Indexed OCR Text

Pages 41-60

من رمى بسهم في سبيل الله، وفارس الإسلام، وله مناقب جَمَّة،
وسيجيء في الكتاب طرفٌ منها.
روي له عن رسول الله وقلقه مئتا حديث، وسبعون حديثاً، اتفقا
على خمسة عشر، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بثمانية عشر.
روى عنه بنوه: إبراهيم، وعمر، ومحمد، وعامر، ومصعب،
وعائشة، وابن عباس، وابن عمر، وخلائق، وأخرج له الأربعة - أيضاً -.
توفي سنة خمس وخمسين، وله بضع وسبعون سنة
وأما ادعاء زياد أنه ابن أبي سفيان، فقصته على ما في ((الكامل))
وغيره من الكتب المعتبرة: أن زياداً أخا أبي بكرة من أمه، يقال له:
زياد بن سمية، وهي أمه، كان كاتبَ المغيرة بن شعبة في البصرة في
زمان عمر، وكان في وقت علي - كرم الله وجهه - نائبَهُ على فارس،
وقيل: هو أول من بنى رَبَضَ شيراز، فلما قُتل علي - كرم الله وجهه -،
وترك حَسَنٌ الأمرَ إلى معاوية، أظهر زيادٌ المخالفة، واشتغل باستعداد
المحاربة، وأرسل إلى الحسن، وعبدالله بن العباس، وسائر أركان
دولة علي - كرم الله وجهه - يحرضهم على حرب معاوية، فأرسل
[معاوية] رسولاً، قال: ما طلبتك من هذا الأمر؟ قال: ثلاثة أشياء:
حكومة العراقين - يعني: البصرة والكوفة، وما يتعلق بهما من عراق
العرب والعجم -، والانتساب إلى أبيك أبي سفيان؛ لأني سمعت من
أمي أنها قالت: حملتُ بك من أبي سفيان في الطائف، وعدمُ التعرض
للأموال التي جمعتُها من فارس في زمان حكومتي، فقبل معاوية
٤١

الأمور الثلاثة، فولاَّه العراق، وسلَّم إليه الأموال، وصَعِد المنبر في
الشام، وزيادٌ واقف في أسفل درجة(١)، واستلحقه بأبيه، ثم قال:
يا معشر المسلمين! هل منكم من شهد على هذه القضية؟ فقام أبو
مريم السلولي، وقال: كنت خماراً في الطائف، وكان أبوك كثيراً ما
يبيت عندي، فجاء ليلةً وشرب، ثم طلب بَغية، فجئته بسُمية، فخلا
بها، ثم لما أصبح، قال: مالكَ وهذه الذفراء؟ فقال زياد: مهلاً،
طلبناك شاهداً، لا شاتماً، ثم كتب في المناشير: زياد بن أبي سفيان،
ولما سمع أبو بكرة طلبَ زيادٍ ذلك، وقيامه عليه، أنكره أشد الإنكار،
وهجر زياداً، وحلف أن لا يكلمه أبداً.
وأمّا عبيدالله الذي فعل في زمان يزيد بن معاوية ما فعل في أمر
حسین بن علي څچلگ، فهو ابن زياد هذا.
وأما إنكار أبي عثمان علي أبي بكرة، والخطاب بصيغة الجمع
في قوله: (الَّذِي صَنَعْتُمْ)، فإما لتغطية هذا، وأنه حقيقٌ بأن يقوم على
رده ودفعه کُّ مؤمن، خصوصاً من کان أخا الفاعل دیناً ونسباً، ولیس
الإنكار عليه، بل طلب المعونة على الرد، والتحريض على القيام،
وإِمَّا لأنه ظن أنه يرضى بذلك، وما سمع إنكاره وحلفَه على هجرانه.
وبالجملة: في إنكار أبي بكرة ذلك، دليلٌ بأن الشيء الذي يعلم
شخص حاله لا يصير بحكم الحاكم ظاهراً باطناً، ولا يجوز الإقدام
عليه، واعتقادُ حِلُّه، ويؤيد ذلك: ما ورد في الحديث: ((فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ
(١) في الأصل: ((في درجة أسفل)).
٤٢

