Indexed OCR Text

Pages 1-20

فَضْلِ المُنَ
فيسَزِچ
ـى
و
تَأْلِيْفُ
القَاضِّ شَمْسِ الدِّيْنِ الھَرَوِيِّ
أِي عَبْدِ اللهِ مُحَدِ بْنِ عَطَاءِ اللَّهِ بِنِ مُحمَّدٍ الْهَرَوِيِّ الحَنَّفِيِّ ثُمَالشَّافِيٍّ
المولود بهراة سنة ٧٦٧ هـ والمتوفى بالقدس سنة ٨٢٩ هـ
رحمه الله تعالى
تَّحْقِيُقَ وَدِرَاسَة
مختصَّةٍ مِنَ
بِإِبْشِرَافٍ
ـحققـ
2

رَبِّ يَّر ◌َأَعِن
الحمد لله الذي رفع لواءَ الشَّرائع بالأحاديث المرفوعة إلى الأنبياء،
وفتح أبوابَ معرفتها بالأسانيد المعروفة بالأتقياء، وأحْكمَ ما تشابه من
متون الرِّواية بإلهام الدِّراية للأذكياء، وأَحسنَ على البريَّة بعد فُشوٍّ ضَعْف
المذاهب وسَقَم الآراء، بإنزال الشَّريعة الصَّحيحة المستقيمة السَّمحة
البيضاء، وجعْلِها كشجرةٍ أصلها ثابتٌ وفرعها في السَّماء.
وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةَ راسخٍ بالقول
الثَّابت في دار الابتلاء، راجٍ بها الفوزَ الأوفرَ يوم السّعادة والشَّقاء.
وأشهد أنَّ مُحمَّداً عبده ورسوله، الذي خَلَقَ نورَه قبل جميع
الأشياء، وأعطاه المقام المحمود والشَّفاعة العُظْمى يوم الجزاء، وأنزلَ
عليه النَّاموسَ الأعظم وهو متعبِّدٌ في غارِ حِراء، وأرسله رحمةً
للعالمين في زمانٍ فترةِ الرُّسُل واتباع الأهواء، وأسرى به ليلاً من
المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله بمشاهدة
الأصفياء، وأوحى إليه ما أوحى، ما كذب الفؤاد ما رأى، ولقد رأى
من آيات ربه الكبرى في تلك اللَّيلة الشَّهباء، ونسخ جميع الشَّرائع،
٣

وجعل شريعتَه كاملةً دائمةَ البقاء، كذلك يفعل الله ما يشاء في إظهار
الحكم عند الانتهاء.
صلّى الله عليه وعلى آله الذين حفظوا ما نطق به وفعل وأمر
ونهى، وقتلوا نُهاهم في استنباط الأحكام بالتَّتبع الأوفى، ومنحوا
ما حفظوا، واستنبطوا على أهل الدِّراية والتُّقى.
ومنَّ الله تعالى على الآخذين بمنح غاية السَّعي وكمال الحفظ
والنَّهي، فرحلوا في أقطار الأرض، وسمعوا من أهل العدل،
وأصحاب العُلا، ودوَّنوا كلَّ ما أحاط به علمُهم من أنواع شتَّى، وبيَّنوا
حال الجميع ونزَّلوا كلاَّ منزلةً تليق به ويرضى، وأصبح العلم راسخة
الأساس شامخة البناء، وأمسى الجهل خارسةَ السَّياسي خامشةً
الصُّوى(١)، جزاهم الله - تعالى - عنّا وعن الإسلام خيراً وعزاً وسناء،
وجعل لهم لسان صدق في الحياة الدُّنيا، وأعدَّ لمتقلّبهمُ الفردوسَ
الأعلى، فإنَّ ذلك عطاؤه الذي يعطيه من يريد، وفضله الذي يؤتيه من
يشاء، ما اهتدى سالكٌ بالنَّجوم في مَهَامِه البيداء، واقتفى غاربٌ أثرَ
طالع في مواقع الأَنْواء.
وبعد:
فإنَّ كمالَ الأناسيِّ تحصيلُ المعارف والحقائق، ومراتبَهم تتبيَّنُ
بقدْر اكتساب الفضل والغوصِ على الدَّقائق، وتباينت الرُّتب،
وتَحَاكَّتِ الرُّكب في غوامض العلوم والأسرار، ومالت أنفس الكلِّ إلى
(١) كذا في الأصل.
٤

