Indexed OCR Text

Pages 21-40

والجد في الأمر؛ ليكون توجهه إلى سماع كلامه، والتفطن لما يلقى
إليه أتمَّ وأكثر، وليزول عنه ما كان من خواص البشرية من الغفلة،
وأخذ الأمر بسهولة ومداراة.
و- أيضاً -: فيه إيماء أن الواجب على قائل الوحي أن ينسلخ عن
مألوفات الطبيعة من الدعة والراحة، وأن يوطن نفسه بمقاساة الشدائد؛
فإن مرتبة الرسالة مرتبة عظيمة، لا يصل إلى مناحيها، ولا يرتقي إلى
ذروتها إلا الراسخ في [ ... ] الفوائد، الخائض في غمرات الشدائد.
وبتثليث الغط إشارة إلى إتمام القابلية؛ لأن الهواجس الظاهرة
تخرج بالأول، والبارزة من وجهٍ الخفية من وجهٍ بالثاني، والمكنونة
من كل وجه بالثالث.
وفيه: رمز إلى أن هذه المرتبة العلية، والدرجة الرفيعة لا بد فيها
من اقتحام المخاوف؛ في الأول من معاداة أعداء الدين، وإظهار
عداوتهم للسالكين في مسالك اليقين، والصبر على لجاجهم وتماديهم
في الغَيّ، ودخول المساكين والفقراء والأباعد في الدين، وبقاء
الرؤساء والأشراف والأقارب على الضلال، وغير ذلك من المشاق.
ومن القيام على أداء الشكر في الوسط، فبظهور دين الحق على
الأديان، وانكسار شوكة أهل الكفر والطغيان، ودخول الناس في دين الله
أفواجاً، وصيرورة الهدى(١) سُبلاً ومنهاجاً، ومن الاعتناء في الآخر في
استخلاص أمر الإجابة، والإخراج من الغم والحسرة والندامة يوم
(١) في الأصل: ((الضلال)).
٢١

القيامة، وإدخالهم في دار الكرامة بالطلب من رب العزة بالشفاعة.
وبالجملة: فإن حمل أعباء الرسالة، والقيام بمواجب النبوة، أمرٌ
عظيم، وخطب جليل؛ فإن جميع الناس تصير عياله، والواجبُ عليه
القيامُ بحقوقهم في دارَي الفناء والبقاء، وطلب النجاة لهم، وحصول
الوصول إلى النعيم، ومحافظة أمورهم، ومداومة إرشادهم، وتوجُّه
الهمة إلى فوزهم في الأول والوسط والآخر.
وقيل: إشارة إلى الشدائد الثلاث التي ابتُلي بها؛ من الشدة والجوع
في الشِّعْب، حين تعاقدت قريش على عدم التعامل معهم، والتوصل
إليهم من الخوف والإيعاد بالقتل ونحوه، ومن الإجلاء من أحب
الأوطان، ولا شك أن للتثليث في تمكن الأمر وتقرره مدخلاً لیس
يخفى، ولهذا يكرر النبي - عليه السلام - الكلمة ثلاثاً إذا تكلم بها.
واستنبط شريح القاضي من ذلك: أنه لا يضرب الصبيُّ على القرآن
إلا ثلاثاً، كما غطَّ جبريلُ رسولَ الله ثلاثاً.
، قوله: (حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدَ)، والجُهْدُ روي مرفوعاً ومنصوباً،
وفي الجيم الضمُّ، والفتحُ لغةٌ، ومعناه: غاية المشقة، وقيل: بالفتح:
المشقة، وبالضم: الطاقة، وقيل: الفتح في القوة، والضم في العمل،
وقيل: هما بمعنى واحد، والمعنى: بلغ الجهد مني مبلغه، أو بلغ
المَلَكُ مني الجهدَ. وفي اختيار لفظة الجهد إيماءٌ إلى المعنيين، مع أن
فيه مناسبة بمعنى الاجتهاد، كما أن في الإرسال الذي المرادُ منه
الإطلاقُ إيماءً إلى معنى الرسالة.
٢٢

الخامس: في قوله: (﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اُلَّذِى خَلَقَ﴾) ربما يستدل من
هذا الحديث أن أول ما نزل من القرآن: ﴿اقْرَأ﴾، وهو مروي عن ابن
عباس، ومجاهد، وعليه جمعٌ من المفسرين، وذهب أكثر أهل
التفسير على أن الفاتحة أولُ ما نزلت، ثم سورة القلم.
وقيل: سورة المدثر - على ما سيجيء -، وربما يستدل على أن
التسمية من السور؛ إذ لم ينزل في أول سورة (اقرأ).
ويجاب: بأنها نزلت بعد ذلك، ولا بُعد في كونها من السور.
وفي ((الكشاف)): ﴿بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ في محل الحال؛ أي: اقرأ مفتتحاً
باسم ربك، قل: بسم الله، ثم (اقرأ).
وقال أبو عبيدة: المعنى: تقرأ اسمَ ربك، والباء زائدة، وإنما لم
يذكر مفعول الفعل الأول؛ أعني: ﴿خَلَقَ﴾، وكرره، وذكر مفعوله
ثانياً، وهو الإنسان؛ إِمَّا لأن لا يقدر له مفعول؛ لتنزيله منزلة اللازم،
كأنه قيل: الذي حصل منه الخلق، واستأثر به، لا خالق سواه، وإِمَّا
لأن يقدر ويراد خلق كل شيء، فتناول كلَّ مخلوق؛ لأنه مطلق، فليس
بعض المخلوقات أولی بتقدیره من بعض.
* وقوله: (خَلَقَ الإِنْسَانَ) تخصيص للإنسان بالذكر من بين
ما يتناوله الخلق؛ لأن التنزيل إليه، وهو أشرف الخلق.
ويجوز أن يراد: الذي خلق الإنسان، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ ل عَلَّمَ
اَلْقُرْءَانَ آ خَلَقَ الْإِنسَنَ﴾ [الرحمن: ١ -٣]، فقيل: الذي خلق فيها،
ثم فسره بقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ﴾؛ تفخيماً لخلق الإنسان، ودلالة
٢٣

