Indexed OCR Text

Pages 281-300

السلام - نداءه، وسكوته ساعة بين النداءين، لأجل تيقظ معاذ، وإقباله
على الاستماع بجوامعه، والإشعار بأن هذا الذي سيخبره به أمر عظيم
المقدار، جليل الشأن، بتأمُّل [كلام] المتكلم في الغاية إلى الغير،
وإبراره، بل الواجب كتمانه، ولكن لأجل أن القائل هو النبي المبعوث
ببيان الشرائع للخلائق بألطاف الخالق، المأمور بتبليغ جميع ما أنزل
الله تعالى عليه، والسامع من خُلَّصِ الأصحاب، العالم بمقادير
الأشياء، الفطن الذي لا يُظهر ما يَسْمع إلا بإذن القائل، يريد أن يظهر
إليه، ويعلمه ذلك.
وما ذكر النووي من أن التكرير للإفهام، وكان من عادة رسول الله وله
أن يكرر الكلام الواحد ثلاث مرات؛ ليفهم السامع ذلك، ويثبته، يوهم
أن النبي - عليه السلام - کرر الحدیث ثلاثاً. ولیس کذلك، بل کرر نداء
معاذ باسمه ثلاثاً، ولا حاجة فيه إلى التكرار للفهم؛ لأنه يعرف اسمه،
بل الوجه ما ذكرنا .
وأما فضل السؤال الثاني عن الأول، والتوقف بينهما ساعة،
فلأجل أن يتأمل معاذ في الكلام الأوّل، ويتفطن بتمام معانيه، وإن
خطر له شيء، يسأل عنه، فلما تأمل، ولم يسأل شيئاً، ألقى الثاني
إليه .
* قوله: (مَا حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ؟) الحق هو الثابت، ومنه يقال
لله تعالى: الحق؛ لأنه الثابت، الأزلي، الأبدي، الذي لا يجوز عليه
الفناء والزوال والموت. والساعة والجنة والنار حقّ؛ أي: ثابت واقع
٢٨١

لا محالة، ويقال: لفلان على فلان حق؛ أي: دَيْن ثابت، واجبُ
الأداء، فحق الله على العباد ظاهر؛ لأن له عليهم التوحيد والعبادة، بل
ملاك أمرهم العبودية، لأنهم خلقوا لأجلها .
وأمّا حق العباد على الله تعالى، فبالنظر إلى وعده، وسعة
رحمته، وتنزهه عن خُلف الميعاد، وإلا، فهو منزَّهُ عن وجوب شيء
عليه، بل كلُّ ما يفعل من إعطاء المثوبات فبفضله، ومن أصناف
العقوبات فبعدله؛ لأنه المالك المتصرف، يتصرف في ملكه كيف
يشاء، لا يجب عليه شيء قط، والتعبير عن فضله واقع إليه بالحق في
مقابلة عبادة العبد، وإقراره بالوحدانية، إما مشاكلة؛ كما قيل في قوله
تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، وإِمّا
بالنظر إلى ما كان واقعاً لا محالة، فيستحق أن يسمى بالحق، وفيه نوعٌ
تقوية لرجاء العبد، وزيادةُ ترغيب له في القيام على العبادة، وتنبيه على
أن الخالق المنزَّه عن الاحتياج إلى عبوديته إذ لم يضيع أجرَ طاعته،
ويجعله حقاً واجباً، فينبغي أن لا يضيع العبدُ المحتاجُ حقَّ ربه الخالق
الرزاق المنعم بأنواع النعم، المالك ليوم الحساب، القادر على الثواب
والعقاب، وأن يشتغل بجوامع جوارحه في جميع أوقاته.
قوله: (يُقَالُ لَهُ: عُفَيْرٌ) - بضم العين المهملة وفتح الفاء -،
وروى القاضي عياض العين المعجمة، ورده الشيخ أبو عمرو [بن]
الصلاح، وهو الحمار الذي مات في حجة الوداع، والظاهر: أن
السؤال عن معاذ كان مرتين: مرَّة حال كوّنه ردفه على بعير، وهو
٢٨٢

