Indexed OCR Text

Pages 261-280

والسابع: في قوله: (وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ)، والرواية في
جميع الأصول: ((وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرِ فَاجِرَة)) بدون ذكر
الجزاء، فقيل: الجزاء: (لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ))، وحُذف لوردوه
في الأحاديث؛ مثل حديث ابن مسعود، ونحوه - على ما سيجيء -.
ويمينُ الصبر: هي التي لزم بها الحالف عند الحاكم، وأَصْلُ
الصبر: الحبس، قال عنترة:
فَصَبَرْتُ عارِفَةً لذلِكَ حُرَّةً
أي: حبستُ في الحرب نفساً معتادة لذلك، كريمة لا ترضى
بالفرار.
وقال أبو العباس: الصبر ثلاثة أشياء: الحبس، والإكراه،
والجرأة، قال الله تعالى: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]؛ أي:
ما أجرأهم عليها ! .
ووصف اليمين بأنها ذاتُ صبر؛ لأنها تحبس الحالف، أو لأن
الحالف يجترئ عليها .
وقيل: الجزاء هو ما سبق، وهو قوله: ((لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلاَّ قِلَّةً))،
والتقدير: ومن حلف على يمين صبر؛ ليتكثر بها، فكذلك، يعني: لم
يزدْهُ الله إلا قلةً، وهذا أوجَه.
٣١٩ - (١١١ / ١٧٨) - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ
٢٦١

جَمِيعاً، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ - قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ -، أَخْبَرَنَ
مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: شَهِدْنَا
مَعَ رَسُولِ اللهِ ◌ِّ حُنَيْنَاً، فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يُدْعَى بِالإِسْلاَمِ: ((هَذَا مِنْ
أَهْلِ النَّارِ))، فَلَمَّا حَضَرْنَاَ القِتَالَ، قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالاً شَدِيداً، فَأَصَابَتْهُ
جِرَاحَةٌ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ آنِفاً: ((إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ
النَّارِ»، فَإِنَّهُ قَاتَلَ اليَوْمَ قِتَالاً شَدِيداً، وَقَدْ مَاتَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َهُ: ((إِلَى
النَّارِ))، فَكَادَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ قِيلَ:
إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحاً شَدِيداً، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ، لَمْ يَصْبِرْ
عَلَى الچِرَاحِ، فَقَلَ نَفْسَهُ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ◌َِ بِذَلِكَ، فَقَالَ: ((اللهُ أَكْبَرُ!
أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُاللهِ وَرَسُولُهُ)، ثُمَّ أَمَرَ بِلاَلاَ فَنَادَى فِي النَّاسِ: ((إِنَّهُ
لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَإِنَّ اللهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ
الفَاجِرِ».
الحديث الثالث: حديث أبي هريرة: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وَله
حُنَيْناً، فَقَالَ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يُدْعَى بِالإِسْلاَمِ: ((هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ))، فَلَمَّا
حَضَرْنَاَ القِتَالَ، قَاتَلَ الرَّجُلُ قِتَالاً شَدِيداً، فَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ، فَقِيلَ: يَا
رَسُولَ اللهِ! الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ آَنِفاً: ((إنَهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ))، فَإِنَّهُ قَاتَلَ
اليَوْمَ قِتَالاً شَدِيداً، وَقَدْ مَاتَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهُ: ((إِلَى النَّارِ))، فَكَادَ
بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْتَابَ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إِذْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ،
٢٦٢

وَلَكِنَّ بِهِ جِرَاحاً شَدِيداً، فَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّيْلِ، لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الجِرَاحِ،
فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ ◌َهَ بِذَلِكَ، فَقَالَ: (اللهُ أَكْبَرُ! أَشْهَدُ أَنِّي
عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ»، ثُمَّ أَمَرَ بِلاَلاً فَنَادَى فِي النَّاسِ: ((إِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ
إِلَّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَإِنَّ اللهَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ».
أخرجه البخاري في (الجهاد)، وغيرِه، والنسائي مختصراً في:
(السنة).
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع :
الأول: في قوله: (شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ نَّهِ حُنَيْناً) ووقع في
جميع الأصول من «كتاب مسلم)) (حُنَيْناً) - بالحاء المهملة والنون -.
وفي ((البخاري)) عن موسى بن حيان، عن عبدالله بن معمر،
عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: (شَهِدْنَا مَعَ
رَسُولِ اللهِ وَ﴿ِ خَيْبَرَ) - بالخاء المعجمة والباء الموحدة والراء -، وقال
القاضي عياض: هو الصواب، ويحتمل أن تكون هذه الواقعة وقعت
مرّتين: مرّة في حنين، ومرّة في خيبر، وعلى هذا يحمل اختلافُ
ألفاظ الرواة؛ فإن الرواية في ((كتاب البخاري)) مخالفة في بعض
الألفاظ .
والثاني: في تصريح النبي - عليه السلام - بأنه من أهل النار، فهو
الإظهار المعجزة والإرشاد للقوم بأنه يعلم سرائرهم في بعض الأوقات
بالوحي، ولكن لا يُظْهِرُ ما لم يؤمر بالإظهار؛ لما في الكتمان من
٢٦٣

