Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
كتاب القدر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّمَنِ الرَّحِيَةِ
٤٦ - كتاب القدر
(١) - باب: كيفية خلق الآدمي في بطن أمه،
وكتابة رزقه وأجله وعمله، وشقاوته وسعادته
٦٦٦٥ - (١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً وَوَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرِ الْهَمْدَانِيُّ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، حَدَّثَنَا أَبِي وَأَبُو مُعَاوِيَةً وَوَكِيعٌ.
قَالُوا: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ،
[٤٦] - كتاب القدر
مقصود هذا الكتاب إيراد الأحاديث التي تدل على قضاء الله تعالى وقدره، وعلى ضرورة
الإيمان بالقدر. أما تفصيل مسألة التقدير فمحلّه كتب العقائد والكلام، وقد سبق طرف منه في
كتاب الإيمان تحت حديث جبريل. والخلاصة على ما ذكره الإمام الغزالي تغلّفُ تعالى: ((أن
انفراد الله سبحانه باختراع حركات العباد وأفعالهم لا يخرجها عن كونها مقدورة للعباد على سبيل
الاكتساب. بل الله تعالى خلق القدر والمقدور جميعاً. وخلق الاختيار والمختار جميعاً، فأما
القدرة فوصف للعبد وخلق للرب سبحانه، وليست بكسب له. وأما الحركة فخلق للرب تعالى،
ووصف للعبد وكسب له، فإنما خلقت مقدورة بقدرة هي وصفه، وكانت للحركة نسبة إلى صفة
أخرى تسمى قدرة، فتسمى باعتبار تلك النسبة كسباً. وكيف تكون جبراً محضاً وهو بالضرورة
يدرك التفرقة بين الحركة المقدورة والرعدة الضرورية؟ أو كيف يكون خلقاً للعبد وهو لا يحيط
علماً بتفاصيل أجزاء الحركات المكتسبة وأعدادها؟ وإذا بطل الطرفان، والنصوص ناطقة
ببطلانها، لم يبق إلا الاقتصاد في الاعتقاد، وهو أنها مقدورة بقدرة الله تعالى اختراعاً، وبقدرة
العبد على وجه آخر من التعلق يعبّر عنه بالاكتساب)).
والحاصل: أن العبد ليس خالقاً لأفعاله، وإنما هو كاسب لها باختياره. أما كنه هذا الكسب
وحقيقته، فخارج عن إدراك الإنسان، فهو من المتشابهات التي لا يجوز الخوض فيها، وليس شيء
من الحاجات الدنيوية والأخروية متوقفاً على إدراك هذا الكنه، فالسكوت عنه أولى وأسلم.
(١) - باب: كيفية خلق الآدمي في بطن أمه إلخ
١ - (٢٦٤٣) - قوله: (عن عبد الله) يعني: ابن مسعود رُه، وهذا الحديث أخرجه

٣٦٢
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمْهِ أَرْبَعِينَ يَوْماً. ثُمَّ يَكُونُ فِي
البخاري في بدء الخلق، باب ذكر الملائكة (٣٢٠٨)، وفي الأنبياء، باب خلق آدم
وذريته (٣٣٣٢)، وفي القدر (٦٥٩٤)، وفي التوحيد، باب ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِثْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ
(٣٨)﴾ (٧٤٥٤)، وأخرجه أبو داود في السنة، باب في القدر (٤٧٠٨)، والترمذي في القدر،
باب ما جاء أن الأعمال بالخواتيم (٢١٣٨)، وابن ماجه في المقدمة، باب في القدر (٦٤).
قوله: (وهو الصادق المصدوق) قال الطيبي: يحتمل أن تكون الجملة حالية، ويحتمل أن
تكون اعتراضية، وهو أولى لتعمّ الأحوال كلها، وأن ذلك من دأبه وعادته. والصادق معناه:
المخبر بالقول الحق، ويطلق على الفعل، يقال: صدق القتالَ، وهو صادق فيه. والمصدوق
معناه: الذي يُصدق له في القول، يقال: صدقته الحديث: إذا أخبرته به إخباراً جازماً. أو
معناه: الذي صدقه الله تعالى وعده.
قوله: (يُجمع خلقه في بطن أمه) قال القرطبي في المفهم: ((المراد أن المني يقع في الرحم
حين انزعاجه بالقوة الشهوانية الدافعة مبثوثاً متفرقاً، فيجمعه الله في محل الولادة من الرحم)) وفي
قوله ((خلقه)) تعبير بالمصدر عن الجثة. وحمل أنه بمعنى المفعول، كقولهم: هذا درهم ضَرْب
الأمير: أي: مضروبه.
قوله: (أربعين يوماً) وزاد في رواية آدم عند البخاري في التوحيد: نطفة قبل قوله ((أربعين
يوماً)) فبيّن أن الذي يُجمع هو النطفة، والمراد بالنطفة المني.
وذكر الشيخ شمس الدين ابن القيم تقلتُ تعالى أن داخل الرحم خشن كالسفنج، وجعل فيه
قبولاً للمني كطلب الأرض العطشى للماء، فجعله طالباً مشتاقاً إليه بالطبع، فلذلك يمسكه
ويشتمل عليه ولا يزلقه بل ينضم عليه لئلا يفسده الهواء. فيأذن الله لملك الرحم في عقده وطبخه
أربعين يوماً. وفي تلك الأربعين يجمع خلقه. قالوا: إن المني إذا اشتمل عليه الرحم ولم يقذفه
استدار على نفسه واشتد إلى تمام ستة أيام، فينقط فيه ثلاث نقط في مواضع القلب والدماغ
والكبد. ثم يظهر فيما بين تلك النقط خطوط خمسة إلى تمام ثلاثة أيام. ثم تنفذ الدموية فيه إلى
تمام خمسة عشر، فتتعين الأعضاء الثلاثة. ثم تمتد رطوبة النخاع إلى تمام اثني عشرة يوماً، ثم
ينفصل الرأس عن المنكبين والأطراف عن الضلوع والبطن عن الجنين في تسعة أيام. ثم يتم هذا
التمييز بحيث يظهر للحسّ في أربعة أيام، فيكمل أربعين يوماً. فهذا معنى قوله ◌َيقول: ((يجمع خلقه
في أربعين يوماً)) وفيه تفصيل ما أجمل فيه، ولا ينافي ذلك قوله ((ثم تكون علقة مثل ذلك))، فإن
العلقة وإن كانت قطعة دم، لكنها في هذه الأربعين الثانية تنتقل عن صورة المني ويظهر التخطيط
فيها ظهوراً خفيّاً على التدريج، ثم يتصلب في الأربعين يوماً بتزايد ذلك التخليق شيئاً فشيئاً،
حتى يصير مضغة مخلّقة، ويظهر للحسن ظهوراً لا خفاء به. وعند تمام الأربعين الثالثة والطعن
في الأربعين الرابعة ينفخ فيه الروح، كما وقع في هذا الحديث الصحيح، وهو ما لا سبيل إلى
.-

