Indexed OCR Text

Pages 401-420

لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ)). قَالَ: فَدَخَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، فَقَالَ:
مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالُوا: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: صَدَقَ أَبُو عَبْدِ
الرَّحْمَنِ، فِيَّ نَزَلَتْ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ أَرْضٌ بِاليَمَنِ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى
النَّبِيِّ نَّهِ، فَقَالَ: ((هَلْ لَكَ بَيَِّةٌ؟))، فَقُلْتُ: لاَ، قَالَ: ((فَيَمِينُهُ))،
قُلْتُ: إِذاً يَحْلِفُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى
يَمِينٍ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِكٌ مُسْلِمٍ هُوَفِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ
غَضْبَانُ))، فَتَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا ﴾ [آل
عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ .
وفي رواية: «كَانَتْ بَنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِثْرِ».
في رواية: قال ابن مسعود: ((ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَهِ مِصْدَاقَهُ
مِنْ كِتَابِ اللهِ: ﴿ إِنَّالَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ [آل عمران:
٧٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ» .
أخرجه البخاري في (الأحكام)، وغيرِه، وابن ماجه فيه، وأبو
داود في: (الأيمان والنذور)، والنسائي في (القضاء)، والترمذي في
(البيوع)، [وقال]: وفي الباب: عن وائل بن حُجر، وأبي موسى،
وأبي أمامة، وعمران بن حصين، وأخرجه في (التفسير) - أيضاً -،
وقال: وفي الباب: عن ابن أبي أوفى.
وأقول: حديث وائل سيجيء، وحديث أبي أمامة قد مَرَّ،
وحديث عمران بن حصين: قال رسول الله بَّهُ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ
مَصْبُورَةٍ كَاذِبِاً، فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) أخرجه أبو داود.
٤٠١

وحديث أبي موسى، قَالَ: ((اخْتَصَمَ رَجُلاَنِ إِلَى النَّبِيِّ بَّ فِي
أَرْضِ، أَحَدُهُمَا مِنْ أَهْلِ حَضْرَمَوْتَ، قَالَ: فَجَعَلَ يَمِينَ أَحَدِهِمَا،
قَالَ: فَضَجَّ الآخَرُ، وَقَالَ: إِنَّهُ إِذاَ يَذْهَبُ بِالأَرْضِ. فَقَالَ: ((إِنْ هُوَ
اقْتَطَعَهَا بِيَمِينِهِ ظُلْماً، كَانَ مِمَّنْ لاَ يَنْظُرُ اللهُ وَّ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلاَ
يُزَكِّيهِ، وَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)). قَالَ: وَوَرِعَ الآخَرُ، فَرَدَّهَا. رواه أحمد،
وأبو يعلى، والطبراني، وإسناده حسن.
وحديث ابن أبي أوفى(١).
وفي الباب: عن جابر: أن رسول الله وٍَّ قال: ((لاَ يَحْلِفُ أَحَدٌ
عَلَى يَمِينٍ آئِمَةٍ عِنْدَ مِنْرِي هَذَا، وَلَوْ عَلَى سِوَاكٍ أَخْضَرَ، إِلاَّ تَبَوَّأَ مَفْعَدَهُ
مِنَ النَّارِ، أَوْ: وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ)) أخرجه أبو داود، وابن ماجه.
وعن أبي هريرة، قال: ((لاَ يَحْلِفُ عِنْدَ هَذَا المِنْبَرِ عَبْدٌ وَلاَ أَمَةٌ
عَلَى يَمِينٍ آئِمَةٍ، وَلَوْ عَلَى سِوَاكِ رَطْبٍ، إِلَّ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ)) أخرجه
ابن ماجه .
وعن سلمةَ بنِ الأكوع، مرفوعاً: (لاَ يَحْلِفُ عِنْدَ المِنْبَرِ عَلَى
يَمِينٍ كَاذِبَةٍ إِلاَّ تَبَوَّأَ مَفْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)).
وعن جابر بن عتيك يرفعه: ((مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِكْ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ،
حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ، وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ))، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَإِنْ شَيْءٌ
يَسِيرٌ؟ قَالَ: ((وَإِنْ كَانَ سِوَاكاً)) رواهما الطبراني، وإسنادهما حسن.
(١) بياض في الأصل.
٤٠٢

