Indexed OCR Text
Pages 41-60
الاستفسار عن ذلك، والاطلاع على أقوال أولئك. * في قوله: (ظَهَرَ) إشعار بانتشار مذهبهم، وظهور بدعتهم؛ بحیث لا يبقى فيه خفاء. * قوله: (يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ) المراد: بيان أنهم من أهل العلم، وأن الناس يتبعونهم، فتكون بدعتهم بدعة إضلال، ويحتاج إلى رفعها بالسؤال من أهل العلم، ولو كانت صادرة عن الجهال، لَمَا احتيج في دفعها إلى السؤال. * قوله: (وَيَتَقَفَّرُونَ) الرواية المشهورة: تقديم القاف على الفاء؛ أي: يتبعونه؛ من تَقَفَرْتَ الشيءَ: اتبعته، ويروي بتقديم الفاء -، والمعنى: يستخرجون فِقَره، من: تَفَقَّرْتُ الشيء: إذا طلبت معانيه الخفية، وروي: (يَنْقَعِرُونَ) - بالقاف ثم عين مهملة بدل الفاء -؛ أي: يطلبون قعره، ويريدون غوامضه، ويبحثون عن أسراره. وروى في ((سنن أبي داود)) الروايتين الأوليتين، وروى - أيضاً - فيه: (يَتَقَفَّوْنَ) - بتقديم القاف على الفاء وحذف الراء -، من قَفَّيْتُهُ: إذا اتبعته، قال الله تعالى: ﴿وَقَفَيْنَا عَلَىَ ءَاثَرِهِم ﴾ [المائدة: ٤٦] الآية. ومعاني الروايات متقاربة، وليس المراد المدح، بل بيان حالهم بأنهم من أهل قراءة القرآن، والاشتغال بالعلم، والتمكن فيه، وأن أمرهم قد أثّرَ في قلوب بعض الناس، ولا يزيل ذلك إلا إيضاح (١) (١) في الأصل: ((الإيضاح)). ٤١ بالغ، وبرهانٌ واضح. وفي إيراد هذه الأمور الدالة على طلب الخفايا، والتقعر في الأمور: إيماءٌ إلى عدم حصول الانتفاع لهم بعلمهم، ووقوعهم في الضلال والبَوار بسبب تركهم اتباع الأئمة، وإظهار ابتداع هذه البدعة، وادعائهم أنها أمر خفي، ما ظهر على مَنْ قبلهم، وأنهم هم الطَّالبون لبواطن الأمور، غير راضين بظواهرها، وقد بلغوا قَعْرَ العلم، واستخرجوا تلك المقالة من قعره. * قوله: (وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ) الرواية على البناء للفاعل، ولابد له من فاعل مقدر، فذهب النووي إلى أنه يحيى بنُ نعيم، وقائل هذا الكلام ابنُ بريدة، والمعنى: أن ابن بريدة قال: ذكر يحيى لابن عمر شيئاً من شأنهم وفضائلهم، واشتغالهم في تحصيل العلوم، والاجتهاد في درك المعارف. والأظهر: أن الفاعل صاحبُ يحيى، وهو حُميد، وقائل الكلام يحيى؛ لأن قوله: (وَذَكَرَ) معطوف على قوله: (فَقُلْتُ)، وهو مقول يحيى، والمعنى: أني ظننت أَنَّ صاحبي سيكل الكلام إليَّ، قلت كذا وكذا، وذكر صاحبي - أيضاً - شيئاً من شأنهم، فيكون قائل جميع الكلام - وهو يحيى - حاكياً لكلامه وكلام صاحبه، والغرض: بيان أنه مع صاحبه ذَكَرا أحوالَ هؤلاء القوم بالتفصيل، وأعلما ابنَ عمر بشأنهم، وكيفية أحوالهم، فيكون الكلام على نسق ظاهر، وانتظام واضح؛ بخلاف ما لو جعلا القائلَ ابنَ بريدة، والفاعلَ يحيى؛ فإنه ٤٢ يحصل به فُّ النظم - على ما لا يخفى .. وأدخل (مِنْ) في قوله: (وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ) علامة على المحذوف، يعني: شيئاً من شأنهم، وإيماء إلى أن شأنهم كشيء، وإنما ذكر أشياء منه؛ إذ الغرض: إعلامُ ابن عمر بذكر شيء من أحوالهم؛ ليجتهد في دفع شبههم بالجواب الشافي، لا بيان أحوالهم جميعاً، وذكر مناقبهم، وبيان فضائلهم، وتكرير (أن) في قوله: (وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ)، وإيراد الزعم بدل القول شاهد صدقٍ علی ذلك. * قوله: (أَنْ لاَ قَدَرَ) - بفتح الدال ــ: مصدر قَدَرْتُ الشَّيءَ أَقْدُرُهُ وأَقْدِرُهُ - بالكسر والضم - قَدَراً - بالتحريك -، وقَدْراً - بالسكون -: إذا أحطت بمقداره، ويقال: قَدَّرْتُ - بالتشديد - أُقَدِّرُ تَقْدِيراً؛ بمعناه. * قوله: (وَأَنَّ الأَمْرَ أُنْفُهُ) - بضم الهمزة والنون -؛ أي: مستأنَفٌ، لم يسبق به قدرٌ من الله تعالى، وإرادةٌ منه، وإنما هو بتقدير الشخص وإيجاده. قال في ((الأساس)): كَلاَ، ومَنْهَلٌ، وكَأْسٌ أَنْفٌ؛ أي: لم يؤكل، ولم يُشرب قبلُ، وجَارِيَّةٌ أُنَّفٌ؛ أي: لم تُطْمَث. والمعنى: أنهم يزعمون أنْ لا قدرَ من الله، وأن الأمر موكَلٌ إلى رأيهم وإرادتهم، وأنهم غير مقدور قَبْلَ فعلهم، بل هم المبتدِعون لأفعالهم، خالقون لها، وهذا هو المشهور من مذهب المعتزلة - أيضاً -. وتحرير هذا المبحث: أن الأفعال الاختيارية الصادرةَ من العباد ٤٣ - بعدَ الاتفاق على أن القائم بها من نحو الأكل والشرب والضرب وغير ذلك - هو العبد، هل هي مخلوقة لله تعالى، والعبد قائم بها مباشِر لها، أم هي بخلق العبد وإيجاده؟ فذهب أهل السُّنَّةِ، وكثيرٌ من سائر الطوائف إلى أن الله تعالى خالقُها، والعبد قائمٌ بها، كاسبٌ لها، وإسنادُ الأفعال إلى العبد - على ما ورد في بعض الأخبار، وشاع في ألسنة الناس - إنما هو سبب قيامه بها؛ فإن الفعل مسنَدٌ إلى من قام به، لا إلى مَنْ أوجدَه، كما يتصف به من حصل فيه، ألا ترى أن الأبيض هو الجسم، وإن كان البياض بخلق الله تعالی؟ وذهبت المعتزلة إلى أن العبد مُوجِدْ الفعل، خالِقٌ له، وهذا هو مذهب الفلاسفة بعينه، إلاَّ أن الفلاسفة يقولون بالإيجاب، يعني: أن الله تعالى أوجب للعبد القدرة والإرادة، وهما يوجبان الفعل، والمعتزلة يقولون بالاختيار، وهذا بالنظر إلى القدرة. أما بالنظر إلى وجود الفعل، فلا فرق بين المذهبين؛ فإنه بالإيجاب عند الفريقين، لما تقرر في موضعه: أن الفعل ما لم يجب لم يوجد، وهذا مذهب باطل كما ترى؛ فإن القول بكون العبد العاجز القاصرِ قادراً على إيجاد فعله، خالقاً له، شيءٌ في غاية القبح، ونهاية الشناعة، كما أن القول بالجَبْر المَحْض، وجعل الإنسان بمنزلة الجمادات، وحركاته كحركات المرتعش، سخفٌ وجهالة. ولهذا سلك أهل السنة والجماعة سبيلاً بين هذين، وأثبتوا القدرة ٤٤ والخلق الله تعالى، والكسب والمباشرة للعبد. وسيجيء لهذا زيادةً بسط في المواضع اللائقة - إن شاء الله تعالى -. والغرض هاهنا: بيان مذهب المعتزلة في هذه المسألة، وأنهم قائلون بنفي قدرة الله تعالى في أفعال العباد، وإثباتِها للعبد، وهذا هو المشهور من مذهبهم، المصرّح [به] في كتبهم وكتب أهل السنة، وهم اليوم على هذا الاعتقاد الفاسد، وما غيَّروا ذلك قط، بل المتأخرون منهم زادوا على شُبَهِ قدمائهم شُبهاً وأباطيل، ونصبوا لاصطياد الجَهَلة شَرَكاً وحبائل. وظاهر كلام يحيى بن يعمَر - على ما في الكتاب في بيان مذهب معبد - هو هذا بعينه؛ فإن فيه بيان: أن الفعل بقدرة العبد، وليس له تقدير سابق من الله تعالى، فالقول بأن ما في الكتاب بيان مذهب طائفة من قدماء المعتزلة المسماة بـ: ((السُّكينية)) المنكرين علمَ الله تعالى بشيء من أفعال العباد قبل وقوعها، وأنهم انقرضوا، وما بقي منهم أحد - على ما ذهب إليه الشارحون، مع أنه مخالف لظاهر كلام الكتاب - مما لا حاجة إلى المصير إليه، فتأمل. ، قوله: (فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ) جيء بـ (إذا) الدالة على الجزم؛ إيماءً إلى أن ملاقاته إياهم، وإبلاغ هذا الكلام إليهم محتومٌ عليه، فينبغي عليه الإقدام على ذلك، وأما براءة منهم، فظاهر. وفيه: إيماء إلى جواب السؤال - أيضاً -. * وأما قوله: (وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي) فمعناه: أن حالهم يقتضي ٤٥ براءتهم مني؛ لأنهم على الضلال، وأنا على الحق، ولا شك في براءة كل واحد من الفريقين من الآخر، وهذا تأكيد في أنهم ضُلاَلٌ، ليس فيهم شيء من الهداية قط. وإشارة إلى أنهم - وإن كانوا يقرؤون القرآن، ويشتغلون بالعلم - ليس لهم حظ من الدين. ثم أكَّد ذلك بالحلف، وبيَّن أن قبح مقالتهم، وسوءَ عقيدتهم بمنزلة لا يكفُّرها شيء، حتى إن الإنفاق الذي هو مطفئ غضب الرب، لو حصل منهم، وأنفقوا مثلَ أحد ذهباً، لا ينفعهم ذلك إلا بعد الإيمان بالقدر؛ لأنه من جملة ما يؤمن به، والنفقة إنما تفيد بعدَ تحققِ الإيمان، وإنما ذكر النفقة، مع أن السائل إنما ذكر من فضائلهم العلمية؛ إيماءً إلى عدم الاعتداد بعلمهم، وإلى أن مدار الأمر على العمل، ورمز إلى أنهم منخرطون في سلك الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ اُفْتَدَى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] الآية، وهذا تغليظ منه حظره؛ ليرتدعوا، ولئلا يقتفي الناس أثرهم. ويحتمل أنه حكمَ بكفرهم؛ فإن تكفير القائلِ بكون العبدِ خالقاً، وما أشبهه، من المسائل الخلافية التي فيها خَفاء = مختلفٌ فيه، مع أن تكفير القائل بما يخالف القواعد المقررة المشهورة؛ مثل: حدوث العالم، وحشر الأجساد، ونحوهما = متفق [عليه]. قال في ((المنتقى)): إِنَّا لا نكفِّر أحداً من أهل القبلة، وعليه أكثرُ الفقهاء، ومن الأصحاب مَنْ يكفِّر المخالفين، هذا كلامه. والمذكور في أكثر الكتب الكلامية: أن قدماء المعتزلة يكفِّرون ٤٦ القائلين بالصفات القديمة، والقائلين بخلق الأفعال. والمحكي عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني: أنه قال: نكفِّر من یکفِّرنا، ومَنْ لا فلا. فإذا كانت المعتزلة يكفرون القائلَ المحقَّ بأن الله تعالى خالقُ الأفعال، فتكفير المبطلين القائلين بأن العبد خالق ليس ببعيد. اللهم لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهَبْ لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب. ، وقوله: (حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) في إيراد: عمر ـ إنّه بعد قوله: (أبي)، مع أنه معلوم بأنه أبوه: زيادةُ تنبيه على أن الراوي هو الكامل المشهور، الذي يفر الشيطان من ظله، ولا يسلك قَطُّ فجه، وللمهابة في قلوب السامعين، ومن الرواية عن أبيه، لا عن تفسير مع أنه شاهد للقصة على ما مر، لأجل ذلك - أيضاً -. * قوله: (بَيْنَمَا نَحْنُ) هي (بين) التي دخلت عليها (ما) الكافة، فمنعتها عن العمل، وهو الخبر، وقد يزاد عليها الألف فحسب، وهي تكفها - أيضاً -، وما بعدَها مرفوع على الابتداء في المشهور، وقد يخفض على الأصل، فتكون زيادة (ما) أو الألف لسهولة النطق، لا للكف، و(إذ) و(إذا): ظرفان، ويجيئان للمفاجأة، و(إذ) - هاهنا - لها، وليس في (إذ) معنى الشرط، كما في (إذا)، اللهم إلا أن يزاد عليها (ما)؛ كما في قوله: ٤٧ إذ ما أتيتَ على الرسول فقُل له ... البيت، فإنها للشرط حينئذ. * قوله: (شَدِیدُ بَیَاضِ النِّیَابِ) تحقیقٌ للسماع، وتمھیدٌ لما ◌ُینی عليه من التعجب بحاله. وفيه: استحباب تحسين الثياب والهيئة عند الدخول على العلماء والفضلاء