Indexed OCR Text
Pages 361-380
وثقه القوم، وأثنوا عليه، وأخرج له الستة. توفي سنة تسعین - رحمه الله-، فهذا الإسناد کله مصریون. وأمّا عَمْرٌو في الإسناد الآخر، فهو أبو أمية عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ بنِ يعقوبَ بنِ عبدِالله، المصريُّ، الفقيهُ، أحدُ الأعلام. عن أبيه، والزهريِّ، وعمرو بنٍ شعيب، وخلائق. وعنه بُكَير الأشجُّ أحدُ شيوخه، وصالح بنُ کیسان، وقتادة، وآخرون. اتفقوا على وثوقه، وجلالة قدره، وغزارة فضله، وأخرج له الستة . توفي سنة ثمان وأربعين ومئة. * قوله: (تُطْعِمُ الطَّعَامَ) قد ذكرنا: أن الإسلام والإيمان يطلق على البداية، وهو ما به يخرج الشخص عن الكفر، ويدخل في الإيمان، وعلى النهاية، وهو الكامل المشتمل على جميع الشعب، ومراد السائل هنا بقوله: (أيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ؟): السؤال عن خصاله وشُعبه، ولما كان حال السائلين مختلفة، والشارع حكيم مرشد، كانت أجوبته واقعة بحسب أحوالهم، فيجيب تارة بإطعام الطعام، وإفشاء السلام، وتارة بالكف عن إيذاء الناس، وتارة بترك الغضب، وتارة بأمور أُخر لائقة لكل سائل بحسب حاله. ولاشك أن إطعام الطعام أمر حسن، وخلق جميل؛ إذ فيه إيصال ٣٦١ النفع إلى الغير، وقضاء حاجة أخ مسلم، وقد مدح الله تعالى المطعمين كثيراً، وأعد لهم جنات النعيم، فكان جدیراً بأن يُذْكر، ويُجعل من خير شعب الإسلام. وأمّا إفشاء السلام، من غير تفرقة بين من يعرف ومن لا يعرف، فهو من أعظم مكارم الأخلاق، ويتضمن التواضع الذي هو الأساس، وإصلاح ما بينه وبين الناس؛ لأنه إذا لم يتكبر على أحد، ولا يحتقر أحداً، ولا يكون بينه وبين [الناس] شحناء وامتراء يمنعه من السلام عليه، ويسلم على جميع من لقيه من غير تفرقة، وصار جميع الناس أحباءه، ففيه انتظام أمر معاشه ومعاده، فهو يستأهل بأن يسمى: خير الشعب . والنبي - عليه السلام - كثيراً ما يحض المؤمنين على تآلف القلوب، ويبين لهم أن أفضل أخلاقهم(١) الإسلامية ألفة بعضهم بعضاً، واستجلاب ما يؤكد ذلك بينهم بالقول والفعل، وقال عليه السلام: ((السَّلاَمُ شِعَارٌ لِمِلَّتِنَا، وَأَمَانٌ لِذِمَّتِنَا)). ومعنى قوله: (وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ) يبلغ السلام يسلمه عليهم. قال أبو حاتم: يقال: قَرَّأَ عليه السلام، وأَقْرَأَهُ الكتاب، ولا يقال: أَقْرَأَهُ السلام إلا إذا كان مكتوباً، وأما في غير المكتوب، فلا يقال إلا في لغة رديئة. (١) في الأصل: ((خلقهم)). ٣٦٢ ثم الظاهر من عبارة القوم: أن قوله: ((عَلَى مَنْ عَرَفْتَ، وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ)) متعلق بقوله: ((وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ))؛ يعني: أمر بإفشاء السلام على جمیع من لقیه، وقالوا: هذا العموم مخصوص بالمسلمين، فلا يسلم على كافر ابتداءً، وفيه خلاف سيأتي. ويحتمل أن يتعلق بقوله: (وتُطْعِمُ الطَّعَامَ) - أيضاً -، ويكون المعنى: تطعم الجميع، وتقرأ السلام عليهم، وفيه زيادة فضيلة؛ لأنه إذا بذل طعامه لمعارفه وغيرهم، كان أقوى وأعلى من أن يطعم معارفه فقط، وهذا المعنى، وإن كان يفهم من إطلاق قوله: (تُطْعِمُ الطَّعَامَ) إلا أن تقييد قوله: (وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ) به ربما يوهم اختصاص