Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَكت لترفع الملام
?
تأليفُ
ء
محمّدٌ مِفِي الْمُثْمَانِى
مُراجَعَة وتَقيقُ وتَكَمَة
يَحْمُودٌ شَاكِرُ
كتاب التوبة
كتاب صفات المنافقين وأحكامهم
كتاب صفة القيامة والجنة والنار
كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها
كتاب الفتن وأشراط الساعة - كتاب الزهد والرقائق
كتاب التفسير
الجزء السادس
دَارُ ابِيَاء الَابْ العَرَبي
بَيروت - لبنان

جميع الحقوق محفوظة للناشر
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار إحياء التراث العربي
بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو
مجزءاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على
إسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً.
Copyright @
All rights reserved
All rights of this publication are reserved exclusively to DAR
EHIA AL -TOURATH AL-ARABI Beirut - Lebanon. No part of
this publication may be translated, reproduced, photocopied, pho-
tagraphed, taped on audio cassettes, or stored in a data base or
saved on a retrievable system distributed in any form or by any
means, without the prior written permission of the publisher.
الطبعة الأولى
1426 هـ - 2006 م
دار إحياء التراث العربي
بيروت - لبنان
بيروت - لبنان - بناية كليوبترا - شارع دكاش
ص.ب: 11/7957 الرمز البريدي: 2250 1107
هاتف: 540000 - 544440 فاكس: 850717
Beirut - Liban - Imm Kileopatra - Rue Dakkache
P.O.Box 11\7957 Postal Code 1107 2250
Tel.Off: 544440 - 540000 Fax: 850717

0
كتاب: التوبة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَى الرَّحَيَةِ
٤٩ - كتاب: التوبة
(١) - باب: في الحض على التوبة والفرح بها
٦٨٨٧ - (١) حدّثني سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا حَفْصٍُ بْنُ مَيْسَرَةَ. حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ
أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((قَالَ اللَّهُ
عَزَّ وَجَلَّ : أَنَا عِنْدَ ظَنْ غِّبْدِي بِي. وَأَنَا مَعَهُ حَيْثُ يَذْكُرُنِي. وَاللَّهِ، للَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ
كتاب: التوبة
(١) - باب: في الحضّ على التوبة والفرح بها
١ - (٢٦٧٥) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في التوحيد، باب ذكر
النبي ◌َ﴾ وروايته عن ربه (٧٥٣٧)، والترمذي في الدعوات، باب حسن الظنّ بالله (٣٥٩٨)،
وابن ماجه في الآداب، باب فضل العمل (٣٨٦٧)، وقد مرّ طرف منه في أول كتاب الذكر.
قوله: (أنا عند ظنّ عبدي بي) قد مرّ تفسيره مبسوطاً في أول كتاب الذكر والدعاء.
قوله: (للّهُ أفرح بتوبة عبده) قال الخطابي: ((معنى الحديث أن الله أرضى بالتوبة وأقبل له.
والفرح الذي يتعارفه الناس بينهم غير جائز على الله)) وقال ابن العربي: ((كل صفة تقتضي التغير
لا يجوز أن يوصف الله بحقيقتها، فإن ورد شيء من ذلك حُمل على معنى يليق به. وقد يعبّر عن
الشيء بسببه أو ثمرته الحاصلة عنه، فإن من فرح بشيء جاد لفاعله بما سأل وبذل له ما طلب.
فعبر عن عطاء الباري وواسع كرمه بالفرح)) وقال القرطبي في المفهم: ((هذا مَثَلٌ قصد به بيان
سرعة قبول الله توبة عبده التائب، وأنه يُقبل عليه بمغفرته ويعامله معاملة من يفرح بعمله)).
أما التوبة، فمعناها في اللغة: الرجوع. وهو في اصطلاح الشريعة: ((ترك الذنب، والندم
على فعله، والعزم على عدم العود، وردّ المظلمة إن كانت، أو طلب البراءة من صاحبها، وأداء
ما ضيّع من الفرائض)) وزاد ابن المبارك رحمه الله: ((وأن يعمد إلى البدن الذي ربّاه بالسّحت
فيذيبه بالهمّ والحزن حتى ينشأ له لحم طيب، وأن يذيق نفسه ألم الطّاعة كما أذاقها لذة المعصية))
ولا شكّ أنه ليس داخلاً في مفهوم التوبة، ولكنه من جملة المكمّلات التي يأتي بها المتّقون
المحسنون كنتيجة طبيعية للندم الذي حصل لهم على ارتكاب الذنوب. وقد ذكر الباقلاني رحمه

٦
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَحَدِكُمْ يَجِدُ ضَالَّتَهُ بِالْفَلاَةِ. وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ شِبْراً، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً. وَمَنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعاً،
تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعاً. وَإِذَا أَقْبَلَ إِلَيَّ يَمْشِي، أَقْبَلْتُ إِلَيْهِ أُهَزْوِلُ)).
٦٨٨٨ - (٢) حدّثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ الْفَعْنَبِيُّ. حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ (يَعْنِي
ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الحِزَامِيَّ)، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَله: (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ، مِنْ أَحَدِكُمْ بِضَالَّتِهِ، إِذَا وَجَدَهَا)).
٦٨٨٩ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
هَمَّامِ بْنِ مُنَيِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ نَِّ. بِمِّعْنَاهُ.
٦٨٩٠ - (٣) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ - وَاللَّفْظُ لِعُثْمَانَ -
(قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا) جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ،
عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ أَعُودُهُ وَهُوَ مَرِيضٌ. فَحَدَّثَنَا
بِحَدِيثَيْنِ: حَدِيثاً عَنْ نَفْسِهِ وَحَدِيثاً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ
يَقُولُ: (لَلَّهُ أَشَدُ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ، مِنْ رَجُلٍ فِي أَرْضِ دَوْيَّةٍ مَهْلِكَةٍ. مَعَهُ رَاحِلَتُهُ.
الله أن من شرائط قبول التوبة أن لا يعود إلى الذنب، ولو عاد إليه تبيّن أن توبته باطلة. ولكن ردّ
عليه الحافظ في الفتح (١١: ١٠٤)، فإنه مخالف لحديث أبي بكر الصديق رضيالله. رفعه: ((ما
أصرّ من استغفر، ولو عاد في اليوم سبعين مرة)) أخرجه أبو داود والترمذي. وكذلك سيأتي في
باب قبول التوبة من الذنوب حديث أبي هريرة، وهو يدل على أن التوبة تقبل وإن تكررت
الذنوب.
قوله: (أقبلت إليه أهرول) أي: أسعى. وقد مرّ شرح هذه القطعة من الحديث في أوائل
كتاب الذكر.
٣ - (٠٠٠) - قوله: (دخلت على عبد الله) يعنى ابن مسعود نظُله، وهذا الحديث أخرجه
البخاري في الدعوات، باب التوبة (٦٣٠٨)، والترمذي في صفة القيامة، باب المؤمن يرى ذنبه
كالجبل (٢٤٩٩ و ٢٥٠٠).
قوله: (في أرض دَوِّيَّةٍ) بفتح الدال وتشديد الواو والياء، وهي الأرض القفر والفلاة
الخالية، وهي منسوبة إلى الدوّ، وهي البرية التي لا نبات بها، وسيأتي في رواية أبي بكر بن أبي
شيبة (داويّة) بالألف بعد الدال وتخفيف الواو وتشديد الياء، وهي لغة في (الدّوّية) على إبدال
إحدى الواوين ألفاً، كما قيل في النسب إلى طيّ (طائي). وأما المهلكة، بفتح اللام وكسرها،
فهي موضع خوف الهلاك.
ولم يذكر مسلم حديث عبد الله عن نفسه، وذكره البخاري والترمذي، وهو قوله: (المؤمن

٧
كتاب: التوبة
عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ. فَتَامَ فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ. فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ. ثُمَّ قَالَ:
أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ. فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ. فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ.
فَاسْتَنْقَظَ وَعِنْدَهُ رَاحِلَتْهُ وَعَلَيْهَا زَادُهُ وَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ. فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ
هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ)) .
٦٨٩١ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ قُطْبَةَ بْنِ
عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: (مِنْ رَجُلٍ بِدَاوِيَّةٍ مِنَ الأَرْضِ)).
٦٨٩٢ - (٤) وحدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ،
حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ عُمَيْرٍ. قَالَ: سَمِعْتُ الْحَارِثَ بْنَ سُوَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ حَدِيثَيْنِ:
أَحَدُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ وَالآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ. فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (لَلَّهُ أَشَدُّ
فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ)). بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ .
٦٨٩٣ - (٥) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا أَبُو يُونُسَ، عَنْ
سِمَاكٍ قَالَ: خَطَبَ الُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ فَقَالَ: (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحِاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ حَمَلَ زَادَهُ
وَمَزَادَهُ عَلَى بَعِيرٍ. ثُمَّ سَارَ حَتَّى كَانَ بِفَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ، فَأَدْرَكَتْهُ الْقَائِلَةُ. فَنَزَلَ فَقَالَ تَحْتَ
شَجَرَةٍ. فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ. وَاتْسَلَّ بَعِيرُهُ. فَاسْتَنْقَظَ فَسَعَى شَرَفاً فَلَمْ يَرَ شَيْئاً، ثُمَّ سَعَى شَرَفاً ثَانِياً
فَلَمْ يَرَ شَيْئاً. ثُمَّ سَعَى شَرَفاً ثَالِثاً فَلَمْ يَرَ شَيْئاً. فَأَقْبَلَ حَتَّى أَتَى مَكَانَهُ الَّذِي قَالَ فِيهِ. فَبَيْنَمَا
هُوَ قَاعِدٌ إِذْ جَاءَهُ بَعِيرُهُ يَمْشِي. حَتَّى وَضَعَ خِطَامَهُ فِي يَدِهِ. فَلَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْيَةِ الْعَبْدِ، مِنْ
هَذَا حِينَ وَجَدَ بَعِيرَهُ عَلَى حَالِهِ)).
يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الكافر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه،
فقال به هكذا)).
٥ - (٢٧٤٥) - قوله: (خطب التّعمان بن بشير) هذا الحديث موقوف على النعمان بن بشير
برواية سماك، ومرفوع من رواية الشعبي ولم يخرجه أحد من الأئمة الستة سوى المصنف رحمه
الله تعالى. وكأن النعمان بن بشير ثها سمع هذا الحديث المرفوع، فرواه إلى سماك دون أن
ينسبه إلى رسول الله شير، كما كان كثير من الصحابة والتابعين يفعلون ذلك، ورواه إلى الشعبي
مرفوعاً .
قوله: (زاده ومزاده) هو اسم جنس للمزادة، وهي القربة العظيمة، سميت بذلك لأنه يزاد
فيها من جلد آخر .
قوله: (فسعى شرفاً) الشرف: المكان المرتفع.

٨
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ سِمَاكٌ: فَزَعَمَ الشَّعْبِيُّ؛ أَنَّ النُّعْمَانَ رَفَعَ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ وَِّ. وَأَمَّا أَنَا
فَلَمْ أَسْمَعْهُ .
٦٨٩٤ - (٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَجَعْفَرُ بْنُ حُمَيْدٍ. (قَالَ جَعْفَرٌ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ
يَحْيَى: أَخْبَرَنَا) عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إِيَادِ بْنِ لَقِيطِ، عَنْ إِيَادٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((كَيْفَ تَقُولُونَ بِفَرَحِ رَجُلِ انْفَلْتَتْ مِنْهُ رَاحِلَتُهُ. تَجُرُّ زِمَامَهَا بِأَرْضٍ قَفْرٍ لَّيْسَ
بِهَا طَعَامٌ، وَلاَ شَرَابٌ. وَعَلَيْهَا لَّهُ طَّعَامٌ وَشَرَابٌ. فَطَلَبَهَا حَتَّى شَقَّ عَلَيْهِ. ثُمَّ مَّرَّتْ بِجِذْلٍ
شَجَرَةٍ فَتَعَلَّقَ زِمَامُهَا. فَوَجَدَهَا مُتَعَلْقَةً بِهِ؟)) قُلْنَا: شَدِيداً يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَمَا، وَاللَّهِ، لَلَّهُ أَشَدُ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ، مِنَ الرَّجُلِ بِرَاحِلَتِهِ)).
قَالَ جَعْفَرٌ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ إِيَادٍ، عَنْ أَبِيهِ.
٦٨٩٥ - (٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ
يُونُسَ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ. حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ
مَالِكٍ، وَهُوَ عَمُّهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِّهِ: (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ،
مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضٍ فَلاَةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ. وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ. فَأَيِسَ مِنْهَا.
فَأَتَى شَجَرَةً. فَاضْطَجَعَ فِي ظِلْهَا. قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ. فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَةً
عِنْدَهُ. فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا. ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةٍ
الْفَرَح».
٦٨٩٦ - (٨) حدّثنا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ
مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِهِ قَالَ: (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ إِذَا اسْتَيْقَظَ عَلَىَ
بَعِيرِهِ، قَدْ أَضَلَّهُ بِأَرْضٍ فَلاَةٍ» .
٦ - (٢٧٤٦) - قوله: (عن البراء بن عازب) هذا الحديث أيضاً مما تفرد المصنف
بإخراجه .
قوله: (بجذل شجرة) بكسر الجيم وفتحها، وهو أصل الشجرة القائم.
قوله: (قلنا: شديداً) أي: سيفرح فرحاً شديداً.
٧ - (٢٧٤٧) - قوله: (حدثنا أنس بن مالك) هذا الحديث أيضاً من تفردات المصنف
رحمه الله.
قوله: (أخطأ من شدة الفرح) يعني: كان يريد أن يقول: أنت ربّي وأنا عبدك، فعكس
الأمر. وفيه دليل على أن مثل هذا الخطأ لا مؤاخذة عليه.