قِطْعَةً مِنْ نَارِ)) - على ما سيجيء -.
قوله: (سَمِعَ أُذُنَايَ) فيه أربع روايات؛ (سَمِعَ) على لفظ
الفعل، و(أَذُنَايَ) على التثنية، وهي رواية أبي الفتح السمر قندي، وهي
أظهر الروايات، وإن أنكره القاضي عياض.
و(سَمِعَ) كذلك، و(أُذُنِي) على الإفراد، وهو رواية عبد الغافر
فيما صححه الحافظ أبو القاسم بن عساكر.
و(سَمْعَ) على المصدر منصوباً، و(أَذُنِي) على الإفراد، واختاره
جمع.
وكذلك، إلا أنه مرفوع، وهو اختيار الجيَّاني، وقال القاضي:
هو الوجه، والمعنى واضح، ويؤيد الرواية الأولى قوله فيما بعد:
(سَمِعَتْهُ أُذُنَيَ).
* وأما قوله: (مُحَمَّداً) المنصوب على نزع الخافض، والتقدير:
من محمد؛ كما مر في الرواية التي قبله: (مِنْ رَسُولِ اللهِ وَّ)، وفي
النزع من التنويه ما ليس في الذِّكر.
والضمير في قوله: (سَمِعَتْهُ) راجع إلى الحديث، ويدل عليه
قوله: (وَوَعَاهُ قَلْبِي).
ويحتمل أن يرجع إلى رسول الله وَّر، وإن لم يَجْرِ له ذكرٌ؛ لكونه
معلوماً متعيناً؛ كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ﴾
[البقرة: ١٤٦] الآية، على وجه، وقوله: (مُحَمَّداً) بدل منه، وفي هذا
الإبهام والإبدال من التنويه والرفع من شأنه ما ليس في تركه.
٤٣

وقيل: الضمير للمصدر الذي دل عليه (سَمِعَتْهُ)، والتقدير: سمعت
سمعاً أذناي، كما تقول العرب: ظننته زيداً قائماً؛ أي: ظننت ظناً.
وأما (أبو بكرة)، فهو نُفُيع - تصغير نافع - بنُ الحارث بن كَلَدة -
بفتح الكاف واللام - ابن عمرو بن علاج بن سلمة بن غِيرة - بكسر
الغين المعجمة وفتح الياء التحتانية - ابن عوف بن قَسِي - بفتح القاف
وكسر السين المهملة -، وهو الثقيف الذي تنسب إليه القبيلة،
والحارث بن كلدة طبيبُ رسول الله بَّهِ، وأبو بكرة ابنه، وأمه سُمَية
جاريةُ الحارث، أمُّ زياد - أيضاً - كما مرَّ.
وقيل: أبو بكرة ليس من الحارث، بل أبوه سروح غلامٌ
الحارث، فلما حاصر رسول الله بالر الطائف، نزل أبو بكرة من
الحصار بالبكرة، فكُني بأبي بكرة.
وهو من فضلاء الصحابة وصالحيهم، ولم يزل مجتهداً في
العبادة حتى توفي .
قال الحسن: لم يكن بالبصرة من الصحابة أفضل منه.
روي له عن رسول الله صلفي مئة واثنان وثلاثون حديثاً، اتفقا على
ثمانية، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بحديث، وأخرج له الأربعة.
روى عنه ابناه عبيدالله ومسلم، وغيرهما من كبار التابعين، وكان
ممن اعتزل يوم الجمل.
٤٤

