Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ كتاب: الفتن وأشراط الساعة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ ٥٢ - كتاب: الفتن وأشراط الساعة (١) - باب: اقتراب الفتن، وفتح ردم يأجوج ومأجوج ٧١٦٤ - (١) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَلُ كتاب الفتن وأشراط السّاعة الفتن جمع فتنة، وأصل الفَتْن (بفتح الفاء وسكون التاء) إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته، ويستعمل في إدخال الإنسان النار، كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْلَنُونَ ١٣﴾ [الذاريات، آية: ١٣]، ويطلق على العذاب كقوله تعالى: ﴿أَلَا فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾ [التوبة، آية: ٤٩]، وعلى الاختبار، نحو قوله تعالى: ﴿وَفَّكَ فُونًا﴾ [طه، آية: ٤٠]. وجعلت الفتنة كالبلاء في أنهما يستعملان فيما يُدفع إليه الإنسان من شدّة ورخاء، وهما في الشدّة أظهر معنى وأكثر استعمالاً، وفيهما استعمل هذا اللفظ في قوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةٌ﴾. وقال الراغب في المفردات (ص: ٣٧٩) بعد نقل هذه المعاني: ((والفتنة من الأفعال التي تكون من الله تعالى ومن العبد، كالبليّة والمصيبة والقتل والعذاب، وغير ذلك من الأفعال الكريهة، ومتى كان من الله يكون على وجه الحكمة، ومتى كان من الإنسان بغير أمر الله يكون بضدّ ذلك. ولهذا يذمّ الله الإنسان بأنواع الفتنة في كل مكان، نحو قوله: ﴿وَالْفِئْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾)) [البقرة، آية: ١٩١]. والمقصود من (كتاب الفتن) المدرج في كثير من كتب الحديث ذكر أحاديث رسول الله وَلات التي أخبر فيها عن الفتن الكائنة في المستقبل إلى يوم القيامة، وحذّر المسلمين عنها، وبيّن لهم وجه العمل فيه، وطريق التخلّص منها . وأمّا (الأشراط) فهو جمع شَرَط (بفتح الراء) بمعنى: العلامة كما في القاموس، والشَّرْط (بسكون الراء) ما يتوقف عليه الشيء، والمراد من (أشراط السّاعة) علاماتها التي تدل على قرب مجيئها . (١) - باب: اقتراب الفتن، وفتح ردم يأجوج ومأجوج ١ - (٢٨٨٠) - قوله: (عن زينب بنت جحش) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأنبياء، ٢٠٢ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ وَهُوَ يَقُولُ: ((لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرِّ قَدِ اقْتَرَبَ. فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمٍ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ) . باب قصة يأجوج ومأجوج (٣٣٤٦)، وباب علامة النبوة في الإسلام (٣٥٩٨)، وفي الفتن، باب قول النبيّ وَّ: ويل للعرب من شرّ قد اقترب (٧٠٥٩)، وباب يأجوج ومأجوج (٧١٣٥)، وأخرجه الترمذي في الفتن، باب ما جاء في خروج يأجوج (٢١٨٧)، وابن ماجه في الفتن، باب ما يكون من الفتن (٤٠٠١). قوله: (ويل للعرب من شرّ قد اقترب) هذا الكلام ظاهر في أن النبيّ الكريم وَلّ أخبر به عن شرّ وفتنة اقترب إصابتها للعرب، ولم يبيّن ◌َّر أكثر من ذلك، ولا عيّن تلك الفتنة، وقد اختلف الشرّاح في تعيينها، فمنهم من ذهب إلى أنه إشارة إلى قتل عثمان نظرائه، حيث تتابعت بعد ذلك الفتن، ومنهم من قال: إنه إشارة إلى ما وقع من الخراب بأيدي التّتر، والله سبحانه أعلم . ثم إن النبيّ ◌َّ خصّ العرب بذلك لأنهم كانوا حينئذ معظم من أسلم. قوله: (فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج) الرّدم: سدّ الُلمة بالحجر، والرَّدم: المردوم، كما في مفردات الراغب. والمراد منه هنا: السدّ الذي بناه ذو القرنين سداً لطريق يأجوج ومأجوج إلى ما دون الجبلين. ويأجوج ومأجوج قبيلتان من ولد يافث بن نوح عليه السلام، والصحيح أنهم أمة من بني آدم، وما روي خلاف هذا، فإنه لا أصل له في الروايات الصحيحة، وإنما هو منقول عن بعض أهل الكتاب. ويحتمل أن يكون قوله عليه السلام: ((فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج)) محمولاً على الحقيقة، على أن سدّ ذي القرنين كان سالماً إلى ذلك اليوم، فحدثت فيه ثلمة يومئذٍ. ويحتمل أن يكون محمولاً على المجاز، فيكون كناية عن ظهور أمارات الفتن، ويحتمل أيضاً أن يكون والت رأى في المنام ذلك السدّ بعينه، ورأى أنه قد انكسر بمقدار حلقة، وكان تعبير ذلك الرؤيا أن العرب ستصيبهم فتنة . ويشكل على الاحتمال الأول ما رواه الترمذي في تفسير سورة الكهف (رقم: ٣١٥٣) عن أبي هريرة رضيالله، عن النبيّ وَّر في السدّ، قال: ((يحفرونه كل يوم، حتى إذا كادوا يخرقونه قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غداً، فيعيده الله كأشدّ ما كان، حتى إذا بلغ مدّتهم وأراد الله أن يبعثهم على النّاس، قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غداً إن شاء الله، واستثنى. قال: فيرجعون فيجدونه كهيئه حين تركوه فيخرقونه، فيخرجون على النّاس)) الحديث. وهذا يدل على أن يأجوج ومأجوج يحفرونه كل يوم، ولا يزالون يفعلون ذلك إلى حين خروجهم بقرب من القيامة. ٢٠٣ كتاب: الفتن وأشراط الساعة ٠٠ ويمكن الجواب عنه بأن هذه الرواية، وإن حسّنها الترمذي، ولكنه قال: ((حسن غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه مثل هذا)) وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره (٣: ١٠٥): ((وإسناده جيد قويّ، ولكن متنه في رفعه نكارة، لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه لإحكام بنائه، وصلابته، وشدته. ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار أنهم قبل خروجهم يأتونه فيلحسونه، حتى لا يبقى منه إلا القليل، فيقولون: غداً نفتحه، فيأتون من الغد وقد عاد كما كان، فيلحسونه ويقولون: غداً نفتحه، ويُلهمون أن يقولوا: إن شاء الله، فيصبحون وهو كما فارقوه، فيفتحونه وهذا متّجه، ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب، فإنه كان كثيراً مّا كان يجالسه ويحدثه، فحدّث به أبو هريرة، فتوهّم بعض الرواة عنه أنه مرفوع، فرفعه)). وقال الحافظ ابن كثير أيضاً في البداية والنهاية (٢: ١١٢): ((فإن لم يكن رفع هذا الحديث محفوظاً، وإنما هو مأخوذ عن كعب الأحبار، كما قاله بعضهم، فقد استرحنا من المؤنة، وإن كان محفوظاً، فيكون محمولاً على أن صنيعهم هذا يكون في آخر الزمان عند اقتراب خروجهم، كما هو المرويّ عن كعب الأحبار، أو يكون المراد بقوله: ﴿وَمَا أُسَتَطَاعُواْ لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف، آية: ٩٧]، أي: نافذ منه، فلا ينفي أن يلحسوه ولا ينفذوه والله أعلم. وعلى هذا، فيمكن الجمع بين هذا وبين ما في الصحيحين عن أبي هريرة: فُتِح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وعقد تسعين، أي: فتح فتحاً نافذاً فيه، والله أعلم. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: هذا كله على تقدير أن يفسّر قول ذي القرنين: ﴿فَإِذَا جَّةَ وَعْدُ رَبِ جَعَلَهُ ذَكَّهُ﴾ [الكهف، آية: ٩٨] بأن السّدّ الذي بناه لا يندك إلى قرب يوم القيامة، ويحمل قوله: ﴿وَعْدُ رَبِّ﴾ على يوم القيامة. لكن ذهب جماعة من العلماء إلى أن ذلك ليس مراد الآية وإنّما المراد من قوله: ﴿وَعْدُ رَبِ﴾ هو وقته الموعود، لا يوم القيامة. وقد أطال شيخ مشايخنا العلامة محمد أنور شاه الكشميري رحمه الله تعالى في تحقيق ذي القرنين ويأجوج ومأجوج وفي تحقيق السدّ الذي بناه ذو القرنين، وانتهى إلى أن يأجوج ومأجوج مجموعة من القبائل الوحشية لم تزل تخرج على عالم الحضارة في مراحل مختلفة من التاريخ، وما فعله ذو القرنين من بناء السدّ عليهم كان لمنع طائفة منهم، ولم يكن من المفروض أن يبقى ذلك السدّ إلى يوم القيامة، وإنما المراد أنه يمنع جماعة منهم من الخروج إلى وقت معين، ثم يخرجون بعد ذلك مرّة وأخرى، إلى أن يكون خروجهم الأخير بقرب الساعة في زمن عيسى عليه السلام. فيقول الشيخ رحمه الله تعالى في كتابه (عقيدة الإسلام في حياة عيسى عليه السلام) (ص: ٣٠١) ما نصه : («فلهم (أي: يأجوج ومأجوج) خرجات مرة بعد مرة، وليس القرآن العزيز نصاً في أن السدّ منعهم من كل جهة، ولا أن عدم خروجهم في الأزمن الآتية لعدم الاندكاك فقط، فإن ذلك إذ ٢٠٤ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ذاك، أي: عند بنائه ودهراً بعده. وأما بعد ذلك، فلهم خرجات، ففيه: ﴿حَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوِجُ﴾ [الأنبياء: ٩٦] الآية. فلم يقل: إذا فُتح الرّدم، والمراد تلك النوبة من الخرجات. وينبغي أن يُعلم أن قول ذي القرنين: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّ جَعَلَهُ دَكََّةَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّ حَقًّا﴾ [الكهف: ٩٨] قول من جانبه، لا قرينة على جعله منه من أشراط الساعة، ولعله لا علم له بذلك، وإنما أراد وعد اندكاكه، فإذن قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَيِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ﴾ للاستمرار التجددي. نعم قوله: ﴿حََّ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوِجُ وَمَأْجُوُجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] هو من أشراط السّاعة، لكن ليس فيه للردم ذكر، فاعلم الفرق)). ثم قال رحمه الله بعد صفحتين: ((واعلم أن ما ذكرته ليس تأويلاً في القرآن، بل زيادة شيء من التاريخ والتجربة بدون إخراج لفظه من موضوعه، فلا يتّسع الخرق، فإن التاريخ لما ذكر أن بعض الشعوب الخارجة من السدّ من نسل يأجوج ومأجوج أيضاً، قلنا: إن ثبت، فالقرآن لم يذكر السدّ على كلّهم، ولا من كل جهة، فليكن الخارجون المذكورون من يأجوج ومأجوج، ولكن ليسوا بمرادين في القرآن. وإن ثبت أنه اندك، أو خرجوا من جانب آخر، فليكن موج بعضهم في بعض متجدداً مستمراً حتى ينزل عيسى عليه السلام فيخرجون أيضاً من بلادهم من السدّ المندة، ويفسدون في الأرض حتى يهلكهم الله تعالى بدعائه عليه السلام)). وكذلك قال الشيخ رحمه الله تعالى في فيض الباري (٤: ٢٣): ((ثم إن سدّ ذي القرنين قد اندة اليوم، وليس في القرآن وعد ببقائه إلى يوم خروج يأجوج ومأجوج (أي: في الأخير) ولا خبر بكونه مانعاً من خروجهم، ولكنه من تبادر الأوهام فقط، فإنه قال: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَيِذٍ يَمُوتُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف، آية: ٩٩] و﴿حََّ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء، آية: ٩٦] إلخ فلهم خروج مرة بعد مرة، وقد خرجوا قبل ذلك أيضاً، وأفسدوا في الأرض بما يستعاذ منه، نعم يكون لهم الخروج الموعود في آخر الزمان وذلك أشدها، وليس في القرآن أن هذا الخروج يكون عقيب الاندكاك متصلاً، بل فيه وعد باندكاكه فقط، فقد اندك كما وعد. أما أن خروجهم موعود بعد اندكاكه بدون فصل، فلا حرف فيه. ألا ترى أن النبيّ وَّ ر عدّ من أشراط الساعة قبضه من وجه الأرض، وفتح بيت المقدس، وفتح القسطنطينية فهل تراها متصلة؟ أو بينها فاصلة متفاصلة؟ فكذلك في النص. نعم فيه أن خروجهم لا يكون إلا بعد الاندكاك أما إنه لا يندك إلا عند الخروج، فلیس فیه ذلك)). وقد استفاض مولانا الشيخ حفظ الرحمن تلميذ الشيخ الكشميري رحمهما الله تعالى في كتابه القيّم (قصص القرآن) (٣: ١٩٠ إلى ٢٤٤) (باللغة الأردية) في تحقيق الموضوع وتشييد ما ذكره الشيخ بأدلة من التاريخ وببحث علميّ نفيس لا يكاد يوجد مثله في كتاب آخر، وفيه حلّ لكثير من الإشكالات التي تثار حول قصة يأجوج ومأجوج. وحاصل ما ذكره في تفسير حديث ٢٠٥ كتاب: الفتن وأشراط الساعة وَعَقَدَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ عَشَرَةً. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ)). ٧١٦٥ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَسَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الأَشْعَتِيُّ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَزَادُوا فِي الباب أنه إن كان المراد من فتح الرّدم المذكور فيه استعارة لابتداء الفتن. فقد كُفينا المؤونة. وإن كان المراد منه حدوث الثلمة في السدّ حقيقة، فلا مانع منه أيضاً، لأنّ السدّ لم يكن بقاؤه مفروضاً إلى يوم القيامة كما ذكرناه من قبل، فيجوز أن يكون ذلك السدّ قد بدأ اندکاکه حينئذ، وكان ذلك علامة لظهور الفتن، أو لخروج طوائف قوية من يأجوج ومأجوج، وإفسادهم في الأرض، ويحتمل أن يكون مصداقه ظهور التتر في القرن السادس، ولكن لم يكن هذا الخروج خروجهم الأخير الذي ذكره الله تعالى في سورة الأنبياء بقوله جلّ وعلا: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوعُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ﴾﴾ [الأنبياء: ٩٦] وإنما سيقع ذلك بقرب من القيامة في زمن عيسى عليه السلام كما نطقت به الأحاديث الصحيحة، والله سبحانه وتعالى أعلم. قوله: (وعقد سفيان بيده عشرة) سيأتي تفسيره في رواية يونس، ولفظه: ((وحلّق بإصبعه الإبهام، والتي تليها)) وكان أهل العرب يعدّون الأشياء على أصابعهم بهيآت مختلفة، كانت لكل عدد هيئة مخصوصة، فكانت هيئة عدد العشرة أن يحلّق الإنسان بالإبهام والسبّابة، فالمراد بعقد العشرة هذه الهيئة كما فسّرها يونس في روايته. ولكن وقع في حديث أبي هريرة الآتي: ((وعقد وهيب بيده تسعين)) وإشارة التسعين أضيق من إشارة العشرة، فإما أن يكون رسول الله وَ الل عقد أولاً تسعين، ثم عقد العشرة، أو يكون مراد الرواة التقريب بالتمثيل، لا حقيقة التحديد كذا في شرح النووي، وسيأتي تحقيقه إن شاء الله. قوله: (أنهلك وفينا الصّالحون؟) بفتح النون وكسر اللام على البناء للمعروف. وكأن زينب رّا فهمت من فتح القدر المذكور من الردّم أن الأمر إن تمادى على ذلك اتسع الخرق بحيث يخرجون، فكان عندها علم أن في خروجهم على الناس إهلاكاً عاماً لهم فسألت ذلك. قوله: (نعم، إذا كثُر الخبث) بفتح الخاء والباء. وفسّروه بالزنا وبأولاد الزنا وبالفسوق والفجور، وهو أولى لأنه قابله بالصلاح. قال ابن العربي: ((فيه البيان بأن الخيّر يهلك بهلاك الشرير إذا لم يغير عليه خبثه، وكذلك إذا غيّر عليه، لكن حيث لا يُجدي ذلك ويصرّ الشرير على عمله السيّىء، ويفشو ذلك ويكثر حتى يعمّ الفساد، فيهلك حينئذٍ القليل والكثير، ثم يحشر كل أحد على نيته)) كذا في فتح الباري (١٣ : ١٠٩). قلت: وهو معنى قوله عزّ وجلّ: ﴿وَثَّقُواْ فِتْنَةُ لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَاصَةٌ﴾ [الأنفال، آية: ٢٥]. ٢٠٦ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الإِسْنَادِ عَنْ سُفْيَانَ، فَقَالُوا: عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ حَبِيبَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةً، عَنْ زَيْنَبَ بِنتِ جْشٍ. ٧١٦٦ - (٢) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهَبِ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابِ. أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانٌ أَخْبَرَتْهَا؛ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، زَوْجَ النَّبِيِّ نََّ قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ وَلِهِ يَوْماً فَزِعاً، مُحْمَرّاً وَجْهُهُ، يَقُولُ: ((لاَ إِلَهَ إِلَّ اللَّهُ. وَيِلْ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرِّ قَدِ اقْتَرَبَ. فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْم يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ) وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهَامِ، وَالَّتِي تَلِيهَا. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: ((نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ)). ٧١٦٧ - (٠٠٠) وحدّثني عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ جَدِّي، حَدَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ (٠٠٠) - قوله: (عن حبيبة، عن أم حبيبة) هكذا رواه جمع من الحافظ بزيادة حبيبة بين زينب بنت أم سلمة وبين أم حبيبة، وحبيبة هذه هي بنت عبيد اللّه بن جحش زوج أم حبيبة السابق الذي كان قد تنصر في الحبشة. فهي ربيبة النبيّ ◌َّر، فاجتمعت في هذا الإسناد لطائف: الأول أن فيه أربعة من النساء الصحابيات تروي إحداهنّ عن الأخرى، والثاني: أن زينب بنت أم سلمة وحبيبة بنت عبيد اللّه كلتاهما ربيبتان للنبيّ وَلقر، وأم حبيبة وزينب بنت جحش كلتاهما زوجتان له وَلّ، والثالث: أن حبيبة تروي هذا الحديث عن أمها عن عمتّها، لأن زينب بنت جحش أخت لأبيها عبيد الله بن جحش. وقد جمع الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي جزءاً في الأحاديث المسلسلة بأربعة من الصحابة، وجملة ما فيه أربعة أحاديث، وبلّغها الحافظ عبد القادر الرهاويّ والحافظ يوسف بن خليل إلى تسعة أحاديث، وأصحها حديث الباب. كذا في فتح الباري. ثم إن بعض العلماء زعم أن هذه الرواية التي وقعت بزيادة (حبيبة) في الإسناد تؤذن بانقطاع الطريق السابق الذي ليس فيه ذكر (حبيبة). ولكن الصحيح أن زينب بنت أبي سلمة سمعت هذا الحديث مرّة عن أم حبيبة بلا واسطة، وأخرى بواسطة حبيبة، والدليل على ذلك ما سيأتي عند المصنف في طريق يونس، عن الزهريّ قال: ((أخبرني عروة بن الزبير أن زينب بنت أبي سلمة أخبرته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها)) وكذلك ما أخرجه البخاري في باب علامات النبوة (رقم: ٣٥٩٨) من طريق شعيب عن الزهريّ قال: ((حدثني عروة بن الزبير أن زينب بنت أبي سلمة حدثته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان حدثتها إلخ)) وفيه تصريح بأن أم حبيبة حدثت زينب بنت أبي سلمة بلا واسطة، فكلا الطريقين صحيح. ٢٠٧ كتاب: الفتن وأشراط الساعة سَعْدٍ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ. كِلاَهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. بِمِثْلِ حَدِيثٍ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ. ٧١٦٨ - (٣) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ. حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَِّ قَالَ: ((فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْم يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ) وَعَقَدَ وُهَيْبٌ بِيَدِهِ تِسْعِينَ. (٢) - باب: الخسف بالجيش الذي يؤم البيت ٧١٦٩ - (٤) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ - (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرانِ: حَدَّثَنَا) جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْقِبْطِيَّةِ. قَالَ: دَخَلَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةً وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ، وَأَنَّا مَعَهُمَا، عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ. فَسَأَلاَّهَا عَنِ الْجَيْشِ الَّذِي يُخْسَفُ بِهِ. وَكَانَ ٣ - (٢٨٨١) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأنبياء، باب قصة يأجوج ومأجوج ٣٣٤٧، وفي الفتن، باب يأجوج ومأجوج (٧١٣٦). قوله: (وعقد وهيب بيده تسعين) وفي رواية للبخاري في الفتن في حديث زينب رضيدينا: ((وعقد سفيان تسعين أو مائة)) فاختلفت الروايات في كونه عقد عشرة، أو مائة، لأن صفاتها عند أهل المعرفة بعقد الحساب مختلفة، وإن اتفقت في أنها تشبه الحلقة. فعقد العشرة أن يجعل طرف السبابة اليمنى في باطن طيّ عقدة الإبهام العليا، وعقد التسعين أن يُجعل طرف السبّابة اليمنى في أصلها ويضمها ضماً محكماً بحيث تنطوي عقدتاها حتى تصير مثل الحية المطوقة. ونقل ابن التين عن الداودي أن صورته أن يجعل السبّابة في وسط الإبهام، وردّه ابن التين بما تقدم فإنه المعروف. وعقد المائة مثل عقد التسعين، ولكن بالخنصر اليسرى. فعلى هذا، فالتسعون والمائة متقاربان، ولذلك وقع فيهما الشكّ. وأما العشرة، فمغايرة لهما . وجمع القاضي عياض والنووي بين الروايتين بأن حديث أبي هريرة متقدم، فزاد الفتح بعده القدر المذكور في حديث زينب، لكن تعقبه الحافظ في الفتح (١٣: ١٠٨) بأنه لو كان الوصف المذكور من أصل الرواية لاتجه، ولكن الاختلاف فيه من الرواة عن سفيان بن عيينة ورواية من روى عنه ((تسعين أو مائة)) أتقن وأكثر من رواية من روى عشرة. وإذا اتحد مخرج الحديث، ولا سيما في أواخر الإسناد، بعُد الحمل على التعدد جداً. فالصحيح ما ذكره النووي في الأخير أنه محمول على التقريب من الرواة دون التحقيق، والله سبحانه أعلم. (٢) - باب: الخسف بالجيش الذي يؤمّ البيت ٤ - (٢٨٨٢) - قوله: (على أم سلمة) هذا الحديث أخرجه الترمذي في الفتن، باب بدون ٢٠٨ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ذَلِكَ فِي أَيَّامِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((يَعُوذُ عَائِذٌ بِالْبَيْتِ فَيُبْعَثُ إِلَيْهِ بَعْثٌ. فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ، خُسِفَ بِهِمْ)) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ كَارِهاً؟ قَالَ: ((يُخْسَفُ بِهِ مَعَهُمْ. وَلَكِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى نِيئَتِهِ)). ترجمة (٢١٧١)، وأبو داود في المهديّ (٤٢٨٩)، وابن ماجه في الفتن، باب جيش البيداء (٤١١٥). قوله: (وكان ذلك في أيّام ابن الزبير) اعترض عليه أبو الوليد الكتاني بأن أم سلمة وضَّ توفيت في خلافة معاوية قبل موته بسنتين سنة تسع وخمسين، ولم تدرك أيام ابن الزبير. وأجاب عنه القاضي والنووي بأن هناك قولاً يقول إنها توفيت في أوائل أيام يزيد بن معاوية، ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب وأبو بكر بن أبي خيثمة، وعلى هذا يستقيم ما ذكر في هذا الحديث، لأن ابن الزبير نازع يزيد أول ما بلغته بيعته عند وفاة معاوية، ذكر ذلك الطبري وغيره. قوله: (يعوذ عائذ بالبيت) يعني: أن رجلاً من المسلمين سوف يستعيذ ببيت الله الحرام، وقد صرح في حديث عائشة الآتي بأنه سيكون من قريش. فيبعث إليه عدوه بعثاً ليهجم عليه وينتهك حرمة البيت، والعياذ بالله. قوله: (فإذا كانوا ببيداء من الأرض) البيداء: الأرض الملساء التي لا شيء فيها، وهي المفازة، وجمعها بيد. وسيأتي أن أبا جعفر الباقر رحمه الله فسّرها ببيداء المدينة، وهي موضع معروف بقرب من ذي الحليفة، ويمكن أن يكون عنده في ذلك خبر معيّن، وإلا فلفظ الحديث منكّر يحتمل أن