٩
كتاب: التوبة
وحدّثنيه أَحْمَدُ الدَّارِمِيُّ. حَدَّثَنَا حَبَّانُ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. حَدَّثَنَا قَتَادَةُ. حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ
مَالِكِ، عَنِ النَّبِّ ◌َّهِ، بِمِثْلِهِ.
(٢) - باب: سقوط الذنوب بالاستغفار، توبة
٦٨٩٧ - (٩) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، قَاصِ
عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي صِرْمَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ؛ أَنَّهُ قَالَ، حِينَ حَضَرَتَهُ الْوَفَّةُ: كُنْتُ
كَتَمْتُ عَنْكُمْ شَيْئاً سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَ لَّـ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَه يَقُولُ: ((لَوْلاَ أَنَّكُمْ
تُذْنِبُونَ لَخَلَقَ اللَّهُ خَلْقاً يُذْنِبُونَ، يَغْفِرُ لَهُمْ)).
٦٨٩٨ - (١٠) حدّثنا هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. حَدَّثَنِي عِيَاضٌ،
(وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفِهْرِيُّ)، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ كَعْبٍ
الْقُرَظِيِّ، عَنْ أَبِي صِرْمَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((لَوْ
أَنَّكُمْ لَمْ تَكُنْ لَكُمْ ذُنُوبٌ، يَغْفِرُهَا اللَّهُ لَكُمْ، لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْم لَهُمْ ذُنُوبٌ، يَغْفِرُهَا لَهُمْ)).
٦٨٩٩ - (١١) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
جَعْفَرِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ، عَنَّ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ:
(٢) - باب: سقوط الذنب بالاستغفار توبة
٩ - (٢٧٤٨) - قوله: (قاصّ عمر بن عبد العزيز) القاصّ: الواعظ، لأنه يذكر قصصاً
للاعتبار.
قوله: (عن أبي أيوب) هذا الحديث أخرجه أيضاً الترمذي في الدعوات، (باب: ١٠٥ ،
حديث : ٣٥٣٣).
قوله: (كنت كتمت عنكم شيئاً) وإنما كتم الحديث مخافة أن يجترىء الناس على
المعاصي، ولكن حدث به عند وفاته لئلا يكون كاتماً للعلم، وربما لم يكن أحد يحفظه غيره،
فتعين عليه أداؤه.
قوله: (يغفر لهم) أي: باستغفارهم على ما هو الأصل، وفيه تسلية للمذنبين النادمين بأن
استغفارهم وتوبتهم تمحو السيئات، ومعنى الحديث واضح، لأن الله سبحانه خلق هذا الخلق بما
فيه من خير وشرّ لحِكَم هو أعلم بها، فخلق الذنوب فيه حكمة، كما أن خلق الحسنات فيه
حكمة. ولا ينبغي أن يجترىء به الإنسان على الذنوب، لأن الله سبحانه حرّمها صراحة، ولكن
لا يقنط من رحمة الله إذا فرط منه شيء منها، لأن الاستغفار كفّارة له.
١١ - (٢٧٤٩) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث لم يخرجه أحد من الأئمة الستة غير
المصنف رحمه الله .

١٠
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ،
فَيَغْفِرُ لَهُمْ)) .
(٣) - باب: فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة، والمراقبة،
وجواز ترك ذلك في بعض الأوقات، والاشتغال بالدنيا
٦٩٠٠ - (١٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّيْمِيُّ وَقَطَنُ بْنُ نُسَيْرٍ، (واللَّفْظُ لِيَحْيَى)،
أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِيَاسِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ
حَنْظَلَةَ الأُسَيِّدِيِّ قَالَ: (وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴾ قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: كَيْفَ
أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَّةُ. قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكونُ
عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ وَيهِ. يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ. حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ
رَسُولِ اللَّهِ وَلهَ، عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ. فَنَسِينَا كَثِيراً. قَالَ أَبُو بَكْرٍ:
(٣) - باب: فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة إلخ
١٢ - (٢٧٥٠) - قوله: (وقَطَن بن نُسير) بفتح القاف والطاء، واسم أبيه مصغر بضم النون،
هو أبو عباد الغبري البصري أخرج له مسلم وأبو داود والترمذي وذكره ابن حبان في الثقات،
وكان أبو زرعة يحمل عليه، وذكر أنه روى أحاديث عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس مما
أنكر عليه. وقال ابن عدي: كان يسرق الحديث ويوصله، ولكن أخرج له مسلم هنا مقروناً
بيحيى ابن يحيى، فهذا الإسناد لا غبار عليه.
قوله: (عن حنظلة الأسَيْدِيّ) بضم الهمزة مصغراً، اسمه حنظلة بن الربيع بن صيفي، ويقال
له حنظلة الكاتب أيضاً، لأنه كان من كتّاب النبيّ وَّلّ، وهو ابن أخي أكثم بن صيفيّ حكيم
العرب، وأرسله النبيّ وَّل إلى أهل الطائف، وشهد القادسية ونزل الكوفة، واعتزل الفتنة فيما بين
عليّ ومعاوية رضيّ ونزل قرقيسياد حتى توفي في خلافة معاوية رَظُبه، ويقال: إن الجنّ رثته بعد
موته، وفي موته تقول امرأته في أبيات:
إن سواد العين أودى به
حزني على حنظلة الكاتب
وحديثه أخرجه أيضاً الترمذي في صفة القيامة، باب، ولكن يا حنظلة إلخ (٢٥١٦).
قوله: (حتى كأنّا رأي عين) قال القاضي: ((ضبطناه بالضمّ، أي: كأنّا بحال من يراها
بعينه. ويصح النصب على المصدر، أي: يراها رأي عين)) والحاصل أنّنا نستحضر الجنة والنّار
نراها بأعيننا .
قوله: (عافسنا الأزواج) المعافسة: المعالجة والمخالطة، يعني أنهم إذا خرجوا من عند
رسول الله لر اشتغلوا بالأزواج والأولاد والضيعات، وتركوا تلك الحالة الشريفة التي كانوا

١١
كتاب: التوبة
فَوَ اللَّهِ، إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهُ .
قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ. يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((وَمَا ذَاكَ؟)) قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَكُونُ عِنْدَكَ. تُذَكْرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ، حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ. فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ
عِنْدِكَ، عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلاَدَ وَالضَّيْعَاتِ. نَسِينَا كَثِيراً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((وَالَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي، وَفِي الذِّكْرٍ، لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ عَلَى
قُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ. وَلَكِنْ، يَا حَنْظَلَةُ، سَاعَةً وَسَاعَةً)) ثَلاَثَ مَرَّاتٍ.
٦٩٠١ - (١٣) حدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ. سَمِعْتُ أَبِي
يُحَدِّثُ. حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ حَنْظَلَةَ. قَالَ: كُنَّا عِنْدَ
رَسُولِ اللَّهِ وَثَ. فَوَعَظَنَا فَذَكَّرَ النَّارَ. قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ إِلَى الْبَيْتِ فَضَاحَكْتُ الصِّبْيَانَ
وَلاَ عَبْتُ الْمَرْأَةَ. قَالَ: فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: وَأَنَا قَدْ فَعَلْتُ
مِثْلَ مَا تَذْكُرُ. فَلَقِينَا رَسُولَ اللّهِ وَِّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَافَقَ حَنْظَلَةُ! فَقَالَ: ((مَهْ))
فَحَدَّثْتُهُ بِالْحَدِيثِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَأَنَا قَدْ فَعَلْتُ مِثْلَ مَا فَعَلَ. فَقَالَ: ((يَا حَنْظَلَةُ، سَاعَةً
وَسَاعَةً. وَلَوْ كَانَتْ تَكُونُ قُلُوبُكُمْ كَمَا تَكُونُ عِنْدَ الذِّكْرِ. لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلاَئِكَةُ. حَتَّى تُسَلَّمَ
عَلَيْكُمْ فِي الطُّرُقِ)) .
عليها بمحضر من رسول الله ( 8﴿ وفقدوا ذلك الاستحضار. وظنّ حنظلة ربه أن هذا الفرق بين
الحالتين شعبة من النفاق.
ورواه الخطابي (عانسنا) بالنون بدلاً من الفاء ومعناه الملاعبة. ورواه ابن قتيبة (عانشنا)
بالنون والشين، ومعناه: المعانقة، والأول هو المعروف، وهو أعم.
قوله: (والضّعات) جمع ضَيْعة، بفتح الضاد، وهي العقار والأرض كما في القاموس،
وربما تستعار لمعاش الرجل من مال أو حرفة أو صناعة.
قوله: (لصافحتكم الملائكة على فرشكم) يعني: كنتم حينئذ أفضل من الملائكة لاستدامة
الذكر بالرغم من دواعي النسيان، فإن الملائكة وإن كانوا يداومون الذكر، ولكنهم بمعزل عن
دواعي الغفلة والنسيان. وذكر القرطبي رحمه الله تعالى أن الله سبحانه خلق الإنسان متوسطاً بين
الملائكة والشياطين، فالملائكة يسبّحون الليل والنهار لا يفترون، والشياطين في شر وإغواء لا
يألون في ذلك، أما الإنسان، فإن الله سبحانه جعله متلوّناً، فله ساعات يذكر فيها ربه وساعات
يقضي فيها حوائجه.
قوله: (ساعة وساعة) يعني: تستحضر الجنة والنار وتذكر ربك ساعة، وتشغل بحوائجك
في ساعة أخرى. وهذا لا محظور فيه شرعاً ما لم يرتكب المرء معصية.

١٢
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٦٩٠٢ - (٠٠٠) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،
عَنْ سَعِيدِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ حَنْظَلَةَ التَّمِيمِيِّ الأُسَيِّدِيِّ الكَاتِبِ. قَالَ:
كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ وَِّ. فَذَكَّرَنَا الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمَا.
(٤) باب في سعة رحمة الله تعالى، وأنها سبقت غضبه
٦٩:٣ - (١٤) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، (يَعْنِي الْحِزَامِيَّ)، عَنْ أَبِي
الزِّنَادِ، عنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، كَتَبَ فِي
كِتَابِهِ، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوَقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي)) .
ودل الحديث على أن كيفية الاستحضار الدائم والاستغراق في ذكر الله تعالى وإن كانت
محمودة، ولكنها غير مقصودة، والمقصود أن يباشر الإنسان أعمالاً صالحة، ويجتنب عن
الحرام، وعلى أن الالتفات إلى حوائج الإنسان في معاشه ليس من النفاق، بل لو توجّه إليه بنية
أداء الحقوق وتنشيط النفس للأعمال الصالحة، صار هذا الالتفات داخلاً في ذكر الله تعالى.
ولهذا قالوا: كل مطيع لله فهو ذاكر.
(٤) - باب: في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه
١٤ - (٢٧٥١) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب
ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ (٣١٩٤)، وفي التوحيد، باب قول
الله تعالى: ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٧٤٠٤)، وباب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ﴾ (٧٤٢٢)، وباب
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِثْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ﴿﴾ (٧٤٣٥)، وباب قول الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُزْءَانٌ
(٣)﴾ (٧٥٥٣ و٧٥٥٤)، وأخرجه ابن ماجه في الزهد، باب ما يرجى من
تَجِيدٌ ﴾ فِ لَّوْحٍ تَحْفُوظِ
رحمة الله يوم القيامة (٤٣٤٩).
قوله: (فهو عنده فوق العرش) قيل: معناه دون العرش، وهو كقوله تعالى: ﴿بَعُوضَةٌ فَمَا
فَوْقَهَا﴾. والحامل على هذا التأويل استبعاد أن يكون شيء من المخلوقات فوق العرش، ولا
محذور في إجراء ذلك على ظاهره، لأن العرش خلق من خلق الله تعالى. ويحتمل أن يكون
المراد بقوله: (فهو عنده) أي: ذكره أو علمه، فلا تكون العندية مكانية، بل هي إشارة إلى كمال
كونه مخفياً عن الخلق، مرفوعاً عن حيّز إدراكهم. كذا في فتح الباري (٦: ٢٩١).
قوله: (إن رحمتي تغلب غضبي) وفي الرواية الآتية: قال الله عز وجل: ((سبقت رحمتي
غضبي)). قال النووي: ((قال العلماء: غضب الله ورضاه يرجعان إلى معنى الإرادة. فإرادته الإثابة
للمطيع ومنفعة العبد تسمى رضا ورحمة، وإرادته عقاب العاصي وخذلانه تسمى غضباً)) وذكر
الحافظ في الفتح أن السبق والغلبة باعتبار التعلق، أي: الرحمة غالب سابق على تعلق الغضب،