:
كشف الأستار، واختار كلُّ طالبٍ علماً من العلوم، ومرتبةً من
المراتب، وللنَّاس فيما يعشقون مذاهب.
ولا خفاءَ أنَّ علم الشَّرائع والأحكام، ومعرفةً ما كلّف الله به الأنام،
هو أصل العلوم على الإطلاق، والحائز لاسم العلم بالاستحقاق، وما
عداه إمَّا ضئيلٌ لديه، أو سبيلٌ إليه، وما كُلُفَ إلى معرفة شيءٍ غيرِه الخلقُ
أجمعون ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلََّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: ٥٦].
وإنَّ علم الحديث من أقسامه أعلاه، ومن أنواعه أسماه؛ إذ هو
الكاشف عن حقائق التَّنزيل، والمطّلع على دقائق التّأويل، وما صار
الكتاب تِبياناً لكلِّ شيءٍ إلاّ به، وما استُخرِج بغيره لبٌّ من ألبابه،
وما سلك سالكٌ طريقاً أهدى به، وما أُخذ قول أحدٍ بدون التَّشبث
بأهدابه، وقد جمع السَّلف أشتاته من كلِّ أوبٍ وصوب، وبيَّن الخلف
أسبابه وعلله في کلِّ سهلٍ منه وصعب.
وإنَّ صحيحَي الإمامين البحرين الأعظمَين، والهمامَين الحَبْرَین
الأقدمَين بين الكتب المصنَّفة في هذا الشأن كالقمرين بين نجوم
السَّماء، وهما بين الأمثال والأقران كالعُمَرَين بين أئمّة الهدى.
وإنَّ صحيح الإمام أبي الحسين مسلمٍ أمتنُهما روايةً وتقريراً،
وأحسنُهما ترتيباً وتحريراً، وأكثرُهما تفريقاً وتحقيقاً، وأقلُّهما تقطيعاً
وتعليقاً، في كل سِفْرٍ منه عِقدٌ من الدُّرِّ، وفي كلِّ سطرٍ منه روضٌ من
المنى.

ولم يزل المهَرة المتقون أناخوا ركابهم نحو جَنابه، والسَّحرةُ
a
المُفْلِقون أناخوا ركائبهم حول بابه، وغاصوا في لُجج بحاره، وسهروا
في ذلك الليالي والهواجر، وأخرجوا منها اللآلىءَ والجواهر،
وأوضحوا ما خفي من معضلاته، وشرحوا ما التبس من مشكلاته.
وإنَّ الشُّروح الثّلاثة المنسوبة إلى الأئمّة العظام والفحول الكرام؛
الإمام العلامة الحافظ القاضي أبي الفضل عِياضٍ بنِ موسى بن عياضٍ
اليَحصُبيِّ السَّيْتِيِّ الذي سمَّاه: ((إكمال المُعْلِمِ)) فإنه أكمَلَ شرحَ شيخِه
وإمام أهل الحديث في وقته أبي عبدالله محمدِ بن عليٍّ بن إبراهيمَ
المازَري التميمي المسمَّى بـ ((المُعْلِم))، بضمٌّ فوائدَ شريفةٍ إليه، وزيادة
فرائدَ مُنیفةٍ علیه .
والشيخِ الإمام العالم أبي العبّاس أحمدَ بنِ عمرَ بنِ إبراهيمَ
الأنصاريِّ القرطبيِّ الذي وَسَمَه بـ ((المفْهِم في شرح تلخيص مسلم)).
والإمامِ الفاضل العالم العامل محيي الدّين أبي زكريا يحيى بنِ
شرفٍ بن مُرِّي بن حسنِ النوويّ = سارت في الآفاق وحازت قصَبات
السَّبق بالاستحقاق.
والمشايخ المذكورون تغمّدهم الله تعالى بغفرانه [وأسكنهم]
بَحابح جنانه؛ قد بذلوا جُهدهم، وأفرغوا وُسعهم(١) في الإيضاح
والتَّبيين، ومنحوا ما رزقهم الله تعالى على كافة الطَّالبين، وأودع كلُّ
(١) في الأصل: ((جهدهم)).
٦

