Indexed OCR Text

Pages 261-280

وقلة الزاد فيما بينهم، حتى جعلوا قوت الإبل قوتهم.
* قوله: (حَتَّى مَلأَ القَوْمُ أَزْوِدَتَهُمْ) هكذا الرواية، ونقل القاضي
عياض: أن الرواية في جميع الأصول - أيضاً - كذلك. وقال: سمَّى
الأوعية أزودة باسم ما فيها مجازاً.
وقال أبو عمرو بن الصلاح: على حذف المضاف، والتقدير:
أوعية أزودتهم، وقيل: (القَومَ) منصوب، وفاعل (ملأ الأزودة)
(القومُ)، والمعنى: ملأ الأزودةَ القومُ، فلمّا فصل القوم بين الفعل
والفاعل، حذفت علامة التأنيث؛ كما في الرواية الثانية: (أَصَابَ
النَّاسَ مَجَاعَةٌ)، ومثله كثير، والأصل: ملأت الأزودةُ أوعيةَ القوم،
وفي إسناد الإملاء إلى الأزودة وحذف المضاف ــ وهو الأوعية - إشعار
بكثرة الزاد، وأن الله تعالى قد جعل البركة فيها بسبب دعاء النبي وَ ار،
حتى صارت الأزودةُ الحقيرة القليلة بمثابة: ملأت عيون القوم
وعاءهم، وهذا أحسن من الوجهين الأوّلين، لو صحّت الرواية بنصب
(القوم)، والمسموعة: الرفع، ويحتمل أنه من باب حمد فلانٌ
الطعامَ؛ أي: وجده محموداً، والمعنى: حتى وجد القوم أزودتهم
مِلاءً؛ أي: كثيراً، وفي هذا من المبالغة ما ليس في قوله: (ملأ القومُ
أوعيتهم)؛ لأن المعنى: وجدوا أزودتهم كثيراً؛ بحيث [ملأت] جميع
ما لهم من الأشياء عيناً وبطناً ووعاء.
* قوله: ((فَقَالَ))، أي: رسول الله وَّهِ: ((أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ،
وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ) لما ظهرت هذه المعجزة الباهرة، والنعمة الظاهرة،
٢٦١

تشهَّد النبي - عليه السلام - شكراً لله، وأومأ بقوله: (وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ)
إلى أن صدور هذه العجائب لأجل كونه رسولاً من الله الذي أرسله
بالهدى ودين الحق، وأنه لا يضيعه ولا يضيع من اتبعه في الدنيا
والآخرة، كما صرح في قوله: ((إِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي الله)
الحديث .
وفي حديث أبي عمرة الأنصاري: أنه - عليه السلام - دَعَا بعد
ذلك بِرَكْوَةٍ، فَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءِ، فَصَبَّهُ فِيهَا، ثُمَّ مَجَّ
فِيهَا، فَتَكَلَّمَ بِمَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ، ثُمَّ أَدْخَلَ خِنْصَرَهُ فِيهَا، فَأَقْسَمَ
بِاللهِ! لَقَدْ رَأَيْتُ أَصَابِعَ رَسُولِ اللهِوَ له تَفَجَّرُ يَنَبِيعَ مِنَ المَاءِ، ثُمَّ أَمَرَ
النَّاسَ فَشَرِبُوا، وَسَقَوْا، وَمَلُوا قِرَبَهُمْ وَأَدَاوِيَهُمْ، لا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا أَحَدٌ
يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلا دَخَلَ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ.
ثم لما أومأ إلى هذا المعنى، صرح بعد ذلك، فقال: (لاَ يَلْقَى اللهَ
بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٌّ فِيهِمَا إِلَّ دَخَلَ الجَنَّةَ).
وفيه: أن اتباعهم إياه، وقبولهم طاعة الله تعالى وطاعته، كما
كان سبب نزول البركة وإسباغ النعمة في الدنيا، كذلك الثبات على
ذلك حتى يكون موجوداً في وقت لقاء الله تعالى سبباً لدخول الجنة
الذي هو من أجلِّ النعم، وأوفر القسم في العقبى.
وقيد بقوله: (غَيْرَ شَاءٌّ) إشارة إلى أن الإقرار باللسان لا يكفي
في تحصيل هذه النعمة العظمى، بل الواجب الاعتقاد الجازم الثابت،
٢٦٢

