Indexed OCR Text
Pages 461-480
وفي كسر الباب إشارةٌ إلى أن الزمان لا يعود إلى حاله الأولى من عدم وقوع الفتنة فيه، بل لا يخلو دائماً عن شيء منها، وإلى هذا أشار عمر ته بقوله: (فَلَوْ أَنَّهُ فُتِحَ، لَعَلَّهُ كَانَ يُعَادُ)؛ لأن المكسور لا يمكن إعادته؛ إذ الكسرُ - في الأغلب - يكون عن إكراه وغَلَبة ؛ بخلاف الفتح. وفيه: إشعار إلى نهاية صدمة الفتنة؛ حيث يكسر الباب الذي يكون مانعاً من خروجها، وأنها تغلب الباب وتكسره؛ بحيث لا يمكن إعادته. فلما سمع عمر ذلك من حذيفة، استعظم ذلك الأمر، وعلم قتل الشخص الذي هو المانع من دخول الفتن في الإسلام، فقال: (أَكَسْراً لاَ أَبَا لَكَ)، واللام مُفْحَمَة، وكذلك في قولهم: لا يد لفلان بهذا الأمر، وليس الغرض نفيَ الأُبُوَّة، بل هو كلام جرى مجرى المثل يُذكر عند استعظام الشيء. فلما قال عمر ذلك، أجاب بقوله: (لاَ، بَلْ يُكْسَرُ)؛ يعني: أن الكسر محقَّقٌ لا بدَّ من وقوعه، فلما سمع عمر ذلك، سأل حذيفة، فحدثه أنه رجلٌ يُقتل، وقد جاء مُبَيّاً في الصحيح: أنه عمر بن الخطاب، قال الراوي: فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَهُ: مَنِ الباب؟ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ، قَالَ: فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: عُمَرُ. وفي رواية قال أبو وائل: فَقُلْتُ لِمَسْرُوقِ: سَلْ حُذَيْفَةَ عَنِ الباب، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: عُمَرُ. ٤٦١ * وقوله: (أَوْ يَمُوتُ) الظاهر أن حذيفة سمع من النبي - عليه السلام - كذلك، فرواه كما سمع، وغرضُ النبي - عليه السلام -: الإبهامُ عليه . ويحتمل أن حذيفة سمع من النبي - عليه السلام - أنه يُقتل، ولكن لما كان صاحبَ سرِّ رسول الله بَّ، والعالمَ بأحوال الفتن، وكيفية وقوعها، وزمان الوقوع - على ما سيجيء في الكتاب -: أنه قال: أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللهِلَّهِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ. وفيه - أيضاً -: أنه قال: وَاللهِ! إِنِّي لأَعْلَمُ النَّاسِ بِكُلِّ فِتْنَةٍ هِيَ كَائِنَةٌ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ السَّاعَة، وغير ذلك من الأخبار الواردة في معرفته الفتن، وزمان وقوعها، كره أن يُصرح بذلك؛ لأنه سرٌّ أسرّ النبي - عليه السلام - إليه، وفضَّله على غيره بوضع ذلك فيه، ولكن أخبر بالإبهام لما أجازه النبي - عليه السلام -، فقال: ((رَجُلٌ يُقْتَلُ، أَوْ يَمُوتُ))، ولم و يقل: الباب أنتَ، والكسرُ قتلَك. وما قيل: إنه كره مخاطبة عمر بذلك، فليس بشيء؛ لأن عمر خُه يعلم أنه يُقتل بإخبار النبي - عليه السلام - له ذلك - على ما سيجيء في حديث أُحدٍ -، و- أيضاً - ذلك بشارة له؛ لأن الصحابة - رضوان الله عليهم - كانوا يطلبون الشهادة، ويستبشرون بحصولها لهم. فإن قلت: قد جاء مبيناً في ((الصحيح)): أنّ عمر ظُه كان يعلم مَنِ البابُ، كما يعلم أن قبلَ غدٍ الليلة، فما فائدة سؤاله وإبهام حذيفة في الجواب؟ ٤٦٢ قلت: لعل علمه بذلك بعد السؤال، فإنه لما أبهم حذيفة الجواب، سأله في الخلوة عن الرجل، فأعلمه بأنه هو، ويحتمل أن حذيفة يعلم في وقت سؤاله أنه يعلم أنه هو، ولكن يريد إسماع الغير بأن الباب رجل، وكسره قتله، فذكر حذيفة على الإبهام؛ لأنه يحصل به غرض السائل. فإن قلت: ينبغي أن يكون الرجل هو عثمان، فإن الفتن إنما حدثت بعد قتله به، لا بعد قتل عمر؟ قلت: مقدمات الفتنة إنما ظهرت بعد قتل عمر ته؛ فإنه أوّل خليفة قتل ظاهراً في غير محاربة، وصار ذلك سبب إقدام الناس على قتل الخلفاء، وحدَّثتهم أنفسُهم بعد ذلك به، وبموته شبه انفصم أمر سلك الضبط التام، والعدل الكامل، واشتغل بنو مروان وغيرهم في إمارة الأطراف، ومدُّوا أيديهم بالظلم والعدوان، فيكون قتل عمر كسرَ الباب المانع لظهور شيء من الفتن، وقتل عثمان كان في وقت ظهور بعض الفتن، وحدوث معظمها، فيكون الباب عمر څه. وفي هذا الحديث: منقبة جليلة لعمر - على ما لا يخفى -. ثم لما كان هذا الحديث مشتملاً على الفتنة العظيمة، والحديث الذي قبله على رفع الأمانة، وحدوث الفتنة على الإجمال، قدم ذلك في الترتيب. والثامن: في قوله: (لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ) جمع أُغْلُوطَة، ومنه: نَھَى رَسُولُ اللهِنَّهِ عَنِ الأَغَالِيطِ، وهي المسائل التي يُغالط بها، ومراد ٤٦٣ حذيفة: أنه حديث ليس فيه غلط، وليس عن تخمين وحسبان، ولا عن صحف أهل الكتاب، بل هو حديث محقّق مسموع عن النبي - عليه السلام -، ليس فيه تغيير ولا تبديل، ولا وَهْمٌ ولا شَكّ، ولا شيء مما يقتضي الغلط فيه، وإنما أكد ذلك مع أنه ثقة، صحابي جليل القدر، وجميع مروياته كذلك على وجه الصحة؛ استعظاماً للحديث، وبياناً لسماعه عن النبي - عليه السلام -. ولما كان في رواية نعيم بن أبي هند تفسير الأغاليط؛ حيث فسّر بقوله: يعني: أنه عن رسول الله وَ ل9، كرر ذكر الأغاليط بعد قوله: ((كَنَحْوِ حَدِيثٍ أَبِي مَالِكِ عن رِبْعي))؛ ليترتب عليه التفسير. ٣٨٩ _ (١٤٥ / ٢٣٢) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّدٍ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ جَمِيعاً، عَنْ مَرْوَانَ الفَزَارِيِّ، قَالَ ابْنُ عَبَّارٍ: حَدَّثْنَا مَرْوَانُ، عَنْ يَزِيدَ - يَعْنِي: ابْنَ كَيْسَانَ -، عَنْ أَبِي حَازِمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ِ: (بَدَأَ الإِسْلاَمُ غَرِيباً، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيباً، فَطُوبَى ٥ ۶ لِلْغُرَبَاءِ». الحديث الثالث: حديث أبي هريرة، قال: قال رسولُ اللهِ وَّه: (بَدَأَ الإِسْلاَمُ غَرِيباً، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيباً، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ». أخرجه ابن ماجه في: (الفتن). وأخرج الترمذي من حديث ابن مسعود، قال: قال ٤٦٤ رسول الله ◌َله: ((إِنَّ الإِسْلاَمَ بَدَأَ غَرِيباً، وَسَيَعُودُ غَرِيباً كَمَا بَدَاَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ)). وأخرجه ابن ماجه - أيضاً - بزيادة: قِيلَ: وَمَنِ الْغُرَبَاءُ؟ قَالَ: (الُّزَّاعُ مِنَ القَبَائِلِ)). ثم قال الترمذي: وفي الباب: عن سعد، وابن عمر، وجابر، وأنس، وعبدالله بن عمرو . وأقول: حديث ابن عمر سيجيء، وحديث أنس عن رسول الله وَّهِ: ((إِنَّ الإِيمَانَ بَدَأَ غَرِيباً، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى يَوْمَئِذٍ لِلْغُرَبَاءِ، الذين يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ، وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي القَاسِمِ بِيَدِهِ! لَيَأْرِزَنَّ الإِيمَانُ بَيْنَ هَذَيْنِ المَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا)) رواه الطبراني. وحديث جابر، يرفعه: ((إِنَّ الإِسْلامَ بَدَأَ غَرِيباً، وَسَيَعُودُ غَرِيباً، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ»، قِيلَ: وَمَنِ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((الَّذِينَ يُصْلِحُونَ حِيْنَ يَفْسُدُ النَّاسُ)) رواه الطبراني، وإسناده حسن. وحديث عبدالله بن عمرو، قال: قَالَ رَسُولُ اللهَِّخِ ذَاتَ يَوْم وَنَحْنُ عِنْدَهُ: ((طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ»، فَقِيلَ: مَنِ الغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (أُنَاسٌ صَالِحُونَ فِي أُنَاسِ سَوْءٍ كَثِيرٍ، مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ) رواه أحمد، والطبراني. وفي الباب: عن ابن عباس، وأبي سعيد، مثلُ حديث أبي هريرة سواء، رواهما الطبراني. ٤٦٥ وعن عمرو بن عوف مثله سواء، رواه البزار. وعن سهل بن سعد، مرفوعاً: ((إِنَّ الإِسْلامَ بَدَأَ غَرِيباً، وَسَيَعُودُ غَرِيباً، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ))، قَالُوا: وَمَنِ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((الَّذِينَ يُصْلِحُونَ عِنْدَ فَسَادِ النَّاس)). وعن أبي موسى الأشعري، يرفعه: ((لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُرْوَی الأَرضُ دَمَاً، وَيَكُونُ الإِسْلاَمُ غَرِيبًا)). إذا عرفت هذا، فاعلم أن مسلماً - رحمه الله - لمَّا أورد الأحاديثَ الدالةَ على وقوع الفتن، وشدةٍ تأثيرها في القلوب، أردفها بإيراد الأحاديث الدالة على قلة أهل الإيمان في الزمان، فالرواية في (بَدَأَ) - بالهمزة -، وهو متعدٍّ إلى مفعول، قال الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَنَآ أَوَّلَ خَلْقِ تُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] الآية، والظاهر في الحديث: أنه لا يقتضي مفعولاً، ولا معنى لتقدير المفعول؛ لفساد المعنى. فقيل: إنه بمعنى طرأ، يعني: أن طروء الإسلام وحدوثه كما كان في أوّل الأمر قليلاً، لذلك يصير في آخر الزمان قليلاً. وقيل: هو (بَدَا) - غير مهموز -، بمعنى: ظهر، وهو فاسدٌ روايةً، وبعيدٌ درایةً؛ لأنه لا یرید بیان ظهوره، بل بیان نشوئه وحدوثه. وأصل الغربة: البعد، قال: فَلاَ تَحْرِمَنِّي نائِلاً عنْ جِنايَةٍ فَإِنِّي امْرُؤٌ وَسْطَ القِبابِ غَرِيبُ والمقصود: أن الإسلام كان في ابتداء أمره وحدوثه على سبيل ٤٦٦ القلة، ووقوع العين وتأثيرها في القلوب، سيعود في آخر الزمان كذلك غريباً قليلاً، لا يوجد إلا في آحاد الناس الذين عصمهم الله تعالى، يحفظون دينهم، ولم تؤثر فيهم الفتن، ولم يميلوا إلى الأهواء، ولم تتمكن تلك في قلوبهم حتى يصير خالياً عن الحق، صُفْراً عن الخير کالکوز المعکوس. (فَطُوبَى) لهم؛ أي: فرحٌ وقُرَّةُ عينٍ لهم، أو غِبْطَة لهم، أو خيرٌ لهم، أو إصابة خير، أو كرامة، أو دوام المسرة، أو الجنة، أو شجرة في الجنة مسكنُهم ومأواهم، وغير ذلك من الوجوه المذكورة في تفسير (طوبى). ولا وجه لتخصيص الغرباء بالمهاجرين؛ لأن الحدیث یأباه، بل المعنى: أن الإسلام بدأ غريباً قليلاً في الأوّل، وقَبِلَهُ قوم قليلون في العدد، فصاروا غرباء؛ لاتُصافهم بالأمر الغريب، وسيعود آخر الزمان غريباً؛ بحيث لا يبقى إلا في آحاد الناس، فطوبى للمتصفين بها في حالتي قلته، فالداخلون تحت لفظ الغرباء هم الذين قبلوا الإيمان في وقت قلة الداخلين، فالمهاجرون، والأنصار، ومن دخل في الإسلام في ابتداء الأمر قبل فشوِّهِ وظهوره، هم الغرباء في الأوّل، ومن بقي على الإسلام في آخر الزمان حين حدوث الفتنة والأهوال المزعجة، المزيلة لصفة الإيمان، هم الغرباء في الآخر، ويؤيد ذلك: ما جاء في بعض الروايات: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَنِ الغَرَبَاءُ؟ قَالَ: ((هُم نَزَّعُ مِنَ القَبَائِلِ)) أخرجه ابن ماجه من حديث ابن مسعود - على ما مَرَّ-، وجاء مصرحاً بأن المراد منهم: المصلحون عند فساد الناس، كما عرفت في ذكر البداية ٤٦٧ غريباً، والعود إلى البداية بيان في الإسلام بعد البداية حتى يصير إلى نهاية، ثم يتراجع إلى الأول، وعليه حديث علقمة بن عبدالله المزني، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ، قَالَ: كُنْتُ فِى مَجْلِسٍ فِيهِ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ بِالمَدِينَةِ، فَقَالَ لِرَجُلٍ مِنَ القَوْمِ: يَا فُلاَنُ! كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ وَّمول يَنْعَتُ الإِسْلاَمَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ يَقُولُ: ((إِنَّ الإِسْلاَمَ بَدَأَ جَذَعاً، ثُمَّ ثَنِيََّ، ثُمَّ رَبَاعِيّاً، ثُمَّ سَدِيساً، ثُمَّ بَازِلاً))، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ ابْنُ الخَطَّابِ: فَمَا بَعْدَ البُزُولِ إِلَّ النُّقْصَانُ؟ !. رواه أحمد، وأبو يعلى، وإسناده حسن. ويحتمل أن يكون (بدا) بمعناه، لا بمعنى طرأ، و(غريباً) مفعوله، والإسناد مجازي، والمعنى: ابتداءُ الإسلام وإنشاؤه الغريب؛ أي: البعيد عن الوطن، يعني: أنّ الفرار عن الأوطان، واختيار التغرب الذي بغير الإسلام لا يعتبر، وإنما المعتبر هو التغرب لأجل الدين لا غير، فلما كان الإسلام سبباً لحصول هذا التغرب، أسند الفعل إليه، وجعله فاعلاً لهذا الفعل، مثل أن يفعله غيره، كما تسند الأشياء إلى الأسباب، فعلى هذا يكون المعنى: إنشاء الإسلام الغربةَ أوّلاً، وتغرب ناسٌ بسبب اتصافهم به عن الأوطان؛ كالمهاجرين ونحوهم، وسيعود حاله كما ابتدأ في حصول هذا الأمر منه، وتغرب جمع في آخر الزمان فراراً بدينهم، كما تغرَّبوا في أوله، والتفسير المنقول أشد مناسبة على هذا؛ إذ النزاع تربع نوع، وهو الذي نزع عن أهله وعشيرته، وبَعُدَ عنهم. ٤٦٨ ٣٩٠ - (١٤٦ / ٢٣٢) - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَالفَضْلُ بْنُ سَهْلِ الأَعْرَجُ، قَالاَ: حَدَّثَنَا شَبابةُ بْنُ سَوَّارِ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ - وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ العُمَرِيُّ -، عَنْ أَبِهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيَّ ◌َِّ، قَالَ: (إِنَّ الإِسْلاَمَ بَدَأَ غَرِيباً، وَسَيَعُودُ غَرِيباً كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ المَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الحَيَّةُ فِي جُخْرِهَا)). الحديث الرابع: حديث ابن عمر عن النبي - عليه السلام -: ((إِنَّ الإِسْلاَمَ بَدَأَ غَرِيباً، وَسَيَعُودُ غَرِيباً كَمَا بَدَأَ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ المَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا)). وهذا الحديث من أفراد مسلم. وفي «الترمذي)) من حدیث کثیر بن عبدالله بن عمر بن عون بن زيد ابن ملحة، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﴿ قال: ((إِنَّ الدِّينَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْحِجَازِ كَمَا تَأْرِزُ الحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا، وَلَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ مِنَ الحِجَازِ مَعْقِلَ الأُرْوِيَّةِ مِنْ رَأْسِ الجَبَلِ، إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيباً، وَيَرْجِعُ غَرِيباً، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَِّي)). إذا عرفت هذا، فاعلم أن الإسلام بدأ غريباً، وهذا الحديث من أفراد مسلم، وقد سلف التعريف برواته. ولَمَّا كانت مكة محلَّ ظهور الإسلام، وموضع تمكنه واستقراره بسبب توطن الرسول - عليه السلام - المدينة، فمنها جعل المسجدين - وهي مكة والمدينة - محلّه، وذكر أنه في آخر الزمان يرجع إلى محله عن سائر البلاد، يعني: لا يبقى في الأرض أحد من أهله إلا ٤٦٩ جماعة في هذين الموضعين. ولما كان الحجاز مشتملاً على مكة والمدينة، ويوجود الإيمان فيهما، وبقائه فيه بقاؤه، جاء ذكرُ الحجاز من حديث عمرو بن عوف لذلك. أو يكون المعنى: أن الإيمان يبقى في الحجاز، ثم في مكة والمدينة، ثم في المدينة، ولهذا خصَّها بالذكر؛ إيماءً إلى أن مكة تخرب قبل المدينة - على ما سيجيء من تخريب الحبشةِ الكعبةَ -، وأن آخر ما يُحْشر: راعيان من مُزَيْنَةَ يُريدانِ المدينة . وجاء في حديث أبي هريرة، مرفوعاً: ((آخِرُ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الإِسْلاَمِ خَرَاباً المَدِينَةُ)) أخرجه الترمذي. فالمراد: بيان ظهور الفتن في الآفاق، وتوجه أهل الإيمان إلى الحرمين الشريفين، وتوطنهم فيهما، ثم وقوع الفتن بمكة، واجتماع الناس بالمدينة، وتوجههم إليها. * في قوله: (بَيْنَ المَسْجِدَيْنِ) إيماء إلى أن الناس في هذا الزمان متردِّدون بينهما، يتوجهون إلى مكة لأجل طواف البيت، ثم يعودون إلى المدينة لأجل زيارة النبي - عليه السلام -، أو يقصدون المدينة لأجل زيارته - عليه السلام -، ثم يتوجهون منها إلى مكة لأجل الطواف، فيكون الإيمان [بالنسبة] إلى أهله يترددون بينهما، يتوجهون من أحدهما إلى الآخر، ثم يرجعون إليه، فإذا ذهب الطواف؛ لخراب البيت، يتوجهون إلى المدينة، ويستقرون فيها. ٤٧٠ يقال: فلان يَأْرِزُ - بفتح الياء ثم همزة ساكنة ثم راء مهملة مكسورة، هو المشهور من الرواية، ويروى بالضم، والفتح فيها أيضاً، وآخرها زاي معجمة - إلی وطنه؛ أي: حیثما ذهب، رجع إليه. وقال أبو عُبيد: يأرز: ينضمُّ، ويجتمع بعض إلى بعض. وقال ابن دُريد: أَرَز الشيءُ يأرِز: إذا ثبت في الأرض، وشجرة آرِزَة؛ أي: ثابتة مجتمعة. ففي اختيار هذه الكلمة إيماءٌ إلى أن المسجدين محلُّ استقرار الإيمان وثباته واجتماعه واستحكامه؛ لأنه ظهر منهما، وسيعود إليهما. ومعنى (وَلَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ): ليعتصم ويلتحد، ويحتمي، والأُرْوِيَّةُ: الشاة الواحدة من شياه الجبل، وجمعُها أَرْوى، وفي إيراد الأفعى والأروية إيماءٌ إلى فرار الإيمان من سائر البلدان، واستقراره في الحجاز، وأن الحجاز مأمن له ومستقر، كما أن رأس الجبل مأمن الأروية ومستقرها، فالواجب على المؤمن أن يتوجه إلى وطن الإيمان، ويستقر هناك. اللهم بحقِّ جلالك وعظمتك أن توفقنا للتوجُّه نحوهما، والإقامة فيهما بمنِّك وكرمك یا منان. ٣٩١ - (١٤٧ / ٢٣٣) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أَسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ حِ، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُاللهِ، عَنْ خُبَيْبٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ ٤٧١ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ قَالَ: ((إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى المَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الحَيَّةُ إِلَى جُخْرِهَا)). الحديث الخامس: حديث أبي هريرة: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّهِ قَالَ: ((إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى المَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا». أخرجه البخاري، وابن ماجه في: (المناسك). إذا عرفت هذا، فاعلم أن التشبيه بالحيَّة في أنها البتةَ ترجع إلى جُخْرها، ولا تسكن خارج الجحر إلا قليلاً، فيكون إيماء إلى أن الإيمان يرجع عن قريب إلى وطنه؛ كما ترجع الحية إلى جحرها، و- أيضاً -: رجوعها - في الغالب - لا يكون إلا عن خوف، فرجوعُ أهل الإيمان إلى المدينة - أيضاً - لأجل الفرار من الفتن في الغالب(١)؛ بحيث يخرجه عن سَنَن الاستقامة، الذي هو في الحقيقة الهلاك الذي ليس وراءه هلاك؛ لأنه هلاك الروح، كما أن رجوع الحية إلى الجحر لأجل هلاك الجسد، فينبغي أن يكون معه التوجُّه إلى هذه البقاع الشريفة حفظُ الروح عن الهلاك، لا أن يراد: الرياء والسُّمعة، وأن يقال: فلان حاج بيت الله تعالى، أو حاج الحرمين، ويَتَصَلَّف على الناس بذلك، ويفتخر، ويجعل الشيء الذي هو سبب حياة روحه سبب موته - نعوذ بالله من الشيطان وأعوانه -. (١) في الأصل: ((القلب)) بدل ((الغالب)). ٤٧٢ ٣٩٢ - (١٤٨ / ٢٣٤) - حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَخْبَرَنَاَ ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لاَ يُقَالَ فِي الأَرْضِ: اللهُ اللهُ. ٣٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَاَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَاَ مَعْمَرٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اللهُ اللهُ. الحديث السادس: حديثُ أنس: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّةِ قَالَ: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لاَ يُقَالَ فِي الأَرْضِ: اللهُ الله). وفي رواية: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اللهُ الله). وهذا الحديث من أفراد مسلم، والرواية: تكريرُ اسم الله تعالى بالرفع فيهما، على أن مقول القول - يعني: قيام الساعة - في وقت لا يُقال: الله الله في الأرض، وعلى أنّ الأوّل مبتدأ، والثاني خبر، كما في قوله: أَنَا أبُو النَّجْمٍ وَشِعْرِي شِعْرِي والمعنى: لا تقوم الساعة حتى يرتفع التوحيدُ من أهل الأرض، فلا يقال: الله الله؛ أي: لا يقولُ أحدٌ: المعبودُ بالحقِّ هو الواحد القهار. وقيل: على حذف حرف النداء، والمعنى: لا يبقى أحد يدعوه، ويقول: يا الله يا الله! وقيل: على حذف الخبر. وذكر القرطبي: أن الرفع بعيد، والوجه [النصب] وكذا قيدناه ٤٧٣ عن محققي مشايخنا، ووجهه: أن هذا من باب التحذير؛ مثل: الأسدَ الأسدَ. ولا يخفى بُعدُ هذا الوجه؛ إذ لا وجه للتحذير هاهنا، وذكر النووي أنته] غلط . ويؤيد ما ذكرنا في وجه الرفع من أن الغرض نفي التوحيد: ما حكى القاضي عياض: أن في رواية أبي جعفر في الحديث الثاني: (لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اللهُ، الله (١)). وفي ((مسند أحمد)) من حديث أنس، مرفوعاً: ((لاَ تَقُومُ السّاعَةُ حَتَّى لاَ يُقَالِ فِي الأَرْض: اللهُ الله (٢)) ورجاله رجال الصحيح. وسيجيء وجه