Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها
يَا رَبِّ، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَداً مِنْ خَلْقِكَ. فَيَقُولُ: أَلاَ أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟
فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ، وَأَّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي. فَلاَ أَسْخَطُ
عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَداً» .
(٣) - باب: ترائي أهل الجنة. أهل الغرف،
كما يرى الكوكب في السماء
٧٠٧١ - (١٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
الْقَارِيّ)، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ قَالَ: ((إِنْ أَهْلَ الْجَنَّةِ
لَيَتَرَاءَوْنَ الْغُرْفَةَ فِي الْجَنَّةِ كَمَا تَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ فِي السَّمَاءِ)).
قوله: (وقد أعطيتنا) وفي حديث جابر: «وهل شيء أفضل مما أعطيتنا)).
قوله: (أُحِلّ عليكم رضواني) أي: أنزل. وفي حديث جابر: ((ورضواني أكبر)) وفيه تلميح
بقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة، آية: ٧٢]، لأن رضاه سبب كل فوز وسعادة،
وكل من علم أن سيده راض عنه كان أقرّ لعينه وأطيب لقلبه من كل نعيم، لما في ذلك من
التعظيم والتكريم.
وقال الشيخ محمد بن أبي جمرة رحمه الله: ((في هذا الحديث جواز إضافة المنزل لساكنه،
وإن لم يكن في الأصل له، فإن الجنة ملك الله عزّ وجلّ، وقد أضافها لساكنها بقوله: ((يا أهل
الجنة ... )) والحكمة في ذكر دوام رضاه بعد الاستقرار أنه لو أخبر به قبل الاستقرار لكان خبراً
من باب علم اليقين، فأخبر به بعد الاستقرار ليكون من باب عين اليقين، وإليه الإشارة بقوله
تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسُ مَّ أُخْفِىَ لَهُم مِّنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] كذا في فتح الباري (١٣: ٤٨٨).
(٣) - باب: ترائي أهل الجنة أهل الغرف
كما يرى الكوكب في السّماء
١٠ - (٢٨٣٠) - قوله: (عن سهل بن سعد) هذا الحديث أخرجه البخاري فى الرقاق، باب
صفة الجنة والنار (٦٥٥٥).
قوله: (ليتراءون الغرفة في الجنة) الغُرفة منزلة من أعلى منازل الجنّة، وقد أخرج الترمذي
وابن حبان عن أبي مالك الأشعريّ مرفوعاً: ((إن في الجنة غُرَفاً يرى ظاهرها من باطنها)) وروى
البيهقي نحوه عن جابر، وزاد: ((من أصناف الجوهر كله)) كما في فتح الباري (١١: ٤٦٥).
والمراد من رؤية الغرفة هُنا أن أهل الجنة تتفاوت منازلهم بحسب درجاتهم في الفضل، حتى إن
أهل الدرجات العُلا يراهم من هو أسفل منهم كالنجوم.

١٤٢
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
2831 - قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِذَلِكَ النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ. فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ
الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: ((كَمَا تَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ فِي الأَفْقِ الشَّرْقِيَّ أَو الْغَرْبِيِّ)) .
٧٠٧٢ - (٠٠٠) وحدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا الْمَخْزُومِيُّ. حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ،
عَنْ أَبِي حَازِمِ، بِالإِسْنَادَيْنِ جَمِيعاً، نَحْوَ حَدِيثٍ يَعْقُوبَ .
٧٠٧٣ - (١١) حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا مَعْرٌ. حَدَّثَنَا
مَالِكٌ. ح وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)،َ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ.
أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُدْرِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بَلِ قَالَ: ((إِنَّ أَهَلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا
تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ مِنَ الأَفْقِ مِنَ الْمَشرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ. لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ)) قَالُوا:
(٢٨٣١) - قوله: (الكوكب الدّي) بضم الدال وتشديد الراء والياء، هو النجم الشديد
الإضاءة، وهو منسوب إلى الدُّرّ لبياضه وضيائه.
قوله: (في الأفق الشرقيّ أو الغربيّ) قال الطيبي: ((شبه رؤية الرائي في الجنة صاحب
الغرفة برؤية الرائي الكوكب المضيء الناتىء في جانب المشرق والمغرب في الاستضاءة مع
البعد)).
(٠٠٠) - قوله: (بالإسنادين جميعاً) يعني: من طريق سهل بن سعد، ومن طريق النعمان بن
أبي عياش عن أبي سعيد الخدريّ.
(٢٨٣١) - قوله: (عن أبي سعيد الخدريّ) هذا الحديث أخرجه البخاري في بدء الخلق،
باب ما جاء في صفة الجنّة (٣٢٥٦)، وفي الرقاق، باب صفة الجنّة والنّار (٦٥٥٦).
قوله: (الغابر من الأفق) الغابر هنا بمعنى الذاهب الماشي، و (من) الأولى لابتداء الغاية
أو هي للظرفية، و (من) الثانية مبينة لها. وقد وقع في رواية البخاري: ((الغابر في الأفق من
المشرق أو المغرب)) وفي بعض النسخ: ((إلى المشرق)) كما ذكره القرطبي. وراجع فتح الباري
(٦ : ٣٢٧).
قوله: (من المشرق أو المغرب) استشكله ابن التين وقال: ((إنما تغور الكواكب في
المغرب خاصة، فكيف وقع ذكر المشرق)) وإنما يقع هذا الإشكال على رواية من روى الحديث
بلفظ (الغائر) بدلاً من (الغابر) والرواية المشهورة: (الغابر) بالباء، والمقصود من ذكر المشرق
والمغرب أن الكوكب حين الطلوع والغروب يبعد عن الأعين ويظهر صغيراً لبعده، فشبّه الغرفة
بالكوكب الطالع في المشرق أو المتدلي للغروب في المغرب، والله أعلم.

١٤٣
كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها
يَا رَسُولَ اللَّهِ، تِلْكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ لاَ يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ. قَالَ: ((بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ
آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ)).
(٤) - باب: فيمن يود رؤية النبيّ ◌َ﴾، بأهله وماله
٧٠٧٤ - (١٢) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ)،
عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ قَالَ: ((مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبّاً،
نَاسٌ يَكُونُّونَ بَعْدِي، يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي، بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ) .
(٥) - باب: في سوق الجنة، وما ينالون فيها من النعيم والجمال
٧٠٧٥ - (١٣) حدّثنا أَبُو عُثْمَانَ، سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْبَصْرِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتِ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴾ قَالَ: ((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ
لَسُوقاً.
قوله: (رجال آمنوا بالله وصدّقوا المرسلين) قال الحافظ: ((أي: حق تصديقهم، وإلا لكان
كل من آمن وصدّق رسله وصل إلى تلك الدرجة وليس كذلك، ويحتمل أن يكون التنكير في قوله
(رجال) يشير إلى ناس مخصوصين موصوفين بالصفة المذكورة ... وقد وقع في رواية الترمذي
من وجه آخر عن أبي سعيد: ((وأن أبا بكر وعمر لمنهم وأنعما)) وروى الترمذي أيضاً عن عليّ
مرفوعاً: ((إن في الجنة لغرفاً تُرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها. فقال أعرابي: لمن
هي يا رسول الله؟ قال: هي لمن ألان الكلام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام)).
(٤) - باب: فيمن يودّ رؤية النبيّ ◌َ ة إلخ
١٢ - (٢٨٣٢) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث من أفراد الإمام مسلم لم يخرجه غيره
من الأئمة الستة.
قوله: (بأهله وماله) يعني: أنه يستعدّ لأن يبذل ماله وأهله لأجل رؤية النبيّ وَّل .
(٥) - باب: في سوق الجنّة وما ينالون فيها من النعيم والجمال
١٣ - (٢٨٣٣) - قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث أيضاً من أفراد مسلم.
قوله: (إن في الجنة لسوقاً) قال القرطبي: ((يحتمل هذا السوق أنه موضع يجتمعون فيه
للتزاور، لأن أهل الجنة لا يفقدون شيئاً حتى يحتاجوا إلى شرائه من السّوق، ويحتمل أنها سوق
تشتمل على المشتهيات، كما أن الأسواق في الدنيا كذلك، حتى إذا جاء أهل الجنة ورأوا ما
فيها من المشتهيات أخذ كلٌّ ما يشتهي بغير عوض)).