٣٦٣
كتاب القدر
ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ
الرُّوحَ. وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبٍ رِزْقِهِ، وَأَجْلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٌ. فَوَالَّذِي لاَ إِلَّهَ
معرفته إلا بالوحي، حتى قال كثير من فضلاء الأطباء وحذّاق الفلاسفة إنما يعرف ذلك بالتوهم
والظن البعيد. كذا في فتح الباري (١١: ٤٨١ و ٤٨٢).
قال العبد الضعيف - عفا الله عنه -: ما ذكره ابن القيم موافق بجملته لما هو ثابت في
الطب، الحديث، وإن إطلاق لفظ ((العلقة)) و ((المضغة)) على الحمل قبل أربعة أشهر وقع، كما
أشار إليه ابن القيم، من حيث أن الأعضاء المكوّنة لا تظهر قبل ذلك ظهوراً بارزاً، وإن كانت
مخلوقة من قبل. أما عند تمام الأربعة أشهر، فيتصور الحمل في صورة إنسان بأعضائه الرئيسة
ظاهرة لكل أحد بدون الاستمداد بالآلات من الميكروسكوبات وغيرها، حتى أنه يمكن تمييز
أعضائه من أعضاء الآخر. وهذا لا يقع إلا بعد تمام الأربعة أشهر (وراجع دائرة المعارف
البريطانية ٢٠: ٤٥٩ بحث GROWU).
قوله: (علقة مثل ذلك) أي: مثل المدة المذكورة، والعلقة، بفتحات ثلاثة: الدم الجامد
الغليظ، سمي بذلك للرطوبة التي فيه وتعلقه بما مرّ به. والمضغة، بضم الميم وسكون الضاد،
قطعة اللحم. سميت بذلك لأنها قدر ما يمضغ الماضغ.
قوله: (ثم يُرسل الملك فينفخ فيه الروح) يحتمل: أن يكون هو الملك الموكل بالرحم،
كما سيأتي في حديث أنس بن مالك ◌ُه، وحينئذ يكون معنى الإرسال أنه يؤمر بذلك، أو أنه
يرسل إلى اللوح المحفوظ، فيعلم ما كتب في حقه من الأقدار، فيرجع ويكتب، كما وقع في
رواية يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن الأعمش، ويحتمل أن يكون هذا الملك المرسل غير
الملك الموكل بالرحم. وراجع للتفصيل شرح النووي وفتح الباري (١١ : ٤٨٢).
قوله: (بكتب رزقه) ضبطوه بوجهين؛ الأول: بكسر الباء الموحدة، وبفتح الكاف وسكون
التاء، هو مصدر بمعنى الكتابة. واالثاني: بضم الياء المثناة في أوله، وسكون الكاف وفتح التاء
على أنها صيغة مجهول، فيكون جملة مستأنفة، وقد يستشكل ما في هذا الحديث بأن الله تعالى
قدّر المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض، فكيف يكتب رزق الجنين وأجله وغيره عند نفخ
الروح فيه؟ والجواب عن هذا الإشكال يحصل عما ذكره الشيخ ولي الله الدهلوي تتّهُ في كتابه
((حجة الله البالغة)) (١: ٦٥) أن القدر الملزم الذي يوجب الحوادث قبل وجودها قد وقع خمس
مرات، قال تَّثُ تعالى:
((فأولها: أنه أجمع في الأزل أن يوجد العالم على أحسن وجه ممكن، مراعياً للمصالح
مؤثراً لما هو الخير النسبي حين وجوده، وكان علم الله ينتهي إلى تعيين صورة واحدة من
الصور، لا يشاركها غيرها. فكانت الحوادث سلسلة مترتبة مجتمعة وجودها ... ثانيها: أنه قدر
المقادير، ويروى أنه كتب مقادير الخلائق كلها، والمعنى واحد، قبل أن يخلق السموات

٣٦٤
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
غَيْرُهُ، إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلٍ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّ ذِرَاعٌ. فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ
الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الثَّارِ.
والأرض بخمسين ألف سنة، وذلك أنه خلق الخلائق حسب العناية الأزلية في حيال العرش،
فصور هنالك جميع الصور ... فتحقق هنالك مثلاً صورة محمد سليم وبعثه إلى الخلق في وقت
كذا، وإنذاره لهم ... وثالثها: أنه لما خلق آدم عليه ليكون أباً للبشر، وليبدأ منه نوع الإنسان
أحدث في عالم المثال صور بنيه، ومثّل سعادتهم وشقاوتهم بالنور والظلمة، وجعلهم بحيث
يكلفون ... رابعها: حين نفخ الروح في الجنين، فكما أن النواة إذا ألقيت في الأرض في وقت
مخصوص، وأحاط بها تدبير مخصوص علم المطلع على خاصية نوع النخل وخاصية تلك
الأرض، وذلك الماء والهواء، أنه يحسن نباتها ... فكذلك تتلقى الملائكة المدبّرة يومئذ،
وينكشف عليهم الأمر في عمره ورزقه ... خامسها: قبيل حدوث الحادثة، فينزل الأمر من
حظيرة القدس إلى الأرض، وينتقل شيء مثالي، فتنبسط أحكامه في الأرض، وقد شاهدت ذلك
مراراً ... وقد بينت السنة بياناً واضحاً أن الحوادث يخلقها الله تعالى قبل أن تحدث في الأرض.
خلقاً ما، ثم ينزل في هذا العالم، فيظهر فيه كما خلق أول مرة، سنة من الله تعالى. ثم قد يُمحى
الثابت ويُثبت المعدوم بحسب هذا الوجود، قال الله تعالى: ﴿يَمْحُواْ أَللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُخْبِثٌ وَعِندَهُ أُمُ
﴾ [سورة الرعد، آية ٣٩].
الْكِنَبِ
قوله: (وشقي أو سعيد) أي: بالنسبة إلى أحكام الآخرة، فالسعداء هم أهل الجنة،
والأشقياء هم أهل النار، كما ورد في القرآن الكريم.
قوله: (حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع) المراد بالذراع التمثيل للقرب من موته ودخوله
عقبه، وأن تلك الدار ما بقي بينه وبين أن يصلها إلا كمن بقي بينه وبين موضع من الأرض ذراع.
قوله: (فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار) أي: بكسبه واختياره الذي أعطاه
الله تعالى. والمراد بسبق الكتاب ما تضمنه، على حذف مضاف، أو المراد: المكتوب. والمعنى
أنه يتعارض عمله في اقتضاء السعادة، والمكتوب في اقتضاء الشقاوة، فيتحقق مقتضى
المكتوب. فعبّر عن ذلك بالسبق، لأن السابق يحصل مراده دون المسبوق، ولأنه لو تمثل العمل
والكتاب شخصين ساعيين لظفر شخص الكتاب وغُلب شخص العمل. كذا في فتح
الباري (١١ : ٤٨٧).
وقال النووي تقلقُ تعالى: ((والمراد بهذا الحديث أن هذا قد يقع في نادر من الناس، لا أنه
غالب فيهم. ثم إنه من لطف الله تعالى وسعة رحمته انقلاب الناس من الشر إلى الخير في كثرة.
وأما انقلابهم من الخير إلى الشرّ، ففي غاية الندور ونهاية القلة. وهو نحو قوله تعالى: ((إن
رحمتي سبقت غضبي وغلبت غضبي))، ويدخل في هذا من انقلب إلى عمل النار بكفر أو
معصية. لكن يختلفان في التخلية وعدمه، فالكافر يخلد في النار، والعاصي الذي مات موحداً لا
يخلد فيها، كما سبق تقريره)) .

٣٦٥
كتاب القدر
فَيَدْخُلُهَا. وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ. حَتَّىْ مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّ ذِرَاعٌ. فَيَسْبِقُ
عَلَيْهِ الْكِتَابُ. فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا)) .
٦٦٦٦ - (٠٠٠) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. كِلاَهُمَا عَنْ
جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. ح
وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي.
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ. كُلَّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
قَالَ فِي حَدِيثٍ وَكِيعٍ: ((إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنٍ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)). وَقَالَ فِي
حَدِيثٍ مُعَاذٍ، عَنْ شُعْبَةَ: ((أَزْبَعِينَ لَيْلَةً أَرْبَعِينَ يَوْماً)). وَأَمَّا فِي حَدِيثٍ جَرِيرٍ وَعِيسَى:
((أَرْبَعِينَ يَوْماً)) .
٦٦٦٧ - (٢) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، (وَاللَّفْظُ لابْنِ
نُمَيْرٍ)، قَالاَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ
أَسِيدٍ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ◌َ قَالَ: ((يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ فِيَ الرَّحِم بِأَرْبَعِينَ،
أَوْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةٌ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَشَقِيٍّ، أَوْ سَعِيدٌ؟ فَيُكْتَبَانِ. فَيَقُولُ: أَي رَبِّ،
أَذَكَرٌ، أَوْ أُنْثَى؟ فَيُكْتَبَانِ، وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَثَرُهُ وَأَجَلُهُ وَرِزْقُهُ. ثُمَّ تُطْوَى الصُّحُفُ. فَلاَ يُزَادُ
فِيهَا وَلاَ يُنْقَصُ».
قوله: (فيدخُلُها) قال ابن أبي جمرة: ((هذه التي قطعت أعناق الرجال مع ما هم فيه من
حسن الحال، لأنهم لا يدرون بماذا يختم عملهم)) والحاصل: أن الإنسان ليس له أن يفتخر
ويُعجب بما يفعل من الأعمال الحسنة، لأن العبرة بالخواتيم، ولا يدري إلى ما يصير إليه في
العاقبة. وليس ذلك جبراً، فإن ما يفعله في الأخير إنما يفعل بكسبه واختياره، ولكن يتغير
اختياره من الخير إلى الشر، فيعاقب به، أعاذنا الله تعالى من ذلك.
٢ - (٢٦٤٤) - قوله: (عن حذيفة بن أسيد) به بفتح الهمزة وكسر السين، كنيته أبو
سريحة، بوزن عجيبة، شهد الحديبية وذكر فيمن بايع تحت الشجرة، ثم نزل الكوفة، وروى
أحاديث، أخرج له مسلم وأصحاب السنن، وله عن أبي بكر وأبي ذر وعلي وظ﴿ه، روى عنه أبو
الطفيل، ومن التابعين الشعبي وغيره، توفي سنة اثنين وأربعين، وصلى عليه زيد بن أرقم دظ ◌ُبه.
كذا في الإصابة (١: ٣١٦).
وحديثه هذا مما تفرد بإخراجه المصنف تقّهُ تعالى من بين الأئمة الستة.
قوله: (ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه) هذا صريح في أن كتابة هذه الأقدار من قبل
الملك لتنفيذها إنما تقع في ابتداء الأربعين الثانية، وقد مر في حديث ابن مسعود ◌ُه خلافه،