واحدٍ منهم في شرحه خلاصة الأنظار ونتائج الأفكار، ولو لم يكن
منهم إلاّ الإيماءُ إلى مظانِّ الكلام والإرشادُ إلى تقريب المَرام لكفاهم،
وكيف ولهم مع فضيلة السّبق وإظهار الحقِّ حقائقُ نفيسةٌ يميل إليها
اللَّبيب، ودقائقُ أنيسةٌ يرتاح فيها الفطِنُ الأريب، ولكن لمّا كان الفن
باحثاً عن أقوال سيد المرسلين وأقواله، كاشفاً عن سيرته وأحواله،
وهو البحر الذي لا یرجی سواحله، والرهب الذي لا ينتهي مساجله،
وكان الفيض من الله تعالى فائضاً على التواتر والتوالي، وبقدر الكَدِّ
تكتسب المعالي، وكان الكتاب المشار إليه - كما علمت - عَلَماً شامخاً
في بابه، بالغاً أعلى مراتب نصابه، وبكثرة تَرداده تزداد عجائبه،
وبإدامة النظر فيه تظهر غرائبه، وكان الشارعُ فيه يحتاج في معرفة سند
الأحاديث ومتنها المخرَّجة فيه إلى كتبٍ كثيرةٍ طويلة، وأسفارٍ عديدةٍ
جليلة، وكانت الشروح المذكورة - وإن كانت مشتملة على بعض
المطالب - خاليةً عن أكثر المآرب، فإنَّهم ما بَيَّنُوا حال رجال
الأسانيد في أكثر المواضع، وما تعرّضوا لطُرق ورود الحديث في
المواقع، وما ذكروا وجه الترتيب والترجيح والتفضيل، وما حامُوا حول
دقائق المعاني والبيان الحاصلة في الأحاديث بالجملة والتفصيل.
وكان من فضل الله تعالى عليَّ أنْ وفَّقني بحفظ هذا الكتاب،
وإجالة النظر في الكتب المصنَّفة في هذا الباب، وطير برد الشباب في
اقتناء نُكَت هذا العلم من الكتب وأفواه الرجال، وقطع التعلّق من جميع
الأسباب، سوى خدمة هذا العلم وتحقيق هذا الكتاب = أردت أن
٧

أشرحَه شرحاً جامعاً لفوائد المتقدِّمين، حاوياً على فرائد المتأخِّرين.
مشتملاً على ما في الشروح الثلاثة المذكورة بألطفِ العبارة.
منطوياً على تحقيقاتٍ خلت عنها الكتب بأرشقِ الإشارة.
وأن أكشفَ حال جميع رجال الإسناد وما قيل في كل واحدٍ منهم
من المذمَّة والإحماد.
وأُبيِّنَ طُرقَ كلِّ حديثٍ من أحاديث الكتاب المخرَّجة في الكتب
الخمسة الباقية من الستة، ومواقعَ التعريج وما تفرَّد به المصنّف من
بینهم بالتخریج.
وأضيفَ إلى ذلك كلَّ ما في الكتب الخمسة من الأحاديث التي
ليست من الكتاب، وأبيِّنَ ما فيها من الكلام والأبواب، وليكونَ هذا
الكتاب شرحاً للكتب الستة التي عليها مدارُ الإسلام، راویاً کلَّ زیادةٍ
واقعةٍ في مسند الإمام أحمدَ والمعاجم الثلاثِ للطَّبراني ومسند البزَّار
وأبي يَعْلى الذي يتعلَّق به من الأحكام، أو يكون مظِنّةً لورود شيءٍ من
الكلام.
وكلُّ زيادةٍ ليس لها مدخلٌ في هذا الخطاب، أو الحديثُ بجملته
غيرُ مخرَّجٍ في الكتاب تركتُ ذكره في التذييل خوفاً من التطويل.
وأنبه على ترتيب الأحاديث والروايات من الأصل والمتابعة
والشاهد.
وفوائدٍ اختيار المصنّف الألفاظَ التي هو فيه كالعامد.
٨