الأوّل، وأخرى ردفه على عُفير، وهو هذا.
واستدل الشيخ أبو عمرو بن الصلاح على ذلك بقوله في القضية
الأولى: (لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّ مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ)، وكأن الرحل لا يكون إلاّ
للإبل، وجوّز غيره اتحاد القضية، وقالوا على حذف المضاف؛ أي:
قدر موخرة الرحل، أو يجوز إطلاق الإكاف على الرحل، والظاهر
التعدد .
وفيه: بيان جواز ركوب الاثنين على الحمار، وإشعار إلى غاية
تواضع النبي ێ.
وأما تكرير السؤال، فلأجل التأكيد والإشعار بأن هذا سؤال
ينبغي أن يكون دائماً على الذِّكر؛ لأنه ملاك الأجر، وخلاصة
الشرائع.
وفيه: أنه إن جرى على خاطره شيء من إشكال بعد سماعه
أولاً، وبعد مرور المدة علیه، يسأل، ويكشف شبهته.
وأما عدم إقدام مُعاذ على الجواب بعدما سمعه أولاً، وعرف ما
هو، إِمَّا لأجل رعاية الأدب؛ حيث لم يجسُر على المقابلة بالجواب،
وإِمَّا لأجل أنه ظنّ أنّ الجواب شيء آخر غير الذي سمعه أولاً؛ إذ
الوحي لا يزال ينزل، ويجدد أمور الشرائع، ويتغير.
وبالجملة: ففي الرواية الثانية زيادةُ رجاء ليست في الأولى؛ لأنه
علَّق عدم التعذيب - هاهنا - بعدم الشرك فقط؛ حيث قال: (أن
لاَ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ بُشْرِكُ)، وفي الأولى (بِهِ) وبالعبادة.
٢٨٣

وهذا الحديث بطرقه على منوال قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا
يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾ [النساء: ٤٨] الآية، لكن
لما كان في الآية الغفران لغير أهل الشرك لا مطلقاً، بل بقيد المشيئة،
فليس فيها موجب الاتكال، وفي الحديث الصريح بعدم التعذيب
مطلقاً لمن لا يشرك من غير مُداخلة المشيئة والاحتياط إلى العمل،
و
وفيه شائبة الاتكال وترك العمل، فلذلك قال: (لاَ تُبَشِّرْهُمْ فَتَكِلَوا).
وأيضاً قول معاذ: (أَفَلاَ أُبَشِّرُ النَّاسَ؟) في هذه الرواية دون
الأولى يدل على أنه فَهِمَ من الأولى عدمَ التعذيب يتعلق بالتوحيد
والعبادة، وهذا مقرَّرٌ في القواعد، وليس فيه تخفيف حتى يكون
إخباره به للناس زيادة بشارته، وفهم من هذا الحديث أن مجرد عدم
الشرك سبب المغفرة.
وفيه بشارة، فلذلك قال: (أَفَلاَ أُبَشِّرُ النَّاسَ؟)، فلما رأى النبي
- عليه السلام - أنه فهم ذلك، نهى عن الإخبار، لئلا يكون سبباً لترك
العمل، وزيادة قوله في الجواب؛ حيث لم يقتصر على قوله: لا؛
لزيادة التأکید، ولئلا يتكلوا عليه.
وفيه: بيان سبب النهي؛ لئلا يذهب فهمه إلى أن سببه
شيء آخر.
قوله: (أَنْ يُعْبَدَ اللهُ، وَلاَ يُشْرَكَ بِهِ شَيْءٌ) في أكثر النسخ في
رواية محمد بن المثنى، وابن بشار: (يُعْبَدَ الله)، و(يُشْرَكَ)، و(شَيْءٌ)،
وذكر أبو عمرو بن الصلاح: أنه وقع في بعض الأصول: (شيئاً)
٢٨٤

بالنصب، وجهه: أن يعبد ويشرك على البناء للفاعل غيبةً؛ أي: يعبد
العبد، أو خطاباً؛ أي: تعبد أنت، والخطاب لمعاذ؛ لأنه إذا أثبت
ذلك في حقه، فقد ثبت [في] حق الجميع، أو يكون صفة للمفعول
المطلق على تقدير تعبد وتشرك مجهولاً؛ أي: تشرك إشراكاً شيئاً؛
أي: شيئاً من الإشراك، هذا حاصل كلامه.
وأنت خبير بأن على رواية المعلوم - يعني البناء على الفاعل -
ينبغي أن يكون قوله: (شيئاً) منصوباً البتة، وأما على المجهول،
فالحق الرفع؛ لأن المعنى عليه بلا تمثّل، وأما ما وقع في بعض
النسخ (تَعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً)، فلا غبار عليه، وتؤكده ضمائر
الجمع في قوله: (وَمَا حَقُّهُمْ)، و(فَعَلُوا)، و(لاَ يُعَذِّبَهُمْ).
* قوله: (ثنا الأشعث) هو ابن أبي الشعثاء سليم بن أسود
المحاربي الكوفيُّ.
عن أبيه، وأبي وائل، وجعفر بن أبي ثور، وجماعة.
وعنه شعبة، والثوري، وزائدة، وآخرون.
وثَّقَهُ أحمد، وغيره، وأخرج له الستة.
توفي سنة خمس وعشرين ومئة.
وأما شيخه، فهو (أبو سلام الأسودُ بن هلال) المحاربيُّ
الكوفيُّ، أدرك الجاهلية، وروى عن عمر، وعلي، وابن مسعود،
وجماعة.
٢٨٥

