Indexed OCR Text

Pages 21-40

ولا يُعمَلُ به حتى توجد شروطُ الصِّحَّة.
وقال قومٌ منهم الشيخ أبو عمرو بنُ الصَّلاح: إنَّ كلَّ ما حكمَ
البخاريُّ ومسلمٌ في هذين الكتابين بصخَّته فهو مقطوعٌ بصحّته، ويفيد
العلم النظريّ لتلقّي الأمَّة ذلك بالقَبول، وهو في إفادة العلم
كالمتواتر؛ إلاّ أنَّ المتواترَ يفيد العلمَ الضَّروريّ، وتلقِّيَ الأُمَّة بالقَبول
يفيد العلمَ النظريّ، ثمَّ قال: وهذا الذي ذكرْنا في غير الأحاديث التي
أُخِذ عليهما وقَدَح فيه مُعتَمدٌ من الحفّاظ؛ فإنَّه مستثنَى ممّا ذكرنا لعدم
الاجتماع على تلقُِّه بالقَبول، وما ذلك إلا في مواضعَ يسيرةٍ.
وقال في موضع آخرَ: كلُّ ما وقع في صحيح البخاريِّ ومسلمٍ
ممّا صورتُه صورةُ المنقطع ليس مُلحَقاً بالمنقطع في خروجه من حیِّز
الصَّحيح إلى حيِّزْ الضَّعيف؛ فإنَّه عُرِفِ اتَّصالُه من وجوهٍ أُخَرَ، وإخراجُ
الشيخين ذلك بصيغة الجزم يخرجه عن الضَّعيف.
ثمَّ ذَكَر نقْلاً عن إمام الحرمين: أنَّه لو حلَف إنسانٌ بطلاق امرأته
أنَّ ما في كتابَي البخاريِّ ومسلمٍ ممّا حكما بصحّته من قول النبي ◌َّى :
لا يَلزَمُه الطَّلاقُ؛ لاجتماع العلماء على صحَّتهما.
ثُمَّ اعتُرضَ بأنَّه لا يَختصُّ بالكتابين ولا يُوجِبُ قطعَ الصِّحَّة؛ لأنَّ
الحِنث يتوقَّف على القَطْع بأنَّه ليس بصحيحٍ، فأمّا ما فيه الشكُّ، فلا،
حتى لو علَّقَ بحديثٍ راويه فاسقٌ لم يحنَثْ حتى يتحقَّقَ أنَّه ليس من
كلام النَّبِيِّ ◌َهِ .
٢١

وأجاب بأنَّ المرادَ عدمُ الحِنث ظاهراً وباطناً، وهذا مختصٌّ
بالکتابین.
وأمَّا في غيرهما فلا يُحكَمُ بالحِنث ظاهراً مع احتمال وجوده
باطناً، وهذا الجواب مبنيٌّ على أنَّ أحاديثَ الكتابين تفيد العِلم.
وبالجملة يظهر من أقواله: أنَّ مذهبَه: أن ما اشتمل عليه الكتابان
من المتواتر يفيد العلمَ الضَّروري، ومِن غيرِهِ ما اتّصل إسنادُه وسلِم
مِن طعنٍ حافظٍ معتمَدٍ يفيد العلمَ النَّظري.
ما فيه انقطاعٌ أو طعنٌ، أو واقعٌ في الكتابين بصيغة الجزم يفيد
الظنَّ فيجب العمل به ولا يضرُّه الانقطاع؛ لأنَّه عُلم اتصالُه من وجوهِ
أُخرَ.
وما أورد الشيخان بصيغة الجزم إلاّ فيما صحَّ سندُه ولا يضرُّ
الطعن أيضاً فإنَّ جميع الأحاديث التي طَعن فيها النقّادُ مثلُ أبي الحسن
عليٍّ بنِ عمرَ الدَّارَقُطْنِيِّ وأبي مسعودِ الدِّمشقيِّ وأبي عليٍّ الغسَّاني إنَّما
يكون في مئتي حديثٍ في الكتابين، وأكثرُها واقعةٌ في المتابعات وثابتةٌ
من طرقٍ أُخر.
وما أوردا بصيغة التَّمريض لا يجب العملُ به، فإنَّهما إنَّما أوردا
متابعةً واستئناساً لما في الأبواب من الأمور.
وهذا الذي ذكره كلُّه موافقٌ لمذهب الجمهور، إلّ قولَه: غيرُ
المتواترِ السالمُ من الانقطاع والطّعن يفيد العلمَ النظري، فإِنَّه على
خلاف مذهبهم؛ لأنهم قالوا: إنّه يفيد الظنَّ لا العلمَ كما مرّ.
٢٢

