Indexed OCR Text

Pages 201-220

من الأنصار، وسعد بن أبي وقاص ليس منهم، ولذلك قيل: المراد
من سعد المذكور في الرواية ليس ابن أبي وقاص، بل رجل من
الأنصار، وقيل: هو سعد بن أبي وقاص، وهو - أيضاً - معهم، وامتنع
الأنصاري - أيضاً - من القتل، وقتله أسامة، فذكر الراوي سعداً في
إحدى الروايتين، والأنصاري في الأخرى، والوجه هو الأوّل.
٢٨٩ - (٩٧ / ١٦٠) - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ خِرَاشِ، حَدَّثَنَا
عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ: أَنَّ خَالِداً
الأَنْيَجَ ابْنَ أَخِي صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، حَذَّثَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِرٍ: أنَّ
حَدَّثَ: أَنَّ جُنْدَبَ بْنَ عَبْدِاللهِ البَجَلِيَّ بَعَثَ إِلَى عَسْعَسٍ بْنِ سَلاَمَةَ زَمَنَ
فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: اجْمَعْ لِي نَفَرَاً مِنْ إِخْوَانِكَ حَتَّى أُحَدِّثَهُمْ، فَبَعَثَ
رَسُولاً إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا، جَاءَ جُنْدَبٌ، وَعَلَيْهِ بُرْنُرٌ أَصْفَرُ، فَقَالَ:
تَحَدَّثُوا بِمَا كُنْتُمْ تَحَدَّثُونَ بِهِ. حَتَّى دَارَ الحَدِيثُ، فَلَمَّ دَارَ الحَدِيثُ
إِلَيْهِ، حَسَرَ الْبُرْنُسَ عَنْ رَأْسِهِ، فَقَالَ: إِنِّي أَئُكُمْ، وَلاَ أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرِكُمْ
عَنْ نَبِيَّكُمْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ بَعَثَ بَعْثاً مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَى قَوْمٍ مِنَ
المُشْرِكِينَ، وَإِنَّهُمُ التَّقَوْا، فَكَانَ رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ إِذَا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ
إِلَى رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، قَصَدَ لَهُ، فَقَتَلَهُ، وَإِنَّ رَجُلاً مِنَ المُسْلِمِينَ
قَصَدَ غَفْلَتَهُ، قَالَ: وَكُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ
السَّيْفَ، قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، فَقْتَلَهُ، فَجَاءَ الْبَشِيرُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِ﴾
٢٠١

فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ، حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ كَيْفَ صَنَعَ، فَدَعَاهُ، فَسَأَلَهُ
فَقَالَ: ((لِمَ قَلْنَهُ؟». قَالَ: يَا رَسُولَ الله! أَوْجَعَ فِي المُسْلِمِينَ، وَقَتَلَ
فُلَاناً وَفُلاَناً - وَسَمَّى لَهُ نَفَراً -، وَإِنِّي حَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ،
قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ. قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَقَتَلْتَهُ؟!)). قَالَ: نَعَمْ. قَالَ:
((فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ؟!)). قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ!
اسْتَغْفِرْ لِي. قَالَ: ((وَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ
القِيَامَةِ؟!)). قَالَ: فَجَعَلَ لاَ يَزِيدُهُ عَلَى أَنْ يَقُولَ: ((كَيْفَ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ
إِلَّ اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ؟!)).
الحديث الثالث: حديثُ صفوانَ بنِ مُحْرِزٍ: أَنَّ جُنْدَبَ بْنَ عَبْدِ اللهِ
البَجَلِيَّ بَعَثَ إِلَى عَسْعَسِ بْنِ سَلاَمَةَ زَمَنَ فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: اجْمَعْ
لِي نَفَرَا مِنْ إِخْوَانِكَ حَتَّى أُحَدِّثَهُمْ، فَبَعَثَ رَسُولاَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّ اجْتَمَعُوا،
جَاءَ جُنْدَبٌ، وَعَلَيْهِ بُرْنُسٌ أَصْفَرُ، فَقَالَ: تَحَدَّثُوا بِمَا كُنْتُمْ تَحَدَّثُونَ بِهِ.
حَتَّى دَارَ الحَدِيثُ، فَلَمَّ دَارَ الحَدِيثُ إِلَيْهِ، حَسَرَ البُرْنُسَ عَنْ رَأْسِهِ،
فَقَالَ: إِنِّي أَيْتُكُمْ، وَلاَ أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرِكُمْ عَنْ نَبِيِّكُمْ، إِنَّ رَسُولَ اللهِّل
بَعَثَ بَعْئاً مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَى قَوْمٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وَإِنَّهُمُ التَّقَوْا، فَكَانَ
رَجُلٌ مِنَ المُشْرِكِينَ إِذَا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، قَصَدَلَهُ،
فَقَتَلَهُ، وَإِنَّ رَجُلاً مِنَ المُسْلِمِينَ قَصَدَ غَفْلَتَهُ، قَالَ: وَكُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهُ
أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ، قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، فَقَتَلَهُ، فَجَاءَ
البَشِيرُ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ، فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ، حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ كَيْفَ
٢٠٢