وأُورد كلَّ كلام يليق بالكشف والتِبيان، وأُفرغ المباحث في
قوالبِ المعاني والبيان، وأبرز الجواهر التي لازالت في الحُجُب
مخزونة، وعن أيدي الإشاعة في الأزمنة مَصونة، وقصدي بذلك أن
يكونَ هذا من سحائب الأفكار غدَقة، وبين يدي نجوى رسول الله وَّله
صدقة، وأن يكون مسرحاً لأنظار المتأمِّلين في القفر والمغالب،
ومَشرعاً للسَّالكين في بيداء المطالب، وأن يكون بُلغَةً لمقصود الشَّارع
في هذا الكتاب، بحيث لا يحتاج إلى غيره في شيءٍ من الأبواب، وأن
يكون تحفةً يَعرِفُ قَدْرَها العالمون، ولمثل هذا فليعمل العاملون، فإن
بقي مع هذا ريبٌ لقومٍ يجحدون، فبأيِّ حديثٍ بعده يؤمنون؟
وسمّیته :
فَضْلِ المُعَّة
فِسَرْجِ
والمرجوُّ من أئمّة الأمصار وعلماء الأقطار أن ينظروا فيه بعين
الإنصاف والرِّضا، ويسدُّوا ما ظهر لهم من السَّهو والخَطَا، فإنَّ وقوعَ
الهفوة من البشر ليس على خلاف القياس، وإنَّ أوّلَ الناس أوّلُ ناس،
وعلى الله أتوكّل في أن يهديني سواءَ الطَّريق، ويرزَقَني حلاوة
التحقيق، ويعصِمَني من الخطأ والزلل في القول والعمل، ويوفِّفَني
لأداء الشُّكر لما منَح من النِّعم، ويختِمَ لي بالخير عند الخروج من دار
السَّقَم، وأنْ يجعلَ ما تعبتُ في هذا الكتاب خالصاً لوجهه الكريم،
٩

ونوراً لي يسعى بين يديَّ في الموقف العظيم، وما توفيقي إلا بالله عليه
توگَّلت وإليه أنيب.
وقبل الخوض في الكلام، نورد نُبذاً من الكلام فنقول:
قد جرت العادة في البحث عن حال المصنِّف، والمصنَّف، وبيانِ
اصطلاحات أهل هذا العلم من السّلف، وبيانِ الأسامي من المؤتلِف
والمختلف، قبل الشُّروع في شرح الكتاب وتحقيق الأحاديث الواردة
في الأبواب، فلهذا عقدتُ لذلك ثلاثة أبواب.
١٠

الَبُ الَّلُ
في بيان المصنّف والمصنّف
* أما المصنّف: فهو أبو الحسين مسلمُ بن الحجاج بنِ مسلمٍ
القُشَيْرِيُّ نسَباً الصَّميمُ منهم، النيسابوريُّ داراً، الحافظُ، أحدُ الأعلام
وأوحدُ علماء الإسلام.
رحل في طلب الحديث، وسمع الكبار من مشايخ عصره،
وسمع بخراسان من یحیی بن یحیی، وإسحاق بن راهويه، ومحمدٍ بن
رافع، وغیرِهم.
وبالرَّيِّ من محمدٍ بن مهرانَ، وأبي غسَّان، وجريرِ بن عبد
الحمید، وغيرهم.
وبالعراق من أحمدَ بنِ حنبل، وجريرِ بن حازم، وعبدالله بن
مَسلَمة، وغيرهم.
وبالحجاز من سعيد بن منصور، وأبي مُصْعَب، وابنٍ أبي عُمرَ،
وغيرهم.
وبمصرَ من عمرو بن سواد، وحَرْمَلَةَ بنِ یحیی، ومحمد بن رُمْحِ
وغيرهم.
١١