(٢١)
بيان حرمة قتال المؤمن وسبه
[٣٠ - باب
بَيَانِ قَوْلِ النَّبِيِّ ◌َّ:
(سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرَه]
٢٣٠ _ (٦٤ / ١١٦) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ بْنِ الرَّیَّانِ، وَعَوْنُ بْنُ
سَلَّم، قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ حِ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى،
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ح، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثْنَا شُعْبَةُ، كُلُّهُمْ عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي
وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((سِباب المُسْلِمِ
فُسُوقٌ، وَقِتَلُهُ كُفْرٌ». قَالَ زُبَيْدٌ: فَقُلْتُ لأَبِي وَائِلٍ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ مِنْ
عَبْدِ اللهِ يَرْوِبِهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ﴿؟ قَالَ: نَعَمْ. وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةً
قَوْلُ زُبَيْدٍ لأَبِي وَائِلٍ.
٢٣١ - (٦٤ / ١١٧) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَابْنُ الْمُثَنَّى
عَنْ مُحَمَّدِ بْنٍ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ:
حَدَّثَنَا عَفَّانُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، كِلاَهُمَا عَنْ أَبِيٍ وَائِلٍ،
٤٥

عَنْ عَبْدِاللهِ، عَنِ النَّبِّ ◌َِ﴿ بِمِثْلِهِ.
وأخرج - هاهنا - ثلاثة أحاديث:
الأوّل: حديث ابن مسعود، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ له: ((سِباب
المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ».
أخرجه البخاري في (الإيمان)، وغيره، والترمذي في (الإيمان)،
و(البر)، والنسائي في (المحاربة)، وابن ماجه في (الفتن).
ولما أخرجه الترمذي، قال: وفي الباب: عن سعد، وعبدالله بن
مغفل .
وأقول: حديث سعد بمثل حديث ابن مسعود سواء، أخرجه ابن
ماجه، وأخرجه النسائي بلفظ: ((قِتَالُ المُسْلِمٍ كُفْرٌ، وَسِبابهُ فِسْقٌ)).
وكذا حديث أبي هريرة بمثله أخرجه - أيضاً - ابن ماجه، وحديث
عبدالله بن مغفل بمثله، رواه الطبراني، وروى - أيضاً - من حديث
عمرو ابن النعمان بن مقرن: انْتُهَى النَّبِيُّ ◌َ ﴿ إِلَى مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسٍ
الأَنْصَارِ، وَرَجُلٌ فِيهِمْ قَدْ كَانَ يُعْرَفُ بِالبَذَاءِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّ: ((سِبَابُ
المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرًا.
وعن عبدالله بن عمر، مرفوعاً: ((سِبَاب المُسْلِمِ كالمُشْرِفِ عَلَى
الهَلَكَةِ» رواه البزار، ورجاله ثقات.
إذا عرفت هذا، فالتعریف برواته سوی ما ذكر :
عون، وشيخه زبید.
٤٦

أما (عون)، فهو أبو جعفر عون بن سلام الكوفي.
عن زهير بن معاوية، وطلحة بن مصرِّف، وجمع.
وعنه مسلم، وأخرج له، وأبو زرعة، وجماعة.
قال صالح جزرة: لا بأس به .
توفي سنة ثلاثین ومئتين.
وأمَا (شيخه)، فهو محمد بن مصرف اليامي الكوفيُّ.
عن ابنه، والحكم، وجماعة.
وعنه شبابة، وحجاج الأعور، وابن مهدي، وخلائق.
وَثَّقَهُ بعض القوم، وضعَّفَهُ بعضهم، أخرج له الستة إلا النسائي.
توفي سنة سبع ومئتين.
وأما (زُبَيْد)، فهو أبو عبد الرحمن بن الحارث الكوفيُّ.
عن إبراهيم النخعي، والشعبي، وخلائق.
وَثَّقَهُ القوم، وأثنوا عليه كثيراً، وأخرج له الستة.
توفي سنة اثنتين وعشرين ومئة.
واعلم أنه لا خلاف في أن سبَّ المسلم فسق، أو شتم المسلم،
والتكلم في عرضه بما لا يعنيه خروجٌ عن الطاعة، فإن الواجب على
المسلم تعظيمه، وقد يستعمل الفسق - أيضاً - في أغلظ الكفر وأقبحه،
وقد جاء الاستعمالان في كتاب الله؛ كقوله: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ
اَلْإِيمَنِ﴾ [الحجرات: ١١]، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَّفِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
[التوبة: ٦٧]، والظاهر: أن المراد هنا: المعنى الأوّل.
٤٧