على عجيب فطرته، وإنما اختار صفة الخالق من بين الصفات؛ لأن
الكفار - أيضاً - يعتقدون لذلك، ويعلمون أن الله هو الخالق دون
أصنامهم.
وإنما قال: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ على الجمع، وإنما خلق من علقة؛ لأن
الإنسان في معنى الجمع، والعلقة: دم غليظ جامد، وقيل: إنها سميت
علقة؛ لرطوبتها وتعلقها بما تمر به.
* وقوله: ﴿اقْرَأْ﴾ تكرير للتأكيد، وقيل: ﴿بِاسْمِ رَیِكَ﴾ يتعلق به،
ومعنى الأول: وأَجِدِ القراءة.
(والأكرم): الذي له الكمال، ومن غایة کرمه وإنافته علی کرم
كل كريم: أن ينعم على عباده النعم التي لا تحصى، ويحلم عنهم،
فلا يُعاجلهم بالعقوبة، مع كفرهم، وجحودهم لنعمه، وركوبهم
المناهي، واطّراحهم الأوامر، ويقبل توبتهم، ويتجاوز عنهم بعد
اقتراف العظائم، فما لكرمه غاية، ولا لحلمه نهاية، وكأنه أومأ إلى أنه
ليس وراء التكرم بإفادة الفوائد العلمية يلزم؛ حيث قال:
﴿عَلَّمَ بِآلْقَلِمِ ن عَلَّم الإِنسَنَ مَا لَزيعلم﴾، فدل على كمال كرمه؛ بأنه
علَّم عباده ما لم يعلموا، أو نقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم،
ونبّه على فضيلة علم الكتابة؛ لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط
بها إلا هو، وما دُوِّنت العلوم، ولا قُيدت الحكم، ولا ضُبطت أخبار
الأولين ومقالاتهم، ولا كتب الله المنزَّلة إلا بالكتابة، ولولا هي، لما
استقامت أمور الدين والدنيا، ولو لم يكن على دقيق حكمة الله تعالى،
٢٤

ولطيفِ تدبره دليلٌ إلا أمرُ العلم والخط، لكفى به.
وقرأ ابن الزبير: (علم الخط بالقلم).
وقيل: السرّ في نزول هذه الآيات أولاً على النبي وَله: أنها
متضمنة على ما تضمنه القرآن إجمالاً؛ فإن كل ما في القرآن من آيات
التوحيد والتنزيه، دل عليه مضمون اسم الرب، وما كان فيه من الأمر
والنهي، والترغيب والترهيب، والندب والإرشاد، والمحكم
والمتشابه، دل عليه مضمون مقتضى حكم الربوبية، وما كان فيه من
استدعاء الفكر والنظر، والاستدلال، وما أشبه ذلك، دلَّ عليه قوله:
﴿اَلَّذِىِ خَلَقَ آ خَلَقَ اُلْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ﴾، وما كان فيه من المغفرة والرحمة،
والإيناس والإنعام، والترجي والإحسان، والإباحة، وما أشبه ذلك،
دل عليه متضمَّنُ كرم الربوبية.
وفيه: إشارة - أيضاً - إلى التسلي والصبر عند نزول الحوادث،
والوعد بالنصرة؛ لما كان في حالة إيجاده من علقة في ظلمة الرحم،
ثم تكميله وإخراجه إلى فضاء العالم.
وفيه: تعليم إلى كيفية الاستدلال، وأن المستدل ينبغي أن يخاطب
السامع أولاً بما يقرب إلى فهمه، فإن خلق نفسِه لمَّا كان أقربَ إلى
فهم النبي - عليه السلام - من خلق السماوات والأرض، استدل بخلق
الإنسان أولاً، ثم بعد تقرر ذلك، انتقل إلى الاستدلال بخلق غيره من
الأجرام.
وفيه: إيماء إلى أن الفكرة أفضلُ الأعمال، في ضمن قوله:
٢٥