الإطعام بالمعارف، فالوجه التعلقُ بهما، فيكون مصرحاً. : قوله: (أَيُّ المُسْلِمِينَ خَيْرٌ؟) ذهب بعض الناس إلى أن هذا الحديث المذكور قبله بعينه، واختلاف الألفاظ من سهو الرواة، وهذا بعيد جداً؛ لوضوح الاختلاف في السؤال والجواب، والذهاب إلى هذا، والحمل على تقصير الرواة، أمر في غاية البعد، وقد ذكرنا فيما مر: أن الأصل في الأحاديث الواردة في المعاني(١) الواحدة، المختلفةِ لفظاً: أن يحمل على تعدد الوقوع، لا على الاتحاد، وعدم ضبط الرواة - اللهم إلا في موضع فيه سبب المنع عن الحمل على التعدد - فحينئذ يحمل على عدم الضبط، وفي هذا الموضع لا شيء (١) في الأصل: ((معنى)). ٣٦٣ يوجب ذلك قط، وفي هذا الحديث لا حاجة إلى تقييد الإسلام بالكامل؛ لأن السؤال عمن اتصف بالإسلام، وزاد عليه من الصفات شيئاً، فأجاب بأن من سلم المسلمون منه، فلم يصدر منه أذاهم بقول أو فعل، فهو خير، وذكر اللسان واليد إشارة إلى آلتي القول والفعل، ولم يذكر القلب، مع أن الحب والبغض من خصال أهل الإسلام، فلابد للمتصف بالإسلام من حب أوليائه، وبغض أعدائه؛ إِمَّا للإشعار بأن ذلك مثبت للإسلام، والسؤال بعد ثبوته، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَسَ مِنَ اللَّهِ فِ شَىْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨] الآية، وقال عليه السلام: ((لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)) الحديث، وإمَّا للإيماء بأنّ أثر المحبة والبغض إنما يظهر بالقول والفعل لخفاء أمر العقيدة، فإذا سلم المسلمون من لسانه ويده، فهو محكوم عليه بالمحبة لهم، وبعكسه بالعكس. وقدم اللسان؛ إمَّا لأن عمله في تحصيل الإسلام أقدمُ من عمل سائر الجوارح؛ إذ مقدمة الأمر الإقرار، وهو باللسان، فتكون مداخلته في هذا الأمر أكثر من غيره، وإما لأن ضرره أشد من ضرر غيره؛ لأنه أوقع على النفس، وأكثر تأثيراً فيها؛ كما قيل في قوله تعالى: ﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ب الَّتِى تَطَلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة: ٦ - ٧]: إنما أضاف النار إليه تعظيماً؛ لأن الجزاء بقدر العقوبة، وهو وعيد الهمَّاز اللَّماز، فلما كانت جنايته أقوى الجنايات، ناسب أن تكون عقوبته أشد العقوبات. وَلاَ يَلْتَامُ [مَا] جَرَحَ اللِّسَانُ جِرَاحَاتُ السِّنَانِ لَها الْتِئَامٌ ٣٦٤ وقد جاء في حديث عُقبة بن عامر : قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: ((أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْنُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ)) أخرجه الترمذي. وحديث أبي سعيد، يرفعه: ((إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ، فَإِنَّ الأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ، فَتَقُولُ: أَّقِ اللهَ فِينَا، فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ، فَإِنٍ اسْتَقَمْتَ، اسْتَقَمْنَا، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ، اعْوَجَجْنَا)) أخرجه الترمذي. ثم اليد عبارة عن الجوارح التي بها يفعل؛ إطلاقاً من اسم الجزء الذي هو أكثر تأثيراً على الكل؛ فإن أكثر الأعمال تُزاوَل باليد، ويندرج تحتها اللسان، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْهُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: ٤٠] الآية؛ أي: جملة، فتقدیمُ ذکر اللسان لبيان شدة تأثیر فعله. وإنما ذكر في هذه الأحاديث اللسانُ مقدَّماً، وفي حديث الأول مؤخراً عن الإطعام؛ لأن تأثير اللسان في الإيذاء أكثر من الكل؛ لما ذكرنا، فقدَّم ذكره فيما يتعلق بالترك، وتأثيره فيما يتعلق بالفعل أقل فأخره. وأما قوله - عليه السلام -: (مَنْ سَلِمَ) في حديث جابر، وفي جواب: أيّ الإسلام أفضل؟