وأمّا أن قتاله كفر، فإِمّا أن يراد لأجل كونه مسلماً، ولاشك في
أنه كفر، أو المراد: المستحِلّ، أو كفران حق الأخوة والإسلام، أو
شبيه بفعل الكفار، وغير ذلك من الوجوه المذكورة في الباب
المتقدم.
[٣١ - باب
((لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)]
٢٣٢ - (٦٥ / ١١٨) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ
الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، جَمِيعاً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ ح،
وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُاللهِ بْنُ مُعَاذٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ -: حَدَّثَنَا أَبِيٍ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ: سَمِعَ أَبَا زُرْعَةَ يُحَدِّثُ عَنْ جَدِّهِ جَرِيرٍ، قَالَ: قَالَ لِي
النَّبِيُّ ◌َ﴿ فِي حَّةِ الوَدَاعِ: ((اسْتَنْصِتِ النَّاسَ)). ثُمَّ قَالَ: ((لاَ تَرْجِعُوا
بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ».
٢٣٣ - (٦٦ / ١١٩) - وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُاللهِ بْنُ مُعَاذٍ: حَدَّثَنَا أَبِي:
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ
النَّبِّ ◌َ﴿ِبِمِثْلِهِ.
والثاني: حديثُ جرير، قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ◌َّهِ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ:
(اسْتَنْصِتِ النَّاسَ)). ثُمَّ قَالَ: ((لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ
٤٨

رِقَابَ بَعْضٍٍ)) أخرجه البخاري، والنسائي.
٢٣٤ - (٦٦ / ١٢٠) - وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو بَكْرِ
ابْنُ خَلَّدِ الْبَاهِلِيُّ، قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
وَاقِدٍ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِاللهِبْنِ عُمَرَ، عَنِ
النَّبِّ ◌َ﴿: أَنَّهُ قَالَ فِي حَبَّةِ الوَدَاعِ: ((وَيُحَكُمْ - أَوْ قَالَ: وَيْلَكُمْ ـ!
لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)).
٢٣٥ - (٦٦ / ١٢٠) - حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَناَ عَبْدُاللهِ
ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ،
عَنِ النَّبِّ ◌َ﴿ بِمِثْلِ حَدِيثٍ شُعْبَةَ عَنْ وَاقِدٍ.
والثالث: حديثُ ابن عمر: أن النبي - عليه السلام - قَالَ فِي
حَجَّةِ الوَدَاعِ: ((وَيْحَكُمْ - أَوْ قَالَ وَيْلَكُمْ -! لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً
يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ)) أخرجه أبو داود، والنسائي.
ولما أخرج الترمذي من حديث ابن عباس، مرفوعاً: ((لاَ تَرْجِعُوا
بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ))، قال: وفي الباب: عن
عبدالله بن مسعود، وجرير، وابن عمر، وكُرْز بْن عَلْقَمَة، وواثلة بنٍ
الأسقع، والصُّنابحي.
وأقول: حديث جرير وابن عمر قد مرًّا، وحديث ابن مسعود،
٤٩