﴿ خَلَقَ اُلْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ﴾ ما يستدعي فكره فيما قيل، حتى يحصل بذلك
القطع، وليس الإيمان به بعد الفكرة كالإيمان به بذاته، ولهذا قيل:
تفكر ساعة خير من عبادة الدهر؛ إذ بالتفكر يقوى الإيمان.
وفي ذكر: (الأكرم) إشعارٌ إلى أن المتفكر ينظر بعد العظمة
والجلال في العفو والكرم.
وفي: (ذكر القلم) إيماء إلى جوانب قوله: (مَا أَنَا بِقَارِئٍ)؛
يعني: أن الربّ - تعالى وتقدس - كما علم الإنسان العلوم بواسطة
القلم والكتابة، كذلك قادر على أن يعلمه ما لا يعلم من غير وساطة،
وفي التصريح بذكر الإنسان في قوله: ﴿عَّمَ اُلْإِنْسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ وطن ذكره
في قوله: ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ - أيضاً -: إشعار بأن الله تعالى يَعَلِّمُهُ أشياء ليس
في حد البشر علمُها، وإنما غاية علم الإنسان، وتكريم الله تعالى له
علمُ ما يكتب بالقلم.
وفيه - أيضاً -: إيماء إلى أن عدم اشتغال النبي - عليه السلام -
بالكتابة والقراءة معجزةٌ له ومَحْمَدة؛ إذ به يزول رَيْب من ارتاب في أنه
من عند نفسه، لا من عند الله تعالى ﴿ وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِنْ كِنَبٍ وَلَا
تَّخُلُهُ بِسَمِينِكٌَ إِذَّا لَّأَ رْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨].
وفي إنزال القرآن عليه بعد غطُّ جبريل له ثلاثاً: إشارة إلى أن
التخلية قبل التحلية.
وفيه: أن التخلية مكتسبة، وفيضٌ من الرب، وقد جمعهما
رسول الله وَ له؛ حيث تعبد أولاً، ثم غطّه المَلَك، وقد يجتمعان لجمع
٢٦
٠

من أمته، وقد ينفرد البعض بالكسب، والبعض بالفيض، ولكن الأفضل
هو الجامع، وهو المرشد دون غيره، ولهذا قالوا: الصالح للإرشاد:
السالكُ المجذوب، لا السالكُ غيرُ المجذوب، ولا المجذوبُ غيرُ
السالك.
في قوله: (فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ وَّ﴾﴾؛ أي: بالآيات إلى
خديجة، وفي إيراد هذا: إيماء إلى النبي - عليه السلام - بحفظ الآيات
عند إلقاء الملك إليه، فرجع بها محفوظة ما نسيها، مع استيلاء
الخوف علیه، وعدم اعتياده بالوحي.
* وقوله: (تَرْجُفُ) حال من رسول الله وَّ، والمعنى: رجع
رسول الله صل خائفاً، تظهر عليه أمارات الاضطراب والرجف. يقال:
رَجَفَ البَحْرُ: اضْطَرَبَ، والإِرْجَافُ: الإخبار بالشيء المخوف من
غير تحقيق، ومنه قولهم: الإِرْجَافُ مقدِّمة الكون.
والبادِرَة: اللحمةُ التي بين المنكِب والعنق، يقال: احمرَّتْ بوادر
الخيول، والبادرة - أيضاً -: ما يبدو عند الحِدَّة، وبادرة السهم: طرفه.
وبالجملة: في البدور وما اشتُق منه معنى الإسراع.
ويروى: (يَرْجُفُ فُؤَادُهُ) على ما سيجيء في رواية يونس، ففي
هذه الرواية من الإيماء إلى سرعة وقوع هذا الأمر، وأن إتيان الوحي،
وما يتابعه عند حدوث هذا الأمر، كان على السرعة، وهذه القضية
مقدمة الأمر، ما ليس في رواية: (يَرْجُفُ فُؤَادُهُ)، و- أيضاً - حصول
الاضطراب في الأعضاء البدنية أقل تأثيراً، فيكون النسب لبيان حدوث
٢٧

الخوف في النبي - عليه السلام - من الرواية الدالة على حدوثه في قلبه،
خصوصاً في فؤاده الذي هو عين القلب.
* وقوله: (زَمِّلُونِ زَمِّلُونِي) هكذا الرواية مكررة.
وفي حديث جابر: ((فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمُّلُونِ، فَدَثَّرُونِي)).
وفي روايته - أيضاً -: ((دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً)).
وفي ((البخاري)) في (كتاب التفسير): ((زَمُّلُونِي)) مرة، والمعنى
متقارب.
يقال: دَثَّرَهُ بالثياب: إذا ألقى بعضها فوق بعض، وغطي بها،
ومن المجاز: رجلٌ دُور: خامل الذكر، ورجلٌ دثور: متمول، ومنه:
(ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ)).
ويقال: زَمَّلَوهُ في ثيابِه لِيَعْرَقَ، وَتَزَمَّلَ هو: تَلَفَّفَ فيها، وزَمَلَ
الشيءَ: حمله، ومنه: الزَّامِلَةُ، ورجل زَمِلٌ: كسلان جبان يتزمل في
بيته، لا ينهض للغزو، وفي التنزيل سماه الله تعالى: مُؤَّمِّلاً، ومُدَّثِّراً.
فقيل: سبب نزول: ﴿َّأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ هو المذكور في هذا الحديث.
وقيل: إنما يكون بعد هذه الحالة في وقت كان رسول الله وله
نائماً بالليل، متزملاً في قطيفة، فنبه، ونودي لا لئلا تجيء إليه الحالة
التي كان عليها من الزمل في القطيفة، واستعداده للاشتغال بالنوم،
كما يفعل من لا يهمه أمر، ولا يغنيه شأن، فلذلك شمر رسول الله وصله
وأصحابه حق التشمير.
٢٨