فإذا كان بالشك لا يحصل المقصود، فما ظنك بحال المنافقين
الجازمین علی خلاف ما يظهرون؟
وفيه - أيضاً -: نوع تحذير للذين يتخلفون عن رسول الله،
وتعريض بأنهم غير جازمين، بل ربما يدخل في عقائدهم شك حتى
تخلفوا، وظنوا أن لا يحصل للنبي - عليه السلام - والمؤمنين الفتح
الجليل في الدنيا، والأجر الجزيل في الأخرى؛ لأن التوجه كان في
حال العسرة، وشدة الحر، وقلة الأسباب، وكثرة العدو، وبُعد
المسافة .
وفي تخلف الثابت على الإيمان؛ الجازم على ذلك مع القدرة
على الخروج، تقصيرٌ ونوع إصغاءٍ إلى قول المنافقين: ﴿لَا تَنْفِرُواْ فِي
الْخَرِّ﴾ [التوبة: ٨١] الآية، ولهذا أمر النبي ◌َّ القوم بهجرانهم إلى أن
تاب الله عليهم، على ما سيجيء بيانه - إن شاء الله تعالى -.
قوله: (لَمَّا كَانَ يَومُ غَزْوَةِ تَبُوكَ) هكذا الرواية في بعض
الأصول.
قال النووي: المراد باليوم: الوقت والزمان، لا ما بين طلوع
الفجر وغروب الشمس، فالمعنى: لما كان زمان تلك الغزوة، وليس
في كثير من النسخ ذكر اليوم، وهو ظاهر.
(فادَّهَنَّا) قال صاحب ((التحرير)): ليس المراد ما هو المعروف
من الادِّهان، بل أخذ الدهن من شحومها، والمعنى: لو أذنت لنا،
فنحرنا نواضحنا، فأكلنا لحومها، وادَّخرنا شحومها، فنأكلها بعدها،
٢٦٣

وفي (لَوْ أَذِنْتَ) أدب حسن؛ حيث طلبوا الإجازة بنوع حسن، فيه
لطف .
وفيه: لا يجوز للغازي إتلاف شيء من أدوات الحرب من الطير
وغيره، بدون إذن الإمام.
وفي زيادة لفظة: (لَهُمْ) في قوله: (دعوتَ لهم) إيماءٌ إلى أن
دعاء البركة لأجلهم خاصة؛ لأنهم اضطروا إلى نحر دوابهم مع قلتها،
وفيه: نوع تفويت الغرض الذي هو الجهاد، وإظهار عجز الاشتغال
به .
قوله: (لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذَلِكَ) حَذَفَ المفعول؛ إما
لكونه معلوماً مذكوراً سابقاً، وهي البركة، وإِمَّا لتذهب نفسُ السّامع
كل مذهب ممكن، فيقدم كل ما يليق بالمقام من البركة والكثرة،
والخير والزيادة، ونحوها، ويؤيد الأوّل: ما مر في حديث أبي عمرة:
(فَإِنَّ اللهَ سَيُبَارِكُ لَنَا فِي دَعْوَتِكَ).
ولفظ: (في ذلك) إشارة إلى فضل أزوادهم، ولم يقل: فيه؛
نظراً إلى تفرق فضل الأزواد وتنوعه.
ويحتمل أن يكون راجعاً إلى الدعاء، والتعبير بذلك للتعظيم؛
كما في ﴿ذَلِكَ الْكِتَبُ﴾ [البقرة: ٢]، والمعنى: لعل الله أن يجعل في
دعائك معجزة ظاهرة، وهي تكثير الشيء القليل، وهذا أوجه؛ لأن
غرض عمر ظه: حصول البركة في الأزواد القليلة؛ بحيث يكفيهم،
ويمنعهم عن نحر نواضحهم، ولا يكون ذلك إلا بالمعجزة؛ إذ تكثير
٢٦٤

الشيء القليل بلا إدخال شيء آخر عليه = خارقٌ للعادة البتة.
قوله: (وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكِسْرَةٍ) يحتمل أن يراد بها: كسرة
الخبز، وهو المعروف، وأن يراد بها: النوى؛ لأنها تكسر لأجل علف
الإبل، وفي ذكر الكف هنا نوع إيماء إلى أن المراد: النوى، وإشعار
بعدم الاعتداد بها، کما مر في روایة مجاهد.
، قوله: (فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا)؛ يعني: بعد ما ملأ القوم جميع
أوعية العساكر، بقيت منها بقية، فأكلوا منها حتى شبعوا، وفضلت بعد
ذلك فضلة منها .
وفي ذكر هذه الفضلة - بعد ذكر جمع أزوادهم - نوع رمز إلى أن
البركة الحاصلة فيها، والكثرة الموجودة بمثابة حصلت للقوم بسببها
القوت الكامل، والزاد الوافر، حتى ملؤوا جميع الأوعية وبطونهم، ثم
بقي بعد ذلك كله مثل فضل أزوادهم الذي جاؤُوا أوّلاً .
، قوله: (فَيُخْجَبَ) روي بالنصب، وهو الوجه، فإنه بإضمار
(أن) بعد الفاء جواب النفي، وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف،
وفيه نوع تعسّف؛ إذ يحتاج إلى تقدير شيء آخر؛ لأن بدون التقدير
يكون المعنى: يحجب ويمنع من الجنة، وهو خلاف المقصود،
وتقديره حتى يكون المعنى: لا يحجب = بعيدٌ؛ لأن (لا) تحذف في
مثل هذا.
* قوله: (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) هو بضم الراء وفتح الشين
٢٦٥