١٤٤
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ. فَيَزْدَادُونَ حُسْناً
وَجَمَالاً. فَيَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسناً وَجَمَالاً. فَيَقُولُ لَّهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللَّهِ،
لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْناً وَجَمَالاً. فَيَقُولُونَ: وَأَنْتُمْ، وَاللَّهِ، لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْناً
وَجَمَالاً)).
قوله: (يأتونها كل جمعة) قال النووي: ((أي: في مقدار كل جمعة، أي: أسبوع، وليس
هناك حقيقة الأسبوع، لفقد الشمس والليل والنهار)) لكن قال العلامة علي القاري في المرقاة
(١٠: ٣٢٢): ((قلت: وإنما يعرف وقت الليل والنهار بإرخاء أستار الأنوار ورفعها على ما ورد
في بعض الأخبار، فبهذا يعرف يوم الجمعة وأيّام الأعياد وما يترتب عليهما من الزيارة والرؤية،
وسائر الإمداد والإسعاد. ففي الجامع أن أهل الجنة ليحتاجون إلى العلماء في الجنة، وذلك
أنهم يزورون الله تعالى في كل جمعة فيقول لهم: تمنّوا عليّ ما شئتم، فيلتفتون إلى العلماء
فيقولون: ماذا نتمنى؟ فيقولون: تمنّوا عليه كذا وكذا، فهم يحتاجون إليهم في الجنة كما
يحتاجون إليهم في الدنيا. رواه ابن عساكر عن جابر. هذا، وتسمية يوم الجمعة بيوم المزيد في
الجنة يدل على تمييزه عن سائر الأيام، والله تعالى أعلم.
قوله: (فتهبّ ريح الشَّمال) بفتح الشّين: وهي الريح التي تأتي من جهة الشّمال، وفيه
لغات: الشَّمال، والشَّمْأل بالهمز بين الميم الساكنة واللام، والشَّمَّلُ بفتحتين، والشَّمُول بوزن
القبول والدَّبُور، وإنما خصت ريح الشمال بالذكر لأنها كانت معروفة عند العرب في أنها تأتي
بالمطر.
قوله: (فتحثو في وجوههم) أي: تنثر والمفعول محذوف، أي: المسك وأنواع الطيب،
والمراد بالوجوه الأبدان أو الذوات، وإنما خصت الوجوه لشرفها .
قوله: (فيزدادون حسناً وجمالاً) قيل: يكون زيادة حسنهم بقدر حسناتهم.
قوله: (وقد ازدادوا حسناً وجمالاً) يعني: أنهم يجدون أن أهلهم الذين تركوهم في بيوتهم
قد ازداد جمالهم، وهو إما لكونهم أصابتهم نفس الريح في البيوت أيضاً، وإما بسبب انعكاس
جمال القادمين من السّوق، أو لأجل تأثير حالهم وترقّي مآلهم. كذا في مرقاة المفاتيح لعليّ
القاري رحمه الله.

١٤٥
كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها
(٦) - باب: أول زمرة تدخل الجنة على صورة
القمر ليلة البدر، وصفاتهم وأزواجهم
٧٠٧٦ - (١٤) حدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ. جَمِيعاً عَنِ ابْنِ
عُلَيَّةً، (وَاللَّفْظُ لِيَعْقُوبَ)، قَالاَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ. أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ:
إِمَّا تَفَاخَرُوا وَإِمَّا تَذَاكَرُوا: الرِّجَالُ فِي الْجَنَّةِ أَكْثَرُ أَم النِّسَاءُ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَوَ لَمْ يَقُلْ
أَبُو الْقَاسِمِ نَّهَ: ((إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُوَرَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَذْرِ، وَالَّتِي تَلِيهَا عَلَى
أَضْوَإِ کَوْكَبِ دُرْيٌّ فِي السَّمَاءِ .
(٦) - باب: أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر إلخ
١٤ - (٢٨٣٤) - قوله: (عن محمد قال: إما تفاخروا) إلخ: محمد لههنا هو ابن سيرين،
والمراد من قوله (إما تفاخروا وإما تذاكروا) أن جماعة من النّاس اختلفوا فيما بينهم في أن
الرجال في الجنة أكثر أم النّساء، وكان هذا الاختلاف إمّا مذاكرة فيما بينهم، وإما مفاخرة
للرجال على النّساء أو على العكس. ويوضحه رواية سفيان الآتية.
قوله: (فقال أبو هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب ما جاء في صفة
الجنّة (٣٢٤٦)، وفي الأنبياء، باب خلق آدم وذرّيّته (٣٣٢٧)، وأخرجه الترمذي في صفة الجنّة،
باب ما جاء في صفة الجنّة (٢٥٣٧)، وابن ماجه في الزّهد، باب صفة الجنّة (٤٣٨٨ و٤٣٨٩).
قوله: (أولم يقل أبو القاسم *) استدل أبو هريرة ربه بهذا الحديث على أن النّساء في
الجنة أكثر، لأن النبيّ وَ﴿ ذكر أنه ستكون في الجنة زوجتان لكل رجل من الزمرة الأولى والتي
تليها، ثم ذكر أنه لا يكون في الجنة رجل أعزب، فلا أقلّ من أن تكون له زوجة واحدة،
فالنتيجة أن عدد النساء في الجنة أكثر، لأن لكل رجل زوجة على الأقلّ، ولبعضهم زوجتان.
وهذا كله من الآدميات، وأما الحُور، فقد ورد في الحديث أن للواحد منهنّ العدد الكثير. أفاده
القاضي عياض كما نقل عنه الأبيّ.
قوله: (إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر) إلخ: الزّمرة: الجماعة، وقد ورد بيان
عددهم وطريق دخولهم في حديث سهل بن سعد ظته عند البخاري في الرقاق (رقم: ٦٥٥٤)
ولفظه: ((أن رسول الله وَ﴿ قال: ليدخلنّ الجنّة من أمّتي سبعون - أو سبعمائة ألف، لا يدري أبو
حازم أيهما قال - متماسكون آخذ بعضهم بعضاً، لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم، وجوههم
على صورة القمر ليلة البدر)).
قوله: (والتي تليها كأضوٍ كوكب درّي) يعني: أن الزمرة التي تلي الأولى تكون في ضوئها
وجمالها كأكثر كوكب ضياء، وقال الطيبي رحمه الله في شرح المشكاة (١٠: ٢٣٨): ((أفرد
المضاف إليه (يعني: كوكب درّيّ) ليفيد الاستغراق في النوع من الكوكب. يعني إذا تقصيت

١٤٦
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لِكُلِّ امْرِىءٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ. يُرَىُ مُثُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ.
..
كوكباً كوكباً رأيتهم كأشده إضاءة) و (الدرّيّ) معناه المضيء المنير، كما تقدم في الباب السابق.
قوله: (لكل امرىء منهم زوجتان) استشكله بعض العلماء بأنه قد ورد في عدة أحاديث أنّه
سيكون لأهل الجنّة عدد كثير من الأزواج المطهّرة، فقد روى أحمد عن أبي هريرة مرفوعاً في
صفة أدنى أهل الجنة منزلة: ((وإن له من الحُور العِين لاثنتين وسبعين زوجة سوى أزواجه في
الدنيا)) وفي سنده شهر بن حوشب، وفيه مقال. وأخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدريّ
مرفوعاً: ((إن أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم، وثنتان وسبعون زوجة)) وقال: غريب.
وكذلك أخرج عن المقدام بن معديكرب: ((للشهيد ست خصال)) وفيه: يتزوج ثنتين وسبعين زوجة
من الحور العين)) وقد أخرج ابن ماجه والدارمي عن أبي أمامة مرفوعاً: ((ما أحد يدخل الجنة إلا
زوّجه الله ثنتين وسبعين من الحور العين)) وسنده ضعيف جداً، كما ذكره الحافظ في الفتح (٦ :
٣٢٥).
فأجاب الطيبي عن هذا الإشكال قائلاً: ((الظاهر أن التثنية (أي: في حديث الباب) للتكرار
لا للتحديد، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْجِعِ الْصَرَ كُرََّنٍ﴾ [الملك، آية: ٤]، لأنه قد جاء أن للواحد من أهل
الجنة العدد الكثير من الحور العين)) راجع شرحه للمشكاة (١٠: ٢٣٩) ولكن هذا الجواب بعيد
جداً كما ترى، ولا سيّما حين أكد النبيّ نَّه صيغة التثنية في حديث الباب بقوله: (اثنتان).
وذكر ابن القيّم رحمه الله تعالى - كما حكى عنه الحافظ - على العكس من ذلك أنه ليس
في الأحاديث الصحيحة زيادة على زوجتين سوى ما في حديث أبي موسى: ((إن في الجنة
للمؤمن لخيمة من لؤلؤة له فيها أهلون يطوف عليهم)) ويحتمل أن يكون (أهلون) في هذا الحديث
شاملاً لغير الزوجتين أيضاً .
ولكن أكثر العلماء على أن الروايات التي تدل على كثرة أزواج أهل الجنّة متعددة يقوي
بعضها بعضاً، فالمراد من الزوجتين في حديث الباب زوجتان من نساء الدنيا. وإليه مال القاضي
عياض والحافظ ابن حجر وغيره. وهذا واضح فيمن كانت له زوجتان في الدنيا. أما من لم تكن
له زوجة في الدنيا، أو كانت له واحدة فقط، فلعلّه يزوّج بنساء الدنيا التي لم يكن لهنّ أزواج
فيها، والله سبحانه أعلم.
قوله: (يُرى مخّ سوقهما من وراء العظم) المخّ: اللبّ داخل العظم، والمراد بهذا وصف
الزوجة بالصفاء البالغ وأن ما في داخل عظمها لا يستتر بالعظم واللحم والجلد، وقد أعقبه في
رواية همّام بن منبّه في الباب الآتي بقوله (من الحسن) دفعاً لما قد يتوهم في تصور تلك الرؤية
مما ينفر عنه الطبع. وزاد الطبراني في الأوسط عن ابن مسعود: «كما يرى الشراب الأحمر في
الزجاجة البيضاء)) راجع مجمع الزوائد للهيثمي (١٠: ٤١١).

١٤٧
كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها
وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ؟)).
٧٠٧٧ - (٠٠٠) حدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ.
قَالَ: اخْتَصَمَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ: أَيُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ أَكْثَرُ؟ فَسَأَلُوا أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ: قَالَ أَبُو
الْقَاسِمِ لَّهُ: بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ .
٧٠٧٨ - (١٥) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدٍ، (يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ)، عَنْ
عُمَارةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ. حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ اَ:
((أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ)). ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، (وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ)، قَالاً:
حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: ((إنَّ
أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ. وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدْ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ،
فِي السَّمَاءِ، إِضَاءَةً. لاَ يَبُولُونَ وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ وَلاَ يَمْتَخِطُونَ وَلاَ يَتْفُلُونَ. أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ.
قوله: (وما في الجنة أعزب) أي: من لا زوجة له، والمشهور في اللغة: (عَزْب) بدون
الهمزة في أوله، وبه رواه أكثر الرواة، كما ذكر القاضي عياض، ووقع (أعزب) في رواية
العذريّ، وقال القاضي: (وليس بشيء).
قوله: (لا يبولون ولا يتغوّطون) وقد أخرج النسائي من حديث زيد بن أرقم رُله قال:
((جاء رجل من اليهود إلى رسول الله وَيقول فقال: أتزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟ قال: إي
والذي نفسي بيده إن الرجل منهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة،
فقال الرجل: فإن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة، وليس في الجنة أذى فقال له مسلم: حاجة
أحدهم رَشْحٌ يفيض من جلده كرشح المسك)) أخرجه في تفسير سورة الزخرف من سننه الكبرى
(٦: ٤٥٤، رقم: ١/١١٤٧٨)، وأخرجه الطبراني في الأوسط والكبير، ولفظه: ((بينا نحن عند
النبيّ وَلّه إذ أقبل رجل من اليهود، يقال له ثعلبة بن الحارث، فقال: السلام عليك يا محمد،
فقال: وعليكم. فقال اليهود: تزعم أن في الجنة طعاماً وشراباً وأزوجاً؟ فقال النبيّ وَّ: نعم!
تؤمن بشجرة المسك؟ قال: نعم، قال: وتجدها في كتابكم؟ قال: نعم، قال: وإن البول
والجنابة عرق يسيل من تحت ذوائبهم إلى أقدامهم، مسك)) راجع له مجمع الزوائد للهيثمي
(١٠ : ٤١٦).
وقال ابن الجوزي رحمه الله: «لما كانت أغذية أهل الجنة في غاية اللطافة والاعتدال، لم
يكن فيها أذى ولا فُضلة تستقذر، بل يتولد عن تلك الأغذية أطيب ريح وأحسنه)) كذا في فتح
الباري (٦: ٣٢٤).
قوله: (ولا يتفلون) بكسر الفاء أي: لا يبصقون، والتفل: البصاق، والتفل رميك الشيء
من فيك.