وقيل: كان متزملاً في مِرْطٍ لعائشةَ يصلي، فهو على هذا ليس
بتهجين، بل هو ثناء عليه، وتحسين لحالته التي كان عليها، وأمر بأن
يدوم علی ذلك ويواظب.
وعن عكرمة: معناه: يا أيها الذي زمل أمراً عظيماً؛ أي: حمله.
هذا والظاهر أن نزول ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ بعد القصة التي ذكرت في
هذا الحديث، وأن النبي - عليه السلام - لما رجع إلى خديجة خائفاً
من ذلك الأمر، أمرها أن يتداوى بحسب ما اعتاده من [ ... ](١)،
فقال: ((زَمِّلُونِي))، أو قال: (دَثِّرُونِي))؛ لأنهما بمعنى، فدثَّروه، وصبوا
عليه ماءً بارداً، على ما هو المتعارف عندهم في التداوي.
وأما ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّيِّرُ﴾، فظاهرُ حديثٍ جابر: أنها نزلت في هذه
الحالة - على ما سيجيء -..
وفي لفظ الزمل والدَّثر ومشتقاتهما مناسبة لمعاني الحمل
والخوف عن الإقدام على الأمر لعظمته وجلالته، وأنه - مع ذلك -
حاملٌ له، مع عظمة ما عني به، وليس أمر وراءه آخر، وأنه كان خامل
الذکر قبل ذلك، فصار سبب ذلك، ولدیه البیان، فقاله من نباهة لیس
وراءه نباهة.
والسابع: في قوله: (أَيْ خَدِيجَةُ! مَا لِي؟ وَأَخْبَرَهَا الخَبَرَ، قَالَ:
لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي) الظاهر من لفظ الكتاب أن قوله: (قَالَ: لَقَدْ
(١) بياض في الأصل مقدار كلمتين.
٢٩

خَشِيتُ) جملة مستأنفة؛ لأن لما قال لخديجة [ما] قال، وأخبرها ما وقع
له في غار حراء من أمر المَلَك، كأن سائلاً سأل: فماذا قال بعد ذلك؟
فقيل: لقد خشيت.
وفي البخاري في أول ((صحيحه)): (فَقَالَ لِخَدِيجَةَ، وَأَخْبَرَهَا
الخَبَرَ: لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي) بدون ذكر: (أَيْ خَدِيجَةُ! مَا لِي؟).
وبدون إعادة (قَالَ)، فهو إذاً مقول القول؛ أي: قال لخديجة: لقد
خشيت على نفسي، والباقي موطئة لذكره.
وفيه: بيان جواز التحدث بالأمر الواقع لأهله، ومن يثق به من
أصحابه إن كانوا أصحاب دين ورأي، والتعليم بأن الواجب على
صاحب الواقعة أن يفحص عن حاله، ويقدم المخوف على المرجو،
ويبحث عن حالة الخوف؛ ليحصل له الأمن، ومعنى خشية النبي
- عليه السلام -: عدم تحمله لحمل مشاق النبوة وأعباء الرسالة، أو
حدوث المرض له من ملاقاة الملك، وزهوق الروح من تواتر رؤيته.
وبالجملة: فحدوث هذه الحالة له أمر عجيب، لا يحدث مثله
في زمانه لأبناء نوعه، بل ربما يحدث مسُّ الشيطان لبعض الناس،
وكثر ذلك في العرب؛ لسكونهم في البراري، وغلبة السوداء على
أمرهم، والتبس على طباعهم، فخاف من حدوث الجنون، أو المرض
المزمن، أو الموت منه، يعني: من كثرة وقوع هذا الأمر على خلاف
عادته، خاف على حدوث مرض من جنون ونحوه الذي يحدث في
زمانه كثيراً.
٣٠

إلا أنه بعد رؤية الملك، وإلقائه إليه القرآن، شك في رسالته، أو
خشي من تسلط الشيطان، لا يجوز، فلا يتصور في حقه ذلك، بل
خوفه لما قلنا، ويؤيده: حديث ابن عباس - على ما مَرَّ -، ولما حصل
له ذلك الخوف؛ لأنه أمر على خلاف عادته، تشاور بذلك مع أهله
وأنيسه؛ لينظر رأيها في ذلك، وفكرها في حاله؛ لأنها غير واقعة في
الاضطراب، قارعة عن الانزعاج، مجتمعة الفكر والحواس، فلعلها
تفكر في ذلك الأمر، وتحل برأيها عقدته، فعملت خديجة - رضي الله
عنها - في هذه الواقعة بحكم استصحاب العادة، وحكمت بأن ذلك
أمرُ بشارة، وفاتحةُ خير وكمال، وأكدت ذلك بالحلف؛ تأكيداً لذلك؛
ليذهب عنه الروع والحزن بتمامه، وصرحت أولاً بكلمة دالَّةٍ على نفي
ما خاف منه، وإبعاده عن حاله، فقالت: (كَلاَ)؛ أي: ليس الأمر على
ما وقع في خاطرك، بل (أَبْشِرْ) بالفوز العظيم، والسرور الدائم،
(فَوَاللهِ! لاَ يُخْزِيكَ الله)؛ أي: لا يفضحك، ولا يصل إليك هوان ومذلة
من الخزي والفضيحة والهوان، فهو بضم التاء وسكون المعجمة في هذه
الرواية، ورواية عقیل.
وأما في رواية معمر: (تَحْزُنْكَ) بفتح التاء وسكون الحاء
المهملة؛ أي: لا يغمك، ولا يهمك من الحزن، والمعنیان متقاربان؛
لأن في وصول الخزي إليه حزنٌ وأيُّ حزن، ففي نفي الخزي نفي
الحزن، وبالعكس، والغرض: بيان [أن] هذا الأمر الذي وقع له لیس
مما يخاف ويحزن، ولا مما يتوهم منه حدوث شيء فيه الخزي؛ من
٣١