صَنَعَ، فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: ((لِمَ قَتَلْتَهُ؟)). قَالَ: يَا رَسُولَ الله! أَوْجَعَ فِي
المُسْلِمِينَ، وَقَتَلَ فُلَاناً وَفُلاَناً - وَسَمَّى لَهُ نَفَراً -، وَإِنِّي حَمَلْتُ عَلَيْهِ،
فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ، قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ. قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((أَقْتَلْتَهُ؟!)).
قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ؟!)).
قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! اسْتَغْفِرْ لِي. قَالَ: ((وَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ إِذَا
جَاءَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ؟!)). قَالَ: فَجَعَلَ لاَ يَزِيدُهُ عَلَى أَنْ يَقُولَ: ((كَيْفَ
تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ؟!)).
وهذا الحديث من أفراد مسلم، والكلام عليه في مواضع :
الأول: في التعريف برواته سوى ما سلف.
(أحمد بن الحسين)، وهو أبو جعفر أحمد بن الحسين بن
خِراشِ الخراسانيُّ البغداديُّ.
عن ابن مهديّ، وشبابة، وأبي نعيم، وجماعة.
وعنه مسلم، والترمذي، وأخرجاله، وجمعٌ. وَثَّقَهُ الخطيب.
توفي سنة اثنتين وأربعين ومئتين.
(وشيخه)، وهو أبو عثمان عمرو بن عاصم بن عبيدالله بن الوازع
الكلابيُّ، البصريُّ، الحافظُ.
عن شعبة، وهمام، وجرير، وجماعة.
وعنه بندار، وابن مثنى، والحسن الحلواني، وخلائق.
وَثَّقَهُ ابن سعد، وجمعٌ، وأخرج له الستة .
٢٠٣

وقال ابن معين: صالح.
وقال [النسائي]: ليس به [بأس](١).
وقال أبو داود: لا أنشط لحديثه.
قال البخاري: توفي سنة ثلاث عشرة، ومئتين.
و(خالد)، وهو ابن عبدالله بن محرز المازني، الأثبج، ويقال
له: الأحدب.
عن زرارة بن [أبي] أوفى، والحسن، وجمع.
وعنه سليمان التيمي، وعون، وجماعة.
ذكره ابن حبان في ((الثقات))، وأخرج له مسلم، والنسائي.
[وصفوان]، وهو صفوان بن محرز المازني، البصري.
عن ابن مسعود، وأبي مسعود البدري، وابن عمر، وجماعة.
وعنه ثابت، وقتادة، وعاصم الأحول، وخلائق.
قال ابن حبان: كان من الثقات والعبّاد.
وبالجملة: أخرج له الستة، إلا أبا داود.
توفي سنة أربع وسبعين.
والثاني: في قوله: (أَيْئُكُمْ وَلاَ أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكُمْ عَنْ نَبِيِّكُمْ)،
كذا وقع في جميع الأصول، واستشكله بعض الناس بأنه قال أوّلاً:
(١) انظر: ((تهذيب الكمال)) للمزي (٨ / ٥١).
٢٠٤