وأمَّا اشتراطُ الشَّيخين في إخراج أحاديث الكتابين، فالظاهرُ أنَّه
اتصالُ الإسناد بنقل الثُّقة عن الثِّقة من مبتدَئه إلى منتهاه من غير شذوذٍ
ولا عِلَّة.
وقال الحاكم في كتاب ((المدخل إلى الإكليل)): إنَّ شرطَ
البخاريِّ ومسلم في صحيحيهما ألاّ يذكُرا إلاّ ما رواه صحابيُّ مشهورٌ
عن النبيِّ وٌَّ له راويان ثقتان وأكثر، ثمَّ يَرويه عنه تابعيٌّ مشهورٌ
بالرِّواية عن الصَّحابة له أيضاً راويان ثقتان وأكثر، ثمَّ يَرويه عنه من
أتباع الأتباع الحافظُ المتقِنُ المشهورُ على ذلك الشَّرط، ثمّ كذلك
حتّى يبلغَ إلى الشَّيخين.
ثمّ قال: والأحاديثُ المخرَّجة بهذه الشَّريطة لا يبلغُ عددُها عشَرةَ
آلافٍ حدیث.
وهذا الذي ذكره من الشَّرط استَشْكلَه القومُ وقالوا: هو مُنتفٍ في
بعض الأحاديث المخرَّجة في الكتابين، منها حديثُ عمر: ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ
بالنّاتِ)) وحديثُ المسيَّبِ بنِ حَزْن في وفاة أبي طالب، فإنّهما في
الصحیحین، وهما من الأفراد.
وحديث حُمَيْدٍ بنِ هلال، عن أبي رِفاعة العَدَوي في صحيح
مسلم، فإنَّه أيضاً من الأفراد، فإنّه لم يروِ عنه غيرُ حميد، وكذا غيرُ
ذلك من الأحاديث التي نبّه عليها القومُ ودوَّنوها في كتبهم.
وقال أبو علي الجيَّاني: ليس مرادُه أن يكون كلُّ خبرِ روياه
٢٣

يجتمع فيه راويان من الصَّحابة والتَّابعين ومَن بعدَهم، فإنَّ ذلك يَعِزُّ
وجوده، بل مرادُه: أنَّ هذا الصحابيَّ وهذا التابعيَّ قد روى عنه رجلان
فصاعداً، وخَرَج بذلك عن حدِّ الجَهالة.
وهذا التأويل مع كونه مخالفاً لظاهر قول الحاكم غيرُ مطَّرِدٍ في
جميع رجال الصَّحيحين، فإنَّ أبا أحمدَ بنَ عَدِيٍّ ذكرَ شيوخ البخاريِّ
وذكر فيهم أقواماً لم يروِ عنهم إلاَّ راوٍ واحدٌ وسمَّاهم عيناً.
هذا والظَّاهر من كلام الحاكم مَنْعُ وجودِ الأفراد في الکتابین،
ولعلَّه اطّلع على كلِّ ما ذكَرَ القومُ أنَّه من الأفراد بمتابعة، فإنَّ الحكم
بأنَّ هذا الحديثَ لم يروِه(١) عن فلانٍ إلاّ فلانٌ يحتاج إلى تتبُّعٍ عظيم،
وعدمُ وجود الرِّواية في الكتب المشهورة لا يقتضي عدمَ الرِّواية
مطلقاً، وسنذكر نبذاً من ذلك ليكون تنبيهاً على غيره.
فمِن ذلك أنَّ ابنَ الصَّلاحِ والنوويَّ ومَن تَبِعَهما عَدُّوا حديثَ
عمرِو بنِ ثعلبٍ ((إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ) وحديثَ مِرْداسِ الأَسْلَمِيِّ((يَذْهَبُ
الصَّالِحُونَ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ)) من الأفراد، وقد أخرجهما البخاريُّ، وقالوا:
لم يروِ الأوَّلَ غيرُ الحسنِ البصْريّ، والثَّانيَ غيرُ قيسٍ بنِ أبي حازم،
وحديثَ عبدِالله بنِ الصَّامت عن رافعٍ بنِ عمرٍو الغِفاريِّ: ((إنَّ نفَراً من
أمَّتي يقرؤون القرآن لا يتجاوز حلاقيمهم)) أخرجه مسلمٌ في الزَّكاة،
وحديث أبي بُرْدَةً عن الأغرِّ المُزَنِيّ: ((إِنَّهُ لَيُّغَانُ عَلَى قَلْبِي)) منه، وقد
(١) في الأصل: (لم يرو)).
٢٤

أخرجه مسلم، ولم يروِ الأوَّلَ غيرُ عبدالله بنِ الصَّامت، والثّانيَ غيرُ أبي
بُرْدَة .
وليس الأمرُ على ما قالوا:
فإنَّ حديثَ عمرو بنِ ثعلبٍ قد روى عنه أيضاً الحكمُ بنُ
الأَعْرَج، كما نصَّ علیه ابنُ أبي حاتم .
وحديثَ مِرْداس قد روى عنه أيضاً زيادُ بن عِلاقة كما نصَّ هو
أيضاً.
وحديثَ رافع بن عمرٍو أُخرِجَ في ((الغَيْلانِيَّات)) من حديثٍ
سليمانَ بنِ المُغِيرة قال: ثنا ابنُ أبي الحكم الغِفاريُّ قال: حدَّثني
جدِّي، عن رافع بن عمرو .
وحديثَ الأَغرِّ ذَكَرَ العسكريُّ: أنَّ ابنَ عمرَ روى عنه أيضاً، وقال
ابنُ قانع في ((معرفة الصَّحابة)): قال ثابتٌ البُنانِيّ، عن الأغرِّ أغرِّ
ءُ
مُزَيْنة .
وبالجملة يُحكَم بصحّة أحاديثِ الكتابين من غير خلاف، وأمَّا
الحكمُ بوجود الأفراد فيهما وعدم وجودها مع كونه غيرَ محتاج إليه
كثيرَ احتياجٍ = يحتاجُ إلى تتبُّع بليغ، وهو مُشكل.
وأمَّا تفرُّد أحدِ الشَّيخين بإخراج بعضٍ الأحاديث فلأجل ثُبُوت
الشّروط المذكورة من كون الرَّاوي ثقةً، وكونِ الحديثِ خالياً عن عِلَّةٍ
وشذوذٍ عند أحدهما، وعدم ثبوتها عند الآخر، وكذا كون الجرح في
٢٥

الرَّاوي ثَبَت عند أحدهما مفسَّراً، ولم يثبت عند آخر، وبسبب ذلك
اختَلَف حالُ الرِّجال قَبولاً ورداً، فمسلمٌ أخرجَ في صحيحه عن أبي
الزُّبير المكِّيّ، وسهيلِ بنِ أبي صالح، والعلاءِ بنِ عبد الرَّحمن،
وحمَّادِ بنِ سَلَمَةً وغيرِهم، ولم يُخرجْ عنهمُ البخاريُّ، وهو أَخرَج عن
عِكْرِمَةَ مولى ابنِ عبَّاسٍ وإسحاقَ بنِ محمَّدِ العَدَويّ، وعمرِو بنِ
مَرْزوقٍ، وجماعةٍ غيرِهم، ولم يُخرجْ عنهم مسلم.
قال الحاكم أبو عبدالله: عَددُ من أَخرِجَ لهم البخاريُّ في ((الجامع
الصحيح)) ولم يُخرجْ لهم مسلمٌ أربعُ مئةٍ وأربعةٌ وثلاثون شيخاً، وعددُ
من أَخرِجَ لهم في المسنَد الصَّحيح ولم يُخرجْ لهمُ البخاريُّ ستُّ مئةٍ
وخمسةٌ وعشرون شيخاً، وهذا هو المراد بقولهم: فلانٌ على شرط
البخاريِّ، وفلانٌ على شرط مسلم.
وينبغي أنْ يُعلمَ أنَّه ليس كلُّ ما أَخرجَ عنه البخاريُّ أو مسلمٌ
يكونُ على شرطه، فإنَّه إنَّما يُحكَمُ عليه بكونه من شرطه إذا أَخرجَ عنه
في الأصول لا في المتابعات والشَّواهد، ويؤيِّدُ هذا ما قال سعيدُ بن
عمرِو البَرْدَعِيُّ: أنَّ أبا زُرْعةَ الرَّازيَّ أَنْكرَ على مسلمٍ إخراجَه في
صحيحه عن أسباطِ بنِ نَصْر، وقَطَنِ بنِ نُسَيْرٍ، وأحمدَ بنِ عيسى
المصريِّ وأضرابِهِم، وقال: هذا فتَحَ باباً لأهل البِدَع؛ فإنَّهم ينقُلون
عن هؤلاء الجماعة أحاديثَ لا أصل لها ويتمسَّكون بأنَّهم ◌ِثِقاتٌ حيثُ
أَخرجَ عنهم في الصَّحیح.
٢٦