١٣
كتاب: التوبة
٦٩٠٤ - (١٥) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّي ◌َّرَ: ((قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلّ: سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي)).
٦٩٠٥ - (١٦) حدّثنا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم. أَخْبَرَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ، عَنْ أَبِي هُرِّيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَالَ: «لَمَّا قَضَى
اللَّهُ الْخَلْقَ، كَتَبَ فِي كِتَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ، فَهُوَ مَوْضُوعٌ عِنْدَهُ: إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي)) .
٦٩٠٦ - (١٧) حدّثنا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التُّجِيبِيُّ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ
يَقُولُ: ((جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ. وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءاً
وَاحِداً. فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلاَئِقُ. حَتَّى تَرْفَعَ الذَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا، خَشْيَةَ أَنْ
تُصِيبَهُ)).
لأن الرحمة مقتضى ذاته المقدسة، وأما الغضب فإنه متوقف على سابقة عمل من العبد الحادث.
وقيل: معنى الغلبة: الكثرة والشمول. وقال الطيبي: في سبق الرحمة إشارة إلى أن قسط الخلق
منها أكثر من قسطهم من الغضب، وأنها تنالهم من غير استحقاق، وأن الغضب لا ينالهم إلا
باستحقاق. فالرحمة تشمل الشخص جنيناً ورضيعاً وفطيماً وناشئاً قبل أن يصدر منه شيء من
الطاعة، ولا يلحقه الغضب إلا بعد أن يصدر عنه ذنب.
١٧ - (٢٧٥٢) - قوله: (أن أبا هريرة قال) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأدب، باب
جعل الله الرحمة في مائة جزء (٦٠٠٠)، وفي الرقاق، باب الرجاء مع الخوف (٦٤٦٩)،
وأخرجه الترمذي في الدعوات باب (١٠٧ و١٠٨) حديث (٣٥٣٥ و٣٥٣٦)، وابن ماجه في
الزهد، باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة (٤٣٤٧).
قوله: (مائة جزء) ذهب الكرماني إلى أن ذكر المائة إنما جرى على سبيل التمثيل تسهيلاً
للفهم وتقليلاً لما عند الخلق وتكثيراً لما عند الله سبحانه، وإلا فرحمة الله تعالى غير متناهية.
وذكر المهلّب ما يفيد أن الرحمة رحمتان: رحمة من صفة الذات وهي لا تتعدد ولا تتجزأ،
ورحمة من صفة الفعل، وهي المشار إليها ههنا. وقال القرطبي: ((مقتضى هذا الحديث أن الله
علم أن أنواع النعم التي ينعم بها على خلقه مائة نوع، فأنعم عليهم في هذه الدنيا بنوع واحد
انتظمت به مصالحهم وحصلت به مرافقهم. فإذا كان يوم القيامة كمل لعباده المؤمنين ما بقي،
فبلغت مائة، وكلها للمؤمنين. وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب،
آية: ٤٣]، فإن (رحيما) من أبنية المبالغة التي لا شيء فوقها، ويفهم من هذا أن الكفار لا يبقى
لهم حظّ من الرحمة، لا من جنس رحمات الدنيا ولا من غيرها إذا كمل كل ما كان في علم الله

١٤
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٦٩٠٧ - (١٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ،
(يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ)، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَّهِ قَالَ: ((خَلَقَ
اللَّهُ مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَوَضَعَ وَاحِدَةً بَيْنَ خَلْقِهِ، وَخَبَأَ عِنْدَهُ مِائَةً، إِلاَّ وَاحِدَةً) .
٦٩٠٨ - (١٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ،
عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّي ◌َّرَ قَالَ: ((إِنَّ لِلّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ. أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً
بَيْنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامُ. فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ. وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ. وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَخْشُ
عَلَى وَلَدِهَا. وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعَاً وَتِسْعِينَ رَحْمَةً. يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
٦٩٠٩ - (٢٠) حدّثني الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى. حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ
التَّيْمِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلَه: ((إِنَّ
لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ. فَمِنْهَا رَحْمَةٌ بِهَا يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ بَيْتَهُمْ، وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ)) .
٦٩١٠ - (٠٠٠) وحدّثناه مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى. حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ.
٦٩١١ - (٢١) حدّثنا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي
عُثْمَانَ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَله: ((إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ، يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضَ، مِائَةَ رَحْمَةٍ. كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَجَعَلَّ مِنْهَا فِي الأَرْضِ
رَحْمَةَ. فَبِهَا تَعْطِفُ الْوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا. وَالْوَخْشُ وَالطَّيْرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ
الْقِيَامَةِ، أَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ)).
من الرحمات للمؤمنين، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَثَّقُونَ﴾ [الأعراف، آية: ١٥٦]
الآية)) وراجع فتح الباري (١٠: ٤٣٣) للتفصيل.
١٨ - (٠٠٠) - قوله: (وخبأ عنده) أي: أخفاها عن الأعين.
٢٠ - (٢٧٥٣) - قوله: (عن سلمان الفارسيّ) هذا الحديث تفرد بإخراجه المصنف من بين
الأئمة الستة.
٢١ - (٠٠٠) - قوله: (طباق ما بين السماء والأرض) أي ملؤه. و (طباق) منصوب على
الحالية، والتقدير (خلقها طباق إلخ) ويجوز فيه الرفع، على أنه خبر مبتدؤه: كل رحمة.
قوله: (فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة) قال الحافظ: ((فيه إشارة إلى أن الرحمة
التي في الدنيا بين الخلق تكون فيهم يوم القيامة يتراحمون بها أيضاً. وصرح بذلك المهلب

١٥
كتاب: التوبة
٦٩١٢ - (٢٢) حدّثني الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ التَّمِيمِيُّ،
(وَاللَّفْظُ لِحَسَنِ)، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ. حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ. حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمّ، عَنْ أَبِهِ،
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؛ أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ وَهَ بِسَبْي. فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْي،
تَبْتَغِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْي، أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِّهَا وَأَرْضَعَتْهُ. فَقَالَ لَّنَا
رَسُولُ اللَّهِ وَّله: «أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَزْأَةَ طَّارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟)) قُلْنَا: لاَ، وَاللَّهِ، وَهِيَ تَقْدِرُ
عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا)) .
٦٩١٣ - (٢٣) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. جَمِيعاً عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ
جَعْفَرٍ. قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنِي الْعَلَاَءُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ
رَسُولَّ اللَّهِ وَلَ قَالَ: ((لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ، مَا طَمِعَ بِجَنَتِهِ أَحَدٌ. وَلَوْ
فقال: الرحمة التي خلقها الله لعباده وجعلها في نفوسهم في الدنيا هي التي يتغافرون بها يوم
القيامة التبعات بينهم. قال: ويجوز أن يستعمل الله تلك الرحمة فيهم فيرحمهم بها سوى رحمته
التي وسعت كل شيء، وهي التي من صفة ذاته ولم يزل موصوفاً بها، فهي التي يرحمهم بها
زائداً على الرحمة التي خلقها لهم)).
٢٢ - (٢٧٥٤) - قوله: (عن عمر بن الخطاب) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأدب،
باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته (٥٩٩٩).
قوله: (فإذا امرأة من السّبي تبتغي) أي: تطلب ابنها. وكانت من سبي هوازن كما صرح به
الحافظ في الفتح (١٠: ٤٣٠) ووقع في بعض روايات البخاري (٩) وهو أوضح وفي بعضها
(تحلب ثديها تسقي) .
قوله: (وأرضعته) وكانت فقدت صبيها وتضررت باجتماع اللبن في ثديها، فكانت إذا
وجدت صبيّاً أرضعته ليخف عنها، أو كانت لا تصبر عن ولدها، فكلما وجدت صبيّاً حملته
لتسّي نفسها به.
قوله: (للّهُ أرحم بعباده) أي: المؤمنين منهم، والمعروف في القرآن الكريم أن الله سبحانه
حينما يضيف (عبد) أو (عباد) إلى نفسه بدون واسطة اللام، فالمراد: العباد المؤمنون، وحيث
يضيف إلى نفسه بواسطة اللام فيدخل فيه الكفار أيضاً، كما في قوله تعالى: ﴿بَعَثْنَا عَلَيَكُمْ عِبَادًا
أَّنَآَ أُوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء، آية: ٥].
٢٣ - (٢٧٥٥) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه الترمذي في الدعوات، باب
عظم العقوبة وعظم الرجاء (٣٥٣٦). والحديث واضح المعنى، والمقصود منه أن يجمع الإنسان
بين الخوف والرجاء.

١٦
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ، مَا قَنَطَ مِنْ جَنَتِهِ أَحَدٌ)).
٦٩١٤ - (٢٤) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقِ ابْنِ بِنْتِ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ. حَدَّثَنَا رَوْحٌ،
حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((قَالَ
رَجُلٌ، لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطْ، لأَهْلِهِ: إِذَا مَّاتَ فَحَرَّقُوهُ. ثُمَّ اذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي
الْبَحْرِ. فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذْبَنَّهُ عَذَاباً لاَ يُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ. فَلَمَّا مَاتِ الرَّجُلُ
٢٤ - (٢٧٥٦) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأنبياء، باب ما
ذكر عن بني إسرائيل (٣٤٨١)، وفي التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَمَ اللَّهِ﴾
(٧٥٠٦)، وأخرجه أيضاً عن حذيفة وأبي سعيد رضيًّا في باب ما ذكر عن بني إسرائيل (٣٤٥٢،
٣٤٧٨ و٣٤٧٩)، وأخرجه النسائي في الجنائز، باب أرواح المؤمنين (٢٠٧٩)، ومالك في جنائز
الموطأ، جامع الجنائز، وابن ماجه في الزهد، باب ذكر التوبة (٤٣٠٩).
قوله: (رجل لم يعمل حسنة قطّ) ذكر الحافظ عن رواية للطبراني أنه كان من بني إسرائيل،
وكان ينبش القبور. وقد صرح عقبة بن عمرو رظنه بكونه نبّاشاً، وذلك في حديثه عند البخاري
في الأنبياء.
قوله: (لأهله) وفي حديث لأبي سعيد الخدريّ رَظُله عند البخاري في الرقاق (٢٤٨١):
((عن النبي ◌َّ- ذكر رجلاً فيمن كان سلف - أو قبلكم - آتاه الله مالاً وولداً - يعني: أعطاه ــ قال:
فلمّا حُضِر قال لبنيه: أيّ أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب. قال: فإنه لم يبتئر عند الله خيراً .
فسّرها قتادة: لم يدّخر - وإن يقدم على الله يعذّبه، فانظروا، فإذا متّ فأحرقوني إلخ)).
قوله: (ثمّ اذروا نصفه في البرّ) يقال: ذرت الريح وأذْرَت الشيءَ: إذا فرّقته بهبوبها .
والمراد: اذروا نصف رمادي في هواء البرّ ونصفه في هواء البحر.
قوله: (فوالله لئن قدر الله عليه) ظاهر هذا الكلام أنه نفي لقدرة الله تعالى، وهو كفر،
والعياذ بالله العلي العظيم، فكيف غفر له؟ وقد أجاب العلماء عن هذا السؤال بطرق مختلفة
نلخصها فيما يلي :
١ - قال بعض العلماء: إن (قدر) ههنا بمعنى (ضيق) كما في قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَن لَّنْ
نَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء، آية: ٨٧] والمعنى: (لئن ضيّق الله عليّ) فليس فيه نفي القدرة، ولكنه جواب
ضعيف عندي، لأن أمره بتحريقه وسحق رماده في البرّ والبحر يدلّ على أنه أراد معنى القدرة،
ويدّل على ذلك أيضاً ما ورد في بعض الروايات أنه قال: (لعلّي أُضِلَّ الله).
٢ - قال بعضهم: إنه لم يجحد قدرة الله تعالى، ولكنه جهل صفة من صفات الله تعالى،
والكفر إنما هو الجحود أمّا جهل صفة من صفات الله تعالى، فليس مستلزماً للكفر كما هو

