Indexed OCR Text
Pages 501-520
[٧٢ _ باب وُجُوبِ الإِيمَانِ بِرِسَالَةٍ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَ﴾ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، وَنَسْخِ المِلَلِ بِمِلَّتِهِ] ٤٠٢ - (١٥٢ / ٢٣٩) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴾ قَالَ: (مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيِّ إِلَّ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْياً أَوْحَى اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعاً يَوْمَ القِيَامَةِ». الحديث الثاني: حديثُ أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِقَالَ: (مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيِّ إِلَّ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْياً أَوْحَى اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعاً يَوْمَ القِيَامَةِ)) أخرجه البخاري. إذا عرفت هذا، فالظاهر من هذا الحديث: أن مقدار متَّبعي الأنبياء بقدر معجزاتهم، وأن الله تعالى قد أعطى لكل واحد منهم من المعجزة ما يكفي لصدق دعوى النبوة، ووجوب الاتباع له. وما وقع للنووي من أن المعنى: أن كل نبي أُعطي من المعجزات ما كان مثله لمن كان قبله من الأنبياء، فآمن عليه البشر، لا دلالة اللفظ الحديث عليه - على ما لا يخفى -؛ إذ معناه: أنه ليس من الأنبياء نبي إلا ٥٠١ قد أعطي له من المعجزات ما يكفيه لإثبات نبوته، ولكونه باعثاً لإيمان الناس له. وليس فيه دلالة على أن كل من كان متأخراً أعطي ما أعطي المتقدم؛ فإن المثلية في كون المُعْطَى معجزة، لا في العدد. والحق: أن سوق الحديث لبيان بقاء هذه الشريعة إلى يوم القيامة، والمعنى: أن كل نبي أعطي من المعجزات قدر ما يثبت دعواه، ويستحق الإيمان به، يعني: أن الغرض من معجزاتهم ذلك، لا شيء آخر، وهو بقاء شريعتهم أبداً، فإن معجزاتهم من جنس ما يتعلق بالأمور البشرية، وإنما معجزتي شيء من جملة الوحي، وهو لا يتغير أبداً، فتبقى شريعتي إلى قيام الساعة، فيكون أتباعي أكثر من أتباع غيري، ولهذا خُصّ من بين معجزاته المعجزة التي هي الوحي، وهو القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، المُعْجِز الذي لا يقدر الجن والإنس على الإتيان بأقصر سورة منه، ولو اجتمعوا له؛ لتكون معجزته باقية في كل زمان، ويحصل لكل متأمل فيها اليقين بأنها معجزة لا يمكن معارضته. وقيل: معجزتي لا یمکن معارضته. وقيل: معجزتي لا يتطرق إليها سحر، بخلاف معجزة غيري. وقد يخفى الفرق بين السحر والمعجزة على بعضٍ، فيكون ذلك سبباً لقلة الأتباع. وقيل: معجزة الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم، فلم يشاهدها ٥٠٢ إلا معاصروها؛ بخلاف القرآن المستمر إلى يوم القيامة، ولم يؤت من قبله مع كثرة الدهور ومَرِّ الأعصار. وقيل: إن معجزة کل نبي من جنس ما يؤمن به كل زمان المرسل إليهم؛ كإحياء الموتى لعيسى في زمن الطب، وقلب العصاحية لموسى - عليه السلام - في زمن السحرة؛ بخلاف معجزة النبي - عليه السلام -؛ لعموم رسالته الناسَ والأزمانَ، وينبغي أن تكون شيئاً لا يُخَصُّ بطائفة، ولا بزمن، بل يَعُمُّ کما عَمَّ الدال علیه. وأمّا الكلام في كيفية إعجاز القرآن، فسيجيء في موضعه - إن شاء الله -. وإنما ذكر الرجاء في موضع الجزم؛ أدباً، وكسراً لنفسه، وربما يقال: إن آمن بمعنى: وثق، من قولهم: ما آمنت أن أجد صحابة، بمعنى: ما وثقت، وتعديته بـ (على) لتضمين معنى الرقيب؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، والمعنى: أن الآيات المنزلة على الأنبياء من جنس ما يوثق عليها البشر، ويترك إلى حفظهم، قال الله تعالى: ﴿بِمَا أَسْتُحْفِظُواْ مِنْ كِتَبِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ﴾ [المائدة: ٤٤]، فلذلك وقع فيها التحريف والتغيير الداعي لإرسال نبي آخر، فأما المنزَّل عليَّ، فهو الوحي الذي أوحاه الله إلي، وضَمِنَ حفظها بنفسه؛ لقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ ◌َفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فلا يتطرق إليه الفساد والتحريف بوجه من الوجوه، فالمراد من الآيات المنزلة على الأنبياء، وبقوله: ((آمَنَ عَلَيْهِ ٥٠٣ البَشَرُ)) وَكَلَ حفظها إلى البشر، ووثق. وفيه: إيماء إلى أن تلك الآيات من جنس كلام البشر، يعني: ليس من جنس معجز يوثق البشر على حفظها، والمنزل عليَّ من جنس كلام الله تعالى المعجز، الذي لا يقدر البشر على معارضته، وإشعارٌ إلى أن محافظة البشر كما كانت قاصرة ضعيفة، ما قدروا على المحافظة إلا في زمان قليل، ثم استحفظها الربّانيون والأحبار بعدهم، ومحافظة الله تعالى كاملة باقية، يُبقي ذلك سالماً إلى قيام الساعة، فلذلك قَلَّ متابعوهم، وكَثُرَ مُتَابِعِيَّ. وفي هذا معجزة للنبي - عليه السلام -؛ حيث أخبر بذلك في زمان قلة المسلمين، ووقع بعده الكثرةُ التامة البالغة، ويزيد إلى قيام الساعة، وما بقي لأحد عذر من عدم الدخول فيه، فقد طبَّق الدنيا شرقاً وغرباً. وقد جاء في حديث تميم الداري، مرفوعاً: (لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلاَ يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزٌّ عَزِيزٍ، أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإِسْلاَمَ، وَذُلاًّ يُذِلُّ اللهُ بِهِ الكُفْرَ)). وَكَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ يَقُولُ: قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ فِي أَهْلٍ بَيْتِي، لَقَدْ أَصَابَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمُ الخَيْرُ وَالشَّرَفُ وَالعِزُّ، وَلَقَدْ أَصَابَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ كَافِراً الذُّلُّ وَالصَّغَارُ وَالجِزْيَةُ. رواه أحمد، ورواته ثقات. ٥٠٤ ٤٠٣ - (١٥٣ / ٢٤٠) - حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: وَأَخْبَرَِّي عَمْرُو: أَنَّ أَبَا يُونُسَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهِ: أَنَّهُ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لاَ يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلاَ نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ». الحديث الثالث: حديث أبي هريرةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلِ: أَنَّهُ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لاَ يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِّ وَلاَ نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)). وهذا من أفراد مسلم. وفي الباب: عن أبي موسى، مرفوعاً: ((لاَ يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، لاَ يَهُودِيٌّ وَلاَ نَصْرَانِيٌّ، وَلاَ يُؤْ مِنْ بِي، إِلَّ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»، فَقُلْتُ: مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِلَّ مِن كِتَابِ اللهِ رَتْ، فَقَرَأْتُ، فَوَجَدْتُ: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَخْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ,﴾ [هود: ١٧]. رواه أحمد، والبزار، وإسناده حسن. إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع : الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف. (يُونُسُ)، وهو أبو موسى يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى بن ميسرة بن حفص الصدفيُّ، المصريُّ، أحدُ الأعلام. عن ابن عُيينة، والوليد بن مسلم، وأنس بن عياض، وخلائق. ٥٠٥ وعنه مسلم، والنسائي، وابن ماجه، وأخرجوا