(اجْمَعْ لِي نَفَراً مِنْ إِخْوَانِكَ حَتَّى أُحَدِّثَهُمْ)، ثم قال: (وَلاَ أُرِيدُ أَنْ
أُخْبِرَكُمْ)، وهذا يناقض الأول، وأجاب: بأن (لا) زائدة، والمعنى:
أريد أن أخبركم، أو تكون (لا) غير زائدة، والمعنى: أتيتكم ولا أريد
أن أخبركم عن نبيكم، بل أعظكم من عند نفسي، ولكن الآن أريدكم
على ذلك، وأحدثكم عن النبي - عليه السلام -.
والظاهر: أنه لا حاجة إلى هذه التكلفات، بل الكلام على ظاهره
في مجرى البلاغة، فإنه لما كان ذلك في زمن فتنة ابن الزبير، وفي
هذه الفتنة وقعت أشياء كثيرة؛ من سفك الدماء، وهتك الحريم، وغير
ذلك، أمرهم بالاجتماع لأجل النصيحة، فلما اجتمعوا، أمرهم
بالتحديث فيما كانوا يتحدثون به بينهم؛ ليعلم طبائعهم وأحوالهم،
فلما دار الحديث بينهم، وذكر كل شخص تقريعهم وزجرهم عن
الإقدام على ما كانوا يفعله الخائضون في تلك الفتنة، فقال: (أَتَيْتُكُمْ)
على زعم أنكم ثابتون على ما كان عليه نبيكم - عليه السلام -
وأصحابه الخُلَّص، ولا أريد أن أحدثكم عن حال النبي - عليه السلام -
شيئاً؛ لعلمي أن فيكم مَنْ صَحِبَ النبي - عليه السلام -، وأكثركم قد
علم الحال في أمور المعاش والمعاد، ولكن لما رأيت أنكم قد ملتم
عن تلك الطريقة، ونسيتم هذه الخصلة، أريد أن أذكركم عن شيء
جری في زمن النبي - عليه السلام-، وهو قصة أسامة، فإن توجُّهه كان
بأمر النبي - عليه السلام - وجهاده لإعلاء كلمة الله تعالى، ومع ذلك
كان في جيش الكفار رجلٌ مبارزٌ قد قتل جمعاً من المسلمين، فلما
٢٠٥

استولى عليه أسامة، وأيقن بالهلاك، أظهر الإيمان في تلك الحالة
خوفاً من القتل؛ لعلمه بأن أسامة يقتله لأجل كفره وإقدامِه على قتل
جمع من أولياء الدين، وأسامةُ اجتهدَ وظن أن الإيمان بهذا الوجه لا
يفيد له، وقَتَلَهُ على زعم أن في قتله قطعَ دابرة الكفر، وإعلاء كلمة
الحق، ومع ذلك، بالغ النبي - عليه السلام - في شأنه، وما استغفر
له، وكلما طلب أسامة الاستغفار، يقول له النبي - عليه السلام -:
((فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ؟!))، فما ظنكم
بالإقدام على قتل من عُلِمَ إيمانه مدة على سبيل القطع واليقين، إذا
قصدتم قتله لأجل حطام الدنيا، ولذلك بالغ في بيان القضية، وذكر
من شأن الرجل المقتول ما يدل على غاية شجاعته، ونكايته في
المسلمين، بأنه إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين، قصد له
بقتل، وأنه أوجع في المسلمين، وقتل فلاناً وفلاناً وفلاناً، وبما ذكر ما
يدل على أن قتله صار كالضروري في ذلك الوقت، كأن تحصل الغلبة
على الكفار، وبأنه إنما غلب في حين غفلته، وأن رجلاً من المسلمين
كان منتظراً لغفلته، وغلب عليه في تلك الحالة، وأن إيمانه إنما يكون
على الاضطرار.
* وقوله: (وَكُنَّا نُحَدَّثُ) - بضم النون وفتح الدال-، على ما لم
يُسم فاعله.
* وقوله: (فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ)؛ أي: رفع أسامة على ذلك
الرجل سيفه لقتله، أسلمَ، وفيه - أيضاً - إيماء إلى أنه ما آمن عند
٢٠٦