الجنون، والمرض المزمن، وغير ذلك، بل أنواع البشارة والسرور له،
أكدت ذلك بقولها: (أَبَدا) زيادةً في البشارة وبياناً؛ لأنه قابل مستحق
لوصول الخيرات إليه دائماً؛ لأن ذلك الاستحقاق مرکوز فيه، جبِلَّي
له، غیرُ متکلف، ولا ناشئ بسبب نزول.
ثم ذكرت أسباب استحقاقه لذلك، فقالت: (وَاللهِ! إِنَّكَ لَتَصِلُ
الرَّحِمَ ... ) إلى آخره، وأكدت المذكورات بالحلف؛ إيماءً إلى أنها
مما لا شك فيها، وأنها حاصلة فيه، وإشعاراً بأن حلفها على وجود
تلك الخصال في النبي - عليه السلام - كما كان واقعاً لا ريب فيه،
والنبي - عليه السلام - أيضاً يعرف وجودها منه، فكذلك لا شكّ في
حلفها الأول، بحسب اعتقادها بأن الله تعالى يوصل إليه الخيرات،
وما فيه صلاح الدارین له.
وقدم من الصفات: صلة الرحم، وهو الإحسان إلى الأقارب
بالمال والخدمة والزيارة والسلام، وسائر أنواع الإحسان، وإيصال
المنافع، ودفع المضار؛ إيماء إلى أن جزاء الإحسان هو الإحسان،
فالنبي - عليه السلام - لما كان محسناً مراعياً حقَّ الأقرباء، مع عجزه
وضعفه، وكونه مخلوقاً، فالخالقُ القادرُ العالمُ، المنزَّهُ عن صفات
النقص والعجز، الحكيمُ الجوادُ البَرُّ الرحيم، لا شك في أنه يجازي
مثلَ ذلك الشخصِ الفاعلِ للإحسان بالإحسان.
ثم وَصْفُه بعد ذلك بصدق الحديث، وهو الفضيلة الشاملة
لجميع أنواع الفضائل، فيه إيماء إلى بيان المناسبة للنبوة؛ إذ ملاكُ أمر
٣٢

النبي صدقُ الحديث، ونبينا - عليه الصلاة والسلام - كان من صغر سنه
إلى هذا الزمان، معروف بصدق الحديث، معدن له، فهو مناسب
لنزول الوحي إليه؛ لما فيه هذه الخصلة التي هي رأس الخصائل.
وفيه - أيضاً -: إشعارٌ بقبول الناس قوله؛ لِمَا عرفوا من صدق
حديثه، فلا يلحقه حزن من جهة عدم الالتفات إلى قوله.
ثم قالت: (وَتَحْمِلُ الكَلَّ) بفتح الكاف وتشديد اللام؛ أي:
الثقل، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَنْهُ﴾ [النحل: ٧٦]، وأصله من
الكَلاَل، وهو الإعياء، ومنه: الكلالة؛ للقرابة التي ليست من جهة
الولد والوالد؛ لأنها أعيب عن القرابة المماسة، وفي (تحمل الكل)
يندرج الإنفاق على الصغير واليتيم والعيال، وغير ذلك، والغرض
منه: الوصف بالتحمل، وقابلية الصبر على أعباء الرسالة ومشاق
النبوة، والله تعالى لا يفوض أمره إلا للمطيق.
، وقولها: (تَكْسِبُ المَعْدُومَ) الرواية المشهورة: فتح التاء المثناة
الفوقانية، وروي بضمها، وذكر الشارحون في المشهورة وجهين:
الأول: أنها بمعنى المضمومة؛ أي: تكسب غيرك المالَ المعدوم؛
أي: تعطيه له تبرعاً، أو تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من نفائس
الفوائد، ومكارم الأخلاق، فمعنى أَكْسَبَ: أعطى غيره، وكسبه،
فـ (كسب) على هذا الوجه بمعنى: أكسب، والثاني بمعناه؛ أي:
تَكْسِب أنت المال المعدومَ، وتصيب منه ما يعجز غيرُك عن تحصيله،
وكانت العرب تتمادح بكسب المال، خصوصاً قريش، وقد عرفوا
٣٣

بقريش التجار، وسموا بذلك من التقرش، وهي التجارة على أحد
الأقوال، فعلى هذا لا تكون التاء إلا مفتوحة، ذكره القاضي نقلاً عن
ثابت صاحب ((الدلائل))، وضعَّفَهُ النووي، وقال: لا معنى لهذا القول
في هذا الموطن، اللهم إلا أن يضم إليه البذل في وجوه الخيرات؛ إذ
المقام يناسب بيان إيصال النفع إلى الغير لا تحصيل المال وادخاره.
وقال صاحب ((التحرير)): المعدوم: الرجل المحتاج العاجز عن
الكسب، سُمي معدوماً؛ لكونه كالميت؛ حيث لم يتصرف في المعيشة
تصرف الغني.
واعترض الخطابي بأن الواجب حينئذ المُعْدَم - بدون واو -،
وصححه النووي؛ بأن ذلك على وجه المجاز، والمعنى: يسعى في
طلب عاجز بنفسه؛ أي: يعطي ويعين العاجز.
هذا ما ذكروه مع زيادة تصحيح، والعجب منهم كيف تركوا
المعنى الظاهر الذي عليه أهل اللغة، وذهبوا كلَّ مذهب، وأن الکسب
لا يختص بالمال، بل يتناول جميع الخيرات.
قال الله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]،
ويقال: كَسَبَ فلانٌ خيراً، وفي ((تهذيب الأزهري)): قال أحمد بن
يحيى: كلُّ الناس يقولون: كَسَبَكَ فلانٌ خيراً؛ إلا ابن الأعرابي، فإنه
يقول: أكسبك خيراً. فالمشهورة على المشهور، والمضمومة على
قول ابن الأعرابي.
والمعنى: إنك تَكْسِبُ الخيرَ المعدوم في الناس، كما أنك تحمل
٣٤

