Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ. فَلَقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ. لاَ يَذْرُونَ مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ. مِنْ كَثْرَةِ
الشَّعَرِ. فَقَالُوا: وَيْلَكِ، مَاأَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ. قَالُوا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ قَالَتْ: أَيُّهَا
الْقَوْمُ، انْطَلِقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ. فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالأَشْوَاقِ. قَالَ: لَمَّا سَمَّتْ لَنَا
رَجُلاً فَرِقْنَا مِنْهَا أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةٌ. قَالَ: فَانْطَّلَقْنَا سِرَاعاً. حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ. فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ
إِنْسَانِ رَأَيْنَاهُ قَطُ خَلْقاً. وَأَشَدُّهُ وِثَاقاً. مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، مَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى كَعْبَيْهِ،
بِالْحَدِيدِ. قُلْنَا: وَيْلَكَ، مَا أَنْتَ؟ قَالَ: قَدْ قَدَرْتُمْ عَلَّى خَبَرِي. فَأَخْبِرُونِي مَا أَنَتُمْ؟ قَالُوا:
نَحْنُ أُناسٌ مِنَ الْعَرَبِ. وَكِبْنَا فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ. فَصَادَقْنَا الْبَحْرَ حِينَ اغْتَلَمَ. فَلَعِبَ بِنَ الْمَوْجُ
شَهْراً. ثُمَّ أَرْفَأْنَا إِلَىَ جَزِيرَتِكَ هَذِهِ. فَجَلَسْنَا فِي أَقْرُبِهَا. فَدَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ. فَلَقِيَتْنَا دَابَّةٌ أَهْلَبُ
كَثِيرُ الشَّعَرِ. لاَ يُذْرَى مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ. فَقُلْنَا: وَيِلَكِ، مَا أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا
الْجَسَّاسَةُ. قُلْنَا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ قَالَتِ: اعْمِدُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ. فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ
لقضاء حوائجهم. وهذا الجمع على خلاف القياس. وقيل: المراد بأقرُب السفينة: أخرياتها وما
قرب منها للنزول.
قوله: (دابّة أهلب) الهلب: الشّعر، والأهلب: كثير الشّعر، وما بعده تفسير له.
قوله: (أنا الجساسة) تقدم أول الباب وجه تسميته به.
قوله: (إلى هذا الرجل في الديّر) بفتح الدال، وهو في الأصل صومعة رهبان النصارى،
والمراد هنا : القصر كما سيأتي.
قوله: (إلى خبركم بالأشواق) أي: أنه كثير الشوق إلى إخباركم.
قوله: (فِرِقنا منها) بكسر الراء، بمعنى (خفنا).
قوله: (أن تكون شيطانة) إما هو بدل من الضمير المجرور، أو مضافه محذوف تقديره:
خشية أن تكون إلخ.
قوله: (وأشدّه وثاقاً) بفتح الواو، ويكسر. والوثاق: القيد، أي: كان مقيداً بالسلاسل
تقييداً شديداً .
قوله: (بالحديد) متعلق بقوله (مجموعة) و (ما بين ركبتيه إلى كعبيه) بدل اشتمال من (يداه)
يعني : كانت يداه وساقاه مجموعة إلى عنقه بالحديد.
قوله: (قدرتم على خبري) يعني: وصلتم إلى حال تمكنتم فيه من الاطلاع على خبري،
لأني سأخبر كم بذلك.
قوله: (فصادفنا البحر حين اغتلم) أي: هاج وجاوز حده المعتاد، والاغتلام: أن يتجاوز
الإنسان ما حُدّ له من الخير والمباح.

٣٢٢
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِالأَشْوَاقِ. فَأَقْبَلْنَا إِلَيْكَ سِرَاعاً. وَفَزِعْنَا مِنْهَا. وَلَمْ نَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةٌ. فَقَالَ: أَخْبِرُونِي
عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ. قُلْنَا: عَنْ أَيْ شَأْتِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: أَسْأَلُكُمْ عَنْ نَخْلِهَا، هَلْ يُثْمِرُ؟ قُلْنَا لَهُ:
نَعَمْ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ لاَ تُثْمِرَ. قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ بُخَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ. قُلْنَا: عَنْ أَيّ
شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: هَلْ فِيهَا مَاءٌ؟ قَالُوا: هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ. قَالَ: أَمَا إِنَّ مَاءَهَا يُوشِكُ أَنْ
يَذْهَبَ. قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ عَيْنٍ زُغَرَ. قَالُوا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: هَلْ فِي الْعَيْنِ
مَاءٌ؟ وَهَلْ يَزْرَعُ أَهْلُهَا بِمَاءِ الْعَيْنِ؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ. هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ، وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ مِنْ
قوله: (عن نخل بَيْسان) بفتح الباء الموحدة وسكون الياء ذكره الطيبي أنها قرية بالشام،
وزاد ابن الملك وقال الحموي في معجم البلدان (٢: ٥٢٦): ((مدينة بالأردن بالغور الشّاميّ،
ويقال: هي لسان الأرض، وهي بين حَوْران وفلسطين، وبها عين الفلوس يقال: إنها من الجنّة،
وهي عين فيها ملوحة يسيرة. جاء ذكرها في حديث الجسّاسة ... وتوصف بكثرة النخل، وقد
رأيتها مراراً، فلم أر فيها غير نخلتين حائلتين، وهو من علامات خروج الدجّال. وهي بلدة وبئة
حارّة، أهلها سمر الألوان، جُعد الشّعور، لشدّة الحرّ الذي عندهم)).
ثم ذكر في الأخير أن هناك موضعاً آخر اسمه بيسان، وهو باليمامة، ثم قال: ((والذي أراه
أن هذا الموضع هي الموصوف بكثرة النخل، لأنهم إنما احتجّوا على كثرة نخل بيسان بقول أبي
دؤاد الإيادي :
نّ جميعاً ونبتهن تُؤام
نخلات من نخل بيسان أينغْـ
وفليج من دونها وسنام))
وتدلّت على مناهل بُردٍ
والله سبحانه وتعالى أعلم.
قوله: (عن بحيرة الطبريّة) تقدم ذكرها وتعريفها قبل بابين في حديث النّواس بن
سمعان رقپئه .
قوله: (عن عين زُغَر) بوزن زُفر. قال النووي: هي بلدة معروفة في الجانب القبليّ من
الشّام. وقال الحموي في معجم البلدان (٤: ١٤٣): ((قرية بمشارف الشّام ... وقيل: زُغَر اسم
بنت لوط عليه السلام، نزلت بهذه القرية فسميت باسمها ... وجاء ذكر زغر في حديث
الجسّاسة ... وحدثني الثقة أن زغر هذه في طرف البحيرة المنتنة في واد هناك، بينها وبين البيت
المقدس ثلاثة أيام، وهي من ناحية الحجاز، ولهم هناك زروع. قال ابن عباس ولاته: لما هلك
قوم لوط مضى لوط عليه السلام وبناته يريدون الشام، فماتت الكبرى من بناته، وكان يقال لها :
ريّة، فدفنت عند عين هناك، فسميّت باسمها (عين ريّة) ثم ماتت بعد ذلك الصغرى، وكان
اسمها (زغر) فدفنت عند عين، فسميت عين زغر. وهذه في واد وخم رديئي في أسأم بقعة، إنما
يسكنه أهله لأجل الوطن)).