ظهور مَخَايل الهلاك - أيضاً -، بل عند رفع السيف عليه، وتيقنه
بالهلاك، فيكون حاله شبيهاً بإيمان حالة البأس، ولذلك اجتهد أسامة،
وأقدم على قتله.
وفي بعض الأصول: (رَجَعَ) بدل (رَفَعَ)، فإنْ رُفع (السيفُ)، فلا
نزاع؛ لأن (رَجَعَ) لازمٌ في الاستعمال غالباً، ولكن الرواية على النصب،
فيكون متعدياً؛ كما في قوله: ﴿ فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ﴾ [التوبة: ٨٣]
الآية، وقوله: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠].
والثالث: بيان ما وقع في هذا الحديث من ذكر أسامة بن زيد،
فهو ابن مولى رسول الله وَّ﴿، وابن مولاته، وحِبُّه وابنُ حِبِّه، أبو
محمد، وقيل: أبو زيد، وقيل: أبو خارجة، أسامة بن زيد بن حارثة
ابن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن زيد، وقيل: یزید بن امرئ
القيس بن عمران بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن امرئ
القيس بن النعمان بن عمران بن عبد عوف بن كنانة بن عذرة بن زيد
اللات بن رفيدة بن وبرة بن الكلب الكلبيُّ، الهاشميُّ.
روي له عن رسول الله ﴾ مئة وثمانية وعشرون حديثاً، اتفق
البخاري ومسلم على خمسة، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم
بحديثين، وأخرج له الأربعة - أيضاً -.
روى عنه ابن عباس، وجماعات من كبار التابعين.
وفي ((صحيح البخاري)): أن رسول الله وعليه كان يُقعد أسامة على
٢٠٧

فخذه، والحسنَ بنَ علي على فخذه الأخرى، ثم يضمهما، فيقول:
(اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا؛ فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا)).
وفي ((الترمذي)) عن أسلم مولى عمر: أَنَّ عُمَرَ عَه فَرَضَ لأُسَامَةَ
ثَلاَثَةَ آلافٍ وَخَمْسَ مِثَّةٍ، وَفَرَضَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ثَلاَثَةَ آلاَفٍ، فَقَالَ:
لِمَ فَضَّلْتَ أُسَامَةَ عَلَيَّ؟ قَالَ: لِأَنَّ زَيْداً كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّـ
مِنْ أَبِيِكَ، وَكَانَ أُسَامَةُ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهِ مِنْكَ، فَأَثَرْتُ حُبَّ
رَسُولِ اللهِوَّهِ عَلَى حُبِّي.
ومناقبُ أسامة كثيرة مشهورة، ولاَّه رسول الله ويل# إمارة جیش،
وفيهم عمر بن الخطاب، وعَقَدَ له اللواء، وتوفي رسول الله وَّه وله
عشرون سنة، وقيل: تسع عشرة، وقيل ثماني عشرة، ويلقب بذي
البُطين؛ لعظم بطنه، وليس في الصحابة من اسمُه أسامةُ بن زيد سواه.
وأما (جُنْدَبُ)، فهو أبو عبدالله جندب بن سفيان البَجَلِيُّ
العلقيُّ، وعَلَقَةُ: بطنٌ من بجيلة، وقد ینسب إلى جده، فيقال: جندب
ابن أبي سفيان.
روي له عن رسول الله والقر ثلاثة وأربعون حديثاً، اتفقا على
سبعة، وانفرد مسلم بخمسة، وأخرج له الأربعة - أيضاً -.
روی عنه الحسن، وابن سيرين، وأبو مجلز، وجماعة.
توفي سنة أربع وستين.
وأما (عَسْعَسُ)، فهو بعَينين وسينين مهملات، أبو صفرة، وقيل:
٢٠٨