يصدق على أية بيداء. قوله: (ُسِف بهم) يعني: أن الله عز وجل سوف يخسف بهم عقوبة لهم على ما أرادوا من الهجوم على الكعبة وعلى من لجأ إليها. وقال الأبيّ رحمه الله: ((الأظهر في هذا الخسف أنه لم يقع، وأنه لا بد منه لوجوب صدق خبره وَّ))، وحاول بعضهم أن يحمل هذا الحديث على من غزا عبد الله بن الزبير لها، وهو مستعيذ بمكة. ولكن سيأتي أن عبد الله بن صفوان ردّ على من زعم ذلك، فقال: ((أما والله ما هو بهذا الجيش)) وقد ثبت صدقه بأن الجيش الذي هجم على ابن الزبير ريّ لم يخسف به، فظهر أن المراد في الحديث جيش آخر، ولم أطلع بعدُ في التاريخ على جيش يمكن أن يُجعل مصداق هذا الحديث، فالظاهر، كما قال الأبيّ، أنه سوف يكون في المستقبل، والله سبحانه أعلم. قوله: (فكيف بمن كان كارهاً؟) أي: رافقهم دون أن يكون رضي بفعلهم، فكأنها تعجبت من كون مثله يخسف مع المعذّبين، مع أنه لم يرض بفعلهم. قوله: (يخسف به معهم، ولكنه يبعث يوم القيامة على نيّته) يعني: أنه يصيبه العذاب العام في الدنيا، ولكنه ينجو من عذاب الآخرة إن كانت نيته صالحة. وهذا موافق لحديث ابن عمر ٢٠٩ كتاب: الفتن وأشراط الساعة وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: هِيَ بَيْدَاءُ الْمَدِينَةِ. ٧١٧٠ - (٥) حدّثناه أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَفِي حَدِيثِهِ قَالَ: فَلَقِيتُ أَبَا جَعْفَرٍ، فَقُلْتُ: إِنَّهَا إِنَّمَا قَالَتْ: بِبَيْدَاءَ مِّنَ الأَرْضِ. فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: كَلاَّ. وَاللَّهِ، إِنَّهَا لَبَيْدَاءُ الْمَدِينَةِ. ٧١٧١ - (٦) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ (وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو). قَالاَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ صَفْوَانَ. سَمِعَ جَدَّهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَفْوَانَ يَقُولُ: أَخْبَرَتْنِي حَفْصَةُ؛ أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيِّ ◌َِّهِ يَقُولُ: ((لَيَؤُمَّنَّ هَذَا الْبَيْتَ جَيْشٌ يَغْزُونَهُ. حَتَّى إِذَا كَانوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ، يُخْسَفُ بِأَوْسَطِهِمْ وَيُنَادِي أَوَّلُهُمْ آخِرَهُمْ. ثُمَّ يُخْسَفُ بِهِمْ. فَلاَ يَبْقى إِلاَّ الشَّرِيدُ الَّذِي يُخْبِرُ عَنْهُمْ)) . فَقَالَ رَجُلٌ: أَشْهَدُ عَلَيْكَ أَنَّكَ لَمْ تَكْذِبْ عَلَى حَفْصَةَ. وَأَشْهَدُ عَلَى حَفْصَةَ أَنَّهَا لَمْ تَكْذِبْ عَلَى النَّبِيِّ وَهُ. ٧١٧٢ - (٧) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم بْنِ مَيْمُونٍ. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ صَالِحٍ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو. حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَبِي أُنَيْسَّةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ الْعَامِرِيِّ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكٍ. أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((سَيَعُوذُ بِهَذَا الْبَيْتِ - يَعْنِي الْكَعْبَةَ - قَوْمٌ لَيْسَتْ لَهُمْ مَتَعَةٌ وَلاَ عَدَدٌ وَلاَ عُدَّةٌ. يُبْعَثُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ. أن رسول الله وَ لي قال: ((إذا أنزل الله بقوم عذاباً، أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بُعثوا على أعمالهم)) أخرجه البخاري في الفتن (رقم: ٢١٠٨). وقال الحافظ في الفتح (٤: ٣٤١): ((وفي هذا الحديث أن الأعمال تعتبر بنية العامل، والتحذير من مصاحبة أهل الظلم ومجالستهم وتكثير سوادهم إلا لمن اضطر إلى ذلك. ويتردد النظر في مصاحبة التاجر لأهل الفتنة: هل هي إعانة لهم على ظلمهم، أو هي من ضرورة البشرية، ثم يعتبر عمل كل أحد بنيته، وعلى الثاني يدل ظاهر الحديث)) أي: حديث عائشة وسيأتي متنه. ٦ - (٢٨٨٣) - قوله: (أخبرتني حفصة) هذا الحديث أخرجه النسائي في الحج، باب حرمة الحرم (٢٨٨٠)، وابن ماجه في الفتن، باب جيش البيداء (٤١١٣). قوله: (فلا يبقى إلا الشّريد) أي: الذي يشرُد من موضع الخسف، أي: يفرّ، فيخبر النّاس بخبرهم. ٧ - (٠٠٠) - قوله: (ليست لهم منعة) بفتح النون وبكسرها، وهي العشيرة التي تمنع عنهم الأعداء. ٢١٠ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ خُسِفَ بِهِمْ)). قَالَ يُوسُفُ: وَأَهْلُ الشَّامِ يَوْمَئِذٍ يَسِيرُونَ إِلَى مَكَّةَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ: أَمَا وَاللَّهِ، مَا هُوَ بِهَذَا الْجَيْشِ. قَالَ زَيْدٌ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ الْعَامِرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطِ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ. بِمِثْلِ حَدِيثٍ يُوسُفَ بْنِ مَاهِكٍ. غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْجَيْشَ الَّذِي ذَكَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ. ٧١٧٣ - (٨) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: عَبِثَ رَسُولُ اللّهِ وَ لَه فِي مَنَامِهِ. فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَنَعْتَ شَيْئاً فِي مَنَامِكَ لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُّهُ. فَقَالَ: ((الْعَجَبُ إِنَّ نَاساً مِنْ أُمَّتِي يَؤُمُّونَ بِالْبَيْتِ بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ. قَدْ لَجَأَ بِالْبَيْتِ. حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ خُسِفَ بِهِمْ)) فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الطَّرِيقَّ قَدْ يَجْمَعُ النَّاسَ. قَالَ: («نَعَمْ. فِيهِمُ الْمُسْتَبْصِرُ وَالْمَجْبُورُ وَابْنُ السَّبِيلِ. قوله: (فقال عبد الله بن صفوان) بن أمية بن خلف، أدرك زمان النبيّ وَّ، وكان من أشراف قريش، وكان ممن يقوّي أمر عبد الله بن الزبير رضي﴿هَا، ولمّا حوصر بابن الزبير ضًَّا، أذن له ابن الزبير بأن يخرج من حزبه ليصون نفسه، وقال: ((قد أذنت لك وأقلتك بيعتي)» فأبى عبد الله بن صفوان أن يتركه في هذه الحالة، حتى قُتل معه وهو متعلق بأستار الكعبة، حكاه الزبير بن بكار، كما في تهذيب التهذيب (٥: ٢٦٦). ومن حسن إنصافه ظُه أنه - مع كونه من أنصار عبد الله بن الزبير - أنكر أن يكون الجيش الذي غزا ابن الزبير مصداقاً لهذا الحديث. ٨ - (٢٨٨٤) - قوله: (أن عائشة قالت) هذا الحديث أخرجه أيضاً البخاري في البيوع، باب ما ذكر في الأسواق (٢١١٨). قوله: (عبث رسول الله ﴿ في منامه) هو بكسر الباء. قيل: معناه: اضطرب بجسمه لهول ما رأى، وقيل: حرّك أطرافه كما يأخذ شيئاً أو يدفعه. قوله: (إن الطريق قد يجمع الناس) يعني: أنه قد يلحق بالجيش رجال من الطريق ليسوا منهم، ولا يريدون ما يريده أصحاب الجيش، فكيف يخسف بهم؟ وفي رواية نافع بن جبير عند البخاري: ((قلت: يا رسول الله! كيف يُخسف بأوّلهم وآخرهم، وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟)). قوله: (فيهم المستبصر والمجبور) إلخ: ((أما المستبصر، فهو الذي يمشي معهم على ٢١١ كتاب: الفتن وأشراط الساعة يَهْلِكُونَ مَهْلَكاً وَاحِداً. وَيَصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى. يَبْعَثُّهُمُ اللَّهُ عَلَى نِيَّتِهِمْ)). (٣) - باب: نزول الفتن كمواقع القطر ٧١٧٤ - (٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لابْنٍ أَبِي شَيْبَةَ - (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا) سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أُسَامَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َرَ أَشْرَفَ عَلَى أُظُم مِنْ آطَام الْمَدِينَةِ. ثُمَّ قَالَ: ((هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ إِنِّي لأَرَىْ مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلاَلَ بُيُوتِكُمْ، كَمَّوَاقِعِ الْقَطَرِ» . ٧١٧٥ - (٠٠٠) وحدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدِ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. ٧١٧٦ - (١٠) حدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ وَالْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنِي. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) يَعْقُوبُ - وَهُوَ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ - حَدَّثَنَا أَبِيٍ، عَنْ بصيرة، العامد لما يقصدون. وأما المجبور فهو المُكره الذي لم يخرج معهم عن اختيار، وإنما أكرهوه على ذلك. وأما ابن السبيل، فهو الذي يسلك الطريق معهم وليس منهم. قوله: (يهلكون مهلكاً واحداً، ويصدرون مصادر شتى) أي: يقع الهلاك على جميعهم في الدنيا، ولكنهم يُبعثون يوم القيامة بمراتب مختلفة، فكُلٌّ يجازي حسب نيته . (٣) - باب: نزول الفتن كمواقع القطر ٩ - (٢٨٨٥) - (عن أسامة) هذا الحديث أخرجه البخاري في فضائل المدينة، باب آطام المدينة (١٨٧٨)، وفي المظالم، باب الغرفة والعلية المشرفة وغير المشرفة في السطوح وغيرها (٢٤٦٧)، وفي المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (٣٥٩٧)، وفي الفتن، باب قول النبيّ مَّ: ويل للعرب من شر قد اقترب (٧٠٦٠). قوله: (أشرف على أطم) بضم الهمزة والطاء، وهو القصر أو الحصن، وجمعه آطام، ومعنى (أشرف)) أي: علا وارتفع. قوله: (كمواقع القَظْر) بفتح القاف وسكون الطاء، بمعنى المطر، وهو في الأصل جمع قطرة. وتشبيه الفتن بالمطر في كونها عامّة منتشرة، وقوله: ((مواقع الفتن خلال بيوتكم)) يشعر بأنه لو أخبر عن الفتن التي نشأت بالمدينة، ولعلّ فيه إشارة إلى قتل عثمان بنظُه وما تبعه من المشاجرات بين المسلمين في حروب الجمل وصفين ووقعة الحرّة وغيرها. ٢١٢ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم صَالِحِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُسَيَّب وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ بِّهِ: ((سَتَكُونُ فِتَنْ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي. مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفُهُ. وَمَن وَجَدَ فِيهَا مَلْجَأَ فَلْيَعُذْ بِهِ». ٧١٧٧ - (١١) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَالْحَسَنُ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (قَالَ عَبْدٌ: ١٠ - (٢٨٨٦) - قوله: (أن أبا هريرة قال) هذا الحديث أخرجه البخاري في المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (٣٦٠١)، وفي الفتن، باب تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم (٧٠٨١ و ٧٠٨٢). قوله: (القاعد فيها خير من القائم) وفي رواية آتية: ((النّائم فيها خير من اليقظان، واليقظان فيها خير من القائم)) قال الداودي: ((الظاهر أن المراد من يكون مباشراً لها في الأحوال كلها، يعني: أن بعضهم في ذلك أشد من بعض، فأعلاهم في ذلك السّاعي فيها بحيث يكون سبباً الإثارتها، ثم من يكون قائماً بأسبابها، وهو الماشي، ثم من يكون مباشراً لها، وهو القائم، ثم من يكون مع النظّارة ولا يقاتل، وهو القاعد، ثم من يكون مجتنباً لها ولا يباشر ولا ينظر، وهو المضطجع اليقظان، ثم من لا يقع منه شيء من ذلك ولكنه راض، وهو النائم، والمراد بالأفضلية في هذه الخيرية من يكون أقل شراً ممن فوقه على التفصيل المذكور)» كذا في فتح الباري (١٣: ٣٠ و٣١). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: هذا التقسيم الذي ذكره الداودي رحمه الله محتمل، ولكن الظاهر أنّ مقصود الحديث حثّ الناس عن اعتزال الفتن، فكلّ من كان أكثر اعتزالاً، كان أبعد من الشرّ، وإنّ درجات النائم واليقظان والقاعد تشير إلى درجات مختلفة من الاعتزال، لا إلى درجات مختلفة من الوقوع في الفتنة. ومقصود الحديث أن الإنسان ينبغي له أيّام الفتنة أن يلزم بيته ما أمكن، لأنه، وإن لم يخرج لقصد الفتنة، فإنّها ربّما تدركه، فيقع فيها . قوله: (من تشرّف لها تستشرفه) أما (تشرّف) فقد روي بفتح التاء والشّين من باب التقبّل، وروي أيضاً، (يُشْرِف) بضم الياء وسكون الشين وكسر الراء من باب الإكرام، وهو من الإشراف للشيء، وهو الانتصاب والتطلّع إليه، والتعرض له. وأما (تستشرفه) فهو بمعنى أنها تعلو عليه وتغلبه. يقال: استشرفت الشيء: علوته وأشرفتُ عليه. وقيل: إنه من الإشراف بمعنى الإشفاء على الهلاك. ومنه. (أشفى المريض على الموت، وأشرف) فكأن السّين والتاء للتعدية، والمعنى: أنها تجعله يشرف على الهلاك. وحاصل معنى الحديث أن من تطلّع إلى هذه الفتنة لمجرد النظر إليها، فإنّها ربما تخطفه وتغلبه وتهلكه، فلا ينبغي لرجل أن يخرج إليها ولو لمجرد النظر. ، ٢١٣ كتاب: الفتن وأشراط الساعة أَخْبَرَنِي. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) يَعْقُوبُ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُطِيعِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، مِثْلَ حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا، إِلاَّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ يَزِيدُ: ((َمِنَ الصَّلاَةِ صَلاَةٌ، مَنْ فَاتَتْهُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ)) . ٧١٧٨ - (١٢) حدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ. حَذَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َلُهُ: («تَكُونُ فِتْنَةُ النَّائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْيَقْطَانِ. وَالْيَقْطَانُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ. وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي. فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأَ أَوْ مَعَاذَاً فَلْيَسْتَعِذْ)). ٧١٧٩ - (١٣) حدّثني أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ، فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ. حَدَّثَنَا عُثْمَانُ الشَّخَّامُ قَالَ: انْطَلَقْتُّ أَنَا وَفَرْقَدْ السَّبَخِيُّ إِلَى مُسْلِمَ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، وَهُوَ. فِي أَرْضِهِ. فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فَقُلْنَا: هَلْ سَمِعْتَ أَبَاكَ يُحَدِّثُ فِي الْفِتَنِ حَدِيثاً؟ قَالَ: نَعَمْ. سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يُحَدِّثُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنْ. أَلاَ ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي فِيهَا. وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي إِلَيْهَا. أَلاَ، فَإِذَا نَزَلَتْ أَوْ وَقَعَتْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ إِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِيلِهِ. وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَتَمْ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ. وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ) قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلٌ وَلاَ غَنَمْ وَلاَ أَرْضْ؟ قَالَ: ((يَعْمِدُ إِلَى سَتْفِهِ فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ . ١١ - (٠٠٠) - قوله: (فكأنما وُتِر أهله وماله) بضم الأهل والمال بمعنى أنه أصيب بمكروه، وبنصبهما بمعنى أنه نُقِص . ١٣ - (٢٨٨٧) - قوله: (حدثنا عثمان الشحّام) هو العدويّ أبو سلمة البصريّ، يقال: اسم أبيه عبد اللّه، وقيل: ميمون، وقيل: مسلم. روى عن عدة من التابعين، وثقة ابن معين وأبو زرعة وأبو داود، وقال يحيى القطان: يعرف وينكر، ولم يكن عندي بذاك، وقال النسائي: ليس بالقويّ، وقال مرة: ليس به بأس، وراجع التهذيب (٧: ١٦٠ و١٦١). قوله: (وفرقد السَّبَخِي) هو فرقد بن يعقوب السَّبَخِيّ، منسوب إلى سبخة البصرة، وهي أرض ذات نزّ وملح، كما في القاموس، والنزّ: ما يتحلّب من الماء في الأرض. وهو من صالحي أهل البصرة، قليل الحديث، ضعفه أكثر نقّاد الحديث. راجع له التهذيب (٨: ٢٦٢). قوله: (سمعت أبا بكرة) هذا الحديث أخرجه أيضاً أبو داود في الفتن والملاحم، باب النهي عن السعي في الفتنة (٤٢٥٦). قوله: (يعمد إلى سيفه، فيدُقّ على حدّه بحجر) قال النووي رحمه الله: ((قيل: المراد كسر ٢١٤ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ثُمَّ لْيَنْجُ إِنِ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ. اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ، هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ)) قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ أُكْرِهْتُ حَتَّى يُنْطَلَقَ بِي إِلَى أَحَدِ الصَّفَّيْنِ، أَوْ إِحْدَى الْفِئَتَيْنِ، فَضَرَبَنِي رَجُلٌ بِسَيْفِهِ، أَوْ يَجِيءُ سَهْمٌ فَيَقْتُلُنِي؟ قَالَ: ((يَبُوءُ بِثْمِهِ وَإِثْمِكَ. وَيَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)). ٧١٨٠ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ. كِلاَهُمَا عَنْ عُثْمَانَ الشَّخَّامِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. حَدِيثُ ابْنُ أَبِي عَدِيِّ نَحْوَ حَدِيثٍ حَمَّادٍ إِلَى آخِرِهِ. وَانْتَهَى حَدِيثُ وَكَيْعِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ((إِنِ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ)) وَلَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ. السيف حقيقة على ظاهر الحديث، ليسُدّ على نفسه باب هذا القتال. وقيل: هو مجاز، والمراد ترك القتال، والأول أصح)). قوله: (ثم لينج إن استطاع النّجاء) هو من نجا ينجو نجاءً ونجاةً، بمعنى خلص. وإن هذه الأحاديث تؤكد للإنسان الاعتزال عن الفتنة، والصحيح الذي عليه الجمهور أن المراد بالفتنة ههنا الحالة التي أشكل على الإنسان تعيين الحقّ في أحد الجانبين، واشتبه الأمر. أما إذا اتّضح الحقّ، فالواجب نصرة المحقّ بإزاء المبطل. وقال الحافظ في فتح الباري (١٣: ٣١): ((المراد بالفتنة ما ينشأ عن الاختلاف في طلب الملك حيث لا يُعلم المحق من المبطل. قال الطبري: اختلف السلف، فحمل ذلك بعضهم على العموم، وهم من قعد عن الدخول في القتال بين المسلمين مطلقاً، كسعد وابن عمر ومحمد بن مسلمة وأبي بكرة (﴿) في آخرين، وتمسكوا بالظواهر المذكورة وغيرها. ثم اختلف هؤلاء، فقالت طائفة بلزوم البيوت، وقالت طائفة بالتحول عن بلد الفتن أصلاً، ثم اختلفوا، فمنهم من قال: إذا هجم عليه شيء من ذلك يكفّ يده ولو قتل. ومنهم من قال: بل يدافع عن نفسه، وعن ماله وأهله، وهو معذور إن قَتَل أو قُتِل. وقال الآخرون: إذا بغت طائفة على الإمام فامتنعت من الواجب عليها ونصبت الحروب وجب قتالها. وكذلك لو تحاربت طائفتان وجب على كل قادر الأخذ على يد المخطىء ونصر المصيب، وهذا قول الجمهور. وفضّل آخرون فقالوا: كل قتال وقع بين طائفتين من المسلمين حيث لا إمام للجماعة، فالقتال حينئذٍ ممنوع، وتنزل الأحاديث التي في هذا الباب وغيره على ذلك، وهو قول الأوزاعي. قال الطبري: والصواب أن يقال إن الفتنة أصلها الابتلاء وإنكار المنكر واجب على كل من قدر عليه، فمن أعان المحق أصاب، ومن أعان المخطىء أخطأ، وإن أشكل الأمر فهي الحالة التي ورد النهي عن القتال فيها. وذهب آخرون إلى أن الأحاديث وردت في حق ناس مخصوصين، وأن النهي مخصوص بمن خوطب بذلك. وقيل: إن أحاديث النهي مخصوصة بآخر الزمان حيث يحصل التحقق أن المقاتلة إنما هى فى طلب الملك)). ٢١٥ كتاب: الفتن وأشراط الساعة (٤) - باب: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما ٧١٨١ - (١٤) حدّثني أَبُو كَامِلٍ، فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ وَيُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍٍ. قَالَ: خَرَجْتُ وَأَنَا أُرِيدُ هَذَا الرَّجُلَ. فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةً فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَحْتَفُ؟ قَالَ قُلْتُ: أُرِيدُ نَصْرَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ وَّ. يَعْنِي عَلِيّاً. قَالَ فَقَالَ لِي: يَا أَحْنَفُ، ارْجِعْ. فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِذَا تَوَاجَةَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ)) قَالَ (٤) - باب: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما ١٤ - (٢٨٨٨) - قوله: (عن الأحنف بن قيس) هو أبو بحر التميمي البصريّ، واسمه الضحاك، وقيل: صخر، والأحنف لقب، كان من المخضرمين، قد رأى النبيّ وَّر، لكن قبل إسلامه، وكان رئيس بني تميم في الإسلام، ومناقبه كثيرة، ويضرب به المثل في الحلم، ويروى بسند لين أن النبيّ وَّر دعا له، وكان ثقة مأموناً قليل الحديث، مات سنة ٦٧هـ وقيل: سنة ٧٢هـ. قوله: (وأنا أريد هذا الرجل) وفي رواية للبخاري في الإيمان: ((ذهبت لأنصر هذا الرجل)) وقد فسّره في الحديث بنفسه بأنه أراد بذلك علي بن أبي طالب نظرته، وكان الأحنف أراد أن يخرج بقومه إلى عليّ رَظُله ليقاتل معه يوم الجمل، فنهاه أبو بكرة فرجع. قوله: (فلقيني أبو بكرة) وحديث أبي بكرة هذا: ((أخرجه البخاري في الإيمان، باب ﴿وَإِن ◌َاِفَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ آَقْنَتَلُواْ﴾ إلخ، وفي الديات، باب قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّ أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًاً﴾ (٦٨٧٥)، وفي الفتن، باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما (٧٠٨٣). وأخرجه أبو داود في الفتن، باب في النهي عن القتال في الفتنة (٤٢٦٨)، والنسائي في تحريم الدم، باب تحريم القتل (٤١٢٠ إلى ٤١٢٣)، وابن ماجه في الفتن، باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما (٤٠١٣). قوله: (إذا تواجه المسلمان بسيفيهما) إلخ: قال النووي: ((معنى (تواجها): ضرب كل واحد وجه صاحبه، أي: ذاته وحملته)) وقال القاضي عياض: وعند العذريّ: (توجّه) بإسقاط الألف. فإن لم يكن تغيير، فله وجه، أي: استقبل كل واحد منهما وجه صاحبه، أو قصده)). قوله: (فالقاتل والمقتول في النّار) يعني: أن كل واحد منهما يستحق عذاب جهنّم لارتكابهما معصية المقاتلة دون مبرّر شرعيّ، وليس المراد خلودهما في النّار، وإنّما المراد دخولهما فيها