٣٢٣
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
مَائِهَا. قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَبِيِّ الأُمِئِينَ مَا فَعَلَ؟ قَالُوا: قَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَنَزَلَ يَثْرِبَ. قَالَ:
أَقَاتَلَهُ الْعَرَبُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: كَيْفَ صَنَعَ بِهِمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ يَلِيهِ مِنَ
الْعَرَبِ وَأَطَاعُوهُ. قَالَ لَهُمْ: قَدْ كَانَ ذُلِكَ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: أَمَا إِنَّ ذَاكَ خَيْرٌ لَهُمْ أَنْ
يُطِيعُوهُ. وَإِنِّي مُخْبِرُكُمْ عَنِّي. إِنِّي أَنَا الْمَسِيحُ. وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِ فِي الْخُرُوجِ.
فَأَخْرُجُ فَأَسِيرُ فِي الأَرْضِ فَلاَ أَدَعُ قَرْيَةً إِلَّ هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. غَيْرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ. فَهُمَا
مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ. كِلْتَاهُمَا. كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً، أَوْ وَاحِداً مِنْهُمَا، اسْتَقْبَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ
السَّيْفُ صَلْتاً. يَصُدُّنِي عَنْهَا. وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلاَئِكَةً يَخْرُسُونَهَا. قَالَتْ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ، وَطَعَنَ بِمِخْصَرَتِهِ فِي الْمِثْبَرِ: ((هَذِهِ طَيْبَةُ. هَذِهِ طَيْبَةُ. هَذِهِ طَيْبَةُ)) يَغْنِي
الْمَدِينَةَ ((أَلاَ هَلْ كُنْتُ حَدَّثْتُكُمْ ذُلِكَ؟)) فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ. ((فَإِنَّهُ أَعْجَبَنِي حَدِيثُ تَمِيم أَنَّهُ
وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ وَعَنِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ. أَلاَ إِنَّهُ فِي بَحْرِ الشَّأَمِ أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِّ. لاَ
بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ،
قوله: (إنّي أنا المسيح) أي: الدجّال.
قوله: (وطيْبَة) بفتح الطاء وسكون الياء، اسم من أسماء المدينة المنوّرة، ويقال: طابة
أيضاً .
قوله: (صَلْتاً) بفتح الصاد، ويُضمّ، وبسكون اللام، أي: مجرداً عن الغمد، يقال: أصلت
السيف: إذا جرّده عن غمده.
قوله: (على كل نقب) بفتح النون وسكون القاف، أي: طريق أو باب.
قوله: (بمخصرته) بكسر الميم، اسم آلة، وهي بمعنى العصا.
قوله: (هذه طَيْبَة) يعني: أن المدينة المنورة هي الموضع الذي سماه الرجل طيبة، والذي
ذكر فيه أنه لا يستطيع أن يدخلها، وقال ذلك رسول الله وَّ افتخاراً على مدينته، ومسرّة على
موافقة الخبر بما أخبره.
قوله: (ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن) قال الطيبي في الكاشف (١٠: ١٢٣): ((لمّا
حدثهم بقول تميم الداري لم ير أن يبين لهم موطنه ومجلسه كل التبيين، لما رأى في الالتباس
من المصلحة، فردّ الأمر فيه إلى التردد بين كونه في بحر الشام أو بحر اليمن، ولم تكن العرب
يومئذ تسافر إلا في هذين البحرين، ويحتمل أنه أراد ببحر الشام ما يلي الجانب الشامي، وببحر
اليمن ما يلي الجناب اليماني، والبحر بحر واحد، وهو الممتد على أحد جوانب جزيرة العرب.
ثم أضرب عن القولين مع حصول اليقين في أحدهما، فقال: لا بل قبل المشرق)).
قوله: (لا، بل من قبل الشرق) قال الأشرف: يمكن أنه وَّ﴿ كان شاكّاً في موضعه، وكان

٣٢٤
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مَا هُوَ. مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، مَا هُوَ. مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، مَا هُوَ)) وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ.
قَالَتْ: فَحَفِظْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِّ.
٧٣١٣ - (١٢٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ
الْهُجَيْمِيُّ، أَبُو عُثْمَانَ. حَدَّثَنَا قُرَّةُ. حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، أَبُو الْحَكَم. حَدَّثَنَا الشَّعْبِيُّ قَالَ: دَخَلْنَا
عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَأَتْحَفَتْنَا بِرُطَبِ يُقَالُ لَهُ: رُطَبُ ابْنِ طَابٍ. وَأَسْقَتْنَا سَوِيقَ سُلْتٍ.
فَسَأَلْتُّهَا عَنِ الْمُطَلَّقَةِ ثَّلاَثاً أَيْنَ تَعْتَدُّ؟ قَالَتْ: طَلَّقَنِي بَعْلِي ثَلاَثًاً. فَأَذِنَ لِيَ النَّبِيُّ ◌َِّ أَنْ أَعْتَدَّ
فِي أَهْلِي. قَالَتْ: فَنُودِيَ فِي النَّاسِ: إِنَّ الصَّلاَةَ جَامِعَةً. قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ فِيمَنِ انْطَلَقَ مِنَ
النَّاسِ. قَالَتْ: فَكُنْتُ فِي الصَّفَّ الْمُقَدَّم مِنَ النِّسَاءِ. وَهُوَ يَلِي الْمُؤَخَّرَ مِنَ الرِّجَالِ.
قَالَتْ: فَسَمِعْتُ النَّبِيَّ وَّهِ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ فَقَالَ: ((إِنَّ بَنِي عَمِّ لِتَمِيم الدَّارِيِّ رَكِبُوا
فِي الْبَحْرِ))، وَسَاقَّ الْحَدِيثَ، وَزَادَ فِيه: قَالَتْ: فَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ◌َِ، وَأَهْوَىُ
بِمِخْصَرَتِهِ إِلَى الأَرْضِ، وَقَالَ: ((هَذِهِ طَيْبَةُ» يَعْنِي الْمَدِينَةَ.
٧٣١٤ - (١٢١) وحدّثنا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ.
قَالاَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. قَالَ: سَمِعْتُ غَيْلاَنَ بْنَ جَرِيرٍ يُحَدِّثُ، عَنِ
الشَّعْبِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، قَالَتْ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ تَمِيمُ الَّذَّارِيُّ. فَأَخْبَرَّ
رَسُولَ اللهِ وَلِهِ؛ أَنَّهُ رَكِبَ الْبَحْرَ. فَتَاهَتْ بِهِ سَفِينَتُهُ. فَسَقَطَ إِلَى جَزِيرَةٍ. فَخَرَجَ إِلَيْهَا يَلْتَمِسُ
الْمَاءَ. فَلَقِي إِنْسَاناً يَجَرُّ شَعَرَهُ. وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ. وَقَالَ فِيهِ: ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ لَوْ قَدْ أُذِنَ لِي
في ظنه أنه لا يخلو عن هذه المواضع الثلاثة. فلما ذكر بحر الشام وبحر اليمن تيقن له من جهة
الوحي، أو غلب على ظنه أنه من قبل المشرق، فنفى الأولين وأضرب عنهما وحقق الثالث. كذا
في المرقاة (١٠: ٢١٣).
قوله: (ما هو) قال القاضي: ((لفظة (ما) ههنا زائدة، صلة للكلام وليست بنافية، والمراد
إثبات أنه في جهة المشرق)) وقال التوربشتي: ((ويحتمل أن يكون خبراً، أي: الذي هو فيه، أو
الذي هو يخرج منه ... ومن مصطلح الأطباء في ذكر طباع العقاقير ووصف طعم الأودية: إلى
الحرارة ما هو، إلى اليبوسة ما هو، إلى العفوصة ما هو ... أي: أمر ظهوره من قبل المشرق)).
١٢٠ - (٠٠٠) - قوله: (فأتحفَتْنَا) أي: أهدت إلينا كتحفة.
قوله: (يقال له: رطب ابن طاب) هو نوع من تمر المدينة.
قوله: (سويق سُلت) بضم السّين، هو حبّ يشبه القمح ويشبه الشّعير. كذا فسّره النوويّ.
وجعله في القاموس نوعاً من الشّعير.
قوله: (فتاهت به سفينته) أي: ضلّت عن الطريق.