وعن أبي سود(١)، مرفوعاً: ((اليَمِينُ الفَاجِرَةُ الَّتِي يَقْتَطِعُ بِهَا
الرَّجُلُ مَالَ المُسْلِمِ تَعْقِمُ الرَّحِمَ)) رواه أحمد، والطبراني.
وعن عبد الرحمن بن عوف، يرفعه: ((اليَمِينُ الفَاجِرَةُ تُذْهِبُ
المَالَ، أَوْ: تَذْهَبُ بِالمَالِ» رواه البزار.
إذا عرفت هذا، فالكلام ــ هاهنا - في مواضع:
الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف.
(جَامِعٌ)، وهو ابْنُ أَبِي رَاشِدٍ الكاهل، الكوفي.
عن أبي الطفيل، وميمون بن مهران، وجمع.
وعنه السفیانان، وشريك، وجماعة.
وَثَّقَهُ أحمد، وأخرج له الستة، وقال العجلي: ثقة، ثبت،
صالح.
وَ(عَبْدُ المَلِكِ بْنُ أَعْيَنَ الكوفي).
عن أبي عبد الرحمن السلمي، وعبدالله بن شداد، وجمع.
وعنه السفیانان، وجماعة.
أخرج له الستة.
قال ابن عُيينة: كان رافضياً صاحبَ رَأي.
وقال ابن معين: ليس بشيء.
(١) في الأصل ((أبي مسودة)).
٤٠٣

وقال أبو حاتم: هو من عُتَّق الشيعة، محله الصدق.
الثاني : فيما يتعلق بالمعنى :
قوله: (لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ)؛ يعني: يدخله النار،
فمعنى هذا الوعيد والذي قبله قريب إلى السواء، لكن لمَّا كان غضب
الله تعالى هو إرادة الانتقام، وإذا أراد الله شيئاً، فلا مرد له، كان هذا
الوعيد أشدّ من الأول، فوقع في مقابلة جريمة فيها زيادة على الأولى،
وهو كون الحالف فاجراً في يمينه؛ فإن اقتطاع حق المسلم باليمين يدل
على الفجور - على ما مَرَّ -، فزيادة التصريح بعد ما علم ضمناً تدل
على زيادة القصد، فيستحق زيادة الوعيد بين قوله: فنزلت: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ﴾ [آل عمران: ٧٧] الآية، وهو قوله في الرواية
الأخرى: (ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَه (مِصْدَاقَهُ) مِنْ كِتَابِ اللهِ: ﴿ إِنَّ
الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٧٧] الآية)؛ لأنه يحتمل أن الآية نزلت في هذه
القضية، وقرأها رسول الله وعليهم في قصة مثلها، وهي التي رَوَاها الثاني.
والغرض من قوله: ((مِصْدَاقَهُ))، وإن كان كلام النبي - عليه
السلام - مما لا حاجة إلى المصدِّق؛ فإنه حق وصدق - زيادةٌ
التأكيد، والإعلام بأن المراد بالذين يستبدلون عهد الله بالثمن اليسير،
وهو الحظوظ الدنيوية، ويستبدلون بها أيمانهم - أيضاً -، وهو أيمانه
على المكلفين أن يقوموا بالقِسْط، ويعملوا بالعدل، فيكون أشد تمكيناً
في النفوس، وأكثر تثبيتاً في القلوب.
ثم لما كان في كل واحد من الحديثين نوعُ زيادة تعمُّد في فعل
٤٠٤

الحالف؛ حيث ذكر في الأول اقتطاع حق المسلم باليمين، وفي الثاني
هو مع زيادة قوله: (هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ)، استشعر نوع اختصاص الوعيد
المذكور بمن له زيادة تعمد ومكابرة على اليمين الباطل، فأورد
الحديث المشتمل على الوعيد المذكور، وهو غضب الله تعالى بدون
ما يكون فيه هذه الزيادة، وهي ((مَنْ حَلَفَ عَلَى مَالِ امْرِكٌ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ
حَقِّهِ))، فهذا أشد في الوعيد من الأوليتين، لاشتمالهما على نوع زيادة
الجريمة، وخلوه عنه، مع اتحاد الوعيد، فلذا أخَّره.
ثم تخصیص المسلم بالذكر؛ إِمَّا لأن هذا الوعيد الشديد يختص
و
به، وإن كان أخذَ مالِ الذِّمِّيِّ - أيضاً - محرماً، لكن استحقاقه العقوبة
دون هذا، فلذا خصّصه، وهو الموافق لقواعد القائلين بالمفهوم،
والمتبادر إلى الفهم.
وإِمَّا لأن المخاطبين هم المؤمنون، والغرض: بيان أحوالهم،
لا بيان اختصاص الحكم بهم، وهو اختيار القاضي عياض.
والأظهر: أن التخصيص لبيان التفرقة بين المسلم والذمي في
الشرف؛ فإن الحالف هو اليهودي مصرحاً في ((سنن أبي داود))،
وغيره، فأومأ النبيّ - عليه السلام - بذكر المسلم إلى أن حقه عند الله
تعالى عظيم، وأن الحالف على ماله بغير حق يستحق هذا الوعيد،
زجراً لليهودي عن الإقدام على الحلف الكاذب زعماً منه بأن أخذ مال
مسلم بأيّ طريق كان له؛ لأنه على خلاف دينه؛ كما جاء في قوله
تعالى حكاية عنهم: ﴿لَسَ عَلَيَّنَا فِىِ الْأُمِّنَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥] الآية.
٤٠٥