وكتابُه يفصِح عن بيان أكثر شيوخه، فلا حاجةً إلى الإطالة
بذکرهم ههنا.
روى عنه خلائقُ منهم التِّرْمذيّ، ویحیی بنُ محمدِ بنِ صاعد،
وأبو عبدِ الله محمدُ بن مَخْلَدِ العطَّار، وإبراهيمُ بن محمدِ بنِ سفيانَ
الفقيهُ، وإبراهيمُ بن محمدِ بنِ حمزةَ، وإبراهيمُ بنُ أبي طالب، وابنُ
خُزيمة، وأبو عمرَ، وأحمدُ بن نصرِ الخَفَّاف، وصالحُ بن محمدٍ
جَزَرة، وعليُّ بن الحسين بنِ الجُنيد، ومحمدُ بن عبد بن حميد،
وأحمدُ بن حمدون، وأبو حامدِ الشَّرَقي، وأبو عَوانة يعقوبُ بن
إسحاقَ الإسفراييني، وأبو العبّاس محمدُ بن إسحاقَ السّراج، وعبد
الرَّحمن بن أبي حاتم، ونصرُ بن أحمدَ الحافظُ البغداديُّ، وإبراهيمُ بن
إسحاقَ الصَّيْرَفِيُّ، وعبدُالله بنُ يحيى السَّرْخَسيُّ، ومكِّي بن عبدان،
وأبو عثمانَ سعيدُ بن عمرو بنِ عمارِ البَرْدَعِيُّ الحافظُ، وأبو محمَّدٍ
أحمدُ بن عليٍّ القَلانِسِيُّ، وآخرون.
وهو باتِّفاق العلماء وأهل الفضل والمعرفة من كبار الأئمّة،
وصناديد الأمَّة.
قال أحمدُ بن سَلَمَةَ: رأيت أبا زُرعةَ وأبا حاتمٍ يقدِّمان مسلماً في
معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما.
وقال أبو عبدالله الحاكم: إنَّ إسحاق بن راهويه نظر إلى مسلمٍ
يوماً في شبيبته؛ فقال بالفارسية كلاماً معناه: أُّ رجلٍ هو؟
وقال أبو عمرو المُستملي: قال سعيد بن منصورٍ لمسلم: لن تَعدَمَ
١٢

الخيرَ ما أبقاك الله للمسلمين.
وثناءُ القوم علیه کثیر .
وله مصنَّفَاتٌ أُخرُ في علم الحديث منها:
كتاب ((المسنَد الكبير على أسماء الرجال)).
وكتاب ((الجامع الكبير على الأبواب)).
وكتاب «العِلَل)).
وكتاب (أوهام المحدِّثين)).
و کتاب ((التمییز)).
وكتاب ((الوحدان)).
وكتاب ((طبقات التَّابعين)).
وكتاب ((المخضرمين)).
وكتاب ((شيوخ مالك، وسفيان، وشعبة)).
وكتاب ((رجال عروة بن الزبير))، وغيرُ ذلك.
ومناقبه لا تُعدُّ ولا تحصى.
وُلد سنةَ أربع ومئتين، وقيل: سنة ستٍّ ومئتين.
وتوفِّي عشيَّةَ الأحد، ودُفِن يوم الاثنين لخمسٍ بقين من رجب
څ .
سنة إحدى وستين ومئتین
* ولمّا كانت رواية هذا الكتاب في الآفاق مشهورةً من طريق
الفُراوِيّ، عن الفارسيّ، عن الْجُلُودِيّ، عن إسحاقَ بنِ إبراهيمَ الفقیهِ،
١٣

عن مسلم، نذكر نبذاً من أحوالهم على سبيل الاختصار:
- أمّا الْفَرَاوِيُّ، فهو أبو عبدالله محمّدُ بنُ الفضل بنِ أحمدَ بنِ
محمدِ بن أحمدَ الصَّاعِدِيُّ الْفُرَاوِيُّ - نسبة إلى فُراوة؛ بُلَيدةٌ في ثغر
خُراسان - النيسابوريُّ الحافظ.
كان إمامَ وقته في العلوم الدِّينِيَّة، ويقال له فقيهُ الحَرَم لإشاعته
العلومَ بمكّة شرَّفها الله تعالى، قال ابن عساكر: هو إمامٌ بارعٌ في الفقه
والأصول، حافظً لقواعد المنقول والمعقول، نشأ بين أهل التصوُّف
ووصل إليه بركاتُ أنفاسهم الشريفة، سمع زَيْن الإسلام أبا القاسم
القُشَيْريَّ، وقرأ عليه الأصول والتفسير، ثم لازم درس إمام الحرمين
وعلّق عنه الأصول، ثم خرج حاجًّاً وعقد المجالس في طريقه ببغدادَ
وغيرِها، وجاور مدَّةً بمكةَ زادها الله شرفاً، واشتغل بدرس العلوم، ثم
عاد إلى نيسابورَ واشتغل بالتدريس في المدرسة النَّاصحيّة.
واجتمع فيه علومُ الإسناد ووفورُ العلم وصحَّةُ الاعتقاد، وحُسنُ
الخُلُقِ ولِينُ الجانب والإقبالُ على الطَّالب بالكلية.
وأثنى عليه ابنُ عساكر كثيراً، وبالجملة لا ريب في أنَّه إمامُ وقته،
وإليه الرحلة من الأقطار، وانتفع به جمعٌ كثيرٌ من العلماء وانتشرت
و
رواياته في جميع البلاد، حتى قيل: للفُراوِي: ألفُ راوي.
تُوفِّي بنيسابورَ في شوال سنة ثلاثين وخمس مئة ودُفن بجنب أبي
بكرِ بنِ خُزيمةَ رحمهما الله.
١٤