٣٢٥
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
فِي الْخُرُوجِ، قَدْ وَطِئْتُ الْبِلاَدَ كُلَّهَا، غَيْرَ طَيْبَةَ. فَأَخْرَجَهُ رَسُولُ اللّهِ وَهُ إِلَى النَّاسِ
فَحَدَّثَهُمْ قَالَ: ((هَذِهِ طَيْبَةُ. وَذَاكَ الدَّجَّالُ)) .
٧٣١٥ - (١٢٢) حدّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرِ. حَدَّثَنَا
الْمُغِيرَةُ، (يَعْنِي الْحِزَامِيَّ)، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللّهِ وَلِهِ فَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: ((أَيُّهَا النَّاسُ، حَدَّثَنِي تَمِيمُ الدَّارِيُّ؛ أَنَّ أَنَاساً مِنْ قَوْمِهِ
كَانُوا فِي الْبَحْرِ، فِي سَفِينَةٍ لَّهُمْ. فَانْكَسَرَتْ بِهِمْ. فَرَكِبَ بَعْضُهُمْ عَلَىْ لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ
السَّفِينَةِ. فَخَرَجُوا إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ)). وَسَاقَ الْحَدِيثَ.
٧٣١٦ - (١٢٣) حدّثني عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ. حَدَّثَنِي
أَبُو عَمْرٍو، (يَعْنِي الأَوْزَاعِيَّ)، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ. حَدَّثَنِيَ أَنَسُ بْنُ
مَالِكِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلاَّ سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ. إِلاَّ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ.
قوله: (وذاك الدجّال) هذا تصريح من رسول الله وَله بكونه دجّالاً، ولم يقع هذا التصريح
إلا في هذا الطريق. وهو يدّل على أن الدجّال لا يزال مشدوداً بجزيرة إلى أن يخرج في آخر
الزمان. أمّا كون النّاس لم يصلوا إليه حتى الآن، فلم يثبت أن النّاس قد وصلوا إلى كل مكان
في كل جزيرة. ويحتمل أيضاً أن الله تعالى جعله مخفيّاً عن أعين الناس وإنما أظهره مرّة على
تميم الداري رضا ه لتصديق أخبار النبيّ وَلّ فقط، والله سبحانه أعلم.
١٢٣ - (٢٩٤٣) - قوله: (حدثني أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه البخاري في فضائل
المدينة، باب لا يدخل الدجال المدينة (١٨٨١)، وفي الفتن، باب ذكر الدجال (٧١٢٤)، وباب
لا يدخل الدجال المدينة (٧١٣٤)، وفي التوحيد، باب في المشيئة والإرادة (٧٤٧٣). وأخرجه
الترمذي في الفتن، باب ما جاء في الدجال لا يدخل المدينة (٢٢٤٢).
قوله: (إلا سيطؤه الدجال) أي: يدخله ويدوسه ويفسده. قال الحافظ في الفتح (٤: ٩٦):
(هو على ظاهره وعمومه عند الجمهور. وشذ ابن حزم فقال: المراد: إلا يدخله بعثه وجنوده.
وكأنه استبعد إمكان دخول الدجال جميع البلاد لقصر مدته، وغفل عما ثبت في صحيح مسلم أن
بعض أيامه یکون قدر السنة)).
قوله: (فينزل بالسّبخة) قال علي القاري في المرقاة (٦: ٢٤): ((السّبِخة، بكسر الباء،
صفة، وهو الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر، وبفتحها اسم، وهو
موضع قريب من المدينة)) قلت: ويؤيد الأول حديث أبي سعيد عند البخاري في الفتن: ((ينزل
بعض السباخ التي في المدينة)).

٣٢٦
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَلَيْسَ نَقْبٌ مِنْ أَنْقَابِهَا إِلَّ عَلَيْهِ الْمَلائِكَةُ صَافِينَ تَحْرُسُهَا، فَيَنْزِلُ بِالسَّبَخَةِ. فَتَرْجُفُ الْمَدِينَةُ
ثَلاَثَ رَجَفَاتٍ. يَخْرُجُ إِلَّيْهِ مِنْهَا كُلُّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ)).
٧٣١٧ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ
حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَن رَسُولَ اللَّهِ وَلـ
قَالَ. فَذَكَرَ نَحْوَهُ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَيَأْتِي سَبَخَةَ الْجُرُفِ فَيَضْرِبُ رِوَاقَّهُ. وَقَالَ: فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ
كُلُّ مُنَافِقٍ وَمُنَافِقَةٍ.
(٢٥) - باب: في بقية من أحاديث النَّجَّال
٧٣١٨ - (١٢٤) حدّثنا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِم، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنِ
الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَمِّهِ، أَنَسِ بْنِّ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ قَالَ:
(يَتْبَعُ الدَّجَّالَ، مِنْ يَهُودِ أَضْيَهَانَ، سَبْعُونَ أَلْفاً. عَلَيْهِمُ الطَّيَالِسَةُ)).
قوله: (فترجف المدينة ثلاث رجفات) أي: تصيبها زلازل، وليس ذلك من رعب الدجال،
وإنما هو لإخراج الكفار والمنافقين منها .
(٠٠٠) - قوله: (فيأتي سبخة الجُرُف) بضم الجيم والراء، وهو موضع معروف بقرب
المدينة في جهة الشام، وأخرج الحاكم وأحمد عن محجن بن الأدرع مرفوعاً: ((يجيء الدجال
فيصعد أحداً، فيتطلع فينظر إلى المدينة فيقول لأصحابه: ألا ترون إلى هذا القصر الأبيض؟ هذا
مسجد أحمد. ثم يأتي المدينة فيجد بكل نقب من نقابها ملكاً مصلتاً سيفه، فيأتي سبخة الجرف
فيضرب رواقه)).
قوله: (فيضرب رواقه) والرّواق، بضم الراء وكسرها، بيت كالفسطاط، أو سقف في مقدم
البيت. والمراد هنا أنه ينزل فيها ويضع ثقله أو خيمته.
(٢٥) - باب: في بقية من أحاديث الدجال
١٢٤ - (٢٩٤٤) - قوله: (عن عمّه أنس بن مالك) هذا الحديث مما تفرد بإخراجه المؤلف
رحمه الله.
قوله: (يتبع الدجّال) يمكن أن يكون بوزن (يفتح) أي: يسير خلفه، وأن يكون بتشديد التاء
من باب الافتعال بمعنى أنهم يطيعونه .
قوله: (من يهود أصبهان) بفتح الهمزة وكسرها، وبالباء والفاء، بلد معروف، وأطال علي
القاري في المرقاة (١٠: ٢٠٦) في تحقيق ضبطه، وذكر أن أصفهان اثنان، أحدهما في العراق
وثانيهما في الغرب.
قوله: (عليهم الطيالسة) هو جمع طَيْلَسَان، وهو ثوب معروف مثل الرداء أو العباء.

٣٢٧
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
٧٣١٩ - (١٢٥) حدّثني هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَالَ
ابْنُ جُرَيْجٍ: حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي أُمُّ شَرِيكٍ؛ أَنَّهَا
سَمِعَتِ النَّبِيَّ بَّهِ يَقُولُ: (لَيَفِرَّنَّ النَّاسُ مِنَ الدَّجَّالِ فِي الْجِبَالِ)). قَالَتْ أَمُّ شَرِيكٍ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَيْنَ الْعَرَبُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: ((هُمْ قَلِيلٌ)).
٧٣٢٠ - (٠٠٠) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم،
عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
٧٣٢١ - (١٢٦) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ،
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، (يَعْنِي ابْنَ الْمُخْتَارِ)، حَدَّثَنَّا أَيُّوبُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلاَلٍ، عَنْ رَهْطِ،
مِنْهُمْ أَبُو الذَّهْمَاءِ وَأَبُو قَتَادَةَ. قَالُوا: كُنَّا نَمُرُّ عَلَىُ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ، نَأْتِي عِمْرَانَ بْنَ
حُصَيْنٍ. فَقَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: إِنَّكُمْ لَتُجَاهِزُونِي إِلَى رِجَالٍ،
١٢٥ - (٢٩٤٥) - قوله: (أخبرتني أم شريك) هذا الحديث أخرجه الترمذي في المناقب،
باب فضل العرب، وأخرجه أحمد في مسنده (٦: ٤٦٢).
قوله: (فأين العرب يومئذ) قال الطيبي في الكاشف (١٠: ١١٨): ((الفاء فيه جزاء شرط
محذوف، أي: إذا كان حال الناس هذا، فأين المجاهدون في سبيل الله الذّابون عن حريم
الإسلام المانعون عن أهله صولة أعداء الله؟ فكنى عنهم بها)).
١٢٦ - (٢٩٤٦) - قوله: (عن حميد بن هلال) هذا الحديث لم يخرجه غير المصنف أحد
من الأئمة الستة، وأخرجه أحمد في مسنده (٤: ١٩)، والحاكم في المستدرك (٤: ٥٢٨).
قوله: (كنّا نمرّ على هشام بن عامر) هو هشام بن عامر بن أميّة الأنصاريّ ◌َظ ◌ُبه، قتل أبوه
شهيداً في أحد، فقدّم على من معه في القبر، لكونه أكثر قرآناً، كما في مسند أحمد (٤: ١٩)،
وأخرج ابن المبارك في الزهد عن جعفر بن زيد قال: ((خرجنا في غزوة إلى كابل، وفي الجيش
صلة بن أشيم، فذكر قصة وفيها: فحمل هو وهشام بن عامر، فصنعا بهم طعناً وضرباً وقتلاً.
قال: فقال العدوّ: رجلان من العرب صنعا بنا هذا، فكيف لو قاتلونا، يعني: فانهزموا. قال:
فقيل لأبي هريرة: إن هشام بن عامر ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو هريرة: لا، ولكنه التمس
هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهُ﴾ [البقرة، آية: ٢٠٧]، ويقال: كان
اسمه شهاباً، فسماه رسول الله # هشاماً. وكان نزل البصرة وعاش إلى زمن زياد. كذا في
الإصابة (٣: ٥٧٣).
قوله: (فقال ذات يوم) أي: قال هشام بن عامر ربه، فالحديث المرفوع الآتي مرويّ
عنه، وتوهّم الخطيب التبريزي رحمه الله صاحب مشكاة المصابيح أن قائله عمران بن حصين،
فجعل الحديث من مروّيات عمران بن حصين. والحقّ أن الحديث مرويّ عن هشام بن عمر،