الثالث: في قوله: ((شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ»، وفيه دليل على أن
المدَّعِي يلزمه إحضار البينة، فإن لم يقمها، يحلف المدعى عليه،
وهذا حكم متفق عليه في المذاهب، مستفاد من هذا الحديث وأمثاله.
وأمّا ما يروى عن النبي - عليه السلام - قوله: ((البَيَِّةُ عَلَى
المُدَّعِي، وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ))، فليس بصحيح روايةً؛ لأن مداره
على مسلم بن خالد الزنجي، ولا يُحتج به، لكن معناه صحيح بشهادة
هذا الحدیث.
وحديثُ ابن عباس: قال النبي - عليه السلام -: ((وَلَكِنَّ الْيَمِينَ
عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ))(١)، على ما سيجيء بيانه - إن شاء الله تعالى -.
٣٧٥ _ (١٣٩ / ٢٢٣) - حَدَّثَنَا قُتَنْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي
شَيَْةَ، وَهَنَّاهُ بْنُ السَّرِيِّ، وَأَبُو عَاصِمِ الحَنَفِيُّ - وَاللَفْظُ لِقُتَنِيَّةَ -، قَالُوا:
حَدَّثْنَا أَبُو الأَخْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنٍ وَائِلٍ، عَنْ أَبِهِ، قَالَ:
جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ، وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى النَّبِيِّ لَهُ، فَقَالَ
الحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ هَذَا قَدْ غَيَتِي عَلَى أَرْضٍ لِي كَانَتْ لأَبِي.
فَقَالَ الكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي فِي بَدِي، أَزْرَعُهَا، لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ. فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ﴿ لِلْحَضْرَمِيِّ: ((أَلَكَ بِيَّةٌ؟)). قَالَ: لاَ، قَالَ: ((فَلَكَ يَمِينُهُ»،
(١) في الأصل: ((ولكن اليمين على من أنكر)).
٤٠٦

قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ، لاَ يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ
يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ. فَقَالَ: ((لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّ ذَلِكَ))، فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِوَ﴿ لَمَّ أَدْبَرَ: ((أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْماً، لَيَلْقَيَنَّ اللهَ
°وو٥
وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ)).
٣٧٦ - (١٣٩ / ٢٢٤) - وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ جَمِيعاً، عَنْ أَبِيِ الوَلِيدِ، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَبْدِ
المَلِكِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ
وَائِلٍ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِوَ﴾ِ، فَأَنَاهُ رَجُلاَنِ
يَخْتَصِمَانِ فِي أَرْضٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّ هَذَا انْتُزَى عَلَى أَرْضِي بَا
رَسُولَ اللهِ فِي الجَاهِلِيَّةِ، - وَهُوَ امْرُؤُ القَيْسِ بْنُ عَابِسِ الكِنْدِيُّ،
وَخَصْمُهُ رَبِيعَةُ بْنُ عِبْدَانَ -، قَالَ: (َبِّكَ)). قَالَ: لَيْسَ لِي بِيّةٌ. قَالَ:
(يَمِينُهُ). قَالَ: إِذاً يَذْهَبُ بِهَا. قَالَ: (لَيْسَ لَكَ إِلَّ ذَاكَ))، قَالَ: فَلَمَّا قَامَ
لِيَحْلِفَ، قَالَ رَسُولُ الهَِّهِ: (مَنِ اقْتَطَعَ أَرْضاً ظَالِماً، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ
غَضْبَانُ». قَالَ إِسْحَاقُ فِي رِوَايَتِهِ: رَبِيعَةُ بْنُ عَيْدَانَ.
الحديث الثالث: حديثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرِ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ
حَضْرَمَوْتَ، وَرَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ، فَقَالَ الحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ
اللهِ! إِنَّ هَذَا قَدْ غَلَيَتِي عَلَى أَرْضٍ لِي كَانَتْ لِأَبِي. فَقَالَ الكِنْدِيُّ: هِيَ
أَرْضِي فِي يَدِي، أَزْرَعُهَا، لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَ﴾
٤٠٧