المصالح، والنهي لهم عن الاغترار بالعمل، وعن الحُكْمِ بالجزم(١)
في أمور الآخرة، وغير ذلك من المصالح، وبيان بأن العبرة للخاتمة،
لا بما يظهر من الشخص في الأول.
وأمّا قولهم بعد ما سمعوا من النبي ◌َّ أنه من أهل النار: (الرَّجُلُ
الَّذِي قُلْتَ لَهُ آنِفاً: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ)، وقد قتل شهيداً، فلأجل أنهم
قد سمعوا مراراً من النبي ◌َّ فضل الشهادة، وأن من مات على
الشهادة يغفر الله تعالى ذنوبه، فلما رأوا أن هذا الرجل قاتل أشدَّ
القتال، ومات على ذلك، أشكل عليهم ذلك، فسألوا استرشاداً، ولمّا
كان للنبي - عليه السلام - اليقينُ الذي لا يتزلزل لشبهة(٢) وشك،
اقتصر على الجواب بأنه (إِلَى النَّارِ)، ثم تبين أنه قتل نفسه، فظهر لهم
سبب قول النبي - عليه السلام -، فلما ظهر خطؤهم في السؤال، أمر
النبي - عليه السلام - بلالاً، فأذَّن في الناس: (أنه لا يدخل الجنة إلا
مؤمن)؛ إيماءً إلى أن القاتلَ نفسَه ليس بمؤمن، فيكون من أهل النار،
وهذا إِمَّا خاص لهذا القاتل، فلا إشكال، فيحمل على المحامل التي
مضت في أمثاله.
ثم بيَّن أن جهاد هذا الشخص، وإن كان - في الظاهر - لأجل
إعلاء كلمة الله، ولكن لمَّا لم يكن في الباطن كذلك، لم ينفعه
الظاهر، ومات على ما كان عليه في الباطن، وصار من أهل النار، وإن
(١) في الأصل: ((الجزم)).
(٢) في الأصل: ((شبهة)).
٢٦٤

حصل منه تأييد للدين، فإن الله تعالى يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر،
كما يؤيده بالرجل الصالح.
* وقوله: (الرَّجُلُ الَّذِي قُلْتَ لَهُ)؛ أي: للذي قلت له: هذا من
أهل النار؛ أي: قلت في شأنه وحقه، وتستعمل اللام بمعنى (في)
كثيراً.
والثالث في قوله: (اللهُ أَكْبَرُ! أَشْهَدُ أَنّي عَبْدُاللهِ وَرَسُولُهُ) فيه:
دليل على أن الأمر الذي أخبر من معجزاته، ونحوه ما مرّ في قصة
دعائه للأزواد القليلة، فعلم أن التحدي لا يشترط عند إظهار كل خارق
للعادة، فإن الصحابة - رضوان الله عليهم - كلما ظهر لهم منه - عليه
السلام - أمرٌ خارق للعادة، يستدلون به على صحة دعواه، ويشهدون
به على أعداء الدین، ویجعلونه حجة ودلیلاً علی صدق نبوته، بل
يكفي في كون الخارق معجزةً صدورُه عمن ادّعى النبوة؛ فإنه ادّعى
أوَّلاً، وأظهر شيئاً من ذلك على صحة دعواه، كان التحدي باقياً، فلا
حاجة إلى تجديده بالقول، بل القرائن الحالية تدل على دوامه.
٣٢٠ - (١١٢ / ١٧٩) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ
- وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القَارِيُّ، حَيٍّ مِنَ العَرَبِ -، عَنْ أَبِي حَازِمِ،
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ِ التَّقَى هُوَ
وَالمُشْرِكُونَ، فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ إِلَى عَسْكَرِهِ، وَمَالَ
٢٦٥

الآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ وَهِ رَجُلٌ لاَ يَدَعُ
لَهُمْ شَافَّةً إِلَّ اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْقِهِ، فَقَالُوا: مَا أَجْزَأَ مِنَّ الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا
أَجْزَاً فُلاَنٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ))، فَقَالَ رَجُلٌ
مِنَ القَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ أَبَداً، قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ، كُلَّمَا وَقَفَ، وَقَفَ
مَعَهُ، وَإِذَا أَسْرَعَ، أَسْرَعَ مَعَهُ - قَالَ : - فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحاً شَدِيداً،
فَاسْتَعْجَلَ المَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْقِهِ بِالأَرْضِ، وَذُبابهُ بَيْنَ نُذْبَيْهِ، ثُمَّ
تَحَامَلَ عَلَى سَيْقِهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللهِ،
فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: ((وَمَا ذَاكَ؟))، قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي
ذَكَرْتَ آنِفاً أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ،
فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ حَتَّى جُرِحَ جُرْحاً شَدِيداً، فَاسْتَعْجَلَ المَوْتَ،
فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْقِهِ بِالأَرْضِ، وَذُبَابَهُ بَيْنَ تُدْبَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ، فَقَتَلَ
نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلٍ
الجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ
أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَِّ).
الحديث الرابع: حديث سهل بن سعد: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَ ◌ّهِ التَّقَى
هُوَ وَالمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِلَى عَسْكَرِهِ، وَمَالَ
الآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ،و ◌َّ رَجُلٌ لاَ يَدَعُ لَهُمْ
شَاذَّةً إِلَّ اتَبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ، فَقَالُوا: مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌّ كَمَا أَجْزَأَ
فُلاَنٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَهَ: ((أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ))، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ
٢٦٦

القَوْمِ: أَنَا صَاحِبُهُ أَبَداً، قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ، كُلَّمَا وَقَفَ، وَقَفَ مَعَهُ،
وَإِذَا أَسْرَعَ، أَسْرَعَ مَعَهُ - قَالَ : - فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحاً شَدِيداً، فَاسْتَعْجَلَ
المَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْضِ، وَذُبابهُ بَيْنَ ثُدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى
سَيْفِهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ
رَسُولُ اللهِ، قَالَ: ((وَمَا ذَاكَ؟))، قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفاً أَنَّهُ مِنْ
أَهْلِ النَّارِ، فَأَعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أَنَا لَكُمْ بِهِ، فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ
حَتَّى جُرِحَ جُرْحاً شَدِيداً، فَاسْتَعْجَلَ المَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ
بِالأَرْضِ، وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثُدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِنَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ: ((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو
لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا
يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الَنَّةِ)).
أخرجه البخاري في: (الجهاد)، و(المغازي).
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع:
الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف.
[أبو] حازم، وهو سَلَمة بن دينار الأعرجُ، المدنيُّ.
عن سهل بن سعد، وأكثر عنه، وعن أم الدرداء، وجماعة.
وعنه ابنه عبد العزيز، ومالك، وخلائق.
وَثَّقَهُ القوم، وأثنوا عليه، وأخرج له الستة.
توفي سنة أربع وأربعين ومئة.
٢٦٧

