Indexed OCR Text
Pages 221-240
التابوت، وغير ذلك من أفعالهم. وقيل: المراد بدعوى الجاهلية: نداؤهم عند الهياج والقتال: يا بني فلان! منتصراً بهم في الظلم والفساد - على ما سيجيء في قوله - عليه السلام -: ((دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ)) الحديث -؛ فإنه قد نهى عن ذلك، وأمر بالانتماء إلى الإسلام، وقال: ((ادْعُوا بِدَعْوَةِ المُسْلِمِينَ)). والوجهُ الذي ذكرنا أليقُ بهذا الحديث؛ لأنه قرن ذلك بضرب الخدود، وشق الجيوب. ولما كان لفظه يجيء بمعنى الواو - أيضاً -، ذكر بعض الشارحين أن الرواية المشتملة عليها بمعنى المشتملة على الواو، ولكن النظر الدقيق يقتضي أن يكون الأمر بالعكس؛ فإن المقام - كما علمت - مقام التغليظ، فالواجب بأن كل واحد من هذه الأفعال موجبٌ لهذا الوعيد؛ ليكون هذا الوعيد متناولاً لمن فعلها جميعاً، أو واحداً منها، لا أن يكون مختصاً لمن جمعها، ويدل عليه - أيضاً -: حديث أبي موسى؛ حيث ذكر الحديث عند صدور صيحة من امرأة من أهله؛ فإنه يدل على أنه أشار بذلك إلى فعل امرأته، وأومأ إلى أنه موجب لبراءة النبي - عليه السلام -، كما يكون حال من فعل الأفعال الثلاثة، ولذلك قدم مسلم - رحمه الله - الرواية المشتملة على (أَوْ)، وجعلها أصل الباب. ٢٩٨ - (١٠٤ / ١٦٧) - حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ مُوسَى القَنْطَرِيُّ، ٢٢١ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ: أَنَّ القَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ حَدَّثَهُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى، قَالَ: وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجَعاً، فَغُشِىَ عَلَيْهِ، وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ، فَصَاحَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئاً، فَلَمَّا أَفَاقَ، قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللهِنَّهِ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ وَهُ بَرِىءَ مِنَ الصَّالِقَةِ، وَالحَالِقَةِ، وَالشَّاقَّةِ. ٢٩٩ - (١٠٤ / ١٦٧) - حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالاَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَخْرَةَ يَذْكُرُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، وَأَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى، قَالاَ: أُغْمِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى، وَأَقْبَتِ امْرَأَتُهُ أُمُّ عَبْدِاللهِ تَصِيحُ بِرَّةِ. قَالاَ: ثُمَّ أَفَاقَ، قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمِي - وَكَانَ يُحَدِّثُهَا -: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ، وَسَلَقَ، وَخَرَقَ))؟ ٣٠٠ _ (١٠٤ / ١٦٧) - حَدَّثَنَا عَبْدُاللهِ بْنُ مُطِيعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عِيَاضِ الأَشْعَرِيِّ، عَنِ امْرَأَةٍ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ◌ِ#ح. ٣٠١ - وَحَدَّ ثَنِيهِ حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا دَاوُدُ - يَعْنِي: ابْنَ أَبِي هِنْدٍ -، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النّبِيِّ بَِّح. ٢٢٢ ٣٠٢ - وَحَدَّثَنِي الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، أَخْبَرَنَاَ شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ رِبِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ◌َهَ بِهَذَا الحَدِيثِ. غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثٍ عِیَاضٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: ((لَيْسَ مِنَّ)». وَلَمْ يَقُلْ: «بَرِيءٌ)». الحديث الثاني : حديثُ أبي بُردَة بن أبي موسى، قال: وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجَعاً، فَغُشِىَ عَلَيْهِ، وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ، فَصَاحَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئاً، فَلَمَّا أَفَاقَ، قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ نَّهَ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّ بَرِىَ مِنَ الصَّالِقَةِ، وَالخَالِقَةِ، وَالشَّاقَّةِ)). وفي رواية: ((أُغْمِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى، وَأَقْبَلَتِ امْرَأْتُهُ أُمّ عَبْدِ اللهِ تَصِيحُ بِرَّةِ. قَالاَ: ثُمَّ أَفَاقَ، قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمِي - وَكَانَ يُحَدِّثُهَا -: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ، وَسَلَقَ، وَخَرَقَ)). وفي رواية: (لَيْسَ مِنَّ)) بدل: ((بَرِيءٌ))، فأخرج مسلم هذا الحديث من طريق القاسم بن مُخَيْمِرَة، عن أبي بردة، عن أبيه. وقد أخرجه البخاري - أيضاً - في: (الجنائز)، ومن طريق عبد الرحمن بن یزید، عن أبي موسى . وأخرجه النسائي، وابن ماجه في: (الجنائز)، ومن طريق امرأة أبي موسی عنه. وأخرجه النسائي في: (الجنائز)، ومن طريق صفوان بن محرز عنه . ب ٢٢٣ وأخرجه النسائي - أيضاً - في: (الجنائز)، ومن طريق ربعي عنه، وهو من أفراده. وأمّا التعريف برواته سوی ما ذکر: [أما] الحَكَمُ، فهو أبو صالح الحَكَمُ بْنُ مُوسَى بنِ أبي زهير القَنْطَرِيُّ، البغداديُّ، الزاهدُ، أحدُ الأعلام، أصله من نَسا، نشأ بطبرستان، ورأى مالكاً. وروى عن إسماعيل بن عياش، وابن المبارك، ومعقل، وخلائق. وعنه مسلم، وأبو زرعة، وجمع. وَثَّقَهُ ابن معين، وأخرج له مسلم، والبخاري تعليقاً. وقال أبو حاتم: صدوق. وأمّا (شيخه)، فهو أبو عبد الرحمن يحيى بنُ حمزة بن واقد الحضرمي قاضي دمشق. عن أبيه، وثابت، وسفيان(١)، والأوزاعي، وجماعة. وعنه ابن المهدي، وابن المبارك، وابن حَجَر (٢)، وخلق. وَثَّقَهُ ابن معين، وأخرج له الستة. وقال أحمد: ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صدوق. (١) في الأصل: ((وثابت بن سفيان)) وهو خطأ. (٢) يعني: علي بن حجر المروزي. ٢٢٤ وقال أبو داود: ثِقَةٌ قدرٌّ. وأمّا (القَاسِمُ)، فهو أبو عروة القَاسِمُ بْنُ مُخَيْمِرَةَ الهمدانيُّ، الكوفيُّ، أحدُ الأعلام. عن أبي سعيد الخدري، وعبدالله بن عمرو، وجماعة. وعنه الحکم، وسماك بن حرب، وخلائق. وَثَّقَهُ ابن معين، وغيره، وأخرج له الخمسة، والبخاري تعليقاً. وأمّا (جَعْفَرٌ)، فهو أبو عون جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ بن عمرو بن حُریث المخزوميُّ. عن إسماعيل، والأعمش، وهشام بن عروة، وخلائق. وعنه أحمد، وإسحاق، والكَوْسَج، وآخرون. وَثَّقَهُ ابن معين، وأخرج له الستة إلاّ البخاري والترمذي. وأمّا (شيخه)، فهو أبو العُمَيس عتبةُ بن عبدالله بن عتبة بن عبدالله ابن مسعود الهذليُّ، الكوفيُّ. عن الشعبي، وابن أبي مليكة، وجماعة. وعنه شعبة، وأبو معاوية، ووكيع، وآخرون. وَثَّقَهُ أحمد، وابن معين، وأخرج له الستة. وقال أبو حاتم: صالح. وأمّا (شيخه)، فهو أبو صخرة جامعُ بنُ شَدَّاد الكوفيُّ. عن صفوانَ بنِ مُحرز، وحمدانَ بنِ أبان، وجماعة. ٢٢٥ وعنه ومِسْعر، وشعبة، وآخرون. وَثَّقَهُ أبو حاتم، وغيره، وأخرج له الستة. وقال ابن المديني: له نحو من عشرين حديثاً. وأمّا (عبدالله)، فهو أبو محمد عبدالله بن مُطيع بن راشد