قال السَّمعاني: سألتُ عن مولده فقال: مولدي تقديراً سنة إحدى
وأربعين وأربع مئة.
ــ وأمَّا شيخه: فهو أبو الحسين عبدُ الغافر بنُ محمدِ بنِ عبد
الغافر بن أحمدَ بنِ محمدِ بن سعيدٍ الفارسيُّ الفسَوِيُّ ثم النيسابوريُّ،
٥ /
التاجر.
سمع الْجُلُودِيَّ والخَطَّابيَّ وغيرهما من علماء وقته، وكان شيخاً
ثقةً صالحاً محظوظاً من الدِّين والدُّنيا.
سمع منه أئمّةُ زمانه من الغرباء وغيرهم، واشتُهر براوية ((صحيح
مسلمٍ)) و((غريب الخَطَّابي)).
وممَّن سمع منه من الأئمة زينُ الإسلام أبو القاسم القُشَيْرِيُّ
والواحديُّ وغيرُهما، وقرأ عليه الحافظ الحسن السمرقنديُّ صحيحَ
مسلمٍ نيِّقاً وثلاثين مرَّةً، وأبو سعيدِ البحريُّ نيِّقاً وعشرين مرَّةً.
تُوفِّي يومَ الثَّلاثاء السادسَ من شوَّالٍ سنةَ ثمانٍ وأربعين وأربع
مئة، واستكمل خمساً وتسعين سنة، وأَلحق أحفاد الأحفاد بالأجداد.
- وأمَّا شيخه: فهو أبو أحمدَ محمدُ بن عيسى بنِ محمدِ بنِ عبد
الرحمن بن عمرٍو بن منصورِ الزاهدُ النيسابوريُّ المعروفُ بالْجُلُودِيّ،
بضم الجيم نسبةً إلى سِكَّة الْجُلُودِيِّن بنَيَّسابُور، أو يكونُ من آبائه من
يشتغلُ بعملها أو بيعها، وليس بمنسوبٍ إلى الجلود اسم قرية بإفريقيَّةَ
والشامِ؛ فإنهًّا بفتح الجيم لا غير، كما نصَّ عليه ابنُ السِّكِّيت وابنُ
قتيبة وغيرُهما.
١٥

وأبو أحمدَ هذا من كبار المشايخ وخيار عباد الله الصَّالحين،
سمع أبا بكرٍ بنَ خزيمةً وغيره، وعنه جماعة كثيرة، وكان يشتغل بنَسْخ
الکتب ویأکل من کسْب یده.
تُوفِّي يومَ الثُّلاثاء الرابع والعشرين من ذي الحجَّة، سنة ثمانٍ
وستين وثلاث مئة، وهو ابن ثمانين سنة.
- وأمَّا شيخه: فهو السَّيد الجليل أبو إسحاقَ إبراهيمُ بن محمَّدٍ
ابنِ سفيانَ النيسابوريُّ، الفقيهُ الزَّاهد.
كان من العباد المجتهدين والعلماء الصالحين، أخذ الحديث من
مسلم، والفقهَ من أيوبَ بنِ الحسن الزَّاهد، وكان مشتغلاً بالعلوم
الظّاهرة والباطنة، وانتشر منه صحیحُ مسلم.
قال محمَّدُ بن يزيدَ العدلُ: كان إبراهيمُ بن محمَّدٍ مجابَ
الدَّعوة.
وبالجملة ثناءُ القوم عليه كثير.
تُوقِّي في رجب سنة ثمانٍ وثلاث مئة.
فبهذا الطريق اشتُهر هذا الكتابُ في البلاد شرقاً وغرباً، وفي
المغرب مع هذا الطريق طريقُ القَلانِسيّ، فإنَّ أبا عبدالله محمد بن
يحيى بنِ الحذَّاءَ وغيرَه سمعوا الصحيحَ بمصرَ من أبي العلاء عبد
الوهّاب بنِ عيسى بنِ عبد الرحمن بنِ هامانَ البغداديِّ، وأدخلوا روايته
في بلاد المغرب.
١٦