وشيخه (سهل)، وهو أبو العباس سهلُ بنُ سعدِ بنِ مالك بن
خالد ابن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن
الخزرج، الأنصاريُّ، الساعديُّ، قيل: كان اسمه حَزْناً، فسماه النبيُّ -
عليه السلام -: سهلاً.
قال الزهري: سمع من النبي - عليه السلام -، وكان يوم وفاة
النبي - عليه السلام - له خمس عشرة، وتوفي بالمدينة سنة ثمان
وثمانين، وقيل: سنة إحدى وتسعين، وقال ابن سعد: وهو آخر من
مات من الصحابة بالمدينة بلا خلاف، وقال غيره: فيه خلاف.
روي له عن رسول الله وَ ﴾ مئة حديث، وثمانية وثمانون حديثاً،
اتفقا على ثمانية وعشرين، وانفرد البخاري بأحد عشر، وأخرج له
الأربعة - أيضاً -.
روى عنه الزهري، وأبو حازم، وغيرهما.
الثاني: فيما يتعلق بالألفاظ:
، قوله: (لاَ يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً)، وهو الخارج من الجماعة؛ أي:
لا يدع أحداً من سَوَاد القوم الخارجين عن الجماعة إلا ضربه بسيفه،
والتأنيث باعتبار النسمة، أو التشبيه بشاذة الغنم، أو لجهة المبالغة؛
كما [في] عَلَّمَة، ونَسَّابَة، والمراد: بيان شجاعته، وأنه لا يلقاه أحد
من العدو إلا قتله، وغلب عليه، وعبّر بالشاذة؛ لأن شجاع القوم هو
الخارج من بين الجماعة، المبارز بنفسه وحده، فإذا كان هو لا يدع
أحداً منهم، ويغلب على الجميع، فهو النهاية في الشجاعة.
٢٦٨

وعن ابن الأعرابي: يقال: فلان لايدع شاذّة ولا فاذّة: إذا كان
شجاعاً، لا يلقاه أحد إلا غُلِب.
واسم هذا الرجل قزمان، وكان منافقاً، ذكره الخطيب وغيره.
* وقوله: (مَا أَجْزَأَ) - بالهمزة -؛ أي: ما أغنى وكفى أحدٌ منا
اليومَ غناه وکفایته.
قال في ((الصحاح)): أَجْزَأَنِي الشَّيْءُ: كَفَانِي، وجَزَأْ عَنِّي هذا
الأمر؛ أي: قضى، ومنه قوله تعالى: ﴿لَّا تَجْزِى نَفْسٍّ عَن نَّفْسِ شَيْئًا﴾
[البقرة: ٤٨] الآية.
وقال أبو عبيد: يقال: جزأت بالشيء، واجْتَزَأْتُ به؛ أي: اكتفيت،
وأنشد:
وإِنَّ الحُرَّ يَجْزَأُ بالكُرَاعِ
لِأَنَّ الغَدْرَ (١) في الأَقْوَامِ عارٌ
الثالث: ما يتعلق بالمعنى :
والغرض: بيان خطأ زعم القوم في حقه بأنه ذو حظ عظيم، ولما
رأى النبي ◌َّ مبالغتهم في وصفه، كشف حاله، وأزال الستر، فبين أنه
من أهل النار، وأن العمل المزلف عند الله هو الذي بالإخلاص، وهو
أمر مبطن، لا يعلمه إلا الله، ولا عبرة بالذي يظهر للناس.
(١) في الأصل: ((اللوم)).
٢٦٩

ولما قال النبي - عليه السلام - ذلك، علموا أن له سبباً خفياً يصير
به من أهل النار، فلهذا قال واحد منهم: (أَنَا صَاحِبُهُ أَبَداً)؛ أي: دائماً
في جميع الأوقات؛ لأنظر ما السبب الموجب للهلاك؟ وقال: (أَنَا
صَاحِبُهُ)، ولم يقل: أنا أصحبه؛ ليدل على شدة مصاحبته له، وأنه
لا يفترق عنه ساعة، ولهذا قيّده بقوله: (أَبَدَا)، فيكون هو متفحصاً
لأجل القوم؛ ليذهب عنهم التحير الذي وقع لهم من إخبار النبي - عليه
السلام - عن حاله، مع ظهور أفعال أهل الجنة منه، ولذلك قال: (أَنَا
لَكُمْ بِهِ)؛ أي: أنا لأجلكم موكل عليه، وقائم به، متفخِّص عن حاله؛
لأخبركم بما جرى عليه، فلما فعل؛ ذلك الشخص ما فعل؛ من وضع
نصل سيفه على الأرض؛ أي: طرف النصل الأسفل المسمى بالقبضة،
و(ذُبابهُ)؛ أي: طرفه الأعلى المحدَّد المهلِك بين ثدييه، وتَحَامَل عليه
حتى قتلَ نفسه، أخبر بذلك النبي - عليه السلام -، وعلم أن ذلك
الإخبار من جملة المعجزات.
وكم للنبي - عليه السلام - من هذا النوع من المعجزات!
منها: ما روى جابر بن سمرة، قال: مَرِضَ رَجُلٌ، فَصِيحَ عَلَيْهِ،
فَجَاءَ جَارُهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ نَّهِ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ مَاتَ. قَالَ: ((وَمَا
يُدْرِيكَ؟)) قَالَ: أَنَا رَأَيْتُهُ(١)، قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ))، قَالَ:
فَرَجَعَ، فَصِيحَ عَلَيْهِ، فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ مَاتَ.
(١) في الأصل: ((أنا سمعت ذلك)).
٢٧٠

فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: (إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ))، فَرَجَعَ، فَصِيحَ عَلَيْهِ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ:
انْطَلِقْ إِلَى رَسُولِ اللهِ وََّ، فَأَخْبِرْهُ. فَقَالَ الرَّجُلُ: اللَّهُمَّ العَنْهُ، قَالَ:
ثُمَّ انْطَلَقَ الرَّجُلُ، فَرَآهُ قَدْ نَحَرَ نَفْسَهُ بِمِشْقَصٍ مَعَهُ، فَانْطَلَقَ إِلَى
النَّبِيِّ وَِّ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَقَالَ: ((مَا يُدْرِيكَ؟))، قَالَ: رَأَيْتُهُ
يَنْحَرُ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ مَعَهُ، قَالَ: ((أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟))، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: ((إِذاً
لاَ أُصَلِّي عَلَيْهِ))، أخرجه أبو داود، وسيجيء في (كتاب الجنائز) شيء
من ذلك - إن شاء الله تعالى -.
وبالجملة: في الحديث تنبيهٌ على ترك الاعتماد على الأعمال،
والتعويل على فضل ذي العزة والجلال، وعلى أن القَدَر لا يتغير
ولا يتبدل، وسبق الكتاب على العمل، وسيجيء بيان ذلك في (كتاب
القدر) - إن شاء الله تعالى -.
٣٢١ - (١١٣ / ١٨٠) - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَاَ الزُّبَيْرِيُّ
- وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ -، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ
الحَسَنَ يَقُولُ: ((إِنَّ رَجُلاً مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خَرَجَتْ بِهِ قَرْحَةٌ، فَلَمَّا
آذَتْهُ، انْتُزَعَ سَهْماً مِنْ كِنَانَتِهِ، فَتَكَأَهَا، فَلَمْ يَرْقَلِ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ
رَبُّكُمْ: قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنََّ». ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ إِلَى المَسْجِدِ، فَقَالَ: إِي
وَاللهِ! لَقَدْ حَدَّثَنِي بِهَذَا الحَدِيثِ جُنْدَبٌ عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ فِي هَذَا
المَسْجِدِ.
٢٧١

٣٢٢ - (١١٣ / ١٨١) - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ المُقَدَّمِيُّ،
حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ الحَسَنَ يَقُولُ:
حَدَّثَنَا جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ البَجَلِيُّ فِي هَذَا المَسْجِدِ، فَمَا نَسِيئَاً،
وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدَبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ ﴾: (خَرَجَ بِرَجُلٍ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خُرَاجٌ)). فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
الحديث الخامس: حديث الحسن البصري: ((إِنَّ رَجُلاً مِمَّنْ كَانَ
قَبْلَكُمْ خَرَجَتْ بِهِ قَرْحَةٌ، فَلَمَّا آذَتْهُ، انْتُزَعَ سَهْماً مِنْ كِنَانَتِهِ، فَنَكَأَهَا،
فَلَمْ يَرْقَإِ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ رَبِّكُمْ: قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ». ثُمَّ مَدَّ
يَدَهُ إِلَى المَسْجِدِ، فَقَالَ: إِي وَاللهِ! لَقَدْ حَدَّثَنِي بِهَذَا الحَدِيثِ جُنْدَبٌ
عَنْ رَسُولِ اللهِ ◌ّهِ فِي هَذَا المَسْجِدِ.
وفي روايته: حَدَّثَنَا جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ البَجَلِيُّ فِي هَذَا المَسْجِدِ،
فَمَا نَسِينَا، وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدَبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَله .
أخرجه البخاري.
وفي رواية: (كَانَ بِرَجُلِ جِرَاحٌ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ اللهُ مِّ:
بَدَرَبِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ).
وفي أخرى: ((كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ
سِكُيناً، فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ اللهُ وَلَّ: بَادَرَنِي
عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ)).
إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في مواضع :
٢٧٢

الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف.
(الزُّبَيْرِيُّ)، وهو أبو أحمد محمد بن عبدالله بن الزبير بن عمرو
ابن درهم الکوفيُّ.
عن مطر بن خليفة، والثوري، ومِسْعَر، وخلائق.
وعنه أحمد، وابن رافع، وبندار، وآخرون.
وَثَّقَهُ ابن معين، وأخرج له الستة، وقال العجلي: كوفي ثقة،
یتشیع .
وقال النسائي : ليس به بأس .
توفي سنة ثلاث ومئتين.
و(وَهْبٌ) أبو العباس، وهو وهب بن جرير بن حازم الأزدي،
البصريُّ، الحافظُ.
عن أبيه، وابن عوف، وشعبة، وخلائق.
وعنه أحمد، وابن معين، وابن راهويه، وآخرون.
وَثَّقَهُ ابن معين، وأخرج له الستة.
وقال النسائي : ليس به بأس.
وقال العجلي : ثقة، کان عفان یتكلم فيه.
توفي سنة ست ومئتين.
والثاني: في الألفاظ:
قوله: ((قَرْحَة» هو، بفتح القاف، والكنانةُ ۔ بکسر الكاف ـ:
٢٧٣

جُعبة النشَّاب، سُمِّيت بها؛ لأنها تُكِنُّ السّهام؛ أي: تسترها.
ونكَأَ ـ بالهمز - بمعنى: فتح القرحة، يقال: نَكَأْتُ القرحة:
قرفتها بعد البرء فنكستها .
قال :
وَلَمْ تُنْسِنِي أَوْفَى المُصِيْبَاتِ بَعْدَهُ
ولَكِنَّ نَكْءَ القَرْحِ بِالقَرْعِ أَوَجَعُ
والقُرْحُ - بالضم -، وقيل بالفتح: الجرح، وبالضم: الجراح،
ومعنى (فَلَمْ يَرْقَإِ الدَّمُ): لم ينقطع، يقال: رقا دمه ودمعه ۔ بالهمز -؛
أي: انقطع وسكن، والخُرَاجُ - بضم الخاء وتخفيف الراء -: نوع من
القرحة .
والثالث: فيما يتعلق بالمعنی :
وهو ظاهر، وإيراد مسلم - رحمه الله - هذا الحديث المشتمل
على هذه القضية هاهنا؛ لبيان أن إقدام الرجل على قتل نفسه لم يزل
محرماً في جميع الملل، وأن فاعله مستحق للوعيد الشديد والعذاب،
وأنه يحكم عليه أنه من أهل النار، وذلك:
إِمَّا لعظم ذلك الأمر الصادر منه؛ لينزجر السامع من الإقدام
عليه .
وإِمَّا لأن جزاءه ذلك لولا عفو الله تعالى.
٢٧٤

وإِمَّا لأنه البتة يدخل النار، ويصير من أهلها، وإن صار بعد ذلك
من أهل الجنة.
وإِمَّا لاعتقاد كونه حلالاً .
وإِمَّا لأجل أن مرتكب الكبيرة، والمُقَصِّرُ عما يجب عليه مخلَّد
في تلك الشريعة .
إلى غير ذلك من التأويلات.
ثم الظاهر: أن الرجل إنما فعل ذلك لأجل الجزع، وقلة الصبر
على الألم؛ كالرجل الذي مر ذكره آنفاً، فيكون قاتلاً لنفسه، ويدل
عليه ما جاء (١) في رواية: (فَجِزَعَ)، ويحتمل أن يكون قصده بَطَّ (٢) تلك
الجراحة؛ ليخفَّ عليه الألم، ففرَّط في التحرز، فيكون مفرطاً فيما
يجب عليه احتياطه .
وعلى التقديرين: حرمانُ الجنة عليه محتاج إلى ضرب من
التأويل الذي ذكرنا.
ويستفاد من التأويل الأوّل: وجوب الصّبر على الألم، وتحريم
استعجال الموت عند نزول الشدائد.
ومن التأويل الثاني: وجوب التحرز من استعمال الأدوية
المخوفة، والعلاج الخطر، وتحريم التقصير في التحرز عن ذلك.
(١) في الأصل: ((وجاء)) بدل ((ما جاء)).
(٢) أي: شقَّ.
٢٧٥