: (المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ) محمول على المسلم الكامل - كما مرَّ -، والمراد بـ (الناس): إما المسلمون، على أن اللام للعهد، أو للجنس، وعدم الاعتداد بمَنْ سواهم، كأنهم ليسوا من الناس، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٣] الآية، ويؤيده: تخصيصُ المسلمين بالذِّكْر في ٣٦٥ الأحاديث الأخر، وإِمَّا أن يراد: المسلمون، وغيرهم. وفيه: إيماء إلى أن من شأن المسلم الكامل أن لا يصدر عنه الإيذاء قطعاً، كما قال الحسن في تفسير الأبرار: هم الذين لا يؤذون الذَّرّ، ولا يرضون بالشرّ. وأما بيان الترتيب: فظاهر، فإنه أورد أوّلاً الحديث المشتمل على الاستقامة على الإيمان التي هي ملاك الأمر، وبها يحصل الاعتداد بالإيمان، ثم أردفه على المشتمل على إيصال النفع إلى الغير فعلاً وقولاً، وهو الإطعام والسلام، ثم المشتمل على عدم الإيذاء قولاً وفعلاً، فمن استقام على الإيمان، وحصل منه النفع، وعدمُ الإيذاء، فقد(١) حصل له الكمال الذي ليس وراءه كمال، ومن وجد منه بعض هذه الأمور، فهو على الترتيب في المرتبة. ولاشك أن بلوغ المسلم (٢) إلى مرتبة يسلم الناس من يده ولسانه، لا يكون إلا بعد تمكن خوف(٣) الله تعالى في قلبه، ورجاء ثوابه حتى يحمله الخوف والرجاء على ضبط لسانه ويده، فلا يتكلم ولا يفعل إلا ما يعنيه، ويتجانب عما لا يعنيه. وأما بقية رجال الأسانيد : (١) في الأصل: ((فعل)). (٢) في الأصل: ((الإسلام)). (٣) في الأصل: ((حقوق)). ٣٦٦ (سَعِيدٌ) فهو أبو عثمان سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ الأَمَوِيُّ، البغداديُّ. عن أبيه، وعمه عُبيدالله، وعبدالله بن المبارك، وجماعة. وعنه الستة سوی ابن ماجه، وأخرجوا له. وثقه القوم. وتوفي [سنة] تسع وأربعين ومئتين. وأمّا (أبوه)، فهو أبو يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص، الأمويُّ، الكوفيُّ، الحافظُ. عن أبيه، وهشام بن عروة، والأعمش، وخلائق. وعنه أحمد، وابن راهويه، وابن معین. وثقه القوم، وأخرج له الستة . توفي سنة أربع وتسعين ومئة، وبلغ ثمانين، ولقبه جمل. وأما شيخه، فهو (أبو بردة) يزيدُ بنُ عبدالله بنِ أبي بردةَ بنِ أبي موسى، الأشعريُّ، الکوفيُّ. عن جده، والحسن، وعطاء بن أبي رباح، وجماعة. وعنه السفیانان، وابن المبارك، وخلق. وثقه ابن معين، والعجلي، وأخرج له الستة. وقال أبو حاتم : ليس بالمتین، يُکتب حديثه. وقال ابن عدي: صدوق. ٣٦٧ وأما شيخه وجدُّه، فهو (أبو بردة)، اسمه عامرٌ - على الصحيح -، وقيل: الحارثُ بنُ أبي موسى، واسمُه: عبدُالله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر بن بكر بن عامر بن عذر بن وائل بن ناجية بن جماهر بن الأشعر، وهو نبت بن أدد بن یشجب بن یعرب بن قحطان، الأشعريُّ، التابعيُّ، جليلُ الشأن. سمع من أبيه، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر، والأغر