قال سعيدٌ: فلمّا رجعتُ إلى نَّسابُورَ ذكرتُ ذلك لمسلمٍ فقال:
ما أخرجتُ عن هؤلاء القوم في الأصول شيئاً، وإنّما أخرجتُ فيها من
رواية الثِّقات، وإنَّما حدَّثتُ عن هؤلاء متابعةً، فإنَّه ربّما وقع إليَّ عنهم
بارتفاع، وإنَّما الاعتمادُ على ما أخرجْتُه من أحاديثَ رواها الثِّقات عن
شيوخهم، هذا كلام سعيدِ بنِ عمرو.
ولعَمري إنَّ مَن تدبَّرَ كتابَ مسلمٍ حقَّ التدبُّر ظَهَرَ له حقيقةُ هذا
الكلام، وثبَتَ عنده حُسْنُ مواقع هؤلاء القوم في صحيحه، وكيفيةُ
ترتيبه الأحاديثَ في كلِّ باب، وسنبيِّنُ كلَّ ذلك إن شاء الله تعالى في
مواضعه.
وأيضاً جمعٌ من الثّقات حصَلَ لهم اختلاطُ في أواخرٍ مُدَّتهم،
وهؤلاء ممّا لا ريبَ فيهم قبل حصول ذلك ممَّا أخرجَ في الصَّحيحين
عنهم - مأخوذْ عنهم قبل الاختلاط، ويُعرَفُ ذلك بالرّاوي وزمانِ
الأخذ، ولهذا نبيِّنُ في كلِّ رجلٍ من هؤلاء زمنَ الاختلاط وما أُخِذَ
عنهم قبلَه، وما أُخذَ عنهم بعدَه، لِيتميَّزَ القويُّ عن الضَّعيف.
وأمَّا إِلزامُ جَمْعِ من الحفّاظ منهم الحاكمُ والدَّارَقُطْنِيُّ وغيرُهما
البخاريَّ ومسلماً بتركهم كثيراً من الأحاديث الصِّحاح بل صرَّحا بأنَّ
المُخرِجَ بعضٌ من الكلِّ، كما يُحكى عن البخاريِّ أنّه قال: ما أدخلتُ
في هذا الكتاب - يعني ((الجامع الصحيح)) - إلاَّ ما صحَّ، وتركتُ من
الصِّحاح بحال الطول.
وعن مسلم أنّه قال: ما كلُّ حديثٍ صحَّ عندي أخرجتُه في هذا
٢٧

الكتاب؛ يعني ((المسند الصحيح))، وإنَّما أخرجتُ هذا من الصِّحاح
ليكونَ مجموعاً عندي وعندَ من يكتُبه عنّي، ولا يَرتاب في صحَّتها،
وهذا ظاهر.
وكذا حالُ كلِّ من صنَّف كتاباً في علم = فإنَّه ليس غرضُه
استيعابَ جميعِ مسائلِ هذا العلم، وإنَّما مقصودُه جمعُ الأصول،
والذي هو العمدةُ في الفنّ.
ثمَّ الظَّاهرُ من حال الشَّيخين من غاية تتبُعهم وكثرةِ اطّلاعِهم أنَّ
كلَّ حديثٍ هو أصلٌ في بابٍ وتركا إخراجَه ولم يُخرجا له نظيراً أو ما
يقومُ مَقامَه = فإنَّهما اطَّلعا فيه على عِلَّةٍ لا يطَّلعُ عليها مَن بعدَهم.
وأمَّا تركُهم الأحاديثَ الصِّحاحَ إيثاراً للاختصار بأنَّها ليست من
الأصول، أو في الأبواب ما يقومُ مَقامها، ويسدُّ مسدّها، أو ليس في
أحكام الدِّين بل في القَصَص والعِبَر ونحوِ ذلك = فكثير.
ثمَّ لا شكَّ في صحَّة كتاب مسلم، وكونِه عَلَماً في بابه، جامعاً
الأحاديثَ التي هي أمَّهاتُ أمورِ الإسلام في جميع الأقسام.
وقد صنَّفَ قومٌ من الحُفَّاظ بعدَ مسلم على هذا الكتاب كتُباً،
وأخرجوا أحاديثَه بطُرُقٍ كثيرةٍ تحصُلُ منها زيادةُ قوَّةِ الحديثِ المخرَّج
فيه بكثرة طرقِه وزيادةِ ألفاظٍ صحيحةٍ مفيدة، تكون مَناطاً للأحكام أو
مبيناً يخفى .
منها كتابُ أبي جعفرِ أحمدَ بنِ حمدانَ النَّسابُوريِّ الزَّاهِدِ العابدِ.
٢٨

