Indexed OCR Text
Pages 301-320
وأما شيخه فهو أبو عثمان (عفان) بن مسلم الصَّفَّار، أحد الأعلام. عن هشام الدَّسْتَوَائي، وشعبة، وهَمَّام، وخلائق. وعنه أحمد، وابن مَعين، وابن راهويه، وابن المَدِيني، وآخرون. وثَّقه القوم، وأخرج له الستة. وهو إمام بلا مدافَعة، حتى قال يحيى القَطَّان مع تعنَّته في الرجال: إذا وافقني عفَّان لا أبالي من خالفني. وثناء الناس عليه كثير، فلا وجه لإيراد ابن عَدِيٍّ إياه في الضعفاء. قد وثَّقه النقاد، مع أنه يورد في الثقات من ضعف الأثبات. وهو أول من ابتُلي بخلق القرآن زمان المأمون، وقيل له: إن لم تقل بخلق القرآن انقطع عنك أرزاقك، فقال: نعوذ بالله من هذا القول، وأما الرزق فقال الله تعالى: ﴿وَفِ السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، فلما رأى منه جمعٌ هذا التصلِّبَ في الدين قويت قلوبُهم واطمأنت نفوسهم. ومناقبه في الزهد والعلم والعبادة كثيرة. توفي سنة عشرين ومئتين. وأما شيخه فهو أبو صالح (محمد بن يحيى بن سعيد القَطَّان) عن أبيه، وابن عُيينة، ومعاذ بن معاذ، وجماعة. وعنه ابناه أحمد وصالح، والذُّهلي، وخلقٌ كثير. أورده ابن حِبَّان في الثقات، وأخرج له أبو داود والبخاري تعليقاً، ومسلم هاهنا. توفي سنة ثلاث وثلاثین ومئتين. ٣٠١ وأما أبوه فهو أبو سعيد (يحيى بن سعيد) بن فَرُّوخ التميمي، البصري، القَطَّان، الأحول، الحافظ، أحد الأعلام الثقات، وأوحد الأئمة الأثبات. عن إسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وخلائق. وعنه شعبة، والسفیانان، وابن مهدي، وأممٌ. اتفق القوم على جلالته وعلوِّ مرتبته، وغاية إتقانه، وأخرج له الستة. توفي سنة ثمان وتسعين ومئة. : قوله: (لَمْ نَرَ الصَّالِحِينَ) الرواية فيه بالنون، وفي قوله: (لَمْ تَرَ أَهْلَ الخَيْرِ) بالمثناة الفوقانية، والمراد أن الكذب يجري على ألسنتهم من غير تعمُّد، لاعتقادهم أن كل من يحدِّث فقد يصدق، قياساً على أنفسهم من احترازهم عن الكذب، وصيانتهم عن الفسق. وفي هذا الأثر إيماءٌ إلى معانٍ : أحدها: أن التعمد لا يُشترط في الكذب، لأنه الإخبار على غير ما هو عليه، فينبغي أن يحفظ الإنسان لسانه، ويصحِّح كلامه، ولا یوقع نفسه في هلكة الكذب متعللاً بأنه غير عامد فيه. والثاني: أنَّ تعمُّدَ الكذب لا يُشترط في ترك الرواية عن الشخص، بل إذا وُجد منه الكذب بأي وجه كان تركُ الحديث عنه؛ لأن بوجوده نزلَ الإتقان الذي هو شرط، اللهم إلا أن يكون على سبيل النُّدْرة، فإنله] ٣٠٢ ءُ بذلك لا يخرج عن الإتقان لتعذر الاحتراز عنه، وقد وقع للأئمة مثلَه كما هو المعروف. والثالث: أن الصلاح والعبادة والاشتغال بأمور الدين لا تكفي في نقل الحديث عنه، بل لا بدَّ من مخالطة أهله والحفظ عنهم، فقد يوجد عن كثير ممن غَلبت عليه العبادة ولم يكن معه العلم وضْعُ الحديث في فضائل الأعمال ووجوه البِرِّ، ويتساهلون في رواية ضعيفها ومنكرها، ويعترفون بذلك، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وربما تمسّكوا بما عُزيَ إلى أبي هريرة: أنه رفعه إلى النبي ◌َّ: أنه قال: ((إِذَا حُدِّثْتُمْ عَنِّي بِحَدِيثٍ تَعْرِفُونَهُ وَلاَ تُنْكِرُونَهُ فَصَدِّقُوا بِهِ قُلْتُهُ أَمْ لَمْ أَقُلْهُ، فَإِنِّي أَقُولُ مَا يُعْرَفُ وَلاَ يُنْكَرُ))، وهذا حديث ضعيف، ضعَّفه الأَصِيلي وغيره من الأئمة، ولو صح، فمعناه: كل ما جاء موافقاً للشريعة فقد قلته، أي: معناه: لا لفظه، فإنه لمَّا صحَّ كونه موافقاً للشرح = فقد عُلم أنه قاله بغير هذا اللفظ . نعم، يمكن أن يُستدل بهذا على جواز النقل بالمعنى، لا على وضع الحديث مع وضوح قوله: ((لا تَكْذِبُوا عَلِيَّ ... )) الحديث، وصحته. وفي الأثر أيضاً: إرشادٌ للأخذ بأنْ لا تَغيُّرَ بصلاح حال الراوي، وميله إلى الخيرات، وانخراطه في عداد أهلها، بل عليه الفَخْص عن حاله بأنه من أهل الإتقان أم لا، وتوصيفهم بالصلاح والخير دون غيره من الصفات لأجل هذا المعنى، وهذا قريب إلى قول ابن الزِّنَاد: أدركت بالمدينة الأثر. ٣٠٣ * وأما قوله: (القَطَّان) فصححه بعض الناس بالجر صفةً لـ (يحيى)، وصحَّ أن یکون منصوباً صفةً لـ (محمد)، كأنَّ یحیی اشتُهر به دون محمد، وإلا فلا حَجْر. * ٤٦ - حَدَّثَنِي الفَضْلُ بن سَهْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بِن هَارُونَ قَالَ: أَخْبَرَنِي خَلِيفَةُ بن مُوسَى قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى غَالِبٍ بن عُبَيْدِ اللهِ، فَجَعَلَ يُعْلِي عَلَيَّ: حَدَّثَنِي مَكْحُولٌ، حَدَّثَنِي مَكْحُولٌ، فَأَخَذَهُ البَوْلُ فَقَامَ، فَنَظَرْتُ فِي الْكُرَّاسَةِ فَإِذَا فِيهَا: حَدَّثَنِي أَبَانٌ عن أَنَسٍ، وَأَبَانٌ عن فُلاَنٍ، فَتَرَكْتُهُ وَقُمْتُ. وأمَّا (يَزِيدُ) هو أبو خالد يَزِيدُ بن هَارُونَ بن زاذَان السُّلَمي، الواسطي، الحافظ، أحد الأعلام. عن سليمان التَّيْمي، وحُمَيد الطويل، وابن عَوْن، وخلائق. وعنه أحمد، وابن المَدِيني، وابن راهَوَيْهِ، والذُّهْلِي، وآخرون. اتفق القوم على وثوقه وجلالة فضله وغزارة حفظه، يحكى أنه يحفظ أربعة وعشرين ألف حديث بالإسناد، ويحفظ للشاميين عشرين ألف حديث، وأخرج له الستة. توفي سنة ست ومئتين. وأما شيخه فهو (خليفة بن موسى) الكوفي . ٣٠٤ عن شرقي بن قَطَّامي، وغيره. وعنه ابن أخيه محمد بن عَبَّاد بن موسى، وجمع. أخرج له مسلم في المقدمة فقط. وأما (غالب) الذي تُكلِّم فيه، فهو غالب بن عُبيد الله العُقَيلي، الجَزَرِي. عن عطاء، ومكحول، ومجاهد، وجمع. وعنه يحيى بن حمزة، ويَعْلَى بن أيوب، وجماعة. سمع منه وَكِيع ثم تركه؛ لأنه قال: حدثنا سعيد بن المُسَيَّب والأعمش، فيحدث عن جمع لم يسمع منهم. وقال ابن معين: ليس بثقة. وقال الدَّارَقُطْني وغيره: متروك. وبالجملة اتفق القوم على ضعفه، ولم يخرج له أحد من الستة. * قوله: (حَدَّثَنِي مَكْحُولٌ) (حدَّثني) حكايةُ الإملاء، كأنه قال: فجعل يملي عليَّ ويقول: حدَّثني فلان. وأما (الكُرَّاسَةُ) فهي الصحيفة، يقال: في هذاه الكراسة عشر ورقات، وقرأتُ كُرَّاسة من كتاب سيبويه، والجمع كراريس، ومنه: مَجْدُ التّاجرِ فِي كِيسِهِ، وَمَجْدُ العالِمِ فِي كَرَارِیسه. والكِرْياس(١) - بكسر