المزني، وعبدالله بن سلام، وغيرهم. وسمع عنه خلق كثير من التابعين وغيرهم؛ مثل: الشعبي، وأبي إسحاق السبيعي، وعبد الملك بن عمير، وعمر بن عبد العزيز، وثابت البناني، ومحمد بن المنكدر، وقتادة، وسالم، وأبي النضر، وعاصم ابن بَهْدلة القاري، وأبي إسحاق الشيباني، ومحمد بن واسع، وطلحة ابن مصرِّف، وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، ومكحول الدمشقي، وبنوه: أبو بكر، وعبدالله، وسعيد، وبلال، وابن ابنه يزيدُ بن عبدالله، وآخرون، واتفقوا على توثيقه وجلالته، وأخرج له الستة. قال أحمد بن سعد: أبو بردة وأخوه أبو بكر تابعيان، كوفيان، ثقتان. وقال محمد بن سعد: کان ثقة، کثیر الحدیث. توفي سنة ثلاث ومئة. وأمّا (أبو موسى)، فهو من فضلاء الصحابة، هاجر من اليمن إلى الحبشة، ثم قدم على رسول الله قلي مع أصحاب السفينتين عند ٣٦٨ فتح خيبر، فأسهم له، وعمل للنبي - عليه السلام - على زَبيد، وعدن، وولي البصرة والكوفة لعمر، وفضائله جمة كثيرة، وسيأتي طرف منها . روي له عن رسول الله صل* ثلاث مئة وستون حديثاً، اتفقا على خمسين، وانفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة عشر. روى عنه الأربعة - أيضاً -. توفي سنة أربع وأربعين، وله نيف وستون سنة ٣٦٩ (١٢) باب ما يجب على المؤمن من المحبة [ ١٧ - باب بَيَانِ خِصَالٍ مَنِ اتَّصَفَ بِهِنَّ، وَجَدَ خَلَاَوَةَ الإِيمَانِ ] ١٧٤ - (٤٣ / ٦٧) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ جَمِيعاً، عَنِ الفَّقَفِيِّ - قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّبِ -، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِيٍ قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َهِ، قَالَ: ((ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ بِهِنَّ خَلاَوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَةَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ». ١٧٥ - (٤٣ / ٦٨) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارِ، قَالاً: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ طَعْمَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ يُحِبُّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ، وَمَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ ٣٧١ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ كَانَ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ». ١٧٦ - (٤٣ / ٦٨) - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورِ، أَنْبَأَنَاَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَنْبَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِهُ، بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((مِنْ أَنْ يَرْجِعَ بَهُودِيّاً، أَوْ نَصْرَانِيّا). [١٨ - باب وُجُوبٍ مَحَبَّةٍ رَسُولِ اللهِ ◌ِ﴾ أَكْثَرَ مِنَ الأَهْلِ وَالوَلَدِ وَالوَالِدِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَإِطْلاَقٍ عَدَمِ الإِيمَانِ عَلَى مَنْ لَمْ يُحِبَّهُ هَذِهِ المَحَبَّةَ] ١٧٧ - (٤٤ / ٦٩) - وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ ح، وَحَدَّثْنَا شَيْبَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، كِلاَهُمَا عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((لاَ يُؤْمِنُ عَبْدٌ - وَفِي حَدِيثٍ عَبْدِ الوَارِثِ: الرَّجُلُ - حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ، وَمَالِهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)). ١٧٨ - (٤٤ / ٧٠) - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارِ، قَالاً: H ٣٧٢ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ، وَوَالِدِهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)). في هذا الموضع أحاديث: الأوّل: حديث أنس: ((ثَلاَثُ مَنْ كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ بِهِنَّ حَلَوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّلِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَةَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)». وأخرجه البخاري، والترمذي، والنسائي في (الإيمان). وحديثه: ((لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ - وفي رواية: لاَ يُؤْمِنُ الرَّجُلُ - حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ، وَمَالِهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». وفي رواية: ((لاَ يُؤْ مِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ، وَوَالِهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)). أخرجه البخاري، والنسائي في (الإيمان)، وابن ماجه في (السنة). وفي ((البخاري))، والنسائي من حديث أبي هريرة، مرفوعاً: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ)». إذا عرفت هذا، فالكلام هاهنا في مواضع. ٣٧٣ الأول: في التعريف بالرواة سوى ما ذكر. (عَبْدُ الوَهَّابِ) هو: ابن عبد المجيد بن الصَّلت الثقفيُّ، أحدُ الأئمة. عن حُميد الطويل، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وخالد الحَذَّاء، وخلائق. وعنه الشافعي مع تقدمه، وأحمد، وابن معين، وآخرون. اتفق القوم على جلالة قدره، وإتقانه، وأخرج له الستة . توفي سنة أربع وتسعين ومئة. وأما (أَبُو قِلاَبَةَ)، فهو عبدالله بن زيد بن عمرو الجرمي، أحدُ أئمة التابعين. عن حذيفة، وابن عباس، وعائشة، وجمع من الصحابة، وجماعة من التابعين، وعن عمر مرسلاً. وعنه أبو رجاء، وأيوب، وقتادة، وآخرون. وأجمعوا على جلالته وإتقانه، وأخرج له الستة . توفي سنة ست ومئة. وأما (عَبْدُ الوَارِثِ) في الإسناد الآخر، فهو أبو عبيدة عبدُ الوارث ابنُ شعيب بن ذكوان العنبريُّ، مولاهم، التنُّوريُّ، البصريُّ، أحدُ الأعلام. عن أيوب، وحسين المعلم، وسليمان التيمي، وخلائق. ٣٧٤ وعنه ابنه عبد الصمد، ويحيى القطان، وعفان، وآخرون. اتفق القوم على علو درجته، وغاية إتقانه، أخرج له الستة، توفي سنة ثمانین ومئة . الثاني: في المعنى: ولا بُدَّ - أولاً - من بيان المحبة، وقد اضطربت عبارات القوم فيها - حديثاً وقديماً - اضطراباً لا يكاد يحيط به البيان، ولا يرجى أن يتصالح عليه أرباب اللسان والقرآن. وبالجملة: فهي من الوجدانيات التي لا يكتسب عنها المعاني غير الحبال، ولا يحصل بالفحص عن معناها بالعبارة إلا الجدال، وهي بالإرادات أشبه منها بالإدراكات. ثم قيل: هي تابعة لإدراك الكمال من حيث هو كمال؛ لأن الكمال محبوب. ثم اختلفوا، فقيل: لذاته، وقيل: لغيره. وأما محبة العبد لله، فهي أشكلُ من الأوّل، وأكثرُ اختلافاً؛ لأن معنى المحبة - مطلقاً - لمَّا كان مُشكِلاً مختَلَفاً فيه، فإذا أريد معرفتها من جانب العبد الضعيفِ عن إدراك أدنى شيء من الموجودات، وأقربِه إليه على الحقيقة، بالنسبة إلى ذات واجب الوجود، المنزَّهِ عن وصول العقل إلى سُرادق جلاله، ازداد إشكالاً وتحيراً. فقال قوم: عبارة عن محبة إعظامه وإجلاله. ٣٧٥ وقيل : محبة ثوابه. وقيل: محبة طاعته. وقيل: إرادة العبد اختصاصَ الله تعالى بالعبادة، ورغبته فيها. وبالجملة: يكون محبوباً لغيره، وهو مذهب جمع من المتكلمين، وأكثر أرباب اللسان. وقال قوم: لاشك أن أقصى درجات الكمال حاصلةٌ لله تعالى، والمحبةُ تابعة لإدراك الكمال، فيكون الله تعالى محبوباً لذاته من ذاته. وهو مذهب بعض المحققين من المتكلمين، وأكثر المتصوفة والفلاسفة. واعترض الفريق الأوّل: بأن البشر لا يمكنه إدراكُ ذات الله تعالى، فكيف يصير محبوباً له؟ لأن المحبة تابعة للإدراك ـ على ما قلتم -، وبأنها من جنس الإرادة، فلا تعلّقَ لها إلا بالحوادث، فلا يتعلق بذات الله تعالى. وأجيب عن الأول بأن المحبة بقدر الإدراك، وذات الله تعالى مُدرَكٌ من وجه. وأَمَّا أنه منزَّه عن الإدراك، فمعناه: عن إدراك التام حتى يعلم کنهه، وأمّا أنه مدرك من وجه، فلا منع. ولأجل ذلك اختلفت محبة المدركين؛ لاختلاف الإدراك؛ فإن الفرق بين محبة الأنبياء والملائكة والأولياء، وبين محبة غيرهم، ظاهرٌ علی ما لا يخفى، وسیانٍ ما بينها. ٣٧٦ وعن الثاني بالمنع؛ لأنها إدراك الكمال من حيثُ هو كمال، وذلك لا يقتضي كونَ المدرَكِ حادثاً. وللفريقين مناقضات وشبهات كثيرة، لا يليق إيرادها هنا. وقال بعض أرباب القلوب: هو شيء يحيط به الوصف، ولا يدخل تحت التعريف، حتى قال أبو القاسم القشيري: هي حالة يجدها العبد من قلبه تلطف عن العبارة. وقال بعض المحققين: هي الميل الدائم بالقلب الهائم. وبالجملة: إن الشخص إذا حصل له التوفيق، وخرج من ظلمات الكفر والضلالة، ودخل في نور الإيمان والهداية، وزال عن باطنه صدأ الشك والطغيان بجَلاء الحق والإيمان، وأدرك نورُ بصيرته حسنَ الاعتراف والإذعان، وقبحَ الإنكار والكفران، وعلم أنّ له خالقاً رازقاً عليماً قادراً، مالكاً للأمور كلها في داري الفَناء والبقاء، كاملَ الذات والصفات، حصلت له المحبة بقدر دَرْكِه كمالَه، وكلما ازداد الإدراك، ازدادت المحبة، وازداد التوجه إلى جنابه، وترك الالتفات إلى باب غير بابه، وازداد [من] الإقامة على موجبات أوامره، والاحتراز عن الوقوع في مهالك زواجره. فالتقوى والخشية ثمرتا المحبة التي هي تابعة للإدراك، وعليه قوله - عليه السلام -: ((أنا أَنْقَاكُمْ وأَخْشَاكُمْ لِلهِ». ثم لاشك أن الإنسان مجبول على الميل إلى الحُسن والجمال، ٣٧٧ وبقدر درك ذلك يتعلق قلبُه به، حتى يُفضي الأمر إلى أن يستولي ذلك المعنى عليه، فلا يقدر على الصبر، وربما لا يشتغل بشيء دونه. ثم الحُسن والجمال محسوس ومعقول : فالمحسوس: كالصور الجميلة المشتهاة لنيل اللذة الجسمانية، وهذا في حق الله تعالى محال. وأما المعنوي، فكَمَن اتصف بالعلوم الشرعية، والأخلاق الحميدة، وهذا النوع تميل النفوس الفاضلة والقلوب الكاملة [إليه] ميلاً عظيماً، فيرتاح لذلك، ويتنعم بخبره وخيره، ويهتز لسماع أقواله، ويتشوَّف