أبو صفيرة عسعسُ بن سلامة، البصري.
روى عن النبي - عليه السلام -.
وروى عنه الحسن البصري، والأزرق بن قیس.
وقيل: إن حديثه مرسل، وإنه لم يسمع من النبي - عليه السلام -،
وليس له رواية في الكتاب.
وأمّا الرجل الذي قتله أسامة، فاسمه مِرْداس بن نَهیك.
٢٠٩

(٣١)
تحريم حمل السلاح على المؤمن،
والغش معه
[٤٤ _ باب
قَوْلِ النَّبِيِّ وَّهِ: ((مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ، فَلَيْسَ مِنَّ)]ـ
٢٩٠ - (٩٨ / ١٦١) - حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ
المُثَنَّى، قَالاَ: حَدَّثَنَا يَحْبَى - وَهُوَ القَطَّانُ - ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ
أَبِي شَيْئَةَ: حَدَّثَنَا أَبَّ أُسَامَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ كُلُّهُمْ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ
نَفِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َلاح.
وحدَّثَنَا يَحَيى بنُ يَحيى - واللَّفْظُ لَهُ - قالَ: قرأتُ عَلَى مَالِكِ،
عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ قالَ: ((مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السَّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّ)».
وخرج فيه أربعة أحاديث:
الأول: حديث ابن عمر: أن النبي - عليه السلام - قال: ((مَنْ
حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ، فَلَيْسَ مِنَّ)»
وقد أخرج مسلم هذا الحديث بطريق ابن نمير، عن عبيدالله،
٢١١

عن نافع، عن ابن عمر، وهو من أفراده. ومن طريق أبي أسامة، عن
عبيدالله .
وقد أخرجه ابن ماجه في: (الحدود) من طريق مالك، عن نافع،
عن ابن عمر .
وقد أخرجه البخاري في: (الفتن)، والنسائي في: (المحاربة).
ووجه مناسبة هذا الحديث لما سلف: أنه لمَّا أورد الأحاديث
الدالة على أن قتل المؤمن أمر عظيم، وأن إثمه كبير، والوعيد في
لسان الشرع له شديد، وإن كان ذلك على سبيل الاجتهاد، بل الواجب
على المسلم تعظيمُ أخيه المسلم، والكفُّ عنه، وعدمُ الإقدام عليه
بالقتل = أراد أن يورد الأحاديث الدالة على أن ما دون القتل؛ من
حمل السلاح، وسَلِّ السيف، والغش - أيضاً - محرم، موجبٌ
للوعيد، مُخْرِج للفاعل من جملة كونه أخاً له؛ إذ الأخ لا يعمل بأخيه
مثل هذا.
ثم الظاهر: أن النبي - عليه السلام - داخل في جملة قوله:
(عَلَيْنَا)، ولاشك أن مَنْ حارب النبي - عليه السلام - كافر، ليس من
جملة المؤمنين، وأما من حارب غيره من المسلمين، أو غَشَّهم،
فالمقرر من المذهب - كما علمت -: أنه لا يصير بذلك كافراً، ولا
يخرج من الإیمان، بل یصیر فاسقاً، فإذا كان كذلك، فلابد من تأويل
هذه الظواهر .
فقيل: وارد على سبيل التغليظ؛ فإن الغرض: الزجرُ عن الوقوع
٢١٢