لِلْحَضْرَمِيِّ: ((أَكَ بِيّةُ؟)). قَالَ: لاَ، قَالَ: ((فَلَكَ يَمِينُهُ))، قَالَ: يَا رَسُولَ
اللهِ! إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌّ، لاَ يُبَلِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يَتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ.
فَقَالَ: (لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّ ذَلِكَ))، فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِه
لَمَّا أَدْبَرَ: «أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْماً، لَيَلْقَيَنَّ اللهَ وَهُوَ عَنْهُ
مُعْرِضٌ)).
وفي رواية: أتى النَّبي - عليه السلام - رَجُلاَنِ يَخْتَصِمَانِ فِي
أَرْضٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّ هَذَا انْتُزَى عَلَى أَرْضِي يَا رَسُولَ اللهِ فِي
الجَاهِلِيَّةِ - وَهُوَ امْرُؤُ القَيْسِ بْنُ عَابِسِ الكِنْدِيُّ، وَخَصْمُهُ رَبِيعَةُ بْنُ
عِبْدَانَ -، قَالَ: (بَّكَ)). قَالَ: لَيْسَ لِي بَيْنَةٌ. قَالَ: ((يَمِينُهُ». قَالَ: إِذاً
يَذْهَبُ بِهَا. قَالَ: (لَيْسَ لَكَ إِلَّ ذَاكَ))، قَالَ: فَلَمَّا قَامَ لِيَحْلِفَ، قَالَ
رَسُولُ اللهِ﴾: ((مَنِ اقْتَطَعَ أَرْضاً ظَالِماً، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ)).
أخرجه أبو داود في (الأيمان)، والنسائي في (القضاء)، وكذا
الترمذي، ثم قال: وفي الباب: عن عمر، وابن عباس، وعبدالله بن
عمرو، والأشعث بن قیس .
وأقول: حديث عمر، وابن عباس، وعبدالله بن عمرو سيجيء
في (الغصب والدعاوى).
وحديث الأشعث بن قيس: أَنَّ رَجُلاً مِنْ كِنْدَةَ، وَرَجُلاً مِنْ
حَضْرَمَوْتَ، اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ بَهُ فِي أَرْضٍ مِنَ الْيَمَنِ، فَقَالَ
٤٠٨

الحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أَرْضِي اغْتَصَبَنِيهَا أَبُو هَذَا، وَهِيَ فِي
يَدِهِ، قَالَ: ((هَلْ لَكَ بِيَّةٌ؟))، قَالَ: لاَ، وَلَكِنْ أُحَلِفُهُ: وَاللهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا
أَرْضِ اغْتَصَيَنِهَا أَبُوهُ، فَتَهَيََّ الكِنْدِيُّ لِلْيَمِينِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّى:
((لاَ يَقْتَطِعُ أَحَدٌ مَالاَ بِيَمِينٍ، إِلاَّ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ أَجْذَمُ))، فَقَالَ الكِنْدِيُّ:
هِيَ أَرْضُهُ)). أخرجه أبو داود.
وأخرج ابن ماجه عن الأشعث: أنّ بينه وبين رجل من اليهود
خصومة في أرض، ثم ذکر کما مَرَّ في حديث ابن مسعود.
وفي الباب: عن عدي بن عميرة، قَالَ: خَاصَمَ رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ يُقَالُ
لَهُ: امْرُؤُ القَيْسِ بْنُ عَابِسٍٍ رَجُلاً مِنْ حَضَرَمَوْتَ [إِلَى رَسُولِ اللهِآَ فِي
أَرْضٍ، فَقَضَى عَلَى الحَضْرَمِيِّ بِالبَّةِ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُ بِيَّةٌ، فَقَضَى عَلَى
امْرِىِ القَيْسِ بِالْيَمِينِ، فَقَالَ الحَضْرَمِيُّ: إِنْ أَمْكَتُهُ مِنَ الْيَمِينِ يَا رَسُولَ
اللهِ، ذَهَبَتْ وَاللهِ - أَوْ: وَرَبُّ الْكَعْبَةِ - أَرْضِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: (مَنْ
حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ، لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ أَخِيهِ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ
غَضْبَانُ))، قَالَ رَجَاءٌ: وَتَلاَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ
وَأَيْمَنِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا ﴾ [آل عمران: ٧٧]، فَقَالَ امْرُؤُ القَيْسِ: مَاذَا لِمَنْ تَرَكَهَا
يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((الجَنَّةُ)). قَالَ: فَاشْهَدْ أَنِّي قَدْ تَرَكْتُهَا لَهُ كُلَّهَا. رواه
أحمد، والطبراني، ورجاله ثقات.
وروى الطبراني عن العرس بن عميرة مثله، ورجاله ثقات.
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع :
٤٠٩

الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف.
(هَنَّادٌ)، وهو أبو السَّرِيِّ هَنَّاهُ بْنُ السَّرِيِّ بن مُصْعَبِ التميميُّ،
الدارميُّ الحافظُ.
عن شريك، وابن عُيينة، وابن المبارك، وخلائق.
وعنه أبو حاتم، ومطين، وعَبْدان، وآخرون.
وَثَّقَهُ النسائي وغيرُه، وأخرج له مسلم والأربعة.
توفي سنة ثلاث وأربعين و مئتین.
وأمّا (عَبْدُ المَلِكِ)، فهو أبو عمرو عَبْدُ المَلِكِ بنُ عُمَيْرِ بنِ سُويد
ابن جارية - بالجيم -، اللخميُّ - بالخاء المعجمة - الكوفيُّ من ولد مرّة
ابن أدَد، ويقال له: القبطيُّ - أيضاً -؛ لأن له فرساً يعرف بالقبطي،
ولهذا يقال له: الفرسي - أيضاً - نسبة إلى ذلك الفرس، وربما يشتبه
بالقرشي - بالقاف والشين -، نسبة إلى قريش، وقد مَرَّ [أنه] رأى عليَّ
ابنَ أبي طالب، وأبا موسى الأشعري، وسمع من جرير بن عبدالله،
وجابر بن سمرة، والمغيرة بن شعبة، وخلائق.
وعنه سليمان التيمي، وإسماعيل بن أبي خالد، والأعمش،
والسفیانان، وآخرون.
وكان على قضاء الكوفة بعد الشعبي، وَثَّقَهُ العجلي، وأخرج له
الستة .
وقال أحمد: ضعيف.
٤١٠

وقال ابن معين: مختلط.
وقال أبو حاتم: ليس بحافظ، وهو صالح تغيّر حفظه قبلُ.
وقال النسائي : ليس به بأس .
وأمّا (عَلْقَمَةُ)، فهو ابْنُ وَائِلِ بْنِ حُجْرِ الحضرميُّ، الكوفيُّ.
عن أبيه، والمغيرة بن شعبة.
وعنه أخوه عبد الجبار، وعبد الملك بن عمير، وجماعة.
وَثَّقَهُ ابن حبان، وأخرج له مسلم والأربعة.
والثاني: فيما يتعلق بالمعنى :
ويستدل من هذا الحديث على أن القضاء إنما ينفذ ظاهراً، على ما
هو أكثر المذاهب، ويجيب عنه القائل بنفاذه باطناً: بأن هذا للتغليظ، ولا
يثبت به الحكم؛ إذ لاشك أنه مصروف عن ظاهره، وأن صاحب الید
أولى من أجنبي يدعي عليه؛ حيث طلب البينة من المدعي، وأن البينة
مقدمة على اليد، ويُقضى لصاحبها بغير يمين؛ بخلاف اليد؛ فإن مع
فقدان بينة المدعي لابد من حلف صاحب اليد، وإن يمين الفاجر تقبل
كيمين العدل في أحكام الشرع، حتى تسقط عنه المطالبة بها شرعاً، وأنه
لا يلزم المدعي أن يطلب من المدعى عليه شيئاً غير اليمين.
وأمّا الاستدلال بأنه إذا عُلِمَ أن المدعى عليه فاجر، لا يلزمه
سوى اليمين المجرد من غير تغليظ بالطلاق ونحوه = فضعيف؛ لأنه
لا يعلم من الحديث سوى أن للمدعي على المدعى عليه اليمين إذا
عجز عن البينة .
٤١١

وأما كيفية اليمين، فلا دلالة في الحديث عليه، على أنه لا دلالة
فيه على كون المدعى عليه فاجراً أيضاً؛ إذ لا يثبت ذلك بقول
المدعي.
والتغليظ إنما جوّزه من جوّز فيمن يحكم أنه فاجر يقدم على
اليمين بالله تعالى، ولا يتحاشى عن ذلك.
ويُعلم من الحديث - أيضاً -: أن قول الخصم لخصمه عند
المنازعة: هو كاذب، أو فاجر، ونحو ذلك، فيه مساغ، والجمهور
على أنه لا يجوز، بل للحاكم منعُه وتأديبُه؛ لما تقرر من تحريم
السباب، ويحملون هذا الحديث على أن النبي - عليه السلام - كان
يعلم فسق المقول فيه، وكان القائل صادقاً، وعلى أن هذا حق المقول
له، وقد ترکہ، ولو طلبه، لحکم النبي ۔ علیہ السلام - له.
وفيه: أن الوارث إذا ادعى شيئاً لمورِّته، وعلم الحاكم بأن لا
وارثَ له سواه، تُسمع دعواه، ولا يلزمه إقامة البينة على كونه وارثاً،
ولا وارث له سواه؛ لأن النبي - عليه السلام - ما طلب من الحضرمي
البينة على الحصر بعدما أقر بأن المدعَی کان لأبيه ورثه منه.
وقيل: طلب البينة منه يتناول ذلك - أيضاً -. ورُدَّ بأنه خلاف الظاهر ؛
حيث ذكر يمين صاحبه في مقابلة بينته على الملكية، وما طلب منه
شيئاً آخر، فَعُلِم أن ذلك إنما يجب إذا لم يسلم المدعى عليه، فأما إذا
سلم، فلا يجب، وهذا مشكل؛ فإنه ليس في الحديث إلا بيان أن
٤١٢