والملوك، والترغيب في لبس البياض. قوله: (لاَ يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ) الرواية المشهورة على البناء للمفعول بالمثناة التحتانية. (وَلاَ يَعْرِفُهُ) - بالياء أيضاً-، وفي رواية العذري: بالنون، وبناء * الفاعل فيهما، وكلاهما صحيح. والغرض: بيان التعجب من حاله؛ فإن هيئته وزينته تقتضي أن يكون من المقيمين، وعدم معرفة القوم مع أن أهل المدينة جمع معلومون، يقتضي كونه من المسافرين . وفيه: إيماء إلى غاية توجههم لاستماع كلامه، ونهاية إقبالهم عليه، وكيفيةُ جلوسه عند رسول الله بَّي زادتهم تعجباً وإقبالاً . والظاهر: أن الضمير في (رُكْبَيْهِ) أولاً، وفي (كَفَّيْهِ) للطالع، وهو جبريل، وفي (رُكْبَتَيْهِ) ثانياً و(فَخِذَيْهِ) للنبيِّ - عليه السلام -، وقد جاء مصرَّحاً في هذا الحديث، في رواية مطر الورَّاق، على ما أخرجه أبو داود الطيالسي: فَلَمْ يَزَلْ يَدْنُو مِنْهُ حَتَّى أَلْصَقَ رُكْبَتَهُ عِنْدَ رُكْبَةٍ رَسُولِ اللهِ وَله . ٤٨ وفي رواية المعتمر على ما أخرجه الدارقطني: فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﴿ كَمَا يَجْلِسُ أَحَدُنَا فِي الصَّلاَةِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رُكْبَتَيْ رَسُولِ اللهِ لَّهِ. وأخرج النسائي من حديث أبي ذر، وأبي هريرة: كَانَ رَسُولُ اللهِ إِله يَجْلِسُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ، فَيَجِيءُ الْغَرِيبُ، فَلاَ يَدْرِي أَيُّهُمْ هُوَ حَتَّى يَسْأَلَ، فَطَلَبْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ أَنْ نَجْعَلَ لَهُ مَجْلِساً يَعْرِفُهُ الْغَرِيبُ إِذَا أَتَاهُ، فَبَيْنَا لَهُ دُكَّاناً مِنْ طِينٍ كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ، وَإِنَّا لَجُلُوسٌ، وَرَسُولُ اللهِ ◌ّهِفِي مَجْلِسِهِ، إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهاً، وَأَطْيَبُ النَّاسِ رِيحاً، كَأَنَّ ثِيَابَهُ لَمْ يَمَسَّهَا دَنَسٌ، حَتَّى سَلَّمَ فِي طَرَفِ الْبِسَاطِ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ، قَالَ: أَدْنُو يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: ((ادْنُ))، فَمَا زَالَ يَقُولُ: أَدْنُو مِرَاراً، وَيَقُولُ لَهُ: ((ادْنُ)) حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رُكْبَتَيْ رَسُولِ اللهِ ێے، ثم ساق الحديث. وقد مر من حديث طلحة، وأنس، وابن عباس، وابن عمر ذلك مصرحاً - أيضاً -. وذهب جمع - منهم النووي - إلى أن الضمائر لجبريل، والمعنى: أنه وضع يده على فخذي نفسه، وإنما فعل هذا، مع أن الأدب جلوسُ السائل في ناحية المسؤول عنه؛ تعمية بحاله، وإظهاراً بأنه من الأعراب الذين دأبهم في الجلوس كذلك عند سؤالهم عن الأشياء. وفيه: تنبيه على ما ينبغي للسائل من قوة النفس، وعدم المبالاة ٤٩ بما يقطع عليه خاطره، وإن كان المسؤول ممن يُحترم ويُهاب، وعلى ما ينبغي من المسؤول من التواضع والصفح عن السائل فيما قصر في الاحترام والأدب، هذا ما قيل. والوجه هو الأول؛ لما مر من التصريح في الروايات. الوجه الثاني: الجمع بين ما وقع من الاختلاف من الروايات: فمنها: أن أكثر الروايات صريحة من أن القوم رأوا السائل، ولهذا جاء ذكر صفة ثوبه، وبيان هيئته، وكيفية جلوسه، وأنهم قد سمعوا كلامه، ولهذا ذكروا کیفیة سؤاله، وجواب النبي - عليه السلام - له. وجاء في حديث