الجمع بين هذا الحديث وبين قوله: ((لاَ تَزَال طَائِفَة مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الحَقّ) الحديث، وفي معنى هذا الحديث: ما مَرَّ من قوله: ((إِنَّ الله يَبْعَث رِيحاً مِنْ الْيَمَن)) الحديث، وكذا ما سيأتي من أن الساعة لا تقوم إلا على أشرار الناس، وغيره من الأحاديث الواردة في الفتن، والمعنى: أن الإيمان ينقص، وأهله تقل حتى لا يبقى أحد منهم(٣)، وحينئذ تقوم الساعة. (١) في الأصل: ((يقول: لا إله إلا الله)). (٢) في الأصل: ((حتى لا يقال في الأرض: لا إله إلا الله)). (٣) في الأصل: ((منه)). ٤٧٤ ٣٩٤ - (١٤٩ / ٢٣٥) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَمُحَمَّدُ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ ثُمَيْرٍ، وَأَبَّوْ كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ -، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ خُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ لَهِ، فَقَالَ: ((أَحْصُوا لِي كَمْ يَلْفِظُ الإِسْلاَمَ)). قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَتَخَافُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ مَا بَيْنَ السِّتِّ مِئَةٍ إِلَى السَّبْعِ مِئَةٍ؟ قَالَ: ((إِنَّكُمْ لاَ تَدْرُونَ لَعَلَّكُمْ أَنْ تُبْتَلَوْا)). قَالَ: فَابْتُلِينَا، حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا لاَ يُصَلِّي إِلَّ سِرّاً. الحديث السابع: حديث حذيفة، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَقَالَ: ((أَحْصُوا لِي كَمْ يَلْفِظُ الإِسْلاَمَ)). قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَخَافُ عَلَيْنَا، وَنَحْنُ مَا بَيْنَ السِّتِّ مِثَّةٍ إِلَى السَّبْعِ مِثَةٍ؟ قَالَ: ((إِنَّكُمْ لاَ تَدْرُونَ لَعَلَّكُمْ أَنْ تُبْتَلَوْ)). قَالَ: فَابْتُلِينَا، حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا لاَ يُصَلِّي إِلَّسِرّاً. أخرجه البخاري في (الجهاد)، والنسائي في (السير)، وابن ماجه في (الفتن). إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع : الأوّل: في المعنى : ومعنى (أَحْصُوا) عدداً، ومنه قوله: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍعَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨] وفي البخاري: (أُكْتُبُوا) بدل (أَحْصُوا)، وفي رواية ابن ماجه: (أحضروا). * وقوله: (كَمْ يَلْفِظُ) يلفظ على لفظ المضارع، و(الإِسْلاَمَ) ٤٧٥ منصوبٌ مفعولُه - بحذف الباء -، وأصله: كَمْ يَلْفِظُ بِالإِسْلاَمِ، ويحتمل أن يكون على تضمين يُظْهرُ؛ أي: كم شخصاً يُظْهِرُ الإسلام؟ وفي بعض الروايات (تلفظ) - بالتاء الفوقانية - على وزن تَفَعَّلَ. وفي بعض الروايات للبخاري: ((أُكْتُبُوا مَنْ تَلَفّظَ بِالإِسْلام)). وفي النسائي: (أَحْصُوا لِي مَنْ كَانَ يَلْفِظُ بِالإِسْلاَمِ)). وفي رواية أبي يعلى الموصلي: ((أَحْصُوا كُلَّ مَنْ كَانَ يَلْفِظ بِالإِسْلاَم))، والمعنى في الكلِّ متقارب. وفي اختيار هذا دون أن يقول: أحصوا لي المسلمين، إيماءٌ إلى أن المسلم الصادقَ والمنافقَ داخلٌ في العدِّ، والغرض: بيان قلة عددهم في الأوّل؛ بحيث يكون جميع الذين يظهرون الإسلام؛ سواء عن صميم القلب، أو عن اللسان، كانوا بهذا العدد. وفي قول السائل: (فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَتَخَافُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ مَا بَيْنَ السِّتِّ مِئَّةٍ إِلَى السَّبْعِ مِئَةٍ؟) - أيضاً - إلى أنه يرى ذلك العدد کثیراً، حتى يتصور زوال الخوف بذلك. وفيه: بيان أن أهل الإسلام كانوا أقل من ذلك قبله، وأن بلوغهم إلى هذا العدد الذي هو القليل يكون عندهم في ذلك الزمان كثيراً. وأما دخول اللام في (السِّتِّ مِئَةٍ) و(السَّبْع مِئَةٍ) على ما هو الرواية في مسلم، وابن ماجه، فقيل: (مئة) منصوب على التمييز، على ما هو قول بعض النحاة. ٤٧٦ وقيل: مجرور، واللام زائدة، وفي غيرها بلا تعريف، وهو ظاهر. الثاني: في الجمع بين هذه الرواية، وبين ما جاء في ((البخاري)) في بعض الروايات: (فَكَتَبْنَا لَهُ أَلْفاً وَخَمْسَ مِئَةٍ رَجُل، فَقُلْنَا: نَخَافُ وَنَحْنُ أَلْفٌ وَخَمْسُ مِئَةٍ؟!)، وفي بعضها: (فَوَجَدْنَاهُمْ خَمْسَ مِئَةٍ)، فبالتخصيص بأن يكون المراد من خمس مئة المقاتِلَة، ومن ست مئة إلى سبع مئة الرجال، ومن ألف وخمس مئة بانضمام النساء والأطفال، أو المراد من خمس مئة: الخُلَّص من أهل المدينة، ومن ست مئة إلى سبع مئة هم مع غير خُلْصِهِم، ومن ألف وخمس مئة هم مع ضم غيرهم من المسلمین إليهم. هذا كله إذا كان الإحصاء مرة واحدة؛ أَمَّا إذا كان أمر النبي - عليه السلام - لهم بالإحصاء مرات، فلا إشكال. والثالث: في الابتلاء الذي ذكر من أن الرجل لا يقدر أن يصلي إلا سراً، فقيل: كان بعد النبي - عليه السلام - في الفتن التي جرت، وهو اختيار النووي، ورُدَّ بأن هذا لا يناسب العدد المذكور؛ لأن المسلمين بعد النبي - عليه السلام - في وقت هذه الفتن كانوا أضعاف هذا العدد . وأجيب: بأن ذلك لا يتعلق بالعدد، بل إنهم لما قالوا: ما بقي علينا مقام الخوف؛ لأنََّ صِرْنا عدداً كثيراً، بيَّن لهم النبي - عليه السلام - بأن الابتلاء لا يندفع بالعدد: ((لاَ تَدْرُونَ لَعَلَّكُمْ أَنْ تُبْتَلَوْا)) في وقت ٤٧٧ يكون عددكم أزيدَ من هذا العدد بكثير . وفيه: بيان أن الإحصاء، ليس لأجل العلم بأنهم هل يقدرون على دفع البلاء أم لا؟ بل لأجل أغراض أخر. وقيل: في يوم الخندق. وقيل: وقت التوجه إلى تبوك. وقيل: إلى بدر الصغرى. والأظهر: أن ذلك حين كانوا في أوّل الإسلام بمكة؛ فإن المشركين في هذا الوقت كانوا يؤذونهم، ويمنعونهم من إظهار صلاتهم، حتى كانوا يصلون سراً، فالغرض: بيان أن المؤمنين وقع لهم الابتلاء في بدء الإسلام؛ لظهور الفتن فيه، كما سيكون ذلك في آخر الزمان. وفيه: تسلية للمبتلى، وتسرية له بأن يعلم ذلك لم يزل واقعاً على خُلَّصِ عباد الله تعالى. وعن أنس، مرفوعاً: ((عِظَمُ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْماً، ابْتَلَاَهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ، فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ الشُّخْطُ)) أخرجه ابن ماجه. الرابع: في وجه الترتيب: ولله درُّ مسلم في إيراد هذه الأحاديث على هذا الترتيب؛ حيث أورد أوّلاً: الحديث المشتمل على بيان وقوع الفتنة مطلقاً. ثم المشتمل على بيان شدتها، وابتداء زمان وقوعها. ٤٧٨ ثم على بيان غلبة تأثيرها؛ بحيث لا يبقى من أهل الإيمان أحد إلا في المسجدين. ثم على تمام انقراضه من الأرض جميعاً. ثم المشتمل على التسلية، وأنه لم يزل يقع الأمر على ذلك، ولا يخلو القوم في بدوِّ الإسلام عن الابتلاء، كما لا يخلو عنه في آخر الزمان، فطوبى للغريب الصابر المحتسب، الفارِّ بدينه من الفتن، الحافظ له من البطلان والفساد. ٤٧٩