النيسابوريُّ. عن هُشيم، وابن المبارك، وجماعة. وعنه مسلم، وأخرج له. وَثَّقَهُ الخطيب. وأمّا (عياض)، فهو ابن عمرو الأشعري، مختلفٌ في صحبته، له عن النبي ◌َّ، وامرأة أبي موسى. وعنه الشعبي، وغيره. أخرج له مسلم، وابن ماجه. : قوله: (مِنَ الصَّالِقَةِ) الرواية في الأصول بالصاد، وفي بالسين(١)، والمعنى متقارب، يقال: صلقت المرأة: رفعت صوتها في النَّوْح ونحوه، وهي سليقة؛ من السلق؛ أي: سليطة بذيئة اللسان، تؤذي زوجها بفحش القول، قال الله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] الآية، فيكون السلق: شدة القول باللسان. وحكى القاضي عياض عن ابن الأعرابي: أن الصلق: ضرب الوجه، وهو غريب. * (وَالحَالِقَةِ): التي تحلق رأسها. (١) في الأصل: ((وفي صلق بها وبالسين)). ٢٢٦ * (وَالشَّاقَّةِ): التي تشق ثوبها عند المصيبة، وهو معنى (خرق)، وإنما أورد الصفات بعلامة التأنيث، وإن كان الوعيد يتناول الذكور - أيضاً -؛ لأن صدور هذه الأفعال من النساء أكثر، أو التأنيث باعتبار الجماعة، فيتناول الجميع، وفي اختيار صيغة التأنيث إيماء إليهنَّ. والبراء في اللغة: الانفصال عن الشيء، والبينونة، ومنه: البراءة من العيوب، والمراد هنا: البراءة من فعلهن، أو ما يستوجبن من العقوبة، أو من عهده بالذمة من البیان والتبليغ، کذا قيل. والظاهر: أن المعنى: البراءةُ عن فاعل هذه الأشياء، ولا حاجة إلى تقدير الفعل، أو الإثم، بل يجب أن يؤوّل بالوجوه المذكورة في أمثالها، وقد مر أنَّ في ضمن استقباح فاعل القبيح والبراءة منه استقباح الفعل والبراءة منه. * قوله: (تَصِيحُ بِرَنَّةٍ) - بفتح الراء وتشديد النون -؛ أي: صيحة حزينة، يقال: سمعت رنة ورنيناً، وقد رَنَّ وأَرَنَّ. وفي ((المطالع)): الرَّنَةُ: الصوت مع البكاء، ويقال: أَرَّنَّتْ، ولا يقال: رَنَّتْ، والصحيح المشهور في اللغة هو القول الأوّل معنَى واستعمالاً. * قوله: (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ) ذكر القاضي عياض: أن أبا الحسن الدار قطني قال: أصحاب شعبة يخالفون عبد الصمد، ويروونه عن شعبة موقوفاً، لم يرفعه عنه غير(١) (١) في الأصل: ((غير عن)) بدل ((عنه غير))، والتصويب من ((مشارق الأنوار)) للقاضي عياض (٢ / ٣٤٥). ٢٢٧ عبد الصمد. هذا كلامه. وقد علمت أن مثل هذا لا يضر؛ فإن بعض الرواة إذا روى موقوفاً، وبعضهم مرفوعاً، فالحكم للرفع على الأصح - كما مر -، ومسلم - رحمه الله - إنما أورد هذه الرواية متابَعَةً، وثبوت المتن إنما کان بروايات أُخر - على ما لا يخفى۔۔ وفي النسائي، عن عمرو بن علي، عن سليمان بن حرب، عن شعبة، عن عوف، عن خالد الأحدب، عن صفوان بن محرز، قال: أُغْمِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى، فَبَكَوْا عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَبْرَأُ إِلَيْكُمْ كَمَا بَرِىَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَِّ: (لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَقَ، وَلَاَ خَرَقَ، وَلاَ سَلَقَ)). ٢٢٨ (٣٣) بيان تحريم النميمة [٤٧ - باب بَانِ فِلَظِ تَحْرِيمِ النَّمِيمَةِ ] ٣٠٣ - (١٠٥ / ١٦٨) - وَحَدَّثَنِي شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، وَعَبْدُاللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ الضُّبَعِيُّ، قَالاَ: حَدَّثَنَا مَهْدِتَّ - وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ -، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ، عَنْ أَبِيٍ وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّهُ بَلَغَهُ: أَنَّ رَجُلاً يَنِمُّ الحَدِيثَ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ)). ٣٠٤ - (١٠٥ / ١٦٩) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِيْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَاَ جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ بْنِ الحَارِثِ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَنْقُلُ الحَدِيثَ إِلَى الأَمِيرِ، فَكُنَّا جُلُوساً فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ القَوْمُ: هَذَا مِمَّنْ يَنْقُلُ الحَدِيثَ إِلَى الأَمِيرِ. قَالَ: فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا. فَقَالَ خُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ◌ّهِ يَقُولُ: ((لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ)). ٢٢٩ ٣٠٥ _ (١٠٥ / ١٧٠) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، ح وَحَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الحَارِثِ التَّمِيمِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ -: أَخْبَرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الحَارِثِ قَالَ: كُنَّا جُلُوساً مَعَ حُذَيْفَةَ فِي المَسْجِدِ فَجَاءَ رَجُلٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا، فَقِيلَ لِحُذَيِفَةَ: إِنَّ هَذَا يَرْفَعُ إِلَى السُّلْطَانِ أَشْيَاءَ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ - إِرَادَةَ أَنْ يُسْمِعَهُ -: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِهِ يَقُولُ: ((لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ)). أخرج فيه حديث حذيفة: أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلاً يَنِمُّ الحَدِيثَ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَّهِ يَقُولُ: ((لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ)) . وفي رواية: كَانَ رَجُلٌ يَنْقُلُ الحَدِيثَ إِلَى الأَمِيرِ، فَكُنَّا جُلُوساً فِي المَسْجِدِ، فَقَالَ القَوْمُ: هَذَا مِمَّنْ يَنْقُلُ الحَدِيثَ إِلَى الأَمِيرِ. قَالَ: فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ)). وأخرجه البخاري في: (الأدب)، والترمذي في: (البر والصلة)، والنسائي في: (التفسير). وفي الباب: عن أبي هريرة، مرفوعاً: ((أَلا إِنَّ الكَذِبَ يُسَوِّدُ الوَجْهَ، وَالنَّمِيمَةَ عَذَابُ(١) القَبْرِ)) رواه أبو يعلى، والطبراني. (١) في الأصل: ((من عذاب)). ٢٣٠ وعن أسماءَ بنتِ يزيدَ، ترفعه: ((أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِخِيَارِكُمْ؟)). قَالُوا: بَلَى. قَالَ: ((فَخِيَارُكُمُ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللهُ تَعَالَى، أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟)). قَالُوا: بَلَى. قَالَ: ((فَشِرَارُكُمُ الْمُفْسِدُونَ بَيْنَ الأَحِنَّةِ، المَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، البَاغُونَ البُرَآءَ العَنَتَ)) رواه أحمد، وإسناده حسن. وعن عُبادة بن الصامِت مثله، رواه الطبراني. إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في موضعين: الأول: في التعريف بالرواة سوى ما سلف. (عبدالله)، وهو أبو عبد الرحمن عبدُالله بن محمد بنِ أسماءُ بنِ عُبيد الضبعيُّ. عن عمه جُويرية بن أسماء، وابن المبارك، وجماعة. وعنه الشيخان، وأبو داود، وأخرجوا له. وثَّقَهُ أبو حاتم، وقال أبو زرعة: لا بأس به، شيخ صالح. و(شيخه)، وهو ابن يحيى مهديُّ بنُ ميمونٍ الأزديُّ، البصريُّ. عن الحسن، وابن سيرين، وجماعة. وعنه ابن المبارك، ويحيى