٣٦٦
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٦٦٦٨ - (٣) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ.
أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ؛ أَنَّ عَامِرَ بْنَ وَاثِلَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ
عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَظْنِ أُمِّهِ وَالسَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ، فَأَتَى
رَجُلاً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَهَ، يُقَالُ لَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ أَسِيدِ الْغِفَارِيُّ. فَحَدَّثَهُ بِذَلِكَ مِنْ
قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ: وَكَيْفَ يَشْقَى رَجُلٌ بِغَيْرِ عَمَلٍ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَتَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ؟
فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً، بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا
مَلَكاً. فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا
وذلك أنها تقع عند تمام الأربعين الثالثة وعند نفخ الروح. فذهب القاضي عياض والنووي
رحمهما الله تعالى إلى أن الأصل ما ذكر في حديث حذيفة بن أسيد اله. أما حديث ابن
مسعود، فقوله: ((ويؤمر بأربع كلمات إلخ)) معطوف على جملة ما ذكر فيما سبق، وليس المراد
أنه يؤمر بكتابة هذه الأمور عند إرساله لنفخ الروح، بل المراد أن يؤمر بذلك في الجملة، ولم
يتعين في ذلك الحديث زمان هذه الكتابة، وقد تعيّن في حديث حذيفة بن أسيد.
وذهب بعض العلماء إلى عكس ذلك، وهو أن الأصل ما ذكر في حديث ابن مسعود،
وذلك أن الكتابة إنما تقع عند تمام الأربعين الثالثة، وتأوّلوا في حديث حذيفة بن أسيد مظلته أن
مراده أن تصوير الأعضاء وتعيين الذكورة والأنوثة وكتابة هذه الأمور الأربعة إنما تقع بعد تمام
الأربعين الأولى، ولكن جميع هذه الأشياء لا تقع فور دخول الحمل في الأربعين الثانية، وإنما
هي سلسلة تبتدىء في الأربعين الثانية، فيقع أولاً التصوير الخفيّ، ثم تعيين الذكورة والأنوثة،
ثم كتابة هذه الأمور الأربعة، وليس في الحديث ما يمنع احتمال أن تكون بين كل مرحلتين مدة
طويلة فتقع الكتابة عند تمام الأربعين الثالثة، كما وقع في حديث ابن مسعود رَظُه، وسيأتي ما
يؤيد هذا الوجه في الرواية الآتية - والله أعلم - .
٣ - (٢٦٤٥) - قوله: (سمع عبد الله بن مسعود) هذا الحديث لم يخرجه أحد من الأئمة
الستة إلا مسلم تكذّشُ .
قوله: (فبعث الله إليه ملكاً فصوّرها) استشكله عامّة شرّاح الحديث، وقالوا: لا يمكن
حمل هذا الحديث على ظاهره، لأن التصوير لا يقع في الأربعين الثانية، ثم تكلفوا بالتأويل في
هذا الحديث، وتنوعوا في ذلك. والواقع أنه لا إشكال فيه أصلاً. لأن التصوير عمل يستكمل
في عدة مراحل، فالتصوير المبدئي يبتدىء في الأربعين الثانية، ولكنه تصوير خفيّ، قد عبّر عنه
بعض الأطباء المتقدمين بالخطوط، ولا تظهر الصورة في المراحل الأولى ظهوراً بارزاً، وإنما
تبقى خفيّة للعين المجردة، وقد تدركه الآلات المكبرة، أما التصوير البارز الذي يظهر لكل أحد،
فإنما يتّم عند تمام الأربعين الثالثة.

٣٦٧
كتاب القدر
وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا. ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ، أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ. وَيَكْتُبُ
الْمَلَكُ. ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ، أَجُلُهُ. فَيَقُولُ رَبُّكَ مَا شَاءَ وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ. ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ،
رِزْقُهُ، فَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ. وَيَكْتُبُ الْمَلَكُ، ثُمَّ يَخْرُجُ الْمَلَكُ بِالصَّحِيفَةِ فِي يَدِهِ. فَلاَ يَزِيدُ
عَلَى مَا أُمِرَ وَلاَ يَنْقُصُ)) .
٦٦٦٩ - (٠٠٠) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ. أَخْبَرَنَا أَبُوِ عَاصِم. حَدَّثَنَا ابْنُ
جُرَيْجِ. أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ أَبَا الُفَيْلِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَّسْعُودٍ يَقُولُ:
وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ.
٦٦٧٠ - (٤) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرِ.
حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، أَبُو خَيْئَمَةَ. حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَطَاءٍ؛ أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ أَبَا
الظُّفَيْلِ حَدَّثَهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي سَرِيحَةَ، حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدِ الْغِفَارِيِّ، فَقَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ بِأُذُنَيَّ هَاتَيْنٍ، يَقُولُ: ((إِنَّ النُّطْفَةَ تَقَعُ فِي الرَّحِمِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَتَصَوَّرُ
عَلَيْهَا الْمَلَكُ)). قَالَ زهَيْرٌ: حَسِبْتُهُ قَالَ: الَّذِي يَخْلُقُهَا: ((فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَذَكَرٌ أُوْ أُنْثَى؟
فَيَجْعَلُهُ اللَّهُ ذَكَرَا أَوْ أُنْثَى. ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِ، أَسَوِيٍّ، أَوْ غَيْرُ سَوِيٍّ؟ فَيَجْعَلُهُ اللَّهُ سَوِيًّا أَوْ
غَيْرَ سَوِيٍّ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا رِزْقُهُ؟ مَا أَجَلُهُ؟ مَا خُلُقُهُ؟ ثُمَّ يَجْعَلُهُ اللَّهُ شَقِيًّا أَوْ سَعِيدًا)).
٦٦٧١ - (٠٠٠) حدّثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ. حَدَّثَنِي أَبِي. حَدَّثَنَا رَبِيعَةُ بْنُ
كُلْثُومٍ. حَدَّثَنِي أَبِي كُلْثُومٌ، عَنْ أَبِي الظُّفَيْلِ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدِ الْخِفَارِيِّ، صَاحِبٍ
قوله: (وجلدها ولحمها وعظامها) هذا يؤيد ما ذكرنا من أن المقصود في حديث حذيفة بن
أسيد بيان المراحل المختلفة التي يمرّ عليها الحمل بعد الأربعين الأولى، بدون تحديد المدّة
لكل مرحلة، ومن البديهيّ أن الجلد واللحم لا يتكونان فور استكمال الأربعين الأولى، فلا بد
من حمله على أنهما يتكونان بعد استكمال الأربعين الأولى بمدة غير مذكورة في الحديث،
وكذلك ما ذكر بعده من كتابة الأقدار مؤخر عن الأربعين الأولى بمدّة لا ذكر لها في هذا
الحدیث، فلا يتعارض مع حديث ابن مسعود
قوله: (فيقضي ربك ما شاء) أي: يخبره بقضائه، أو يأمره بتنفيذه، فإن القضاء سابق على
كل شيء.
٤ - ( ... ) - قوله: (ثم يتصوّر عليها الملك) هكذا وقع بالصاد في جميع النسخ بأيدينا.
وذكر القاضي أنه ((يتسوّر)) بالسين، قال: والمراد منه أنه ينزل، وهو استعارة من ((تسوّرت الدار))
إذا نزلت فيها من أعلاها. ولا يكون التسور إلا من فوق. قال النووي: فيحتمل أن تكون الصاد
الواقعة في نسخ بلادنا مبدلة من السين - والله أعلم - .

