Indexed OCR Text
Pages 121-140
(١) ،٣،L المقدمَّة £197 ١٢١ * (١) المِقَامَّة الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِينَ وَعَلَى جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ وَالمِرْسَلِينَ. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّكَ يَرْحَمُكَ اللهُ بِتَوْفِيقِ خَالِقِكَ، ذَكَرْتَ أَنَّكَ هَمَمْتَ بِالفَخْصِ عَنْ تَعَرُّفِ جُمْلَةِ الأَخْبَارِ المَأْثُورَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ◌َ﴾ُ فِي سُنَنِ الدِّينِ وَأَحْكَامِهِ، وَمَا كَانَ مِنْهَا فِي الثَّوَابِ وَالعِقَابِ، وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صُنُوفِ الأَشْيَاءِ بِالأَسَانِيدِ الَّتِي بِهَا نُقِلَتْ وَتَدَاوَلَهَا أَهْلُ العِلْمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَأَرَدْتَ - أَرْشَدَكَ اللهُ - أَنْ تُوَقَفَ عَلَى جُمْلَتِهَا مُؤَلَّفَةً مُحْصَاةً، وَسَأَلْتَنِي أَنْ أُلَخِّصَهَا لَكَ فِي التَّْلِفِ بِلاَ تَكْرَارٍ يَكْثُرُ، فَإِنَّ ذَلِكَ - زَعَمْتَ - مِمَّا يَشْغَلُكَ عَمَّا لَهُ قَصَدْتَ مِنَ التَّفَهُمِ فِيهَا وَالإِسْتِنْبَاطِ مِنْهَا. وَلِلَّذِي سَأَلْتَ - أَكْرَمَكَ اللهُ - حِينَ رَجَعْتُ إِلَى تَدَبُّرِهِ وَمَا تَؤُولُ بِهِ الحَالُ إِنْ شَاءَ اللهُ - عَاقِبَةٌ مَحْمُودَةٌ وَمَنْفَعَةٌ مَوْجُودَةٌ، وَظَنَنْتُ حِينَ سَأَلْتِي تَجَثُّمَ ذَلِكَ أَنْ لَوْ عُزِمَ لِي عَلَيْهِ وَقُضِيَ لِ تَمَامُهُ، كَانَ أَوَّلُ ١٢٣ مَنْ يُصِيبُهُ نَفْعُ ذَلِكَ إِيَّايَ خَاصَّةً قَبْلَ غَيْرِي مِنَ النَّاسِ، لأَسْبَابٍ كَثِيرَةٍ يَطُولُ بِذِكْرِهَا الوَصْفُ، إِلَّ أَنَّ جُمْلَةَ ذَلِكَ أَنَّ ضَبْطَ القَلِيلِ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ وَإِنْقَانَهُ أَيْسَرُ عَلَى المَرْءِ مِنْ مُعَالَجَةِ الكَثِيرِ مِنْهُ، وَلاَ سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ لاَ تَمْيِزَ عِنْدَهُ مِنَ العَوَامِ، إِلاَّ بِأَنْ يُوَقِّفَهُ عَلَى التَّمْيِزِ غَيْرُهُ. فَإِذَا كَانَ الأَمْرُ فِي هَذَا كَمَا وَصَفْنَا، فَالقَصْدُ مِنْهُ إِلَى الصَّحِيحِ القَلِيلِ أَوْلَى بِهِمْ مِنَ ازْدِيَادِ السَّقِيمِ، وَإِنَّمَا يُرْجَى بَعْضُ المَنْفَعَةِ فِي الإِسْتِكْثَارِ مِنْ هَذَا الشَّأنِ وَجَمْعِ المُكَرَّرَاتِ مِنْهُ لِخَاصَّةٍ مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ رُزِقَ فِيهِ بَعْضَ التَّقُظِ وَالمَعْرِفَّةِ بِأَسْبَابِهِ وَعِلَلِهِ، فَذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ يَهْجُمُ بِمَا أُوتِيَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الفَائِدَةِ فِي الإِسْتِكْثَارِ مِنْ جَمْعِهِ. فَأَمَّا عَوَامُ النَّاسِ الَّذِينَ هُمْ بِخِلاَفِ مَعَانِي الخَاصِّ مِنْ أَهْلِ التَّقُطِ وَالمَعْرِفَةِ، فَلاَ مَعْنَى لَهُمْ فِي طَلَبِ الكَثِيرِ، وَقَدْ عَجَزُوا عَنْ مَعْرِفَةِ القَلِيلِ. ثُمَّ إِنَّ إِنْ شَاءَ اللهُ مُبْتَدِثُونَ فِي تَخْرِيجِ مَا سَأَلْتَ، وَتَأْلِفِهِ عَلَى شَرِيطَةٍ سَوْفَ أَذْكُرُهَا لَكَ، وَهُوَ إِنَّا نَعْمِدُ إِلَى جُمْلَةٍ مَا أُسْنِدَ مِنَ الأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللهِ﴿ فَتَقْسِمُهَا عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ، وَثَلاَثٍ طَبَقَاتٍ مِنَ النَّاسِ عَلَى غَيْرِ تَكْرَارٍ، إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَ مَوْضِحٌ لاَ يُسْتَغْنَى فِيهِ عَنْ تَرْدَادِ حَدِيثٍ فِيهِ زِيَادَةُ مَعْنَى أَوْ إِسْنَادٌ يَقَعُ إِلَى جَنْبٍ إِسْنَادٍ لِعِلَّةٍ تَكُونُ هُنَاكَ؛ لأَنَّ المَعْنَى الزَّائِدَ فِي الحَدِيثِ المُحْتَاجِ إِلَيْهِ يَقُومُ مَقَامَ حَدِيثٍ ١٢٤ تَامّ، فَلاَ بُدَّ مِنْ إِعَادَةِ الحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ مَا وَصَفْنَا مِنَ الزِّيَادَةِ أَوْ أَنْ يُفَصَّلَ ذَلِكَ المَعْنَى مِنْ جُمْلَةِ الحَدِيثِ عَلَى اخْتِصَارِهِ إِذَا أَمْكَنَ، وَلَكِنْ تَفْصِيلُهُ رُبَّمَا عَسُرَ مِنْ جُمْلَتِهِ فَإِعَادَتُهُ بِهَيْئَتِهِ إِذَا ضَاقَ ذَلِكَ أَسْلَمُ، فَأَمَّا مَا وَجَدْنَاَ بُدّاً مِنْ إِعَادَتِّهِ بِجُمْلَتِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ مِنَّا إِلَيْهِ، فَلاَ نَتَوَّلَّى فِعْلَهُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. فَأَمَّا الْقِسْمُ الأَوَّلُ فَإِنَّا نَتَوَخَّى أَنْ نُقَدِّمَ الأَخْبَارَ الَّتِي هِيَ أَسْلَمُ مِنَ العُوبِ مِنْ غَيْرِهَا، وَأَنْقَى مِنْ أَنْ يَكُونَ نَاقِلُوهَا أَهْلَ اسْتِقَامَةٍ فِي الحَدِيثِ، وَإِنْقَانٍ لِمَا نَقَلُوا، لَمْ يُوجَدْ فِي رِوَايَتِهِمِ اخْتِلاَفٌ شَدِيدٌ، وَلاَ تَخْلِيطٌ فَاحِشٌ، كَمَا قَدْ عُثِرَ فِيهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ المُحَدِّثِينَ وَبَانَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِهِمْ، فَإِذَا نَحْنُ تَقَصَّيْنَا أَخْبَارَ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ النَّاسِ، أَنْبَعْنَاهَا أَخْبَاراً يَقَعُ فِي أَسَانِيدِهَا بَعْضُ مَنْ لَيْسَ بِالمَوْصُوفِ بِالحِفْظِ وَالإِنْقَانِ، كَالصَّنْفِ المُقَدَّمِ قَبْلَهُمْ، عَلَى أَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا فِيمَا وَصَفْنَا دُونَهُمْ، فَإِنَّ اسْمَ السِّْرِ وَالصِّدْقِ وَتَعَاطِي العِلْمِ يَشْمَلُهُمْ، كَعَطَاءِ بنِ السَّائِبِ، وَيَزِيدَ بنِ أَبِي زِيَادٍ، وَلَيْثِ بنِ أَبِي سُلَيْمٍ، وَأَضْرَابِهِمْ مِنْ حُمَّالٍ الآثَارِ وَتْقَّالِ الأَخْبَارِ . فَهُمْ وَإِنْ كَانُوا - بِمَا وَصَفْنَا مِنَ العِلْمِ وَالسِّْرِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ - مَعْرُوفِينَ، فَغَيْرُهُمْ مِنْ أَقْرَانِهِمْ مِمَّنْ عِنْدَهُمْ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الإِنْقَانِ وَالإِسْتِقَامَةِ فِي الرِّوَايَةِ يَفْضُلُونَهُمْ فِي الحَالِ وَالمَرْتَبَّةِ؛ لأَنَّ هَذَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ دَرَجَةٌ رَفِيعَةٌ وَخَصْلَةٌ سَنِيَّةٌ. ١٢٥ أَلاَ تَرَى أَنَّكَ إِذَا وَازَنْتَ هَؤُلاءِ الثَّلاَثَةَ الّذِينَ سَمَّيْنَاهُمْ عَطَاءً وَيَزِيدَ وَلَيْئاً بِمَنْصُورِ بنِ المُعْتَمِرِ وَسُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ وَإِسْمَاعِيلَ بنِ أَبِي خَالِدٍ فِي إِنقَانِ الحَدِيثِ وَالإِسْتِقَامَةِ فِيهِ* وَجَدْتَهُمْ مُّبَايِنِينَ لَهُمْ لاَ يُدَانُونَهُمْ، لاَ شَكَّ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ بِالحَدِيثِ فِي ذَلِكَ لِلَّذِي اسْتَفَاضَ عِنْدَهُمْ مِنْ صِحَّةِ حِفْظِ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ وَإِسْمَاعِيلَ، وَإِنْقَانِهِمْ لِحَدِيثِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ عَطَاءٍ وَيَزِيدَ وَلَيْثٍ. وَفِي مِثْلِ مَجْرَى هَؤُلاَءِ إِذَا وَازَّنْتَ بَيْنَ الأَقْرَانِ كَابنِ عَوْنٍ، وَأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، مَعَ عَوْفٍ بنِ أَبِي جَمِيلَةً، وَأَشْعَثَ الْحُمْرَانِيِّ، وَهُمَا صَاحِبًا الْحَسَنِ وَابنِ سِيرِينَ، كَمَا أَنَّ ابْنَ عَوْنٍ وَأَيُّوبَ صَاحِبَاهُمَا، إِلاَّ أَنَّ البَوْنَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ هَذَيْنِ بَعِيدٌ فِي كَمَالِ الفَضْلِ وَصِحَّةِ النَّقْلِ، وَإِنْ كَانَ عَوْفٌ وَأَشْعَتُ غَيْرَ مَدْفُوعَيْنِ عَنْ صِدْقٍ وَأَمَانَةٍ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ، وَلَكِنَّ الحَالَ مَّا وَصَفْنَا مِنَ المَنْزِلَةِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ. وَإِنَّمَا مَثَلْنَا هَؤُلاءِ فِي النَّسْمِيَّةِ لِيَكُونَ تَمْثِلُهُمْ سِمَةً بَصْدُرُ عَنْ فَهْمِهَا مَنْ غَبِيَ عَلَيْهِ طَرِيقُ أَهْلِ العِلْمِ فِي تَرْتِيبِ أَهْلِهِ فِهِ، فَلاَ يُقَصَّرُ بِالرَّجُلِ العَالِيِ القَدْرِ عَنْ دَرَجَتِهِ، وَلاَ يُرْفَعُ مُتَّضِعُ القَدْرِ فِي العِلْمِ فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ، وَيُعْطِى كُلُّ ذِي حَقٌّ فِيهِ حَقَّهُ، وَيُنَزَّلُ مَنْزِلَتَهُ. وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّهَا قَالَتْ: أَمَرَنَاً رَسُولُ اللهِ ﴿ أَنْ نْزِلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ، مَعَ مَا نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]. ١٢٦ فَعَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الوُجُوهِ نُؤَلِّفُ مَا سَأَلْتَ مِنَ الأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَّهِ. فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا عَنْ قَوْمِ هُمْ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ مُتَّهَمُونَ، أَوْ عِنْدَ الأَكْثَرِ مِنْهُمْ، فَلَسْنَا نَشَاغَلُ بِتَخْرِيجٍ حَدِيثِهِمْ، كَعَبْدِ اللهِ بنِ مِسْوَرٍ أَبِي جَعْفَرِ المَدَائِيِّ، وَعَمْرِو بنِ خَالِدٍ، وَعَبْدِ القُدُّوسِ الشَّامِيِّ، وَمُحَمَّدٍ ابنِ سَعِيدِ المَصْلُوبِ، وَغِيَاثٍ بِنِ إِبْرَاهِيمَ، وَسُلَيْمَانَ بنِ عَمْرٍو أَبِي دَاوُدَ النَّخَعِيِّ، وَأَشْبَاهِهِمْ مِمَّنِ اتّهِمَ بِوَضْعِ الأَحَادِيثِ وَتَوْلِيدِ الأَخْبَارِ. وَكَذَلِكَ مَنِ الغَالِبُ عَلَى حَدِيثِهِ المُنْكَرُ أَوِ الغَلَطُ، أَمْسَكْنَا أَيْضاً عَنْ حَدِيثِهِمْ. وَعَلَمَةُ المُنْكَرِ فِي حَدِيثِ المُحَدِّثِ إِذَا مَا عُرِضَتْ رِوَايَتُهُ لِلحَدِيثِ عَلَى رِوَايَةٍ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الحِفْظِ وَالرِّضَا، خَالَفَتْ رِوَايَتُهُ رِوَايَتَهُمْ، أَوْ لَمْ تَكَدْ تُوَافِقُهَا، فَإِذَا كَانَ الأَغْلَبُ مِنْ حَدِيثِهِ كَذَلِكَ، كَانَ مَهْجُورَ الحَدِيثِ غَيْرَ مَقْبُولِهِ وَلاَ مُسْتَعْمَلِهِ. فَمِنْ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ المُحَدِّثِينَ: عَبْدُاللهِ بنُ مُحَزَّرٍ، وَيَحْيَى بِنُ أَبِي أُنَيَّسَةَ، وَالجَرَّحُ بنُ المِنْهَالِ أَبَوِ العَطُوفِ، وَعَبَادُ بنُ كَثِيرٍ، وَحُسَيْنُ بنُ عَبْدِ اللهِ بْنٍ ضُمَيْرَةَ، وَعُمَرُ بنُ صُهْبَانَ، وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ فِي رِوَايَةِ المُنْكَرِ مِنَ الحَدِيثِ، فَلَسْنَا نُعُرِّجُ عَلَى حَدِيثِهِمْ، وَلاَ نَتَشَاغَلُ بِهِ. لأَنَّ حُكْمَ أَهْلِ العِلْمِ وَالَّذِي يُعْرَفُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ فِي قَبُولِ مَا ١٢٧ يَتَفَرَّدُ بِهِ المُحَدِّثُ مِنَ الحَدِيثِ، أَنْ يَكُونَ قَدْ شَارَكَ الثَّقَاتِ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَالِحِفْظِ فِي بَعْضٍ مَا رَوَوْا، وَأَمْعَنَ فِي ذَلِكَ عَلَى المُوَافَقَةِ لَهُمْ، فَإِذَا وُجِدَ كَذَلِكَ ثُمَّ زَادَ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئاً لَيْسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ قُبِلَتْ زِيَادَتُهُ. فَأَمَّا مَنْ تَرَاهُ يَعْمِدُ لِمِثْلِ الزُّهْرِيِّ فِي جَلَاَلَتِهِ وَكَثْرَةِ أَصْحَابِهِ الحُفَّاظِ المُثْقِنِينَ لِحَدِيثِهِ وَحَدِيثٍ غَيْرِهِ، أَوْ لِمِثْلِ حديث هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَحَدِيثُهُمَا عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ مَبْسُوطٌ مُشْتَرٌَ، قَدْ نَقَلَ أَصْحَابُهُمَا عَنْهُمَا حَدِيثَهُمَا عَلَى الإِنَّفَاقِ مِنْهُمْ فِي أَكْثَرِهِ، فَيَرْوِي عَنْهُمَا أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا العَدَدَ مِنَ الحَدِيثِ مِمَّ لاَ يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِمَا، وَلَيْسَ مِمَّنْ قَدْ شَارَكَهُمْ فِي الصَّحِيحِ مِمَّا عِنْدَهُمْ - فَغَيْرُ جَائِزٍ قَبُولُ حَدِيثِ هَذَا الضَّرْبِ مِنَ النَّاسِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وقَدْ شَرَحْنَا مِنْ مَذْهَبِ الحَدِيثِ وَأَهْلِهِ بَعْضَ مَا يَتَوَجَّهُ بِهِ مَنْ أَرَادَ سَبِيلَ القَوْمِ، وَوُفِّقَ لَهَا، وَسَنَزِيدُ - إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى - شَرْحاً وَإِضَاحاً فِي مَوَاضِعَ مِنَ الكِتَابِ، عِنْدَ ذِكْرِ الأَخْبَارِ المُعَلَّلَةِ، إِذَا أَيْنَ عَلَيْهَا فِي الأَمَاكِنِ التِي يَلِيقُ بِهَا الشَّرْحُ وَالإِيضَاحُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وَبَعْدُ - يَرْحَمُكَ اللهُ: فَلَوْلاَ الذِي رَأَيْنَا مِنْ سُوءٍ صَنِعٍ كَثِيرٍ مِمَّنْ نَصَبَ نَفْسَهُ مُحَدِّثً فِيمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ طَرْحِ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَالرِّوَايَاتِ المُنْكَرَةِ، وَتَرْكِهِمِ الاِقْتِصَارَ عَلَى الأَخبار الصَّحِيحَةِ المَشْهُورَةِ، مِمَّا نَقَلَهُ الثِّقَاتُ المَعْرُوفُونَ بِالصِّدْقِ وَالأَمَانَةَ، بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ وَإِقْرَارِهِمْ بِأَلْسِتَتِهِمْ ١٢٨ أَنَّ كَثِيراً مِمَّا يَقْذِفُونَ بِهِ إِلَى الأَغْبِيَاءِ مِنَ النَّاسِ هُوَ مُسْتَنْكَرٌ، وَمَنْقُولٌ عَنْ قَوْمٍ غَيْرِ مَرْضِيِّنَ، مِمَّنْ ذَّ الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ أَئِمَّةُ أَهْلِ الحَدِيثِ، مِثْلُ مَالِكِ بنِ أَنَسٍ، وَشُعْبَةَ بنِ الحَجَّاجِ، وَسُفْيَانَ بنِ عُبَيْنَةَ، وَيَحْبَى بِ سَعِيدٍ القَطَّانِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَهْدِيٍّ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ الأَئِمَّةِ، لَمَا سَهُلَ عَلَيْنَا الإِنْتِصَابُ لِمَا سَأَلْتَ مِنَ التَّمْيِيِ وَالتَّحْصِيلِ. وَلَكِنْ مِنْ أَجْلِ مَا أَعْلَمْنَكَ مِنْ نَشْرِ القَوْمِ الأَخْبَارَ المُنْكَرَّةَ بِالأَسَانِيدِ الضِّعَافِ المَجْهُولَةِ، وَقَذْفِهِمْ بِهَا