وعنه إبراهيم، وأبو حصين، والأشعث، وآخرون.
وثقه ابن معين، وأخرج له الستة إلا الترمذي، وابن ماجَهْ.
توفي سنة أربع وثمانين.
وأما (حسين) في الإسناد الآخر، فهو أبو محمد الحسينُ بنُ علي
ابنِ الوليد الجعفيُّ، مولاهم، الكوفيُّ الزاهدُ، أحدُ الأعلام.
عن الأعمش، وجعفر بن برقان، وفضل بن مرزوق، وزائدة،
وخلائق .
وعنه أحمد، وابن راهويه، وابن معين، وآخرون.
اتفق القوم على جلالة قدره، وغزارة فضله، وإتقانه وورعه،
وأخرج له الستة.
توفي سنة ثلاث ومئتین.
ووقع في بعض الأصول: حصين - بالصاد -، قال القاضي
عياض: وهو خطأ؛ إذ لا يعرف حصين - بالصاد - يروي عن زائدة.
* قوله: (نَحْوَ حَدِيثِهِمْ) الظاهر أن ضمير الجمع راجع إلى
محمد بن المثنى ومحمد بن بشار؛ إذ التثنية من الجمع، والمعنى: أنّ
حديث القاسم بن زكريا نحو حديثهما في الألفاظ.
ويحتمل أن يكون عائداً إلى أنس، وعمرو بن ميمون، والأسود
ابن هلال، والمعنى: أن حديث أبي حصين، عن الأسود، عن معاذ
نحو حديث أنس وعمرو بن ميمون، عن معاذ، والأشعث بن سليم،
٢٨٦

عن الأسود بن هلال، وإن كان الراوي في الطريقين واحداً، إلا أنه لما
كان في الطريق قبل هذا الأشعث مع أبي حصين، وفي هذا أبو حصين
وحده = جعله طريقاً آخر .
والحاصل: أن هذه الرواية مثل الروايات الثلاث المتقدمة.
وإذا جعل الضمير لشيوخ مسلم المار ذكرهم في الطرق الثلاث،
كان المعنى - أيضاً - كذلك، وفيه تعمية؛ إذ الألفاظ في الروايات
السابقة مختلفة؛ كما هو الظاهر، والغرض: بيان الألفاظ الواقعة في
هذه الرواية، وهو لا يبين حق التبيين إلا بجعل الضمير لمحمد بن
مثنى، وابن بشار حتى تصير هذه الرواية في الألفاظ والسياق مثل
الرواية التي قبلها.
* قوله: (حَدَّثَنَا عُمَرُ) هو أبو حفص عُمَرُ بْنُ يُونُسَ بنِ القاسم
الحَنَفِيُّ الیمانیُّ.
عن أبيه، وعاصم بن محمد، ومحمد بن عبدالله بن طاوس،
وجماعة .
وعنه ابن المثنى، وبندار، وعمرو الناقد، وخلق.
وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الستة.
وأمّا شيخه، فهو: (أبو عمار) عكرمة بن عمار الحنفي، اليماني،
من الأعيان.
عن الهرماس بن زياد، وعطاء، وطاوس، وجماعة.
وعنه شعبة، وسفيان، ويحيى القطان، وابن مهدي، وخلائق.
٢٨٧

وَثَّقَهُ القوم، وكان من عباد الله الصالحين، وأخرج له الخمسة،
والبخاري تعليقاً.
وعن يحيى القطان: أنه ليَّنه .
توفي سنة تسع وخمسين ومئة.
وأمّا شيخه، فهو: (أبو كثير) يزيد بن عبد الرحمن بن أذينة
العنبري، اليماني، الضرير.
عن أبي هريرة، وجمع.
وعنه ابنه زفر، والأوزاعي، وأيوب بن عتبة، وجماعة.
وَثَّقَهُ أبو داود، وأبو حاتم، وأخرج له الخمسة، والبخاري
تعليقاً.
قوله: (بَيْنِ أَظْهُرِناً) في أكثر الأصول: (أَظْهُرِنَا) في الموضعين،
وفي بعضها في الثاني : (بين ظَهْرَينا) بتثنية الظهر، وكلاهما صحيح.
قال في ((الأساس)): يقال: فلان نازل بين ظَهْرَيْهِمْ، وظَهْرَانَّهِمْ
وأَظْهُرِهِمْ؛ أي: فيهم، والأظهر جمع على معنى: أن إقامته فيهم على
سبيل الاستظهار والاستناد، ثم زيدت الألف والنون على ظهر عند
التشبيه للتأكيد، أو كأن معنى التثنية: أن ظهرانيهم قدامه، وآخر
وراءه، فهو مكتوف بين جانبيه، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين
القوم مطلقاً، وإن لم يكن مكتوفاً.
* وقوله: (أَنْ يُقْتَطَعَ)؛ أي: يصاب بمكروه من عدو ونحوه.
٢٨٨