المعجمة، أبو الفضل الخوارزمي، سكن بغداد.
عن إسماعيل بن جعفر، وهشيم، وجماعة.
وعنه بقي بن مخلد، وأبو زرعة، وخلائق.
وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الستة إلا الترمذي.
توفي سنة تسع وثلاثین ومئتين.
وأمّا شيخه، فهو (أبو العباس الوليد بن مسلم الدمشقي)،
صاحب الأوزاعي.
عن ابن عجلان، وابن جريج، وابن حبان، وخلائق.
وعنه أحمد، وابن راهويه، وابن المديني، وآخرون.
وَثَّقَهُ القومِ، وأثنوا عليه، وأخرج له الستة، وربما نقموا عليه
بالتدلیس.
توفي سنة أربع وتسعين ومئة.
وأمّا شيخه، فهو (أبو عتبة عبد الرحمن بن يزيد بن جابر
الدمشقي).
عن أبيه، ومکحول، وخلائق.
وعنه ابنه عبدالله، وابن المبارك، ويحيى بن حمزة، وآخرون.
وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الستة.
وقال أحمد: ليس به بأس.
وأمّا شيخه، فهو (أبو الوليد عمير بن هانىء الدمشقي).
عن أبي هريرة، ومعاوية بن صالح، وخلائق.
٢٦٦

وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الستة.
وأمّا شيخه، فهو (عبدالله بن حمادة بن أبي أمية الشامي)،
اختلف في صحبته، ولأبيه صحبة.
عن عمر، وعلي، ومعاذ، وجماعة من الصحابة والتابعين.
وعنه ابنه سليمان، وبشر بن سعيد، وخلائق، أخرج له الستة .
وأما (مُبَشِّرُ) في الإسناد الآخر، فهو أبو إسماعيل مُبَشِّرُ بْنُ
إِسْمَاعِيلَ الحلبي.
عن جعفر بن برقان، والأوزاعي، وشعيب بن أبي حمزة،
وجماعة .
وعنه أحمد، والحسن بن الصباح، وجمع.
وَثَّقَهُ ابن سعد، وأخرج له الستة .
وقال النسائي : ليس به بأس .
وأمّا (عُبَادَةٌ) فهو أبو الوليد عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ بن قيس بن أصرم
ابن فهر بن قيس الأنصاري، الخزرجي، شهد العقبتين والمشاهدَ
كلها، وهو أحد النقباء، ومناقبه جمة، وسيجيء في الكتاب طرفٌ
منها، وروي له عن رسول الله آلۉ مئة حدیث، وواحد وثمانون حديثاً،
اتفقا على ستة، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بآخرين.
روى عنه أنس بن مالك، وجابر بن عبدالله، وفضالة بن عبيد،
وجمع من الصحابة، وخلائق من التابعين، وأخرج له الأربعة - أيضاً -.
٢٦٧

توفي سنة أربع وثلاثين بالرملة، وله عقب.
* قوله: (مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ) هذا الحديث من
أجمع الأحاديث المشتملة على بيان العقائد؛ فإن فيه رداً على المشركين
القائلين بألوهية الأصنام، والقائلين بالوحدانية المنكرين لنبوته، والقائلين
بأن عيسى إله، أو ابن الله، والقائلين بأنه لا عن رشده، ففي ذكر
التوحيد، وبيان رسالته حصل الرد والإرشاد لجميع الفرق.
وذكرُ عيسى بعد ذلك إيماءٌ إلى أن سَوْق الكلام لأجل اليهود
والنصارى، القائلين في شأن عيسى - عليه السلام - ما لا يليق به؛ رفعاً
مثلَ قول النصارى، وخفضاً مثل قول اليهود.
وفي ذكر لفظ: (عبده) في شأنه أولاً، وعطف (رسول) عليه
إيماءٌ إلى أن مرتبة الرسالة، وإن كانت جليلة، لكن لا تُخرج الشخص
عن حد العبودية، بل تقوِّي اعتقادَ كونِه عبدَه؛ لأن مرتبة معرفة
الإنسان نفسَه بحسب مرتبة كمالاته، ولا كمالَ من الرسالة.
وقدم ذكر العبد؛ كسراً لنفسه، وإشعاراً بأنه لا يزول ذلك،
وأن الإقرار به والاعتراف سبب إدراك جميع السعادات التي من جملتها
النبوة.
وفيه: تعليم للنصارى، وإرشاد بأن الرسل جميعَهم عبيدُ الله، فلا
يقولوا على عيسى إلا الحق، ولا يغلوا فيه.
وإيراد لفظة (اللهِ) في قوله: (عَبْدُ اللهِ) حيث لم يقل: وأنَّ عيسى
عبده، کشف المقصود؛ بحيث لا يبقى فيه خفاء وإبهام، وزيادة تأنيس
٢٦٨

