Indexed OCR Text

Pages 161-180

وأمّا شيخه، (فهو أبو عاصم الضحاك بن مَخْلَد) بن الضحاك
الشيباني، النبيل، الحافظ .
عن حَيوة، وابن جُريج، والأوزاعي، وخلائق.
وعنه ابن المديني، وابن راهويه، وآخرون.
وَثَّقَهُ القوم، وأثنوا عليه، وأخرج له الستة.
توفي سنة أربع عشرة ومئتين.
وأما شيخه، فهو (أبو الوليد عبد الملك بن عبد العزيز) بن
صَبيح القرشي، المكي، أحدُ الأعلام.
عن أبيه، ومجاهد، وعطاء، وخلائق.
وعنه الأوزاعي، والنوقي، ويحيى القطان، وآخرون.
وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الستة.
وعن ابن معين: أنه ليس بشيء في الزهري.
وأمّا شيخه، فهو (أبو قَزَعَة) - بفتح القاف والزاي، وقيل:
بسكون الزاي - سُوَيْدُ بنُ حُجير الباهليُّ.
عن خاله صخرِ بن القعقاع، وله صحبة، وأنس بن مالك،
والأسقع بن الأسلع، وجماعة من الصحابة والتابعين.
وعنه داود بن أبي هند، وشعبة، وحماد بن سلمة، وخلق.
وَثَّقَهُ ابن المديني، وأبو داود، وغيرهما، وأخرج له الستة إلا
البخاري.
وأما (الحسن)، فهو أبو سعيد الحسنُ بنُ أبي الحسن يسار
١٦١

البصريُّ، الإمام، أحدُ الأعلام، وأُّه خيرة مولاة أم المؤمنين أمِّ
سلمة .
ولد لسنتين بقيتا من خلافه عمر بن الخطاب، ونشأ بوادي
القرى، وحضر يوم الدار وله أربع عشرة.
روى عن عثمان، وعمران بن حصن، وخلائق من الصحابة.
وعنه أيوب، ويونس، وابن عون، وأمم.
فضائله أكثر من أن تعد، وخصائله أوفرُ من أن تُحصى.
أخرج له الستة، وأطبق القوم على علوّ مرتبته، وجلالة قدره.
توفي سنة عشر ومئة، وله نحو من ثمان وثمانين.
وأمّا (أبو سعيد)، فهو سعدُ بنُ مالكِ بنِ سنانَ الأنصاريُّ،
الخدرُّ، قُتل أبوه يوم أحد شهيداً، وغزا هو غزوات، وبايع تحت
الشجرة، وهو من علماء الصحابة ومُكثريهم، وفضائله كثيرة،
وسيجيء في الكتاب طرفٌ منها.
روي له عن رسول الله ﴾ ألف حديث، ومئة وسبعون حديثاً،
اتفقا على ستة وأربعين حديثاً، وانفرد البخاري بستة عشر، ومسلم
باثنين وخمسين، وأخرج له الأربعة - أيضاً -.
وروی عنه جماعة کثیرة من التابعين .
توفي سنة أربع وسبعين
ـه .
وقوله: (أخبرنا أبو نعيم، قال: أخبرني مسلم، قال: وحدثني
١٦٢

محمد بن رافع) قد اعترض عليه بأن في هذا الكلام زيادة، وهي قوله :
(أخبرنا إبراهيم، قال: أخبرني مسلم) بين قوله: (ابن جريج)،
وقوله: (حدثني محمد بن رافع)؛ لأن الأصل: أخبرنا إبراهيم، قال:
حدثنا مسلم، قال: حدثني محمد بن بكار، قال: حدثنا أبو عاصم عن
ابن جريج، وحدثني محمد بن رافع ... إلى آخره؛ لأن المقصود بأن
رواية مسلم عن شيخه وكل واحد منهما عن شيخه إلى ابن جُریج،
فَذِكْرُ إِبراهيم ومسلم زائدٌ وقعَ من الجُلُودِيّ.
وأجيب؛ بأن غرضه بيان كيفية سماع شيخه إبراهيم عن مسلم؛
فإنه في الرواية الأولى قرأ عليه وحده؛ حيث قال: (أخبرني مسلم)،
وفي الثانية مع جماعة؛ حيث قال: (أخبرنا مسلم)، و- أيضاً - ذلك في
هذا المقام خاصة لطيفة جداً؛ لأن في الإسناد إشكالاً على ما
سيجيء، فكأن الجُلُودِيَّ أومأ إلى أنّ هذا الإشكال ليس من سماع
شيخه، بل شيخه كذلك سمع بمحضرِ جماعةٍ من مسلم، بل هو في
أصل الإسناد.
* وقوله: (أَنَّ أَبَا نَضْرَةَ أَخْبَرَهُ، وَحَسَناً أَخْبَرَهُمَا: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ
الخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ)، قد عُدَّ هذا الإسناد من مفصّلات الأسانيد، حتى
صنف فيه الحافظ أبو موسى الأصفهاني كتاباً، وجمع فيه أخطاء القوم
وما هو الصواب، ثم اختصر الشيخ أبو عمرو بن الصّلاح كتابه،
وحاصل الإشكال :
أولاً: في الحسن، بأنه البصري المشهور، أو الحسن بن مسلم
١٦٣