* قوله: ((وَفَزِعْنَا)) قال القاضي عياض: الفَزَعُ يستعمل بمعنى:
الرَّوْعُ، وبمعنى: الثبوت للشيء، والاهتمام به، وبمعنى: الإغاثة،
وتصح هذه المعاني الثلاثة هاهنا. هذا كلامه، وتبعه النووي - أيضاً -.
وقال القرطبي: هو من الإقبال على الشيء، يقال: فزعنا؛ أي:
تركنا ما كنا فيه، وأقبلنا على طلبه، من قولهم: فزعت إلى كذا: إذا
أقبلت عليه، وتفزعت له، قال الشاعر :
فَأَلَفَيْتُكُمْ فِيهَا كَرِيماً مُمَجَّدًا
فَزِعْتُ إِلَيْكَمْ فِي بَلاَيَا تُنُوبُني
واستدل على ذلك بقوله: (فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ)، وبقوله:
(فَفَزِعْنَا) بالفاء بعد قوله: (وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا) الدالة على التثبت،
وهو وجه إن ثبت الاستعمال فيه.
والبيت الذي أورده شاهداً، الفزع فيه بمعنى: الالتجاء، يقال: فزع
إليه: إذا التجأ، ولا يقال بدون اللام، والظاهر: أنه بمعنى الروع، عطف
على قوله: (خَشِينًا)، والواقع في الأصول التي في بلادنا بالواو لا بالفاء
كما ذكره، وعلى أنه - وإن كان بالفاء -، فهو لا يدل على التسبب، بل
على التعقيب؛ لأن الفزع أقوى من الخشية، فيعقب ذلك لها.
* قوله: (مِنْ بِثْرِ خَارِجَةٍ) الرواية المشهورة بتنوين (بِثْرِ)،
وخَارِجَةٍ على الصفة؛ أي: بئر خارجة من الحائط، وكذا وجد في
الأصل المأخوذ عن الجُلُودِيّ، وكذا نقل الشيخ أبو عمرو بن الصلاح
عن خط الحافظ ؛ أي: أبي عامر العبدري.
٢٨٩

وذكر الحافظ أبو موسى الأصفهاني هذه الرواية، ورواية بئر
بالتنوين، وخارجَهُ بالإضافة؛ أي: بئر خارج الحائط .
واختار صاحب ((التحرير)) أن الرواية إضافة بئر إلى خارجةً بالتاء:
اسم رجل، والمراد بالبئر: البستان؛ کما یقال: بئر بُضاعة، وبئر أُرِیس،
وغيرهما، وتركيب الكتاب أشد طباقاً على الرواية الأولى، وهي
المشهورة - أيضاً - من الروايات.
قوله: ((فَاحْتَفَزْتُ)) الرواية، وهي المشهورة بالحاء المهملة
والزاي المعجمة، وهو المروي - أيضاً - عن الأسدي، عن أبي الليث
الشاشي، عن عبد الغافر الفارسي، عن الجُلُودِيِّ، وكذا هو في الأصل
الموجود بخط العبدري. والمعنى: تَضامَمْتُ للدخول في مضيق
الجدول، ومنه حديث علي: (إذا صلت المرأة، فلتحتفز)؛ أي:
لتضامم، وتزوي إذا سجدت، ويدل عليه: تشبيهه إياه بفعل الثعلب،
وهو تضاممه للدخول في المضائق
وقال القاضي عياض: رواية عامة شيوخنا عن العبدري في هذه
الكلمة في المواضع الثلاث - بالراء المهملة - من الحفر.
وقال صاحب ((التحرير)): الرواية بالراء المهملة؛ أي: بحثت
وفتشت فدخلت، والأولى أشهر وأوضح.
قوله: (قَالَ: اذْهَبْ) قيل: إن تكرير (قَالَ) لأجل طول الكلام
بوقوع الفصل بقوله: (يَا أَبَّا هُرَيْرَةَ!)، وَ(أَعْطَانِي نَعْلَيْهِ)، ومثله قوله تعالى:
﴿وَلَمَّا جَآءَ هُمْ كِنَبُ مِنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوْمِن قَبْلُ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ
٢٩٠