له، وأبو زرعة، وابن خزيمة، والطحاوي، وآخرون. وَثَّقَهُ أبو حاتم، والنسائي، وأثنى القوم عليه. توفي سنة أربع وستين ومئتين . الثاني: في وجه الترتيب: لما كان الكلام المشتمل عليه الحديث مما يشك فيه كثير من الناس؛ لأن فیه نسخَ الملل السابقة، وعدم نفع الإيمان بها بعد بعثة سیدنا - عليه الصلاة والسلام -، وإنما الواجبُ الإيمانُ به - عليه السلام-، أَّد ذلك بالقسم، وفي اختیار هذا النوع منه إیماءٌ إلى أن نفس كل شخص بيد الله تعالى، فالواجب على المكلف أن يعمل عملاً يوجب رضاءَ مَنْ نَفْسُهُ في قبضة قدرته؛ ليكون ذلك نافعاً في يوم الجزاء. والمراد من السماع: سماع الدعوة؛ سواء كان ذلك في زمانه - عليه السلام -، أو بعده إلى قيام الساعة. الثالث: فيما يتعلق بالمعنى : ربما يستدل بالمفهوم على أن من لم تبلغه الدعوة، فهو معذور؛ إذ لا وجوب إلا بالشرع، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وفيه كلام مذكور في موضعه، والمراد من الأمة: أمّةُ الدعوة، وهي كل من أرسل إليه محمد وَّ، ولزمته، سواء صَدَّقه، أو لم يصدِّقْه، ولهذا دخل فيه اليهودي والنصراني - على ما في رواية الكتاب -؛ إذ الغرض: تعميم وجوب الاتباع = لا أمة الإجابة فقط؛ ٥٠٦ لأن ذلك حاصل فيهم، ثم خصّ بعد التعميم اليهوديّ والنصراني؛ لأن النسخ إنما يكون فيمن له كتاب وشريعة، فإذا وجب عليهم تركُ ذلك، واتباعُه، كان وجوبه على مَنْ سواهم بطريق الأولى. * وقال: (ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ) إشعاراً بأن التأخير لأجل تحقق الأمر غيرُ مضر؛ لأن سبب كونه من أهل النار هو: الموتُ على الإنكار. وفيه: إيماء - أيضاً - إلى أن الإيمان إلى قرب الموت يفيده. وقال: (بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ)، ولم يقل: (بي)؛ إيماءً إلى أن وجوب الإيمان به لأجل أنه مرسل من عند الله، و- أيضاً - يدخل في الإيمان بما أرسل به. وفي قوله: (أَصْحَابِ النَّارِ) إيماءٌ إلى خلود المنكر فيها، حيث لم يقل: (إلا أنه). ٤٠٤ _ (١٥٤ / ٢٤١) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحِ الهَمْدَانِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: رَأَنْتُ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ سَأَلَ الشَّعْبِيَّ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَمْرٍو! إِنَّ مَنْ قِبَلَنَا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ يَقُولُونَ فِي الرَّجُلِ إِذَا أَعْتَقَ أَمَنَهُ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا: فَهُوَ كَالرَّاكِبٍ بَدَنْتَهُ. فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ قَالَ: ((ثَلاَثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرََّيْنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ وَّهِ، فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ وَصَدَّقَهُ، فَلَهُ ٥٠٧ أَجْرَانِ، وَعَبْدٌ مَمْلُوٌ أَذَّى حَقَّ اللهِ تَعَالَى، وَحَقَّ سَيِّدِهِ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَّةٌ، فَغَذَاهَا فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا، ثُمَّ أَذَّبَهَا فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانٍ)). ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ لِلْخُرَاسَانِيِّ: خُذْ هَذَا الحَدِيثَ بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ فَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِيمَا دُونَ هَذَا إِلَى المَدِينَةِ. ٤٠٥ - (١٥٤ / ٢٤١) - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ح، وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِيٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ كُلُّهُمْ عَنْ صَالِحِ بْنِ صَالِحٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. الحديث الرابع: حديث أبي موسى: أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: (ثَلاَثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ آمَنَ بِنَبِّهِ، وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ ◌َّهِ، فَمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ وَصَدَّقَهُ، فَلَهُ أَجْرَانٍ، وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَذَّى حَقَّ اللهِ تَعَالَى، وَحَقَّ سَيِّدِهِ، فَلَهُ أَجْرَانٍ، وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ، فَغَذَاهَا فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا، ثُمَّ أَذَّبَهَا فَأَحْسَنَ أَدَبَهَا، ثُمَّ أَغْتَقَهَا وَتَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانٍ». ثُمَّ قَالَ الشَّعْبِيُّ لِلْخُرَاسَانِيِّ: خُذْ هَذَا الحَدِيثَ بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ فَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِيمَا دُونَ هَذَا إِلَى المَدِينَةِ . أخرجه البخاري في (العلم)، وغيرِه، والأربعة سوى أبي داود في: (النكاح). إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع : ٥٠٨ الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف. عَنْ (صَالِحِ) هو ابن صَالِحِ بْنِ حَيِّ الهَمْدَانِيُّ، الكوفيُّ. عن سلمة بن كهيل، وأبي معشر، وعلي بن الأقمر، وجماعة. وعنه ابناه: الحسن، وعلي، والسفيانان، وشعبة، وخلائق. وَثَّقَهُ القوم، وأثنوا عليه، وأخرج له الستة. وصالح هذا هو القائل: ((رَأَيْتُ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ سَأَلَ الشَّعْبِيَّ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَمْرٍو! إِنَّ مَنْ قِبَلَنَا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ يَقُولُونَ فِي الرَّجُلِ إِذَا أَعْتَقَ أَمَتَهُ، ثُمَّ تَوَّجَهَا، فَهُوَ كَالرَّاكِبٍ بَدَنْتَهُ»، فحدثه الشعبيُّ هذا الحديثَ. الثاني : فيما يتعلق بالمعنى : قد مَرَّ أن العدد المذكور إنما يدل على ثبوت الحكم له دون نفيه عمن سواه، ويؤيده حديث أبي أمامة، مرفوعاً: ((أَرْبَعَةٌ يُؤْتَوْنَ أُجُورَهُمْ مَرَّتَيْنِ: أَزْوَاجُ رَسُولِ اللهِ لَّهِ، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ، فَأَعْجَبَتْهُ، فَأَعْتَقَهَا، ثُمَّ تَوَّجَهَا، وَعَبْدٌ مَمْلُوٌ أَذَّى حَقَّ اللهِ، وَحَقَّ سَادَتِهِ)) رواه الطبراني، وفي هذا زيادة: أزواج النبي - عليه السلام - على الثلاثة المذكورة من حديث الكتاب. وإيراد هذا الحديث هنا لمناسبة بيان إجراء إيمان الكتابي بنبينا - عليه السلام -؛ فإنه إذا كان مؤمناً بنبيه قبل بعثة النبي - عليه السلام -، ثم أدرك هذا الزمان، وآمن به - عليه السلام -، كان أجر إيمانه سابقاً ٥٠٩ ولاحقاً، فله أجران. وفيه: إيماءٌ إلى أن زيادة الأجر بحسب زيادة العمل، وأن الذين لا إيمان لهم قبل ذلك من أهل الكتاب، القائلين بالتشريك من عُزير والمسيح وأهل الكفر، ليس لهم سوى أجر الإيمان بنبينا - عليه السلام -؛ لأن الله تعالى لا يضيع أجر المحسنين . وأكَّد الإيمان به بالاتباع والتصديق؛ إيماءً إلى أن الإيمان المعتدَّ به هو هذا، وهو اجتماعه مع الإيمان الحاصل للكتابي قبله يوجب الأجر مرتین، وأنه بدون الأوّل یفید کما في غير الكتابي، والأوّل بدون هذا لا يفيد كما فيه، فالمثبتُ للأجر، الحافظُ لذلك الإيمان من الإحباط، هو ما أكد به، و- أيضاً -: هذا الإيمان إنما يترتب عليه هذا الوعد إذا كان على صفة الكمال؛ من حصول الإيمان الظاهري، والاتباع في الأعمال، والتصديق بالقلب، فمن أخَلَّ بالأول، لا يندرج تحت أهل