طلحة: وَنَسْمَعُ رَجْعَ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ إِلَيْهِ، وَلاَ يُرَى الَّذِي يُكَلِّمُهُ، وَلاَ يُسْمَعُ كَلاَمُهُ، وهذا صريح في أنهم ما رأوا السائل، ولا سمعوا كلامه، وإنما سمعوا كلام النبي - عليه السلام -. والوجه - بعد ما مرَّ في شَهْر بن حوشب من الكلام -: أن ذلك بعد الأسئلة الثلاثة؛ فإنهم رأوا الرجل أولاً، وسمعوا سؤاله عن الإسلام والإيمان والإحسان، وجواب النبي - عليه السلام - له، ثم تَغَيَّبَ عنهم، وما سمعوا سؤاله عن الساعة، وإنما سمعوا ترجُّعَ النبي - عليه السلام -، ولهذا جاء في بعض روايات هذا الحديث ذكر السؤال عن الساعة، وجواب النبي - عليه السلام -؛ لأنهم سمعوا ذلك من النبي ◌َّ﴿، وجاء في بعضها الاقتصارُ على الأسئلة الثلاثة، وترك ذكر السؤال عن الساعة؛ لأنهم إنما سمعوا الأسئلة الثلاثة من السائل، وما سمعوا السؤال عن الساعة منه. ٥٠ ومنها: أن أكثر الروايات متفقة على أن النبي - عليه السلام - بعد ما قال له: ((مَا الْمَسْئؤولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ)) أخبره عن أشراطها . وجاء في حديث طلحة: أن السائل قال للنبي - عليه السلام -: (إِنْ شِئْتَ حَدَّثْتُكَ بِعَلاَمَتَيْنِ تَكُونَانِ قَبْلَهَا)). والوجه: أن ذلك إنما وقع لأجل ما مرَّ من أنهم ما رأوا السائل بعد الأسئلة الثلاثة، وما سمعوا كلامه، وإنما سمعوا ترجع النبي - عليه السلام -، فحصل الالتباس من السامع بأنه وقع من السائل، أو تبين له النبي - عليه السلام -. فمن روى الحديث من السؤال عن الساعة على الأسئلة الثلاثة السابقة، روى هذا السؤال عنه، والجوابَ عن النبي - عليه السلام -. ومن اعتبر رؤية السائل، وعدمَ رؤيته، اقتصر على الأسئلة الثلاثة، وجوابها، وما ذكر ما بعدها. ومن اعتبر الترجع، روی ذکرَ هذا من السائل. وأما الكلام في علم النبي - عليه السلام - السائل بأنه جبريل من وقت مجيئه، أو بعد رواحه، وإخباره للحاضرين في مجلسه ذلك، ولعمر بن الخطاب بعد ثلاث، فسيجيء عن قريب - إن شاء الله تعالى -. والوجه الثالث: الكلام على ما دل عليه الحديث من المسائل : فاعلم أن هذا الحديث جليل القدر، عظيم الشأن، مشتملٌ على جميع العبادات الظاهرة والباطنة، بل على جميع ما يحتاج إليه العباد في معرفة المبدأ والمعاد. ٥١ وينبغي أولاً: معرفة الألفاظ المشتملة، ثم تحقيق ما يترتب عليها من الأبحاث. الإسلامُ لغةً: الاستسلام والانقياد، قال الله تعالى: ﴿قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] الآية. وفي الشرع: الانقياد لأحكام الله تعالى، وربما قيَّدَ الانقياد بالأفعال الظاهرة، ويستدل بما جاء في هذا الحديث وغيره، وسيجيء الكلام علیه . والإيمان لغة: التصديق، قال الله تعالى حكاية عن إخوة يوسف - عليه السلام -: ﴿وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ أَنَا﴾ [يوسف: ١٧] الآية، وهو إِفْعَالٌ من الأمن، والهمزة للضرورة، أو التعدية بحسب الأصل، أو جعل الغير آمناً من التكذيب والمخالفة، ويعدى بالباء؛ لاعتبار معنى الإقرار والقبول، وباللام؛ لاعتبار معنى الإذعان والانقياد، قال الله تعالى: ﴿فَعَامَنَ لَهُ، لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦] الآية، ولما كان الإيمان في التحقيق هو التصديق، والحكم على الشيء يقع تعلقه باعتبارات مختلفة، اعتبر في کل واحد منها ما يليق به. فإن معنى الإيمان