فَلَمَّا جَآءَهُم ◌َا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]: أن قوله: ﴿فَلَمَّا
جَآءَهُم﴾ تكرير للأول، وهذا يوهم أن قوله: (قَالَ) زائد في المعنى، كما
أن الأصل في الآية: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِنَبٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا
مَعَهُمْ﴾، وعرفوا، ﴿كَفَرُواْ بِهِ﴾ على قول من يقول بالتكرار، وقوله:
﴿وَكَانُواْ مِن قَبْلُ﴾ إلى آخره جملة حالية، وليس كذلك؛ لأن فيما نحن فيه
جواب أبي هريرة محذوف، والتقدير: قال: يا أبا هريرة! قلت: لبيك،
وأعطاني نعليه، وقال: فاذهب، على الرواية، وحذف الواو في قوله:
(قَالَ) عطفاً على (أعطاني)، وعلى الرواية التي لا توجد، فالوجه أن (قَالَ)
استئناف، كأنه لما ناداه، وأعطاه نعليه، قال أبو هريرة: ما أصنع بهما؟ قال:
فاذهب، وهذه الرواية أقوى من الأولى من حيث إن الاستئناف أقوى
الوصلين، كما قيل: في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَ مَكَانَتِكُمْ
إِنّ عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٥]: إن الأوّل أقوى لأجل
الاستئناف.
وأمّا إعطاء النعل، فلأجل أن يَعْلَم الناس أنه رأى رسول الله وَّر،
وأخذ نعلیه؛ ليعتقدوا أن قوله هذا من رسول الله، ویکون ذلك أقوى
دَاعٍ لهم إلى القبول.
وفيه: دليلٌ على جواز تفصيل خبر المخبر الواحد بالقرائن، وإن
کان لا یفهم.
وفيه: اعتبار القرائن والعلامات، والعمل على ما تقتضيه من
الأعمال والأحكام.
٢٩١

وأمّا اختيار النعل، فلأنه ليس عنده شيء آخر زائد يمكن أن
يُعطی؛ إذ لیس علیه من الثياب إلا ما يُحتاج.
و- أيضاً -: النعل في الأكثر الأوقات في يد أبي هريرة وأضرابه،
فأعطاه ما هو عنده.
و - أيضاً -: إعطاء النعل التي هي آلة المشي الذي يحصل
الدخول مناسب لأن يكون علامة البشارة لدخول الجنة.
* وأما قوله: (فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الحَائِطِ)، فقيل: خاص
بالذين كانوا مع النبي ◌ّ في المجلس حين قام من بين أظهرهم،
ولاشك أنهم من أهل الجنة، ولهذا قيد بقوله: (مِنْ وَرَاءِ هَذَا الحَائِطِ)
بعدما ذكر أبو هريرة: أن الناس من ورائه بتعريف الناس، وتذكير
المجلس، ولهذا ترجم البخاري على هذا الحديث بقوله: (من خصّ
بالعلم قوماً دون قوم كراهية أن لا يفهموا). واعترفت بأنه - على هذا
التقدير - لا حاجة إلى قبول النبي - عليه السلام - قولَ عمر، بل
الجواب له أن يقول: هذا خاص بجمع مخصوص ليس فيهم.
وأجيب: بأن عمر لما فهم عدم التخصيص، بل فهم منه العموم،
علم النبي - عليه السلام - أن غيره - أيضاً - يفهم ذلك، ويحصل للناس
بسبب ذلك الاتكال.
وقيل: عام، والقيد مُلْغَى، والمراد: هم وكلُّ من شاركهم في
التلفظ بالشهادتين، واستيقانِ القلب بهما، وهذا لا ينافي المنع ثانياً؛
٢٩٢

لأن دخول الجنة يحصل بالمذكور، ورفع الدرجات والنجاة المطلق
بإقران الأعمال به، كما مر، واليقين هو: العلم الراسخ في القلب،
الثابت فيه، يقال منه: يَقِنْتُ الأمرَ - بالكسر - يقيناً، وأيقنت،
واستيقنت، وتَيَقَّنت، كله بمعنى، ويستعمل الظن بمعنى اليقين لنكتة؛
كما في [قوله] تعالى: ﴿يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلَقُواْ رَبِهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] الآية،
وبالعكس؛ كما في قول الشاعر:
بِهَا مُفْتَدٍ مِنْ وَاحِدٍ لاَ أُغامِرُهْ
تَحَسَّبَ هَوّاسٌ وأيْقَنَ أنَّنِّي
* قوله: (فَقُلْتُ: هَاتَيَنِ نَعْلاَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿) هكذا الرواية في
الأصول بنصب (هاتين)، ورفع (نعلا)، وقالوا: التقدير يعني هاتين
هما نعلا رسول الله وَّة، بتقدير يعني، والمبتدأ.
والحق في الجواب: أن يقول أبو هريرة: نعلا رسول الله وَّقه؛
لأن عمر به لما قال له: «مَا هَاتَانِ النَّعْلاَنِ؟» يكفي في الجواب أن
يقول: نعلا رسول الله بخير، وإنما زاد (هاتين)، ونصب، ولم يقل:
هاتان ليكون مبتدأً؛ إشعاراً بالاختصاص، وبياناً بأن هاتين النعلين
لهما شأن في هذه السّاعة، ليس لهما ذلك في غيرها من الأوقات،
وهو أنهما علامة البشارة العظيمة، فيستحقان أن يُخَصَّا بالذكر، وإِمَّا
لأنه لمَّا فقدوا رسول الله وَّة، ودخلهم الفزع بسبب بطء رجوعه إلى
مجلسهم، وقاموا للفحص عن حاله، ثم رأى عمر ظلاله نعلين في يد
أبي هريرة، جرى في خاطره شيء، بأنه خرج يطلب رسول الله وَلته،
٢٩٣