وطمأنينة لقلوب النصارى، وزيادة تأنيس لهم؛ لأن المقام مقام
الإرشاد، فذكر أنه عبد لِذَاتٍ كامل الصفات، مستحق للعبودية، كما
قيل: في قوله: ﴿لَإِلَى اللَّهِ مُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٨].
وفي (ابْن أَمَتِهِ) - أيضاً - إيماءٌ إلى أن مريم أَمَةُ الله، فلا يقولوا في
شأنها شيئاً آخر.
وفيه: أن المتولد من أمة الله لا يكون إلا عبداً له، وفي ذكر
الكلمة، والإلقاء، والروح دفعُ شبههم، وإرشادٌ إلى أن ذلك لا يقتضي
[إلا] أن يكون عبده؛ فإن الخلق تارة على طريق المتعارف وهو الولادة
بین ذكر وأنثى، وقد یکون علی خلافه، وهو ما یکون من أنثی بلا ذکر،
أو بدونهما - أيضاً-؛ كما في آدم، ولهذا قال: ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ
كَمَثَلِ ءَادَمٌ﴾ [آل عمران: ٥٩] الآية، وإضافة الكلمة والروح إلى الله تعالى
- أيضاً - يقوي الغرض؛ فإنه يفيد أن يكون ذلك بأمره وخلقه، فيكون
مخلوقاً مكرماً، ليس شريكاً لله، ولا مولوداً عن غير رشده، وإنما سمي
عيسى: كلمة؛ لأنه كان بكلمة كُنْ فحسب، من غير واسطة أبٍ، أو
لأجل أنه أخّر أمر الله به جبريل فأوصل إلى مريم وبشرها كما قيل: في
قوله: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِى الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠] هو بمعنى الأمر،
ويناسبه قوله: (أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ)؛ لأن معنى الإلقاء: الإعلام، كما يقال:
ألقيت عليك كلمة؛ أي: أعلمتك، أو لأجل أنه تكلم في المهد، أو
لأجل أنه كان يُحيي الموتى بكلمة قُمْ، أو لغير ذلك من الوجوه المذكورة
في التفاسير.
٢٦٩

ومعنى قوله: (رُوحٌ مِنْهُ): أنه تعالى خلق فيه الروح من غير
واسطة أب، كما قال في آدم: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِ﴾ [الحجر: ٢٩]،
وقيل: لأن نفخ جبريل كان بأمر الله تعالى وقدرته، وسمي النفخ:
روحاً؛ لأن ريحاً تخرج من الروح، وقيل: لأنه روح لمن اتبعه؛ أي:
برهان، وقيل: رحمة للناس؛ كما قال: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةٌ لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً
مِنَا﴾ [مريم: ٢١] الآية، وقيل: يحيي الموتى بالنفس، وقيل: لأنه
حصل بنفخ الروح، وهو جبريل، فإن الروح، قيل: اسمه، قال الله
تعالى ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَتِكَةُ ﴾، الآية، فهذا الوجه أنسب لقوله تعالى:
﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ [ مريم: ١٧] الآية.
قوله: (وَأَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ) يحتمل أن يكون إشارة إلى الرد على
جميع المنكرين للبعث والجنة والنار، كأكثر المشركين المنکرین له،
ولليهود والنصارى المعترفين به، القائلين بغير صفته التي كان عليها،
فإنهم - وإن كانوا قائلين بوجود البعث، ودار الثواب والعقاب - لكن لا
على الوجه الذي ينبغي؛ فإن منهم [من قال] بالروحاني دون
الجسماني، ومنهم من قال بالانقطاع لا الدوام، ومنهم من قال بانقطاع
العذاب، وبطلان داره، ودوام دار الثواب، ومنهم من قال بفناء
المعذَّب، وعدم إعادته، فينقطع العذاب، لا لفناء داره، بل لفناء
المعذَّب، وغير ذلك من أباطيلهم.
وبالجملة: ليس اعتقادهم بأن الجنة والنار حق على الوجه الذي
ينبغي، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤] الآية:
٢٧٠