١٤٨
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ. وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ. وَأَزْوَاجُهُمُ الْحُورُ الْعِينُ. أَخْلاَتُهُمْ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ
وَاحِدٍ. عَلَى صُورَةٍ أَبِيهِمْ آدَمَ. سِتُونَ ذِرَاعاً، فِي السَّمَاءِ».
٧٠٧٩ - (١٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً،
عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَوَّلُ زُمْرَةٍ
تَذْخُّلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي، عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَذْرِ. ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدْ نَجْمِ، فِي
السَّمَاءِ، إِضَاءَةً. ثُمَّ هُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنَازِلُ. لاَ يَتَغَوَّطُونَ وَلاَ يَبُولُونَ وَلاَ يَمْتَخِطُونَ وَلاَ يَبْزُقُونَ .
أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ. وَمَجَامِرُهُمُ الأَلُوَّةُ. وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ. أَخْلاَتُهُمْ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ،
عَلَى طُولٍ أَبِيهِمْ آدَمَ، ◌ِتُّونَ ذِرَاعً».
قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ. وَقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: ((عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ)). وقَالَ ابْنُ
أَبِي شَيْبَةَ: ((عَلَى صُورَةٍ أَبِيهِمْ)).
قوله: (ورَشحهم المسك) والرَّشْح، بفتح الراء وسكون الشين: العرق.
قوله: (ومجامرهم الألوّة) المجامر جمع المِجمر، بكسر الميم الأولى، وهو الذي توضع
فيه النار للبخور. والألوّة، بفتح الهمزة وضم اللام: العود الهنديّ. والمعنى أن مجامرهم يبخّر
فيه العود الهندي، ووقع في رواية: (وقود مجامرهم الألوّة) وهو أوضح.
وقال علي القاري في المرقاة (١٠: ٣٢٤): ((وهذا كله من اللذات المتوالية والشهوات
المتعالية، وإلا فلا تلبّد لشعورهم ولا وسخ ولا عفونة لأبدانهم وثيابهم، بل ريحهم أطيب من
المسك، فلا حاجة لهم إلى التمشط والتبخر إلا لزيادة الزينة والتلذذ بأنواع النعمة الحسية)).
قوله: (على خلق رجل واحد) بيّن المصنف رحمه الله بعد الرواية الآتية أن ابن أبي شيبة
رواه بضم الخاء واللام (عَلى خُلُقِ رَجلٍ واحد)، وأن كُريباً رواه بفتح الخاء وسكون اللام:
(على خَلْقِ رجل) والمعنى على الأول أنهم يشابه بعضهم بعضاً في الأخلاق الفاضلة، ويؤيده ما
سيأتي في رواية همام أنه لا اختلاف بينهم ولا تباغض، وأن قلوبهم قلب واحد. والمعنى على
الثاني: أنهم متشابهون فيما بينهم في الخِلقة، ويؤيده ما جاء في نفس هذه الرواية أنهم على طول
أبيهم آدم عليه السلام وعلى صورته. والحاصل أنهم متشابهون في الخَلْق والخُلُق جميعاً .
قوله: (ستّون ذراعاً في السّماء) أي: طُولاً، فكنى به عنه، والله سبحانه وتعالى أعلم بخلقه
وأحوال آخرتهم.

١٤٩
كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها
(٧) - باب: في صفات الجنة وأهلها، وتسبيحهم فيها بكرة وعشياً
٧٠٨٠ - (١٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
هَمَّام بْنِ مُنَبِّهِ. قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةٌ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا:
وَقَالَّ رَسُولُ اللّهِ وََّ: ((أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ، صُوَرُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَذْرِ. لاَ
يَبْصُقُونَ فِيهَا وَلاَ يَمْتَخِطُونَ وَلاَ يَتَغَوَّطونَ فِيهَا. آنِيَتُهُمْ وَأَمْشَاطُهُمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.
وَمَجَامِرُهُمْ مِنَ الأَلْوَّةِ. وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ. وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ. يُرَى مُخُ سَاقِهِمَا مِنْ
وَرَاءِ اللَّحْمِ. مِنَ الْحُسْنِ. لَا اخْتِلاَفَ بَيْنَهُمْ وَلاَ تَبَاغُضَ. قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ. يُسَبْحُونَ اللَّهَ
بُكْرَةً وَعَشِيَا)).
٧٠٨١ - (١٨) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ ..
(قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا) جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ
جَابِرٍ. قَالَ: سَمِعْتُ النَِّيَّ نَّهَ يَقُولُ: ((إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ. وَلاَ يَتْفِلُونَ وَلاَ
يَبُولُونَ وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ وَلاَ يَمْتَخِطُونَ)). قَالُوا: فَمَا بَالُ الطَّعَامِ؟ قَالَ: ((جُشَاءٌ وَرَشْحْ كَرَشْحٍ
الْمِسْكِ. يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ، كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ)).
(٧) - باب: في صفات الجنة وأهلها، وتسبيحهم فيها بكرة وعشيّاً
١٧ - (٠٠٠) - قوله: (هذا ما حدثنا أبو هريرة) هو نفس الحديث السابق، رواه المصنف
ههنا برواية همام بن منبه، وقد مر تخريجه.
قوله: (يسبحون الله بكرة وعشياً) أي: قدرهما، وهذا التسبيح ليس عن تكليف وإلزام بل
هو تسبيح شکر وتلذذ، وسيأتي تفصيله في حديث جابر به.
١٨ - (٢٨٣٥) - قوله: (عن جابر) هذا الحديث أخرجه أيضاً أبو داود في السنّة، باب في
الشفاعة (٤٧٤١).
قوله: (إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون) قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ((مذهب
أئمة المسلمين أن نعيم أهل الجنة حسّي، كنعيم أهل الدنيا، إلا ما بينهم من التفاوت الذي لا
شركة فيه إلا في الاسم، وأنه دائم لا ينقطع، خلافاً للفلاسفة وغلاة الباطنية وكذا النصارى في
قولهم: إن نعيم الآخرة إنما هو لذات عقلية، وانتقال من هذا العالم إلى الملأ الأعلى، وهذا
المعنى هو المعبر عنه عندهم بالجنّة، وخلافاً لبعض المعتزلة في أن نعيم الجنة غير دائم، وإنما
هو لأجل، وقالوا مثله في عذاب جهنّم، إلا أنه عندهم بفنون. وهذا كله خلاف ملة الإسلام
وسخافة عقل، وخلاف ما في كتاب الله تعالى وأحاديث نبيه وَّة، وقد ذكر مسلم في ذلك من
الأحاديث ما فيه كفاية)) كذا في شرح الأبي.

١٥٠
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٧٠٨٢ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو
مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، إِلَى قَوْلِهِ: (كَرَشْحِ الْمِسْكِ)).
٧٠٨٣ - (١٩) وحدّثني الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. كِلاَهُمَا عَنْ
أَبِي عَاصِم. قَالَ حَسَنٌ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجِ. أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ
جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يَأْكُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ. وَلاَ
يَتَغَوَّطُونَ وَلاَ يَمْتَخِطُونَ وَلاَ يَبُولُونَ. وَلَكِنْ طَعَامُهُمْ ذَاكَ جُشَاءٌ كَرَشِح الْمِسْكِ. يُلْهَمُونَ
التَّسْبِيحَ وَالْحَمْدَ، كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ)).
قوله: (قال: جُشاء) بضم الجيم، وهو تنفس المعدة من الامتلاء، وهو صوت مع ريح
يخرج من الفم، والمعنى ههنا أن فضل الطعام يصير جُشاء، أي: نظيره، وإلا فجُشاء الجنة لا
یکون مکروهاً بخلاف جُشاء الدنيا .
قوله: (ورشح) أي: عرق، يعني يصير الطعام رشحاً. قال علي القاري في المرقاة (١٠ :
٣٢٥): ((وهو إما باعتبار اختلاف الأشخاص أو الأوقات، أو بعض الطعام يكون جُشاء، وبعضه
يكون رشحاً. والأظهر أن الأكل ينقلب جشاء، والشّرب يعود رشحاً. والطعام قد يطلق عليهما
نظراً إلى معنى الطعم)).
قوله: (يُلْهَمُون التسبيح والتحميد كما يُلهمون النَّفَس) أي: يلهمهم الله التسبيح كما يلهمهم
التنفس. ووجه التشبيه أن تنفس الإنسان لا كلفة عليه فيه، ولا بد له منه، فجعل تنفسهم تسبيحاً،
وسببه أن قلوبهم تنورت بمعرفة الرب سبحانه وامتلأت بحبّه، ومن أحبّ شيئاً أكثر من ذكره.
كذا في فتح الباري (٦: ٣٢٦).
وقال الراغب: ((في هذا الحديث إشارة عجيبة، لأنه إذا أمكن أن يأكل دُود أطعمة
مستحيلة فيخلف جُشاء طيّباً يبقى أطول مدة فلا يلحقه فساد، فكيف يُنكر أن يتناول أهل الجنة
طعاماً معدّى عن العفونات والاستحالات فيخلف منه مسك؟ والذي يستبعده بعض الناس من
ذلك هو أنهم يريدون أن يتصوروا أبداناً متناولة لأطعمة لا استحالة فيها ولا تغيّر لها ولا يكون
فيها فضولات، وتصور ذلك محال. وذلك أن التصور هو إدراك الوهم خيال ما أدركه الحسن
جزؤه ولا كله كيف يمكن تصوره؟ ولو كان للإنسان سبيل إلى تصور ذلك لما قال الله تعالى:
﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسُ ◌َّ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة، آية: ١٧] ولما قال عليه الصلاة والسلام مخبراً
عن الله تعالى: ((أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على
قلب بشر)). وجملة الأمر يجب أن يكون معلوماً أن النقصانات منتفية عن الجنة لأنها من
الأعدام، وليس في الجنة أعدام، إذ هي في غاية الكمال والتمام)) كذا في الكاشف عن حقائق
السنن للطيبي (١٠ : ٢٤١).