وقد رجع عن قريب بنعلين في يده، فما بالهما؟ فقال: (مَا هَاتَانِ
النَّعْلاَنِ؟) فلما سمع أبو هريرة سؤاله، وكان السؤال عن النعلين ليس
بمقصود في الغالب؛ لأنه كثيراً ما يحفظ نعلي الرسول - عليه السلام -،
كررّ اسم الإشارة؛ ليتحقق المسؤول عنه، كأنه قال: أسألُ عن هاتين،
ثم أجاب بقوله: (نَعْلاَ رَسُولِ اللهِ وَّر)؛ أي: هما نعلاه - عليه السلام -
كما قيل: في قوله تعالى: ﴿هِىَ عَصَاىَ﴾ [طه: ١٨] في زيادة الضمير،
وقوله: (بَعَثَنِي بِهِمَا) في بعض النسخ بالتثنية، وهو ظاهر، وفي
بعضها: (بها)، فالوجه إجراء التثنية مجرى الجمع؛ لأنها من واديه،
أو جعل النعلين بمنزلة العلامة؛ لأنهما علامة البشارة، كأنه قال:
بعثني بهذه العلامة .
* قوله: (فَضَرَبَ عُمَرُ بَيْنَ ثَدْيِيَّ) الظاهر أن عمرَلُه لما سمع،
وخطر بباله أن المصلحة في كتمان هذا الأمر أقوى وأكثر، ورأى
عَرْضَ ذلك على النبي - عليه السلام -، وأراد منعَ أبي هريرة عن
الإخبار قبل مراجعته النبيَّ - عليه السلام -، وقد رأى غايةَ بشاشته،
ونهاية مبالغته في الإخبار بهذه البشارة، حتى إنه لو منعه، ويقول له :
المصلحة في الكتمان، إلى أن يتكلم مع الرسول - عليه السلام - كرّة
أخرى، لربما لم يسمع منه ذلك، ويصرُّ على امتثال أمر النبي - عليه
السلام -، والحال أن الصحابة الحاضرين في المجلس كلهم على إثره
يطلبون النبي - عليه السلام -، فإذا قال له هذا، وراجعه هو بالجواب،
والثبات على الإبلاغ، لطال الكلام بينهما، وتحضر جماعة من
٢٩٤

الصحابة، ويسمع الجميع ذلك، وفاتت مصلحة الكتمان، = قدّمَ
الفعلَ على القول، وضربه بين ثدييه ضربة، وقال له: (ارْجِعْ)، وراح
على فوره إلى النبي - عليه السلام - لإخباره بما خطر في قلبه من
المصلحة، وأن أبا هريرة لما رأى فعلَ عمر في وقت كان مأموله منه
التعظيم والترغيب، وإظهار البشاشة والسرور عند سماعه منه الخبر
الذي هو المقصود الأصلي الذي ليس وراءه شيء، تعجب من فعله،
ورجع هو - أيضاً - على فوره، وغلبه البكاء، وتغير حاله، وغرض
عمر أيضاً - في ضربه إياه ذلك لأنه إذا لم يوقعه في الحيرة، لما
يرجع من فوره، وليفوت غرض الكتمان.
ويحتمل أن عمر سمع كتمان نحو هذا الخبر من النبي - عليه
السلام -، كما مر في حديث معاذ، وأن أبا هريرة - أيضاً - سمع ذلك،
ولمَّا أمر النبيُّ - عليه السلام - أبا هريرة بهذه البشارة لمصلحة، رأى
في ذلك، ولم يكن في خاطر أبي هريرة أمر النبي - عليه السلام -
بكتمان نحو هذه البشارة، أو كان في خاطره، ولكن ما سأل النبي
- عليه السلام - لتحصل له فائدة كيفية الجمع بين الأمرين، فلما فاته
هذا التيقظ، ضربه عمر تأديباً وتذكيراً.
وفيه: الدلالة على غاية صلابة عمر ظُه في الدين، ونهاية توتّله
في مسالك اليقين، وأنه يريد بجميع الصحابة، بل بجميع المسلمين
الفوز الأعلى، والنجاة الأقصى، والمراتب العالية في جنة المأوى؛
حيث اهتم بأمرهم، ورأى كتمان هذه البشارة مصلحةً لهم؛ لئلا يميلوا
إلى الكسل وتركٍ العمل، فيفوت بذلك إلى تلك الدرجات، بل ربما
٢٩٥