أثقالهم، والغرض: بيان أنه - عليه السلام - لم يزل في تحصيل أشياء
وصفات من الخير لا يوجد شيء منها (١) في أبناء جنسه، فهو مختص
بقابلية الوحي، والامتياز عن الغير بوصول تلك النعماء إليه، كما أنه
ممتاز عنهم بكسب الفضائل التي لا يوجد شيء منها في الغير،
ولا تخطر [في] باله.
ففي صلته الرحم إيماءٌ إلى استحقاقه لوصول الإحسان إليه؛ لأنه
محسن، وفي صدق الحديث إلى أنه قابل للنبوة والإخبار عن الله
تعالى، وفي حمل الكلِّ إلى أنه صبور قابل لتحمل أعباء الرسالة، وفي
كسب المعدوم إلى أنه لم يزل طالباً لتحصيل الفضائل، فهو قابل
لحصول تلك الفضيلة فيه، ففي ذكر هذه الأوصاف الأربعة بيانُ
اختصاصه بجميع ذلك، وأنها تختص بنزول الوحي إليه؛ إذ لا توجد
الخصائل في غيره.
ثم نبهت على الصفات التي توجد في غيره؛ إيماء إلى أنه - عليه
السلام - هو الجامع لما ليس في غيره من الصفات الجميلة، مع أنه فيه
من الصفات ما ليس في غيره، فقالت: (وَتَقْرِي الضَّيْفَ)؛ أي:
يضيفه، ويعطيه النعم، وخصت هذه الصفة؛ لأنها أكرم صفات
العرب، وأفخر مفاخرهم، فذكرت بأن ذلك - أيضاً - يوجد فيه،
يعني: كل ما كان منهم من الصفات الجميلة، فهو مشاركهم فيها،
ويمتاز عنهم بصفات جميلة لا توجد فيهم، كما أنهم يمتازون عنه
(١) في الأصل: ((فيه)).
٣٥

بخصال قبيحة لا يوجد شيء منها قط فيه، فهو مستحق لذلك الفضل
العظیم دون غيره.
ولَمَّا كانت الإعانة على النوائب - وهي الحوادث - موجودةً
فيهم، ولكنهم لا يفرقون بين الحق فيها والباطل، بل كلُّ قبيلة تعاون
حليفها، أو واحداً منها، إذا صدر منه شيء من قتل أو نحوه، من غير
تفريق بين حق وباطل، ذكرت أنه - عليه السلام - أيضاً يشاركهم في
ذلك، لكن فيما كان على الحق، لا على الباطل، فقالت: (عَلَى
نَوَائِبِ الحَقِّ)، ففي (قرى الضيف) لمَّا كان كلَّه خيراً؛ لأن إيصال
النفع إلى الغير مستحسَن كلَّه، لا سَرَفَ في الخير = أطلقت ذلك،
بخلاف المعاونة على النوائب؛ لأنها قد تكون باطلة يجب الاحترازُ
عنها، وكذلك قيدت بـ (الحَقِّ)، فخديجة - رضي الله عنها - بكمال
عقلها وعلمها لمَّا فهمت بأن النبي ◌َّهِ مستحقٌّ لوصول كلِّ خير إليه،
جزمت على البشارة، وعلى أن الله تعالى لا يفعل بالنبي - عليه السلام -
إلا الخير، ولا يصل إليه إلا أنواع المبرات والخيرات.
وفيه: إيماء إلى أن مكارم الأخلاق سببٌ للسلامة من مصارع
السوء والمكاره، فمن کَثُرَ خيره، حسنت عاقبته، ویرجی له سلامة
الدین والدنیا .
وفيه: جواز مدح الرجل بما فيه من الخصال الجميلة في وجهه،
وأما النهي عن المدح، فإنما يكون مما لا يكون في الممدوح،
ويحصل له بسبب ذلك التكبرُ والنخوة، وفي هذا الموضع لا يكون
٣٦