بالله: التصديق بأنه متصف بما يليق به، منزه عما لا يليق به. [و]بالرسل: بأنهم مبعوثون من عند الله، صادقون فيما جاؤوا به . وبالملائكة: بأنهم عباده المُكْرَمون المطيعون، لا يتصفون ٥٢ بذكورة ولا أُنوثة، ليسوا بنات الله، ولا شركاؤه. وبالكتب السماوية: بأنها منَزَّلَةٌ من عند الله، صادقة فيما تتضمنه من الأحكام. وباليوم الآخر: بأنه كائن البتة. وبالقدر: بأن الخير والشر بتقدير الله ومشيئته. ويرجع الكل إلى القبول والاعتراف كما ترى. وأما في الشرع، فقد اختلف في كونه اسماً لفعل القلب فقط. أو لفعل اللسان فقط . أو لهما جميعاً وحدَهما. أو مع سائر الجوارح. فهذه طرق أربعة : فعلى الأول: قد يجعل اسماً للتصديق، يعني: تصديق النبي فيما جاء به، ولا يشترط التفصيل، وهو المشهور، وعليه الجمهور. وقد يجعل اسماً للمعرفة؛ يعني: معرفة ما ذكرنا من الأشياء التي يجب الإيمان بها، وهو مذهب جمهور الشيعة، وجَهْم بن صفوان، وأبي الحسن الصالحي من القَدَرِيَّة، ونُقُل عن الأشعري الميلُ إليه. وسيجيء الفرقُ بين التصديق والمعرفة. وقد يُجعل اسماً للتسليم بادعاء أنه شيء غير التصديق، وهو قول شِرْذِمة من المتأخرين من أهل السنة، وإن كان ذلك يعود إلى التصديق بالآخرة على ما سيجيء. ٥٣ وعلى الثاني: وهو أن يجعل اسماً لفعل اللسان، أعني: الإقرار صَلىالله بحقيقة ما جاء به وئام . فقد تشترط فيه المعرفة حتى لا يكون الإقرار بدونها إيماناً، وهو مذهب جمع من القدماء. وقد يشترط فيه التصديق، وهو مذهب القَطَّان؛ فقد صرح بأن الإقرار الخالي عن التصديق لا يكون إيماناً . وقد لا يشترط شيء، وهو مذهب الگژّامية، حتى إن من أضمر الكفر وأظهر الإيمان، يكون مؤمناً، إلا أنه يستحق الخلود في النار، ومن أضمر الإيمان ولم يتفق منه الإقرار، لم يستحق الجنة. وعلى الثالث: وهو أن يكون اسماً لفعل القلب واللسان معاً، فهو اسم التصديق مع الإقرار، وهو مذهب كثير من المحققين، وقد وقع في عباراتهم مكانَ التصديق المعرفةُ تارة، والاعتقادُ تارة، والعلمُ تارة، والمقصود من الكُلِّ: التصديق. وعلى الرابع: وهو أن يكون اسماً لفعل القلب واللسان وسائر الجوارح، على ما يقال: إنه إقرار باللسان، وتصديق بالجَنان، وعمل بالأركان. فقد يجعل تارك العمل خارجاً عن الإيمان، داخلاً في الكفر، وإليه ذهبت الخوارج. أو غيرَ داخل فيه، وهو القول بالمنزلة بين المنزلتين، وإليه ذهبت المعتزلة . ٥٤ وقد يجعل غيرَ خارج من الإيمان، بل يقطع بدخول الجنة، وعدم الخلود في النار، وهو مذهب أكثر السلف من المتكلمين، وجميع أهل الحديث، والمحكي عن مالك، والشافعي، والأوزاعي. فهذه المذاهب عشرة، وحججهم ومناقضتهم طويلة، مذكورة في كتب الكلام، لكن لابد هاهنا من التنبيه على الفرق بين التصديق والمعرفة، وبينه وبين التسليم - على ما ادعاه القائل به - من بيان ثمرة الخلاف في جعل الإقرار شرطاً أو شطراً، وبيان القول بعدم خروج تارك العمل عن الإيمان، مع جعل العمل شطراً. أما الفرق بين التصديق والمعرفة، فقد اختلفت عبارات القوم فيه بعدَ اتفاقهم على أن ليس المراد بالمعرفة: التصور فقط، بل المراد: التصور مع الحكم. وحاصل ما قالوا: أن الإذعان والانقياد معتبر في التصديق، لا في المعرفة؛ فإن الكفار عارفون ما جاء به الرسول وَله، ولا يصدِّقون به عناداً واستكباراً، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْثُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]. فالتصديق