٣٦٨
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رَسُولِ اللّهِ وَلِهِ، رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَاهِ: ((أَنَّ مَلَكاً مُؤَكَّلاً بِالرَّحِمِ. إِذَا أَرَادَ اللَّهُ
أَنْ يَخْلُقَ شَيْئاً بِإِذْنِ اللَّهِ، لِضْعٍ وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً))، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.
٦٦٧٢ - (٥) حدّثني أَبُو كَامِلٍ. فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ
زَيْدٍ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ. وَرَفَعَ الْحَدِيثَ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ اللَّهَ
عَزَّ وَجَلَّ قَدْ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكاً. فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، نُطْفَةٌ، أَنْ رَبِّ، عَلَقَةٌ. أَنِي رَبِّ،
مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقاً قَالَ: قَالَّ الْمَلَكُ: أَيْ رَبِّ، ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى؟ شَقِيٍّ أَوْ
سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ)).
٦٦٧٣ - (٦) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ -
وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ - (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ
سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيِعِ الْغَرْقَدِ.
٥ - (٢٦٤٦) - قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه البخاري في الحيض، باب
﴿لَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ (٣١٨)، وفي الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿إِنِّ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ
خَلِيفَةٌ﴾ (٣٣٣٣)، وفي القدر، باب في القدر (٦٥٩٥).
قوله: (أي ربِّ! نطفة) بالرفع والتنوين، أي: وقعت في الرحم نطفة. وفي رواية القابسي
بالنصب، أي: خلقتَ يا رب نطفة. ونداء الملك بالأمور الثلاثة ليس في دفعة واحدة، بل بين
كل حالة وحالة مدة. وليس ذلك إخبار الله تعالى، فإنه سبحانه أعلم بذلك من الملك، بل
المقصود التماس إتمام خلقه، والدعاء بإفاضة الصورة الكاملة عليه، أو الاستعلام عن ذلك
ونحوهما، وهذا كما قالت أم مريم: ﴿رَبِّ إِنِّ وَضَعْتُهَا أَنْثَى﴾ [سورة آل عمران، آية ٣٦]. كذا في عمدة
القاري (٢: ١٢٤).
وقد مرّ في شرح حديث ابن مسعود به أنه يحتمل أن يكون هذا الملك الموكل بالرحم
منذ أول الأمر غير الملك الذي يكتب المقادير في وقته، ويمكن أن يكون عينه - والله أعلم - .
٦ - (٢٦٤٧) - قوله: (عن علي) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجنائز، باب موعظة
المحدث عند القبر، وقعود أصحابه حوله (١٣٦٢)، وفي تفسير سورة الليل، (٤٩٤٥ و ٤٩٤٦
و ٤٩٤٧ و ٤٩٤٨) وفي الأدب، باب الرجل ينكت الشيء بيده في الأرض (٦٢١٧)، وفي
القدر، باب ﴿وَكَانَ أَمْرُ اَللَّهِ قَدَرًّا مَّقْدُورًا﴾ (٦٦٠٥)، وفي التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ
يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِذِكْرِ﴾ (٧٥٥٢). وأخرجه أبو داود في السنة، باب في القدر (٤٦٩٤)، والترمذي
في القدر، باب ما جاء في الشقاء والسعادة (١٢٣٧)، وفي تفسير سورة الليل (٣٣٤١)، وابن
ماجه في المقدمة، باب القدر (٦٦).
قوله: (في بقيع الغرقد) وهو مقبرة أهل المدينة، والبقيع في الأصل موضع من الأرض فيه

٣٦٩
كتاب القدر
فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ لَّهِ. فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ. وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ. فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ.
ثُمَّ قَالَ: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ، إِلاَّ وَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ مَكَانَهَا مِنَ الْجَنَّةِ
وَالنَّارِ. وَإِلاَّ وَقَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً)) قَالَ: فَقَالَ رَجَلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلا نَمْكُثُ عَلَى
كِتَابِنَا، وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ فَقَالَ: ((مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلٍ أَهْلِ السَّعَادَةِ. وَمَنْ
كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلٍ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، فَقَالَ: ((اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرْ. أَمَّا أَهْلُ
أروم شجر من ضروب شتى، والغرقد بفتح الغين والقاف وسكون الراء، شجر له شوك كان ينبت
بالبقيع، فذهب الشجر وبقي الاسم لازماً للموضع. وقال الأصمعي: قطعت غرقدات في هذا
الموضع حين دفن فيه عثمان بن مظعون ظته. وقال ياقوت: وبالمدينة أيضاً ((بقيع الزبير)) وبقيع
الخيل)) عند دار زيد بن ثابت، ويقيع الخبَجَة (بفتح الخاء والباء والجيم) كذا ذكره السهيلي
وغيره، كما في عمدة القارىء (٤: ٢٠٩)، وبه تبين أن إضافة البقيع إلى الغرقد إنما احتيج إليها
لتمييزه عن البقيعات الأخرى.
قوله: (ومعه مخصرة) بكسر الميم وسكون الخاء، هو شيء يأخذه الرجل بيده ليتوكأ عليه،
مثل العصا ونحوه، وهو أيضاً ما يأخذه الملك يشير به إذا خطب، واختصر الرجل: أمسك
المخصرة.
قوله: (فنكّس) بتخفيف الكاف وتشديدها، لغتان، أي: خفض رأسه وطأطأ به إلى الأرض
على هيئة المهموم المفكر ويحتمل أيضاً أن يراد به نكس المخصرة.
قوله: (فجعل ينكت) بضم الكاف، وهو أن يضرب في الأرض بقضيب يؤثر فيها. وفيه
جواز مثل ذلك.
قوله: (اعملوا، فكلّ ميسّر) وفي رواية آتية: ((اعملوا، فكل ميسر لما خلق له)). قال
الأبّي: ((جوابه وَّه بما ذكر إنما قاله ليزيل به ما انقدح في نفس الرجل، ... وإنما تقريره على
الوجه الذي يزيله أن يقال: هب أن القضاء سبق بمكان كل من الدارين، لكن استحقاقه ذلك
ليس لذاته، بل موقوف على سبب هو العمل. وإذا كان موقوفاً على سبب هو العمل، فقال يلي:
اعملوا، فكلّ ميسّر لفعل سبب ما يكون له من جنة أو نار. وقد بيّن ◌َ® ذلك بقوله: أما أهل
السعادة فيُيسّرون إلخ)).
وقال العيني كثُّ تعالى في عمدة القاري (٤: ٢١٠): ((قال النووي! فيه إثبات للقدر وأن
جميع الواقعات بقضاء الله تعالى وقدره لا يُسأل عما يفعل. وقيل: إن سرّ القدر ينكشف
للخلائق إذا دخلوا الجنة ولا ينكشف لهم قبل دخولها. وفيه ردّ على أهل الجبر، لأن المجبر لا
يأتي الشيء إلا وهو يكرهه، والتيسير ضد الجبر. ألا ترى أن النبيّ وَّر قال: ((إن الله تجاوز عن
أمتي ما استكرهوا عليه)) قال: والتيسير هو أن يأتي الإنسان بما يحبه)).

٣٧٠
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الْسَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ. وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ)). ثُمَّ
وَصَدَّقَ بِالْحُسْفَ
قَرَأَ: ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنََّى
﴿ وَمَّا مَنْ بَخِلَ وَأَسْتَغْفَى
فَسَيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى
٨
فَسَنُيَسُِّ لِلْمُسْرَى
وَكَذَّبَ بِاَلْفَى
[الليل: ٥ - ١٠].
٦٦٧٤ - (٠٠٠) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو
الأَخْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، بِهُذَا الإِسْنَادِ، فِي مَعْنَاهُ، وَقَالَ: فَأَخَذَ عُوداً، وَلَمْ يَقُلْ:
مِخْصَرَةً، وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْئَةَ فِي حَدِيثِهِ، عَنْ أَبِي الأَخْوَصِ: ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ.
٦٦٧٥ - (٧) حدَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ.
قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو
والحاصل: أن هناك أموراً ثابتة لا مجال لإنكارها:
الأول: أن الله تعالى قدّر كل شيء بقضائه الحكيم قبل أن يخلقه، ولا يعلم قضاءه إلا
هو.
الثاني: أن التقدير السابق ليس إكراهاً لعبد من العباد على فعل شيء أو تركه فلا ينافي
الاختيار الحاصل للعبد.
الثالث: أن كل عبد مكلف قد أعطاه الله تعالى اختياراً ظاهراً، وهو ثابت بالبداهة بالفرق
بين حركة الرجل العاقل الصحيح وحركة الرجل المجنون والصبي والمريض الذي به رعدة.
الرابع: أن الله تعالى يخلق كل فعل بعد كسب العبد واختياره، وبه يتعلق الثواب
والعقاب، فلا ظلم في ذلك على أحد.
الخامس: أن الله تعالى لا يتصور منه ظلم على عباده.
أما كنه هذا الاختيار الحاصل للعبد والتطبيق التفصيليّ بين هذا الاختيار وبين القضاء
السابق، فسرّ من أسرار الله تعالى، لا ينكشف للعقول البشرية المحدودة. وقد عبّر عنه بعض
العلماء بأن التقدير السابق عبارة عن علم الله تعالى لما سيكون، ومجرد علم الشيء ليس علة
لوقوعه، فلا يعتبر جبراً أو إكراهاً، ونظير ذلك ما يعرفه الأستاذ من تلميذه أنه ينجح في
الامتحان أو يسقط، ولكن معرفته بذلك ليست علة لسقوط الطالب أو نجاحه، فكذلك علم
الله تعالى ليس علة لوقوع الأفعال من العبد، وإنما يفعلها العبد بكسبه واختياره، وإن الله تعالى
يخلق ذلك الفعل حسب اختيار العبد فعلة الأفعال خلق الله تعالى إياها حسب اختيار العبد.
ولكن العلماء المحققين ردّوا على هذا التوجيه وذكروا أن علم الله تعالى صفة مستقلة عن
تقديره وقضائه، وقد أوضح ذلك الشيخ ولي الله الدهلوي كثُّ في ((حجة الله البالغة)) بصراحة ما
ذكرنا من أن التطبيق بين القضاء السابق والاختيار الحاصل للعبد من المتشابهات التي أمرنا فيها

٣٧١
كتاب القدر
كُرَيْبٍ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي
عَبْدِ الرَّحْمُنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ. قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لِ ذَاتَ يَوْمِ جَالِساً، وَفِي يَدِهِ
عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ نَفْسٍ إِلاَّ وَقَدْ عُلِمَ مَنْزِلَهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ))
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلِمَ نَعْمَلُ؟ أَفَلاَ نَتَّكِلُ؟ قَالَ: (لاَ، أَعْمَلُوا، فَكُلِّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ))
(٥)﴾ [الليل:
وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىِ ﴿٦) إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَسَنُيَسُْ لِلْمُسْرَى
٥
ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَمَّا مَنْ أَعْطَى وَأَنََّ
٥ - ١٠].
٦٦٧٦ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ.
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ وَالأَعْمَشِ؛ أَنَّهُمَا سَمِعَا سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ يُحَدِّثُهُ، عَنْ أَبِي
عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََِّ، بِنَحْوِهِ.
٦٦٧٧ - (٨) حدّثنا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ. ح وَحَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا أَبُو خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: جَاءَ سُرَاقَةُ بْنُ
مَالِكِ بْنِ جُعْشُم قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَيِّنْ لَنَّا دِينَنَا كَأَنَّا خُلِقْنَا الآنَ. فِيمَا الْعَمَلُ الْيَوْمَ؟
أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الَّأَفْلاَمُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ، أَمْ فِيمَا نَسْتَقْبِلُ؟ قَالَ: ((لاَ، بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ
الأَقْلاَمُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ)) قَالَ: فَفِيمَ الْعَمَلُ؟.
بالتفويض، وترك الخوض في تفاصيلها، والله سبحانه وتعالى أعلم.
٨ - (٢٦٤٨) - قوله: (عن جابر) هذا الحديث أخرجه ابن ماجه من طريق مجاهد عن
سراقة بن مالك رضيه في باب القدر من المقدمة، (رقم: ٨٠) ولم يخرجه من الأئمة الستة غير
مسلم وابن ماجه.
قوله: (جاء سراقة بن مالك بن جعشم) قد مرّ ترجمته في كتاب الأشربة، باب جواز شرب
اللبن.
قوله: (أفيما جفتّ به الأقلام؟) أي: مضت به المقادير وسبق علم الله تعالى به، وتمت
كتابته في اللوح المحفوظ، وجفّ القلم الذي كتب به، وامتنعت فيه الزيادة والنقصان. قال
العلماء: وكتاب الله تعالى ولوحه وقلمه والصحف المذكورة في الأحاديث، كل ذلك مما يجب
الإيمان به. وأما كيفية ذلك وصفته، فعلمها إلى الله تعالى، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما
شاء. كذا في شرح النووي.
قوله: (أم فيما نستقبل؟) يعني: أن الأعمال التي نفعلها هل هي مقضية في تقدير الله تعالى
بتاتاً؟ أم هي التي ننشئها نحن بدون قضاء سابق؟

٣٧٢
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ زُهَيْرٌ: ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو الزُّبَيْرِ بِشَيْءٍ لَمْ أَفْهَمْهُ، فَسَأَلْتُ: مَا قَالَ؟ فَقَالَ: ((اعْمَلُوا
فَكُلِّ مُیَسَّرٌ)).
٦٦٧٨ - (٠٠٠) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ،
عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهَ، بِهَذَا الْمَعْنَىُ، وَفِيهِ: فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((كُلَّ عَامِلٍ مُيَسَّرٌ لِعَمَلِهِ)).
٦٦٧٩ - (٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ الضُّبَعِيِّ.
حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ، عَنْ عِمْرَانَ بْنٍ حُصَيْنٍ. قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعُلِمَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ
أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: فَقَالَ: ((تَعَمْ)) قَالَ: قِيلَ: فَفِيمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ؟ قَالَ: ((كُلِّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ
لَهُ)».
٦٦٨٠ - (٠٠٠) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ
أَبِي شَيْبَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ نُمَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةً. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى
بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا جَعْفَرُّ بْنُ سُلَيْمَانَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ.
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. كُلُّهُمْ عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ. بِمَعْنَى حَدِيثٍ حَمَّادٍ. وَفِي حَدِيثٍ
عَبْدِ الْوَارِثِ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ.
٦٦٨١ - (١٠) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ. حَدَّثَنَا
عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ الدِّئَلِيِّ، قَالَ: قَالَ
٩ - (٢٦٤٩) - قوله: (عن عمران بن حصين) هذا الحديث أخرجه البخاري في القدر،
باب جفّ القلم على علم الله (٦٥٩٦)، وفي التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ
لِلذِكْرِ﴾ (٧٥٥١)، وأخرجه أبو داود في السنة، باب في القدر (٤٧٠٩).
قوله: (أعلم أهل الجنة من أهل النار؟) يعني: هل تعيّن في علم الله تعالى من هو من أهل
الجنة ممن هو أهل النار؟.
١٠ - (٢٦٥٠) - قوله: (عن أبي الأسود الدؤلي) هو بضم الدال وفتح الواو المهموزة،
نسبة إلى الدئل، بضم الدال وكسر الهمزة، ومعناه: الدابة، ثم سمي به رجل نسب إليه رهط أبي
الأسود، فقالوا: الدُؤليّ، ولم يقولوا: الدئلي لئلا يوالوا بين الكسرات، كما قالوا في النمر:
النمري. وقد يقال فيه: الديلي بكسر الدال وسكون الياء، كما في التقريب، ولكن الظاهر أنه
ليس بصحيح، لأن الديل في عبد القيس، وليسوا من رهط أبي الأسود، والدُّوْل بضم الدال
وسكون الواو من حنيفة، والدُئِل رهط أبي الأسود من كنانة، كما في الأنساب
للسمعاني (٥: ٤٠٦ و٤٠٧). واسم أبي الأسود ظالم بن عمرو بن سفيان، وهو من أجلة