الكاف -: ما يَلْبُد من دِمْنَة الدار، ويقال: لدارِهِ كِرْيَاسٌ، أي: كَنِيف معلَّق. (١) في الأصل: ((الكراس)). ٣٠٥ وفي تسميته صحيفة غالبٍ بالكُرَّاسة = نوعُ إيماءٍ إلى وجود الاختلاط فيها، إذ هي في الأصل: ما تلَّد واختلط من التراب بالبول، ومنه: أكراس الغَنَم. وأمَّا (أَبَانٌ) فقد صُرف بجعل همزته أصلية، فيكون فَعَالاً، ومُنع بجعلها زائدةً، فيكون فعلاً ماضياً على أفعل. ٤٧ - قَالَ: وَسَمِعْتُ الحَسَنَ بن عَلِيِّ الحُلْوَانِيَّ يَقُولُ: رَأَيْتُ فِي كِتَابِ عَفَّانَ حَدِيثَ هِشَامٍ أَبِي المِقْدَامِ، حَدِيثَ عُمَرَ بن عَبْدِ العَزِيزِ، قَالَ هِشَامٌ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: يَحْتَى بن فُلاَنٍ عن مُحَمَّدِ بن ◌َعْبٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَفَّانَ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ هِشَامٌ سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدٍ بن كَعْبٍ. فَقَالَ: إِنَّمَا ابْتُلِي مِنْ قِبَلِ هَذَا الْحَدِيثِ، كَانَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي بَحْتَی عن مُحَمَّدٍ، ثُمَّ اذَّعَى بَعْدُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدٍ. قوله: (حَدِيث هِشَامٍ) هو أبو المِقْدام هشام بن زياد الأموي مولاهم، البصري. عن أبي صالح السَّمَّان، وأبي الزِّناد، والحسن، وجماعة. وعنه ابن المبارك، وزيد بن الحُبَاب، وعبيدالله القواريري، وخلائق. ضَعَّفَه أحمد وأبو زُرْعة . ٣٠٦ وقال البخاري: يتكلَّمون فيه. وقال أبو داود: ليس بثقة. وقال الترمذي: يضعف. وقال النَّسائي: متروك. وقال ابن حِبَّان: يروي الموضوعات عن الثقات. وكلام القوم في شأنه كثير، وأخرج له الترمذي، وابن ماجه. * وأما قوله: (حَدِيث عُمَرَ بن عَبْدِ العَزِيزِ) يجوز فيه النصب على البدل من قوله: (حَدِيثَ هِشَام)، وعلى الاختصاص بتقدير (أعني)، والرفع على: هو حديثُ. * وأما قوله: (إِنَّمَا ابْتُلِيَ مِنْ قِبَلِ هَذَا الحَدِيثِ)؛ يعني: ابتلي هشام بالطعن فيه، من أجل هذا الحديث؛ لأنه قال أولاً: (حَدَّثَنِي يَحْيَى)(١) وهو عن محمد، ثم قال: (سَمِعَهُ مِن مُحَمَّدٍ)، وهذا العدد لا يوجب الطعنَ؛ لجواز أنه سمعه من محمد بواسطة يحيى أولاً، ثم سمعه منه بلا واسطة، أو سمعه منه ونسي ثم تذكّر، لكن لمّا كان هذا أولَ أسباب حصول الرَّيب منه، ثم ظهر بالفحص عن حاله ما يقتضي ضعفَه = أسند الابتلاء، وسُمي ابتلاءً لأنه وقع فيه من قِبَلٍ لسانه، وقد قيل: البلاء موكَّلٌ بالمنطق. (١) في الأصل: ((سمعته من يحيى)). ٣٠٧ ٤٨ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بن عَبْدِ اللهِ بنِ قُهْزَاذَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدِاللهِبن عُثْمَانَ بِن جَبَلَةَ يَقُولُ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بن المُبَارَكِ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي رَوَيْتَ عَنْهُ حَدِيثَ عَبْدِاللهِ بن عَمْرٍو (يَوْمُ الفِطْرِ يَوْمُ الْجَوَائِزِ)؟ قَالَ: سُلَيْمَانُ بن الحَجَّاجِ، انْظُرْ مَا وَضَعْتَ فِي يَدِكَ مِنْهُ. * قوله (يَوْمُ الفِطْرِ) مرفوع على الحكاية، وأما لفظ الحديث على ما في بعض الكتب: عن عبدالله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله وَله قال: ((إِذَا كَانَ غَدَاةُ الفِطْرِ، وَقَفَتِ الْمَلائِكَةُ فِي أَفْوَاهِ الظُّرُقِ، فَنَادَوْا: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ! اغْدُوا إِلَى رَبِّ رَحِيمِ، يَمُنُّ بِالخَيْرِ وَيُثِبُ عَلَيْهِ الجَزِيلَ، أُمِرْتُمْ بِصِيَامِ النَّهَارِ فَصُمْتُمْ، وَأَطَعْتُمْ رَّكُمْ، فَاقْبِضُوا جَوَائِزَكُمْ، فَإِذَا صَلَّوًّا الْعِيدَ نَدَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: ارْجِعُوا إِلَى مَنَازِلِكُمْ رَاشِدِينَ، قَدْ غَفَرْتُ ذُنُوبَكُمْ كُلَّهَا، وَيُسَمَّى ذَلِكَ الْيَوْمُ فِي السَّمَاءِ يَوْمَ الْجَوائزِ)). قوله: (انْظُرْ مَا وَضَعْتَ فِى يَدِكَ مِنْهُ) التاء في (وَضَعْتَ) رُويت منصوبة، والمعنى: أَيَّ شيء حصلت من الحديث، أو من حال سليمان، ويجوز الرفع؛ يعني: أي [شيء] وضعت أنا في يديك منه. وبالجملة: فهذا الكلام من التوجيه، فإنه يحتمل الذمّ، ويدل عليه إيراد مسلم إياه في هذا المقام، والمعنى: أي شيء وضعت في يديك من بيان حاله بأنه ضعيف، ويؤيده ما ذكره الذهبي في ((المیزان)): أن سلیمان بن الحجّاج عداده في أهل الطائف، روی عن ٣٠٨ الدَّرَاوَرْدي وغيره وهو لا يعرف، وأَوردَ له أحاديثَ لا أصل لها، وأيضاً ما أخرجَ له من الستة أحدٌ، وهو يقوِّي ضعفه أيضاً. ويحتمل المدح على ما ذهب إليه النووي حيث قال: هو ثناءٌ على سليمان بن الحَجَّاج. وكلام القوم كما عرفت إنما يناسِب الذمَّ، فتدبّر . ٤٩ - قَالَ ابْنُ قُهْزَاذَ: وَسَمِعْتُ وَهْبَ بن زَمْعَةَ يَذْكُرُ عن سُفْيَانَ ابن عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: قَالَ عَبْدُاللهِ - يَعْنِي ابْنَ المُبَارَكِ -: رَأَيْتُ رَوْحَ بن غُطَيْفٍ صَاحِبَ (الدَّم قَدْر الدِّرْهَمِ) وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ مَجْلِساً، فَجَعَلْتُ أَسْتَحِي مِنْ أَصْحَابِيٍ أَنْ يَرَوْنِي جَالِساً مَعَهُ كُرْهَ حَدِيثِهِ. ، قوله: (وَسَمِعْتُ وَهْبَ بن زَمْعَةَ) هو أبو عبدالله وهب بن زمعة - بفتح الميم وسكونها - التميمي، المَرْوَزي. عن ابن المبارك، وفَضَالة بن إبراهيم، وجمع. وعنه إبراهيم الجرجاني، وأحمد بن عَبْدَة الآمِلِي، وجمع. وثَّقه النَّسائي، وأخرج له الأربعة إلا ابن ماجه، وذكره مسلم في المقدمة . وأما شيخه فهو (سُفْيَان بن عَبْدِ المَلِكِ) المَرْوَزي صاحب عبدالله ابن المبارك، والراوي عنه، ما رأينا له رواية عن غيره. ٣٠٩ وعنه ابن راهَوَيْه، وعَبْدان، ومحمد بن عبد ربه، وجماعة. ولم يخرج له أحد من الستة. مات قبل المئتين. وأما (رَوْحٌ) الذي تكلم فيه فهو رَوْحُ بن غُطَيْفٍ - بضم الغين المعجمة وفتح الطاء المهملة - [و]ما وقع في بعض الروايات بفتح الضاد المعجمة بدل الطاء = خطأ . ورَوْحٌ ضغَّفه ابن مَعين. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النَّسائي: متروك. وبالجملة متفق على ضعفه، وما أخرج له أحد من الستة. * قوله: (صَاحِب) منصوب غير منوَّن، مضاف إلى الجملة المحكية وهي: (الدَّم قَدْر الدِّرْهَم) كأنه قال: صاحب هذا الحديث، وذكر البخاري في ((تاريخه)): روى رَوْحُ بن غُطيف، عن الزُّهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: تُعَادُ الصَّلاَةُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ؛ يعني: مِنَ الدَّم. ثم قال: وهذا الحديث لا أصل له عند أهل [الحديث]. وفي توصيف مسلم روحاً بقوله: (صَاحِبَ الدَّم قَدْر الدِّرْهَمِ) إيماءٌ إلى أنه وضع هذا الحديث حيث كان صاحبه، وإلى أن مبدأ ضعفه واختلاله إنما نشأ من رواية هذا الحدیث حيث عُرف به. وأما حكم نجاسة الثوب وطهارته بوصول الدم، ومقدار المعفوِ ٣١٠ عنه من غير العفوِ فسيجيء في (كتاب الطهارة) إن شاء الله تعالى. * وأما قوله: (كُرْهَ) بضم الكاف ونصب الهاء؛ يعني: كراهية حديثه . ٥٠ - حَدَّثَنِي ابْنُ قُهْزَاذَ قَالَ: سَمِعْتُ وَهْباً يَقُولُ: عن سُفْيَانَ، عَنِ ابنِ المُبَارَكِ قَالَ: بَقِيَّةُ صَدُوقُ اللِّسَانِ، وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُ عَمَّنْ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ. قوله: (بَقِيَّةُ صَدُوقُ اللَّسَانِ) هو أبو يُحْمِد - بضم المثناة * التحتانية وكسر الميم - بَقِيَّةُ بن الوليد بن صائد بن كعب الكَلاَعي الحِمْصي، أحد الأئمة. عن محمد بن زياد الألهاني، وثور بن یزید، ومحمد بن الوليد، وخلق. وعنه شعبة، وابن جُريج، والأوزاعي وهم من شيوخه، وابن راهويه، وحیوة بن شریح، وخلائق. اتفق القوم على أن روايته عن الثقات بتصريح السماع منهم صحيحة، وإنما نَقَموا عليه التدليسَ عن الثقات بترك الضعيف في البين، فيختلط الحديث. ولهذا قال النَّسائي: إذا قال: (ثنا)، أو (أنا)، فهو ثقة. وقال ابن عَدِي: إذا حدَّث عن أهل الشام فهو ثبت، وإذا روی ٣١١ عن المجهولين فالعمدة عليهم. وقال ابن حِبَّان: كان يدلِّس عن عبيدالله بن عمر، وشعبة، ومالك ما أخذ من مثلِ المجاشع بن عمرو، والسَّرِيِّ بن عبد الحميد، وعمرو بن موسى، وأشباههم، فيروي عن أولئك الثقات ما سمع من هؤلاء الضعفاء فيقول: قال شعبة، وقال عبدالله، وقال مالك، فيحمل عن بَقِيَّة، عن شعبة، وعبيدالله، ومالك، والواقع في البين المجاشع وأضرابه من الضعفاء. وقال أبو حاتم: لا يُحتج به . وقال أبو مُسْهِر: أحاديث بَقِيَّة ليست نقيةً فكن منها على تقيّة. وبالجملة كلام القوم فيه كثير، أخرج له الخمسة، والبخاري تعليقاً. توفي سنة سبع وتسعين ومئة. وقول ابن المبارك: (يَأْخُذُ عَمَّنْ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ)؛ يعني: يأخذ عن الثقة والضعيف. وفيه إشارة إلى عدم تمييزه، وأنَّ رواياتِهِ كلّها ليست عن الثقات، وفي إضافة الصدق إلى لسانه إيماءٌ إلى أنه لا يكذب، ولكن ليس له قوة التمييز، ولا له الاحتراز عن الرواية عن الضعيف، وسيجيء قول أبي إسحاق الفَزَاري فيه حيث قال: اكتب عن بَقِيَّة ما روى عن المعروفين، ولا تكتُبْ عنه ما روى عن غير المعروفين، وهذا صريح في اختلاط رواياته. وقول ابن المبارك: نِعْم الرجلُ بَقِيّة لولا أنه يكني الأسماء ٣١٢ ويسمِّي الكنى = صريحٌ في تدليسه، وكل واحد من الخلط والتدليس قبيح، فما ظنُّكَ عند الاجتماع؟! ٥١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بن سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عن مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي الحَارِثُ الأَعْوَرُ الهَمْدَانِيُّ وَكَانَ كَذَّاباً. : قوله: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) هو أبو رجاء قُتَيْيَةُ بن سَعِيد بن جميل بن طَرِيف بن عبد الله الثَّقَفي مولاهم، البِلْخي، البَغْلاني، وبَغْلان قرية من قری بَلْخ، وقيل: اسمه يحيى، وقيل: عبدالله، وقتيبة لقب، وهو أحد الأعلام. عن مالك، والليث، وحمَّاد بن زيد، وخلائق. وعنه أحمد، وابن مَعين، والحُمَيدي، وابن المَدِيني، وآخرون. وثَّقه القوم، واتفقوا على جلالة قدره ورسوخ قدمه في الرواية والدِّراية. أخرج له الخمسة بلا واسطة، وابن ماجه بواسطة . توفي سنة أربعین ومئتين. وأما شيخه فهو (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضَّبِّي، الرازي، أحد الأئمة. عن عبد الملك بن عُمَير، ومنصور، والأعمش، وخلائق. وعنه أحمد، وابن مَعين، وابن رَاهَوَيْه، وآخرون. ٣١٣ وثَّقْه القوم وأثنَوا عليه، وصححوا كتبه، وأخرج له الستة . توفي سنة ثمان وثمانين ومئة. وأما (الشَّعْبِيُّ) فهو أبو عمرو عامر بن شراحيل، وقيل: أبو عبدالله بن شَرَاحيل، الشَّعْبِيُّ - بفتح الشين نسبةً إلى شَعب بطنِ من هَمْدان-، الكوفي، علاّمة زمانه، وأوحد أقرانه. وُلِد لستُّ خَلَت من خلافة عمر. روى عن علي، وأبي هريرة، وعائشة، وجمع من الصحابة، وجماعة من التابعين، وعن ابن مسعود، وعمر، وطلحة بن عبيدالله، وعبادة بن الصامت مرسلاً. عنه قتادة، ومنصور، ومُغيرة، وآخرون. قال ابن عُيينة: الناس يقولون: ابن عباس في زمانه، [والشعبي في زمانه]، والثوري في زمانه. وقال مكحول: ما رأيت أفقهَ من الشعبي. وقال أحمد العِجْلي: مرسَل الشعبي صحيح، لا يكاد يُرسِل إلا صحيحاً. وبالجملة ثناء القوم عليه كثير، واتفقوا على علوٍّ مرتبته في العلم والنقل والدين، وأخرج له الستة. توفي سنة ثلاث ومئة. ٠ ٣١٤ ٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ اللهِ بن بَرَّادِ الأَشْعَرِيُّ: حَدَّثَنَا أَبَّو أُسَامَةَ، عن مُفَضَّلٍ عن مُغِيرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ: حَدَّثَنِي الحَارِثُ الأَعْوَرُ، وَهُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ أَحَدُ الكَاذِبِينَ. وأما (عَبْدُاللهِ) في الإسناد الآخر فهو أَبُو عَامِرٍ عَبْدُاللهِ بن بَرَّادِ - بفتح الموحدة وتشديد الراء - ابن أبي بُرْدة بن أبي موسى الأشعري، الكوفي . عن عبدالله بن إدريس، وابن فُضيل، وأبي أسامة، وجمع. وعنه عَبْدان، وأبو زُرْعة، وبطين، وآخرون. قال أحمد: ليس به بأس، ووثَّقه