مرفوعاً: ((لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ،
لاَ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ بِجِنَايَةِ أَبِيِهِ، وَلاَ جِنَايَةِ أَخِيهِ)).
وفي رواية: ((لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلاَلاَ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ
بَعْضٍ)) أخرجه النسائي.
وحديث كُرْز بْن عَلْقَمَة الخزاعي، قال: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ
اللهِ! هَلْ لِلإِسْلاَمِ مِنْ مُنْتَهَى؟ قَالَ: ((نَعَمْ، أَيُّمَا أَهْلِ بَيْتٍ مِنَ العَرَبِ أَوِ
العَجَمِ أَرَادَ اللهُ بِهِمْ خَيْراً، أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الإِسْلاَمَ». قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ:
(ثُمَّ تَفَعُ الفِتَنُ كَأَنَّهَا الظُّلَلُ)). قَالَ: لا وَاللهِ إِنْ شَاءَ اللهُ، قَالَ: ((بَلَى،
وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! ثُمَّ تَعُودُونَ فِيهَا أَسَاوِدَ صُبْاً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ
بَعْضٍٍ)) رواه الطبراني، ورجاله ثقات.
وحديث واثلةَ، يرفعه: ((إِنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنِي آخِرُكُمْ مَوْتاً، وَأَنِّي
أَوَّلُكُمْ ذَهَاباً، ثُمَّ تَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي أَفْنَاداً يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) رواه
الطبراني، ورجاله ثقات.
وحديثُ الصُّنابِحِيِّ الأحمسيِّ، مرفوعاً: ((أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى
الحَوْضِ، وإِّي مُكَائِرٌ بِكَمْ، فَلاَ تَقْتَتِلُنَّ بَعْدِي)) أخرجه ابن ماجه،
وليس للصنابحي هذا في الخمسة حديث، وليس له في ابن ماجه إلا
هذا .
إذا عرفت هذا، فالتعريف بالرواة سوى ما ذكر: علي، وعمر.
أما (علي)، فهو أبو مدركة عليُّ بنُ مُدْرِكَةَ الثقفيُّ، الكوفيُّ.
عن هلال بن يساف، وإبراهيم النخعي، وجماعة.
٥٠

وعنه الأعمش، والمسعودي، وخلق.
وَثَّقَهُ ابن معين، والنسائي، وأخرج له الستة.
وأما (عمر)، فهو ابن محمد بن زيد بن عبدالله بن عمر بن الخطاب.
عن جده زيد، وعم أبيه سالم، ونافع، وجماعة.
وعنه ابن وهب، وخلق.
وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الستة إلا الترمذي.
مات قبل الخمسين ومئة مرابطاً بعسقلان.
واعلم أن القوم ذكروا في توجيه هذا الحديث الوجوه المذكورة
في الحديث السابق، وزادوا فيه بأن المعنى: لا تلبسوا الثياب فوق
الدروع، يقال: كفر الرجل: إذ لبس ثوباً فوق الدرع، والحاصل:
لا تلبسوا ثياب المحاربة لأجل القتال.
واختار بعضهم: أن أظهر الوجوه: لا تفعلوا فعلاً يشبه أفعال
الكفار.
وأنت خبير بأن هذا الحدیث لا يحتاج إلى هذه التأويلات، بل
النهي على ظاهره مستقيم؛ فإن النبي ◌ُّ لمَّا خطب خطبة الوداع،
وعلم أنه آخر عهده بالناس، ذكَّر ما يحتاجون إليه من الأمور
والزواجر، ثم نهاهم عن الارتداد والرجوع إلى ما كانوا عليه قبل
الدخول في الإسلام؛ من قتل بعضهم بعضاً، وما بينهم من الإحن
والمحن التي زال كل ذلك ببركة بعثة النبي وَله، وحصلت الألفة
٥١

بينهم، كما قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ
قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٣].
واعترض بأنه مخالف لقوله: ((مَا الفَقْرَ (١) أَخْشَى عَلَيْكُمْ)) الحديث،
كيف وقد ارتدت جماعة بعد وفاة النبي - عليه السلام - على ما مر؟
وإن قيل: المراد: خطاب أصحابه؛ بدليل توجّه الخطاب
إلیھم(٢) لا يحتاج ۔۔ أیضاً - إلی تأويل آخر ؛ لاحتمال أن یکون من باب
الإلهاب والتسبب، والمراد: بيان وجوب الثبات على ما كانوا عليه من
الإسلام؛ كما قيل في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة:
١٤٧] الآية، وفيه لطف لغيرهم، بأن الصحابة - مع اتصافهم بالصفات
الجميلة، واكتسابهم الأمور التي لا يقدر عليها غيرهم - إذا نُهوا عن
ذلك، فغيرُهم أولى بالنهي، وأشدُّ احتياجاً إلى المحافظة، على أن
المراد: بيان وقوع الفتن بعده وَّل، والنهي عن القتال، والإرشاد إلى
التثبت في الفتن، وعدم المداخلة فيها، على ما جاء مخرَّجاً في بعض
الأحاديث المذكورة - على ما مر -، ورواية: (ضُلاَلاً) بدل (كُفَّارا)
على ما في حديث ابن مسعود، يؤيد أن المراد من الضلالة: الدخول
في الفتن، لا الارتداد.
* قوله: (وَیلگُمْ، أو: وَيْحَكُمْ) كلمتان استعملهما العرب بمعنى
(١) في الأصل: ((ما الكفر)).
(٢) في الأصل: ((إليه)).
٥٢