وابنُ هامانَ سمع من أبي بكرِ أحمدَ بنِ محمَّدٍ بنِ يحيى الأشقرِ
الفقيه الشافعيّ، وهو من أبي محمَّدٍ أحمدَ بنِ عليٍّ الْقَلاَنِسِيِّ، وهو من
المصنّف مسلمٍ بن الحجّاج.
· وأمَّا حال المصنَّف:
فإنَّ القوم طائفةً اتَّفقوا على أنَّ أصح الكتب المصنَّفة في علم
الحديث صحيحا البخاريِّ ومسلم، وأنَّ الأمّة تلقَّتْهما بالقَبول، ثمَّ
افترقوا في تفضيل أحدهما على الآخر، فقال الأكثر: أصحُّهما رفعاً
وأكثرُهما نفعاً صحيحُ البخاريّ، وعلَّلوا ذلك بكون البخاريِّ أجلَّ
من مسلم؛ فإنَّ مسلماً كان من أصحابه، وقد لازمه مدَّةً وأخذ عنه
الحديث بُرهةً، وقد اشتغل البخاريُّ في تأليف صحيحه وتهذيبه
ستَّ عشرةَ سنةً، وجمَعَه وأخرجه من ألوف الأحاديث الصَّحيحة،
ويكونُ تحقُّقُ اللِّقاءِ شرطاً عنده في المعَنْعَن، ولا يكفي مجرَّدُ
إمکانه .
وعند مسلمٍ مجرَّد الإمكان يكفي على ما سيجيء بيانُهُ.
وقد رُوي عن الإمام أبي عبد الرّحمن النَّسائيِّ أنَّه قال: ما في
هذه الكتب كلُّها أجوَدُ من كتاب البخاريّ.
وقال أبو زيدِ المَرْوَزيُّ: رأيتُ النبيَّ ◌َّ في المنام فقال لي: إلى
متى تدرس الفقه ولا تدرسُ كتابي؟ قلت: وما كتابك يا رسول الله؟
قال: جامعُ محمَّدٍ بن إسماعيلَ البخاريّ، أو كما قال.
١٧

وقال قومٌ: صحيح مسلمٍ أصُ، وإليه ذهب جمعٌ من مشايخ
المغرب وغیرُهم.
قال أبو عليٍّ الحسينُ بن عليٍّ النَّيْسابوريُّ شيخُ الحاكمِ أبي
عبدالله بنِ البَيِّع: ما تحت أديمِ السَّماء أصحُّ من كتاب مسلمٍ في
الحدیث .
وقال مَكِّي بنُ عبدان: سمعتُ مسلماً يقول: عرضتُ كتابي هذا
على أبي زُرعةَ الرَّازيِّ، فكلُّ ما أشار أنَّ له عِلَّةً تركَتْه، وكلُّ ما قال إنَّه
صحیحٌ وليس له عِلَّةٌ أخرجتْه.
وقال مكِّي أيضاً: وسمعته يقول: لو أنَّ أهل الحديث يكتبون مئةً
سنةٍ فمدارُهم على هذا المسند؛ يعني: صحيحه.
وقال محمَّدُ بن الحسين: أراد محمَّدُ بن إسحاقَ بنِ خزيمةَ أنْ
يُخرجَ على كتاب مسلم شيئاً فقال له عبدالله بنُ الرَّازي: لا تفضح
نفسَك، فترَك.
وذكر أبو بكرِ الخطيبُ بإسناده عن مسلم أنَّه قال: صنَّفتُ هذا
المسندَ الصحيحَ من ثلاث مئة [ألف] حديثٍ مسموعة.
وقال عمرُ بن أحمدَ الزَّاهدُ: سمعتُ أبا سعيدٍ بنَ يعقوبَ يقول:
رأيت فيما يَرى النَّائمُ كأنَّ أبا عليٍّ الذُّعوري بمصرَ في شارع الجيزة
وبيده جزءٌ من صحيح مسلمٍ، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: نجوتُ
بهذا، وأشار إلى ذلك الجزء.
١٨