يزول إيقان القلب بكثرة ترك الطاعة، ويحصل الهلاك الكلي.
وفيه: جواز منع المفضول أمر الفاضل إلى حين بلوغه إلى خدمته
إن رأى أن ترك المنع يفوّت الغرض.
وفيه: جواز عرضه على الفاضل خلافَ رأيه، إن رأى ذلك؛
لينظر الفاضل في الذي رآه المفضول.
وفيه: أن على الفاضل الاقتداء برسول الله أشرفِ الخلق، المؤيد
من الحق؛ في نظره إلى أقوال جماعة دونه في الفضل بمراتب،
وإصغائه [إلى] أقوالهم، والعمل بها، إن رأى المصلحة في ذلك.
وفيه: منقبة جليلة لعمر ظُه؛ حيث صوَّب النبيُّ - عليه السلام -
رأيه، وكثيراً ما وقع له حظه ذلك، على ما سيجيء في مواضعه،
ولذلك سماه النبي - عليه السلام -: مُحَدَّثاً.
هكذا ينبغي أن يفهم هذا الموضع، ولا يلتفت إلى خرافات
الرافضة، وتمسكهم بهذا الحديث على مخالفة عمرَ أمرَ النبي - عليه
السلام - في حياته، وضربِهِ الصحابيَّ المبعوثَ بتلك البشارة
العظيمة، وبخله وحده على فوز الناس، وخلاصهم عن العذاب
والنكال، وغير ذلك من أباطيلهم، وإسنادهم الأمور القبيحة إلى
الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين -، وغرضهم في أكثر هذه
الكلمات: بيان أن النبي ◌َّه وصى الخلافة لعلي ظُه، وأن هذا أمر
مشهور بين الصحابة، ولكن لما كان لعمر ميل إلى الخلافة، أَغرى أبا
بكر، وحرَّضه على قبول بيعته معه، علماً منه بأنه لو طلب ذلك لنفسه
٢٩٦

أولاً، لم يَستتب له الأمر، فجعل أبا بكر ملواحاً لأمره، وبايع معه،
فلما احتضر أبو بكر، أوصى إليه؛ مجازاة لصنيعه، وحصل له المرام،
وجعلوا هذا الحديث ذريعة إلى إثبات هذا الغرض، وزعموا أن دأب
عمر ته مخالفة أوامر النبي - عليه السلام - في كل ما يخالف رأيه،
فإذا كان قادراً على مخالفة أمره في حياته، فمخالفته ذلك بعد وفاته
أسهل.
وأنت خبير بأن رأس مال هذه الطائفة الافتراءُ، والوقيعة في
السّلف، ومذهبهم الفاسد واعتقادهم الكاسد جديرٌ بأن لا يُذكر في
كتاب، ولا يتوجه إليه خطاب، ولكن لما كان في بعض المواضع نوعُ
خفاء في بطلان قولهم، أو في ظاهر الحديث نوعُ مظنة لذلك، نريد
بيان رد ما تمسكوا به؛ ليكون إرشاداً لمن لم يكن تدربَ لصناعة
الكلام، وعلمَ بأحوال الخاص والعوام.
* قوله: (فَخَرَرْتُ لإِسْتِي) هو من أسماء الدُّبُر، والمستعمل في
الكتاب العزيز، والأحاديث النبوية في أكثر المواضع: الکنایةُ عنه وعن
أمثاله، واستعمال ألفاظ حسنة يؤدّى بها المقصود، وذلك يختلف
بحسب المقامات؛ فإن أبا هريرة لما وقع له التحير من صنع عمر،
ورأى خلاف ما يتوقع منه، جرى في خاطره - قبلَ إطلاعه على حقيقة
الحال، وقبول النبي - عليه السلام - رأيه - إنكارُ فعله، وقبحُ صنعه؛
لأنه فعل بغير إذن النبي - عليه السلام -، وهو مبشر بأمره - عليه
٢٩٧