التعجب والتفجع، قال سيبويه: ويل: كلمة لمن وقع في ھَلكة، ووَتْح
ترجُّم، وحكي عنه: وَيْحِ زجرٌ لمن أشرف على الهَلَكَة.
وقال الهروي: وَيْح تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، ترحُّماً
علیه، وويل للذي يستحقها، ولا ترحم عليه.
وعن عمر بن الخطاب: ويح كلمةُ رحمة.
وقال ابن عباس: الويل: المشقة.
قوله: (يَضْرِبُ) روي بالرفع والجزم، وكلاهما صحيح،
والرفع يحتاج إلى تقدير.
وقال القاضي: الصواب الرفع؛ فإن المعنى: لا تشبهوا بالكفار
في هذا الفعل، وأما على رواية الجزم، فالنهي عن الكفر مجرداً، ثم
جاء (يضرب) بالنهي، فيكون نهياً عن ضرب الرقاب، وعن الكفر
الذي هو سببه .
* قوله: (اسْتَنْصِتِ النَّاسَ)؛ أي: أَمَرَهم بالإنصات، والتوجهِ
نحوَه بجوامع قلوبهم وأعضائهم، وفيه تقدمة تنبيه على أن ما يرد بعده
كلام عظيم يجب الاستماع له، والوقوف عليه، والعمل به.
وأمّا خطبة حجة الوداع، فهي التي خطب النبي - عليه السلام -
عام حجِّه، وعلَّمهم الأحكام والشرائع، ووذَّعهم، وأمر أن يبلغ
الشاهدُ الغائبَ، وأشهدَهم على أنه قد بلّغهم جميعَ ذلك - على
ما سيجيء في مواضع من هذا الكتاب طرف منها ..
٥٣

والرواية المسموعة في حَجَّةِ الوداع بفتح الحاء، وفي واحد
الحج: يفتح ویکسر .
قال الهروي، وغيره: القياس فيه الفتح؛ لأنها الواحدة والمرة،
لا الهيئة، لكن الكسر سماع، والله أعلم.
*
٥٤

(٢٢)
باب
بيان تحريم الطعن والنياحة والإباق
٢٣٦ - (٦٧ / ١٢١) - وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو
مُعَاوِيَةً حٍ، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ - وَاللَّفْظُ لَهُ -: حَدَّثَنَا أَبِيٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ
عُبَيْدٍ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللهِ لِ: (اثْنَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي
النَّسَبِ، وَالنَِّاحَةُ عَلَى المَيَّتِ».
حديث أبي هريرة، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((اثْتَتَانِ فِي النَّاسِ
هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ».
أخرجه الترمذي بلفظ: ((أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ، لَنْ
يَدَعَهُنَّ النَّاسُ: النَِّاحَةُ، وَالطَّعْنُ فِى الأَحْسَابِ، وَالعَدْوَى، أَجْرَبَ
بَعِيرٌ، فَأَجْرَبَ مِئَةَ بَعِيرِ، مَنْ أَجْرَبَ الْبَعِيرَ الأَوَّلَ؟ وَالأَنْوَاءُ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ
كَذَا وَكَذَ)).
وفي الباب: عن أنس، مرفوعاً: ((ثَلاثٌ لا يَزَلْنَ فِي أُمَّتِي حَتَّى
تَقُومَ السَّاعَةُ: النِّيَاحَةُ، وَالمُفَاخَرَةُ فِي الأَنْسَابِ، وَالأَنْوَاءُ)) رواه البزار،
وأبو يعلى، ورجاله ثقات.
٥٥