ابن شيخ بن جرير الذي يروي عنه الأحاديث الكثيرة غير هذا، واختار
أبو موسى الثانيَ، واختار البزار وعبد الغني بن سعيد الحافظُ
الأوّلَ.
وثانياً: في قوله: (أَخْبَرَهُمَا)؛ فإنه لا يعرف من الفاعل، وإلى
من يرجع ضمير النسبة، فذهب قوم منهم أبو علي الغساني صاحب
((تقييد المهمل))، وأبو عبدالله المازري صاحب ((المعلم في شرح
مسلم))، والقاضي عياض: أنه خطأ، والصواب: (أخبرني أبو قزعة:
أن أبا نضرة، وحسناً أخبره: أن أبا سعيد أخبره)، فيكون أبو نضرة
وحسن أخبرا أبا قزعة عن أبي سعيد، فيكون في إصلاحهم هذا حذف
قوله: (أَخْبَرَهُ) الواقع بين أبي نضرة والحسن، وتغيير (أَخْبَرَهُمَا) إلى
(أَخْبَرَاهُ).
ولما أورد على هذا الإصلاح أنه ينبغي أن تكون الرواية: (أن أبا
سعيد الخدري أخبرهما)؛ لأن الراوي عنه أبو نضرة والحسن، أجاب
أبو علي الغساني بأنه إنما أسقط أبو قزعة ذكرَ الحسن في رواية أبي
سعيد، وإن أثبت في سماعه منه؛ إشارة إلى أن الحسن، وإن أخبره
عن أبي سعيد، لكنه ما سمع منه، فيكون تنبيهاً على إرسال الحسن من
أبي سعيد، فيكون الضمير في (أَخْبَرَهُ) راجعاً إلى أبي نضرة.
وليت شعري، كيف يفهم من هذا التركيب أن الضمير الواحد
راجع إلى أحد المذكورين دون الآخر، خصوصاً مع ادّعائهم بأن
الحسن البصري المشهور الذي لقي الصحابة، وأخذ عنهم؟!
١٦٤

وذهب أبو نعيم الحافظ الأصبهاني في كتابه «المستخرج على
صحيح مسلم)): أن الصواب: (أخبرني أبو قزعة: أن أبا نضرة وحسناً
أخبرهما: أن أبا سعيد الخدري أخبره)، وهذا ما زاد إلا حذف شيء،
والإشكال بحاله؛ لأنه في قوله: (أخبرهما) وهو مذكور، لا في قوله:
(أخبره) الذي حذفه.
وذهب أبو موسى الأصبهاني - بعد ما خرَّج الوجهين الأولين -
إلى أن الصّواب ما رواه مسلم، وذكر أن قوله: (أَخْبَرَهُمَا) تأكيد؛ لأن
حسناً معطوف على الضمير في (أخبره) الراجع إلى أبي قزعة،
والمعنى: قال ابن جريج: أخبرني أبو قزعة، قال: إن أبا نضرة أخبره
وحسناً بأن أبا سعيد الخدري أخبره، فيكون أبو نضرة هو المخبر لأبي
قزعة والحسن عن أبي سعيد، فذكر أبو قزعة (أخبرهما) تأكيداً لإخبار
أبي نضرة له وللحسن، وهذا كما يقال: إن زيداً جاءني، وعمراً
جاءاني، فقالا: كذا وكذا، هذا حاصل كلام الحافظ أبي موسى،
وتلخيص الشيخ أبي عمرو بن الصلاح، وهو اختيار النووي.
ولما رأى أبو مسعود الدمشقي اختلال الإسناد بذكر الحسن،
وسمع ما قال الغَسَّاني في لفظ إرساله، حذفه من الإسناد، وقال:
أخبرني أبو قزعة: أن أبا نضرة أخبره: أن أبا سعيد أخبره. وهذا - كما
ترى - فيه حذفُ الحسن، مع لفظ: أخبرهما.
والحاصل: أقربُ الوجوه ما ذهب إليه أبو موسى الأصفهاني؛
١٦٥

لأنه لا حذف فيه له ولا تغيير، لكن ذِكْرُ خبرهما حشو قبيح، وما
ذكروا أنه من فصيح الكلام ممنوع؛ لأنه لا معنى له أصلاً على هذا
التقدير، وما قالوا: إنه تأكيد، أيضاً ممنوع؛ لأن الكلام بوجوده يخرج
عن سنن الاستقامة، ويوهم خلاف المقصود، بخلاف ما مثّلوا به من
قولهم: إن زيداً جاءني وعمراً جاءاني، فإنه - وإن كان زائداً - لكن
لا يوهم خلاف المقصود، وأيضاً: لمَّا لم يكن للحسن مدخل في
البين على ما قالوا؛ لأنه ما سمع من أبي سعيد، وإنما سمع منه أبو
نضرة، يكون ذكره حشواً - أيضاً -، فلذلك حذفه، وحذف (أخبرَهما)
أبو مسعود(١) الدمشقي.
والعجب أن في الكلام مَحْملاً حسناً ليس فيه تعسّف، وما ذكره
أحدٌ منهم، مع ذهابهم كل مذهب، وارتكابهم كل محذور من الحذف
والتغيير وغيرهما، وإن حسناً معطوف على أبي نضرة، والضمير في
أخبرهما راجع إلى أبي نضرة وأبي قزعة، والمخبر لهما الحسنُ،
والمعنى: أن ابن جريج قال: أخبرني أبو قزعة، وقال: إن أبا نضرة
أخبره وأبا نضرة بأن أبا سعيد الخدري أخبره، فيكون الراوي من أبي
سعيد هو الحسن، والراوي عنه أبا نضرة وأبا قزعة، فيكون أبو قزعة
سمع من شيخه أبي نضرة، وشيخ شيخه الحسن، فيكون هو مشاركاً
لشيخه في سماع هذا الحديث، فيكون سماعه من الحسن مرَّةً بواسطة
(١) في الأصل: ((أبو سعيد))
١٦٦

أبي نضرة، وتارة بلا واسطة، ولذلك قال: أخبره وحسناً أخبرهما،
ولم يقل: إن أبا نضرة وحسناً أخبراه، ولا إن أبا نضرة أخبره أن حسناً
أخبره أن أبا سعيد أخبره، إذ في كل واحد من كل واحد من هذين
التركيبين يفوِّت ذلك الغرض، فَعُلِمَ أن الإسناد متين ليس فيه زيادة
يحتاج إلى حذفه، أو صرفه عن ظاهره، بل هو من مجاز البلاغة،
وأحسن التراکیب؛ حيث لا يؤدّى المقصود إلا به.
والذي يدل على أن التركيب هذا دون ما غيَّروه: أن الإمام أبا
عبدالله أحمد بن حنبل - رحمه الله - أورد هذا الإسناد عن رَوح بن
عبادة، عن ابن جريج، بهذا التركيب - أيضاً -، فعلى هذا: إن
الأصح أن الحسن هو البصري، لا الحسن بن مسلم بن يناق، ولا
يلتفت إلى ما وقع في رواية أبي الشيخ الحافظ في كتابه المخرج
على ((صحيح مسلم)): أن ابن جريج قال: أخبرني أبو قزعة: أن أبا
نضرة أخبره، وحسن بن مسلم أخبرهما: أن أبا سعيد أخبره، بزيادة
لفظ: حسن بن مسلم في الإسناد؛ لأنه من جملة تغييرات القوم،
کما قدمنا .
وما قيل: إنّ الحسن لم يكنِّ أبا سعيد، أيضاً ممنوع، فإنه كان
في المدينة في زمن الصحابة، وكان له في يوم [الحصر] أربع عشرة،
وأبو سعيد الخدري في ذلك الوقت وبعده إلى مدة مديدة في المدينة،
والحسن أيضاً هَاهنا.
غاية الأمر: أن القوم ذكروا في الكتب المصنفة في أحوال
١٦٧