في مثل ذلك، كما يقول الوالد لولده إذا سلك غير سبله: لستُ منكَ،
ولستَ منّي، قال الشاعر:
فَإِنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنّي
إِذَا حَاوَلْتَ فِي أَسَدِ (١) فُجوراً
وقيل: محمول على المستَحِل، أو المعنى: ليس على سيرتنا
الكاملة، وكذلك في قوله: ((مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا)).
وقيل: المعنى: من حمل السلاح على جميع المسلمين، أو
غَشَّ جميعهم، فهو خارج منهم، فيكون ليس منهم.
وقيل: المراد: بيان حال المخالفين للإسلام، المحاربين مع
أهله.
والأوجَه: أن المراد: نفي كونه من أهل الإيمان إن لم يعتقد قبح
فعله، أومن کاملیهم إن اعتقد.
والوعيد في قوله: (فَلَيْسَ مِنَّي) أشدُّ من الوعيد في: (لَيْسَ مِنَّا)؛
إذ معناه: ليس من أتباعي، وغيرُ المتبع للنبي ۔ علیه السلام - لا يكون
إلا كافراً، وقيل: بالعكس؛ لأنه إذا لم يكن منه، لم يلزم أن لا يكون
من جملة المؤمنين، بناءً على معنى أنه منه: قوةُ اختصاصه به، وشدةٌ
اتباعه له، ولاشك أن نفي ذلك لا يستلزم نفي كونه من جملة
المؤمنين، فإنه نفى تلك الزيادة، لا أصلَ الإيمان، ويستدل على
الأوّل بقوله تعالى: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وعلى الثاني
(١) في الأصل: ((إذا جاوزت في أمر)).
٢١٣

بقوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِىِ فَإِنَّهُ مِنِّ وَمَنْ عَصَانِ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦].
والحق: أنهما سيان في الوعيد؛ إن حمل على الحقيقة، أو
التأويل، وإنما أفرد؛ لكونه تعريضاً للرجل صاحب الصّبرة، وجَمَع
ثمة لقوله: (غَشَّنَا).
٢٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا
مُصْعَبٌ - وَهُوَ ابْنُ المِقْدَامِ -، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ
سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيِهِ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهِ، قَالَ: ((مَنْ سَلَّ عَلَيْنَا السَّيْفَ، فَلَيْسَ
مِنَّ)).
الحديث الثاني: حديثُ سلمةَ بنِ الأكوَع: أن النبي - عليه
السلام - قال: ((مَنْ سَلَّ عَلَيْنَا السَّيْفَ، فَلَيْسَ مِنَّا)»، وهو من أفراده.
وقد مرَّ التعريف براويه سوى (مصعب)، وهو أبو عبدالله مصعبُ بنُ
المقدام، الكوفيُّ.
عن سعد، وابن جريج، وجماعة.
وعنه ابن راهویه، ومحمد بن رافع، وعبد بن حميد، وخلائق.
وَثَّقَهُ ابن معين، والدارقطني، وأخرج له مسلم، والترمذي،
والنسائي.
وقال أبو داود: لا بأس به.
وقال أبو حاتم: صالح.
٢١٤

و(إياس)، هو أبو سلمة إياسُ بنُ سلمة بنِ الأكوع الأسلميُّ،
المدنيُّ.
عن أبيه، وغيره.
وعنه موسى بن عبيدة، ويعلى بن الحارث، وآخرون.
وَثَّقَهُ ابن معين، وأخرج له الستة .
توفي بالمدينة سنة تسع عشرة ومئة.
وأما (أبوه)، فهو أبو مسلم سلمةُ بنُ عمرو بنِ الأكوع الأسلميُّ،
أحدُ مَنْ بايع تحت الشجرة، وغزا غزوات، وسيجيء ذكره في
(المغازي).
روي له عن رسول الله والله سبعة وسبعون حديثاً، اتفقا على ستة
عشر، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بتسعة، وأخرج له الأربعة .
نقل عنه مولاه يزيد بن عبيد، وهو آخر من حدث عنه، وأبو
سلمة بن عبد الرحمن، والحسن بن محمد، والحسن بن محمد ابن
الحنفية، وجماعة.
توفي بالمدينة سنة أربع وسبعين، وهو ابن ثمانين سنة
٢٩٣ - (١٠٠ / ١٦٣) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَعَبْدُاللهِ
ابْنُ بَزَّادِ الأَشْعَرِيُّ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبَّو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ،
عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ بَهِ، قَالَ: ((مَنْ حَمَلَ
٢١٥