ثم لما کان في ظاهر الحديث نوعُ خفاء، ويحتاج إلى التأويل،
أَّد الحسن - رحمه الله - صحته بالقسم، وأن جندباً حدثه بهذا
الحديث في المسجد، كما أكد في الرواية الأخرى بقوله: (فَمَا نَسِينَا،
وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدَبٌّ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَّ).
و- أيضاً - فيه: بيان أنه حديث صحيح مرفوعٌ إلى النبي ◌ِّ،
مسموعٌ من شخص لا يظن به كذب قط، وليس من الكلام المقول في
النصائح والتخويف؛ ليكون أَقَرَّ في أسماع السامعين، وأمكنَ في
قلوبهم.
وأما الجمع بين ما جاء في الرواية الأولى: (انْتُزَعَ سَهْماً مِنْ
كِنَانَتِهِ، فَنَكَأَهَا)، والرواية الأخيرة: (فَأَخَذَ سِكِّيناً، فَجَرَحَ بِهَا يَدَهُ)
[أن] الأمرين صدرا منه، والموت بهما، أو يكون المراد من السكين:
نصل السهم؛ لأنه يطلق على كل قاطع من حديد، والنصل منه،
وكانت القرحة على يد الرجل، والله أعلم.
*
٢٧٦

(٣٦)
بيان أن الحكم على أحوال الآخرة
ليس بالنظر إلى ظاهر الحال
[٥٠ _ باب
غِلَظِ تَحْرِيم الغُلَولِ وَأَنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّ المُؤْمِنُونَ ]
٣٢٣ _ (١١٤ / ١٨٢) - حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ
ابْنُ القَاسِمِ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سِمَاٌ الحَنَفِيُّ أَبُو
زُمَيْلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُاللهِ بْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ
الخَطَّابِ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَِّّ لَ﴾،
فَقَالُوا: فُلاَنْ شَهِيدٌ، فُلاَنْ شَهِيدٌ، حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ، فَقَالُوا:
فُلاَنٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَ﴿ه: ((كَلاَّ، إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ
غَلَّهَا، أَوْ عَبَاءَةِ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِوَ: (يَا بْنَ الخَطَّابِ! اذْهَبْ فَتَاهِ
فِي النَّاسِ: إِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّ المُؤْمِنُونَ)). قَالَ: فَخَرَجْتُ،
فَنَادَيْتُ: ((أَلاَ إِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّ المُؤْمِنُونَ)).
٣٢٤ - (١١٥ / ١٨٣) - حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ
وَهْبٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَبْدِ الدُّؤَلِيِّ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي
٢٧٧

الغَيْثِ مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ح.
لما كان في الأحاديث السالفة بيانُ أن العبرة ببواطن الأمور،
لا بظواهرها، أورد مسلم - رحمه الله - هاهنا أحاديث في كل واحد
منها بيانُ أن الحكم على خلاف ما يظهر، فإن ظاهر حال الشخص
المقتول في الغزاة، والذي رُمي بسهم غابر بعد مراجعته من الغزو في
خدمة النبي وسي يقتضي أن يكونا من أهل النجاة المطلق، وقطع ذلك
الرجل الآخر بَراجِمَه قصداً، واستعجاله للموت أن يكون من أهل
العذاب، فبَيَّن النبي - عليه السلام -: أن الحكم في كل واحد منهما
عل خلاف ما يظهر للقوم، والأحاديث المخرجة هنا ثلاثة:
الحديث الأول: حديث عمر بن الخطاب، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ
خَيْيَرَ، أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِّ وَّهِ فَقَالُوا: فُلاَنٌ شَهِيدٌ، فُلاَنٌّ شَهِيدٌ،
حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ، فَقَالُوا: فُلاَنٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((كَلاَّ،
إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا، أَوْ عَبَاءَةٍ))، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((يَا بْنَ
الخَطَّابِ! اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ: إِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّ المُؤْمِنُونَ). قَالَ:
فَخَرَجْتُ، فَنَادَيْتُ: ((أَلَاَ إِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّ المُؤْمِنُونَ)).
أخرجه الترمذي في (السير).
إذا عرفت هذا، فقوله: (كَلاَّ) ردٌ وردٌّ لقولهم: إنه شهيد،
وليس المراد: نفيَ الشهادة في أحكام الدنيا، وإنما المراد: نفي درجة
الشهادة .
٢٧٨