لمشاهدة أحواله، كما نجد عند ذكر الأنبياء والعلماء والأولياء والكرماء من الميل واللذة والأنس، وإن كنا لا نعرف صورَهم المحسوسة، بل ربما قد نسمع أن بعضهم من غير الأنبياء قبيح الصورة الظاهرة إذا عمي أو جذم، ومع ذلك، فذلك الميل حاصل، وذلك الأنس والشوق موجود لنا، ومن شك أو أنكر في وجدان هذا النوع من الميلان، كان من جِبِلَّة الإنسانية خارجاً، وفي غمار المعتوهين والجاً. فإذا كان هذا الموصوف بذلك الكمال، المنعوت بذلك الجمال، قد أحسن إلينا، وفاضت نعمه علینا، تضاعف ذلك المیل، وتجدَّد ذلك الأنس، حتى لا يصبر عنه، بل يستغرقنا ذلك إلى [أن] نذهل عن جميع الأشغال، وتُقُبل نحوه بجوامع البال، وإذا كان ذلك في حق من [كان] كماله واجباً مطلقاً، لا يشوبه نقص، ولا يعتريه ٣٧٨ زوال، وكان إنعامه وإحسانه أكثرَ؛ بحيث لا يَنحصر ولا يُعَدُّ، أولى بذلك الحب، وليس إلا الله وحده، فثبت أن هذه النوع من المحبة أقوى الأنواع، ويختلف بحسب اختلاف الإدراك. ثم مراتب المحبين لا تكاد تنحصر؛ لاختلاف درجات الإدراك، وربما تنحصر باعتبار ثمرتها الحاصلة منها في التارك للزخارف الدنيوية، والملاذ الدنيئة؛ لاستقلالها بالنظر إلى ما أدرك من الكمال الذي حصل منه محبته طلباً لثوابه، وخوفاً من عقابه، وفي المواظبة على ما يليق به من الخدمة والعبادة طلباً لذلك - أيضاً -، وفي المنصرف عن جميع ما سواه، المتوجه إلى حضرة مولاه، حتى لا يخطر بباله سوى رضاه، غيرَ ملتفت لآخرته وأولاه؛ إذ جميع ما سوى محبوبه ناقص، واقع في حضيض الأُفول والزوال، وهو المختص بالوجوب والبقاء والكمال، فيتوجه نحوه جملة، ويعرض عن غيره طُرّاً، ولا يركَنُ إلى استحضاره لا ذِكْراً ولا فِكْراً، فالتاركُ والمواظبُ مجدّان بملاحظة طلب نعيمه، والهرب من جحيمه، والمنصرفُ نحوه بحبه بملاحظة شيء من نعوته وصفاته، فمرتبته أقوى المراتب، وطلبته أجلى المطالب، ويكون كل واحد من مطلوب غيره مقدمة مطلوبه، والوسيلة إلى الوصول إليه، ولهذا سمي كل واحد من هؤلاء الطالبين باسم يدل على صنيعه، وخُصّ بوصف ينبئ عن مطلوبه. فإذا عرفت هذا، عرفت أن المعرض عن متاع الدنيا وطيباتها ◌ُخَصُّ باسم الذاهل. ٣٧٩ والمواظب على فعل العبادات؛ من القيام والصيام ونحوهما ◌ُخَصُّ باسم العابد. والمتصرف بفكره إلى قدس الجبروت، مستديماً لشروق نور الحق في سره يُخَصّ باسم العارف. وقد تركب كل واحد منها مع بعض، فزهد غير العارف عنده معاملة كأنه يترك متاع الدنيا الفاني لأجل أخذ متاع العقبى الباقي، وعبادة غيره عنده أجرة؛ لأنه يعمل في دار الغرور؛ لأجل أخذ الأجرة في دار السرور. أما زهده وعبادته، فمقدمتان مترتبتان لإنتاج مطلوبه؛ إذ بالتخلية والتحلية تحصل التجلية. ثم هاهنا أسرار تحت أستار، ليس للفطن بها إذن، ولا لسماعها في زماننا أذن، فالواجب صيانتها عن أعين الأغيار، وإبقاؤها على ما كانت مختفية تحت الأستار. ولما كانت الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - مبعوثين الإرشاد الخلائق، الداعين لهم إلى الخالق، وكانوا أكمل المخلوقات، وأعلَمَها بذات الخالق والصفات، كانت لهم حالتان: حالة أنسية، وهي حالة توجههم إلى قدس الجبروت؛ بحيث لا يخطر ببالهم شيء سوى الله تعالى، وليس لهم في ذلك نظر إلى واسطة، ولا شيء من ذلك، على ما أشار إليه بقوله: لي معَ اللهِ وقتٌ ٣٨٠