١٥١
كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها
قَالَ: وَفِي حَدِيثِ حَجَّاجٍ: ((طَعَامُهُمْ ذَلِكَ)).
٧٠٨٤ - (٢٠) وحدّثني سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الأُمَوِيُّ. حَدَّثَنِي أَبِي. حَدَّثَنَا ابْنُ جُريْج.
أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ. بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((وَيُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ
وَالتَّكْبِيرَ، كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ)) .
(٨) - باب: في دوام نعيم أهل الجنة، وقوله تعالى:
﴿وَنُودُوَاْ أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُوْرِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]
٧٠٨٥ _ (٢١) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. حَدَّثَنَا
حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ. قَالَ: ((مَنْ
يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ لاَ يَبْأَسُ، لاَ تَبْلَى ثِيَابُهُ وَلاَ يَفْتَى شَبَابُهُ» .
٧٠٨٦ - (٢٢) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، (وَاللَّفْظُ لِإِسْحَاقَ)،
قَالاَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. قَالَ: قَالَ الثَّوْرِيُّ: فَحَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ؛ أَنَّ الأَغَرَّ حَدَّثَهُ، عَنْ
أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَِّ، قَالَ: ((يُتَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِخُوا فَلاَ
١٩ - (٢٨٣٦) - قوله: (كما يلهمون) روي بالياء والتاء كلتيهما، وعلى الأول هي صيغة
غائب. بمعنى أنهم كانوا يلهمون التنفس في الدنيا وعلى الثاني هي صيغة المخاطب.
(٨) - باب في دوام نعيم أهل الجنة إلخ
٢١ - (٢٨٣٦) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث مما تفرد بإخراجه المصنف فيما بين
الستة، وأخرجه أحمد في مسنده (٢: ٣٦٩، ٤٠٧ و٤١٦).
قوله: (لا يَبْأس) بسكون الباء الموحدة، أي: لا يصيبه بؤس، والبأس والبؤس والبأساء
بمعنى شدة الحال، قال الطيبي: ((معناه: أن الجنة دار الثبات والقرار، وأن التغيير لا يتطرق
إليها، فلا يشوب نعيمها بؤس، ولا يعتريه فساد ولا تغير، فإنها ليست دار الأضداد، ومحل
الكون والفساد)).
٢٢ - (٢٨٣٧) - قوله: (عن أبي سعيد الخدريّ وأبي هريرة) هذا الحديث أخرجه أيضاً
الترمذي في تفسير سورة الزمر (٣٣٤٦).
قوله: (ينادي مناد) قال الطيبي: ((هذا النداء والبشارة ألذّ وأشهى، لما فيه من السرور،
وفي عكسه أنشد المتنبي :
تيقن عنه صاحبه انتقالا
أشد الغم عندي في سرور

١٥٢
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
تَسْقَمُوا أَبَداً. وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلاَ تَمُوتُوا أَبَداً. وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلاَ تَهْرِمُوا أَبَداً. وَإِنَّ
لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلاَ تَبْأَّسُوا أَبدا)) فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَنُودُّواْ أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُوْرِثْتُمُوهَا بِمَا
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣].
(٩) - باب: في صفة خيام الجنة،
وما للمؤمنين فيها من الأهلين
٧٠٨٧ - (٢٣) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي قُدَامَةَ، (وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ)،
عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ◌َه
قَالَ: ((إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ. طُوِّلُهَا سِتُّونَ مِيلاً. لِلْمُؤْمِنِ فِيهَا
أَهْلُونَ. يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُ. فَلاَ يَرَىْ بَعْضُهُمْ بَعْضاً)).
٧٠٨٨ - (٢٤) وحدّثني أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ. حَدَّثَنَا أَبُو
عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ:
(فِي الْجَنَّةِ خَيْمَةٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ. عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلاً. فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ. مَا يَرَوْنَ
الآخَرِينَ. يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُ)) .
٧٠٨٩ - (٢٥) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا
هَمَّامٌ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ
النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((الْخَيْمَةُ دُرَّةٌ. طُولُهَا فِي السَّمَاءِ سِتُونَ مِيلاً، فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلُّ
◌ِلْمُؤْمِنٍ. لاَ يَرَاهُمُ الآخَرُونَ)).
(٩) - باب: في صفة خيام الجنّة وما للمؤمنين فيها من الأهلين
٢٣ - (٢٨٣٨) - قوله: (عن أبيه) يعني عن أبي موسى الأشعريّ رُبه، واسمه عبد الله بن
قيس. وهذا الحديث أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب ما جاء في صفة الجنّة (٣٢٤٣)، وفي
تفسير سورة الرحمن، باب (﴿حُرٌ مَّقْصُورَاتٌ فِ الْخِيَامِ (َ)﴾) (٤٨٧٩). وأخرجه الترمذي في صفة
الجنّة، باب ما جاء في صفة غرف الجنّة (٢٥٢٨).
قوله: (لؤلؤة واحدة مجوّفة) أي: واسعة الجوف، وقد ذكر النووي أنه وقع في بعض
الروايات (مجوّبة) بالباء، ومعناه: المثقوبة.
٢٤ - (٠٠٠) - قوله: (عرضها ستّون ميلاً) وقد سبق أن طولها ستون ميلاً أيضاً، فتحصل
أن طولها وعرضها سواء.

١٥٣
كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها
(١٠) - باب: ما في الدنيا من أنهار الجنة
٧٠٩٠ - (٢٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرِ
وَعَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ. حَدَّثَنَا عُبْيَدُ اللَّهِ، عَنْ خُبَيْبٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَال رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ،
(١٠) - باب: ما في الدنيا من أنهار الجنّة
٢٦ - (٢٨٣٩) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث مما تفرد المصنف بإخراجه من بين
الأئمة الستة، وأخرجه أيضاً أحمد في مسنده (٢: ٢٨٩).
قوله: (سيحان وجَيْحان) حملهما القاضي عياض رحمه الله على النهرين المشهورين باسم
سيحون وجيحون في بلاد خراسان (وتقعان الآن في أزبكستان) ولكن خطأه النووي رحمه الله،
فقال: سيحان غير سيحون، وجيحان غير جيحون. وسيحان وجيحان على ما أقرّه النووي
رحمه الله نهران بيلاد الأرمن بقرب الشام.
وهذا الذي قاله النووي رحمه الله تعالى أقرّه أيضاً الحمويّ في معجم البلدان (١٠ :
٢٩٣)، فقال في تعريف سيحان: ((نهر كبير بالثغر من نواحي المصيصة، وهو نهر أذنة بين
أنطاكية والروم، يمرّ بأذنة ثم ينفصل عنها نحو ستّة أميال فيصّب في بحر الروم، وإيّاه أراد
المتنبي في مدح سيف الدولة:
أخو غزوات ما تُغِبّ سيوفه
رقابهم، إلا وسيحان جامد
يريد أنه لا يترك الغزو إلا في شدة البرد إذا جمد سيحان. وهو غير سيحون الذي بما وراء
النهر ببلاد الهياطلة، في هذه البلاد سيحان وجيحان، وهناك سيحون وجيحون، وذلك كله ذكر
في الأخبار)).
وكذلك ذكر الحمويّ (جيحان) منفصلاً عن (جيحون)، فقال في تعريف (جيحان) في
معجمه (٥: ١٩٦): «نهر بالمصيصة بالثغر الشاميّ، ومخرجه من بلاد الروم، ويمرّ حتى يصبّ
بمدينة تعرف: بكَفَرْبَيًّا بإزاء المَصِّيصَة، وعليه عند المصيصة قنطرة من حجارة روميّة عجيبة قديمة
عريضة، فيدخل منها إلى المصيصة، وينفذ منها فيمتدّ أربعة أميال، ثم يصب في بحر الشام، قال
أبو الطيب :
ثلاثاً، لقد أدناك ركض، وأبعدا
سريتَ إلى جيحان، من أرض آمد
وقد ذكر القزويني في آثار البلاد (ص: ٥٦٤، من طبع بيروت) في تعريف المصِّيصة:
((مدينة بأرض الروم على ساحل جيحان)) وكذلك ذكر الحميريّ في (الرّوض المعطار)