ومنها: ((المسند الصحيح)) لأبي بكرٍ محمَّدٍ بنِ محمَّدِ بنِ رجاءٍ
النَّيسابوريِّ الحافظِ، وهو يشارك مسلماً في أكثرٍ شيوخه.
ومنها ((المختصَر المسنَد)) للحافظِ أبي عَوانةَ يعقوبَ بنِ إسحاقَ
الإسفرايينيِّ، وهو يشارك بعضَ شيوخ مسلم أيضاً.
ومنها: كتابُ أبي حامدِ الشاركي الفقيهِ الشافعيِّ الھَرَوي.
ومنها: ((المسنَدَ الصَّحيح)) لأبي بكرٍ محمَّدٍ بنِ عبدالله الجَوْزَقِيِّ
النَّيْسابُوريّ.
ومنها: ((المسند الصحيح)) للحافظ أبي نُعَيْمِ أحمدَ بنِ عبدِالله
الأَصْبَهانيّ.
ومنها: ((المسند)) للإمام أبي الوليد حسَّان بنِ محمَّدِ القَرَشيّ.
و
وغير ذلك.
و((المسند الصحيح)) هو العُمدة، والكلُّ يتفرَّعُ عليه، وحصَلَ له
القَبولُ العامُّ، والشُّهرةُ التَّامَّة، وحصَلَ العِلمُ القَطْعِيُّ بأنَّه تصنيفُ أبي
الحسين مسلمٍ بنِ الحجّاجِ هذا العالمِ المتقِنِ العلاَّمة، واشتُهرتْ
روايتُه من طريق أبي إسحاقَ إبراهيمَ بنِ محمَّدِ بنِ سُفْيانَ كما ذكرنا،
وهو قد سَمع هذا الكتابَ من مسلمٍ إلا في ثلاثةِ مواضع، فإنَّه ما
سمعها من مسلم، وإنَّما حصل له بالإجازة، فلا يقال في تلك
المواضع: أخبرنا إبراهيم، أخبرنا مسلمٍ، بل يقال: أخبرنا إبراهيمُ عن
مسلم .
أوّلها: في كتاب الحجِّ من حديث ابن عمرَ بروايةِ ابنِ نميرِ: أنَّ
٢٩

رسولَ الله ◌َ﴿ قال: ((رَحِمَ اللهُ المُحَلَّقِينَ)) إلى أوَّلِ حديثِ ابنِ عمرَ أنَّ
رسولَ الله ﴿ ((كان إذا استوى على بعيره كبَّر ثلاثاً)). وهذا الفائتُ
يجيء ثماني ورقات تقريباً، فإنَّ يقال في جميع هذه الأحاديث: أخبرنا
إبراهيمُ بنُ سفيانَ عن مسلم .
الثاني: في أوَّل كِتاب الوصايا من حديث ابن عمرَ: «مَا حَقُّ
◌ِمْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيد أَنْ يُوصِيَ فِيهِ)) إلى آخر حديث، رواه في
قِصَّة حُوَيِّصَةَ ومُحَيِّصَةَ في القَسامَةِ من رواية إسحاقَ بنِ منصور، عن
بِشْرِ بنِ عمرَ. وهو مِقْدارُ عشْر ورقات.
والثالث: في كتاب الإمارة والحكومة من حديث أبي هريرة:
(إِنَّمَا الإِمَامِ جُنَّةٌ))، إلى حديث أبي ثعلبةَ الخُشَنِيِّ في كتاب الصيد
والذَّبائحِ: ((وَإِنْ رَمَيْتَ سَهْمَكَ)) من رواية محمَّدٍ بنِ مِهْرانَ الرَّازيّ عن
حمَّادِ بن خالدِ الخيَّاطِ. وهو مِقدارُ ثماني عشرة ورقة.
وهذه هي المواضعُ الثَّلاثة التي حصَلَ له من مسلمٍ إجازةً أو
وِجادةً، فإنَّ في الأصول المعتمَدةِ مثلِ أصل العَبْدَرِيِّ وابنِ عساكرَ
وغيرهما مبين حال هذه المواضع ومصرّح بلفظة (عن) بين إبراهيمَ
ومسلم، وفي سائر المواضع في تمام الكتاب لفظة (أخبرنا) بينهما.
وأمَّا كيفيَّةُ أَخذِ الْجُلُودِيّ عن إبراهيمَ فاختُلف فيه أيضاً فقيل:
سماعاً، وقيل: قراءة.
ومِن ثَمَّ اختلف في التلفُّظ في: حدَّثَنَا، وأخبرَنا. وقال قومٌ:
٣٠