إِلَى العَوَامِّ الذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ عُيُوبَهَا، خَفَّ عَلَى قُلُوبِنَا إِجَابَتُكَ إِلَى مَا سَأَلْتَ. * ١٢٩ - شرح ما تضمنت الديباجة من الكلام بِسمِ اللهِ الرَّحْنِ الرَّحِيمِ (الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ) لمَّا كان دأبُ المصنِّفين تصديرَ كتبهم بحمد الله تعالى اقتداءً بالواقع في الكتاب العزيز، واحترازاً عن وقوع قِلَّهُ البركة في طَيِّه على ما روي: ((كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ، لاَ يُبْدأُ فِيهِ بِـ (الحَمْدُ للهِ) فَهُوَ أَقْطَعُ»، وفي رواية: ((بِحَمْدِ الله))، وفي رواية: (بِذِكْرِ الله فَهُوَ أَقْطَع))، وفي رواية: ((فَهُوَ أَجْذَمُ)). = صدَّر المصنِّف - نوّر الله ضریحه - كتابه بالحمد لله، بعد ما ذَكَر التَّسمية على التَّعارف في ابتداء كلِّ كتابٍ، وافتتاح كلِّ خطاب، مع ورودٍ روايةٍ ((ببسم الله الرَّحمن الرَّحيم)) في الحديث المذكور أيضاً. واختار الجملة الاسمية اقتباساً من القرآن العظيم، وإيماءً إلى مناسبة الفن الذي صنَّف الكتاب فيه، إذ هو من العلوم الثَّابتة الباقية؛ لأنَّه في الحقيقة كلامُ اللهِ تعالى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَى ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤]. وفيه رمز أيضاً إلى أنّه لمَّا كان في روايةٍ جمع من الأخبار الثَّابتة ١٣١ وتدوينها ناسبَ أن يُصَدِّر كتابه بجملة من كلام متواتر. و(الحمد): هو الوصف بالجميل على جهة التَّفضيل، وربَّما يُقيّد الجميل بالاختياري ليخرج المدح، وربَّما تَرك التَّقييدَ ذهاباً إلى التَّرادف حيث جعلوا نقيضهما الذَّم، أو لكون الجميل صفة الفعل، فلا يكون إلا باختيار، واللام فيه للجنس، ومعناه الإشارة إلى معنى الحمد، فإنَّ النَّكرة لا تدلُّ على مفهوم الاسم من غير دلالة لها على تميّه وحضوره وتعيُّنِ ماهيَّته من بين الماهيات، وإن كان تعقُّله لا ينفك عن ذلك، لكن فرقٌ بين حصول الشَّيء وملاحظته وحضوره واعتبار حضوره. وقد أجمعوا على أنَّ اللام للتعريف، ومعناه التَّعيين والإشارة، وهذا ليس من الإحاطة والشُّمول الذي هو معنى الاستغراق في شيءٍ، وإن كان يُحمل عليه في المقام الخِطابي بمعونة القرائن. و(الله): علم لذات معيَّن هو المعبود بالحقِّ، والإله علم لمفهوم كُلِّيٍّ هو المعبود بحقٍّ، ومُنكَّراً: علمٌ لمعبودٍ مطلقاً، ولهذا كان قولنا: (لا إله إلا الله) كلمةُ توحيد. وقيل: اسم تفرد به البارئ، يجري في وصفه مَجرى الأسماء الأعلام، وكما تحيَّرت الأفهام في ذاته وصفاته، فقد تحيَّرت في هذا اللَّفظ الدَّالِّ عليه من أنَّه اسم أو صفة، علم أو غير علم، خاص أو غالب، مشتق أو غير مشتق، والظّاهر أنَّه من الأسماء الغالبة كالآلة، إلا أنَّ غلبَتَه إلى حد العلميَّة، وغلبة الآلة لا إلى حدها. ١٣٢ وقيل: من الأسماء الخاصة. وقيل: من الخاصة نظراً إلى الاستعمال، فإنَّه لم يُطلق إلا على الواحد تعالى وتقدَّس، ومن الغالبة نظراً إلى الاستدلال، فإنَّه الإله بحذف الهمزة والتَّعويض، فمقتضى القياس صحةُ إطلاقه على المعبود بحقٍّ مطلقاً . والجمهور على أنَّه مشتقٌ، قيل: من أَلِهَ - بالكسر -: تحيّر، وقيل: من أَلَهَ - بالفتح -: عَبَد، وقيل: مِنْ لاَهَ: تستَّر. و(الرب) المالك، وباللام لا يُطلق إلا على الله تعالى، وفي غيره بالتَّقييد بالإضافة، نحو: ربُّ الدَّارِ، وأمَّا قول الحارث بن حِلّزَة اليَشْكُري : هوَ الرَّبُّ والشَّهيدُ على يوْ مِ الحَيارِيْنِ والبَلاءُ بَلاءُ فشاذٌ، أو باب من الثَّعنت، ويحتمل أن يرجع الضِّمير إلى الله تعالى . و(العالَم): اسم لذوي العِلْم من الملائكة والنَّقَلين. وقيل: للمخلوقات كلِّها. وقيل: ما حواه بطن الفُلْك، ولا يُجمع (فاعَلٌ) بالواو والنُّون غيره، وغير (ياسَم) وهو الورد المعروف. ، قوله: (وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ) المناسِب بالنَّظر الظَّاهر أن يقول: والصَّلاة على مُحمَّدٍ مطابقاً لقوله: (الحمد لله)، ١٣٣ لكن آثر هذه الطريقة إشعاراً بأنَّ الصَّلاة من الله لا منه، واختيار أَقْوم الصِّيغ في الصَّلاة المقتضية للرَّحمة من الله تعالى بالواحدة عشراً على ما نطق به الحديث: ((مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْراً). وأيضاً أخرج الجملة من الاسمية إيماءً إلى أنَّ الصَّلاة من الله تعالى على نبيّه متجدِّدة لحظة فلحظة ولَمحة فلمحة، وأدباً بعدم الجمع بين الصِّيغتين؛ لئلا ينخرط في سِلك الخطيب الذي جمع بينهما في الضَّمير. وما أورد مِن تَرْك التَّسليم مع كون المأمور به الصَّلاةَ والتَّسليم معاً = فغير وارد؛ لأنَّ ذلك في صلاة المؤمنین علیه، والوارد ههنا صيغة إخبار الصَّلاة من الله على نبيه عليه السَّلام. فإن قلت: المقصود الإنشاء، وإنَّما أُخرج إلى صورة الخبر تفاؤلاً كما في: (رحمه الله تعالی). قلتُ: بعد التَّسليم لا يقدح، إذ الكراهية في الصِّيغة التي تكون الصَّلاة منهم عليه صريحاً لا ضمناً، على أنَّ أكثر المحققين ذهبوا إلى جواز الاكتفاء بواحدة منهما وعدم الكراهية فيه، وذكروا أنَّ المأمور إحداهما لا كلاهما، وربَّما فسَّروا التَّسليم في الآية بالانقياد، كما في قوله تعالى: ﴿وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. وآثر من الصِّفات (خَاتَم النَّبِيِّينَ) إشعاراً إلى أنَّ شريعته باقية لا تُنسخ، وآثاره دائمة لا تذهب، فتتبُّعُ ألفاظه وتدوينُ أحاديثه لا يتغير ولا يتبدل. ١٣٤ واختار لفظة (النَّبِيِّ)؛ لأنَّ جميع ما ذكر في هذا الكتاب متعلق بصفة النُّبوة لا بصفة الرِّسالة، إذ هي قد تختص بما يكون في الأحكام. * قوله: (وَعَلَى جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ)، ذكَر المرسلين بعد ذِكر الأنبياء إيماءً إلى التَّفرقة، وإيراداً للخاص بعد العامِّ؛ إظهاراً لفضله، كأنَّه ليس من جنسه كما في قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨]. فإن قلت: قد تقرَّر أنَّ تقديم العامِّ في العلوم التي هي الوسائل أولى؛ لأنَّه أعرَف، وتقديم الخاص في العلوم التي هي المقاصد أحرى؛ لأنَّه أشرف مناسبةً لتقديم كلٌّ لما هو فيه، والحديث من المقاصد، فينبغي تقدیم الرُّسل. قلتُ: الحديث وإن كان بالنَّظر إلى الموضوع والغاية كذلك، لكن بالنَّظر إلى أنَّ المبحوث فيه كلَّه يتعلق بصفة النُّبوَّة لا الرسالة آثر ذلك، كما قلنا في قوله: (خَاتَم النَّبِيِّينَ). ويُحتمل أن يراد بالمرسَلين أعم، فيشمل الملَكَ أيضاً، فإنَّه يُقال له رسول، ولا يُقال له نبي، قال الله تعالى: ﴿اَللَّهُ يَصْطَفِى مِن اَلْمَلَبِكَةِ رُسُلَّاً وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] الآية. * قوله: (تَوْفِيقِ خَالِقِكَ) يحتمل أن يكون متعلِّقاً بالدُّعاء، فيكون اعتراضاً معه، والتَّقدير: فإنَّك ذكرتَ ذلك - يرحمك الله - بسبب توفيق خالقك، والأوجَهُ أن يتعلَّق بـ (ذكرت) قُدِّم عليه دوماً للاختصاص. ١٣٥ * وقوله: (يَرْحَمُكَ الله) دعاء، والمعنى: أنَّك ذكرت كذا