عبارة عن ربط القلب بما علم من أخبار المخبر، وهو أمر ليس يثبت باختيار المصدق، ولهذا يؤمر به، ويثاب عليه، بل يجعل رأس العبادات. والمعرفة عبارة عن الحصول، فربما يحصل بلا كسب؛ كمن وقع بصره على الجسم، فحصل له معرفة أنه حجر، أو جدار. ٥٥ ولما سمع بعض الناس أن المعتبر في التصديق هو الإذعان والقبول، ورأى في ظواهر الكتب أن التصديق هو التصور مع الحكم، ظن أن التصديق لا يكفي في الإيمان، بل لابد من التسليم، وصرح بأن التصديق غيرُ كاف، والإيمان إنما يكون اسماً للتسليم، وقد هاجت قُبَيْلَ هذا الزمان في بعض البلاد فتنة بسبب ذلك، وزعم كثير من العوام، بل جمع من الخواص، بأن السلف قصَّروا في ذلك؛ حيث لم يصرحوا بأن التسليم مما لابد منه في الإيمان، وقنعوا بذكر التصديق. والعجب منهم كيف قالوا ذلك، وكيف نسبوا السلف إلى التقصير، مع أن كتبهم مشحونة بأن المعتبر في الإيمان التصديقُ، وهو عبارة عن الإذعان والقبول فيما جاء به الرسول، ولا تكفي المعرفة، کما ذهب إليه جهم وغيره. وكيف خفي على هذا القائل وأتباعه هذا، مع وضوحه؟ وكيف لم يتفطنوا بما صرح بعض المحققين بأن الإسناد والإيقاع ونحو ذلك، عبارات؟ والتحقيق: أنه ليس للنفس هاهنا تأثیر وفعل، بل إذعان وقبول، وإدراك أن النسبة واقعة، أو ليست. وأما ثمرة الخلاف بين مَنْ جعل الإقرار شرطاً، وبين من جعله شطراً، فهو: أن الإقرار عند الأول لأجل إجراء الأحكام الدنيوية، وعند الثاني لأجل الأحكام الأخروية، فإن من ترك الإقرار مع القدرة، لا على وجه الإباء، مؤمن في الآخرة عند الأول، لا عند الثاني، بعد ٥٦ اتفاقهما على إيمان العاجز؛ كالأخرس، وكَقَرِّ المُصِرِّ على الإباء مع القدرة، عند مطالبة الإقرار منه. وأما جعلُ العمل شطراً، مع القول بعدم خروج تاركه عن الإيمان، فمرجعه: أن الإيمان يطلق على ما هو الأصل والأساس في دخول الجنة، وهو التصديق مع الإقرار، وعلى الكامل المُنجي بلا خلاف، على ما يفصح عنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ -٤]، فمطلق الاسم لأيهما؟ فذهبت المعتزلة والخوارج إلى أن مطلق الاسم للأول، فيخرج تارك العمل من الإيمان، ولا يدخل الجنة؛ لأنه غير مؤمن. وذهب الباقون إلى أنه اسم للثاني، وهو الكامل، فيخرج بترك العمل منه، لا من الإيمان، فيستحق دخول الجنة، لكن لا نحكم بالنجاة المطلقة؛ بحيث لا يدخل النار، بل أمره في مشيئة الله تعالى، إن شاء عفا عنه، وأدخله الجنة بفضله أو شفاعة شافع، وإن شاء عذبه بقدر معصیته، ثم یکون آخر مصيره إلى الجنة. وإذا عرفت مذاهب القوم، وأن مرجع الإيمان عند أهل الحق إلى الإذعان والقبول، والإسلام - أيضاً - الانقياد، فقد عرفت أنهما متقاربا المفهوم؛ لرجوعهما إلى الاعتراف والانقياد، و- أيضاً -: لا يعقل بحسب الشرع مؤمن ليس بمسلم، أو مسلم ليس بمؤمن، ولهذا وقع في كلام السلف أنهما مترادفان، والمراد بالترادف هاهنا: ٥٧ عدم التغاير بمعنى الانفكاك، وقد اشتهر في لسان الشرع إطلاق لفظة الإسلام على طريقة النبي - عليه السلام -، واعتبار الإضافة إليه، حتى صار بمنزلة الاسم لدين محمد ◌َّيه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اَللَّهِ اُلْإِسْلَمُ ﴾ [آل عمران: ١٩]، وإطلاق لفظة الإيمان على فعل المؤمن من حيث الإضافة إليه، ولم يصر بمنزلة الاسم للدين، ولهذا يقال: دين الإسلام، ولم يُسمع دين الإيمان، واستعمال كل واحد منهما