الجمعُ أَحْوَطُ. وقال آخرون: يكفي أخبرنا؛ فإنَّه يقال في السَّماع
أيضاً، وهو موجودٌ في الأصول المعتمَدة القديمة.
هذا ما يتعلَّقُ بحال الكتاب جملةً.
* وأمَّا عددُ الأحاديثِ المخرَّجة فيه فقد نقَل الشيخُ أبو عمرو بنُ
الصَّلاح عن أبي قريشِ الحافظِ أنَّه أربعةُ آلافٍ حديث.
وقال: كتابُ البخاريِّ أيضاً كذلك، والغرَضُ أنَّ في كلِّ واحدٍ
منهما هذا العددَ من الأحاديث الأصولِ دون المكرَّرات. هذا كلامُه
وهو حديثٌ مُجمَل.
وأمَّا التفصيلُ فينبغي أن يُعلمَ أنَّ النَّاظرين في هذا الكتاب اختلفوا
في أنَّ مسلماً هل أَوردَ لفظةَ الكتب في هذا الكتاب مثل: كتاب
الإيمان، كتاب الطَّهارة، كتاب الصَّلاة ... إلى آخرها، أو لم يذكُر،
وإنَّما ذكرَها النَّاظرون فيه، الآخذون منه بعد اتَّفاقهم على أنَّه ما أورد
لفظةَ الأبواب اختصاراً، بل رتَّب الأحاديثَ ترتیبَ الأبواب بدون ذِكْر
بابٍ مُترجَمٍ بشيءٍ في الوسط، وإنَّما حصَلَتِ التَّرجمةُ من الشُّرَّاحِ
بحسْب آرائهم؛ ولهذا اختلَفتِ الثَّراجم في النُّسَخ.
ونحن أيضاً إن شاء الله تعالى نختار من التّراجم ما هو الأَلْيَقُ
بالأحاديث الواردة فيها .
ثُمَّ الظَّاهرُ أنَّ مسلماً رحمه الله ذكَر الكتبَ دونَ الأبوابِ لأنَّها
قليلةٌ وتراجِمَها ظاهرةٌ، وهو الموجود أيضاً في الأصول القديمةِ
٣١

المعتمَدة دون الأبواب، فلأجل هذا بيًّّا عدد الأحاديث في الكتب
دون الأبواب.
وجملةُ الأحاديث مع الأصول والمتابعات والمكرَّرِ وغيرِه ستةُ
آلافٍ وخمسُ مئةٍ وخمسةٌ وعشرون حديثاً.
المقدّمة سوى الآثار في حال الرجال: تسعةَ عشر.
الإيمان : مئتان وخمسة وسبعون.
بدء الوحي : ثمانية أحاديث.
المعراج وما يتعلَّقُ به: أربعةٌ وثلاثون.
الرُّؤية وما يتعلق بها: عشرون.
الشَّفاعة وما يتعلَّق بها: أربعةٌ وخمسون.
الطَّهارة: مئةٌ وخمسةٌ وعشرون.
الحيض والغُسل وما يتعلَّقُ بهما: مئةٌ واثنان وسبعون.
التيمُّمُ وما يُستحَبُّ الوضوءُ فيه وغيرُ ذلك: عشرون.
الأذان: أحدٌ وعشرون.
الصلاة: تسعُ مئةٍ وأربعةٌ وأربعون.
صلاة الخوف: ثمانيةُ أحاديث.
٠
صلاة الجمعة : ثمانون.
صلاة العيد: أربعةٌ وعشرون.
الاستسقاء: سبعةَ عشرَ.
٣٢

الكُسوف: تسعةٌ وعشرون.
الجنائز : مئةٌ وثلاثةٌ وعشرون.
الزَّكاة: مئتان وحدیثان .
الصَّوم: مئتان وستون.
المناسك: أربعُ مئةٍ وتسعةٌ وخمسون.
فضائل الحرمين: سبعةٌ وثمانون.
النكاح وما يتعلّقُ به من الرَّضاع والقَسْم وغيرِهما: مئتان وثمانيةٌ
وعشرون.
الطلاق: مئةٌ وأربعةُ أحاديث.
العِتاق: ثمانيةٌ وعشرون.
البيوع: مئتان وثلاثةٌ وثلاثون.
الشُّفْعَة والغصب وما يتعلَّق بهما: عشرة أحاديث.
الفرائض: عشرون.
الهبة والوصيّةُ وما يتعلَّق بهما: أحدٌ وستون.
التُّذور والأيمان: اثنان وخمسون.
صحبة المماليك: أربعون.
الجنايات والدِّیات: خمسون.
الحدود: ستون.
الأَقضِيَة والشَّهادات: ثلاثةٌ وعشرون.
٣٣