١٧
كتاب: التوبة
فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ. وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ. ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ
هَذَا؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ. يَا رَبِّ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ)).
٦٩١٥ - (٢٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. (قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ
ابْنُ رَافِع - وَاللَّفْظُ لَهُ -: حَدَّثَنَا) عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ: قَالَ لِي الزُّهْرِيُّ: أَلاَ
أُحَدِّئُكَ بِحَدِيثَيْنِ عَجِيبَيْنِ؟ قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
عَنِ النَّبِيِّ بَّرَ قَالَ: ((أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ فَلَّمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى بَنِيهِ فَقَالَ: إِذَا أَنَا
مُثَّ فَأَخْرِقُوني. ثُمَّ اسْحَقُونِي. ثُمَّ اذْرُونِي فِي الرِّيحِ فِي الْبَحْرِ فَوَاللَّهِ، لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي،
لَيُعَذْبُنِي عَذَاباً مَا عَذَّبَهُ بِهِ أَحَداً. قَالَ: فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ. فَقَالَ لِلْأَرْضِ: أَدِّي مَا أَخَذْتِ. فَإِذا
هُوَ قَائِمٌ. فَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: خَشْيَتُكَ، يَا رَبِّ، - أَوْ قَالَ -
مَخَافَتُكَ، فَغَفَرَ لَهُ بِذَلِكَ)).
م
٦٩١٦ - قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَحَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَ قَالَ:
((دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا. فَلاَ هِيَ أَطْعَمَتْهَا. وَلاَ هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشٍ
الأَرْض. حَتَّى مَاتَتْ هَزْلاً)).
قَالَ الزُّهْرِيُّ: ذَلِكَ، لِئَلاَّ يَتَّكِلَ رَجُلٌ، وَلاَ يَبْأَسَ رَجُلٌ.
مذهب الإمام أبي الحسن الأشعري رحمه الله الذي استقرّ عليه أخيراً، وكان قبل ذلك يؤيد قول
ابن جرير الطبري أن جهل الصفة كفر.
٣ - قالت طائفة: كان هذا الرجل في زمن فترة حين ينفع مجرد التوحيد، ولا تكليف قبل
ورود الشرع على المذهب الصحيح.
٤ - وأحسن الأجوبة عندي أن اللفظ على ظاهره، ولكنه قال ذلك في حال دهشته وغلبة
الخوف عليه حتى ذهب بعقله، ولم يقله قاصداً الحقيقة معناه، بل في حالة كان فيها كالغافل
والذاهل والناسي الذي لا يؤاخذ بما يصدر منه. وهذا ما يسمّيه بعض الصوفية (غلبة الحال). أو
يقال: مثله كمثل رجل ضعيف البنية حمل عليه أسد، فإنه ربما يتّقي بما تيسّر له من الأسباب،
وإن كانت ضعيفة، فإنه يعرف بيقين أن هذه الأسباب لا تنفعه أمام صولة الأسد، ولكنه لغلبة
دهشته يفعل ذلك. وإن شدة خشيته من الله تعالى هي التي سبّبت له المغفرة في المآل.
(٢٦١٩) - قوله: (وحدثني حميد، عن أبي هريرة) قد مرّ هذا الحديث بشرحه وتخريجه في
كتاب قتل الحيّات، باب تحريم قتل الهرّة، وفي البرّ والصلة، باب تحريم تعذيب الهرّة.
والخشاش: هوامّ الأرض.
قوله: (لئلا يتكل رجل ولا ييأس رجل) يعني: أن قصة تعذيب المرأة بسبب الهرّة توجب

١٨
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٦٩١٦ - (٢٦) حدّثني أَبُو الرَّبِيع، سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ.
حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً.
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ يَقُولُ: ((أَسْرَفُ عَبْدٌ عَلَى نَفْسِهِ)). بِنَحْوِ حَدِيثِ مَعْمَرٍ. إِلَى
قَوْلِهِ: (فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ)) .
وَلَمْ يَذْكُرْ حَدِيثَ الْمَرْأَةِ فِي قِصَّةِ الْهِرَّةِ.
وَفِي حَدِيثِ الزُّبَيْدِي قَالَ: ((فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، لِكُلِّ شَيْءٍ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئاً: أَدَّ مَا أَخَذْتَ مِنْهُ)) .
٦٩١٧ - (٢٧) حدّثني عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ
قَتَادَةَ. سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الْغَافِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يُحَدِّثُ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ؛
((أَنَّ رَجُلاً فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. رَاشَهُ اللَّهُ مَالاَ وَوَلَداً .. فَقَالَ لِوَلَدِهِ: لَتَفْعَلُنَّ مَا آمُرُكُمْ بِهِ. أَوْ
لأُوَلِّيَنَّ مِيرَائِي غَيْرَكُمْ. إِذَا أَنَا مُتُ، فَأَخْرِقُونِي، (وَأَكْثَرُ عِلْمِي أَنَّهُ قَالَ): ثُمَّ اسْحَقُونِي.
وَاذْرُونِي فِي الرِّيحِ. فَإِنِّي لَمْ أَبْتَهِرْ عِندَ اللَّهِ خَيْراً، وَإِنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ عَلَيَّ أَنْ يُعَذِّبَنِي، قَالَ: فَأَخَذَ
الحذر من الذنوب، فإن الذنب اليسير ربّما يكفي لتعذيب الإنسان في الآخرة، فهذه القصّة تنفي
الإتكال على الرجاء والغفلة عن الخوف، وأما قصّة الرجل الذي أوصى بتحريقه، فإنّها تنفي
اليأس والقنوط من رحمة الله تعالى، فليكن الإنسان دائراً بين الخوف والرجاء، ولذلك أتبع
الإمام الزهري رحمه الله حديث الرجل بحديث الهرّة، ليستوي الطرفان.
٢٦ - (٢٧٥٦) - قوله: (لكل شيء أخذ منه شيئاً) يعنى: أمر كل شيء أمسك بشيء من
رماد الرجل المسحوق أن يؤدي ما عنده منه .
٢٧ - (٢٧٥٧) - قوله: (سمعت أبا سعيد الخدريّ) هذا الحديث أخرجه البخاري في
الرقّاق، باب الخوف من الله (٦٤٨١)، وفي الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل (٣٤٧٨)،
وفي التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيِدُونَ أَنْ يَُدِّلُوْ كَلَمَ اللَّهِ﴾ (٧٥٠٨).
قوله: (راشه الله مالاً وولداً) أي: أعطاه الله. وفي رواية المعتمر عن أبيه عند البخاري في
الرقاق: (أتاه الله). وقد رواه بعضهم في نسخة مسلم (رأسه) ولكن خطأه القاضي عياض،
وقال: لا وجه له.
قوله: (أو لأوّينّ ميراثي غيركم) إما أن يكون ذلك جائزاً في شريعتهم، أو قال ذلك وهو
لا يعرف الحكم الشرعيّ. والحكم الثابت في شريعتنا أنه لا يجوز لمورث أن يحرم وارثاً من
ورثته .
قوله: (ثم اسحقوني) سحقه، كمنعه: إذا دقّه. وسحقت الريح الأرض: عفّت آثارها .
قوله: (فإنّي لم أبتهر عند الله خيراً) أي: لم أدّخر. وأصله (لم أبتئر) بالهمزة، وقد وقع في