٣٢٨
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مَا كَانُوا بِأَخْضَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ مِنِّي. وَلاَ أَعْلَمَ بِحَدِيثِهِ مِنِّي. سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ
يَقُولُ: ((مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ خَلْقٌ أَكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ)) .
٧٣٢٢ - (١٢٧) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ الرَّقِّيُّ. حَدَّثَنَا
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلاَلٍ، عَنْ ثَلاَثَةِ رَهْطٍ مِنْ قَوْمِهِ، فِيهِمْ أَبُو
قَتَادَةَ، قَالُوا: كُنَّا نَمُرُّ عَلَى هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ، إِلَى عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ. بِمِثْلِ حَدِيثٍ عَبْدِ
الْعَزِيزِ بْنِ مُخْتَارٍ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((أَمَرٌ أَكْبَرُ مِنَ الْدَّجَّالِ)).
٧٣٢٣ - (١٢٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا
إِسْمَاعِيلُ، (يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ)، عَنِ الْعَلاَءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَهُ
قَالَ: ((بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سِتّا: طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَوِ الدُّخَانَ، أَوِ الدَّجَّالَ، أَوِ الدَّابَّةَ،
أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ،
كما يظهر من مسند أحمد ومن مستدرك الحاكم، ولفظ الحاكم: ((عن حميد بن هلال قال: كان
الناس يمرّون على هشام بن عامر، ويأتون عمران بن حصين، فقال هشام: إن هؤلاء يجتازون
إلى رجل قد كنّا أكثر مشاهدة لرسول الله و الله منه وأحفظ عنه، لقد سمعت رسول الله ( صل﴾ يقول))
فذكر الحدیث.
قوله: (ما كانوا بأحضر) إشارة إلى أن عمران بن حصين رُله لم يكن أكثر إتياناً لمجلس
رسول الله ◌َّ﴿ من نفسه، يعني: من هشام بن عامر. وإنما حمله على هذا الكلام حرصه على
تبليغ ما سمعه من رسول الله وَالر وعلى نيل أجره.
قوله: (ما بين خلق آدم) (ما) ههنا نافية.
قوله: (خلق أكبر من الدجال) أي: أكبر منه فتنة وتلبيساً، أو أكثر منه شوكة، أو أعظم منه
جسماً، والأول أولى بدليل الرواية الآتية.
١٢٨ - (٢٩٤٧) - قوله: (عن أبي هرير) هذا الحديث مما تفرد بإخراجه المؤلف من بين
الأئمة الستة، وأخرجه أحمد في مسنده (٢: ٣٣٧) والبغوي في شرح السنّة (١٥: ٤٤) والحاكم
في المستدرك (٤ : ٥١٦).
قوله: (بادروا بالأعمال ستاً) يعني: أسرعوا في تكميل الأعمال الصالحة وسابقوا فيها قبل
أن تظهر هذه العلامات السّة، إذ يعسر العمل فيما بعدها، أو لا يقبل عند الله تعالى.
قوله: (أو خاصّة أحدكم) يعني: العلامة التي تخصّ أحدكم. والمراد منها الموت، فإن
من مات قامت قيامته. وقيل: هي ما يختص به الإنسان من الشواغل المتعلقة في نفسه وماله وما
يهتمّ به. ووقع في الرواية الآتية (خويصة) بالتصغير لاستصغارها في جنب الحوادث الأخرى.

٣٢٩
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
أَوْ أَمْرَ الْعَامَّةِ)).
٧٣٢٤ _ (١٢٩) حدّثنا أُميَّةُ بْنُ بَسْطَامَ الْعَيْشِيُّ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ زِيَادِ بْنِ رِيَاحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّ، قَالَ: «بَادِرُوا
بِالأَعْمَالِ سِتَّا: الدَّجَّالَ، وَالدُّخَانَ، وَدَابَّةَ الأَرْضِ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَأَمْرَ الْعَامَّةِ،
وَخُوَنْصَةً أَحَدِكُمْ)).
٧٣٢٥ - (٠٠٠) وحدّثناه زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَى. قَالاَ: حَدَّثَنَا
عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
(٢٦) - باب: فضل العبادة في الهرج
٧٣٢٦ - (١٣٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ مُعَلَّی بْنِ زِیَادٍ،
عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنِ مَعْقِل بْنِ يَسَارٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَله. ح وَحَدَّثْنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ .
حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ، رَدَّهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةً. رَدَّهُ إِلَى مَعْقِلٍ بْنِ يَسَارٍ. رَدَّهُ
إِلَى النَّبِّي ◌َِّ قَالَ: «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ، كَهِجْرَةٍ إِلَيّ)) .
قوله: (أو أمر العامّة) ذكر النووي أن المراد به القيامة لأنها تعمّ الناس كلّهم، وقال علي
القاري في المرقاة (١٠): أي: الفتنة التي تعمّ الناس، أو الأمر الذي يستبّد به العوامّ، ويكون
من قبلهم دون الخواص.
(٢٦) - باب: فضل العبادة في الهرج
١٣٠ - (٢٩٤٨) - قوله: (عن مَعْقِل بن يسار) هذا الحديث أخرجه الترمذي في الفتن،
باب ما جاء في الهرج والعبادة فيه (٢٢٠١)، وابن ماجه في الفتن، باب الوقوف عند الشبهات
(٤٠٣٣)، وأحمد في مسنده (٥: ٢٧)، والبغوي في شرح السنّة (١٥: ٢٣).
ومعقل هذا، بوزن منزل، صحابي مزنيّ أسلم قبل الحديبية وشهد بيعة الرضوان، وهو
الذي حفر نهر معقل بالبصرة بأمر عمر فنسب إليه، ونزل البصرة وبنى بها داراً ومات بها في
خلافة معاوية يا، وروى البغوي عن يونس بن عبيد قال: ما كان ههنا - يعني: البصرة - أحد
من أصحاب النبيّ وَ﴿ أهنأ من معقل بن يسار. كذا في الإصابة (٣: ٤٢٧).
قوله: (ردّه إلى معاوية بن قرّة) أي: نسبه إليه وروى عنه.
قوله: (العبادة في الهرج) بفتح الهاء وسكون الراء، أصله الاختلاط والقتل: والمراد منه
هنا : الفتنة.
قوله: (كهجرة إليّ) والهجرة إلى رسول الله ◌ّيقول من أعظم القربات. وإنما عظم أجر العبادة
في الفتنة، لكثرة الشواغل والذواهل وقلة الفراغ فيها .

