Indexed OCR Text
Pages 301-320
ذلك الزمان؛ كما جاء مصرحاً به في حديث جندب، والقيام بخاصة النفس في الأعمال؛ كما صرح به في حديث سعد بن أبي وقاص. ثم ذكر النبي - عليه السلام - سبب صيرورته كافراً، فقال: ((يَبِیعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيًا». قال الحسن البصري في حديث النعمان بن بشير: ((يَبِيعُ أَقْوَامٌ خَلَاقَهُمْ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا يَسِيرِ))، قال: وَلَقَدْ رَأَيْنَاهُمْ صُوَراً وَلاَ عُقُولَ، أَجْسَاماً وَلاَ أَحْلاَمَ، فَرَاشَ نَارٍ، وَذِبَّانَ طَمَعٍ، يَغْدُونَ بِدِرْهَمَيْنِ، وَيَرُوحُونَ بِدِرْهَمَيْنٍ، يَبِيعُ أَحَدُهُمْ دِينَهُ بِثَمَنِ العَنْزِ. رواه أحمد، والطبراني. وعَرَضُ الدنيا - بفتح العين والراء -: هو حطامها الفانية، وزخارفها الزائلة، ومنه: العَرَضُ في اصطلاح المتكلمين، وهو الذي لا یبقی زمانین. وأما العَرْضُ - بسكون الراء -، فهو خلاف الطول، ويطلق على معان، والعِرْضُ - بكسر العين وسكون الراء -، هو نسب الرجل، وحشمته وجاهه، ويستعمل على جملته من جسمه وذاته. وفي الحديث: إيماء إلى أن من ترك الأمر الديني لأجل أمر دنيوي، يكون منخرطاً في سلك أولئك، فالواجب التصلّبُ في الدين، والاستقامةُ على مسالك اليقين، وعدمُ استبدال الأمر الباقي المُنجي بالفاني المُوبِقِ. ٣٠١ (٣٨) مخافة المؤمن من إحباط عمله [٥٤ _ باب مَخَافَةِ المُؤْمِنِ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ] ٣٢٩ - (١١٩ / ١٨٧) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّاهُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتِ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَِّ﴾ [الحجرات: ٢] إِلَى آخِرِ الآيَةِ، جَلَسَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فِي بَيْتِهِ، وَقَالَ: أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَاحْتَسَ عَنِ الَّبِّ ◌َّهِ، فَسَأَلَ النَّبِيُِّ﴿ْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، فَقَالَ: (يَا أَبَا عَمْرٍو! مَا شَأْنُ ثَابِتٍ، أَشْتَكَى؟)). قَالَ سَعْدُ: إِنَّهُ لَجَارِي، وَمَا عَلِمْتُ لَهُ بِشَكْوَى. قَالَ: فَأَتَاهُ سَعْدٌ، فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ، فَقَالَ ثَابِتٌ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتاً عَلَى رَسُولِ اللهِ﴿ِ، فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلنَّبِّ ◌َ﴿، فَقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: (بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ». ٣٠٣ ٣٣٠ - (١١٩ / ١٨٨) - وَحَدَّثَنَا قَطَنُ بْنُ نُسَيْرِ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثْنَا ثَابِتْ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: كَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ ابْنِ شَمَّاسٍ خَطِيبَ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَّةُ. بِنَحْوِ حَدِيثٍ حَمَّدٍ. وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِ ذِكْرُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. ٣٣١ - وَحَدَّثَنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ المُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَّكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَِّ﴾ [الحجرات: ٢]، وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي الحَدِيثِ . ٣٣٢ - (١١٩ / ١٨٨) - وَحَدَّثَنَا هُرَيْمُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا المُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَذْكُرُ عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَاقْتُصنَّ الحَدِيثَ. وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ ابْنَ مُعَاذٍ، وَزَادَ: فَكُنَّا نَرَهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَاَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ. فيه حديثُ أنس: أنه قال لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَِّ﴾ [الحجرات: ٢] إِلَى آخِرِ الآيَةِ، جَلَسَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فِي بَيْتِهِ، وَقَالَ: أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَاحْتَبَسَ عَنِ النَّبِّ ◌َ﴿ِ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ◌َهْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فَقَالَ: ((يَا أَبَا عَمْرٍو! مَا شَأْنُ ثَابِتٍ، أَشْتَكَى؟)). قَالَ سَعْدٌ: إِنَّهُ لَجَارِي، وَمَا عَلِمْتُ لَهُ بِشَكْوَى. قَالَ: فَأَتَاهُ سَعْدٌ، فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِوَلِهِ، فَقَالَ ثَابِتُ: أَنْزِلَتْ هَذِهِ ٣٠٤ الآيَةُ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتاً عَلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ عليه السلام، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: (بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَِّ». وفي رواية بزيادة: ((فَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ)) أخرجه البخاري، والنسائي. إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع : الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف. (الحسن)، وهو أبو علي الحسن بن موسى الأشيب البغداديُّ. عن ابن أبي ذئبٍ، وشعبة، والحَمَّادَیْن، وجماعة. وعنه أحمد، وأبو خيثمة، وابن أبي شيبة، وخلائق. وَثَّقَهُ ابن معين، وغيرُه، وأخرج له الستة. توفي سنة تسع وثمانين . وهو قد ۇلي قضاء حمص، وطبرستان، وموصل، وكان مشكور السيرة، يحكى أن بالموصل كنيسة للنصارى، فلما استولى أهل الإسلام على الموصل، هدموها وبقيت كذلك إلى زمان قضائه، فجمعوا له مئة ألف على أن يحكم بأن تُبنى، فردّها، وحكم بأن لا تُبنی - رحمه الله -. و(قَطَنُ)، وهو أبو عباد قَطَنُ بنُ نُسَيْرِ البُسريُّ، البصريُّ. عن جعفر بن سليمان، وعمرو بن النعمان، وجمع. ٣٠٥ وعنه مسلم، وأبو داود، وأخرجا له، وجماعة، ذكره ابن حِبَّان في ((الثقات)). وقال ابن عدي: كان ممن يسرق الحديث، ويوصله. وبالجملة: أخرج له مسلم متابعةً. و(شيخه)، وهو أبو سليمان جعفر بن سليمان الضبعيُّ البصريُّ. عن أبي عمران الجوني، والجَعْد بن أبي عثمان، وجماعة. وعنہ یحیی بن یحیی، وجمع. وَثَّقَهُ ابن سعد، وأخرج له الستة. وقال أحمد: لا بأس به، وكان يدعى بالتشيع. وأمّا (حَبَّانُ)، فهو أبو حبيب، حَبَّانُ [بنُ] هلال الباهليُّ الحافظُ. عن معمر، وشعبة، وهمام، وخلائق. وعنه: ابن المديني، والكَوْسَج، وعبد بن حُميد(١)، وآخرون. وَثَّقَهُ القوم، وأثنوا عليه، وأخرج له الستة. توفي سنة ست عشرة ومئتين. و(هُرَيْمٌ)، وهو أبو حمزة هُرَيْمُ بنُ عَبْدِ الأَعْلَى الأَسَدِيُّ، البصريُّ. (١) في الأصل: ((وعنه ابن حميد)). ٣٠٦ عن يزيد بن زُرَيع، وخالد بن الحارث، وجمع. وعنه مسلم، وأخرج له، وبقي بن مخلد، وطائفة. وَثَّقَهُ ابن حبان في ((الثقات)). توفي سنة خمس وثلاثین ومئتين. والثاني : فيما يتعلق بالمعنی: ولما أورد مسلم ما يدل على انقلاب حال المكلف في الإيمان والكفر، وأنه يصير كافراً بعد ما كان مؤمناً بفعلٍ يصدر عنه، أورد حَذَرَ أصحاب النبي - عليه السلام - من ذلك، وأنهم كانوا في جميع أحوالهم وأوقاتهم حافظين لأنفسهم، مشفقين على أعمالهم، خائفين من الإقدام على شيء يحصل بسببه نقصٌ في درجاتهم، ولأنه إذا صدر منهم [ ... ]، يُعظمون ذلك، حتى يحكمون بأنهم من [أهل] النار؛ إعلاماً منهم بأنهم لا يزالون على الخوف، وما زال منهم ذلك، وأنهم لا يغترون بما صدر منهم من الأعمال الحسنة، بل يكونون معترفين بالتقصير، راجين من الله تعالى المغفرة والرضوان. وفي سماع هذه القصة وأمثالها وعْظُ لمن [كان] له قلب أو ألقى السمعَ وهو شهيد، فمن تأمل في أحوال أصحاب النبي - عليه السلام -، وما نالوا من الدرجة ببركة الصحبة، وما صدر منهم من الأعمال في تقوية الدّين القويم، ورفع قواعده، ثم من خوفهم من إحباط العمل، وحكمهم على أنفسهم بأنهم من أهل النار بصدور شيء يشبه أن يكون من المناهي، کما ورد في هذا الحدیث من حال ثابت = حصل له من ذلك ٣٠٧ الاتعاظ العظيم، والخوف الجسيم في كل ساعة، بل في كل لمحة، لأنه ما فعل شيئاً يصلح لأن يعتمد عليه، مع أنه يصدر عنه في كل لحظة أنواع من المناهي؛ فإنَّ رفعَ ثابتٍ صوتَه لا لأجل الريب، وعدم الاعتناء بحال النبي - عليه السلام -، وما صدر منه - أيضاً - ذلك بعد سماع النهي منه، بل هو أمر خَلْقي؛ فإن صوته في الخلقة أقوى من صوت أصحابه، وهو يتكلم مع النبي - عليه السلام - تكلمَ التلميذٍ مع الأستاذ، بل تكلّمَ العبدِ مع المولى، برعاية غاية التعظيم والإجلال، ومع ذلك، فلما ورد النهي عن رفع الصوت علی صوته - عليه السلام -، خاف من فعله، وإن كان ذلك لا عن قصده، وتَرَكَ الصحبة، والتزم العُزلة، وبكى على حاله، فما لك ياجاهل بحالك، المغرور بمالك أن لا تسكب عبراتك، في جميع حالاتك، على فعلاتك التي لاشك في كونها معاصي صادرة عنك بالقصد والطغيان، وأن لا تعترف بالعصيان، وتطلب من الله المغفرة والرضوان؟! وفي الحديث: منقبةٌ جليلة لثابت ﴿ه؛ حيث أخبر النبيُّ - عليه السلام - بأنه من أهل الجنة. وفيه: بیان غاية ذكائه، وشدة خوفه وعنايته. وعن ثابت بن قيس، قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَاللهِ! لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ قَدْ هَلَكْتُ، قَالَ: ((لِمَ؟))، قَالَ: نَهَى اللهُ المَرْءَ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ، وَأَجِدُنِي أُحِبُّ الحَمْدَ، وَنَهَى عَنِ الخُيَلاءِ، وَأَجِدُنِي أُحِبُّ الجَمَالَ، ونهى اللهُ أَنْ نَزْفَعَ أَصْوَاتَنَا فَوْقَ صَوْتِكَ، وَأَنَ ٣٠٨ جَهِيرُ الصَّوْتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِِّ: ((يَا ثَابِتُ! أَلَيْسَ تَرْضَى أَنْ تَعِيشَ حَمِيداً، وتُقْتَلَ شَهِيداً، وَتَدْخُلَ الجَنَّةَ؟))، قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَاشَ حَمِيداً، وَقُتِلَ شَهِيداً يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ. رواه الطبراني، ورجاله ثقات . وَفيه: أن على المتعلم أن يكون في جميع أوقاته مترصداً لأحواله مع أستاذه، راعياً للأدب معه نهاية ما يمكنه، وعلى الأستاذِ وكبيرِ القوم أن يتفحص عن أحوال تلاميذه وأتباعه، ويزيل ما بدا لهم من الأشياء، ويتفقد حال(١) من غاب منهم. ثم الظاهر من لفظ الكتاب: أن هذه الآية نزلت في شأن غیر ثابت، وأن ثابتاً لمَّا علم بنزولها، خاف على نفسه، فقيل: نزلت في شأن أبي بكر وعمر؛ فعن عبدالله بن الزبير، قال: قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى النَّبِّ ◌َهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمْرِ القَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ، قَالَ عُمَرُ: بَلْ أَمِّرِ الأَفْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا أَرَدْتَ إِلَّ خِلاَفِي، قَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلاَفَكَ، فَتَمَارَيَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَنَزَلَ فِي ذَلِكَ: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ﴾ [الحجرات: ١] الآية، قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَكَانَ عُمَرُ بَعْدُ إِذَا حَدَّثَ [النَّبِيَّ ◌َهَا بِحَدِيثٍ، حَدَّثَهُ كَأَخِي السِّرَارِ، لَمْ يُسْمِعْهُ حَتَّى يَسْتَفْهمَهُ. أخرجه البخاري، والنسائي. (١) في الأصل: ((ويتفقده عن حال)). ٣٠٩ وأخرجه الترمذي بلفظ: أَنَّ الأَفْرَعَ بْنَ حَابِسٍ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرِ: يَا رَسُولَ اللهِ! اسْتَعْمِلْهُ عَلَى قَوْمِهِ. فَقَالَ عُمَرُ: لاَ تَسْتَعْمِلْهُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَتَكَلَّمَا عِنْدَ النَّبِيِّ وَّهِ حَتَّى عَلَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: مَا أَرَدْتَ إِلَّ خِلاَفِي، فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلاَفَكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ﴾ [الحجرات: ٢]، فَكَانَ عُمَرُ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا تَكَلَّمَ عِنْدَ النَّبِيِّ وَ﴿ِ، لَمْ يُسْمِعْ كَلَامَهُ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ. وعن أبي بكر الصديق: لما نزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ﴾ [الحجرات: ٢]، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! لاَ أُكَلِّمُكَ إِلَّ كَأَخِي السِّرَارِ» رواه البزار. [الثالث: في التعريف برواته: أما ثابت: فهو](١) أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن ثابت بن قيس بن شماس بن مالك بن زهير بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة ابن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج الأنصاريُّ، الخزرجيُّ، المدنيُّ، ويقال له: خطيبُ الأنصار، وخطيب النبي - عليه السلام -، استشهد يوم اليمامة في خلافة أبي بكر سنة إحدى عشرة. وعَنْ عَطَاءِ الخُرَاسَانِيِّ، قَالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ، فَسَأَلْتُ عَمَّنْ يُحَدِّثُنِي بِحَدِيثِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ بْنِ شَمَّاسٍ، فَأَرْشَدُونِي إِلَى ابْنَتِهِ، (١) ما بين معكوفتين ليس في الأصل، وأثبت لانتظام السياق به. ٣١٠ فَسَأَلْتُّهَا، فَقَالَتْ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: لَمَّا أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ◌َّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ [لقمان: ١٨]، اشْتَدَّتْ عَلَى ثَابِتٍ، وَغَلَّقَ عَلَيْهِ بَابُهُ، وَطَفِقَ بَيْكِي، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِوَهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَبُرَ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَقَالَ: أَنَا رَجُلٌ أُحِبُّ الجَمَالَ، وَأَنْ أَسُودَ قَوْمِي، فَقَالَ: ((لَسْتَ مِنْهُمْ، بَلْ تَعِيشُ بِخَيْرٍ، وتَمُوتُ بِخَيْرٍ، ويُدْخِلُكَ اللهُ الجَنَّةَ))، قَالَتْ: فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِّ وَلَا تَجْهَرُ واْ لَهُ بِالْقَوْلِ ﴾ [الحجرات: ٢]، فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ◌َّهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فأخبره بِمَا كَبُرَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ جَهِيرُ الصَّوْتِ، وَأَنَّهُ يَتَخَوَّفُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ حَبِطَ عَمَلُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهُ: (إِنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ، بَلْ تَعِيشُ حَمِيداً، وتُقْتَلُ شَهِيداً، ويُدْخِلُكَ اللهُ الجَنَّةَ». فَلَمَّا اسْتَنْفَرَ أَبُو بَكْرِ المُسْلِمِينَ إِلَى قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَالْيَمَامَةِ ومُسَيْلَمَةَ الكَذَّابِ، سَارَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فِيمَنْ سَارَ، فَلَمَّا لَقُوا مُسَيْلِمَةَ وَبَنِي حَنِيفَةَ هَزَمُوا المُسْلِمِينَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ ثَابِتُ وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ: مَا هَكَذَا كُنَّا نُقَاتِلُ مَعَ رَسُولِ اللهَِّهِ، فَجَعَلا لأَنْفُسِهِما حُفْرَةً، فَدَخَلا فِيهَا، فَقَاتَلًا حَتَّى قُتِلا، قَالَتْ: وَأُرِيَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ فِي مَنَامِهِ، فَقَالَ: إِنِّي لَمَّا قُتِلْتُ بِالأَمْسِ، مَرَّبِي رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَانْتَزَعَ مِنِّي دِرْعاً نَفِيسَةً، وَمَنْزِلُهُ فِي أَقْصَى المُعَسْكَرِ، وَعِنْدَ مَنْزِلِهِ فَرَسٌ يَسْتَنُّ فِي طِوَلِهِ، وَقَدْ أَكْفَ عَلَى الدِّرْعِ بُرْمَةً، وَجَعَلَ فَوْقَ الْبُرْمَةِ رَحْلاً، فائتِ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ، فَلْيَبْعَثْ إِلَى دِرْعِي، فَلْيَأْخُذْهَا، فَإِذَا قَدِمْتَ عَلَى خَلِيفَةِ رَسُولِ اللهِوَهِ، فَأَعْلِمْهُ أَنَّ ٣١١ عَلَيَّ مِنَ الدَّيْنِ كَذَا، وَلِي مِنَ المَالِ كَذَا، وَفُلانٌ مِنْ رَقِيقِي عَتِيقٌ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَقُولَ: هَذَا حُلْمٌ فَتُضَيِّعَهُ، قَالَ: فَأَتَى خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ، فَوَجَّهُ إِلَى الدِّرْعِ، فَوَجَدَهَا كَمَا ذَكَرَ، وَقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْفَذَ أَبُو بَكْرٍ وَصِيَّتَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَلا نَعْلَمُ أَنَّ أَحَداً جَازَتْ وَصِيَّتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ إِلا ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ بْنِ شَمَّاسٍ - رضِي اللهُ تَعَالَى عَنْهُ .. رواه الطبراني . ومناقبه كثيرة، روی له البخاري حديثاً. وأمّا (سعد بن معاذ)، فهو أبو عمرو سعدُ بنُ معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جشم بن الحارث بن الحارث ابن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأوسيُّ، الأشهليُّ، الأنصاريُّ، المدنيُّ، سيدُ الأوس، وأمّه كبشةُ بنتُ رافع، أسلمت، ولها صحبة . أسلم سَعدٌ على يد مصعب بن عمير حين بعثه رسول الله وَ له قبله إلى المدينة ليعلُّم الناس أمر دينهم، فلمّا أسلم سعد، قال لبني [عبد] الأشهل: كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرام حتى تسلموا. فأسلموا، وكان من أعظم الناس بركة في الإسلام، ومن أنفعهم لقومه، شهد بدراً، وأُحداً، والخندق، وقريظة، ونزلوا على حكمه، فحَكم فيهم بقتل رجالهم، وسبي ذراريهم، فقال النبي - عليه السلام -: ((لَقَدْ حَكَمْت فِيهِمْ بِحُكْمِ اللّهِ تَعَالَى))، وتوفي شهيداً عام الخندق من جُرح أصابه من قتال الخندق. ٣١٢ ومناقبه كثيرة قد وردت بها الأخبار الصحيحة على ما سيجيء بعضها في الكتاب - إن شاء الله تعالى -. روی له البخاري حديثاً واحداً. * وقوله: (فَكُنَّا نَرَاهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَاَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ) في أكثر الأصول: (رَجُلٌ) - بالرفع على الاستئناف -، وفي بعضها: (رَجُلاً) - بالنصب على البدل من الضمير في (نَرَاهُ) -، أو بتقدير: أعني، والله أعلم بالصواب. ٣١٣ . (٣٩) بل بيان عدم المؤاخذة بما عمل في الجاهلية بعد الدخول في الإسلام ٣٣٣ - (١٢٠ / ١٨٩) - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ أُناسٌ لِرَسُولِ اللهِوَهِ: يَا رَسُولَ الهِ! أَفُؤَخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: (أَا مَنْ أَحْسَنَ مِنْكُمْ فِي الإِسْلاَمِ، فَلاَ يُؤَاخَذُ بِهَا، وَمَنْ أَسَاءَ، أُخِذَ بِعَمَلِهِ فِي الجَاهِلِيَّةِ وَالإِسْلاَمِ». ٣٣٤ - (١٢٠ / ١٩٠) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَذَّثَنَا أَبِي، وَوَكِيعٌ ح، وَحَذَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لَهُ -، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنْؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: (مَنْ أَحْسَنَ فِي الإِسْلاَمِ، لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الإِسْلاَمِ، أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِرِ». ٣٣٥ - (١٢٠ / ١٩١) - حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الحَارِثِ التَّمِيمِيُّ، ٣١٥ أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. أخرج فيه ثلاثة أحاديث: الحديث الأوّل: حديث ابن مسعود، قال: قَالَ أَنَاسٌ لِرَسُولِ اللهِ وَلّهِ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنْؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الجَاهِلِِّ؟ قَالَ: ((أَمَّا مَنْ أَحْسَنَ مِنْكُمْ فِي الإِسْلاَمِ، فَلاَ يُؤَاخَذُ بِهَا، وَمَنْ أَسَاءَ، أُخِذَ بِعَمَلِهِ فِي الجَاهِلِيَّةِ وَالإِسْلاَمِ». وفي رواية: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنْؤَاخَذُ بِمَا عَمِلْنَا فِي الجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: ((مَنْ أَحْسَنَ فِي الإِسْلاَمِ، لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الإِسْلاَمِ، أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِ)). وأخرجه البخاري، وابن ماجه. إذا عرفت هذا، فاعلم: أن مسلماً لمَّا أورد الحديث الدالَّ على خوف الصحابة من صدور ما يُحبط عملهم، ذكر سؤالهم عن أفعالهم في الجاهلية، وخوفهم من أن يكونوا مؤاخذين بها. وفي هذا - أيضاً - الألفاظ المذكورة، ووجوب احتياط المؤمن في جميع أوقاته عما يزيل إيمانه، أو يوقعه في الهَلَكة والعذاب. والمراد من الإحسان في الإسلام - على ما ذكره بعض المحققين -: هو الدخول في الإسلام بقلبه