بتوفيق خالقك، ويؤيده وجود قوله: (تَوْفِيقِ خَالِقِكَ) وسقوط الدعاء في رواية الخُشَني. قوله: (فَأَرَدْتَ(١) أَرْشَدَكَ الله) دعاء أولاً بالرَّحمة، وثانياً بالإرشاد، وثالثاً بالإكرام؛ لأنَّ إعطاء همَّة الفحص عن علم الحديث رحمةٌ من الله، وإرادة المصنِّف تعليمَه إرشادٌ منه، وحصول النَّفع فيه إكرام له، فدعا في کلِّ موضع بما يناسبه. * قوله: (إِنْ تُوَقََّ عَلَّى جُمْلَتِهَا) الرِّواية فتح النَّاء وتشديد القاف، وروي بضمِّ التَّاء وكسر القاف المخففة أيضاً، واللُّغة العالية هي الأولى. قال: (مُؤَلَّفَةً)، أي: مجموعة، وفيه إيماء إلى حسن ترتيب كتابه، وأنَّه جمع المتفرِّقات. ، وقوله: (مُحْصَاةً) إيماء إلى أنَّه وضع كل شيء موضعه، إذ في التَّعداد جعل كلَّ شيءٍ بعد آخر مميزه. ثمَّ ذكر بعد ذلك أنَّه بعد جمع ذلك جعله على ثلاثة أقسام، ويَخصُّ منها ما يجب إيراده، وترك ما يجب تركه، وأنَّه أورد القسمين الأول أصلاً، والثَّاني متابعةً، وهذا إشارة إلى تنقيحه، فبيّن أنَّ كتابه جامعٌ مرتَّب مهذب. (١) في الأصل: ((فأردت أن)). ١٣٦ ولعمري إنَّه كذلك لمن أمعن فيه النّظر وحصل له الغوص على الدَّقائق، وطالع الكتب المصنَّفة في هذا الفن، فإنَّه قد نظم الدرر في نظام لا يقدر على ذلك كلُّ نَظَّام. * قوله: (فَإِنَّ ذَلِكَ - زَعَمْتَ - مِمَّا يَشْغَلُكَ عَمَّا لَهُ قَصَدْتَ) الزَّعم يُستعمل بمعنى القول كثيراً، وأكثر ما يستعمل فيما يُشك فيه، وفي إيراده إيماء إلى أنَّ مُطلق التَّكرار ليس كذلك، فإنَّه قد يكون مُعيناً على الفهم خصوصاً إذا كان في الغوامض، وإنَّما يُخِلُّ إذا كثر من غير حاجةٍ، ويصير الكلام بسببه مطوّلاً، فإنَّه يشغَل الذهن عن التَّوجُّه إلى المقصود؛ خصوصاً إذا وقع في مواضعَ مختلفةٍ، فإنَّ وقوعه في موضعٍ واحدٍ - كل واحد خلف الآخر - أقلُّ اشتغالاً من وقوعه متفرِّقاً غير مناسب. ثمَّ ذكر بعد ذلك أنَّ بعض التَّكرار مما لابدَّ منه، وهو أن يكون في الحديث زيادةٌ لا يحسُن فصلها عنه، أو في الإسناد ضعفٌ يتقوَّى بإسنادٍ آخر، فنحو هذا التَّكرار مما لابدَّ من إيراده وتولِّي فعله، وأمّا التَّكرار الذي منه بدٌّ فما تولَّى فعله وما أورده في كتابه هذا. * قوله: (يَشْغَلُكَ) الرِّواية المشهورة فتح الياء وهي اللّغة العالية، قال الله تعالى: ﴿شَخَلَتْنَا أَمْوَ لُنَا وَأَهْلُوْنَا﴾ [الفتح: ١١] وجاء (أشغل) أيضاً، قالوا: إنها قليلة جيدة، وقيل: رديئة، وهو وجهُ مَن روی بضم الياء. قوله: (عُزِمَ لي) عليه الرِّواية، على البناء للمفعول، والمعنى قدَّره الله لي، أو ألزم، أو أراد وما في معناه، وإنَّما لم يقل: عَزَمَ على البناء للفاعل رعايةً من إطلاق العزم عليه؛ لأنَّ يقال لحضور خاطرٍ في ١٣٧ الذِّهن لم يكن قبله، وهذا في حقِّ الله تعالى محال. وأمَّا ما وقع من الإسناد إليه تعالى مثل قول أم سلمة: فعزم الله لي فقلتها، على ما سيجيء في الجنائز، فمعناه خلَق الله فيَّ قوةً وصبراً؛ لأنَّ أصل العزم القوة، يُقال: هذا من عوازم الأمور، أي: محَماتها، ومنه العزيمة المقابلة للرُّخصة، فإنَّها أقوى منها، ويُقال: هذا عزْمة من عزَمات الله، أي: حقٌّ من حقوقه وواجبٌ من واجباته، وأولو العزم من الرُّسل أولو القوة والجِدِّ والاجتهاد منهم. قوله: (إِلَّ أَنَّ جُمْلَةَ ذَلِكَ) لمّا كان سَوْق الكلام إلى بيان الانتفاع بهذا الكتاب، وأنَّ الطالبَ منه إنما طلب كتاباً ملخّصاً - ذكر تقويةً لكلامه وإشارةً إلى سلوك طريقه فيه. فقال: (أَنَّ ضَبْطَ القَلِيلِ مِنْ هَذَا الشَّأْنِ وَإِنْقَانَهُ أَيْسَرُ) من معرفة الكثير، والقليل الصّحيح المضبوط أنفعُ من الكثير السَّقيم المنتشر خصوصاً لعوامِ الصِّناعة. ثُمَّ لمَّا بقيَ ههنا مَظِنَّةُ أن يُقال: إن اشتغال السَّلف بالحفظ الكثير، والْتِفاتَهم إلى جمع السَّقيم ينبغي أن يكون عبئاً على هذا التَّقدير = أشار إلى جواب ذلك فقال: (وَإِنَّمَا يُرْجَى بَعْضُ المَنْفَعَةِ فِى الاسْتِكْثَارِ) لخاصة من الناس ممن رُزق المعرفةَ بالعلل والأسباب، فإنَّ الفائدة تحصُل له بإحاطته على القوي والضَّعيف، وبيانِ ما فيه، والتَّنبيهِ على وجود العِلَّة وعدمِها. ١٣٨ وفي هذا الكلام أيضاً بيانُ حصول نفعه بهذا الكتاب قبل غيره؛ لأنَّه جمعَ الكثير مما أُسند إلى رسول الله عليه السَّلام من الأخبار وحفظه. ثم لمَّا اشتغل إلى تحرير هذا الكتاب حصَل له زيادة تحقيق لم يكن قبله، إذ كثيراً ما يكون الشَّيء محفوظاً مخزوناً في الخاطر موجوداً في الذُّهن، ثمَّ في إخراجه إلى الخارج وإيراده في صورة التَّأليف تحصُل تحقيقاتٌ أُخَرُ لم تكن حاصلةً زمان الحفظ والضَّبط في آن الحفظ، قالامتوجِّه إلى الضَّبط كيفما اتَّفق لا يشتغل إلى زيادة شيء. ثمَّ لما حصَل الضَّبط وأراد الحافظ تأليف كتاب يتوجَّه حينئذٍ ذهنه إلى تحقيق ما في خزانته من المحفوظات وإلى ترتيبه على ما يقتضيه رأيه، فهذا هو نفع المصنّف من تصنيفه قبل غيره. قوله: (وَالمَعْرِفَةِ) روي بالجر عطفاً على (التََّقُّظِ) وبالنَّصب عطفاً على (البعض)، والجزُّ أشهر روايةً وأحسن درايةً؛ لأنَّ في إيراد لفظة (البعض) إيماءً إلى أنَّ بعضَ المعرفة كافٍ في حصول المنفعة من الاستكثار، ولا يتوقف حصولها على التَّيقظ التَّام والمعرفة الكاملة، وإنَّما لا تُرجى المنفعة لمن لا يُرزق التَّيقظَ والمعرفة بالعلل والأسباب أصلاً . وقدَّم العلل لأنَّها أخصُّ، فمعرفتها أنفع وأقوى، إذ العلَّة عبارة عن معنى خفيٍّ في الحديث يقتضي ضَعفَه مع أنَّ ظاهره السَّلامة. ١٣٩ والأسباب أعمُّ من أن تكون أسبابَ الصِّحة أو الضَّعف، والأَوْجَهُ أنَّ المرادَ بالسّبب ههنا المعنى الظَّاهر الموجب لضعف الحديث، كما أنَّ العلَّة عبارةٌ عن المعنى الخفيِّ المقتضي لذلك، وقدَّمها عليه؛ لأنَّها أدقُّ وأنفعُ. قوله: (فَذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ يَهْجُمُ بِمَا أُوِيَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الفَائِدَةِ)، روي بفتح الياء وسكون الهاء من الهجوم، وهو الوقوع بَغْتَةً، وروي (ينهجم) بزيادة النُّون، وهو بمعنى الأوَّل، يُقال: هَجَم البيتُ وانهجم: إذا هُدِم بغتةً. وفي إيراد الهجوم وذكر المشيئة إيماءٌ إلى أنَّ الفائدة ليست في الاستكثار، بل في انتقال الذُّهن منه إلى المعاني الخفية الموجبة للصّحة والضَّعف، التي تحصُل بالتَّمرن فيها الحَذاقةُ في الفن، حتَّى يحصُل لصاحب الاشتغال سرعةُ الانتقال كالحدس، وإنَّ ذلك أمرٌ لا يحصل لكلِّ مَن جَمَع الكثيرَ وحفظ الأشياء، وإنَّما يحصل ذلك لمن وُ شاء الله تعالى حصوله له، فإنَّه يحتاج إلى مزيدٍ فضلٍ وتيقّظٍ. قوله: (وَهُوَ إِنَّا نَعْمِدُ إِلَى جُمْلَةٍ مَا أُسْنِدَ مِنَ الأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﴿ فَتَقْسِمُهَا عَلَى ثَلاَثَةٍ أَقْسَامٍ وَثَلاَثِ طَبَقَاتٍ مِنَ النَّاسِ)، قد اختلف النَّاسُ في مُراد مسلم من هذا الكلام، وفي المخرَّج في هذا الكتاب من الأقسام : فذكر القاضي عياضٌ أن إبراهيم بن سفيان قال: أخرج مسلم ثلاثة ١٤٠