الإيمان، ولا يُحکم بإيمانه، ومن أخَلَّ بالثاني، ينطوي تحت اسم الفاسق، فلا يستحق هذا الوعد العظيم، ومن أخَلَّ بالثالث، فهو منافق، ومورده الدرُ الأسفلُ من النار. وأَمَّا استحقاق المملوك لهذا الأجر، فلأجل قيامه بالحقَّين، وقيل: العبد المملوك إيماء إلى ثبوت صفتين فيه، ووجوب أداء حقین علیه؛ لأنه بالنظر إلى كونه مِنْ عبيد الله، وجب عليه أداء حق الله تعالى، وبالنظر إلى كونه مملوك السيد، وجب عليه أداء حقه. وأما الذي أعتق الأَمَةَ، وتزوجها، فيستحق هذا الوعد؛ لأنه أضاف ٥١٠ الإحسان، وهو تزوّجها إلى الإحسان، وهو عتقها. * وقوله: (فَغَذَاهَا) روي - بالغين المعجمة، والدال معجمة ومهملة، مخففاً ومشدداً -، والمعاني متقاربة، وإنما قيّد بذلك؛ إيماء إلى أنه لم يزل محسناً إليها، فيكون استحقاق الوعد لكمال الإحسان، و- أيضاً -: قد ذكر أمرين، وهما: عتقها، وتزوّجها، وقدمهما بأمرین؛ إيماء إلى أنه من الأول كان مغذياً لها لذلك، فكأنه غَذَّاها لأجل الإعتاق، وأدَّبها لأجل التزويج، واستحقاقه الوعدَ العظيم والأجر الجزيل لأجل إحسانه إليها سابقاً ولاحقاً. وقول الخراساني في السؤال: ((فَهُوَ كَالرَّاكِبِ بَدَنَتَهُ» مأخوذ من قول ابن مسعود: ((مَثَلُ الَّذِي يَعْتِقُ سَرِيَتَهُ، ثُمَّ يتزوَّجُها، كَمَثَلِ الَّذِي أَهْدَی بَدَنْتَهُ، ثُمَّ رَكِبَهَا)) رواه الطبراني، ورجاله ثقات، وفيه: إشارة إلى أن قوماً منهم يكرهون ذلك، ويزعمون أنه دليل الرجوع من الإعتاق، وينقص بذلك أجره؛ كما أن ركوب البدنة انتفاع به بعد إخراجه من ملكه، فبيَّن الشعبيُّ أن ذلك مضاعِفٌ للأجر، لا مُنْقِصٌ له. ولا خلاف بين أهل العلم في جواز تزويج الرجل معتقته، وإنما الخلاف في أنه لو جعل عتقها صداقها، هل يكون صداقاً، أم لا؟ وسيجيء الكلام عليه في (النكاح)، وعلى (ركوب البدنة في الحج) - إن شاء الله تعالى -. * وقوله: (خُذْ هَذَا الحَدِيثَ بِغَيْرِ شَيْءٍ) إشعارٌ بِعِظَم هذا، وأنه مما لا تعبَ فيه ولا نَصَبَ؛ فإنه لما رأى معتقد السائل، وعَلِمَ رسوخ ٥١١ ذلك في قلبه، أراد أن يُزيل عنه ذلك، فحدثه عن النبي - عليه السلام-، ثم عظَّمَ شأنَ الحديث؛ ليتمكن في نفسه أفضلَ تمكُّن، ويعلم أن ذلك أمرٌ يجب أن يحافظ عليه؛ لأن الرجل الكامل الفاضل كان يسافر إلى المدينة، ويحتمل المشاق لأجل تحصيل ما هو دون هذا الحديث في بيان الحكم ووصول النفع، وإذا وجد ذلك بلا تعب، ينبغي أن يعض عليه بالنواجذ. ويحتمل أن يراد لما دون هذا: آثار الصحابة، وأقوال العلماء؛ فإن الرجل إذا كان يسافر إلى المدينة لأجل طلب قول الصحابة و والتابعين، فأخذَ كلام النبي - عليه السلام - بدون مشقة المسافرة وتعب الطريق نعمةٌ جليلة عظيمة، يجب أن يحافظ عليها. الثالث: في وجه الترتيب: وهو ظاهر؛ حيث قدم الحديث المشتمل على بيان فضله - عليه السلام -، ثم بيان سبب كثرة أتباعه، ثم وجوب اتباعه، ثم بيان فضيلة المتبع للأنبياء قبله إذا اتبعه - عليه السلام -. : ٥١٢ (٤٨) ذكر نزول عيسى - عليه السلام - حاكماً بشريعة نبينا عليه السلام [ ٧٣ - باب نُزُولٍ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ حَاكِماً بِشَرِيعَةٍ نَبِيَّا مُحَمَّدٍ وَمِ] ٤٠٦ - (١٥٥ / ٢٤٢) - حَدَّثَنَا قُتَيْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِهِ! لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً مُقْسِطاً، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ، حَتَّى لاَ يَقْبَلَهُ أَحَدٌ)). ٤٠٧ - (١٥٥ / ٢٤٢) - وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّدٍ، وَأَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَ ح، وَحَدَّثَنِهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ: حَدَّثَتِي يُونُسُ ح، وَحَدَّثَنَا حَسَنٌّ الحُلْوَاِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِيٍ، عَنْ صَالِحٍ كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي رِوَايَةٍ ابْنِ عُبِنَةَ: ((إِمَاماً مُقْسِطاً، وَحَكَماً عَدْلاً)). وَفِي رِوَايَةٍ يُونُسَ : ٥١٣ (حَكَماً عَادِلاً)). وَلَمْ يَذْكُرْ: (إِمَاماً مُقْسِطاً). وَفِي حَدِيثِ صَالِحٍ: (حَكَماً مُفْسِطاً) كَمَا قَالَ اللَّيْثُ. وَفِي حَدِيثِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ: ((وَحَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الوَاحِدَةُ خَيْراً مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِهَا)). ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْ مِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] الآيَةَ. ٤٠٨ _ (١٥٥ / ٢٤٣) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((وَاللهِ! لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً عَادِلاً، فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ، وَلَيَقْتُلَنَّ الخِنْزِيرَ، وَلَيَضَعَنَّ الجِزْيَةَ، وَلَنْتْرَكَنَّ الْقِلَاَصُ فَلاَ يُسْعَى عَلَيْهَا، وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ، وَلَيَدْعُوَنَّ إِلَى المَالِ، فَلاَ يَقْبَلُهُ أَحَدٌ)) . أورد مسلم - رحمه الله - في هذا الموضع ثلاثة أحاديث: الأوّل: حديث أبي هريرة: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً مُقْسِطاً، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ، حَتَّى لاَ يَقْبَلَهُ أَحَدٌ)). وفي رواية بزيادة: ((وَحَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الوَاحِدَةُ خَيْراً مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا))، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِن ◌ِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ إِلَّا لَيُؤْ مِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْتِهِ،﴾ [النساء: ١٥٩] الآيَةَ. ٥١٤ وفي رواية: ((وَاللهِ! لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً عَادِلاً، فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ، وَلَيَقْتُلَنَّ الخِنْزِيرَ، وَلَيَضَعَنَّ الجِزْيَةَ، وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلاَصُ فَلاَ يُسْعَى عَلَيْهَا، وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ، وَلَيَدْعُوَنَّ إِلَى المَالِ، فَلاَ يَقْبَلُهُ أَحَدٌ))، أخرجه البخاري، والأربعة إلا النسائي. وفي رواية أبي داود: ((لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٍّ، وَإِنَّهُ نَازِلٌ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ، فَاعْرِفُوهُ: رَجُلاً مَرْبُوعاً إِلَى الحُمْرَةِ وَالبَيَاضِ، يَنْزِلُ بَيْنَ ممَصَّرَتَيْنِ، كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطِرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ، فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الجِزْيَةَ، وَيَدْعُو النَّاسَ إِلَى الإِسْلاَمِ، فَيُهْلِكُ اللهُ فِي زَمَانِهِ المِلَلَ كُلَّهَا إِلَّ الإِسْلامَ، وَتُهْلِكُ اللهُ فِي زَمَانِهِ المَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ سَنَّةً، ثُمَّ يُتَوَفَّى، وَيُصَلِّي عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ). ٤٠٩ - (١٥٥ / ٢٤٤) - حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَاَ ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَتِي نَفِعٌ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لِهِ: ((كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِیکُمْ، وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟)). ٤١٠ - (١٥٥ / ٢٤٥) - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَذَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَفِعٌ مَوْلَى أَبِي فَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ﴾: ((كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَأَكُمْ؟». ٥١٥ ٤١١ - (١٥٥ / ٢٤٦) - وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الوَلِيدُ ابْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ نَافِعِ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ قَالَ: ((كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ، فَأَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟)). فَقُلْتُ لاِبْنِ أَبِي ذِئْبٍ: إِنَّ الأَوْزَاعِيَّ حَدَّثْنَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ). قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: تَذْرِي مَّا أَّكُمْ مِنْكُمْ؟ قُلْتُ: تُخْبِرُّنِي. قَالَ: فَأَمَّكُمْ بِكِتَابٍ رَبِكُمْ - تَبَّارَكَ وَتَعَالَى -، وَسُنَّةٍ نَبِّكُمْ ◌َ. الحديث الثاني: حديثه - أيضاً -: أن رسول الله وَّه قال: ((كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ، وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟». وفي رواية: ((وَأَمَّكُمْ)). وفي رواية عَنِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيَكُمُ ابْثُ مَرْيَمَ، فَأَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟)). فَقُلْتُ لِإِبْنِ أَبِي ذِئْبٍ: إِنَّ الأَوْزَاعِيَّ حَدَّثَنَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ نَافِعِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ). قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: تَذْرِي مَا أَقَكُمْ مِنْكُمْ؟ قُلْتُ: تُخْبِرُنِي. قَالَ: فَأَمَّكُمْ بِكِتَابٍ رَبِكُمْ، وَسُنَّةٍ نَبِيِّكُمْ وَِّ. أخرجه البخاري. ٤١٢ - (١٥٦/ ٢٤٧) - حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ شُجَاعِ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، قَالُوا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ-، ٥١٦ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُّو الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ :﴿ يَقُولُ: ((لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ - قَالَ : - فَنْزِلُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لاَ، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ؛ تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الأُمََّ)) . الحديث الثالث: حديثُ جابر: أن النبي - عليه السلام - قال: ((لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ - قَالَ : - فَيَنْزِلُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لاَ، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَّاءُ؛ تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الأُنَّةَ». وهذا الحدیث من أفراد مسلم. إذا عرفت هذا، فالكلام - هاهنا - في مواضع: الأول: في التعريف بالرواة سوى ما سلف. (عَطَاءٌ)، وهو ابن مِينَاءَ المدينيُّ، مولى ابنٍ أبي ذباب الدوسيّ. عن أبي هريرة، وغيره. وعنه عمرو بن دینار، وأیوب بن موسى، وجمع. وَثَّقَهُ ابن حبان، وأخرج له الستة، وكان من صلحاء الناس. و(نَفِعٌ)، وهو مولى عقيلة الغفارية، ونسب إلى أبي قتادة. عن أبي قتادة، وأبي هريرة. وعنه عمر بن كثير، وسالم أبو النضر، وجماعة. ٥١٧ وَثَّقَهُ النسائي، وأخرج له الستة، واسم أبيه عباس، وقيل: عياش. و(الوَلِيدُ)، وهو أبو همام الوليدُ بنُ شُجاع بن الوليد