موضع الآخر كثيرٌ في القرآن والسنة. فهذا تحقيق هذه المذاهب، فتأمل، فإنه من مطارح الأذكياء، وعليك بترك الخوض، وعدم التعمق في هذه الأبحاث، فإن السلامة في خلو الاعتقاد عن شوائب هذه الأشياء، كما كان دأب الصحابة والسلف الصالح، وإنما يحتاج الإنسان إلى معرفة هذه المباحث لأجل دفع المخالف، والله المستعان. * قوله: (وَتَقِيمَ الصَّلاَةَ) المشهور أن الصلاة لغةً: الدعاء، قال الأعشى : عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي نَوْماً فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا وفي ((الكشاف)): حقيقة صلَّى: حَرَّكَ الصَّلَوَيْنِ؛ لأن المصلي يحركهما في الصلاة، وقيل: للداعي: مصلياً؛ تشبيهاً له بالراكع والساجد. هذا كلامه. ٥٨ وفي الشرع: الأركان المخصوصة، فعلى المشهور: حقيقةٌ في الدعاء، مجازٌ في الأركان المخصوصة لغةً، وعلى ما في ((الكشاف)): حقيقةٌ في تحريك الصَّلَوين؛ أي: طرفي الأَلْيتين، مجاز في الأركان المخصوصة، استعارة في الدعاء. ومعنى إقامتها: تعديلُ أركانها، مِنْ أقام العوَد: إذا قَوَّمَهُ، والدوامُ عليها، من قامت السوق: إذا نفقت، أو التجلد والتشمر لأركانها، من قام بالأمر: إذا أدَّاه، فعبّر عن الأداء بالإقامة؛ كما يعبّر بالركوع والسجود، فهذه الوجوه الأربعة مشهورةٌ عند القوم، دائرةٌ في كلامهم. والوجه في الأوَّلين: أنها استعارة تبعية، جعلت تسوية الصلاة على ما ينبغي بمنزلة إقامة العود؛ أي: تقويمُه، وجعلُه بحيث لا اعوجاج فيه، أو جُعلت المداومة عليها بمنزلة الشيء النافق الذي تتوجه إليه الرغبات. وفي الآخرين: أنها مجاز مرسل؛ حيث عبَّر عن الصلاة بلفظ جزئها، وهو القيام تقديراً؛ كما في الثالث، أو تحقيقاً؛ كما في الرابع. وهاهنا وجه خامس أحسنُ من الكُلِّ، وهو أن يجعل من قولهم: قام هذا بنفسه، وذلك بغيره، والمعنى: جعل الصلاة قائمة حاصلة في الخارج، فتأمل. * وقوله: (وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ)، الزكاة لغةً: النماء والزيادة. وفي الشرع: إخراج جزء من مالٍ مسلمٍ حرِّ بشروطه، سُميت ٥٩ بها؛ لأنها تُخرج من الأموال النامية، أو لأنها سببُ النماء، وتكثير الحسنات: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِِّهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وأداؤها: صرفها إلى المصارف. * قوله: (وَتَصُومَ رَمَضَانَ)، والصوم لغة: الإمساكُ، قال: خَيْلٌ صِيَامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ تَحْتَ العَجَاجِ وأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا أي: مُمْسِكة عن الحركة. وفي الشرع: الإمساك عن المفطرات في النهار مع النية . ورمضان: مصدر رَمَضَ: إذا أحرق، فكأنهم سَمَّوه(١) بذلك؛ لارتماضھم من حر الجوع، وشدة مقاساته، کما سموه ناتفاً؛ لأنه كان ينتفهم؛ أي: يزعجهم، أو: لأنه يحرق الذنوب، وقيل: الرَّمَضُ: المطر الذي أول الخريف يطهر الأرض من الغُبَارِ، فسمّوه به؛ لأنه يطهر الصائم من الآثام. ثم المنقول عن أئمة اللغة: أن العلم في ثلاثة أشهر مجموع المضاف والمضاف إليه: شهر رمضان، وشهر ربيع الأول، وشهر ربيع الآخر، فحذف المضاف هاهنا؛ لأمن الالتباس. فإن قلت: قد أخرج ابنُ عَدِيٍّ وغيرُه عن أبي هريرة، مرفوعاً: ((لاَ تَقُولُوا رَمَضَانَ؛ فَإِنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تعالى، وَلَكِنْ (١) في الأصل: ((سمو)). ٦٠