الرجال سماعه من جمع من الصحابة، ولم يذكروا فيهم أبا سعيد،
وهذا لا يدل على عدم سماعه منه، فإنه أدرك مئة وثلاثين من
الصحابة، على ما روى الفضيلُ بن عياض، عن هشام بن حسان،
والمذكور فيها كله لا يكون ثلاثين رجلاً منهم، والله أعلم بالصواب.
قوله: (جَعَلَنَا الله) هذا الكلام يستعملونه في موضع الدعاء
للشخص، والمراد: تبعيد المكاره.
وفيه: دليل على جواز التكلم بمثل هذا الكلام في المخاطبات؛
حيث لم ينكر عليهم النبي ◌َلآ.
١٦٨

(٥)
باب
بيان أن الطاعات إنما يؤمَرُ بها
بعد الدخول في الإيمان
[ ٩ - باب
الدُّعَاءِ إِلَى الشَّهَادَتَيْنِ وَشَرَائِعِ الإِسْلاَمِ]
١٣٠ - (١٩ / ٢٩) - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُّو
كُرَيْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعاً، عَنْ وَكِيعٍ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ :
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ -، عَنْ زَكَرِيَّاءَ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَذَّثَنِي بَحْيَى بْنُ
عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ
جَبَلٍ - قَالَ أَبَّو بَكْرٍ: رُبَّمَا قَالَ وَكِيعٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ مُعَاذاً -
قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ وَهَ، قَالَ: (إِنَّكَ تَأْتِي قَوْماً مِنْ أَهْلِ
الكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةٍ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ،
فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمُهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ
صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ
اللّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَّدُّ فِي نُقَرَائِهِمْ،
فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ
المَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ)).
١٦٩

لمّا أخرج ما يدل على التفاوت بین الأركان، أراد أن يورد ما يدل
على الترتيب؛ ليُعلم أن الأمر بالإتيان بالأوّل بها هو الشهادة، فأخرج
حديث ابن عباس: أن النبي ◌َّهُ بعث معاذاً إلى اليمن، فقال: ((إِنََّكَ
تَأْتِي قَوْماً مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةٍ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنِّي
رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ
خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ
اللّهَافْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتِّرَدُ فِي فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ
أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَأَِّ دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإِنّهُ لَيْسَ
بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ)).
وقد أخرجه البخاري في مواضع من (الزكاة)، و(المغازي)،
وفي (التوحيد)، وفي (المظالم)، وأخرجه الأربعة في (الزكاة).
ولما أخرجه الترمذي، قال: وفي الباب: عن الصنابحي.
وأقول: حديثه: أن رَسُولَ اللهِ وَهِ أَبْصَرَ نَقَةً حَسَنَةٌ فِي إِبِلِ
الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: ((قَاتَلَ اللهُ صَاحِبَ هَذِهِ النَّاقَةِ))، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي
ارْتَجَعْتُهَا بِبَعِيرٍ مِنْ حَاشِيَةِ الإِلِ، قَالَ: ((فَنِعْمَ إِذَنْ))، رواه الطبراني.
إذا عرفت هذا، فالكلام هاهنا في مواضع:
الأول: في الإسناد.
فقول مسلم: (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) هذا من جملة احتياطه في الإسناد؛
حيث ذكر أبا بكر مع اثنين بأنهم سمعوا من وكيع، ثم أفرد أبا بكر،
١٧٠