وعن العباس بن عبد المطلب، قال: أخذ النبي - عليه السلام -
بيدي، فقال: ((يَا عَبَّاسُ! ثَلاثٌ لاَ يَدَعُهُنَّ قَوْمُكَ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ،
وَالنِّيَاحَةُ، وَالاسْتِمَطَارُ بِالأَنْوَاءِ)).
وعن سلمان، مرفوعاً: (ثَلاثَةٌ مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ: الفَخْرُ فِي
الأَحْسَابِ، والطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالنِّيَاحَةُ)) رواهما الطبراني.
إذا عرفت هذا، فاعلم أنه قد مر ذكر الوجوه في الكفر،
وأظهرُها: أن الطعن في النسب، والنياحة على الميت من أعمال
الكفار، وأخلاق أهل الجاهلية، وإباق العبد كفرانُ حقِّ السيد، وبراءة
ذمته من العقوبة والحبس، أو ذمة الله تعالى ورسوله؛ حيث لا يجب
ما يجب من رعايته وضمانه، ولا تقبل صلاته؛ لأنها مع المعصية -
وإن كانت صحيحة لاستكمال شرائطها -، فالقبول محصّل للثواب،
والصحة مُسقطة للقضاء، وهذا ظاهر.
وفي قوله: (بِهِمْ) إيماء إلى حلول مجازاة الكفر بهم، وهي العقوبة؛
يعني: أنهم بسبب الإقدام على ذلك يستحقون حلول ذلك بهم.
ويحتمل أن يكون الضمير راجعاً إلى ما يصح النسب به،
والنياحة عليه، وهم الآباء والموتى، فيكون من باب الاستخدام؛
حيث يراد بلفظ الناس: الفاعلون للطعن والنياحة، وبضميره: الآباء
والموتى، إلا أن ذلك كفر بحقوقهم، لا كفر بالله تعالى، فتأمل.
أمَّا الكلام على النياحة والأنواء، فسيجيء - إن شاء الله تعالى -.
٥٦

٢٣٧ - (٦٨ / ١٢٢) - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ - يَعْنِي: ابْنَ عُلَيَّةَ -، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ
الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ: أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: ((أَيَّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِهِ، فَقَدْ
كَفَرَ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ)). قَالَ مَنْصُورٌ: قَدْ وَاللهِ! رُوِىَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َِه
وَلَكِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُرْوَى عَنِّي هَاهُنَا بِالبَصْرَةِ.
والثاني: حديث جرير: ((أَيَّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيِهِ، فَقَدْ كَفَرَ،
حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ)). قَالَ مَنْصُورٌ: قَدْ وَاللهِ! رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ◌ََّه
وَلَكِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُرْوَى عَنِّي هَاهُنَا بِالبَصْرَةِ .
٢٣٨ - (٦٩ / ١٢٣) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا
حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ: (أَنَّمَا عَبْدٍ أَبَقَ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذُّمَّةُ).
وفي رواية: ((أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ)).
٢٣٩ - (٧٠ / ١٢٤) - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ،
عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: كَانَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُ عَنِ
النَّبِّوَهِ، قَالَ: ((إِذَا أَبَقَ العَبْدُ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاَةٌ».
وفي رواية: ((إِذَا أَبَقَ العَبْدُ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاَةٌ)) أخرجه أبو داود
في (الحدود)، والنسائي في (المحاربة).
٥٧