السلام -، فعبر عن فعله بلفظ فيه قبح مناسبة لما اعتقد من قبح
فعله، كما قيل في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَاءِ الرَّفَثُ إِلَى
نِسَآَبِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية، إنما عبر بالرفث، مع أنه معبر في الكتاب
العزيز بالإتيان، والغشيان، والقربان؛ إشارة إلى قَبح فعلهم؛ لصدوره
قبل الإذن، وكذا في قوله - عليه السلام -: ((أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ))
الغرض: بيان فعل قبحه، وحصول الضراط القبيح عنه عند سماعه
أحسن الأصوات، وهو صوت المؤذن.
وفي إيراد أبي هريرة لفظ: (ضَرْبَةً) بعد قوله: (فَضَرَبَ بَيْنَ
تَدْيِيَّ) عند حكاية فعل عمر ◌ُّه للنبي - عليه السلام -، وتنكيره على
وجه التعظيم، وكذا قوله: (بَيْنَ ثَدْيَيَّ) شواهد صدق على أن غرضه:
بیان قبح فعله، وكذا إجهاشه بکاءً، وذكره الخرور.
وما قيل: إنما ذكر ذلك اللفظ الذي فيه القبح؛ إزالةً للالتباس،
ونفياً للمجاز والاشتراك، فغيرُ مناسب؛ إذ ليس فيه بيان حكم حتى
يحتاج إلى ذلك، بل كفاه أن يقول: منعني عمر، أو ضربني، وقال لي:
ارجع، وأمثاله، والاستشهاد بقوله تعالى: ﴿الَّانِيَّةُ وَلَّانِ﴾ [النور: ٢]،
وأمثالها مما فيه بيان الأحكام، ولنفي الارتياب؛ كما في قوله تعالى:
﴿وَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٧] الآية؛ أي: عليها، كأنه ضربه في صدره،
فوقع على استه، وفسَّره القاضي؛ أي: سقطت على وجهي، وهو بعيد.
* قوله: (فَأَجْهَشْتُ)، وفي بعض النسخ: (فَجَهَشْتُ)، وكلاهما
٢٩٨

صحيح، يقال: أَجْهَشَتْ نفسُه، وجَهَشَتْ: إذا نهضت إليه، وهمَّ
بالبكاء، ويقال: فلما رآه، جهش إليه؛ أي: نهض إليه فزعاً، وفي
المثل: ما كانت بهشة إلا وكانت جهشة؛ أي: عبرة.
والمعنى: فلما فعل عمر ذلك، نهضت إلى رسول الله ◌َ ليه بكاء؛
أي: لأجل البكاء، وفي بعض النسخ: (للبكاء)، وكلاهما واحد،
وإنما ذكر البكاء، مع أن الإجهاش فيه ذلك؛ إظهاراً للمقصود، وبياناً
لغاية بكائه فعله فيه، ودفعاً لما عسى يتوهم أن النهوض للفزع فقط من
غير إرادة البكاء.
: قوله: (وَرَكِبَنِي عُمَرُ)؛ أي: جاء متعاقباً في الساعة من غير
مهلة .
وفيه: إشعار إلى استيلائه عليه بالغلبة، وتطاوله عليه، وإيماء
- أيضاً - إلى ما قاله من المكروه سبب ضربه، وخفاء الحال عليه بأنه
لأجل مصلحة دينية لا لشيء آخر. يقال: ركبه بالمكروه: إذا وصل
إليه ذلك.
وفيه: رمز - أيضاً - إلى أن فعل عمر لا عن رويَّة بناءً على ظنه؛
لخفاء ما قصده عمر علیه.
يقال: فلان يمشي الركبة؛ أي: مسرعاً بها بما لا يدري أين يضع
قدمه، ويستعمل - أيضاً - في كل فعل سوى المشي، إذا كان لا على
رَوِيَّة وفكر.
٢٩٩

وفي حديث حذيفة - على ما في بعض الكتب -: ((إِذا صِرْتُمْ
تَمْشُون الرَّكَبَاتِ، كأَنكم يَعاقِبُ الحَجَّلِ، لا تَعْرِفُونَ مَعْرُوفاً، ولا
تُنْكِرُونَ مُنْكَراً) وارد على هذا المعنى، وقد صحح بعض الناس:
(ورَكَبَنِي) - بفتح الكاف - من قولهم: ركبته: ضربت ركبته، على
معنى : جاء ضارباً ركبتي، أي: معاً من غير توقف.
: وقوله: (فَإِذَا هُوَ عَلَى أَثَرِي) فيه بعض النبو لهذا المعنى،
والرواية أيضاً تأباه.
* قوله: (بأبي أَنْتَ وَأُمِّ) فيه جواز مثل هذا القول، وهو شائع
مستفيض في كلام العرب، وقد وردت به الأحاديث في الكتب
الصحاح، ولا فرق بين أن يكون المفدَّى به مسلماً، أو كافراً، حياً، أو
ميتاً، وقد كره بعض الناس الفداء بالمسلم، وبعضهم بالميت،
و
والصحيح ما قلنا.
* قوله: (فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ) الأوجه أن تكون الفاء فصيحة؛ إذ
فيها دلالة على تقدير شيء، فيكون دالاً على زيادة المعنى، والتقدير:
فإذا كان الاتكال مذموماً، خلهم يعملون، وهو على طريقة قوله:
ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنَا خُرَاسَاناً
قَالُوا خُراسَانُ أَقْصَى مَا يُرادُ بِنَا
* قوله: (مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ
وَرَسُولُهُ، إِلاَّ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ) معناه: ما من أحد يفعل هذا الفعل
إلا قد يحصل له هذا الأجر.
٣٠٠