٣٣٠
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٧٣٢٧ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو كَامِلٍ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
(٢٧) - باب: قرب الساعة
٧٣٢٨ - (١٣١) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، (يَعْنِي ابْنَ مَهْدِيٌّ)،
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الأَقْمَرِ، عَنْ أَبِي الأَخْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَّه
قَالَ: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّ عَلَّى شِرَارِ النَّاسِ)).
٧٣٢٩ - (١٣٢) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَبْدُ
الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِم، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَه .
ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ أَبِي حَازِمِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلاً
يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ وَِّ يُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ الَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ وَالْوُسْطَىْ، وَهُوَّ يَقُولُ: ((بُعِثْتُ أَنَا
وَالسَّاعَةُ مَكَذَا» .
٧٣٣٠ - (١٣٣) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ. حَدَّثَنَا أَنْسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ)) .
(٢٧) - باب: قرب الساعة
١٣١ - (٢٩٤٩) - قوله: (عن عبد اللّه) يعني: ابن مسعود رُّله، وهذا الحديث من أفراد
مسلم، وأخرجه أحمد في مسنده (١: ٤٣٥) الحاكم في المستدرك (٤: ٤٩٤)، والبغوي في
شرح السنّة (١٥ : ٨٨).
قوله: (إلا على شرار الناس) لما مرّ من أن أهل الإيمان تقبض أرواحهم قبل ذلك.
١٣٢ - (٢٩٥٠) - قوله: (عن سهل بن سعد) هذا الحديث أخرجه البخاري في تفسير سورة
النازعات (٤٩٣٦)، وفي الطلاق، باب اللعان (٥٣٠١)، وفي الرقاق، باب قول النبيّ ◌َّ:
(بعثت أنا والساعة كهاتين)) (٦٥٠٣)، وأخرجه أحمد في مسنده (٥: ٣٣٠) والبغوي في شرح
السنّة (١٥ : ٩٨).
قوله: (بُعثت أنا والسّاعة هكذا) يعني: ليس بيني وبين السّاعة فصل كبير، كما أنه لا فصل
بين هاتين الإصبعين، وهو كناية عن قرب القيامة، وإن فصل ألف سنة أو ألفين أو أكثر ليس
فصلاً كبيراً بالنّسبة إلى عمر الدنيا كلها، وقوله (السّاعة) يجوز فيه الرفع على كونه معطوفاً على
ضمير المتكلم المرفوع، ويجوز النصب على كونه مفعولاً معه .
١٣٣ - (٢٩٥١) - قوله: (حدثنا أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه البخاري في الرقاق،

٣٣١
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
قَالَ شُعْبَةُ: وَسَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ فِي قَصَصِهِ: كَفَضْلٍ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَىُ. فَلاَ
أَدْرِي أَذَكَرَهُ عَنْ أَنَسٍ، أَوْ قَالَهُ قَتَادَةُ .
٧٣٣١ - (١٣٤) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ، (يَعْنِي ابْنَ
الْحَارِثِ)، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ وَأَبَا التَّيَّاحِ يُحَدِّثَانِ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَنَساً
يُحَدِّثُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ هَكَذَ)). وَقَرَنَ شُعْبَةُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ .
الْمُسَبْحَةِ وَالْوُسْطَى، يَحْكِيهِ.
٧٣٣٢ - (٠٠٠) وحدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
الْوَلِيدِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالاَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ
النَّبِيِّ وَّهِ. بِهَذَا.
٧٣٣٣ - (٠٠٠) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا ابْ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ
حَمْزَةَ، (يَعْنِي الضَّبِّيَّ)، وَأَبِيِ التََّّاحِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهُ. بِمِثْلٍ حَدِيثِهِمْ.
٧٣٣٤ - (١٣٥) وحدّثنا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ. حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَعْبَدٍ،
عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ)) .
قَالَ: وَضَمَّ السََّّابَةَ وَالْوُسْطَىْ.
٧٣٣٥ - (١٣٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ،
عَنْ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَّتْ: كَانَ الأَعْرَابُ إِذَا قُدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ◌ُِّ
سَأَلُوهُ عَنِّ السَّاعَةِ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَنَظَرَ إِلَى أَحْدَثِ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ فَقَالَ: ((إِنْ يَعِشْ هَذَا، لَمْ
باب قول النبيّ وَطّور: ((بُعثت أنا والساعة كهاتين)) (٦٥٠٤)، والترمذي في الفتن، باب ما جاء في
قول النبيّ وَله: ((بعثت أنا والساعة كهاتين)) (٢٢١٤)، وأخرجه أحمد في مسنده (٣: ١٢٤
و ١٣٠).
قوله: (يقول في قصصه) أي: في روايته.
قوله: (كفضل إحداهما على الأخرى) وهذا أحد التفاسير المحتملة لقوله عليه السلام
((بعثت أنا والساعة هكذا)) ومعناه: أن الفرق بيني وبين القيامة كالفرق فيما بين السبابة والوسطى
في الطول، وهو قدر أنملة تقريباً .
١٣٦ - (٢٩٥٢) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الرقاق، باب
سكرات الموت (٦٥١١)، وابن أبي شيبة في مصّنفه (١٥: ١٦٨).
قوله: (إلى أحدث إنسان منهم) أي: أصغرهم سناً، ووقع في الرواية الآتية أنه كان غلاماً

٣٣٢
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يُذْرِكُهُ الْهَرَمُ، قَامَتْ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ)).
٧٣٣٦ - (١٣٧) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ
حَمَّدٍ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ: مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟
وَعِنْدَهُ غُلاَمٌ مِنَ الأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وََّ: ((إِنْ يَعِشْ هَذَا الْغُلاَمُ،
فَعَسَى أَنْ لاَ يُذْرِكَهُ الْهَرَمُ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ».
٧٣٣٧ - (١٣٨) وحدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا
حَمَّادٌ، (يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ)، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ هِلاَلِ الْعَنَزِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَجُلاً
سَأَلَ النَّبِيَّ وَهِ قَالَ: مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ وَّةِ هُنَيْهَةً. ثُمَّ نَظَرَ إِلَى
غُلاَمٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَزْدِشَنُوءَةَ. فَقَالَ: ((إِنْ عُمْرَ هَذَا، لَمْ يُدْرِكُهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ)).
قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: ذَاكَ الْغُلاَمُ مِنْ أَتْرَابِي يَوْمَئِذٍ.
٧٣٣٨ - (١٣٩) حدّثنا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِم. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ.
من الأنصار اسمه محمد، وفي أخرى بعدها أنه كان من أزد شنوءة، وفي أخرى بعدها أنه كان
غلاماً للمغيرة بن شعبة، وكان من أقران أنس، وكان أنس حينئذ نحو سبع عشرة سنة، كما في
فتح الباري (١١ : ٣٦٣).
قوله: (قامت عليكم ساعتكم) يعني: موتكم. كذا فسّره هشام بن عروة عند البخاري.
والدليل عليه أن رسول الله وَل* أضاف السّاعة إلى المخاطبين، والقيامة لا تختص ببعض دون
بعض. وهو نظير قوله عليه السلام: ((أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى
على وجه الأرض ممّن هو عليها الآن أحد))؛ ووقع الأمر كذلك، فإن آخر من بقي ممن رأى
النبيّ وَّ أبو الطفيل عامر بن واثلة، كما جزم به مسلم وغيره، وكانت وفاته سنة عشر ومائة من
الهجرة، وذلك عند رأس مائة سنة من وقت تلك المقالة. كذا في فتح الباري.
١٣٧ - (٢٩٥٣) - قوله: (عن أنس) هذا الحديث لم يخرجه أحد من الأئمة الستة غير
المصنف، وأخرجه أحمد في مسنده (٣: ٢٢٨).
قوله: (من أزد شنوءة) بفتح الشين، اسم قبيلة.
قوله: (من أترابي) جمع تِرب بكسر التاء، وهو متّحد السنّ، مشتق من التراب لأن
الأتراب يلعبون في التراب معاً، وقد سبق أن أنساً كان يومئذ ابن نحو سبع عشرة سنة.
قوله: (حتى تقوم السّاعة) هذا المطلق محمول على المقيد المذكور في الرواية الأولى،
يعني: (ساعتكم).