ذلك، فلا نهي فيه، و- أيضاً -: يكون ذلك في هذه القضية كالضروري؛
لأنه لأجل تسلية النبي - عليه السلام -، وتسرية الغم عنه، وإدخال
السرور في قلبه.
وعلمت خديجة بذلك على أن ذلك مقدمة النبوة؛ لأجل شهرة
قرب زمان نبي يبعث في آخر الزمان، وإطباق كلام أهل الكتاب على
ذلك، وعن الرهبان والكهان وغيرهم على حصوله لهم، ويؤيد ذلك:
حديثُ أبي موسى الأشعري، قال: خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ، وَخَرَجَ
مَعَهُ النَّبِيَّ ◌َه فِي أَشْيَاخِ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى الرَّاهِبِ،
هَبَطُوا، فَحَلُوا رِ حَالَهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الرَّاهِبُ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُّونَ
بِهِ، فَلاَ يَخْرُجُ إِلَيْهِمْ، وَلاَ يَلْتَفِتُ، قَالَ: فَهُمْ يَكُلُونَ رِ حَالَهُمْ، فَجَعَلَ
يَتَخَلَّلُهُمُ الرَّاهِبُ حَتَّى جَاءَ فَأَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، قَالَ: هَذَا سَيِّدُ
العَالَمِينَ، هَذَا رَسُولُ رَبِّ العَالَمِينَ، يَبْعَثُهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فَقَالَ لَهُ
أَشْيَاخٌ مِنْ قُرَيْشٍ: مَا عِلْمُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّكُمْ حِينَ أَشْرَقْتُمْ مِنَ العَقَبَةِ لَمْ
يَبْقَ شَجَرٌ وَلاَ حَجَرٌّ إِلَّ خَرَّ سَاجِداً، وَلاَ يَسْجُدَانِ إِلَّ لِنَبِيِّ، وَإِنِّي
أَعْرِفُهُ بِخَاتَمِ النُُّوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ مِثْلَ التُّفَّاحَةِ، ثُمَّ رَجَعَ،
فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَاماً، فَلَمَّا أَتَاهُمْ بِهِ، وَكَانَ هُوَ فِي رِغْيَّةِ الإِبِلِ، قَالَ:
أَرْسِلُوا إِلَيْهِ، فَأَقْبَلَ وَعَلَيْهِ غَمَامَةٌ تُظِلُّهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ القَوْمِ، وَجَدَهُمْ قَدْ
سَبَقُوهُ إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ، فَلَمَّا جَلَسَ، مَالَ فَيْءُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ، فَقَالَ:
انْظُرُوا إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ مَالَ عَلَيْهِ، قَالَ: فَبَيْتَمَا هُوَ قَائِمٌ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ
يُنَاشِدُهُمْ أَنْ لاَ يَذْهَبُوا بِهِ إِلَى الرُّومِ، فَإِنَّ الرُّومَ إِذَا رَأَوْهُ، عَرَفُوهُ
٣٧

بِالصِّفَةِ، فَقْتُلُونَهُ، فَالتَفَتَ، فَإِذَا بِسَبْعَةٍ قَدْ أَقْبَلُوا مِنَ الرُّومِ،
فَاسْتَقْبَلَهُمْ، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمْ؟ قَالُوا: جِئْنَا أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ خَارِجٌ فِي
هَذَا الشَّهْرِ، فَلَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إِلاَّ بُعِثَ إِلَيْهِ بِأُنَسٍ، وَإِنَّا قَدْ أُخْبِرْنَاَ خَبَرَهُ
بُعِثْنَا إِلَى طَرِيقِكَ هَذَا، فَقَالَ: هَلْ خَلْفَكُمْ أَحَدَّ هُوَ خَيْرٌ مِنْكُمْ؟ قَالُوا:
إِنَّمَا أُخْبِرْنَا خَبَرَهُ بِطَرِيقِكَ هَذَا، قَالَ: أَفَرَأَيْتُمْ أَمْراً أَرَادَ اللهُ أَنْ يَقْضِيَهُ،
هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ رَدَّهُ؟ قَالُوا: لاَ، قَالَ: فَبَايَعُوهُ، وَأَقَامُوا
مَعَهُ، قَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللهَ أَيّكُمْ وَلِيُّهُ؟ قَالُوا: أَبُو طَالِبٍ، فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُهُ
حَتَّى رَدَّهُ أَبُو طَالِبٍ، وَبَعَثَ مَعَهُ أَبُو بَكْرِ بِلاَلاً، وَزَوَّدَهُ الرَّاهِبُ مِنَ
الكَعْكِ وَالزَّيْتِ. أخرجه الترمذي.
ولأجل ظهور أشياء عن النبي - عليه السلام - من النور، وسائر
المَخَايل الدالة على استعداده بحصول الأمر العظيم فيه، واشتهار ذلك
فيما بينهم، حتى قيل: إنَّ جده عبد المطلب رأى في ليلة الميلاد
أشياء، وجزم على أن له شأناً عظيماً، وخطباً جليلاً، وسمع من أهل
الکتاب ما يدل على ذلك.
فمن ذلك: حديث العباس بن عبد المطلب: خَرَجْتُ إِلَى الْيَمَنِ
فِي إِحْدَى رِحْلَتَيِ الإِيلافِ، فَنَزَلْتُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَرَآنِي رَجُلٌ
مِنْ أَهْلِ الدُّيُّورِ، فَتَسَبِِّي، فَانْتُسَبْتُ لَهُ، فَقَالَ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى
بَعْضِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، مَا لَمْ تَكُنْ عَوْرَةً، فَفَتَحَ إِحْدَى مَنْخَرَّ، فَنَظَرَ،
ثُمَّ نَظَرَ فِي الآخَرِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ فِي إِحْدَى يَدَئِكَ مُلْكاً، وَفِي
الأُخْرَى نُوَّةَ، وَإِنَّا لَنَجِدُ ذَلِكَ فِي بَنِي زُهْرَةَ، فَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ:
٣٨