١٥٤
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَالْقُرَاتُ وَالنِّيْلُ، كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ)).
(ص: ٣٣٣) في تعريف سيحان: ((نهر يحيط بأرض كوش وهو نهر أذنة من الثغر الشاميّ،
ويصبّ في البحر الروميّ، ومخرجه من نحو ثلاثة أيام من مدينة ملطية، ويجري في بلاد الروم،
وليس للمسلمين عليه إلا مدينة أذنة بين طرسوس والمصّيصة)) وقد ذكر الحميريّ أنه قد يسمى
(سيحون) أيضاً .
فهؤلاء العلماء كلهم متفقون أن (سيحان وجيحان) نهران بثغر الشام، وليسا (جيحون
وسيحون) المعروفين ببلاد ما وراء النهر.
قوله: (والفرات والنّيل) أما الفرات فنهر معروف بالعراق، وأما النّيل فهو أكبر أنهار
العالم في مصر والسودان.
قوله: (كلّ من أنهار الجنّة) اختلف العلماء في تفسير كون هذه الأنهار من الجنّة، وجملة
ما تحصل لي في ذلك أقوال آتية:
١ - المراد من كونها من أنهار الجنة أن الإيمان عمّ بلادها، أو الأجسام المتغذية بمائها
صائرة إلى الجنة. وهذا القول حكاه النوويّ عن القاضي عياض رحمهما الله تعالى.
٢ - إن كونها من أنهار الجنّة إنما خرج مخرج التّشبيه، فكأنها من أنهار الجنّة لعذوبة مائها
وكثرة منافعها .
٣ - المراد بها الأنهار الأربعة التي هي أصول أنهار الجنّة، وسماها بأسامي الأربعة التي
هي أعظم أنهار الدنيا وأشهرها وأعذبها وأفيدها عند العرب، على سبيل التشبيه والتمثيل، ليعلم
أنها في الجنّة بمثابتها، وأن ما في الدنيا من أنواع المنافع والنعائم، فنموذجات لما يكون في
الآخرة.
والقول الثاني والثالث ذكرهما الليبي في الكاشف عن حقائق السنن (١٠: ٢٤٦)،
وحاصل القول الثالث أن المراد من جيحان وسيحان والفرات والنيل في هذا الحديث أربعة أنهار
من أنهار الجنّة، ولكنها سميت بأسماء أربعة أنهار من أنهار الدنيا، وليس المراد أن هذه الأنهار
المعروفة في الدنيا أصلها في الجنّة.
٤ - الحديث على ظاهره، ومراده أن هذه الأنهار الأربعة أصلها من الجنّة. وهو القول
الذي رجحه النووي والقاضي عياض والحافظ ابن حجر والشيخ علي القاري رحمهم الله تعالى.
ويؤيده ما ورد في حديث الإسراء عند الشيخين أن النبيّ وَ ﴿ رأى عند سدرة المنتهى أربعة أنهار،
ولفظه عند البخاري في مناقب الأنصار (رقم: ٣٨٨٧): ((وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان،
ونهران ظاهران. فقلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان، فنهران في الجنّة، وأما
الظاهران فالنيل والفرات)). وقد مر هذا الحديث في كتاب الإيمان عند المصنف رحمه الله.
وقال الحافظ في الفتح (٧: ٢١٤) تحت هذا الحديث: ((وأما الحديث الذي أخرجه مسلم بلفظ:

١٥٥
كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها
(سيحان وجيحان والنيل والفرات من أنهار الجنة) فلا يغاير هذا، لأن المراد به أن في الأرض
أربعة أنهار أصلها من الجنة. وحينئذ لم يثبت لسيحون وجيحون (أراد به الحافظ سيحان
وجيحان، ولم يتنبه لكونهما غير سيحون وجيحون) أنهما ينبعان من أصل سدرة المنتهى، فيمتاز
النيل والفرات عليهما بذلك. وأما الباطنان المذكوران في حديث الباب فهما غير سيحون
و جیحون)» .
ثم قال الحافظ: ((والحاصل أن أصلها في الجنة، وهما يخرجان أولاً من أصلها، ثم
يسيران إلى أن يستقرا في الأرض ثم ينبعان. واستدل به على فضيلة ماء النيل والفرات لكون
منبعهما من الجنة، وكذا سيحان وجيحان. قال القرطبي: لعل ترك ذكرهما في حديث الإسراء
لكونهما ليسا أصلاً برأسهما، وإنما يحتمل أن يتفرعا عن النيل والفرات)).
وقد روي عن ابن عباس ظيًّا أن الله تعالى أنزل هذه الأنهار من عين واحدة من عيون
الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل استودعها الجبال وأجراها في الأرض،
وجعل فيها منافع للناس، وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مََّ بِقَدَرٍ﴾، فإذا كان عند خروج
يأجوج ومأجوج أرسل الله جبريل يرفع من الأرض القرآن والعلم والحجر الأسود ومقام إبراهيم
وتابوت موسى وهذه الأنهار. فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ، لَقَدِرُونَ﴾. أخرجه ابن مردويه
والخطيب بسند ضعيف، كما في الدر المنثور (٥: ٨) وذكر فيه خمسة أنهار، هذه الأربعة
ودجلة. وذكره أيضاً البغويّ في معالم التنزيل (٣: ٣٠٥) وعزاه إلى الحسن بن سفيان، فإنه رواه
٠
بسنده إلى مقاتل بن حيان، عن عكرمة، عن ابن عباس
أما كيفية كون هذه الأنهار خرجت من الجنّة، على قول من يقول بذلك، فلا سبيل إلى
معرفة كنهها، ولكن توجد لنهر النيل خصائص لا توجد في غيره من أنهار الدنيا. فمنها أنه أطول
نهر على وجه الأرض، لأن طوله أربعة آلاف ومائة واثنان وثلاثون ميلاً، كما في الموسوعة
البريطانية (طبع ١٩٨٨م) (٨: ٧١٣). ومنها أن معظم أنهار الدنيا تجري من الشمال إلى
الجنوب، وإن هذا النهر يجري من الجنوب إلى الشمال، نبّه عليه المقريزي في الخطط (١:
١١٢). ومنها أن منبع هذا النهر لم يزل مجهولاً طوال القرون، وقد كتب المقريزي على هذا
الموضوع اثنتي عشرة صفحة. وقد ذكر في الموسوعة البريطانية (طبع سنة ١٩٥٠م) أن المحققين
لم يزالوا في حيرة في اكتشاف منبعه، والذي وصل إليه المتأخرون أنه يخرج من بحيرة وكتوريه
في يوغاندا، وإن الماء في هذه البحيرة يصل من وادي كاجيرا، ولكن لم يكتمل حتى الآن مسح
هذا الوادي، حتى قال باحث الموسوعة البريطانية (١٦: ٤٥٥ من طبع ١٩٥٠): ((ليس في
مسائل البحث الجغرافيّ مسألة، سوى مسألة منبع النيل، قد أثرت على التصورات البشرية هذا
التأثير البالغ إلى مثل هذه المدة الطويلة))، فإن كان الباحثون قد عجزوا من الوصول إلى المنبع