المدعي ذكر أن الأرض كانت لأبيه، وقد ورثها من أبيه، وهذا
الشخص قد غلب عليها بالغصب، والنبي - عليه السلام - سمع ذلك
منه من غير طلب البينة على وفاة أبيه، وكونِه وارثَه الجائز، بل طلب
منه البينة على أنها ملكه انتقل إليه من أبيه.
وقد وقع في ((سنن أبي داود)) - على مَا مَرَّ -: أن الحضرمي
قال لرسول الله وَلهُ: إِنَّ أَرْضِي اغْتَصَبَنِيهَا أَبُوهُ، فَتَهَيَّأَ الكِنْدِيُّ
لِلْيَّمِينِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لاَ يَقْتَطِعُ أَحَدٌ مَالاَ بِيَمِينٍ، إِلاَّ لَفِيَ
اللهَ وَّ وَهُوَ أَجْذَمُ))، فَقَالَ الكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضُهُ، وهذا صريح في أن
دعوى الحضرمي إنما هي على أن الكندي إنما ورث أرضاً
مغصوبة، فعلى هذا: على الكندي الحلفُ بعدم العلم بأن أباه
غصب تلك الأرض، ولا يحتاج إلى البينة على كونه وارثاً جائزاً؛
فإن الدعوى ليست معه، وإنما هي مع أبيه، وهو إنما يحلف بعدم
العلم، لا بالبيان، فتأمل.
الثالث: في الجمع بين الأحاديث:
: قوله: (كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِثْرٍ) هذا لا ينافي
ما ورد في الرواية الأولى: (خصومة في الأرض)؛ لأن البئر إنما يكون
في الأرض، وهي تزرع بمائها، فذكر في بعض الروايات (الأرض)،
وفي بعضها (البئر)، وأيضاً سمَّى البساتين آباراً - على ما يجيء في
بَيْرُحاء، وبئر قضاعة إن شاء الله تعالى -.
٤١٣

ويحتمل أن يكون كل واحد منهما قصة، وهو أظهر؛ فقد مَرَّ أن
الأشعث كان له دعوى على رجل من اليهود في أرض، وتكون هذه
الدعوى بين الكندي والحضرمي في أرض، وقد جاء في حديث الأشعث
ابن قيس: أن معاذاً كان بينه وبين رجل خصومة، فقضي باليمين على
أحدهما، فقال الآخر: يا رسول الله! [إن] تركته يحلف، فيذهب بها،
فقال النبي - عليه السلام -: ((إِنْ حَلَفَ كَاذِبً)، فَقَالَ قَوْلاً شَدِيداً. أخرجه
الطبراني.
الرابع: في قوله: (انْتُزَى عَلَى أَرْضِي)؛ أي: غلب عليها،
وأخذها بغير حق، وهو بمعنى قوله في الرواية الأولى: ((إِنَّ هَذَا قَدْ
غَلَنِي))، يقال: نَزَا الفَحْلُ على طَروقَتِهِ، ونزا الفارس على فرسه، وفي
اللفظة نوع إيماء إلى تقبيح فعل الغاصب؛ حيث عَبَّرَ عن فعله بفعل
بهيمةٍ غرضُها قضاءُ الشهوة من غير نظر إلى شيء آخر، ونقل إلى باب
الافتعال؛ لبيان زيادة الشغب في ذلك، وأنه فعل ذلك الفعل القبيح
باعتمال واختيار واكتساب.
والخامس: في ذكر نُبذ من أحوال الصحابة المذكورين في هذه
الأحاديث.
أَمَّا (أبو أمامة)، فهو إياس بن ثعلبة الأنصاريُّ الحارثيُّ، من بني
الحارث بن الخزرج، وقيل: بَلَوِيّ، وهو حليف بني حارثة، وهو ابن
أخت أبي بردة بن نِيَار.
وقال أبو حاتم: اسم أبي أمامة عبدُالله [بن] ثعلبة، وقيل: ثعلبة
ابن عبدالله .
٤١٤