إن إيراد ضمير الفصل لبيان أن الإيقان للذين يؤمنون بالنبي - عليه
السلام - من أهل الكتاب، وأن إيقان غيرهم منهم لكونه على غير
الواقع كَلا إيقان.
وتكرار (أَنَّ) في قوله: (وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ) لزيادة الاهتمام ببيانها؛
حيث لم يذكره بالمتابعة، بل ذكر على حدة، كما قيل: في قوله
تعالى: ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] الآية.
* قوله: (مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ) فيه : بيان أبواب الجنة،
وأما مناسبة الذكر هنا، فلأنه لما أمر بالإيمان بالأشياء الثمانية التي هي:
التوحید، والإقرار بنبوته، وکون عیسی عبدالله وابن أمته، وكلمته وروح
منه، والجنة حق، والنار [حق]، ناسب ذكر الجزاء بذلك؛ فإن من آمن
بهذه الأشياء الثمانية، أدخله الله الجنة من أيِّ باب شاء من أبوابها
الثمانية، والغرض: بيان أن الإدخال كائن البتة، وأنه يحصل لهذا
الممتثلِ لتلك الأوامر، المعتقدِ لتلك الأشياء، الفوزُ بدخول الجنة على
الوجه الأكمل، وهو اختيار أيِّ باب شاء، وهذا لا ينافي ما جاء في أن
أهل كل عمل يدخل من باب عمله، على ما سيجيء في (كتاب
الصوم)؛ لأن هذا بيان أن الاختيار في يد الداخل، وذلك بيان أنه يُدعى
كل عامل من باب عمله، ويعرض عليه فضيلة الدخول منه، ولا منع
للمخیر اختیار الأفضل. کذا قالوا وهو وجه.
والأظهر: أن الحديث في شأن الموَحِّدِ المعتقدِ بجميع ما عليه
على حسب ما وجب الحال عن الأعمال؛ ليكون هو مخيراً في
٢٧١

الدخول في أي باب شاء.
وذلك الحديث في شأن المواظب على عمل من الأعمال، فإنه
يُدعى من باب عمله، وتحصل له الدرجة العظمى بعد دخول الجنة،
فتأمل.
وقوله في الرواية الأخرى: (عَلَى مَا كَانَ مِن عَمَلٍ) بدل قوله: (مِنْ
أَيِّ أَبْوَابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ)، ففيه: إيماء إلى أن الإيمان بهذه الأشياء
سبب دخول الجنة، وأن صيغ الموحد المعترف بهذه الأشياء الفرائض،
فدخوله الجنة؛ إِمَّا بفضل الله تعالى، وإِمَّا بعدله - على ما مرَّ -.
واختلاف الرواية؛ إِمَّا لتعدد صدوره عن الرسول - عليه السلام -
بحسب المقام، وهو الأصل، وإِمَّا من ضبط الرواة، ونقلهم بالمعنى،
ولكن الوجه الأوّلُ، وهو وإن قال بالثاني جمع؛ لما علمت أن الحمل
[على] عدم ضبط الرواة إنما يصار إليه بعد العلم باتحاد القضية، فما
صحَّ ذلك هنا.
و - أيضاً -: في الثانية زيادة ليست في الأولى، وبالعكس،
فالحمل على أن كل واحد منهما صدر في وقت بحسب ما يغني من
المصلحة، ويحضر من المخاطب هو الوجه.
* قوله: (عَنِ ابْنِ عَجْلاَنَ) هو أبو عبدالله محمد بن عجلان
المدني، مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو من العُبَّاد،
كان له حلقة درس في مسجد النبي 98َّ، وكان يفتي في المدينة، وهو
تابعي جليل القدر.
٢٧٢

یروي عن أنس، وأبيه عجلان، وجماعة.
وعنه منصور بن المعتمر، وصالح بن كيسان، وشعبة، ومالك،
ويحيى القطان، وخلائق.
وَثَّقَهُ ابن عُيينة، وأحمد، وابن معين، وأخرج له الخمسة،
والبخاري تعليقاً، وثناء الناس عليه کثیر .
وروى أبو حاتم الرازي عن بعض شيوخه، قال: لم يكن في
المدينة أحد أشبه بأهل العلم من ابن عجلان، كنت أشبهه بالياقوتة بين
العلماء .
وقال أبو أحمد الحاكم: محمد بن عجلان يعد في التابعين،
وليس بالحافظ عندهم، وليس له في ((الصحيحين)) حديثٌ أصالةً،
وإنما أخرج له مسلم - أيضاً - متابعة.
وأمّا [شيخه]، فهو (أبو عبدالله محمد) بن يحيى بن منقذ
الأنصاري، المدني، الفقیه.
عن أبيه، وعمه واسع، ورافع بن خديج، وجماعة من الصحابة
والتابعين.
وعنه الزهري، ويحيى بن سعيد، ومالك، وآخرون.
وَثَّقَهُ القوم، وأثنوا عليه، وأخرج له الستة.
توفي سنة إحدى وعشرين ومئة.
وأما (ابْنُ مُحَيْرِیزٍ)، فبضم الميم وفتح الحاء وكسر الراء المهملين
وآخره زاي، فهو أبو عبدالله بن عبدالله محيريز بن جنادة ابن وهب بن
٢٧٣