اللُّقَطَةُ والضيافة وما يتعلَّق بها: عشرون.
السِّيَرَ والمغازي: مئةٌ وسبعةٌ وستون.
الإمارة: مئةٌ وثمانيةٌ وعشرون.
الجهاد: خمسةٌ وتسعون.
الصَّيد والذَّبائح: اثنان وسبعون.
الأُضْحِيَّةُ: خمسةٌ وخمسون.
الأَشْرِبة: ثمانيةٌ وستون.
الأَطْعِمة: مئةٌ وأربعةَ عشرَ.
اللِّباس: مئةٌ وتسعةٌ وستون.
الأسماء والكُنى: أربعون.
الاستئذان وما يتعلَّق به: ثلاثة وستون.
الطُّبُّ والرُّقى: مئةٌ وأحدَ عشرَ.
قتل المؤذيات: سبعةٌ وثلاثون.
ألفاظ الأدب: ثلاثون.
الرُّؤيا: أربعةٌ وثلاثون.
فضائل نبيِّنا عليه السَّلام وسائرِ الأنبياء عليهم السَّلام: مئةٌ وخمسةٌ
وتسعون.
فضائل الصَّحابة وما يتعلَّق بها: مئتان وخمسةٌ وثمانون.
٣٤

الرِّقاق: مئةٌ وتسعون.
القَدَر: ثمانيةٌ وأربعون.
العِلْم: اثنان وعشرون.
الأدعية والأذكار: مئةٌ وخمسةَ عشرَ.
التَّوبة وأحوال التَّائبين والمنافقين: ثمانون.
عظَمة الربّ والإذعانُ للآيات: ثلاثون.
صِفَة المؤمن والكافر: اثنان وأربعون.
صِفَة الجَنَّة [وأهلها] - جعلنا الله تعالى بفضله منهم -: ثلاثون.
صِفة النَّار وأهلِها - أعاذنا الله بلطفه منها -: ثلاثون.
صِفة فَناء الدُّنيا وأهوالِ القيامة: خمسةٌ وثلاثون.
أشراط السّاعة والفِتَن: مئةٌ وستةٌ وخمسون.
الزُّهد وما يتعلَّق به: اثنان وستون.
الأحاديث المتفرِّقةُ من تشميت العاطس، وبَدْء الخَلْقِ، والنَّهي
عن المدْح، وكتبة العلم وغيرِ ذلك: خمسةٌ وعشرون.
التَّفسير: سبعةٌ وثلاثون.
وينبغي أن يُعلَمَ أنَّ تكريرَ الإسناد والتَّحويل في هذا الكتاب
کثیرٌ.
وقد ذكَر مسلمٌ - رحمه الله - في المقدّمة: أنَّ المعنى الزَّائدَ في
الحديث المحتاج إليه يقوم مَقامَ حديثٍ تامٍّ. والمقرَّرُ من القاعدة: أنَّ
٣٥

كلَّ إسنادٍ ينتهي إلى صحابيٍّ غيرِ المذكور في الإسناد قبلَه، وإنْ لم
يكن فيه زيادةُ لفظٍ أو تغييرُ لفظ = فإنَّه يُعَدُّ حديثاً آخر .
وكلّ إسنادٍ ينتهي إلى الصَّحابيِّ المذكورِ قبلَه، ولكنَّ التَّغييرَ في
رجال الواسطة، فإن كان في المتن تغييرٌ بزيادةٍ أو نقصانٍ يُعَدُّ حديثاً
آخر.
وقد جَرينا في هذا العدِّ على مذهبهم، وجميعُ الأسانيد المؤكَّدة
والمحوَّلة التي ليس فيها تغييرٌ في المتن في هذا الكتاب زُهاءُ ألفٍ
أُخَر، سوى المعدود الذي يُعَدُّ حدیثاً برأسه، فتدبّر.
وهذه الأحاديث المذكورة كلُّها مسندةٌ متَصِلة، ليس في شيءٍ
منها انقطاعٌ إلا في اثني عشرَ حديثاً:
الأوّل: في (كتاب التيمُّم) في حديث أبي الجَهْم بنِ الحارث بن
الصِّمَّةِ الأنصاريِّ حيثُ قال: وَرَوَى اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ.
والثَّاني: في (كتاب الصَّلاة) في السُّكوت بين التَّكبير والقراءة،
حيث قال: وَحُدِّثْتُ عَنْ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ وَيُونُسَ الْمُؤَدِّب.
والثَّالث: في (الجنائز) في حديث عائشةَ في خروج النَّبِي وَّ إلى
البقيع ليلاً حيث قال: وَحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حَجَّاجاً الأَعْوَرِ.
والرَّابع: في (باب وَضْع الجوائح) في حديث عائشةَ حيث قال:
وَحَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ أَبِي
أُوَيْسِ.
٣٦