عَلَيْنَ السِّلاَحَ، فَلَيْسَ مِنَّ».
الحديث الثالث: حديثُ أبي موسى عن النبي - عليه السلام -:
أنه قَالَ: ((مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ، فَلَيْسَ مِنَّ)). أخرجه البخاري،
والترمذي، وابن ماجه.
[٤٥ - باب
قَوْلِ النَّبِيِّ بَّهِ: ((مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا)]
٢٩٤ - (١٠١ / ١٦٤) - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ -
وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القَارِيُّ ح، وَحَدَّثَنَا أَبُو الأَخْوَصِ مُحَمَّدُ بْنُ
حَيَّنَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي خَازِمٍ كِلاَهُمَا، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِ صَالِحِ، عَنْ
أَبِيِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا
السِّلاَحَ، فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّ)).
الحديث الرابع: حديثُ أبي هريرةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: (مَنْ
حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاَحَ، فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّ)).
٢٩٥ - (١٠٢ / ١٦٤) - وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ
حُجْرٍ جَمِيعاً، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ - قَالَ ابْنُ أَّوبَ: حَدَّثَنَا
٢١٦

إِسْمَاعِيلُ -، قَالَ: أَخْبَرَنِي العَلَاَءُ عَنْ أَبِهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ
رَسُولَ اللهِ ﴿ مَزَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامِ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ
بَلَلاً، فَقَالَ: ((مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟))، قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ
يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((أَفَلاَ جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ
غَشَ، فَلَيْسَ مِنِّي)».
وفي رواية: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهِ مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ طَعَامِ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ
فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً، فَقَالَ: ((مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟))، قَالَ:
أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((أَفَلاَ جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ
النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ، فَلَيْسَ مِنِّي)» .
أخرجه ابن ماجه.
ولمَّا أخرج الترمذي حديث أبي موسى، قال: وفي الباب: عن
ابن عمر، وابن الزبير، وأبي هريرة، وسَلَمة بن الأكوع.
وأقول: حديث ابن عمر، وأبي هريرة، وسلمة قد مرَّ.
وأما حديث ابن الزبير: أن النبي ◌ِ ◌ّ قال: ((مَنْ شَهَرَ سَيْفَهُ، ثُمَّ
وَضَعَهُ، فَدَمُهُ هَدْرٌ)) أخرجه النسائي، وروي موقوفاً عليه.
ولما أخرج الترمذي حديث أبي هريرة: ((وَمَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ
مِنَّا))، قال: وفي الباب: عن ابن عمر، وأبي الحَمْراء، وابن عباس،
وبُريدة، وأبي بردة بن نِيَار، وحذيفة بن اليمان.
وأقول: حديث ابن عمر: مَرَّ رَسُولُ اللهِ نَ ◌ّهِ بِطَعَامِ، وَقَدْ حَسَّنَهُ
٢١٧

صَاحِبُهُ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ، فَإِذَا طَعَامٌ رَدِيٌ، فَقَالَ: ((بعْ هَذَا عَلَى حِدَةٍ،
وَهَذَا عَلَى حِدَةٍ، فَمَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا)) رواه أحمد، والبزار،
والطبراني، وإسناده حسن.
وحديث أبي الحَمْراء: أن النبيَّ مَّ﴿ أراد أن ينهى عن بيع،
فقالوا: يا رسول الله! إنها معاشنا، قال: ((لاَ خِلاَبَةَ إِذاً)) رواه أحمد،
ورجاله ثقات.
وحديث ابن عباس، مرفوعاً: ((مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْس مِنَّا، وَمَنْ رَمَانَاَ
بِالنَّْلِ، فَلَيْس مِنَّ)) رواه الطبراني.
وحديث بريدة، يرفعه: ((مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْس مِنَّا)) رواه البزار.
وحديث أبي بردة بن نِيَار: قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َ﴿ إِلَى نَّقِيعِ
المُصَلَّى، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِى طَعَامِ، ثُمَّ أَخْرَجَهَا، فَإِذَا هُوَ مَغْشُوشٌ، أَوْ
مُخْتَلِفٌ، فَقَالَ: ((لَيْسِ مِنَّا مَنْ غَشَّنَا)) رواه الطبراني.
وعن عائشة، وأبي موسى، وعبدالله بن مسعود، وأنس، مرفوعاً
مثله .
ومعنى الكل ظاهرٌ مما مر.
وسيجيء في البيوع شيءٌ آخر - إن شاء الله -.
٢١٨