وترك صاحبيه؛ لدقة كانت في رواية أبي بكر، وهي: أن أبا بكر قال:
إن وكيعاً ذكر في الرواية الأولى: ابن عباس عن معاذ.
وفي الثانية: (أَنَّ مُعَاذاً قَالَ)، ففرق بين (عن)، و(أن)، فلأجل
هذه الدقيقة أفرد مسلم أبا بكر عن صاحبيه، وقد عرفت - فيما مرّ - أن
((أن)) كعَنْ عند الجمهور، ويحمل الاتصال بالشريطة المذكورة، وعند
بعض لا يلحق بـ (عن)، فيحمل على الانقطاع، وأما رواية الصحابي،
فسواء أكان بعن، أو بأن يحمل على الاتصال؛ لأن غاية الأمر في
المعنعن أن يكون فيه شائبة الإرسال، فإذا كان المرسل بالقطع من
الصحابي، يحمل على المشهور من المذاهب، إلا في رواية عن
الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني مما [فيه] شائبة الاتصال يكون
بالحمل أولى.
وأما التعريف بالژُّواة سوى ما ذكر.
(زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ المكي)، فإنه يروي عن عطاء، وعمرو بن
دينار، وأبي الزبير، وجماعة.
وعنه روح، وابن المبارك، وخلق.
وَثَّقَهُ أحمد، وغيره، وأخرج له الستة.
وأما شيخه، فهو (يَحْيَى بْنُ عَبْدِاللهِ) بن محمد بن صَيْفِيٍّ، ويقال:
يحيى بن محمد بن عبدالله بن صيفي المكي.
عن أبي معبد، وعكرمة بن عبد الرحمن، وجماعة.
١٧١

وعنه ابن جريج، وجمع.
وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الستة.
وأما شيخه (أبو معبد)، فهو نافذ - بالنون والفاء والذال المعجمة -،
مولی ابن عباس، روى عن مولاه، وغيره.
وعنه عمرو بن دينار، وأبو الزبير، وجمع.
وَثَّقَهُ ابن معين، وغيره، وأخرج له الستة، ووقع في نسخة ابن
ماهان نسبته إلى جُهَيْنَةَ، وقالوا: إنه وَهَمَ بأنه جهني.
١٣١ - (١٩ / ٣٠) - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ
السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ حِ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا
أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْبَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ،
عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ بَعَثَ مُعَاذاً إِلَى الْيَمَنِ،
فَقَالَ: (إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْماً) بِمِثْلِ حَدِيثٍ وَكِيعٍ .
وأما (بشر) في الإسناد الآخر، فهو أبو عمرو بِشْرُ بنُ السَّرِيِّ،
البصريُّ.
عن الثوري، وحمّاد بن سلمة، وجماعة.
وعنه أحمد، وابن المديني، وخلق.
وَثَقَهُ القوم، وأثنوا عليه، وأخرج له الستة.
١٧٢

وأما (عبد)، فهو أبو محمد عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ البستيُّ، أحدُ الحفاظ.
عن جعفر بن عون، وزيد بن الحباب، وخلائق.
وعنه مسلم، والترمذي، وآخرون.
وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له مسلم، والترمذي.
١٣٢ - (١٩ / ٣١) - حَدَّثَنَا أُمَّةُ بْنُ بِسْطَامَ العَيْشِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ
ابْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ - وَهُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ -، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَّةَ،
عَنْ يَحْبَى بْنِ عَبْدِاللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ
رَسُولَ اللهِ وَ﴿ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذاً إِلَى الْيَمَنِ، قَالَ: (إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ
أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ وَكَ، فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ،
فَأَخْبِرُهُمْ أَنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ،
فَإِذَا فَعَلُوا، فَأَخْبِرُهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً تُؤْخَذُ مِنْ
أَغْنِيَائِهِمْ، فَتْرَدُ عَلَى نُقَرَائِهِمْ، فَإِذَا أَطَاعُوا بِهَا، فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ
كَرَّائِمَ أَمْوَالِهِمْ».
وأما (أميّة) في الإسناد الآخر، فهو أبو بكر أُمَيَّةُ بنُ بِسْطَامَ العَيْشِيُّ.
عن معتمر بن سلیمان، وجمع.
وعنه أبو زرعة، وأبو يعلى، وجماعة، أورده ابن حبان في
((الثقات))، وأخرج له الشيخان، والنسائي.
١٧٣

وأما شيخه، فهو (أبو معاوية) يَزِيدُ بنُ زُرَيْع العيشي، البصريُّ،
أحدُ الأعلام.
عن أيوب، ویونس، وخلائق.
وعنه ابن المديني، ومُسدَّد، وآخرون.
اتفق القوم على وثوقه، وجلالة قدره، وأخرج له الستة.
وأما شيخه، فهو (أبو غياث) روح بنُ القاسم العنبريُّ.
عن عمرو بن دينار، وقتادة، وخلق.
وعنه ابن عُلية، وعون بن عُمارة، وخلائق.
وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الستة إلا الترمذي.
وأما شيخه، فهو (إسماعيل بن أمية) بن سعيد بن العاص الأمويُّ.
عن أبيه، والمقبري.
وعنه السفیانان، وخلق.
وَثَّقَهُ القوم، وأخرج له الستة.
وأمّا (معاذ)، فهو أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل بن عمرو بن
أوس الأنصاريُّ، من نجباء أصحاب النبي ◌َّر، وسيجيء في الكتاب
طرفٌ في مناقبه.
روي له عن رسول الله وَي مئة وسبعة وخمسون حديثاً، اتفقا
علی حدیثین، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث.
توفي سنة ثمان عشرة (
١٧٤

الثاني : في معنى الحديث:
* قوله: (إِنََّكَ تَأْتِي قَوْماً مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ) في هذا الحدیث بیان
دعوتهم إلى الإيمان، فإن قبلوا، فإلى الصلوات الخمس كل يوم وليلة،
وإن قبلوا، فإلى الزكاة، وليس فيه ذكر سائر الطاعات المفروضة من
الصوم والحج والجهاد، مع أنها فرضت بالاتفاق؛ لأن بَعْثَ معاذٍ إلى
اليمن قبل وفاة النبي وَيّ بقليل، والطاعات مفروضة جميعها، وفي
((صحيح البخاري)) ليس فيه الصلاة أيضاً، بل فيه من الطاعات بعد ذكر
الإيمان: الزكاةُ، فلهذا أورد الحديث في (كتاب: الزكاة)، كأنه جعل
سوق الكلام إلى بيان فرضية الزكاة، وذكر الإيمان توطئة؛ لأنه أصل
الحسنات وأساسها، ولا تقبل طاعة بدونه.
وأما السبب في ذكر بعض الطاعات دون بعض، فقال أبو عمرو
ابن الصّلاح: ذلك من تقصير الراوي. وهذا - كما ترى - مُشكل؛ لأنه
لو فتح هذا الباب، لم يبق وثوق قطعاً، ولا يمكن الاحتجاج بحديث
قط؛ لأن للمخالف أن يقدِّر شيئاً ينقض الاحتجاج، ويقول: هذا
مذكور، ولكن الراوي قصَّر في روايته، وإنما يحسُن الإسناد إلى
تقصير الراوي فيما إذا وجدت تلك الزيادة في رواية بعض الرواة، ولم
توجد في روايته، مع العلم باتحاد القضية كما مر .
أمّا إذا لم تكن تلك الزيادة مذكورة في جميع الروايات، والقضية
واحدة، أو مذكور في بعضها، والقضية متعددة، فلا يحسن الإسناد
إلى تقصيره، بل الوجه في هذا الحديث: أنّ جميع الطاعات منطوية
١٧٥

تحت ذكر الإيمان المعبّر عنه بالشهادتين، وفي رواية بـ (عِبَادَةُ اللهِ)،
وإنما خصّ الصلاة والزكاة بالذكر؛ لفضيلتهما(١) على سائر الطاعات؛
لأنهما عنوان الطاعات البدنية والمالية، ورئیستیھا، کأنهما يجران سائر
الطاعات تحتهما، ففي [الصلاة] أصل الطاعات البدنية، والزكاة التي هي
أصل الطاعات المالية، فانطوى سائر الطاعات بالاعتبارين، وهذا كما
قيل في قوله تعالى: ﴿اَلَِّينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمَّا رَزَقْهُمْ
يُفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣].
كأن النبي - عليه السلام - أشار أيضاً بهذا الحديث في إفراد ذكر
الصّلاة والزكاة بعد بيان أهل كتاب، وبعد إيمانهم بالرسول، إلى أنهم
إن قبلوا ذلك، فهم المَعْنِيُّونَ بالآية المذكورة، الموصوفون بحصول
الهداية والفلاح لهم، فكأن تخصيص الطاعتين بالذكر بعد ذكر
الإيمانين مطابق لما في الآية، ويكون تبليغ معاذ هذا الحديث بهذه
الصفة، وإطلاعهم على الآية المذكورة المُنَزَّلَةِ في الكتاب العزيز
باعثاً قوياً، ومحرّكاً عظيماً على دخولهم في الإيمان، وتحصيلهم ذلك
الفوز العظيم لأنفسهم.
والحاصل: أن الاقتصار على المذكور لأجل هذه النكتة، لا لأجل
أن دعوة معاذ منحصرة في ذلك، فإنه إنما بعث ليدخلهم في الإيمان،
ويعلمهم جميع ما لهم من حقوق الله، وحقوق العباد، فتأمّل.
(١) في الأصل: ((لقضيتها)).
١٧٦