١٩
كتاب : التوبة
مِنْهُمْ مِيثَاقاً. فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ. وَرَبِّي. فَقَالَ اللَّهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: مَخَافَتُكَ.
قَالَ: فَمَا تَلاَفَاهُ غَيْرُهَا)) .
٦٩١٨ - (٢٨) وحدّثناه يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ. حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ:
قَالَ لِي أَبِي: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى.
حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ .
كِلاَهُمَا عَنْ قَتَادَةَ. ذَكَرُوا جَمِيعاً بِإِسْنَادِ شُعْبَةً. نَحْوَ حَدِيثِهِ. وَفِي حَدِيثٍ شَيْبَانَ وَأَبِي
عَوَانَةَ: ((أَنَّ رَجُلاً مِنَ النَّاسِ رَغَسَهُ اللَّهُ مَالاَ وَوَلَدَا))، وَفِي حَدِيثِ التَّيْمِيِّ: ((فَإِنَّهُ لَمْ يَبْتَئِرْ عِنْدَ
اللَّهِ خَيْراً) قَالَ: فَسَّرَهَا قَتَادَةُ: لَمْ يَدَّخِرْ عِنْدَ اللَّهِ خَيْراً، وَفِي حَدِيثٍ شَيْبَانَ: ((فَإِنَّهُ. وَاللَّهِ، مَا
ابْتَأَرَ عِنْدَ اللَّهِ خَيْراً»، وَفِي حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ: ((مَا امْتَأَرَ)) بِالْمِيمِ.
(٥) - باب: قبول التوبة من الذنوب، وإن تكررت الذنوب والتوبة
٦٩١٩ - (٢٩) حدّثني عَبْدُ الأَعَلَى بْنُ حَمَّادٍ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ
إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ
بعض الروايات هكذا بالهمزة ورواية الهاء فيها إبدال الهمزة بالهاء. وقد وقع في بعض الروايات
(لم أبتئز) بالزاي في الأخير، وهو غير صحيح، وأصله من البثيرة بمعنى الذخيرة. قال أهل
اللغة: بأرت الشيء وابتأرته: إذا خبأته. وفي رواية ابن السكن: (لم يأبتر) بتقديم الهمزة، وهو
صحيح أيضاً، وهو بمعنى الأول، وراجع فتح الباري (١١: ٣١٤).
قوله: (ففعلوا ذلك به وربّ) الواو هنا للقسم. أقسم المخبر بهذا الخبر بربّه أنهم فعلوا ما
أمرهم به .
ووقع في رواية المعتمر عند البخاري في التوحيد: ((فأخذ مواثيقهم على ذلك وربّ)» فقدّم
القسم .
قوله: (فما تلافاه غيرها) أي: لم يتدارك سوءَ عمله إلا خشيتهُ لله تعالى، فضمير المؤنث
راجع إلى المخافة .
٢٨ - (٠٠٠) - قوله: (رغسه الله) أي: أكثر له، والرّغْسُ (بفتح الراء وسكون الغين):
النعمة. ورغَسَه الله، من باب فتح، وأرغسه مالاً: أكثر له وبارك فيه.
قوله: (ما امتأر) الميم ههنا مبدلة من الباء، كما في مكّة وبكّة. وقد مرّ تفسير الابتثار.
(٥) - باب: قبول التوبة من الذنوب، وإن تكررت الذنوب والتوبة
٢٩ - (٢٧٥٨) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في التوحيد، باب

٢٠
الجزء السادس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
النَّبِيِّ وَّةِ، فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: ((أَذْتَبَ عَبْدٌ ذَنْباً. فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي
ذَنْبِي. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْباً، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبَّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّتْبِ.
ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ. فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْباً. فَعَلِمَ
أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّتْبَ، وَيَأْخُذُ بِالَّذِئْبِ. ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ، اغْفِرْ لِي ذَنْبِي. فَقَال
تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْتَبَ عَبْدِي ذَنْباً. فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبَّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بَالذَّنَبِ اعْمَلْ مَا شِئْتَ
فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ)).
قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَُدِّلُواْ كَمَ اللَّهِ﴾ (٧٥٠٧)، وسند مسلم في هذا الحديث أعلى من
سند البخاري.
قوله: (ويأخذ بالذنب) أي: يعاقب فاعله. وزاد البخاري: (غفرت لعبدي).
قوله: (ثمّ عاد فأذنب) وفي رواية البخاري: ((ثم مكث ما شاء الله، ثم أصاب ذنباً)).
قوله: (اعمل ما شئت فقد غفرت لك) معناه: ما دمت تذنب ثم تتوب غفرت لك. وقد
فسّر العلماء هذا الحديث بطريقين :
الأول: أن من أذنب ذنباً وتاب منه توبة خالصة، وكان في عزمه إذ ذاك أن لا يعود، قُبلت
توبته، فإن أذنب مرة أخرى وقد غلبه الشيطان أو النفس ثم ندم ثانياً وعزم أن لا يعود، فتاب بنية
خالصة، قبلت توبته مرّة أخرى، وهكذا. وليس المراد منه أن يكون عازماً على العود عند كلّ
توبة، فإن التوبة لا تتم إلا بالإقلاع وعزم عدم العود. فلو تكرر منه مثل ذلك، وفي كل مرة يعزم
أن لا يعود، فإنه تقبل توبته وإن صدر منه الذنب مائة مرة أو ألف مرة. والمذكور في الحديث
على هذا التفسير قاعدة عامّة تطرد في كل مذنب وتائب.
الثاني: أن المراد منه الاستغفار فقط والاستغفار أعم من التوبة، فلا يشترط فيه الإقلاع
ولا العزم على العود، وإنما هو طلب المغفرة. وفي مثله روي عن الربيع بن خيثم أنه قال: ((لا
تقل: (أستغفر الله وأتوب إليه) فيكون ذنباً وكذباً إن لم تفعل، بل قل: اللهم اغفر لي وتب عليّ))
ذكره النووي في كتاب الأذكار (ص: ٥١٩)، وقال: هذا حسن.
فإن حُمل الحديث على الاستغفار فقط، دون التوبة بجميع شروطها، فالحديث غير جار
على قاعدة عامّة، وإنما هو على سبيل حكاية حال لا عموم لها، فإن من استغفر الله تعالى بهذا
المعنى، ولم يقلع عن المعصية، أو لم يعزم على تركه فيما يستقبل فإنه لا يُضمن له بالمغفرة،
إلا أن يعامله الله تعالى بلطف ورحمة في جزئية خاصة ويستثنيه عن الأصل العامّ.
والظّاهر في حديث الباب أن التفسير الأول هو الصحيح، لأنّه قد ورد ذمّ من يستغفر مصراً
على ذنبه. وقد أخرج ابن أبي الدنيا من حديث ابن عباس مرفوعاً: ((التائب من الذنب كمن لا