روى عنه ابنه عبدالله، ومحمد بن زيد بن المهاجر، وجماعة.
وما قيل: إنه توفي يوم أحدٍ، وإن النبي - عليه السلام - صلى
عليه يقتضي أن يكون هذا الحديث منقطعاً؛ لأن عبدالله بن كعب
تابعي، فكيف يروي عمن مات يوم أحدٍ في السنة الثالثة من الهجرة؟
و
وقد صرح في الكتاب في الرواية الثانية عن عبدالله بن كعب: (أن أبا
أمامة حدثه)، فلا يمكن الحمل على الانقطاع، بل الوجه فيه ما ذكره
أبو البركات الجزري المعروف بابن الأثير: إن ما قيل: إنه مات عام
أُحدٍ لیس بصحیح، بل الصحیح أنه مات في خلافة.
وأمّا (الأَشْعَثُ بنُ قَيْس)، فهو أبو محمد الأشعث بن قيس بن
معدي كرب بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن الحارث بن
معاوية بن الحارث الأصغر بن معاوية بن الحارث الأكبر بن ثور بن
مُرَتِّع - بضم وفتح الراء وكسر التاء المثناة الفوقانية ۔ بن معاوية بن ثور،
وهو كِنْدَة، سمي بها؛ لأنه كَنَد النعمة؛ أي: كَفَرها، الكنديُّ، أسلم
سنة عشر من الهجرة في وفد كندة، وكانوا ستين راكباً، فأسلموا،
ورجع إلى اليمن، وكان الأشعث ممن ارتد بعد النبي - عليه السلام -،
فبعث أبو بكر الصديق الجنود إلى اليمن، فأسروه، فأحضروه بین یدیه،
فأسلم، وقال: استَبْقِني لحربك، وزَوِّجْني أختك، فأطاعه أبو بكر،
وزوجه أخته، وهي أم محمد بن الأشعث، وشهد الأشعث اليرموك
(١) كذا في الأصل، ولم يعين ابن الأثير في ((أسد الغابة)) (١ / ٢٣١) تاريخ
وفاته
٤١٥

بالشام، ثم القادسية بالعراق، والمدائن، وجَلَولاء، ونَهَاوَنْد، وشهد
و
صِفُّين مع علي ◌َُّه، وكان عثمان استعمله على أذَرْبِيجان.
روي له عن النبي - عليه السلام - تسعة أحاديث، اتفق البخاري
ومسلم على واحد، وأخرج له الأربعة - أيضاً -.
روى عنه قيس بن أبي حازم، وأبو وائل، والشعبي، وآخرون.
نزل الكوفة، وتوفي بها بعد قتل علي بن أبي طالب بأربعين ليلة،
څ .
وقيل : بسنة
وأمّا اسمُ الرجل الذي خاصم مع الأشعث في الأرض، [فهو]
الخَنْشَيْشَ - بفتح الخاء المعجمة وسكون النون وفتح الشين المعجمة
المكررة بتوسط ياء تحتانية بينهما ساكنة -.
وأما (وائل بن حُجْر)، فهو أبو هندة، وقيل: أبو هنید - بدون
هاء - وائلُ بن حُجْر - بضم الحاء وسكون الجيم - بن ربيعة بن يعمر
الحضرمي، كذا قاله ابن عبد البر.
وقال ابن عساكر: هو وائل بن حُجْرِ بنِ سعد بنِ مسروق بنِ وائل
ابن ضَمْعَج بنِ وائل بنِ ربيعةَ بنِ وائلٍ بن النعمانِ بنِ زَيْدِ بنِ مالكِ بن
زيد، وقيل: غير ذلك، وكان من ملوك حِمْيَرَ، وفد على رسول الله وَلّته،
وقد بشر رسول الله وَل﴿ أصحابه قبل وفوده، وقال: ((يأتيكُمْ وائلٌ بنُ حُجْرِ
مِنْ أَرْضِ بَعيدَةٍ، مِنْ حَضْرَمَوْتَ طائِعاً داعِياً في اللهِ تَتْ، وفي رسُولِه،
بقيّةُ الأَفْيال)). والقَيْل - بفتح القاف وسكون الياء المثناة التحتانية - لقبُ
مَنْ ملك حِمْيَرَ، فلما دخل على رسول الله وا له رحّب به، وأدناه من
٤١٦