القطان، وخلائق. وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الستة. توفي سنة اثنتين وسبعين ومئة. وأما (همام)، فهو أبو الحارث الجعفيُّ، الكوفيُّ. ٢٣١ عن عمر، وعمار، والمقداد، وجماعة. وعنه وَبْرَة بنُ عبد الرحمن، وسلیمانُ بن یَسار. وَثَّقَهُ ابن مَعين، وغيره، وكان أحدَ العبَّاد بالكوفة، وأخرج له الستة . توفي سنة خمس وستین. و(حذيفة)، وهو أبو عبدالله حُذَيفةُ [بنُ] اليمان، واسمُ اليمان: حِسل، وقيل: حُسيل بن جابر بن أسيد العبسي، صاحبُ سرِّ رسولِ الله وَلخير، أراد هو وأبوه أن يشهدا بدراً، فاستحلفهما الكفار أن لا يشهدا، ثم سألا النبيَّ - عليه السلام-، فقال: ((نَفِي لُهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ [ِبِاللهِآ عَلَيْهِمْ)). ومناقبُ حذيفة جمّة، وسيجيء في الكتاب طرف منها. له عن رسول الله في أحاديث في عددها خلاف كثير، انفرد البخاري بثمانية، ومسلم بسبعة عشر، وأخرج له الأربعة - أيضاً -. روى عنه أبو الطفيل، والأسود بن يزيد، وخلائق. توفي سنة ست وثلاثین الثاني: في المعنى: لمَّا ذكر حُرمة بعض الأقوال والأفعال، أراد أن يبين حرمة بعض آخر، فذكر النميمة، فإنها توجب الأذى، واتصال الضرر، والواجبُ على المؤمن محبةُ أخيه، وإيصالُ النفع إليه، ولذلك ذكر الوعيد الشديد، ٢٣٢ وهو أنه لا يدخل الجنة، وقد مرَّ في الأبواب السابقة وجوهُ تأويله. والنميمة: كشفُ ما يُكره كشفه، كذا ذكره الغزالي، وزاد بعض المحققين قولاً؛ ليكون التعريف مساوياً للمعرف. ثم الكراهة لا تختص بالمنقول عنه، بل يتناوله والمنقول إليه والناقل، وسواء كان الكشف بالصريح، أو الكناية. فحقيقة النميمة: إفشاء السرِّ، وهتك السِّتر، والواجبُ على سامع كلام النمَّام أن لا يصدقه؛ لأنه فاسق، وأن ينهاه عن فعله، وينصح له؛ لأن الإرشاد واجبٌ عليه، وأن يبغضه؛ لأنه بغيض عند الله، ويجب بغضُ من أبغضه الله، وأن لا يظن بأخيه الغائب سوءاً، إذ الواجبُ حسنُ الظن، وأن لا يشتغل بالتجسس؛ لأنه منهي - أيضاً -، وأن لا يُقدم علی حكاية قول النمَّام؛ لئلا يدخل تحت حکمه. هذا كله إذا لم يكن فيه مصلحة دينية، ولم يكن السامع من أهل السلطنة، أما إذا كان فيه مصلحة؛ كمن أخبر السامعَ أن فلاناً يريد قتله، أو الفسق مع أهله، أو الطمع في ماله، أو يكون شخصاً صاحب الشوكة والملك، فالواجبُ عليه التجسسُ، والفحصُ عن أحوال رعيته، ودفعُ الشر عنهم، فيكون كشفُ الحال، وإزالةُ الظلم والحَيْفِ عن نفسه ورعيته واجباً، وقد يكون مستحباً بحسب المواطن، وإذا خلا عن ذلك، يكون محرَّماً. ٢٣٣ وأما القَتَّاتُ، فهو مثل النمَّام، إلا أن فيه زيادة التزوير، يقال، فلانٌ يَقُتُّ الحديثَ؛ أي: يزوِّرُه، ويحسِّنُهُ، ولذلك أورد الحديثَ المشتملَ عليه بعد ذكر النمَّام. * ٢٣٤ (٣٤) ـو باب بيان تقبيح بعض الأعمال، ووعيد فاعله [٤٨ - باب بَيَانِ غِلَظِ تَحْرِيمٍ إِسْبَالِ الإِزَارِ، وَالمَنِّ بِالعَطِيَّةِ، وَتَنْفِيقِ السِّلْعَةِ بِالحَلِفِ، وَبَيَانِ الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ] ٣٠٦ - (١٠٦ / ١٧١) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَمُحَمَّدُ ابْنُ المُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَلِيٍّ بْنِ مُدْرٍِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ العُرِّ، عَنْ أَبِي ذَرُّ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ، قَالَ: ((ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)). قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ وَهُ ثَلاَثَ مِرَارٍ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (المُسْبِلُ، وَالمَنَّانُ، وَالمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالخَلِفِ الكَاذِبِ». - (١٠٦ / ١٧١) - وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّدِ البَاهِلِي، ٢٣٥ حَدَّثَنَا يَحْبَى - وَهُوَ القَطَّانُ -، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الحُرِّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّوَ﴿ِ، قَالَ: ((ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ: المَنَّانُ الَّذِي لاَ يُعْطِي شَيْئاً إِلَّ مَنَّهُ، وَالمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالحَلِفِ الفَاجِرِ، وَالمُسْبِلُ إِزَارَهُ» . ٣٠٨ - وَحَدَّثَنِيهِ بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ -، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: (ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)). لما أوردَ ما يدلُّ على عِظَم شأنه، وقوة تأثيره في الحرمان، أراد أن يورد ما يشاركه في ذلك، فأخرج - هاهنا - ثلاثة أحاديث: الأول: حديث أبي ذَرٍّ عن النبي - عليه السلام -: أنه قَالَ: ((ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الِيَامَةِ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلاَ يُزَكِيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ وَهِ ثَلاَثَ مِرَارٍ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((المُسْبِلُ، وَالمَنَّانُ، وَالمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالحَلِفِ الكَاذِبِ)). وفي رواية: ((المَنَّنُ الَّذِي لاَ يُعْطِي شَيْئاً إِلاَّ مَنَّهُ، وَالمُنَفِقُ سِلْعَتَهُ بِالحَلِفِ الفَاجِرِ، وَالمُسْبِلُ إِزَارَهُ» . ٢٣٦ أخرجه [النسائي] في: (اللباس)، والترمذي في (البيوع)، والنسائي فيه، وفي: (الزكاة)، وابن ماجه في: (التجارات). ولما أخرجه الترمذي، قال: وفي الباب: عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وأبي أسامة بن ثعلبة، وعمران بن حصين، ومعقل بن يسار. وأقول: حديث ابن مسعود، مرفوعاً: ((مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مِنَ الخُيَلاَءِ، لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» أخرجه النسائي. وحديث أبي هريرة سيجيء في (كتاب اللباس) - إن شاء الله تعالی ۔۔ وحديث أبي أمامة: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وَ ﴿ِ، إذْ لَحِقَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ الأَنْصَارِيُّ فِي حُلَّةٍ إِزَارٍ وَرِدَاءٍ قَدْ أُسْبِلَ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِهِ يَأْخُذُ بِنَاحِيَةٍ ثَوْبِهِ، وَيَتَوَاضَعُ لِلَّهِ، وَيَقُولُ: ((عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِك وَأَمَتِك)) حَتَّى سَمِعَهَا عَمْرٌو، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنِّي حَمْشُ السَّاقَيْنِ، فَقَالَ: ((يَا عَمْرُو! إنَّ اللهَ قَدْ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، إنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ المُسْبِلَ)) رواه الطبراني، ورجاله ثقات. وحديثُ عمرانَ ومعقل سيجيء في: (اللباس) - إن شاء الله تعالی ۔۔ إذا عرفت هذا، فالكلام عليه في موضعين : الأول: في التعريف بالرواة سوى ما سلف. (خَرَشَةُ)، وهو ابْنُ الحُرِّ الفزاريُّ، نشأ في حِجْر عمرو، وقال ٢٣٧ أبو داود: ولأخيه سلامةً صحبةٌ. روی عن عمرو، وعبدالله بن سلام، وجمع. وعنه ربعيُّ بن حراش، والمسيَّب بن رافع، وجماعة. وأخرج له الستة . توفي سنة أربع وسبعين . (سُلَيْمَانُ)، وهو ابْنُ مُسْهِرِ الكوفي. عن خرشة بن الحر، وغيره. وعنه الأعمش، وإبراهيم النخعي، وجمع. وَثَّقَهُ النسائي، وأخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي. الثاني: في المعنى : قد تقرر في موضعه أن التخصيص بالذكر في أمثال هذه المقامات بهذه العبارة، لا يوجب النفي عما سواه، بل المراد: إثبات الحكم للمذكور، ولما ثبت بالنصوص الصريحة أن الله تعالى يسأل الخلائق جميعاً، والسؤال كلام، ففي الكلام على التعريض بعدم إكرام الله إياهم، فيكون حالهم على خلاف أهل الجنة في تكريم الله تعالى إياهم بكلامه. أو محمول على الغضب، وإرادة الانتقام؛ لأن من غضب على صاحبه، قطع كلامه، وغضبُ الله تعالى على عباده إرادةُ الانتقام. أو الكلام بما يحبون. ٢٣٨ أو لا يكلمهم بغير واسطة استهانةً بهم. فعلى الأولين: كناية، وعلى الثالث: تصريح، وعلى الرابع: مجاز. . وأما قوله: (وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) فمجاز عن الاستهانة بهم، والسخط عليهم، يقال: [فلان لا ينظر إلى] فلان، يريد: نفي اعتداده به، وإحسانه إليه، وأما الفرق في استعماله فيما يجوز عليه النظر، وفيما لا يجوز، فقد ذكر صاحب ((الكشاف)): أنه فيمن يجوز عليه النظر؛ أي: تقليب الحدقة؛ كالإنسان - مثلاً - كناية؛ لأنه يجوز إرادة المعنى الحقيقي، بل لابد من صلاحيته، لا لأجل أنه مناط الإثبات والنفي، والصدق والكذب، والأمر والنهي، ونحو ذلك، ليلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، بل لينتقل عنه إلى معنى آخر مطلوب. وفيمن لا يجوز عليه النظر مجازٌ لا غير؛ لأن العلم بامتناع النظر عليه قرينةٌ مانعة عن إرادة المعنى الحقيقي وإرادته، أو جواز إرادته شرط للكناية - على ما عرف في موضعه -. وأما(١) قوله: ((لاَ يُزکِیھمْ))، فمعناه: أنه لا یطهّرهم من دنس الذنوب، ولا يثني عليهم. ولما كان هذا الكلام مذكوراً في القرآن، غيَّر الراوي تكرار النبي - عليه السلام - له بالقراءة، وإنما كرره ثلاث مرات؛ ليكون أوكدَ في (١) في الأصل: ((وأن)). ٢٣٩ الأَسمَاعِ، وأَقَرَّ في القلوب، وليكون إشعاراً بأن هذا أمر عظيم ينبغي أن يتوجه السّامع بجوامعه ويقبله بأقوى ما يمكن، ولذلك قدم الراوي خیبتهم وخسرانهم على السؤال، وجمع بينهما. وأما استحقاق هؤلاء بهذا الوعيد، فلأنّ المُسبل إزاره خيلاء متکبر محقِّر للناس، معجبٌ بنفسه، ثم هذا مختصّ بمن يفعل ذلك خيلاء، وإن كان اللفظ عاماً؛ لما ورد في الأحاديث الأُخَر؛ كقوله: ((لاَ يَنْظُرُ اللهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ))، ولقوله لأبي بكر: (لَسْتَ تَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَلاَءَ))، ويدخل في حكم المختال الفخور، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ [الحديد: ٢٣]. ولما كان ذلك معلوماً فيما بينهم، وحتى لا يذهب الوهم إلى غير ذلك، ذكر في بعض المواضع: (المُسْبِلُ) فقط، وفي بعضها: (المُسْبِلُ إِزَارَهُ)، وفي بعضها مقيّداً بالخيلاء، والجميع واحد، ثم هذا لا يختص بالإزار، والتخصيص بالذكر لأجل أن غالب ثيابهم الإزار، وحكم غيره من القميص وغيره حكمه، وقد صح عن سالم بن عبدالله، عن أبيه، عن النبي - عليه السلام -، قال: ((الإِسْبَالُ فِى الإِزَارِ وَالقَمِيصِ وَالعِمَامَةِ، مَنْ جَرَّ شَيْئاً خُيَلاَءَ، لَمْ يَنْظَرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه بإسناد حسن. وسيجيء بیان حد الإسبال - إن شاء الله تعالى -. وأمّا المَنَّنُ، وهو الذي لا يعطي إلا منّاً على ما جاء مفسراً في الرواية، فلأنه جاهل بأن الله تعالى هو الرزاق ذو القوة المتين، وإنما ٢٤٠