٣٣٣
كتاب: الفتن وأشراط الساعة
حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: مَرَّ غُلاَمٌ لِلْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَكَانَ مِنْ أَقْرَانِي. فَقَالَ
النَّبِيُّ وَّهِ: ((إِنْ يُؤَخَّزْ هَذَا، فَلَنْ يُذْرِكَهُ الْهَرَمُ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ)) .
٧٣٣٩ - (١٤٠) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ،
عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ نَلِهِ قَالَ: ((تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرَّجُلُ يَحْلُبُ اللَّقْحَةَ،
فَمَا يَصِلُ الإِنَاءُ إِلَى فِيهِ حَتَّى تَقُومَ. وَالرَّجُلاَنِ يَتَبَايَعَانِ الثَّوْبَ، فَمَا يَتَبَايَعَانِهِ حَتَّى تَقُومَ.
وَالرَّجُلُ يَلِطُ فِي حَوْضِهِ، فَمَا يَصْدُرُ حَتَّى تَقُومَ).
(٢٨) - باب: ما بين النفختين
٧٣٤٠ _ (١٤١) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ
الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ: «مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ
أَرْبَعُونَ)). قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، أَرْبَعُونَ يَوْماً؟ قَالَ: أَبِيْتُ. قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْراً؟ قَالَ:
أَبَيْتُ. قَالُوا: أَرْبَعُونَ سَنَةٌ؟ قَالَ: أَبَيْتُ: ((ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أيضاً مما تفرد بإخرجه المصنف رحمه الله.
قوله: (اللِقحة) بكسر اللام وسكون القاف: الناقة الحلوب.
قوله: (يَلِط في حوضه) رُوي بفتح الياء وكسر اللام وتخفيف الطاء، كما ذكره النووي،
وروي بتشديد الطاء، كما ذكره القاضي عياض، ورُوي بزيادة الياء قبل الطاء، ومعنى الجميع
واحد، وهو الإصلاح والتطيين.
قوله: (فما يصدُر) بضم الدال، أي: يرجع.
(٢٨) - باب: ما بين النفختين
١٤١ - (٢٩٥٥) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في تفسير سورة
الزمر، باب ﴿وَنُفِخَ فِ الصُّورِ﴾ (٤٨١٤)، وفي تفسير سورة ﴿عَمَّ يَتَسَلَمَلُونَ ﴾، باب ﴿يَوْمَ يُفَخُ فِى
الصُّورِ﴾ (٤٩٣٥)، وأخرجه أبو داود في السنّة، باب في ذكر البعث والصّور (٤٧٤٣)، وأخرجه
النسائي في الجنائز، باب أرواح المؤمنين (٢٠٧٧)، وابن ماجه في الزهد، باب ذكر القبر والبلى
(٤٣٢٠)، والبغوي في شرح السنّة، في الفتن (٤٣٠٠).
قوله: (أبيت) معناه: أبيت أن أجزم بأن المراد أربعون يوماً، أو أربعون سنة، أو أربعون
شهراً، بل الذي أجزم به أنه أربعون مجملة. ولابن مردويه من طريق أبي بكر بن عياش عن
الأعمش في هذا الحديث قال: (أعييت) من الإعياء وهو التعب وكأنه أشار إلى كثرة من يسأله
عن تبيين ذلك فلا يجيبه. وأخرج ابن مردويه من طريق سعيد بن الصلت عن الأعمش في هذا

٣٣٤
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَيَنْبُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ)) .
قَالَ: ((وَلَيْسَ مِنَ الإِنْسَانِ شَيْءٌ إِلاَّ يَبْلَى. إِلاَّ عَظْماً وَاحِدًا، وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ. وَمِنْهُ
يُرَكْبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) .
٧٣٤١ - (١٤٢) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، (يَعْنِي الْحِزَامِيَّ)، عَنْ أَبِي
الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ لِهِ قَالَ: ((كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ
إِلاَّ عَجْبَ الذَّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَّبُ)).
٧٣٤٢ - (١٤٣) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
هَمَّام بْنِ مُنَبِّهِ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا:
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((إِنَّ فِي الإِنْسَانِ عَظْماً لاَ تَأْكُلُهُ الأَرْضُ أَبَداً، فِيهِ يُرَكَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)»
قَالُوا: أَيُّ عَظْم هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((عَجْبُ الذّنَبِ)).
الحديث: (أربعون سنة) وهو شاذ. وأخرج من وجه ضعيف عن ابن عباس قال: ((ما بين النفخة
والنفخة أربعون سنة)) ووقع في جامع ابن وهب (أربعون جمعة) وسنده منقطع. كذا في فتح
الباري (٨: ٥٥٢).
قوله: (فينبتون كما ينبت البقل) أي: يحيى الناس مرة أخرى، كما ينبت الزرع بالماء.
قوله: (عَجْبُ الذنب) بفتح العين وسكون الجيم، هو عظم لطيف في أصل الصلب، وهو
رأس العُصعُص، وهو مكان رأس الذّنَبِ (بفتح النون) من ذوات القوائم الأربعة. وأخرج الحاكم
وأبو يعلى عن أبي سعيد ربه: ((قيل: يا رسول الله! ما عجب الذّنب؟ قال: مثل حبة خردل)).
قال ابن الجوزي: ((قال ابن عقيل: لله في هذا سرّ لا يعلمه إلا الله. لأن من يظهر الوجود من
العدم لا يحتاج إلى شيء يبنى عليه. ويحتمل أن يكون ذلك جعل علامة للملائكة على إحياء كل
إنسان بجوهره ولا يحصل العلم للملائكة بذلك إلا بإبقاء عظم كل شخص ليعلم أنه إنما أراد
بذلك إعادة الأرواح إلى تلك الأعيان التي هي جزء منها. ولولا إبقاء شيء منها لجوّزت
الملائكة أن الإعادة إلى أمثال الأجساد لا إلى نفس الأجساد)) كذا في فتح الباري، والله سبحانه
أعلم .
وقد تمّ بفضل الله تعالى شرح كتاب الفتن وأشراط السّاعة، وذلك بين أذاني العصر يوم
الخميس الثالث والعشرين من شهر ذي القعدة سنة (١٤١٤هـ) ولله الحمد والمنّة، وأسأل الله
سبحانه أن يوفقني لإكمال شرح هذا الكتاب بفضله كما يحبه ويرضاه، إنه على كل شيء قدير،
وصلى الله تعالى على نبيّه وسلم تسليماً .

٣٣٥
كتاب: الزهد والرقائق
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
٥٣ - كتاب: الزهد والرقائق
٧٣٤٣ - (١) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، (يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ)، عَنِ
كتاب الزهد والرّقائق
المقصود بعقد هذا الكتاب إيراد الأحاديث الّتي تؤكد على الزهد في الدنيا، والرغبة في
الآخرة، وقد أفرده جماعة من العلماء والمحدثين بالتأليف، منهم وكيع بن الجرّاح، وعبد الله بن
المبارك، وأحمد بن حنبل، وهنّاد بن السريّ رحمهم الله تعالى.
والزُّهد في اللغة بمعنى قلّة الرغبة. يقال: زهد فيه، من باب فتح وسمع وكرم، زُهْداً
وزَهادةٌ، أي: رغِب عنه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّهِدِينَ﴾ [يوسف، آية: ٢٠]،
والزَّهِيْد: الشيء القليل. والزَّاهد في الشيء: الراغب عنه.
والزُّهْدّ في الاصطلاح: الرغبة عن الدنيا والميل إلى الآخرة. وقال الإمام الغزاليّ
رحمه الله في إحياء علوم الدين:
((هو عبارة عن انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه. فكل من عدل عن شيء إلى
غيره بمعاوضة وبيع وغيره، فإنما عدل عنه لرغبته عنه، وإنما عدل إلى غيره لرغبته في غيره.
فحاله بالإضافة إلى المعدول عنه يسمى زُهداً، وبالإضافة إلى المعدول إليه يسمّى رغبة وحبّاً .
فإذن يستدعي حال الزهد مرغوباً عنه ومرغوباً فيه، هو خير من المرغوب عنه. وشرط المرغوب
عنه أن يكون هو أيضاً مرغوباً فيه بوجه من الوجوه. فمن رغب عما ليس مطلوباً في نفسه لا
يسمى زهداً، إذ تارك الحجر والتراب والحشرات لا يسمى زاهداً، وإنما يسمى زاهداً من ترك
الدراهم والدنانیر)).
وقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: ((الزهد على ثلاثة أوجه. الأول: ترك
الحرام، وهو زهد العوام
والثاني: ترك الفضول من الحلال (أي: ترك ما فضل عن الحاجة) وهو زهد الخواصّ.
والثالث: ترك ما يشغل عن الله، وهو زهد العارفين)).
فالدرجة الأولى من الزهد واجب تحصليها على كل مسلم. والدرجة الثانية وإن كانت