لا أَدْرِي، قَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ شَاعَةٍ؟ قُلْتُ: وَمَا الشَّاعَةُ؟ قَالَ: زَوْجَةٌ،
قُلْتُ: أَمَّا اليَوْمَ، فَلا، قَالَ: فَإِذَا رَجَعْتَ، فَتَزَوَّجْ فِي بِنِي زُهْرَةَ، فَرَجَعَ
عَبْدُ المُطَّلِبِ، فَتَزَوَّجَ هَالَةَ بِنتَ وُهَيْبٍ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، فَوَلَدَتْ
لَهُ حَمْزَةَ وَصَفِيَّةَ، وَزَوَّجَ عَبْدَالهِ ابْنَهُ آمِنَةَ بنتَ وَهْبٍ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ :
نَتَجَ عَبْدُ المُطَّلِبِ عَلَى ابْنِهِ، فَوَلَدَتْ لَهُ رَسُولَ اللهِّهِ، فَكَانَ حَمْزَةُ أَخَا
رَسُولِ اللهِلَّهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ، أَرْضَعَتْهُمَا تُوَيِبَةُ مَوْلاهُ أَبِي لَهَبٍ، وَكَانَ
أَسَنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ يَِّ. رواه الطبراني.
وقد ذكر أبو طالب في خطبة خديجة شيئاً من ذلك ــ كما مرَّ -،
فلذلك سُرَّت بذلك، وذكرت أسباب الاستحقاق، ولم تكتف بذلك،
بل توجهت معه إلى شخص يعلم شيئاً من ذلك، ويمتاز عن سائر
الأقارب بالقراءة والعلم.
والثامن: في قوله: (فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ
نَوْفَل) وهذا ظاهر على أن خديجة انطلقت مع النبي - عليه السلام -
إلى ورقة بن نوفل لأجل السؤال عنه عن حال النبي - عليه السلام -.
وفي السير من حديث عمرو بن شرحبيل: أن الصِّدِّيقَ دَخَلَ على
خَدِيجَةَ، وَلَيْسَ [عِنْدَهَا] رَسُولُ اللّهِ، ثُمّ ذَكَرَتْ خَدِيجَةُ لَهُ ما رآهُ،
فَقَالَتْ: يَا عَتِيقُ! اذْهَبْ مَعَ مُحَمّدٍ إِلَى وَرَقَةَ، فَلَمّا دَخَلَ النَّبِيَّ - عليه
السلام -، أَخَذَ أَبُو بَكْر بِيَدِهِ. فَقَالَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ،
فَقَالَ: ((وَمَنْ أَخْبَرَك؟)) قَالَ: خَدِيجَةُ، فَانْطَلَقَا إِلَيْهِ، فَقَصّا عَلَيْهِ، فَقَالَ
النَّبِيَّ - عليه السلام -: ((إنّي إذَا خَلَوْت وَحْدِي، سَمِعْتِ نِدَاءَ خَلْفِي:
٣٩

يَا مُحَمّدُ، يَا مُحَمّدُ! فَأَنْطَلِقُ هَارِباً فِي الأَرْضِ))، فَقَالَ لَهُ: لاَ تَفْعَلْ،
إِذَا أَتَاكِ، فَاثْبُتْ حَتّى تَسْمَعَ مَا يَقُولُ لَك، ثُمّ ائْتِي، فَأَخْبِرِي، فَلَمّا
خَلاَ، نَادَاهُ: يَا مُحَمّدُ! قُلْ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّْنِ الرَّحِمِ ن الْحَمْدُ لِلَِّ رَبٍ
اَلْعَلَمِينَ﴾، حَتّى بَلَغَ ﴿وَلَ الَّالِينَ﴾، قُلْ: لاَ إِلَهَ إلاّ اللَّهُ، فَأَتَى
وَرَقَةَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: أَبْشِرْ ثُمّ أَبْشِرْ، فَأَنَا أَشْهَدُ أَنْك
الّذِي بَشْرَ بِهِ ابْنُ مَرْيَمَ، وَأَنَّكَ عَلَى مِثْلِ نَامُوسِ مُوسَى، وَأَنْكَ نَبِيِّ
مُرْسَلٌ، وَأَنَّكَ سَتُؤْمَرُ بِالْجِهَادِ بَعْدَ يَوْمِك هَذَا، وَلَئِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ،
لأُجَاهِدَنّ مَعَك.
وفي ((سيرة سليمان بن طرخان التيمي)): إن خديجة ركبت إلى
بَحيرا بالشام، فسألت عن جبريل، فقال لها: قُدُّوس، يا سيدة قريش!
أنَّى لك بهذا الاسم؟ فقالت: بَعْلي وابنُ عمي أخبرني أنه يأتيه، فقال:
ما عَلِمَ به إلا نبيّ؛ فإنه السفيرُ بين الله وبين أنبيائه، وإن الشيطان لا يقدر
أن یتمثل به، ولا أن یتسمی باسمه.
وفي كتاب (الأوائل)) لأبي هلال من حديث سُويد بن سعيد: أن
خديجة خرجت إلى الراهب ورقةَ، وعَدَّاس.
ووجهُ الجمع بين هذه الأخبار ظاهر؛ فإن خديجة - رضي الله
عنها - لكمال عقلها وشدة اعتنائها بأمر النبي - عليه السلام - خرجت
إلى ورقة مرة بنفسها مع النبي - عليه السلام -، وأرسلته مع الصدِّيق
مرة أخرى، وخرجت إلى بَحيرا بالشام وحدَها مرة أخرى، وذهبت
بالنبي وَّه إلى الراهب وعَدَّاس مرة أخرى، وغرضُها - رضي الله عنها -:
٤٠