القوم. وبالجملة أخرج له مسلم والبخاري تعليقاً. توفي سنة أربع وثلاثین ومئتين. وأما شيخه فهو (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشي، الحافظ، المتقن العابد. روى عن إسماعيل بن أبي خالد، والأعمش، وهشام بن عروة، وجماعة. وعنه أحمد، وابن مَعين، وابن المَدِيني، وخلائق. قال أحمد: كان أبو أسامة من أثبت الناس، لا يكاد يخطئ. وقال سفيان: ما بالكوفة شابٌّ أعقلُ من أبي أسامة. ٣١٥ وثناء القوم عليه كثير، واتفقوا على توثيقه، وأخرج [له] الستة، فلا يُلتفت إلى ما ذكره المعيطي من أنه كثير التدليس، فإنه غلطٌ منه. توفي سنة إحدى ومئتين . وأما شيخه فهو أبو عبد الرحمن (مفضَّل) بن المُهَلْهل السعدي، الكوفي، الحافظ . عن بَيَان بن بِشْر، ومنصور، والأعمش، وخلائق. وعنه ابن إدريس، وحسين الجعفري، ويحيى بن آدم، وآخرون. وثَّقه [الأئمة]، وأخرج له مسلم والنَّسائي وابن ماجه . توفي سنة سبع وستين ومئة. ٥٣ - حَدَّثَنَا قُتَنْيَةُ بن سَعِيدٍ، حَدَّثَنَاَ جَرِيرٌ، عن مُغِيرَةَ، عن إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ عَلْقَمَةُ: قَرَأْتُ القُرْآنَ فِي سَتَيْنِ. فَقَالَ الْحَارِثُ: القُرْآنُ هَيِّنٌّ، الوَحْيُ أَشَدُّ. وأما (إِبْرَاهِيمُ) في الإسناد الآخر، فهو أبو عِمْران إبراهيم بن يزيد بن الأسود بن عمرو بن ربيعة، النَّخَعِي، الكوفي، الفقيه، أحد الأعلام. عن خاله الأسود، ومسروق، وعَبِيدة السَّلْمَاني، وخلائق. وعنه الأعمش، ومنصور، وزيد، وآخرون. ٣١٦ وثَّقه القوم، واتفقوا على وفور علمه وكثرة فضله، وأخرج له الستة . نَعَم، لا يصح له سماع من صحابي، وكلُّ ما يروي عنهم مرسَل، واستقر الأمر على أنه حُجَّة، وإذا أرسل عن الصحابي فليس ذلك بحجة. توفي سنة ست وتسعين. وأما شيخه فهو أبو الحارث (علقمة) بن مَرْتَد الحضرمي، الكوفي. عن طارق بن شهاب، وأبي عبد الرحمن السُّلمي، وسعد بن عُبَيدة، وجماعة. وعنه مِسْعر، وشعبة، والثوري، وآخرون. اتفق القوم على وثوقه، وأخرج له الستة، وهو حُجَّة بلا مدافعة. ٥٤ - وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بن الشَّاعِرِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ - يَعْنِي ابنَ يُونُسَ -، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عن إِبْرَاهِيمَ: أَنَّ الحَارِثَ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْقُرْآنَ فِي ثَلاَثٍ سِنِينَ، وَالوَحْيَ فِي سَنَتَيْنٍ، أَوْ قَالَ: الوَحْيَ فِي ثَلاَثٍ سِنِينَ، وَالقُرْآنَ فِي سَنتَيْنِ . وأمَّا (أَحْمَدُ) في الإسناد الآخر، فهو أبو عبدالله أحمد بن عبدالله ابن يونس بن عبدالله بن قيس التميمي، اليَرْبوعي، الكوفي، الحافظ، ٣١٧ وُنسب إلى جدِّه كثيراً، فيقال: أحمد بن يونس. عن عاصم بن محمد العُمَري، والثوري، وإسرائيل، وخلائق. وعنه البخاري، ومسلم، وداود، وأبو زُرْعة، وآخرون. وثَّقْه القوم وأثنَوا عليه، وأخرج له الستة. توفي سنة سبع وعشرين ومئتين، وعاش أربعاً وتسعين سنة. وأما شيخه فهو أبو الصَّلْت (زائدة) بن قُدَامة الثقفي، الكوفي، أحد