بسبب معصيتهما . وقال النووي رحمه الله تعالى: ((وأما كون القاتل والمقتول من أهل النار، فمحمول على من لا تأويل له. ويكون قتالهما عصبية ونحوها. ثم كونه في النار معناه: مستحق لها، وقد يجازى بذلك وقد يعفو الله تعالى عنه، وهذا مذهب أهل الحق، وقد سبق تأويله مرات. وعلى ٢١٦ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم هذا يتأول كل ما جاء من نظائره)). ته، ليست بداخلة فى هذا ثم قال رحمه الله: ((واعلم أن الدماء التى جرت بين الصحابة الوعيد. ومذهب أهل السنّة والحقّ إحسان الظنّ بهم، والإمساك عما شجر بينهم، وتأويل قتالهم وأنهم مجتهدون متأولون، لم يقصدوا معصية ولا محض الدنيا، بل اعتقد كل فريق أنه المحق ومخالفه باغ فوجب عليه قتاله ليرجع إلى أمر الله، وكان بعضهم مصيباً وبعضهم مخطئاً معذوراً في الخطأ، لأنه لاجتهاد، والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه. وكان عليّ رَظُّه هو المحقّ المصيب في تلك الحروب. هذا مذهب أهل السنة. وكانت القضايا مشتبهة، حتى إن جماعة من الصحابة تحيّروا فيها، فاعتزلوا الطائفتين ولم يقاتلوا، ولم يتيقنوا الصواب، ثم تأخروا عن مساعدته منهم)) . وقال الحافظ في الفتح (١: ٨٦): ((وحمل أبو بكرة الحديث على عمومه في كل مسلمين التقيا بسيفيهما حسماً للمادة، وإلا فالحق أنه محمول على ما إذا كان القتال منهما بغير تأويل سائغ كما قدمناه، ويخص ذلك من عموم الحديث المتقدم بدليله الخاص في قتال أهل البغي. وقد رجع الأحنف عن رأي أبي بكرة في ذلك، وشهد مع عليّ باقي حروبه)). وقال في موضع آخر من الفتح (١٣: ٣٤): ((ولا يرد على ذلك منع أبي بكرة الأحنف من القتال مع عليّ، لأن ذلك وقع عن اجتهاد من أبي بكرة، أدّاء إلى الامتناع والمنع احتياطاً لنفسه ولمن نصحه)) . وقال بعد ذلك: ((ورد في اعتزال الأحنف القتال في وقعة الجمل سبب آخر، فأخرج الطبري بسند صحيح عن حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن جاوان، قال: قلت له: أرأيت اعتزال الأحنف ما كان؟ قال: سمعت الأحنف قال: حججنا، فإذا الناس مجتمعون في وسط المسجد - يعني: النبويّ - وفيهم عليّ، والزبير، وطلحة، وسعد، إذ جاء عثمان، فذكر قصة مناشدته لهم في ذكر مناقبه. قال الأحنف: فلقيت طلحة والزبير فقلت: إني لا أرى هذا الرجل - يعني: عثمان - إلا مقتولاً، فمن تأمراني به؟ قالا: علي، فقدمنا مكة فلقيت عائشة، وقد بلغنا قتل عثمان، فقلت لها: من تأمريني به؟، قالت: عليّ. قال: فرجعنا إلى المدينة فبايعت عليّاً ورجعت إلى البصرة، فبينما نحن كذلك إذ أتاني آت، فقال: هذه عائشة وطلحة والزبير نزلوا بجانب الخريبة يستنصرون بك. فأتيت عائشة فذكرتها بما قالت لي، ثم أتيت طلحة والزبير فذكرتهما، فذكر القصة، وفيها: قال: فقلت: والله لا أقاتلكم ومعكم أم المؤمنين وحواريّ رسول الله وَ﴿، ولا أقاتل رجلاً أمرتموني ببيعته، فاعتزل القتال مع الفريقين)). قال الحافظ: ((ويمكن الجمع بأنّه همّ بالترك، ثم بدا له في القتال مع عليّ، ثمّ ثبّطه عن ذلك أبو بكرة، أو همّ بالقتال مع عليّ فثبطه أبو بكرة، وصادف مراسلة عائشة له، فرجح عنده الترك. وأخرج الطبري أيضاً من طريق قتادة قال: نزل عليّ بالزاوية، فأرسل إليه الأحنف: إن ٢١٧ كتاب: الفتن وأشراط الساعة فَقُلْتُ، أَوْ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الْقَاتِلُ. فَبَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَال: ((إِنَّهُ قَدْ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبهِ)) . ٧١٨٢ - (١٥) وحدّثناه أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ وَيُونُسَ وَالْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنٍ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((إِذَا الْتَّقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَّقْتُولُ فِي النَّارِ)). ٧١٨٣ - (٠٠٠) وحدّثني حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ كِتَابِهِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي كَامِلٍ، عَنْ حَمَّدٍ. إِلَى آخِرِهِ. ٧١٨٤ - (١٦) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةً. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ قَالَ: ((إِذَا الْمُسْلِمَانِ، حَمَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى أَخِيهِ السَّلاَحَ، فَهُمَا عَلَى جُرُفٍ جَهَنَّمَ. فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، دَخَلاَهَا جَمِيعاً)). شئت أتيتك، وإن شئت كففت عنك أربعة آلاف سيف فأرسل إليه: كُفّ من قدرت على كفّه)). قوله: (هذا القاتل) يعني: أن كونه معذَّباً ظاهر، لكونه باشر قتل أخيه، فما بال المقتول؟ يعني: لماذا يعذب مع كونه مظلوماً؟. قوله: (إنه أراد قتل صاحبه) قال القاضي عياض رحمه الله: ((فيه حجة للقاضي أبي بكر (يعني: ابن الطيب) أن العزم على الذنب معصية يؤاخذ بها بخلاف الهمّ. ومن يخالفه يقول: هذا أكثر من العزم، وهو المواجهة والقتال)) وذكر النووي رحمه الله أن ما ذكره القاضي أبو بكر هو الصحيح الذي عليه الجمهور، إلا أن العزم على المعصية سيئة مستقلة بنفسها غير سيئة المباشرة، فإن عمل بعزمه كتبت له سيئتان، وإن كفّ عن ذلك خوفاً من الله تعالى، أبدلت سيئة العزم حسنة. وقد مرتٍ هذه المسألة في هذا الشرح في كتاب الإيمان، باب بيان تجاوز الله تعالى عن حديث النفس والخواطر إلخ. ومن استدل بحديث الباب على كون العزم معصية، فإن دليله متجه، لأن رسول الله وَله رتّب العذاب على إرادته، لا على مباشرته القتال، فدلّ على كون إرادته معصية، والله سبحانه أعلم. ١٦ - (٠٠٠) - قوله: (على جُرُفٍ جهنّم) الجرف بضم الجيم والراء، أريد به طرف جهنم، ووقع في بعض النسخ: ((على حرف جهنّم)) بفتح الحاء المهملة وسكون الراء، وهو أيضاً بمعنى الطرف، وفي بعضها: ((في حرّ جهنّم)) كما في شرح الأبيّ. ٢١٨ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٧١٨٥ - (١٧) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ. قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَِّ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانٍ عَظِيمَتَانٍ. وَتَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ. وَدَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ)). ٧١٨٦ - (١٨) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ)، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ قَالَ: ((لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْهَرْجُ)) قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((الْقَتْلُ. الْقَبْلُ)). ١٧ - (١٥٧) - قوله: (حدثنا أبو هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في استتابة المرتدين، باب قول النبيّ وَل98: لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان)) إلخ (٦٩٣٥)، وفي الفتن باب بعد باب خروج النار (٧١٢١). قوله: (حتى تقتتل فئتان عظيمتان) ذكر جمع من شراح الحديث أن المراد من هاتين الفئتين جيشا عليّ ومعاوية م ◌ّ، فإنهما تقاتلا بصفين. حتى قتل منهم آلاف. قوله: (ودعواهما واحدة) قال العيني في عمدة القاري (١١: ٣٦٨): ((أي: يدعيان الإسلام ويتأول كل منهما أنه محقّ)) فإن كان المراد بالفئتين فئتا عليّ ومعاوية رؤيًّا، فإن كون دعواهما واحدة يدل على أن كلاً منهما من جماعة المسلمين وأن كلاً منهما متأوّل فيما اختاره من الطريق. وأخرج ابن أبي شيبة من طريق زياد بن الحارث قال: ((كنت إلى جنب عمّار (أي: بصفّين) فقال الرجل: كفر أهل الشّام (أي: أصحاب معاوية) فقال عمار: لا تقولوا ذلك. نبينا واحد، ولكنهم قوم حادوا عن الحقّ، فحقّ علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا)) ذكره الحافظ في الفتح (١٣ : ٨٦). وقد أخرج ابن عساكر في ترجمة معاوية من طريق ابن مندة، ثم من طريق أبي القاسم ابن أخي أبي زرعة الرازي قال: ((جاء رجل إلى عمّي (أي: إلى أبي زرعة) فقال له: إنّ أبغض معاوية، قال له: لم؟ قال: لأنه قاتل عليّاً بغير حقّ. فقال له أبو زرعة: ربّ معاوية ربّ رحيم، وخصم معاوية خصم كريم، فما دخولك بينهما؟)) ذكره الحافظ أيضاً . ١٨ - (٠٠٠) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه أيضاً ابن ماجه في الفتن، باب أشراط الساعة (٤٠٩٦). قوله: (حتى يكثر الهرج) بفتح الهاء وسكون الراء، قد فسّره رسول الله و 18 في نفس الحديث بالقتل، وقد ذكر أبو موسى أنه بمعنى القتل بلسان الحبشة. وأما في أصل اللغة، فهو بمعنى الاختلاط. قال ابن منظور في اللسان (٣: ٢١٢): ((الهَرْج: الاختلاط. هَرَجَ النّاس يَهْرِجُوْن، بالكسر، هَرْجاً من الاختلاط، أي: اختلطوا. وأصل الهَرْج: الكثرة في المشي ٢١٩ كتاب: الفتن وأشراط الساعة (٥) - باب: هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض ٧١٨٧ - (١٩) حدّثنا أَبُو الرَّبِيع الْعَتَكِيُّ وقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. كِلاَهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، (وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ)، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ،َ عَنْ أَيّوبَ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ. فَرَأَنْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا. والاتساع. والهَرْج الفتنة في آخر الزمان، والهَرْج: شدة القتل وكثرته)) وكذا قد يكون الهَرْج بمعنى الجماع، يقال: هرج جاريته: أي: جامعها، كما في القاموس، ومنه الحديث المعروف: يتهارجون تهارج الحمر. أي: يتسافدون. وفي الحديث إخبار بأنه يكثر القتل بقرب من السّاعة، وهو من معجزات النبيّ وَّر، وقد شوهد ذلك في عصرنا حتى صار دم الإنسان أهون على المعتدين من دم البعوض والذباب، والعياذ بالله العظيم. باب: هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض ١٩ - (٢٨٨٩) - قوله: (عن ثوبان) هذا الحديث أخرجه أيضاً الترمذي في الفتن، باب ما جاء في سؤال النبيّ ◌َّ ثلاثاً في أمتّه (٢١٧٦)، وأبو داود في الفتن، باب ذكر الفتن ودلائلها (٤٢٥٢)، وابن ماجه في الفتن، باب ما يكون من الفتن (٤٠٠٠). قوله: (إن الله زوى لي الأرض) (زوى) بمعنى (ضم) و (جمع)، أي: جمعها لأجلي. قال التوربشتي: ((زويت الشيء: جمعته وقبضته، يريد به تقريب البعيد منها، حتى اطلع عليه اطلاعه على القريب منها. وحاصله أنه طوى له الأرض وجعلها مجموعة كهيئة كفّ في مرآة نظره. ولذا قال: (فرأيت مشارقها ومغاربها) أي: جميعها)) كذا في مرقاة المفاتيح (١١: ٥٠). وقال الطيبي رحمه الله في الكاشف (١٠: ٣٤٤) نقلاً عن الخطابي: ((توهم بعض الناس أن (من) في (منها) للتبعيض، وليس ذلك كما توهمه، بل هي للتفصيل للجملة المتقدمة، والتفصيل لا يناقض الجملة. ومعناه أن الأرض زويت لي جملتها مرة واحدة، فرأيت مشارقها ومغاربها، ثم هي تفتح لأمتي جزءاً، فجزءاً، حتى يصل ملك أمتي إلى كل أجزائها)). وقال العلامة علي القاري رحمه الله في المرقاة: ((ولعلّ وجه من قال بالتبعيض هو أن ملك هذه الأمة ما بلغ جميع الأرض، فالمراد بالأرض أرض الإسلام، وأن ضمير (منها) راجع إليها على سبيل الاستخدام، والله أعلم بالمرام)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: لا يلزم من كون هذه الأمة لم يبلغ ملكها إلى جميع الأرض حتى الآن أن لا يقع ذلك في المستقبل. فقد يؤخذ من الروايات الصّحيحة أنّ الإسلام يصير سائداً على جميع بقاع الأرض في آخر الزمان. وعلى هذا، فلا حاجة إلى القول بالتبعيض، ويتّجه ما قاله الخطّابي، والله أعلم. ٢٢٠ الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا. وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ. وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأَمَّتِي أَنْ لاَ يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لاَ يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوّاً مِنْ سِوَىْ أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ. وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لاَ يُرَدُ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِّكَ أَنْ لاَ أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ. وَأَنْ لاَ أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوَاً مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ. يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ. وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا - أَوْ قَالَ: مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا - حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضاً، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضاً». قوله: (وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض) المراد من الأحمر الذهب، ومن الأبيض الفضّة. وذكر العلماء أن المراد من الكنزين خزائن كسرى وقيصر. وذكر الخطابي أن الغالب على نقود كسرى الدنانير، والغالب على نقود ممالك قيصر الدراهم. قوله: (لا يُهلكها بسنة عامّة) السّنة: القحط والجدب، والمراد أن لا يصيب المسلمين قحط عامّ يشمل جميع بلاد المسلمين في وقت واحد. وهكذا وقع، فلم يُصب المسلمين قحط عامّ حتى الآن، بل إذا وقع بأرض، اقتصر بها ولم يعمّ بلاد المسلمين قاطبة. قوله: (من سوى أنفسهم) صفة لقوله (عدواً)، أي: كائناً من سوى أنفسهم. وإنما قيّده بهذا القيد لما سيأتي في حديث سعد ظُه أنه عليه الصلاة والسلام كان قد دعا الله تعالى أن لا يجعل بأس أمته فيما بينهم، فمُنع من ذلك. قوله: (فيستبيح بيضتهم) أي: جماعته. وأصلهم من بيضة الطير لتحضينها ما فيها واجتماعها عليه. والبيضة أيضاً هي العزّ، وهي أيضاً: الملك. هكذا فسره القاضي عياض، كما نقل عنه الأبيّ. وقال الطيبي رحمه الله: إنه مأخوذ من بيضة الدّار، وهي وسطها ومعظمها، وإن بيضة الدار مجتمع لأهلها، فالمراد من استباحة البيضة أن يسيطر العدّو على مجتمعهم وموضع سلطاتهم ومستقرّ دولتهم، فيستأصلهم ويهلكهم جميعاً. والاستباحة: أن يجعلها مباحة لنفسه. ثم إن النفي منصبّ على السبب والمسبّب معاً، فيفهم منه أنه قد يسلّط عليهم عدوّ، لكن لا يستأصل شأفتهم. أفاده علي القاري في المرقاة. قوله: (ولو اجتمع عليهم من بأقطارها) يعني: ولو اجتمع أعداء المسلمين من أنحاء الأرض قاطبة، لم يتمكنوا من استئصال شأفة المسلمين. والأقطار جمع قطر، بضم القاف، وهو الناحية . قوله: (حتى يكون بعضهم يُهلك بعضاً) هذا يحتمل معنيين: الأول أن يكون الضمير في (بعضهم) راجعاً إلى المسلمين. فالمراد أن أعداء المسلمين لا يستطيعون أن يستبيحوا بيضتهم، ولكن قد يكون المسلمون أنفسهم يتقاتلون فيما بينهم، فيُهلك بعضهم بعضاً، ويأسر بعضهم بعضاً. وبهذا التفسير جزم الطيبي. والاحتمال الثاني: أن يكون الضمير في قوله