١٥٦
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(١١) - باب: يدخل الجنة أقوام، أفئدتهم مثل أفئدة الطير
٧٠٩١ - (٢٧) حدّثنا حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ، هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم
اللَّيِْيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، (يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ)، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنَ
النَّبِّ وَِّ، قَالَ: ((يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَقْوَامٌ أَفْتِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْتِدَةِ الطَّيْرِ)) .
٧٠٩٢ - (٢٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ. قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو هُّرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ
مِنْهَا:َ وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ.
الظاهر لهذا النهر، فما بالك برابطته الخفية مع الجنة التي أشار إليها رسول الله ◌َله؟ والله سبحانه
وتعالى أعلم.
(١١) - باب: يدخل الجنّة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير
٢٧ - (٢٨٤٠) - قوله: (حدثنا أبي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة) هكذا وقع هذا السند
في نسخ صحيح مسلم، ووقع في بعضها بزيادة الزهري بين سعد بن إبراهيم وأبي سلمة،
والضّواب ما ههنا بدون ذكر الزهريّ، ثم ذكر الدارقطني في العلل أن هذا الحديث مرسل عن
أبي سلمة، ولم يروه موصولاً عن أبي هريرة إلا أبو النضر، لكن ذكر النووي رحمه الله أن
الحديث مروي مرسلاً وموصولاً، ومتى روي الحديث متصلاً ومرسلاً كان محكوماً بوصله على
المذهب الصحيح، لأن مع الواصل زيادة علم حفظها، ولم يحفظها من أرسله.
قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث لم يخرجه غير المصنف أحد من الأئمة الستة،
وأخرجه أحمد في مسنده (٢: ٣٣١).
قوله: (أفئدتهم مثل أفئدة الطير) قال النووي رحمه الله: ((قيل: مثلها في رقّتها وضعفها،
كالحديث الآخر: أهل اليمن أرقّ قلوباً وأضعف أفئدة، وقيل: في الخوف والهيبة، والطير أكثر
الحيوان خوفاً وفزعاً، كما قال الله تعالى: ﴿إِنََّا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُاْ﴾ [فاطر، آية: ٢٨]،
وكأن المراد قوم غلب عليهم الخوف، كما جاء عن جماعات من السلف في شدة خوفهم،
وقيل: المراد متوكلون، والله أعلم)) وقال الطيبي: ((تقرر في علم البيان أن وجه الشبه إذا أضمر
عَمَّ تناوله، فيكون أبلغ مما لو صرح به، فينبغي أن يحمل الحديث على المذكورات كلها، ومن
ثم خص الفؤاد بالذكر دون القلب)).
٢٨ - (٢٨٤١) - قوله: (حدثنا به أبو هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأنبياء،
باب خلق آدم وذريته (٣٣٢٦)، وفي الاستئذان، باب بدء السلام (٦٢٢٧).
قوله: (خلق الله عز وجل آدم على صورته) قد مر تفسيره في كتاب البرّ والصلة، باب النهي
عن ضرب الوجه، وقد بسطنا فيه الكلام هناك بما فيه كفاية إن شاء الله تعالى.

١٥٧
كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها
طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً. فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَىْ أُولَئِكَ النَّفَرِ. وَهُمْ نَفَرٌ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ
جُلُوسٌ. فَاسْتَمِعَ مَا يُجِيبُونَكَ، فَإِنَّهَا تَحِيَّئُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ. قَالَ: فَذَهَبَ فَقَالَ: السَّلامُ
عَلَيْكُمْ. فَقَالُوا: السَّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. قَالَ فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ. قَالَ: فَكُلُّ مَنْ
يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةٍ آدَمَ. وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً. فَلَمْ يَزَّلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدَهُ حَتَّى
الآنَ)).
قوله: (طوله ستون ذراعاً) قال العيني في عمدة القاري (٧: ٣١١): ((قال ابن التين:
المراد ذراعنا، لأن ذراع كل أحد مثل ربعه، ولو كانت بذراعه لكانت يده قصيرة في جنب طول
جسمه كالإصبع والظفر ... وروى أحمد من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعاً:
((كان طول آدم ستين ذراعاً في سبعة أذرع عرضاً)). وروى ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن أبيّ بن
كعب رَُّبه أن الله خلق آدم رجلاً طوالاً كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق)).
وقال شيخ مشايخنا العلامة أنور شاه الكشميري رحمه الله تعالى في فيض الباري (٤: ١٧)
في شرح قوله عليه السلام (ستون ذراعاً في السماء): ((أي: في الطول، ويحتمل أن يكون مراد
الحديث أنه كان قدر طولهم هذا في الجنّة، فإذا نزلوا عادوا إلى القصر، فإن الأحكام تتفاوت
بتفاوت البلدان والأوطان، كما أن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون، فهو يوم في العالم
العلوي، وألف سنة في العالم السفليّ. هكذا يمكن أن تكون قاماتهم تلك في الجنّة، فإذا
دخلوها عادوا إلى أصل قامتهم)) .
قوله: (فقالوا: السلام عليك ورحمة الله) قال العلامة علي القاري في المرقاة (٩: ٤٧):
((يدل على جواز تقديم السلام في الجواب، بل على ندبه، لأن المقام مقام التعليم، لكن
الجمهور على أن الجواب بقوله: (وعليكم السلام) أفضل، سواء زاد أم لا، ولعل الملائكة
أيضاً أرادوا إنشاء السلام على آدم، كما يقع كثيراً فيما بين الناس، لكن يشترط في صحة
الجواب أن يقع بعد السلام، لا أن يقعا معاً، كما يدل عليه فاء التعقيب. وهذه مسألة أكثر
النّاس عنها غافلون، فلو التقى رجلان وسلّم كل منهما على صاحبه دفعة واحدة، يجب على كل
منهما الجواب)).
وذكر الرازي رحمه الله أن الحكمة في تقديم (وعليكم) في الجواب ما ذكره سيبويه من أن
العرب يقدمون في الذكر ما هو الأهم عندهم، فلما قال المجيب (وعليكم السلام) دل على شدة
اهتمام المجيب بمخاطبه. حكاه شيخنا الكاندهلوي رحمه الله في حاشيته على لامع الدراري
(٨: ٧).
قوله: (فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن) قال الحافظ في فتح الباري (٦: ٣٦٧):
((أي: أن كل قرن يكون نشأته في الطول أقصر من القرن الذي قبله، فانتهى تناقص الطول إلى