وكلام القوم في هذا الموضع كثير، وثناؤهم عليهما طويل،
والحاصل أنهّما فرسا رهان، وأنَّه ليس لأحدٍ من جليتهما بمسابقتهما
ولا مساوقتهما يدان. وانعقد الإجماع على تلقيب كتابيهما
بالصّحیحین وإن کان قد جمع الصحیحَ نحوَ شرطهما جماعةٌ غيرُهما؛
كأبي بكرِ الإسماعيليِّ، وأبي الشَّيخِ بنِ حيانَ الأصفهانيِّ، وأبي بكرٍ
الْبَرْقَانِيّ، والحاكمِ أبي عبد الله، وإبراهيمَ بنِ حمزة، وأبي ذرِّ الهَرَويّ
وغيرِهم، لكنَّ الإمامين أحرزا قَصَب السّباق، ولَقُّبَ الكتابان
بالصحيحين بالاتّفاق.
ولا يخفى على المتأمِّل فيهما من أنَّ كتاب البخاري أكثرُ فائدةً،
وأوفرُ عائدةً، فإنَّ في تراجم أبوابه أنواعاً من الفقه والمعاني الدَّقيقة،
وفي ذكر الآثار المرويَّة عن الصَّحابة فيه حكماً وتنبيهاتٍ على الرموز
الخفيّة .
وأنَّ كتابَ مسلمٍ أسدُّهما تنقيحاً؛ فإنَّه لم يورِد فيه الآثار الكثيرة،
ولا الرِّواياتِ بصيغة التَّمريض، وقلَّ التَّعليقُ فيه جدّاً، كما كثُر في
کتاب البخاريّ.
وأحسنُهما ترتيباً؛ فإنَّه أورد كلَّ حديثٍ في موقعه وجَمعَ طُرقَه
في محلٌّ واحد، وراعى التَّرتيب في تقديم ما يجب تقديمُه من قوَّةٍ في
السَّند، ونكتةٍ في المتن.
وأكثرُهما تفريقاً؛ فإنَّه يفرِّق في جميع المواضع بين الألفاظ
المتداوَلة مِن أخبرَنا، وحدَّثنا، وقال، وعن، وسمعتُ ونحوِها، وبيَّن
١٩

ذلك في كتابه في ذکر الأحاديث.
وأشدُّهما تعاهداً على لفظ السَّماع، فإنَّه لا يوردُ (١) لفظةً غيرَ
مسموعةٍ من المشايخ وإنْ كان ممَّا لابدَّ منه إلاّ ببيانه؛ مثل أن يقول:
يعني، ونحوه.
وسيجيء التّنبيه على كلُّها في مواضعه إن شاء الله تعالى.
وما قيل في المعَنْعَن من أنَّه اكتفى بإمكان اللُّقاء، فغيرُ قادحِ ذلك
في صحيحه، فإنَّه ما أخرج شيئاً في كتابه من المعَنْعَن إلا بعد ثبوت
اللِّقاء على ما يُعرَف بالتّدليس. وسنشير إلى كل ذلك في مواضعها إن
شاء الله تعالى.
وأمَّا إيرادُه هذا الكلامَ في مقدّمة صحيحه والمبالغةُ فيه، فغرضُه
بيانُ مذهب القوم؛ لا أنَّه يريد العمل به في كتابه، فتدبّر.
وبالجملة ما اشتمل عليه هذان الكتابان هو أرفع أنواع الصحيح
وأوّلُ أقسامه المتَّفَق عليه، ويجب العمل به، وهو يفيد الظنَّ إلا ما
تواتر منه؛ فإنَّه يفيد العلم.
والفرق بين أحاديث الكتابَين وبين أحاديث غيرِهما - مع أنَّ شأن
كلِّ حديثٍ متواترٍ إفادةُ العلم وآحادٍ إفادةُ الظنِّ - أنَّ ما فيهما لا يحتاج
إلى النَّظر والتَّصحيح، فإنهما أقاما التصحيح حقَّ القيام، بل يكفي
النقلُ منهما، وأمَّا ما كان في غيرهما فيحتاج إلى النّظر والتَّصحيح،
(١) في الأصل: ((لا يريد)).
٢٠