لوذان بن سعد بن جمح القرشيُّ، الجمحيُّ، المكيُّ، التابعيُّ الجليل،
ربَّاه أبو محذورة المؤذن، فروى عنه، وعبدالله بن [السعدي]، وأبي
سعيد الخدري، وخلائق من الصحابة والتابعين.
وعنه مكحول، والزهري، وعطاء الخراساني، وآخرون، وكان
یسکن بیت المقدس.
وَثَّقَهُ القوم، وأثنوا عليه، وأخرج له الستة.
وقال الأوزاعي: من كان مقتدياً، فليقتدٍ بمثل ابن محيريز.
وقال رجاء بن حيوة بعد موت ابن محيريز: والله! إني كنت أعد
بقاء ابن محيريز أماناً لأهل الأرض.
وأمّا (الصُّنَابِحِيُّ)، فبضم الصاد المهملة ثم نون ثم باء موحدة
ثم حاء مهملة - أبو عبد الرحمن بن عسيلة علي بن عَسَّال المرادي،
وصُنابحُ: بطن من مراد، وهو تابعي جليل القدر، رحل إلى صحبة
النبي - عليه السلام -، فلما دخل الجُحفة، قُبض النبيُّ - عليه السلام -،
فسمع أبا بكر الصديق، وخلقاً من الصحابة، وروى عن النبي - عليه
السلام - مرسلاً.
وعنه سويد بن غَفَلة، وأبو الخير، ومكحول، وخلائق.
وَثَّقَهُ ابن سعد، وغيره، وأخرج له الستة.
وروى رجاء بن حيوة عن محمد بن الربيع، قال: كنا عند عبادة
ابن الصامت، فأقبل الصُّنابحي، فقال عبادة: من سرَّه أن ينظر إلى
رجل كأنما رقي به فوق سبع سماوات، فعمل [ما عمل] على ما رأى،
٢٧٤

فلينظر إلى هذا.
وبالجملة: ثناء الناس عليه كثير.
توفي في خلافه عبد الملك بن مروان.
وربما يشبه هو بالصنابحي بن الأغرّ الصحابي، ولكن يعرف
الفرق بأن ذلك نسبه، وهذا اسم له، وبالزمان والحال.
* قوله: (أَنَّهُ قَالَ) الضمير في (أَنَّهُ) للصنابحي؛ يعني: قال
الصنابحي: دخلت على عبادة بن الصامت، وساق الحديث، فذكره،
وذكر عبادة بن الصامت، ومثل قوله: (أَنَّهُ قَالَ) لترتيب العنعنة، وأصل
التركيب: عن الصنابحي: أنه قال: دخلت على عبادة بن الصامت.
قوله: (وَقَدْ أُحِيطَ بِنَفْسِي)؛ أي: قَرُب أجلي، وأيقنتُ
بالموت.
قال صاحب ((التحرير)): أصل الكلمة في الرجل الذي يجتمع
عليه أعداؤه، فيقصدونه، ويأخذون عليه جميع الجوانب؛ بحيث
لا يبقى في الخلاص مَطْمع.
وأما كتمانُ عبادة هذا الحديث إلى حين موته؛ إِمَّا لأجل أمر
النبي - عليه السلام - له بالكتمان إلى أن رأى وقت الإظهار، وقد كتمه
إلى حين موته؛ كما أمر معاذاً في الحديث الذي يليه، وإِمَّا لأجل أنه ما
رأى المصلحة في الإظهار، لَمَّا سمع النبي - عليه السلام - أمر بعض
الصحابة بكتمان بعض الأحاديث الواردة بمعناه؛ لئلا يتكل الناس على
ظاهره، ويتركوا العمل لغيره.
وَعَنْ يَعْلَى بْنِ شَدَّادِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي شَدَّادٌ، وَعُبَادَةُ بُ الصَّامتِ
٢٧٥