٣٧٣
كتاب القدر
لِي عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ: أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ، أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ
وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرِ مَا سَبَقَ؟ أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟
فَقُلْتُ: بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى عَلَيْهِمْ. قَالَ: فَقَالَ: أَفَلاَ يَكُونُ ظُلْماً؟ قَالَ: فَفَزِعْتُ
مِنْ ذُلِكَ فَزَعاً شَدِيداً. وَقُلْتُ: كُلُّ شَيْءٍ خَلْقُ اللَّهِ وَمِلْكُ يَدِهِ. فَلاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ
يُسْأَلُونَ. فَقَالَ لِي: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، إِنِّي لَمْ أُرِدِ بِمَا سَأَلْتُكَ إِلاَّ لأَخْزُرَ عَقْلَكَ. إِنَّ رَجُلَيْنٍ مِنْ
مُزَيْنَةَ أَنَيَا رَسُولَ اللّهِ وَّهِ. فَقَالاَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ، وَيَكْدَحُونَ
فِيهِ، أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَىْ فِيهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ
نَبِيُّهُمْ، وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟ فَقَالَ: ((لاَ. بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ. وَتَصْدِيقُ ذُلِكَ
فَهَمَهَا نُورَهَا وَتَقْوَنِهَا﴾ [الشمس: ٨.٧].
٧
فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَنَفْسِ وَمَا سَوََّهَا
التابعين، وهو أول من تكلم في النحو، وذكر الواقدي أنه كان أسلم في عهد النبيّ وَّ، وقاتل
مع عليّ يوم الجمل، وهلك في ولاية عبيد الله بن زياد، وقال يحيى بن معين: مات في طاعون
الجارف سنة ٦٩هـ، قال ابن عبد البر: كان ذا دين وعقل. ولسان وبيان وفهم وذكاء وحزم،
وكان من كبار التابعين. وراجع التهذيب (١٢ : ١١).
قوله: (ويكدحون فيه) أي: يسعون فيه، والكدح: هو السعي في العمل، سواء كان
للآخرة أو للدنيا .
قوله: (أفلا يكون ظلماً؟) كذا وقع في جميع النسخ بأيدينا بإثبات همزة الاستفهام، لكن
قال القرطبي: ((الرواية الصحيحة هي بغير ألف الاستفهام، والمعنى على الاستفهام، لأن به
يصح فزع أبي الأسود وجوابه)) وقال القاضي عياض: ((أورد عمران على أبي الأسود شبهة
القدرية من تحكمهم على الله، ودخولهم بآرائهم في حكمه، فلما أجابه بما دل على ثباته في
الدين، قوّاه بذكر الآية، وهي حدّ لأهل السنة)).
قوله: (إلا لأحزُر عقلك) أي: لأمتحن عقلك، وقد نجحت في هذا الامتحان بأن رددت
الشبهة بجواب صحيح، وتقريره أن الظلم هو التصرف في ملك الغير، والجميع خلقه وملكه، لا
حجر عليه ولا حكم، فلا يتصور في حكمه سبحانه الظلم لاستحالة شرطه، وعضد ذلك بقوله
تعالى: ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ الآية [الأنبياء: ٢٣].
قال العبد الضعيف - عفا الله عنه -: والظاهر: أنه جواب على سبيل التنزل، وحاصله أنه
لو كان جبراً محضاً، لما كان فيه ظلم، لكون الجميع خلقه وملكه. وإلا فالمتقرر عند أهل السنة
أن التقدير لا ينافي اختيار العبد وكسبه الذي يترتب عليه الثواب والعقاب. أما كنه هذا الاختيار،
والتطبيق بينه وبين التقدير، فشيء لا تدركه العقول البشرية، والله سبحانه أعلم.
قوله: (فألهمها فجورها وتقواها) فسّره هذا الصحابيّ به بمعنى أن الله تعالى حمل كل

٣٧٤
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٦٦٨٢ - (١١) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، (يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ)، عَنِ
الْعَلاَءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بِ لِهِ قَالَ: (إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَِّيلِّ
بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلٍ أَهْلِ النَّارِ. وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلٍ
أهْلِ الثَّارِ، ثُمَّ يُخْتَمُ لَّهُ عَمَلُهُ بِعَمَلٍ أَهَلِ الْجَنَّةِ».
٦٦٨٣ - (١٢) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
الْقَارِيَّ)، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: ((إِنَّ
الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ
عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ».
(٢) - باب: حجاج آدم وموسى عليهما السلام
٦٦٨٤ - (١٣) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ
وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبُِّّ. جَمِيعاً عَنِ ابْنٍ عُيَيْنَةً، (وَاللَّفْظُ لاِبْنِ حَاتِم وَابْنِ دِينَارٍ)، قَالاً:
حَذَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبًا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ
نفس على ما أراد من ذلك، فمنها ما خلقه للخير، وأعانه عليه، ومنها ما خلقه للشر ويسّره له،
ذكره القرطبي. وللآية تفسير آخر أن الله تعالى عرّف كل نفس بحيث ميّز لها رشدها من ضلالها،
وبيّن ما هو الفجور والتقوى، وأودع فيها صلاحية كل من النجدين. وهذا التفسير مروي عن ابن
عباس، ومجاهد، وقتادة وابن زيد، كما في روح المعاني (٣٠: ١٤٣).
١١ - (٢٦٥١) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في الوصايا، باب
الحيف في الوصية (٢٧٣٦) ولفظه: ((إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة سبعين سنة، فإذا أوصى
حاف في وصيته، فيختم له بشرّ عمله، فيدخل النار. وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشرّ سبعين
سنة، فيعدل في وصيته، فيُختم له بخير عمله، فيدخل الجنة)).
١٢ - (١١٢) - قوله: (عن سهل بن سعد) أخرجه المصنف أيضاً في الإيمان، بل غلظ
تحريم قتل الإنسان نفسه. وأخرجه البخاري في الجهاد، باب لا يقول: فلان شهيد (٢٨٩٨)،
وفي المغازي، باب غزوة خيبر (٤٢٠٢ و ٤٢٠٧)، وفي الرقاق، باب الأعمال
بالخواتيم (٦٤٩٣)، وفي القدر، باب العمل بالخواتيم (٦٦٠٧).
(٢) - باب: حجاج آدم وموسى السَّلُ
١٣ - (٢٦٥٢) - قوله: (سمعت أبا هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأنبياء، باب
وفاة موسى وذكره بعده (٣٤٠٩)، وفي تفسير سورة طه، باب واصطنعتك لنفسي (٤٧٣٦)،
وباب قوله: ﴿فَلاَ يُخْرِجَنَّكُاَ مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَ﴾ (٤٧٣٨)، وفي القدر، باب تحاجّ آدم وموسى

٣٧٥
کتاب القدر
رَسُولُ اللَّهِ وَالَ: ((اخْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى. فَقَالَ مُوسَى: يَا آدَمُ، أَنْتَ أَبُونَا، خَيَبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ
الْجَنَّةِ. فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى. اضْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلاَمِهِ، وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ
قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟)) فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّهِ: ((فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، فَحَجّ آدَمُ
مُوسَى)).
عند الله (٦٦١٤)، وفي التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اُللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٧٥١٥)،
وأخرجه أبو داود في السنة، باب في القدر (٤٧٠١)، والترمذي في القدر، (باب: ٢،
رقم: ٢١٣٥)، ومالك في القدر من الموطأ، باب النهي عن القول في القدر، وابن ماجه في
المقدمة، باب في القدر (٦٨).
قوله: (احتجّ آدم وموسى) أي: وقع بينهما المحاجّة والمناظرة، وزاد في رواية يزيد عن
الأعرج، وستأتي: ((عند ربّهما)) فذكر الحافظ في الفتح (١١: ٥٠٥) عن بعض شيوخه أن هذه
المحاجّة تقع منهما يوم القيامة، ووقع في حديث لعمر رتبه عند أبي داود في كتاب السنة من
سننه (رقم: ٤٧٠٢) مرفوعاً: ((إن موسى قال: يا ربّ أرنا آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة،
فأراه الله آدم، فقال: أنت أبونا آدم؟ فقال له آدم: نعم)) فذكر الحديث بمثل حديث أبي هريرة،
واستدل به بعض العلماء على أن هذه المحاجّة وقعت في الدنيا. وذكر الحافظ القولين، ثم قال:
(«فليس قول البخاري عند الله صريحاً في أن ذلك يقع يوم القيامة، فإن العندية عندية اختصاص
وتشريف، لا عندية مكان، فيحتمل وقوع ذلك في كل من الدارين)) وذكر النووي عن القابسي
أنهما التقت أرواحهما في السماء، فوقع الحجاج بينهما - والله أعلم - .
قوله: (وخطّ لك بيده) الخطّ ههنا بمعنى الكتابة، والمراد كتابة التوراة، أما قوله ((بيده))
فالمذاهب في تفسيرها معروفة. فذهب أكثر السلف إلى التفويض والسكوت والإيمان بها كما
جاءت. وذهب بعضهم إلى حملها على معناها الحقيقي كصفة، لا كجارحة، والسكوت عن
كيفيتها مع الاحتراز عن التشبيه، وذهب بعض المتكلمين إلى تأويلها، كحمل اليد على معنى
القدرة والقوة. وسيأتي تمامه في الباب اللاحق إن شاء الله تعالى.
قوله: (فحجّ آدم موسى) أي: غلبه في الحجة، وفيه أن النبيّ وَّهِ أَيّد حجّة آدم ◌َظَلا، وفيه
ردّ ظاهر على القدريّة الذين ينكرون التقدير. ولكن ربّما يستشكل بأن ظاهره مؤيد للجبرية، وبأنه
إن كانت حجّة آدم ظلّل صحيحة، فيستطيع كل كافر وعاص أن يحتجّ على نفي الملامة عنه بأنه
إنما ارتكب الكفر أو المعصية والفواحش بسبب التقدير السابق، فلا ملامة عليه ولا عقاب،
والعياذ بالله.
وقد أجاب العلماء عن هذا الإشكال بطرق مختلفة، أحسنها عندي أنه ثبت بالنصوص
القطعية أن آدم ظلّها قد تاب من خطيئته، وقد تاب الله تعالى عليه، ولا ينبغي لأحد أن يلوم
الآخر على أمر قد تاب منه، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. ويعكر عليه بأنه لو كان