السكونيُّ، الكنديُّ، الکوفیُّ. عن أبيه، وشريك. و[عنه] ابن ماجه، وأخرجوا له، وخلائق. قال أحمد: کتبوا عنه. وقال ابن معين: لا بأس به. وقال المفضل الغلابي: سمعت ابن معين يقول: عند أبي همام مئة ألف حديث من الثقات. وقال صالح جزرة: تكلموا فيه. وقال أبو حاتم: صدوق، لا يحتج به، وهو أحبُّ إليَّ من أبي هشام الرفاعي. وقال النسائي : لا بأس به. الثاني: في بيان الترتيب : لما أورد مسلم - رحمه الله - الأحاديثَ الدالةَ على كثرة أتباع رسولنا وَّل، وأن من معجزاته القرآن، وهي آية باقية إلى قيام الساعة، الدَّالة على عدم جريان النسخ على شريعته، وقد علم من القواعد المقررة في اشتراط الساعة نزولُ عيسى بن مريم - عليه السلام - قبل قيام القيامة، أورد الأحاديث الدالة على أن عيسى - عليه السلام - في ٥١٨ زمان نزوله - أيضاً - متبعٌ الشريعة رسولنا وَِّ، حاكمٌ بها غيرُ ناسخ لها، بل قائمٌ عليها، وأن طائفة من هذه الأمة قائمة على الحق إلى قيام الساعة، وهذه - أيضاً - فضيلة عظيمة لهذه الأمة، ومَكْرُمة جليلة لها؛ حيث يكون الرسل من جملة الداخلين فيها، وعلم من هذا: أن سائر الأنبياء لو جاز رجوعُهم إلى الدنيا بعد مبعث رسولنا - عليه السلام -، لکانوا علی ملته. الثالث: فيما يتعلق بالمعنی : قد مَرَّ أن الكلام إذا كان مشتملاً على حكم بديع، أو إخبار عن غیب، فقد یؤگَّد بالقسم، إيماءً للسامع بأن هذا لا شكً في وقوعه، بل إذا ابتدأ المتكلم الصادق الذي لا ريب في صدقه بالقسم، يتنبه السامع إلى أن هذا الذي صدَّره(١)، له شأن عجيب، وحكم غريب، فيتوجه إلى فهمه، والتأمل فيه، فیحصل توجه وإصغاء. وقد علمت ــ فيما سبق - أن في التعبير عن عيسى - عليه السلام - بابن مريم، إيماءً إلى أنه بشر متولِّد من آدمية؛ رداً لما اعتقده الزائغون من كونه ابنَ الله تعالى، وغيره من الأباطيل، ولَمَّا وصفه في هذا الموضع بالنزول من السماء، والحكم بالعدل والإنصاف، حَسُنَ التعبير عنه بابن مريم؛ للرد على أولئك الذين لا يكادون يفقهون حديثاً. وقوله: (لَيُوشِكَنَّ) - بضم الياء وكسر الشين-، بمعنى: لَيَقْرُبَنَّ. (١) في الأصل: ((يتنبه السامع الذي هذا صدره). ٥١٩ * وقوله: (فِيكُمُ)؛ أي: هذه الأمة، وليس المراد: المخاطبين بأعيانهم، بل أمثالهم وإخوانهم في الإيمان. وقيل: الخطاب للنصارى، والمراد: الذین في زمان نزول عيسى - عليه السلام - فيهم؛ لأن الذين في زمان النبي - عليه السلام - يقولون للمؤمنين: سينزل نبينا من السماء بعد نبيكم، وتغير ملتكم، فبين رسولُ الله ◌َ﴿ أنه ينزل، ولكن لا يغير الشريعة، بل ينزل حاكماً بهذه الشريعة، متبعاً لها. والمُقْسِطُ: العادل، والقَاسِطُ: الجائر ﴿وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُوْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] يقال: قَسَطَ - بفتح القاف ـ يَقسط - بالفتح - قسطاً: إذا كان جَارَ، وأَقْسَط يُقْسِط - بالكسر -: إذا عَدَلَ، فكأن الهمزة همزة السلب، واسم الفاعل من الأول القاسط، ومن الثاني المُقْسِط، والقِسْطُ - بكسر القاف ــ أيضاً: النصيب، فيكون في ذكر المُقْسط إيماءٌ إلى أن عيسى - عليه السلام - يعطي كل أحد نصيبه من الحق، وإنما يكون نصيبه - أيضاً - في هذا الزمان الحكم بالقسط، واتباع شريعة نبينا - عليه السلام -، لا دعوى النبوة، ونسخ تلك الشريعة. وأما في الرواية الثانية: (إِمَاماً مُقْسِطاً، وَحَكَماً عَدْلاً)، فزيادةُ بيان، وتفسيرٌ ودفعٌ بصدر الملحدين من النصارى واليهود، من تصور النقيصة في ذلك له - عليه السلام -، والمراد من الإمام: هو الحاكم، ولذلك وصفه بالقسط، ويدل عليه - أيضاً - في تفسير ابن أبي ذئب لقوله: ((فَأَمَّكُمْ بِكِتَابِ رَبِكُمْ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - وَسُنَّةٍ نَبِيِّكُمْ عليه السلام)). ٥٢٠