حَاضِرٌ يُصَدِّقُهُ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ بَِ، فَقَالَ: ((هَلْ فِيكُمْ غَرِيبٌ؟))
- يَعْنِي: أَهْلَ الكِتَابِ -، فَقُلْنَا: لاَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَمَرَ بِغَلْقِ الباب، وَقَالَ:
(ارْفَعُوا أَيْدِيَّكُمْ، وَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلَّ الله)، فَرَفَعْنَا أَيْدِيَا سَاعَةً، ثُمَّ وَضَعَ
رَسُولُ اللهِ - عليه السلام - يَدَهُ، ثُمَّ قَالَ: ((الحَمْدُ لِلَّهِ، اللَّهُمَّ إِنَّكَ بَعَتْشُنِي
بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، وَأَمَرْتَنِي بِهَا، وَوَعَدْتَنِي عَلَيْهَا الجَنَّةَ، وَإِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ
المِيعَادَ». ثُمَّ قَالَ: (أَبْشِرُوا؛ فَإِنَّ اللهَ وَتْ قَدْ غَفَرَ لَكُمْ)) رواه أحمد،
والبزار، والطبراني، ورجاله ثقات.
وأما ذكره الحديث السابق، وكتمانه هذا، مع أن الأوّل - أيضاً -
بمعناه؛ إِمَّا لأن الأوّل فيه ذكر الإقرار بالرسول، وبحال عيسى، وحقيقة
الجنة والنار، و[هذا] ليس فيه، فبالنظر إلى ظاهر الحديث يقتضي أن
التوحيد المجرد كاف في الآخرة، موجب للخلاص من النار.
وإِمَّا لأن في الأوّل دخول الجنة، وذلك لا يدل على عدم دخول
النار قبله، وهذا صريح في عدم دخول النار، فهذا أكثر وعداً، وأقل
عملاً .
وإِمَّا لأنه حدَّث بالأول قبل سماع نهي رسول الله ميه للصحابة
عن التحدث بأمثاله، ثم سمع النبيَّ أخفى هذا إلى حين موته، وهذا
بعيد .
وبالجملة: إخفاؤه خشية أن يتكل الناس على مجرد الإيمان،
وأن يتركوا العمل، كما جاء مصرحاً من قول عمر، وذكره عند موته؛
٢٧٦

لئلاً يصير كاتماً لحديث سَمِعهُ من النبي ◌َّر، فيه بشارة للناس، وزيادة
رجاء لهم بعفو الله تعالى ومغفرته.
* وفي قوله: (لَكُمْ فِيهِ خَيْرٌ) إشعار بأنه ما حدثهم جميع
ما سمع، بل جميع ما فيه حاجة لهم، وفي هذا الكلام، وكذا في نهي
النبي - عليه السلام - لمعاذ عن التحدث، وقوله عليه السلام:
((فَيَتَّكِلُوا)) إشارةٌ إلى أن الواجب على العالِم أن يتكلم بحسب حال
المخاطبين، وأن لا يقول لهم دائماً ما فيه محضُ وعد الله تعالى، ولا
محضُ وَعيدِه، بل عليه أن يزاوج بين الوعد والوعيد، ويمزج البشارة
بالإنذار، كما ورد به الكتاب العزيز، ونطق به سيد المرسلين؛ فإنه
بذلك يحصل التوقف بين الخوف والرجاء الذي هو مقام العبودية،
وباستماع أحدهما أكثر ترجيح جانب ذلك، ويحصل إِمَّا الاغترار،
وإِمَّا اليأس، وكلاهما قبيح، ولذلك كان النبي - عليه السلام - يراعي
هذا الأمر، ويقول في المحالِّ المختلفة الألفاظَ المناسبة بحسب حال
السامع والسائل، وبحسب ما يفهم، وينهاهم عن الخوض فيما
لا حاجة لهم إلى معرفته، ويرشدهم إلى ما ينبغي لهم؛ فإن النهي
الوارد عن بحث الذات والصفات، وحقائق الأشياء، والأسلوب الواقع
في قوله تعالى: ﴿قُلّ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجْ﴾ [البقرة: ١٨٩] الآية، وغير
ذلك، و- أيضاً -: الخوض فيها يفضي إلى تغيير اعتقاد القاصرين عن
إدراك الحقائق، وتحصل لهم الشبهات الكثيرة، ويقعون بسبب ذلك
في المهالك.
٢٧٧