وأمّا الاستدلال بالحديث على أنَّ أَوَّلَ الواجبات هو معرفة الله
تعالى بالدليل والبرهان، فليس بواضح، فإن الواقع في بعض الروايات
التلفظ بالشهادة، وفي بعضها ما يقرب إلى هذا، وليس في شيء منها
تصريح بأن الواجب معرفة الله تعالى بالبرهان، نعم، يفهم منه: أن
أوّلَ الواجبات هو الإيمان، يعني: التصديق الجزمي الذي لا شك معه
بما يجب الإيمان به، وهو ما جاء به الرسول بأي طريق حصل، ولابد
من الإقرار لأجل إجراء الأحكام، وقد مر تحقيق هذه المسألة.
وأما التمسك بهذا الحديث على عدم وجوب الوتر، فغير واضح
أيضاً؛ إذ ليس في الحديث ذكر جميع المفروضات حتى يستدل على
ذلك.
وكذا الاستدلال بأن الكفار ليسوا مخاطَبين بفروع الشرائع، بناء
على أن النبي قل أمر بدعوتهم إلى الطاعات بعد قبولهم الإيمان، وأما
أنهم ليسوا بمخاطبين بالفروع، على معنى أن لا يزيد عقابهم في
الآخرة بسبب تركهم لها، فلا دلالة للحديث على ذلك، كيف، وقد
رتب الزكاة على قبولهم الصلاة، ولم يقل أحد بأنهم مكلفون بالصلاة
قبل الزكاة، فعلم أن هذا الترتيب [ ... ](١) الخطاب في الدنيا،
وتقديم الأهم فالأهم.
ثم المختار عند المحققين من أهل الحديث: أن الكفار مخاطبون
بفروع الشرائع على المعنى المذكور، وعليه الشافعي وأصحابه
(١) كلمة غير واضحة في الأصل.
١٧٧

وقيل: غير مخاطبين بها مطلقاً، وعليه أكثر الحنفية.
وقبل: مخاطبون بالمناهي دون الأوامر، وروي ذلك عن بعض
أصحاب مالك، وأحمد، وعليه جمعٌ من أهل التفسير.
وفي الحديث: كيفية دعوة الكفار، وأن الواجب الدعوة إلى
الإيمان أوَّلاً، ثم إلى ما وراءه من الطاعات، بحسب المراتب.
وفيه: أنه لا يحكم بالإسلام بدون التلفظ بالشهادتين، على
ما هو المختار من المذهب.
وفيه: بيان عظم حرمة الظلم، وأن الواجب على الولاة الاتقاء
عنها، وإن كان لأجل ديني؛ كأخذ حق الله، بل عليهم عدم التجاوز
عما حُدَّ لهم في الفرائض، وتعليم أن الواجب في الزكاة أخذ الوسط،
لا الرديء، ولا الكريم، وأن الوالي إذا أخذ غير ما فُرض، يصير
ظالماً، والمأخوذ منه مظلوماً، ودعوة المظلوم مقبولة، فينبغي
الاحتراز عنها .
وفيه: أن الزكاة لا تُدفع إلى الغني، ولا تؤخذ من الفقير، بل
تؤخذ من الغني، وتدفع إلى الفقير، ولا تدفع إلى الكافر؛ لأنه أضاف
الفقراء إليهم، كما أضاف الأغنياء، وذلك بعد ذكر قبولهم الإيمان،
وإنما سمّاها صدقة، وبيَّن أنها تصرف إلى فقرائهم مبيناً لهم بأن
المأخوذ صدقة، وليس شيئاً آخر من جزية أو غيرها، والواجب على
الغني في المروءة أيضاً - وإن لم يرد به شَرِعٌ - أن يواسي الفقراء
بالتصدق عليهم، فيكون هذا المأمور أمراً موافقاً لما عليه المروءة،
١٧٨