(٣٢)
بيان تحريم ما يفعله أهل الجاهلية
على الميت
٢٩٦ - (١٠٣ / ١٦٥) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً
ح، وَحَذَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ ح، وَحَدَّثَنَاَ
ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي جَمِيعاً، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ
مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ
الخُدُودَ، أَوْ شَقَّ الجُيُوبَ، أَوْ دَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ». هَذَا حَدِيثُ
يَحْيَى، وَأَمَّا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ ، فَقَالاَ: ((وَشَقَّ، وَدَهَا) بِغَيْرِ أَلِفٍ.
٢٩٧ - (١٠٣ / ١٦٦) - وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا
جَرِيرٌح، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمِ، قَالاَ: حَدَّثَنَا
عِيسَى بْنُ يُونُسَ جَمِيعاً، عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالاَ: ((وَشَقَّ
وَدَعَا».
لمَّا أورد ما يدل على تغليظ حمل السّلاح على المؤمن، أراد ما
يدل على اشتراك بعض الأفعال في ذلك؛ ليُعلم عِظَمُ تأثيره، ويكون
دالاً على أن قوله: (لَيْسَ مِنَّا) ونحوه من الألفاظ يدل على عظم
٢١٩

الأمر، لا على خروج فاعل الأمر من الإيمان، فأخرج فيه حديثين.
الحديث الأول: حديثُ ابن مسعود، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ:
(لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، أَوْ شَقَّ الجُيُوبَ، أَوْ دَعَا بِدَغْوَى
الجَاهِلِيَّةِ»، وفي رواية: بالواو بدل (أو).
أخرجه البخاري في: (الجنائز)، والأربعة سوى أبي داود - أيضاً -.
لَمَّا ذكر وجوبَ رعاية حق الأخوة من المؤمنين في حياتهم، ذکر
ما يجب رعاية حقهم بعد الموت، فقال: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ
الخُدُودَ، أَوْ شَقَّ الجُيُوبَ))؛ فإنَّ ضرب الخد، وشقَّ الجيب عند موت
واحد من الإخوان إظهارُ الجزع، وكفرانُ النعمة، فإن مُولي النعم
- تعالى وتقدَّس ـ إنما خلق الدنيا دار ابتلاء وعبور، لا دار مُقامة
وسرور، فكما يجب عند حصول النعم الدنيوية من الشكر، كذلك
يجب عند زوالها من الصبر، فالواجب على المؤمن الصبرُ عند البلية،
والاسترجاعُ عند المصيبة، والرضا في جميع أوقاته وأحواله بالقدر
والقضاء، وطلب المغفرة لأخيه الميت، والاشتغال بالدعاءِ له،
فظهور هذه العلامات خلافُ الصبر والرضا، فلذلك أوعدَ الوعيد
الشديد، وأخرج الفاعل من جملة أهل الإيمان ظاهراً، وذكر أن النبي
- عليه السلام - بريء ممن فَعَلَ هذه الأمور.
ثم لما كانت أفعال أهل الجاهلية كثيرة في هذا الحال، خصّ
البعض بالذكر، ثم عمم بعد ذلك بقوله: ((أَوْ دَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ))،
فإنه يتناول جميعَ ما يفعلونه؛ من النياحة، [ ... ]، وإنشاد الشعر على
٢٢٠