الأعلام. عن سِمَاك بن حَرْب، وزياد بن عِلاَقة، وعبد الملك بن عمير، وجماعة. وعنه ابن عيينة، وابن مَهدي، ومعاوية بن عمرو، وخلائق. اتفق القوم على توثيقه وجلالته وورعه، وأخرج له الستة. توفي سنة ستين ومئة. ٥٥ - وَحَذَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ - وَهُوَ ابْنُ يُونُسَ -، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عن مَنْصُورٍ وَالْمُغِيرَةٍ، عن إِْرَاهِيمَ: أَنَّ الْحَارِثَ اتُّهِمَ. ٥٦ - وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بن سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عن حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ قَالَ: سَمِعَ مُرَّةُ الهَمْدَانِيُّ مِنَ الْحَارِثِ شَيْئاً، فَقَالَ لَهُ: اقْعُدْ بِالْبَابِ، قَالَ: فَدَخَلَ مُرَّةُ وَأَخَذَ سَيْقَهُ، قَالَ: وَأَحَسَّ الحَارِثُ بِالشَّرِّ فَذَهَبَ. ٣١٨ وأما (حَمْزَةُ) في الإسناد الآخر فهو أبو عُمَارة حمزة بن حَبِیب ابن عُمَارة التَّيْمي مولاهم، الكوفي، الزَّيَّاتُ، أحد القراء السبعة. عن الحكم، وحَبِيب بن أبي ثابت، وعمرو بن مُرَّة، وجماعة. وعنه ابن المبارك، وعلي بن مُسْهِر، وأبو أحمد الزُّبَيْري، وآخرون. وثقه ابن معین وغیرہ. وقال النسائي : ليس به بأس. وبالجملة ثناء الناس عليه كثير، وتلقّوا روايته بالقَبول، وأخرج له الستة إلا البخاري. وهو إمام صدوق، إليه المنتهى في الورع والأمانة والتقوى، وإنما وقع الطعن في الأول في قراءته لا في روايته، ثم انعقد الإجماع على تلقِّي قراءته أيضاً بالقبول، وأنكروا على مَن تكلّم فيها. توفي سنة ثمان وخمسين ومئة. وأما (مُرَّةُ) فهو أبو إسماعيل مُرَّة بن شراحِيلَ الهَمْدَانِيُّ، الكوفي، ويعرف بمُرَّة الطَّيِّب، ومُرَّة الخَيْر، كان من عباد الله الصالحين وزُمَّاد التابعين. روی عن أبي بكر، وعمر، وابن مسعود، وحُذيفة، وأبي موسى الأشعري، وجمع. وعنه الشعبي، وطلحة بن مُصَرِّف، وعمرو بن مُرَّة، وآخرون. اتفق القوم على توثيقه وجلالة قدره وغزارة ديانته. ٣١٩ وأخرج له الستة. توفي سنة سبع وسبعين. وأما (الحَارِثُ) الذي تكلَّموا فيه فهو الحارث بن الهَمْدَاني، الکوفي، ویکنی أبا زهیر. عن علي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وجماعة. وعنه الشعبي، وعمرو بن مُرَّة، وأبو إسحاق، وخلق. اختلف القوم في حال روايته بعد اتفاقهم على غلوِّه في التشُّع. قال ابن المَدِيني : كذَّاب. وقال جرير بن عبد الحميد: كان زَيْفاً. وقال ابن حِبَّان: كان غالياً في التشتُّع، واهياً في الحديث. وقال مُغِيرة: لم يكن الحارث يصدُقُ عن عليٍّ في الحديث. ورُوي عن ابن مَعین ضعفُه، وروي عنه أنه قال: لا بأس به، وكذا عن النَّسائي. وقال الدَّارَقُطْني: ضعيف. وقال ابن عَدِي: عامَّةُ ما يَرْوِي غيرُ محفوظ. ورُويَ عن ابن سيرين: أنه يوثّقه في ابن مسعود. وبالجملة كلام القوم في شأنه كثير، أخرج له الأربعة. مات سنة خمس وستین. * قوله: (وَهُوَ يَشْهَدُ أَنَّهُ أَحَدُ الكَاذِبِينَ) الضمير في (هُوَ) راجعٌ ٣٢٠