ولسانه، يقال: أسلم فلانٌ وحَسُنَ إسلامه؛ أي: أقرّ بلسانه، وصدّق بقلبه وجوارحه، وجعل الشارعُ بعضَ الأعمال من حُسن الإسلام؛ مثل قوله: ((مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ ٣١٦ المَرْءِ، تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ))، وغير ذلك، فعلم أن المراد من الإحسان في الإسلام هو الدخول فيه حقيقة. وعدم المؤاخذة لأجل أن الإسلام يهدِم ما قبله، فمن أسلم، لا يؤاخذ بما عمله في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام؛ أي: أظهر الإسلام بلسانه دون قلبه، فهو منافق، ولاشك أنه يؤاخذ بما عمل قبل إظهاره الإسلام، وهو الكفر، وبما بعده، وهو النفاق والاستهزاء، ولذلك صار من أهل الدَّرْك الأسفل؛ لأنه زاد على الكفر استهزاء وخداعاً. وقيل: المراد منه: حصول الإسلام الكامل؛ لِمَا مَرَّ في سؤال جبريل، والمراد من المؤاخذة: عَدُّ سيئاته عليه في الحساب، وبيان أن صاحبه لم يكن ممن(١) لا يحاسب، فيدخل الجنة بلا حساب، كما كما حال كامل الإسلام، بل يحاسب، وتُعَدُّ عليه نعم الله تعالى، وأفعاله القبيحة من حين وجوده إلى وفاته، الصادرة منه في مقابلة تلك النعم؛ إظهاراً لكفرانه، وزيادة في خسرانه، فمؤاخذة المسيء في الإسلام على هذا المعنى بما عمل في الجاهلية: التقريعُ، وبما عمل في الإسلام: التعذيبُ. وقد يحمل على التغليظ؛ كما مر في أمثاله، والوجهُ هو الأوّل؛ فإنه يلزم على هذا التأويل: أنّ الإسلام لا يهدم ما قبله من المعاصي، إلا لمن كان كامل الإسلام، وهو باطل قطعاً، ولا استدلال في حديث جبريل؛ لأنه بمعنى آخر . (١) في الأصل: ((مما)). ٣١٧ ولما كان في الرواية الأولى لفظة: (منكم)، وظاهره يقتضي تخصیص الحکم بالمخاطبين، وفي الثانية عامّ، ليس فيه تلك الزيادة، قدَّم الأوّل، وأردفه بالثاني، وإنما لم يعكس - مع أنّ الأخصّ يذكر بعد الأعم ــ لأنّ الأوّل على مقدار السؤال؛ لأنهم سألوا عن أحوالهم، فبيَّن أنه أجابهم أوّلاً على قدر سؤالهم، وثانياً على ما يتناول الجميع، هذا على تقدير أن تكون الروايتان محمولتين على تعدد السؤال - على ما مر من أن في أمثاله الحملَ على تعدد القضية أَوْلَى من الحمل على عدم ضبط الرواة -. [٥٦ - باب كَوْنِ الإِسْلاَمِ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَكَذَا الهِجْرَةُ وَالحَجُّ] ٣٣٦ - (١٢١ / ١٩٢) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى العَنَزِيُّ، وَأَبُو مَعْنِ الرَّقَاشِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي عَاصِمِ - وَاللَّفْظُ لإِبْنِ المُثَنَّى -، حَدَّثَنَا الضََّّاكُ - يَعْنِي: أَبَا عَاصِمٍ -، قَالَ: أَخْبَرَنَ حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنِ ابْنٍ شَمَاسَةً المَهْرِيِّ، قَالَ: حَضَرْنَاَ عَمْرَو بْنَ العَاصِ وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ المَوْتِ، فَبَكَى طَوِيلاً، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الجِدَارِ، فَجَعَلَ ابْتُهُ يَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ! أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِنَّهِ بِكَذَا؟ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ وَهِ بِكَذَا؟ قَالَ: فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ: شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنَّ ٣١٨ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلاَثٍ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي، وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضاً لِرَسُولِ اللهِ وَلِ مِنِّي، وَلاَ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقَتَلْتُهُ، فَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الحَالِ، لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الإِسْلاَمَ فِي قَلْبِيٍ، أَتَيْتُ النَّبِيَّ :﴿، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأَبَابِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ - قَالَ : - فَقَبَضْتُ بَدِي. قَالَ: (مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟))، قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، قَالَ: ((تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟)). قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ: ((أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلاَمَ بَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الِهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟)). وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ◌َِّ، وَلاَ أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ؛ إِجْلاَلاً لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ، مَا أَطَقْتُ؛ لأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلُ عَيْنَيَّ مِنْهُ، وَلَوْ مُثُّ عَلَى تِلْكَ الحَالِ، لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ وَلِيْنَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا حَالِي فِيهَا، فَإِذَا أَنَا مُتُّ، فَلاَ تَصْحَيْنِي نَئِحَةٌ، وَلاَ نَرٌ، فَإِذَا دَقَتْتُمُونِي، فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَئاً، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ، وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا؛ حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ، وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّيٍ. * الحديث الثاني: حديث عبد الرحمن بن شَمَاسَةَ المَهْرِيِّ، قَالَ: حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ العَاصِ وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ المَوْتِ، فَكَى طَوِيلاً، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الجِدَارِ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ! أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِ وَلـ ٣١٩ بِكَذَا؟ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللهِنَّهِ بِكَذَا؟ قَالَ: فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ: شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، إِنِّي قَدْ كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلاَثٍ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي، وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضاً لِرَسُولِ اللهِ وَّل مِنِّي، وَلاَ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقْتَلْتُهُ، فَلَوْ مُثُّ عَلَى تِلْكَ الحَالِ، لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الإِسْلاَمَ فِي قَلْبِي، أَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلأُبَابِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ - قَالَ : - فَقَبَضْتُ يَدِي. قَالَ: ((مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟))، قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، قَالَ: (تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟)). قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَلِي، قَالَ: ((أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟)). وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، وَلاَ أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلاَ عَيْنَيَّ مِنْهُ؛ إِجْلاَلاً لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ؛ لأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ، وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الحَالِ، لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ وَلِينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا حَالِي فِيهَا، فَإِذَا أَنَا مُثُّ، فَلاَ تَصْحَيْنِي نَائِحَةٌ، وَلاَ نَارٌ، فَإِذَا دَقَنْتُمُونِي، فَهُنُّوا عَلَيَّ التَُّابَ شَناً، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ، وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا؛ حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ، وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي. وهذا الحديث من أفراد مسلم. وعن أبي نوفل بن أبي عقرب، قَالَ: جَزِعَ عَمْرُو بْنُ العَاصِ عِنْدَ ٣٢٠