٣٧٦٠
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَفِي حَدِيثِ ابْنٍ أَبِي عُمَرَ وَابْنِ عَبْدَةَ. قَالَ أَحَدُهُمَا: خَطَّ. وَقَالَ الآخَرُ: كَتَبَ لَكَ
التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ.
٦٦٨٥ - (١٤) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِىءَ عَلَيْهِ، عَنْ أَبِي
الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ: ((تَحَاجَّ آدَمُ وَمُوسَى. فَحَجّ
آدَمُ مُوسَى. فَقَالَ لَّهَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ آدَمُ:
أَنْتَ الَّذِي أَغْطَاهُ اللَّهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ، وَاضْطَفَاهُ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَتِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ:
فَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قُدْرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟)).
إنكار موسى على آدم بالتها في غير محله من هذه الجهة، فلماذا لم يذكرها آدم في جوابه، إذ كان
له أن يقول: إني تبت من تلك الخطيئة وقد قبل الله توبتي، فلماذا، تلومني الآن؟ ولكنه لم يذكر
ذلك في جوابه، وإنما أجاب بكون ما صدر منه قدراً مقدوراً، والجواب عن هذا الإشكال ما
ذكره الحافظ في الفتح (١١: ٥١٠) عن بعض العلماء أن الذي فعله آدم اجتمع فيه القدر
والكسب، والتوبة تمحو أثر الكسب، وقد كان الله تاب عليه، فلم يبق إلا القدر، فذكره
آدم ظل من حيث أن القدر لا يتوجه عليه لوم، لأنه فعل الله، ولا يُسأل عما يفعل. وكان في هذا
الجواب فائدة زائدة، وهي إثبات القدر، ومصالح التكوين، فاختاره للرد على شبهة موسى ظلكلا.
وقريب من هذا الجواب ما ذهب إليه بعض العلماء أن اللوم إنما يتوجه في دار التكليف،
ووقعت هذه المحاجّة بعد ما انتقل آدم منها، ولكن مآل هذا التوجيه هو التوجيه الأول
أنه عليّا تاب من خطيئته، وإلا فإن من عمل خطيئة، ولم يتب منها، فإنه يلام ويعاقب بعد
خروجه من دار التكليف، ولا ثواب ولا عقاب إلا بعد الخروج منها .
وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بقول آدم عليها: ((أتلومني على أمر قدره الله عليّ)» هو
خروجه من الجنة، لا ارتكابه للخطيئة. والمقصود أن الله تعالى خلقني لأن أكون خليفة في
الأرض، وكان ذلك مقدّراً قبل أن أخلق، وكان ذلك من مشيئة الله تعالى وقضائه، ولم يكن
ارتكاب الخطيئة إلا سبباً ظاهراً لهذا الخروج، فلا ملامة عليّ في الخروج من الجنة من حيث
كونه قدراً مقدوراً، ولو لم أكن أكلت من الشجرة، لأظهر الله لذلك سبباً آخر - والله أعلم - .
١٤ - (٠٠٠) - قوله: (أنت آدم الذي أغويت الناس) أي: كنت سباً لغواية من غوي منهم،
وهو سبب بعيد، إذ لو لم يقع الأكل من الشجرة لم يقع الإخراج من الجنة، ولو لم يقع الإخراج
ما تسلّط عليهم الشهوات والشيطان المسبّب عنهما الإغواء. والغيّ ضد الرشد، وهو الانهماك
في غير الطاعة، ويطلق أيضاً على مجرد الخطأ .
قوله: (علم كل شيء) هذا على سبيل التغليب كما في قوله تعالى في ملكة سبأ: ﴿وَأُوِيَّتْ
مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ [سورة النمل، آية ٢٣].

٣٧٧
كتاب القدر
٦٦٨٦ - (١٥) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ
الأَنْصَارِيّ. حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ. حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ أَبِيَ ذُبَابٍ، عَنْ يَزِيدَ، (وَهُوَ ابْنُ
هُرْمُزَ)، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، قَّالاَ: سَمِعْنَا أَبَا هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((احْتَجَّ
آدَمُ وَمُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلامُ عِنْدَ رَبِّهِمَا. فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى. قَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ
اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلاَئِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ
النَّاسَ بِخَطِيئَتِكَ إِلَى الأَرْضِ؟ فَقَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلاَمِهِ،
وَأَعْطَاكَ الأَلْوَاحَ فِيَهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا، فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللَّهَ كَتَبَ الثَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ
أُخْلَقَ؟ قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَاماً. قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا: ﴿وَعَصَىّ ◌َادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:
١٢١]. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلاً كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ
يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَّةً؟)) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى)).
٦٦٨٧ - (٠٠٠) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ حَاتِم. قَالاَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيِّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللّهِ بَ لّهِ: ((اخْتَجَّ آدَمُ وَمُوَسَى. فَقَالَ لَهُ مُوَسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَ جَتْكَ خَطِيئَتُكَ
مِنَ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اضْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلامِهِ، ثُمَّ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ
قَدْ قُدْرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى)) .
٦٦٨٨ - (٠٠٠) حدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ النَّجَّارِ الْيَمَامِيُّ. حَدَّثَنَا
يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّلَهَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ.
١٥ - ( ... ) - قوله: (ونفخ فيك من روحه) وإضافة الروح إلى الله تعالى إضافة تشريف،
و ((من)) زائدة، والنفخ بمعنى الخلق، أو خلق فيك الروح. كذا في فتح الباري.
قوله: (وقربّك نجيّاً) إشارة إلى قوله تعالى في سورة مريم: ﴿وَتَدَيْنَهُ مِن جَانِ العُورِ الْأَيْمَنِ
وَقَرَّبْنَهُ نَجِيًّا (13)﴾ [سورة مريم، آية ٥٢] والنجيّ فعيل بمعنى المُفاعل، كجليس بمعنى المجالس،
والمناجاة: المسارّة بالكلام، أي: قرّبناه واخترناه للمسارّة.
قوله: (بأربعين عاماً) هذه الرواية مفسرة لما مرّ في رواية ابن عيينة: ((أتلومني على أمر
قدّره الله تعالى عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة)) وتبيّن بها أن الله تعالى كتب قصة آدم في التوراة
قبل أن يخلقه بأربعين سنة. قال النووي: ولا يجوز أن يراد به حقيقة القدر، فإن علم الله تعالى
وما قدره على عباده وأراد من خلقه أزليّ لا أوّل له. وقال ابن الجوزي: المعلومات كلها قد
أحاط بها علم الله القديم قبل وجود المخلوقات كلها، ولكن كتابتها وقعت في أوقات متفاوتة،
ذكره الحافظ في الفتح.

٣٧٨
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ،
بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ.
٦٦٨٩ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالِ الضَّرِيرُ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَبْع. حَدَّثَنَا
هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بُّ، نَحْوَ
حَدِيثِھِمْ.
٦٦٩٠ - (١٦) حدّثني أَبُو الظَّاهِرِ، أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ
سَرْحٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِىءٍ الْخَوْلاَنِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍوِ بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ
الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ. قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)).
٦٦٩١ - (٠٠٠) حدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا الْمُقْرِىءُ. حَدَّثَنَا حَيْوَةٌ. ح وَحَدَّثَنِي
مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ التَّمِيمِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ. أَخْبَرَنَا نَافِعٌ، (يَعْنِي ابْنَ يَزِيدَ). كِلاَهُمَا
عَنْ أَبِي هَانِىءٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا: ((وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ)).
(٣) - باب: تصريف اللّه تعالى القلوب كيف شاء
٦٦٩٢ - (١٧) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ. كِلاَهُمَا عَنِ الْمُقْرِىءٍ. قَالَ
زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِىءُ. قَالَ: حَدَّثَنَا حَيْوَةُ. أَخْبَرَنِي أَبُو هَانِىءٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ
أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: أَنَّهُ سَمِعَ
١٦ - (٢٦٥٣) - قوله: (عن عبد الله بن عمرو بن العاص) هذا الحديث أخرجه الترمذي في
القدر، (باب: ١٢، حديث: ٢١٥٧).
قوله: (بخمسين ألف سنة) قال النووي: ((قال العلماء: المراد تحديد وقت الكتابة في
اللوح المحفوظ أو غيره لا أصل التقدير، فإن ذلك أزليّ لا أول له)).
قوله: (وعرشه على الماء) قال النووي: ((أي: قبل خلق السماوات والأرض)) والله تعالى
أعلم بكيفيته .
(٣) - باب: تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء
١٧ - (٢٦٥٤) - قوله: (سمع عبد الله بن عمرو بن العاص) هذا الحديث مما تفرد بإخراجه
المصنف من بين الأئمة الستة. أما مضمون هذا الحديث، فقد أخرجه الترمذي وحسنه في
القدر (٢١٤٠) عن أنس به، قال: ((كان رسول الله ﴿ ﴿ يكثر أن يقول: يا مقلّب القلوب ثبت

٣٧٩
كتاب القدر
رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنٍ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ .
قلبي على دينك، فقلت: يا رسول الله! آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: نعم، إن
القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلّبها كيف يشاء)) وأخرج نحوه في الدعوات (٣٥٢٢) عن أم
سلمة مرفوعاً ولفظه: ((إنه ليس آدميّ إلا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن
شاء أزاغ)) وقال: هذا حديث حسن. وأخرج ابن ماجه نحوه في المقدمة، باب فيما أنكرت
الجهمية (١٨٧) عن النواس بن سمعان مرفوعاً، ولفظه: ((ما من قلب إلا بين إصبعين من أصابع
الرحمن، إن شاء أقامه، وإن شاء أزاغه)).
قوله: (بين إصبعين) يجوز في همزة الإصبع الضم والفتح والكسر، ومع كل حركة تُثلّث
الباء، فهي تسع لغات، والعاشر أصبوع بالضم، وجمعه أصابع وأصابيع. كذا في القاموس.
مسألة صفات الله تعالى المتشابهة:
قوله: (بين إصبعين من أصابع الرحمن) قال النووي تقُّ تعالى: ((هذا من أحاديث
الصفات، وفيها القولان السابقان قريباً: أحدهما: الإيمان بها من غير تعرض لتأويل ولا لمعرفة
المعنى، بل يؤمن بأنها حقّ، وأن ظاهرها غير مراد. قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة
الشورى، آية ١١]. والثاني: يتأول بحسب ما يليق بها. فعلى هذا المراد المجاز، كما يقال: فلان
في قبضتي وفي كفّي، لا يراد به أنه حالّ في كفه، بل المراد: تحت قدرتي. ويقال: فلان بين
إصبعيّ أقلّبه كيف شئت، أي: أنه مني على قهره والتصرف فيه كيف شئت. فمعنى الحديث أنه
سبحانه وتعالى متصرف في قلوب عباده وغيرها كيف شاء، لا يمتنع عليه منها شيء، ولا يفوته
ما أراده، كما لا يمتنع على الإنسان ما كان بين إصبعيه، فخاطب العرب بما يفهمونه، ومثله
بالمعاني الحسية تأكيداً له في نفوسهم. فإن قيل: فقدرة الله تعالى واحدة، والإصبعان للتثنية،
فالجواب أنه قد سبق أن هذا مجاز واستعارة، فوقع التمثيل بحسب ما اعتادوه غير مقصود به
التثنية والجمع - والله أعلم - )).
قال العبد الضعيف - عفا الله عنه -: إنما ذكر الإمام النووي كثّفُ تعالى مذهبين لعلماء أهل
السنة في مثل هذه النصوص التي نسب فيها إلى الله تعالى الإصبع أو اليد أو الكف وغيرها،
أولهما: مذهب التفويض، وهو مذهب جمهور المحدثين والسلف، والثاني: مذهب التأويل،
وهو مذهب أكثر المتكلمين. وهناك مذهب ثالث ذهب إليه جماعة من السلف، واختاره الحافظ
الذهبي والعلامة ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله تعالى، وهو أن المراد من الإصبع
معناها الحقيقيّ ولكنها صفة الله تعالى وليست جارحة، وليست مثل أصابع المخلوقات، بل
کیفیتها مجهولة .
وذكر العلامة ابن دقيق العيد كتّثهُ وجهاً رابعاً استحسنه كثير من العلماء، قال: ((نقول في

٣٨٠
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
كَقَلْبٍ وَاحِدٍ. يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ)). ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ
قُلُويَنَا عَلَى طَاعَتِكَ)).
الصفات المشكلة إنها حق وصدق على المعنى الذي أراده الله، ومن تأولها نظرنا، فإن كان
تأويله قريباً على مقتضى لسان العرب لم ننكر عليه، وإن كان بعيداً، توقفنا عنه ورجعنا إلى
التصديق مع التنزيه، وما كان منها معناه ظاهراً مفهوماً من تخاطب العرب حملناه عليه لقوله:
((على ما فرّطت في جنب الله))، فإن المراد به في استعمالهم الشائع حق الله، فلا يتوقف في
حمله عليه. وكذا قوله: ((إن قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن)) فإن المراد به إرادة
قلب ابن آدم مصروفة بقدرة الله وما يوقعه فيه)) نقله الحافظ في فتح الباري (١٣: ٣٨٣)، كتاب
التوحيد، باب ما يذكر في الذات والنعوت.
وهذه المذاهب الأربعة كلها محتملة ذهب إلى كل واحد منها جماعات من العلماء
المحققين، فإن المهمّ في العقيدة هو تنزيه الله تعالى عن التشبيه والتعطيل، وإن كل واحد من
هذه المذاهب الأربعة جازم بذلك، والاختلاف بينها ليس اختلاف عقيدة، فإن العقيدة هي التنزيه
عن التشبيه والتعطيل، وإنما هو اختلاف رأي في التعبير عن تلك العقيدة وتقعيدها على
النصوص، فليس شيء من هذه المذاهب باطلاً محضاً أو ضلالاً صرفاً، وإن كانت المناظرات
والمجادلات النظرية التي لم تزل جارية بينها منذ قرون، ربما وقع فيها التهويل والغلوّ والإفراط
من الجوانب المختلفة، وربما أدّى بعضهم إلى التجاوز عن الاعتدال، ولكن الحق أن أصل
الخلاف ليس إلا خلافاً اجتهادياً، نظير اختلاف الفقهاء في المسائل الفقهية المجتهد فيها .
ولذلك ذهب إلى كل رأي من هذه الآراء الأربعة فحول من علماء الأمة المتمسكين بالكتاب
والسنة الذين لا شك في كونهم من أهل الحق ومن أهل السنة والجماعة. ويبدو أن مذهب
جمهور السلف هو التفويض، وهو الأسلم والأحوط والأوفق بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّا
اللَّهُ وَالرَّسِحُونَ فِىِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَا بِهِ،﴾ [سورة آل عمران، آية ٧] وقد تكلّمنا على هذه المسألة بشيء من
البسط في ما كتبناه حول ((تفسير عثماني))، وهو من جملة مقالاتنا العربية. وراجع لتفصيل أطراف
المسألة كتاب الأسماء والصفات للبيهقي، ودفع شُبه التشبيه لابن الجوزي وشرح حديث النزول
لابن تيمية، وبوادر النوادر للشيخ أشرف علي التهانوي رحمهم الله تعالى.
قوله: (كقلب واحد يصرّفه حيث يشاء) يعني: أن قلوب جميع بني آدم كقلب واحد يصرّفه
حسب مشيئته، وهذا لا ينافي اختيار العبد وكسبه في الأفعال كما أسلفنا. فمن سنة الله تعالى أنه
لا يصرف قلب عبد من عباده إلى الشر إلا بكسبه.