والخامس: في هذا الباب أيضاً في حديث كَعْبٍ بنِ مالكٍ في
تقاضي ابن أبي حَدْرَدٍ حيث قال: وَرَوَى اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنِي
جَعْفَرُ بنُ رَبِيعَةَ.
والسَّادس: في (احتكار الطَّعام) في حديثٍ مَعْمَرِ بن عبدِالله
العَدَوِيِّ حيث قال: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ عَمْرِو بنِ عَوْنٍ .
والسَّابع: في (صِفة النَّبِي ◌ََّ) حيث قال: وَحُدِّثْتُ عَنْ أَبِي
أُسَامَةً.
والثَّامن: في آخر (كتاب القَدَر) في حديث أبي سعيدٍ :
(لَتَّبِعُنَّ(١) سَنَنَ الَّذِينَ مَنْ قَبْلِكُمْ) حيث قال: حَدَّثَنِي عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابنَا
عَنْ سَعِيد بن أَبِي مَرْيَم .
وهذه الثمانية منقطعةٌ ليس في الكتاب وصلُها من طريق آخر،
وإنَّما وصَل بعضَها الجُلُودِيُّ وإبراهيم بن سفيانَ على ما سيجيء في
موضعه، والأربعة الأخرى في الكتاب وصلها من طرق أُخَرَ، وإنما
الانقطاع فيما أخرج متابعة.
فالأول: في آخر (الفضائل) في حديث ابن عمر: ((أَرَّأَيْتَكُمْ
لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ)» ... الحديث، فرواه متصلاً أولاً، ثم أورده من طريق
عبدالله بن عبد الرحمن الدَّارِمِيِّ منقطعاً.
(١) في الأصل: (لتركبن)).
٣٧

والثاني: في (الصلاة الوسطى) بعد أن رواه موصولاً قال: وَرَوَاهُ
الأَشْجَعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ.
والثالث: في الذي اعترف على نفسه بالزِّنا في حديث أبي هريرة
بعد ما رواه متصلاً قال: وَرَوَاهُ اللَّيْثُ أَيْضاً عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
والرابع: في (كتاب الإمارة) في حديث عوف بن مالك ((خِيَارُ
أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ)) بعد ما ذكره متصلاً قال: وَرَوَاهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ
صَالِحٍ عَنْ رَبِيعَةَ بنِ يَزِيدَ.
فهذه هي المواضع التي ذكر القوم أنها منقطعة، والظاهر أن
الانقطاع في الثمانية الأُوَل دون الأربعة الباقية؛ لأنها تورَد متابعة.
وأما ما قيل: إنها في أربعةَ عشرَ موضعاً، ونُقُل ذلك عن الإمام
أبي عبدالله المازَرِيِّ - فَوَهْمٌ، قيل: منشؤُه أنه عدَّ حديث ابن عمر في
الفضائل مرتين، وعدَّ حديث كعب بن عُجْرَةَ في الصلاة على النبي وَ ل
في رواية إسماعيل بن زكريا، فإنَّ الواقع في نسخة ابن ماهان (حدثنا
و
صاحبٌ لنا عن إسماعيل بن زكريا)، وفي نسخة الْجُلُودِيّ ليس
کذلك، بل هو مبيّن حيث قال: (حدثنا محمد بن بگّار قال: حدثنا
إسماعيل بن زكريا)، ثم الظاهر أن الأول أيضاً إنما وقع منقطعاً في
حديث آخر إذ في طريق حديث ابن عمر الذي وقع متصلاً إنما هو في
نسخة الْجُلُودِيّ، فعدَّه الإمام اثنين بحسب الطريقين، وأما عدُّ
الانقطاع الواحد اثنين فبعيدٌ جداً خصوصاً عن مثله، ثم هذا الانقطاع
٣٨

في هذه المواضع ليس ملحَقاً بالمنقطع في خروجه عن حيز الصحيح،
ولا يُوهم خللاً، فإنها متصلة بطرق أُخَرَ صحيحة، وكذلك الواقع في
كتاب البخاري مع كثرته، اللهم إلا أن يكون بصيغة التمريض، فإنه
ليس لأجل أخْذ الحكم عنه، بل لأجل المؤانسة كما بينًا، والله أعلم.
٣٩