٣٣٦
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الْعَلاَءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِ:
مستحبة في نفسها، ولكن الدرجة الأولى لا تكاد تتحصل إلا بها، لأن من كثر انهماكه في ما
يفضل عن حاجته، أوشك أن يقع في محظور، والدرجة الثالثة إنّما تحصل بعد حصول
الدرجتين .
٠
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله في مدراج السّالكين (٢: ١٢): ((والذي أجمع عليه
العارفون: أن الزهد سفر القلب من وطن الدنيا، وأخذه في منازل الآخرة ... ومتعلقه ستة أشياء
لا يستحق العبد اسم الزهد حتى يزهد فيها، وهي المال، والصور، والرئاسة، والناس،
والنفس، وكلّ ما دون الله)).
قال: ((وليس المراد رفضَها من المِلك. فقد كان سليمان وداود عليهما السلام من أزهد
أهل زمانهما، ولهما من المال والملك والنّساء ما لَهما. وكان نبيّنا وَّر من أزهد البشر على
الإطلاق، وله تسع نسوة، وكان عليّ بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف والزبير وعثمان العظيم
من الزّهّاد، مع ما كان لهم من الأموال. وكان الحسن بن عليّ ◌َظُه من الزّهّاد، مع أنه كان من
أكثر الأمة محبّة للنساء ونكاحاً لهنّ، وأغناهم. وكان عبد الله بن المبارك من الأئمة الزهاد مع
مال كثير، وكذلك الليث بن سعد من أئمة الزهّاد، وكان له رأس مال يقول: لولا هو لتمندل بنا
هؤلاء)) .
قال: ((ومن أحسن ما قيل في الزّهد كلام الحسن أو غيره: ليس الزهد في الدنيا بتحريم
الحلال ولا إضاعة المال، ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يديك، وأن تكون في
ثواب المصيبة، إذا أُصبت بها، أرغب منك فيها لو لم تُصبك. فهذا من أجمع كلام في الزهد
وأحسنه. وقد رُوي مرفوعاً)).
والحاصل: أنّ حقيقة الزّهد منافية لأسباب الدنيا، وإنما حقيقته أن لا تتعلقّ أسباب الدنيا
بقلب الإنسان بما يلهيه عن ذكر الله وذكر الآخرة، وأن يكون الإنسان دائماً يُؤثِر نعيم الآخرة
على نعيم الدنيا. ومن هنا يفترق الزّهد عن الرَّهْبانية التي ابتدعها النّصارى، فإن الرهبانية تترك
أسباب الدنيا بأسرها من رأسها، والزّهد لا يقتضي ذلك وإنما يقتضي أن يكون الإنسان رغبته في
الآخرة أكثر من رغبته في الدنيا، وأن لا تشغله أسباب الدنيا عن سعيه للآخرة، والله سبحانه
أعلم.
(٢٩٥٦) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه الترمذي في الزهد، باب ما جاء أن
الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر (٢٣٢٤)، وابن ماجه في الزهد، باب مثل الدنيا (٤١٦٥)،
وأحمد في مسنده (٢: ٣٢٣ و٣٨٩ و٤٨٥)، والبغوي في شرح السنّة (١٤ : ٢٩٦)، وابن حبان
في صحيحه. كما في الإحسان لابن بلبان (٢: ٣٨).

٣٣٧
كتاب: الزهد والرقائق
((الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ)).
قوله: (الدنّيا سِجْن المؤمن) قال النووي رحمه الله: ((معناه: أن كل مؤمن مسجون ممنوع
في الدنيا من الشهوات المحرمة والمكروهة، مكلف بفعل الطاعات الشّاقّة. فإذا مات استراح من
هذا، وانقلب إلى ما أعدّ الله تعالى له من النعيم الدائم والراحة الخالصة من النقصان. وأما
الكافر فإنما له من ذلك ما حصل في الدنيا، مع قلته وتكديره بالمنغصات. فإذا مات صار إلى
العذاب الدائم وشقاء الأبد».
واعلم أن هذا الباب وردت فيه أحاديث كثيرة في ذم الدنيا ومتاعها، وكذلك ورد ذمّها في
آيات كثيرة من القرآن الكريم. ولكن ليس المقصود منها أن يترك الإنسان أسباب الدنيا رأساً،
وإنّما المقصود أن لا يؤثرها على الآخرة، وأن يكون شوقه ورغبته إلى الله تعالى وإلى ما أعدّ
لعباده في الآخرة من النعيم أكثر وأقوى من رغبته إلى مُتَع الدنيا الفانية. وقد تكلم العلماء على
حقيقة الدنيا ومعرفة المذموم منها والمحمود قديماً وحديثاً. وفذلكة الكلام ما ذكره العلامة ابن
قدامة المقدسيّ رحمه الله في مختصر منهاج القاصدين لابن الجوزي (وأصله للإمام الغزاليّ
رحمه الله) قال رحمه الله :
(«قد سمع خلق كثير ذم الدنيا مطلقاً، فاعتقدوا أن الإشارة إلى هذه الموجودات التي خلقت
للمنافع، فأعرضوا عما يصلحهم من المطاعم والمشارب. وقد وضع الله في الطباع توقان النفس
إلى ما يصلحها، فكلما تاقت منعوها، ظناً منهم أن هذا هو الزهد المراد، جهلاً بحقوق النفس،
وعلى هذا أكثر المتزهدين، وإنما فعلوا ذلك لقّة العلم، ونحن نصدع بالحق من غير محاباة،
فنقول :
اعلم أن الدنيا عبارة عن أعيان موجودة للإنسان فيها حظ ... وكل ذلك علف الراحلة بدنه
السائر إلى الله عزّ وجلّ، وإنه لا يبقى إلا بهذه المصالح، كما لا تبقى الناقة في طريق الحج إلا
بما يصلحها، فمن تناول منها ما يصلحه على الوجه المأمور به مُدِح، ومن أخذ منها فوق
الحاجة يكتنف الشّره وقع في الذم، فإنه ليس للشّرهِ في تناول الدنيا وجه، لأنه يخرج عن النفع
إلى الأذى، ويشغل عن طلب الآخرة فيفوت المقصود، ويصير بمثابة من أقبل يعلف الناقة، ويرد
لها الماء، ويغيّر عليها ألوان الثياب، وينسى أن الرفقة قد سارت، فإنه يبقى في البادية فريسة
للسباع، هو وناقته .
ولا وجه أيضاً للتقصير في تناول الحاجة، لأن الناقة لا تقوى على السّير إلا بتناول ما
يصلحها. فالطريق السليم هي الوسطى، وهي أن يؤخذ من الدنيا قدر ما يحتاج إليه من الزاد
للسلوك وإن كان مشتهى، فإن إعطاء النفس ما تشتهيه عون لها وقضاء لحقها .
وقد كان سفيان الثوري يأكل في أوقات من طيب الطعام، ويحمل معه في السفر الفالوذج.