ثم بيَّن ذلك - عليه السلام - بأنه رآه في النار في بردة، وهي كساء
مُخَطَّط، أو عباءة، الشكُّ من الرواي، وقيل: بيانٌ من النبي وَّ إيماءً
إلى عدم اختصاص البردة بالوعيد، وإنما السبب هو الغلول، سواء
كان بردة، أو عباءة، أو غيرهما، والمعنى: أنه يدخل النار بسبب
بردة، أو عباءة غَلَّها من الغنائم.
والغُلول: الخيانة في المغنم، يقال: غَلَّ - بفتح الغين -، يَغُلُّ -
بضمها - غَلاً .
م
قال ابن قتيبة: أصلَه من الغلل، وهو الماء الجاري خلال
الأشجار، سُمي بذلك؛ لأنه يدخل الغلول على أصوله.
وأما الغِلُّ - بكسر الغين -، فهو الحِقْد والشَّحْناء.
والغرض: التحذير من الغلول، وأن صاحبه يستحق دخول النار
بسبب شيء منها، وإن كان شيئاً يسيراً.
* وقوله: (إِنِّي رَأَيْتُهُ) الظاهر: أنها رؤية عيان ومشاهدة،
لا رؤية منام، وهو - أيضاً - من معجزاته.
وفيه: دليل على أن بعض من يُعذب في النار يدخلها ويعذب
فيها قبل يوم القيامة، ولا حجة فيه للمكفِّرة بالذنوب؛ إذ لا دلالة في
الحديث على الخلود، بل على الدخول، وهو لا يلازم الكفر، بل
يحصل مع الفسق - أيضاً -؛ كما مر بيانه مراراً.
فإن قلت: الظاهر من أمرِ النبيِّ ◌َّ﴿ عُمَرَ بأن ينادي: ((إِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ
٢٧٩

الجَنَّةَ إِلَّ المُؤْمِنُونَ)): أنه تعريض بأن هذا المقتول ليس منهم، فكيف
هذا؟
قلت: ليس فيه إلا أن القوم لما شهدوا على المقتول بالشهادة،
وأنها تقتضي النجاة المطلقة، ردّ ذلك عليهم بأنه رآه في النار، وأمرَ
عمرَ بالنداء؛ ليُعلم أن النجاة المطلقة إنما تكون للمؤمن الكامل،
ويحتمل أن يكون المقتول من أهل النفاق، والغرض: بيان أنه ليس
من أهل الجنة؛ فإنه لا يدخلها إلا المؤمنون، وذكر الغلول إيماء إلى
قبحه، وإن كان السبب هو النفاق، كما قيل: في قوله تعالى: ﴿مِّمَا
خَطِيّئَِهِمْ أُغْرِقُواْ﴾ [نوح: ٢٥] الآية: إن السبب في الغرق هو عتوهم في
الكفر، وإنما ذكر الخطيئة إيماء إلى قبحها، ووجوب الاحتراز عنها،
والله أعلم بمعنى كلام رسوله.
٣٢٥ _ (١١٥ / ١٨٣) - وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ - وَهَذَا حَدِيثُهُ -:
حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ - يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ -، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ أَبِي الغَيْثِ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِّ ◌َِ﴿ إِلَى خَيْبَرَ، فَفَتَحَ اللهُ
عَلَيْنَا، فَلَمْ تَغْتَمْ ذَهَباً وَلاَ وَرِقاً، غَنِمْنَا المَنَاعَ وَالطَّعَامَ وَالنِّبَ، ثُمَّ
انْطَلَقْنَا إِلَى الوَادِي، وَمَعَ رَسُولِ اللهِلَّهِ عَبْدٌ لَهُ وَهَبَهُ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُذَامٍ
يُدْعَى: رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ، مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ، فَلَمَّا نَزَلْنَا الوَادِي، قَامَ عَبْدُ
رَسُولِ اللهِ﴿ يَخُلُّ رَحْلَهُ، فَرُمِيَ بِسَهْمٍ، فَكَانَ فِيهِ حَتْفُهُ، فَقُلْنَا: هَنِيْئاً
لَهُ الشَّهَادَةُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِهِ: ((كَلَّ، وَالَّذِي نَفْسُ
٢٨٠