، قوله: (هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ) هو بفتح الهاء وتشديد الدال، ويقال
له: هُذْبة - بضم الهاء وإسكان الدال -، وقد يجيء في الكتاب في
مواضع، فقيل: الأوّل اسم، والثاني لقب، وهو اختيار الغَسَّاني،
وصاحب ((المطالع))، والمقدسي، وأورد البخاري في ((تاريخه)): هُدبة
فقط، وهو - أيضاً - دليل اختياره، وقيل: بالعكس، العنسيُّ،
البصريُّ، الحافظُ .
عن حماد بن سلمة، وجرير بن حازم، وسليمان بن المغيرة،
وخلائق.
وعنه أبو زرعة، ومطين، والحسن بن سفيان.
وَثَّقَهُ ابن معين، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وأخرج له
الشیخان، والترمذي، فإنه من شيوخهم.
وقال النسائي : ضعيف.
وقال ابن عدي: لا أعرف له حديثاً منكراً، وهو كثير الحديث،
وسمعت أبا يعلى - وسئل عن هدبة وشيبان أيّهما أفضل؟ -، فقال:
هدية أفضلهما وأفقههما وأوثقهما وأكثرهما حديثاً.
وقال ابن حبان: توفي سنة ست وثلاثين ومئة.
وأمّا شيخه (أبو بكر همام بن يحيى العوذي)، البصريُّ، أحد
أئمة الحديث.
عن الحسن، وعطاء بن أبي رباح، ونافع، وخلائق.
٢٧٨

وعنه سفيان الثوري، وابن المبارك، وابن مهدي، وآخرون.
قال أحمد: ثَبْتُ في كل المشايخ.
وكذا وثَّقَهُ ابن معین.
وعن يحيى القطان: كان لا يعبأ به .
قال ابن عدي: همام أشهر وأصدق من أن يذكر، وأحاديثه
مستقيمة، خصوصاً في قتادة.
وبالجملة: وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الستة.
توفي سنة ثلاث وستين ومئة.
وأمّا (عمرو) في الإسناد الآخر، فهو أبو يحيى عمرو بن ميمون
الكوفي، أدرك النبي - عليه السلام -.
وروى عن أبي ذرّ، وعائشة، وجماعة.
وعنه الشعبي، وسعيد بن جُبير، وزياد بن علاقة، وخلائق.
وَثَّقَهُ ابن معين، وغيره، وأثنوا عليه كثيراً، وأخرج له الستة.
توفي سنة أربع وسبعين .
* قوله: (كُنْتُ رِدْفَ النَّبي) - عليه السلام - الرواية المشهورة:
(رِدْفَ) - بكسر الراء وسكون الدال -، وعن أبي علي الطبري: أنه
يروى بفتح الراء وكسر الدال، ويقول: هو فَعِلٌ بمعنى فَعيل، وروي
هاهنا في الرواية الثانية (الرديف) - أيضاً -، وأنكر قوم ثبوتَ الرديف
لغة، وكذا ثبوت (رَدِف) - بفتح الراء وكسر الدال ــ أيضاً، وقالوا:
٢٧٩

الصواب: الرِّدْف - بكسر الراء وسكون الدال -.
وبالجملة: معناه: كنت راكباً خلفه، يقال: هو رِدْفُهُ ورَدِيفُهُ؛
أي: راكب خلفه. وقال في ((الصحاح)): كل شيء يتبع شيئاً، فهو
ردفه، والأرداف في الجاهلية بمنزلة الوزراء في الإسلام، والنبي
- عليه السلام - كثيراً يردف الصحابي؛ إمّا لأجل تطييب خاطره وتقربه
إليه، وإمّا لأجل أن لا ظهر له، وإِمَّا لمصالح أُخر.
وقد جمع ابن مَنْدَه أردافَ النبيِّ - عليه السلام -، فبلغ نيَّفاً
وثلاثين رديفاً.
فالرديف إذا كان بمعنى الراكب خلفه، فقوله: (لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ
إِلَّ مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ)) إشارةٌ إلى أنهما على بعير، لا على دابة أخرى،
وإذا كان بمعنى التابع مطلقاً، فإشعار بالركوب مع النبي - عليه السلام -؛
لأن المتابعة قد تكون في الركوب، وقد تكون في المشي؛ بأن يمشي
شخص خلف شخص دائماً، كان فهو يفيد قربه إلى النبي - عليه
السلام - في حال سماعه الحدیث عنه؛ بحیث لا یکون بینه وبین حائل
كثير، و(مُؤَخِّرَةُ الرَّحْلِ) - بضم الميم وفتح الواو وتشديد الخاء -:
خلاف مقدمته، ويقال : - آخِرَتُه بمد الهمزة وكسر الخاء مخففة -
ومُؤَخَّرة - بضم الميم وفتح الهمزة والخاء -، بمعناه، وقد تكسر الخاء
مهموزاً وغير مهموز، مخففة ومشددة، كذا في ((القاموس)).
* قوله: (ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ!) في تكرير النبي - عليه
٢٨٠