١٥٨
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(١٢) - باب: في شدة حرّ نار جهنم،
وبعد قعرها، وما تأخذ من المعذبين
٧٠٩٣ - (٢٩) حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ خَالِدٍ
الْكَاهِلِيِّ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَ: ((يُؤْتَّى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ
هذه الأمة واستقر على ذلك. وقال ابن التين :... أي: كما يزيد الشخص شيئاً فشيئاً، ولا يتبين
ذلك فيما بين الساعتين ولا اليومين، حتى إذا كثرت الأيام تبين، فكذلك هذا الحكم في
النقص)).
ثم قال الحافظ رحمه الله: ((ويُشكل على هذا ما يوجد الآن من آثار الأمم السّالفة، كديار
ثمود، فإن مساكنهم تدل على أن قاماتهم لم تكن مفرطة الطول على حسب ما يقتضيه الترتيب
السابق. ولا شك أن عهدهم قديم، وأن الزمان الذي بينهم وبين آدم دون الزمان الذي بينهم
وبين أول هذه الأمة. ولم يظهر لي إلى الآن ما يُزيل هذا الإشكال)).
وقد حاول بعض العلماء في إزالة هذا الإشكال بذكر بعض الآثار التي وردت في أبناء قوم
عاد، والتي تدل على أن قاماتهم كانت مفرطة في الطول. ولكن هذا لا يُغني، لأنّ الله سبحانه
وتعالى صرّح بأنّ خلقتهم كانت ممتازة عن سائر الناس، فقال الله تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (
اَلَّى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِ اَلْبِلَدِ ﴾ [الفجر، الآيتان: ٧، ٨] وكذلك ذكر الله تعالى مخاطباً لقوم عاد:
٧
﴿وَزَادَكُمْ فِ الْخَلْقِ بَصْطَةً﴾ [الأعراف، آية: ٦٩] وهذا يدل على أن زيادتهم في الخَلْق كانت صفة
تميّزهم عمن سواهم من الناس. فلا تدل الآيات والآثار المتعلقة بعاد على أن جميع الناس في
عهدهم كانت قاماتهم مفرطة في الطول. فيعود الإشكال.
وربما يخطر بالبال، جواباً عن هذا الإشكال، أن قوله عليه السلام: ((لم يزل ينقص بعده
حتى الآن)) ليس معناه أن قامات الناس لم تزل تنتقص في كل قرن، بل المراد أن جسم الإنسان
لم يزل ناقصاً بعده. ويؤخذ هذا مما قدّمناه عن شيخ مشايخنا الكشميري رحمه الله أن ستين
ذراعاً إنما كانت مقدار قامة آدم عليه السلام في الجنّة، فلما نزل عنها عاد إلى القصر، ولم يزل
أبناؤه يولدون بقرب من هذه القامة إلى يومنا الآن، وإنما يرجعون إلى أصل قامتهم حينما
يعودون إلى الجنّة. فقوله عليه السّلام: ((لم يزل ينقص)): معناه: أنه لم يزل يولد ناقصاً، والله
سبحانه وتعالى أعلم.
(١٢) - باب: في شدّة حرّ نار جهنّم
وبعد قعرها، وما تأخذ من المعذبين
٢٩ - (٢٨٤٢) - قوله: (عن عبد اللّه) يعني: ابن مسعود رُّله، وهذا الحديث أخرجه أيضاً
الترمذي في صفة جهنم، باب ما جاء في صفة النار (٢٥٧٣).

١٥٩
كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها
لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامِ. مَعَ كُلِّ زِمَامِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا)).
٧٠٩٤ _ (٣٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
الْحِزَامِيَّ)، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَّرَ قَالَ: «نَارُكُمْ هَذِهِ،
الَّتِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ، جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزَّءاً مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ)). قَالُوا: وَاللَّهِ، إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَّةً،
يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «فَإِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِسْعَةٍ وَسِتْيْنَ جُزْءاً. كُلُّهَا مِثْلُ حَرْهَا)).
٧٠٩٥ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ. عَنْ
هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهُ. بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي الزِّنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ:
((كُلْهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا)).
٧٠٩٦ - (٣١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ. حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ
وهذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم وقال: رفعه وهم، رواه الثوري ومروان
وغيرهما عن العلاء بن خالد موقوفاً، لكن قال النووي رحمه الله: ((قلت: وحفص ثقة حافظ
إمام، فزيادته الرفع مقبولة كما سبق)).
قوله: (لها سبعون ألف زمام) بكسر الزاي، وهو ما يشد به، والله أعلم بكيفيتها، أعاذنا
الله تعالى منها .
٣٠ - (٢٨٤٣) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب
صفة النار وأنها مخلوقة (٣٢٦٥)، وأخرجه الترمذي في صفة جهنم، باب ما جاء أن ناركم هذه
جزء من سبعين جزء من نار جهنم (٢٥٨٩).
قوله: (جزء من سبعين جزء) وفي رواية لأحمد: ((من مائة جزء)). والجمع بأن المراد
المبالغة في الكثرة، لا العدد الخاص، أو الحكم للزائد. وزاد الترمذي من حديث أبي سعيد:
لكل جزء منها حرّها. كذا في فتح الباري (٦: ٣٣٤).
قوله: (إن كانت الكافية) (إن) مخففة من المثقلة، أي: إن هذه النار لكافية في إحراق
الكفار وعقوبة الفجار، فهلا اكتفي بها؟ ولأي شيء زيدت في حرّها؟
قوله: (فإنها فضلت عليها) قال الطيبي في شرح المشكاة (١٠: ٢٧٧): ((معناه المنع من
الكفاية، أي: لا بد من التفضيل لتمييز عذاب الله من عذاب الخلق، ولذلك أوثر النار على سائر
أصناف العذاب زيادة في تنكيل عقوبة أعداء الله تعالى وغضباً شديداً على مردة خلق الله)).
٣١ - (٢٨٤٤) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث من أفراد مسلم، وأخرجه أحمد في
مسنده (٢: ٣٧١).

١٦٠
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللّهِ إِلهَ. إِذْ سَمِعَ وَجْبَةً.
فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((تَذْرُوَنَ مَا هَذَا؟)) قَالَ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((هَذَا حَجَرٌ رُمِيَ بِهِ
فِي الثَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفاً. فَهُوَ يَهْوِي فِي النَّارِ الآنَ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا)).
٧٠٩٧ - (٠٠٠) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، عَنْ
يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: ((هَذَا وَقَعَ فِي
أَسْفَلِهَا، فَسَمِعْتُمْ وَجْبَتَهَا)) .
٧٠٩٨ - (٣٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ. حَدَّثَنَا
شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. قَالَ: قَالَ قَتَادَةُ: سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ سَمُرَةَ؛ أَنَّهُ سَمِعَ
نَبِيَّ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى حُجْزَتِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى عُنُقِهِ)).
٧٠٩٩ - (٣٣) حدّثني عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، (يعْنِي ابْنَ عَطَاءٍ)،
عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ، أَنَّ النَّبِيّ ◌َِلـ
قَالَ: ((مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ
النَّارُ إِلَى حُجْزَتِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى تَرْقُوَتِهِ)) .
٧١٠٠ - (٠٠٠) حدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ.
حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَجَعَلَ - مَكَانَ (حُجْزَتِهِ)) - ((حِقْوَيْهِ)).
قوله: (سمع وَجْبَة) بفتح الواو وسكون الجيم بمعنى السَّقْطَة، والمراد هنا صوت سقوط
شيء. قال القرطبي: خرقت لهم العادة في أن سمعوا ما مُنِعَه غيرهم.
قوله: (يحدث عن سمرة) يعني: ابن جندب ◌ُّه، وحديثه هذا أيضاً من أفراد مسلم،
وأخرجه أحمد في مسنده (٥: ١٨).
قوله: (تأخذه إلى حجزته) بضم الحاء وسكون الجيم، وهي معقد الإزار، ويسمّى (الحقو)
أيضاً، وقد ذكر بعد رواية واحدة.
٣٣ - (٠٠٠) - قوله: (إلى ترقُوَتِه) بفتح التاء الأولى وضم القاف وفتح الواو، هي العظم
الذي بين ثغرة النحر والعاتق، وهما ترقوتان.