثَّانِيَةِ، وَهَارُونَ فِي الرَّابِعَةِ، وَآخَرَ فِي الخَامِسَةِ لَمْ أَحْفَظِ اسْمَهُ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّادِسَةِ، وَمُوسَى فِي السَّابِعَةِ بِتَفْضِيلِ كَلاَمِ اللهِ، فَقَالَ مُوسَى: رَبِّ! لَمْ أَظُنَّ أَنْ يُرْفَعَ عَلَيَّ أَحَدٌ. ثُمَّ عَلَاَ بِهِ فَوْقَ ذَلِكَ بِمَا لاَ يَعْلَمُهُ إِلَّ اللهُ، حَتَّى جَاءَ سِدْرَةَ المُنْتُهَى، وَدَنَا الجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى، حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى اللهُ فِيمَا أَوْحَى إِلَيْهِ خَمْسِينَ صَلَةً عَلَى أُمَّتِكَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثُمَّ هَبَطَ حَتَّى بَلَغَ مُوسَى، فَاحْتَبَسَهُ مُوسَى، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدًا مَاذَا عَهِدَ إِلَيْكَ رَبُّكَ؟ قَالَ: عَهِدَ إِلَيَّ خَمْسِينَ صَلَةً كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَّ وَعَنْهُمْ، فَالتَّفَتَ النَّبِيَّ ◌َهُ إِلَى جِبْرِيلَ كَأَنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ فِي ذَلِكَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ: أَنْ نَعَمْ، إِنْ شِئْتَ، فَعَلاَ بِهِ إِلَى الجَبَّارِ، فَقَالَ وَهْوَ مَكَانَهُ: يَا رَبِّ! خَفِّفْ ١١٧ عَنَّا؛ فَإِنَّ أُمَّتِي لاَ تَسْتَطِيعُ هَذَا، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُوسَى فَاحْتَبَسَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهُ مُوسَى إِلَى رَبِهِ حَتَّى صَارَتْ إِلَى خَمْسٍٍ صَلَوَاتٍ، ثُمَّ احْتَبَسَهُ مُوسَى عِنْدَ الخَمْسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! وَاللهِ! لَقَدْ رَاوَدْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَوْمِي عَلَى أَدْنَى مِنْ هَذَا، فَضَعُفُوا فَتَرَكُوهُ، فَأُمَّتُّكَ أَضْعَفُ أَجْسَاداً وَقُلُوباً وَأَبْدَاناً وَأَبْصَاراً وَأَسْمَاعاً، فَارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ، كُلَّ ذَلِكَ يَلْتَفِتُ النَّبِيَّ ◌َهُ إِلَى جِبْرِيلَ لِيُشِيرَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَكْرَهُ ذَلِكَ جِبْرِيلُ، فَرَفَعَهُ عِنْدَ الخَامِسَةِ، فَقَالَ: يَا رَبِّ! إِنَّ أُمَّتِي ضُعَفَاءُ أَجْسَادُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ، فَخَفِّفْ عَنَّا، فَقَالَ: الجَبَّارُ: يَا مُحَمَّدُ! قَالَ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: إِنَّهُ لاَ يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ، كَمَا فَرَضْتُ عَلَيْكَ فِي أُمِّ الكِتَابِ - قَالَ - فَكُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا، فَهْيَ خَمْسُونَ فِي أُمِّ الكِتَابِ، وَهْيَ خَمْسٌ عَلَيْكَ، فَرَجَعَ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: كَيْفَ فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: ((خَفَّفَ عَنَّا، أَعْطَانَا بِكُلٌّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا))، قَالَ مُوسَى: قَدْ وَاللهِ! رَاوَدْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ، فَتَرَكُوهُ، ارْجِعْ إِلَى رَبِكَ، فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ - أَيْضاً -، قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((يَا مُوسَى! قَدْ وَاللهِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِي مِمَّ اخْتَلَفْتُ إِلَيْهِ»، قَالَ: فَاهْبِطْ بِاسْمِ اللهِ، قَالَ: وَاسْتَيْقَظَ وَهْوَ فِي مَسْجِدِ الحَرَامِ»، هذا لفظ البخاري. وما أخرج مسلم من رواية شريك إلا قدر ما مَرَّ، ولا يخفى بُعْدُ التأويل في هذه الرواية. وروايةُ ثابت وقتادةَ ما في هذه الرواية من الزيادة؛ من جَعْلٍ ذلك في المنام، ومكة، ثم مجيء النفر الثلاثة من ١١٨ الليالي الثلاثة، وذكر الكوثر في السماء الدنيا، [و]مخاطبة النبي - عليه السلام - لرب العزة، ومشاورته مع جبريل، ومراجعته بعد الخمس، وما فيها من التصرف في ترك قصة شق البطن في الصغر، وترك ذكر الأنبياء في السماوات، وترك ذكر حال السدرة وأبوابها، ودخول الملائكة فيها، وفي التقديم والتأخير في ترتيب الأنبياء في السماوات، وغير ذلك، والله الموفق. ٤٣٣ - (١٦٣ / ٢٦٣) - وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى النُّجِيبِيُّ، أَخْبَرَنَاَ ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرِّ يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قَالَ: ((فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئْ حِكْمَةً وَإِمَاناً، فَأَفْرَغَهَا فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا جِئْنَاً السَّمَاءَ الدُّنْيَا، قَالَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِخَازِنِ السَّمَاءِ الدُّنْيًّا: اقْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ، قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِيَ مُحَمَّدٌ ◌َِ، قَالَ: فَأُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَفَتَحَ، - قَالَ : - فَلَمَّا عَلَوْنَ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُلٌ عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ - قَالَ : - فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ، ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ، بَكَى، - قَالَ : - فَقَالَ: مَرْحَباً بِالنَّبِيَّ الصَّالِحِ، وَالإِبْنِ الصَّالِحِ، - قَالَ : - ١١٩ قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ! مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَتِهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ أَهْلُ الجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ، ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ، بَكَى، - قَالَ : - ثُمَّ عَرَجَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ لِخَازِهَا: اقْتَحْ، - قَالَ : - فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا: مِثْلَ مَا قَالَ خَازِنُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَفَتَحَ)). فَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكِ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ: آدَمَ، وَإِدْرِيسَ، وَعِيسَى، وَمُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -، وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَُّ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ وَجَدَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ - فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، قَالَ: ((فَلَمَّا مَرَّ حِبْرِيلُ وَرَسُولُ اللهِ لَهَ بِدْرِيسَ - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - قَالَ: مَرْحَباً بِالنَّبِيَّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ، - قَالَ : - ثُمَّ مَرَّ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ - قَالَ : - ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَقَالَ: مَرْحَباً بِالنَّبِيَّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ، - قَالَ : - قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُوسَى - قَالَ : - ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى، فَقَالَ: مَرْحَباً بِالنَّبِيَّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، - قَالَ : - ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلاَمُ -، فَقَالَ: مَرْحَباً بِالنَّبِيَّ الصَّالِحِ وَالإِبْنِ الصَّالِحِ -، قَالَ : - قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمٌ)). قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا حَبَّةً الأَنْصَارِيَّ كَانَ يَقُولَانِ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((ثُمَّ عَرَجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ ١٢٠