وقد سبق التعريف برواته، إلا منصوراً، فهو منصور بن
عبدالرحمن الغدانيُّ، البصريُّ، الأشلُّ.
عن الحسن، وأبي إسحاق، وجماعة.
وعنه شعبة، وبشر بن المفضل، وخلائق.
وثَّقَهُ ابن معین، وأخرج له مسلم، وأبو داود.
وقال أبو حاتم: لا يحتج به.
وقد مر معنى الكفر، وأنه يطلق تارة، ويراد الكفر بالله، وتارة:
كفران حق النعمة، ويمكن أن يراد استحقاق جزاء الكفر، وهو القتل،
ويؤيده: رواية أبي داود: ((إِذَا أَبَقَ العَبْدُ إِلَى الشِّرْكِ، فَقَدْ حَلَّ دَمُهُ»،
وفي أخرى له: ((أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ، وَلَحِقَ بِالعَدُوِّ، فَقَدْ أَحَلَّ
بِنَفْسِهِ»، ورواية النسائي: ((إِذَا أَبَقَ العَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ، وَإِنْ مَاتَ،
مَاتَ كَافِراً)، فَأَبَقَ غُلامٌ لِجَرِيرٍ، فَأَخَذَهُ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وفي أخرى
له: ((إِذَا أَبَقَ العَبْدُ إِلَى أَرْضِ الشِّرْكِ، فَلاَ ذِمَّةً لَهُ».
* وفي قوله: (حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ) إيماء إلى أن الكفر كفرانُ حقٌّ
الموالي وإنكاره حتى يزول ذلك بالرجوع؛ لأنه إذا رجع، فقد زال عنه
اسم تلك المعصية، وفي إسناد الفعل إلى العبد إشعار لو أُخذ، وأُتي
إلی مواليه، لا یزول عنه ذلك الاسم؛ لأنه مجيء اضطراري، فلا يدل
على توبته وزوالٍ تلك الخصلة منه.
أما قول منصور بن عبد الرحمن: (قَدْ وَاللهِ! رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ،
٥٨

وَلَكِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يُرْوَى عَنِّي هَاهُنَا بِالبَصْرَةِ) فمعناه: أن هذا الحديث
مروي عن النبي ◌َّ، وإنما لم أصرح بذلك؛ لأني أكره التصريح بالرفع
إلى النبي ◌َّ﴿ في البصرة، إذ هي مملوءة بالخوارج والمعتزلة،
ومذهبُهم: خروج أهل الكبائر من الإيمان، وخلودهم في النار، فإذا
سمعوا ذلك مني بأنه حديث مرفوع، تعلّقوا بظاهره، وجعلوه دليلاً على
مذهبهم، فلأجل ذلك أوقفته على جرير، فلم أسنده إلى النبي صلّ.
الضمير في قوله: (سَمِعَهُ) لجرير، وفي (أَنَّهُ) للشعبي، أو في
(سَمِعَهُ) له، وفي (أَنَّه) لمنصور، يعني: أن منصوراً سمع الشعبي
یحدث عن جرير .
وأَمَّا وجه الترتيب: فبحسب الحق، ولما كان حقُّ الأب في
الانتساب أقوى من حق المولى بالرعاية(١)، وهو من حق المولى، ذكر
على هذا الترتيب، و- أيضاً -: التصريح بالكفر أشدُّ وعيداً من براءة
الذمّة؛ إذ هي محتملة لوجوه: ذمة الله ورسوله على معان، وذمَّة
سيده، والذمة مطلقاً، وهي في جميع محتملاته من عدم قبول الصلاة
وردها على هذا الترتيب، ثم المراد منه: إن كان المستحل بعدم قبول
صلاته ظاهر؛ إذ لا يُقبل من كافر عمل، وإن كان المراد غيره، فالمراد
منه: عدم الصحة عند من ذهب إلى إن الصلاة في مثل هذه الحال غير
صحيحة؛ كالصلاة في الأرض المغصوبة؛ لوجود النهي عن الكون في
(١) في الأصل: ((الميت بالدعابة)).
٥٩

ذلك المكان، والأمر بالرجوع إلى السيد.
وأمّا من جعل صلاة أمثاله صحيحة، وهم الفقهاء، فمعنى (لَمْ
تُقْبَلْ): لم يتخلص بتلك الصلاة من العقاب، وما حصل له ثواب
يخرج عن إثم الإباق؛ فإن حقوق العباد على المضايقة، وحقوق الله
واجبة الأداء، فلا يقع إذاً أحدُ الحقين بدل الآخر.
٦٠