نفسه، ويَسَط له رداءه، وأجلسه عليه مع نفسه، وقال: ((اللهمَّ بارِكْ في
وائلِ ووَلَدِه))، وأصعده معه على المنبر، وأثنى عليه، واستعمله على
بلاده، وأقطعه أرضاً.
روي له عن رسول الله پڼ أحد وسبعون حديثاً، روى مسلم منها
ستة، ولم يرو له البخاري منها، وأخرج له الأربعة - أيضاً -.
نزل الكوفة، وشهد مع علي ه صِفِين، وكانت معه رايةُ
حضرموتَ، وفد على معاوية، وأجلسه معه على السرير.
روى عنه ابناه: علقمة، وعبد الجبار، وروى عنه: كُلَیب بنُ
شهاب؛ وحُجْر بن عَنْبَس، وعبد الرحمن اليحصبي، وغيرهم.
وأما (امرؤ القيس) [بنُ] عابس - فبباء الموحدة والسين المهملة -.
وأما (ربيعةُ بنُ عبدان)، فقيل: بفتح العين المهملة، وسكون
الباء المثناة التحتانية، وقيل: بكسر العين وسكون الباء الموحدة.
والأوّلُ قولُ الدارقطني، وعبد الغني بن سعيد، وأبي نصر بن
ماکولا، وهو رواية إسحاق، والثانية روایةُ زهير، وقيل بالعكس، وهو
اختيار ابن الحذاء.
:
وقال الجَيَّاني: وكذا في الأصل عن الجُلُودِيّ؛ يعني: في رواية
ـو
إسحاق - على الفتح والمثناة -، وفي رواية زهير بالكسر والموحدة.
وذكر ابن عساكر أن جماعة ضبطوه بكسر العين والموحدة
وتشديد الدال.
٤١٧

(٤٤)
باب
بيان حال الظالم على المظلوم
أن يدفع الظلم عن نفسه كيفما أمكن
٣٧٧ - (١٤٠ / ٢٢٥) - حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ العَلاَءِ،
حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي: ابْنَ مَخْلَدٍ -، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنِ العَلاَءِ
ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى
رَسُولِ اللهِ ﴿ِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ
مَالِي؟ قَالَ: ((فَلاَ تُعْطِهِ مَالَكَ))، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَنِي؟ قَالَ: ((قَاتِلْهُ».
قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: ((فَأَنْتَ شَهِيدٌ)). قَالَ: أَرَأَبْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟
قَالَ: ((هُوَ فِي النَّارِ».
أخرج فيه ثلاثة أحاديث:
الأوّل: حديث أبي هريرة، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِوَِّ،
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: ((فَلاَ تُعْطِهِ
مَالَكَ))، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَنِي؟ قَالَ: (قَاتِلْهُ)). قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟
قَالَ: ((فَأَنْتَ شَهِيدٌ)). قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: ((هُوَ فِي النَّارِ».
أخرجه النسائي بلفظ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِّ، فَقَالَ:
٤١٩

يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ عُدِيَ عَلَى مَالِي؟ قَالَ: ((فَانْشُدْهِ بِاللهِ»، قَالَ:
فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ؟ قَالَ: ((فَانْشُدْهِ بِاللهِ»، قَالَ: فَإِنْ أَبَوْا عَلَيَّ؟ قَالَ: ((فَقَاتِلْ،
فَإِنْ قُتِلْتَ فَفِي الجَنَّةِ، وَإِنْ قَتَلْتَ فَفِي النَّارِ».
وفي رواية له قال: قَالَ رَسُولَ اللهِ نَّهِ: ((مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ فَقُتِلَ،
فَهُوَ شَهِيدٌ)).
وأخرجه ابن ماجه بلفظ: ((مَنْ أُرِيدَ مَالُهُ ظُلْماً، فَقُتِلَ، فَهُوَ شَهِيدٌ)).
إذا عرفت هذا، فاعلم أن مسلماً - رحمه الله - لما أورد الأحاديث
الدالة على بيان حال أخذ حق الغير باليمين الفاجر، أراد أن يبين حاله
في الأخذ بغير اليمين، ولما كان كلُّ آخذٍ حقَّ الغير بغير حق ظالماً،
والوالي الذي يظلم الناس أخصُّ منه، قدَّمَ الأحاديث الواردة في شأن
الآخذ الظالم، ثم في الوالي الذي كذلك.
: وقوله: (فَلاَ تُعْطِهِ مَالَكَ)؛ يعني: أن الإعطاء لا يلزمك،
وليس المراد: أن الإعطاء غير جائز، بل المراد: بيان دفع الآخذ بغير
حق؛ لأنه يطلب بطريق غير مشروع، وهو التغلب، وفي زيادة قوله:
(مَالَكَ)، مع أن الجواب تام بقوله: (فَلاَ تُعْطِهِ) إيماءٌ إلى السبب؛ لأن
وجوب المدافعة إنما يكون لأجل أن الذي يطلبه هو ماله، وصيانته عن
استيلاء الغير عليه واجب، نظراً إلى الحيازة، وإلى تخليص الظالم من
التبعة .
* وقوله: (قَاتِلْهُ) صريحٌ في جواز المقاتلة مع القاصد بمال الإنسان
بغير حق؛ لأن أدنى مراتب الأمر الإباحة، والتعميم دليل مذهب
٤٢٠