وليس شيئاً مبتدعاً مخالفاً للكرم، ولما يجب على الأغنياء من القيام
به، وليس هو شيئاً يؤخذ منهم لأجل نفسه، بل هو شيء تنتظم به
أمورهم الدينية والدنيوية، وهذا هو المراد بإضافة الفقراء إليهم،
لا ما ذهب إليه الخطابي من أنه لا يجوز نقل الزكاة إلى بلد آخر؛ لأنه
جعل المصرف فقراء بلدة الأغنياء؛ لأن المراد بالفقراء فقراء
المسلمين، ولا يلزم من الإضافة تخصيص فقرائهم بالاستحقاق، بل
المعنی ما ذکرنا.
ولما كان أصل استحقاقه كون الشخص مصرفاً لأخذ الزكاة،
وهو الفقر؛ لأنه المعني في الأصناف الثمانية، وإن اختلفت الجهة في
كل صنف، ذكر النبي ◌ّ - عليه السلام - ما هو السبب الأصليّ
الموجود في جميع الأصناف؛ إِمَّا صريحاً كما في الخمسة، وإِمَّا
ضِمْناً كما في الثلاثة الباقية؛ فإن اشتغال العامل بذلك يمنعه عن
الاشتغال بشيء آخر، يحصل له وجه معاشه، وكذا الغازي، وأما
المؤلفة قلوبهم، فلفقرهم عن الدين، والغرض: تحصيل الغنى لهم
الطمأنينة قلوبهم إلى ما يطلبونه، قال - عليه السلام -: ((أَتَدْرُونَ مَا
المُفْلِسُ؟ ... )) الحديث، وقال: ((إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ
إِلَيَّ ... )) الحديث، وغيره.
وبهذا يسقط ما قيل: إن في الحديث دليلاً بجواز صرف الزكاة
إلى صنف واحد، وقد عرفت أن هذا الحديث لبيان طريق الدعوة،
وتقديم ما هو الأهم، لا لبيان الشارع، وما يجب عليهم، ولذلك
١٧٩

أَجْمَلَ ذكرَ كيفية أخذ الزكاة، مع أنه يختلف بحسب الأموال الزكوية،
وأجمل ذكرَ المصارفِ - أيضاً -، وأومأ إلى ما هو السبب في الكل.
، قوله: (فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ) الرواية المشهورة في
قوله: (فَإِنَّهُ) بضمير المذكر على اعتبار المعنى، وهو الدعاء، وأنث
في (بَيْنَهَا) اعتباراً للفظ، ويجوز أن يكون للشأن، وإنما قال: (لَيْسَ
بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ)، ولم يقل: فإنها مقبولة، أو مستجابة؛ للإيماء
بأن قبول الدعوة لأجل الوصول إلى حضرة العزة، ودعوته من هذا
القبيل، وأما ما لا يقبل من الدعوة، فسببه عدم الوصول؛ لبقائها وراء
الحجاب.
وفيه: رمز إلى تقرب المظلوم إلى رب العزة بأن قوله ودعوته
واصلة بلا حجاب ومنع؛ بخلاف حاله بالنسبة إلى الملوك في الدنيا،
فإن بين المظلوم وبينهم حُجُباً وموانعَ لا يصل قولُه ودعوتُه إليهم.
وفيه: أن التقرب إلى الله، وقبول الكلام والدعاء في حضرته،
إنما يكون بكسر النفس، وغاية الخشوع.
وأمّا في الرواية الثانية: (فَإِذَا عَرَفُوا) فيه دليل على أن اليهود
والنصارى لا يعرفون الله تعالى، وإن كانوا يدَّعُونَ معرفته ويعبدونه؛
لأن من أضاف إلى الله تعالى ما هو منزه [عنه] من تجسيم، أو تشبيه،
أو ولد، أو غير ذلك، فهو لا يعرف الله تعالى، والذي يتصور ويعبد
هو معبوده دون الله تعالى؛ لأنه منزه عن ذلك، وهذا مذهب أهل
التحقیق، وعليه الاعتماد.
١٨٠