٣٣٨
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٧٣٤٤ - (٢) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ فَعْنَبِ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، (يَعْنِي ابْنَ
◌ِلاَلٍ)، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ مَرَّ بِالسُّوقِ،
دَاخِلاً مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ، وَالنَّاسُ كَنَفَتَهُ. فَمَرَّ بِجَدْي أَسَكَّ مَيِّتٍ. فَتَنَاوَلَهُ فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ، ثُمَّ
قَالَ: ((أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَم؟)) فَقَالُوا: مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ، وَمَا نَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ:
((أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ؟)) قَالُوا: وَاللَّهِ، لَوْ كَانَ حَيًّا، كَانَ عَيْباً فِيهِ، لأَنَّهُ أَسَكُ. فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتْ؟
فَقَالَ: ((فَوَاللَّهِ، لَّلُنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ، مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ)) .
٧٣٤٥ - (٠٠٠) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى الْعَنَزِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ عَرْعَرَةَ
وكان إبراهيم بن أدهم يأكل من الطيبات في بعض الأوقات ويقول: إذا وجدنا أكلنا أكل
الرجال، وإذا فقدنا صبرنا صبر الرجال.
ولينظر في سيرة رسول الله وَّةٍ وصحابته، فإنهم ما كان لهم إفراط في تناول الدنيا، ولا
تفريط في حقوق النفس. وينبغي أن يتلمح حظ النفس في المشتهى، فإن كان في حظها حفظها
وما يقيمها ويصلحها وينشطها للخير، فلا يمنعها منه. وإن كان حظها مجرد شهوة ليست متعلقة
بمصالحها المذكورة فذلك حظ مذموم، والزهد فيه يكون)) راجع مختصر منهاج القاصدين لابن
قدامة (ص: ١٩٤).
استطراد
وفي سراج الملوك أن يهوديّاً رتّ الهيئة رأى فقيهاً وعليه لباس حسن، فقال: ألستم تروون
عن نبيكم أن الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر، فأين ذلك من حالك وحالي؟ فأجابه بأنه إذا متّ
وسرت إلى ما أعدّ الله لك من العذاب، علمت أن الدنيا جنة لك. وإذا متُّ أنا، وسرت إلى ما
أعدّ الله لي من النعيم، علمتُ أن الدنيا كانت سجناً لي. كذا في شرح الأبيّ.
٢ - (٢٩٥٧) - قوله: (عن جابر بن عبد الله) هذا الحديث لم يخرجه غير المصنف أحد
من الأئمة الستة، وأخرجه أحمد في مسنده (٣: ٣٦٥).
قوله: (داخلاً من بعض العالية) يعني: كان قد ذهب إلى بعض عوالي المدينة، فرجع منها
ودخل السوق.
قوله: (والناس كَتَفَتُه) بثلاث فتحات، أي: في جانبه، وناحيته. وفي بعض النسخ (كنفتيه)
بالتثنية، أي: في جانبيه.
قوله: (فمرّ بجَدي أسَكَّ) أي: صغير الأذنين، وهو صيغة صفة من السَّكك بفتحتين، وهو
صِغر الأذن، وربّما يستعار للصمم، يقال: استكّت أسماعهم: أي: صمّت.
(٠٠٠) - قوله: (إبراهيم بن محمد بن عرعرة السّامِيّ) هذه نسبة إلى سامة بن لؤي بن

٣٣٩
كتاب: الزهد والرقائق
السَّامِيُّ. قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، (يَعْنِيَانِ الثَّقَفِيَّ)، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ
النَّبِّ وَِّ، بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ الثَّقَفِيِّ: فَلَوْ كَانَ حَيّاً كَانَ هَذَا السَّكَكُ بِهِ عَيْباً.
٧٣٤٦ - (٣) حدّثنا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ
أَبِيهِ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ نَّهِ وَهُوَ يَقْرَأُ: ﴿أَلْهَنَكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]. قَالَ: ((يَقُولُ ابْنُ آدَمَ:
مَالِي. مَالِي. (قَالَ): وَهَلْ لَكَ، يَا ابْنَ آدَمَ، مِنْ مَالِكَ إِلاَّ مَا أَكَلْتَ فَأَقْنَبْتَ، أَوْ لَبِسْتَ
فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟)».
غالب، كما في الأنساب للسمعاني (٧: ٣٠)، وإبراهيم هذا كنيته أبو إسحاق البصري نزيل
بغداد، قال أبو حاتم: صدوق، وقال ابن معين: ثقة معروف بالحديث مشهور بالطلب كيس
الكتاب. وقال الحاكم: هو إمام من حفاظ الحديث. وقد أخرج له مسلم والنسائي، مات في
رمضان سنة ( ٢٣١هـ). كذا في التهذيب (١ : ١٥٧).
قوله: (عن أبيه) يعني: عبد الله بن الشّخِّير ◌َظُبه، وهو بكسر الشين والخاء المشدّدة.
ذكره ابن سعد في طبقة مسلمة الفتح، وقال ابن مندة: وفد في وفد بني عامر. روى عنه بنوه
مطرّف وهانىء ويزيد، وعداده في أهل البصرة. كذا في التهذيب (٥: ٢٥١). وابنه مطرّف كان
ثقة عابداً ذا فضل وورع وأدب، وروي أنه كان بينه وبين رجل كلام، فكذب عليه، فقال مطرّف:
اللهم إن كان كاذباً فأمته، فخرّ مكانه ميّاً. وعن غيلان بن جرير: أن مطرّفاً كان يلبس المطارف
ويركب الخيل ويغشى السلطان، ولكن إذا أفضيت إليه أفضيت إلى قرّة عين. وله مناقب كثيرة
مات في طاعون الجارف سنة ( ٨٧هـ) كما في التهذيب (١٠: ١٧٣).
وحديثه هذا أخرجه الترمذي في تفسير سورة التكاثر (٣٣٥٤)، والنسائي في الوصايا، باب
الكراهية في تأخير الوصية (٣٦١٣)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٤: ٣٢٢)، وأحمد في
مسنده (٤: ٢٤ و٢٦). والبغوي في شرح السنّة (١٤: ٢٥٨) وابن حبان كما في ترتيبه لابن
بلبان (٥: ١٣٨).
٣ - (٢٩٥٨) - قوله: (ألهاكم التكاثر) أي: شغلكم عن ذكر الله طلب كثرة المال
ومفاخرتکم بها .
قوله: (مالي مالي) يعني: يفرح بنسبة المال إلى نفسه، ويفتخر به، فيكثر في كلامه من ذكر
ذلك.
قوله: (هل لك يا بن آدم) إلخ: أي: هل يحصل لك من ذلك المال، وينفعك في المآل
إلا ما كان داخلاً في هذه الثلاثة، إما أن يكون طعاماً فانتفعت به بالأكل، أو أن يكون لباساً
فتتمتع بلبسه حتى يبلى، أي: يخلق من كثرة اللبس، أو يكون صدقةً أمضيتها لتكون ذخراً لك في
الآخرة. وأشار رسول الله ◌َو بهذا الكلام البليغ إلى أن القسمين الأولين وإن كانا نافعين في

٣٤٠
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٧٣٤٧ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى وَابْنُ بَشَارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ.
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. وَقَالاَ جَمِيعاً: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّىّ.
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. كُلُّهُمْ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: انْتَهَيْتُ
إِلَى النَّبِيِّ وَِِّّ، فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ هَمَّامٍ.
٧٣٤٨ - (٤) حدّثني سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ لِهِ قَالَ: ((يَقُولُ الْعَبْدُ: مَالِي، مَالِي، إِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ
ثَلاَثٌ: مَا أَكَلَ فَأَفْتَى. أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَىْ. أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى. وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ، وَتَارِكُهُ
لِلنَّاسِ)).
٧٣٤٩ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ. أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ. أَخْبَرَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. أَخْبَرَنِي الْعَلَاَءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. مِثْلَهُ.
٧٣٥٠ - (٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. كِلاَهُمَا عَنِ ابْنِ
عُيَيْنَةَ. قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ أَبِي بَكْرٍ. قَالَ: سَمِعْتُ
أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ نَّهِ: ((يَتْبَعُ الْمَيْتَ ثَلاثَةٌ. فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى وَاحِدٌ.
الجملة، ولكن نفعهما محدود إلى أن يفنيا أو يبليا. أما نفع القسم الثالث، فهو النفع الدائم
المستمرّ لكونه مدّخراً للإنسان في حياته الأبديّة. أمّا ما سوى هذه الأقسام الثلاثة من المال
الذي يدّخره الإنسان في الدنيا من غير حاجة، فلا يعود نفعه إليه، لا في الدنيا ولا في الآخرة،
لأنه یصیر إلی ورثته .
٤ - (٢٩٥٩) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث مما تفرد بإخراجه المصنف من بين
الأئمة الستة، وأخرجه أحمد في مسنده (٢: ٣٦٨) وابن حبان في صحيحه، كما في ترتيبه لابن
بلبان (٥: ١٠٠ و١٣٨).
قوله: (أو أعطى، فاقتنى) أي: تصدقّ، فادّخره للآخرة. والاقتناء: الادخار. ووقع في
بعض النسخ: أقنى، أي: أرضى الله سبحانه وتعالى. والقِنى، بكسر القاف والألف المقصورة
في آخره: الرّضا.
٥ - (٢٩٦٠) - قوله: (سمعت أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه البخاري في الرقاق،
باب سكرات الموت (٦٥١٤)، والترمذيّ في الزهد، باب ما جاء مثل ابن آدم وأهله وولده إلخ
(٢٣٧٩)، والنسائي في الجنائز، باب النهي عن سبّ الأموات (١٩٣٧)، والحاكم في المستدرك
(١: ٧٤)، وابن حبان في صحيحه كما في ترتيبه لابن بلبان (٥: ٤٢)، والبغوي في شرح السنّة
(١٤ : ٢٥٩) .