Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ كتاب فضائل الصحابة (لاَ تَسُبُّوا أَضْحَابِي. لاَ تَسُبُوا أَضْحَابِي. فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً، مَا أَدْرَكَ مُذَّ أَحَدِهِمْ، وَلاَ نَصِيفَهُ)) . ٦٤٣٥ - (٢٢٢) حدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. قَالَ: كَانَ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمِّنِ بْنِ عَوْفٍ شَيْءٌ، فَسَبَّهٌ خَالِدٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((لاَ تَسُبُوا أَحَداً مِنْ أَضْحَابِي. فَإِنَّ أَخَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً، مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلاَ نَصِيفَهُ)). ٦٤٣٦ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ. ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ . قَالاَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. جَمِيعاً عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الأَعمَشِ، الستة، وأخرجه غيره عن أبي سعيد كما سيأتي، وقد اختلف الرواة فيه عن الأعمش، فبعضهم رواه عنه عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وبعضهم رواه عنه، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري به، وصحح الدارقطني رواية هذا الحديث عن أبي سعيد، ويحتمل أن يكون أبو صالح روى الحديث عنهما جميعاً، ولكن الحافظ ابن حجر رد هذا الاحتمال في فتح الباري (٧: ٣٥) ورجح أن مسلماً رواه عن أبي سعيد، فوقع الوهم من أحد الرواة تحت مسلم، فذكر أبا هريرة دون أبي سعيد، - والله أعلم - . حرام من فواحش قوله: (لا تسبّوا أصحابي) قال النووي: ((واعلم أن سب الصحابة مطعم المحرمات، سواء من لابس الفتن منهم وغيره، لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون، كما أوضحناه في أول فضائل الصحابة من هذا الشرح. قال القاضي: وسبّ أحدهم من المعاصي الكبائر. ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه يعزر ولا يقتل. وقال بعض المالكية: يقتل)). قوله: (ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه) أي نصف المدّ، والنصيف والنصف بمعنى. يعني: أن من أنفق مثل أحد ذهبا ممن جاء بعد الصحابة، لا يدرك فضل من أنفق مدّاً أو نصف مدّ من الصحابة. وسبب تفضيل نفقتهم أنها كانت في وقت الضرورة وضيق الحال، بخلاف غيرهم، ولأن إنفاقهم كان في نصرته بَّل﴿ وحمايته، وذلك معدوم بعده، وكذا جهادهم وسائر طاعتهم، ولأن الإخلاص في أعمال الصحابة أكثر من إخلاصهم من بعدهم، وبزيادة الإخلاص يتضاعف الأجر. وقد مرّ الكلام على تعريف الصحابي في أوائل كتاب فضائل الصحابة. ٢٢٢ - (٢٥٤١) - قوله: (عن أبي سعيد) هذا الحديث أخرجه البخاري في فضائل الصحابة، باب لو كنت متخذاً خليلاً (٣٦٧٣)، وأبو داود في السنة، باب النهي عن سب أصحاب النبيّ وَ لـ (٤٦٥٨)، والترمذي في المناقب، باب فيمن سب أصحاب النبيّ وَطار (٣٨٦٠)، وابن ماجه في المقدمة، باب فضل أهل بدر (١٤٨). ٢٤٢ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم بِإِسْنَادٍ جَرِيرٍ وَأَبِي مُعَاوِيَةً. بِمِثْلٍ حَدِيثِهِمَا، وَلَيْسَ فِي حَدِيثٍ شُعْبَةَ وَوَكِيعِ ذِكْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ . (٥٥) - باب: من فضائل أويس القَرَنِيّ، رضي اللَّه عنه ٦٤٣٧ - (٢٢٣) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ. حَدَّثَنِي سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِيَ نَضْرَةَ، عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ؛ أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَفَدُوا إِلَى عُمَرَ. وَفِيهِمْ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ يَسْخَرُ بِأُوَيْسٍ. فَقَالَ عُمَرُ: هَلْ هُهُنَا أَحَدٌ مِنَ الْقَرَنِيِّينَ؟ فَجَاءَ ذُلِكَ الرَّجُلُ. فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَهُ قَدْ قَالَ: ((إِنَّ رَجُلاَ يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَنِ، يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ، لاَ يَدَعُ بِالْيَمَنِ غَيْرَ أُمَ لَهُ ( ... ) - قوله: (بإسناد جرير وأبي معاوية بمثل حديثهما) هذا مما يقوي قول الحافظ ابن حجر في أن مسلماً لم يرو هذا الحديث إلا من أبي سعيد، وإنما وقع الوهم من أحد الرواة بعد مسلم، لأن المصنف جمع بين إسنادي جرير وأبي معاوية ههنا، مع أن المذكور في المتن أن أبا معاوية رواه عن أبي هريرة، وجريراً رواه عن أبي سعيد. فظهر أن مسلماً لا يروي هذا الحديث إلا عن أبي سعيد، - والله أعلم -. (٥٥) - باب: من فضائل أويس القَرَنِيِّ ٢٢٣ - (٢٥٤٢) - قوله: (عن أَسَيْرٍ بن جابر) هو بضم الهمزة وفتح السين مصغراً، وقيل: اسمه يَسير، وكذلك اختلفوا في اسم أبيه فقيل: هو جابر، وقيل: عمرو، أدرك زمن النبيّ وَّهِ، ويقال: إن له رؤية، وقد روى أبو نعيم عنه قال: ((قبض النبيّ ◌َ ﴿ وأنا ابن عشر سنين)) وذكره العجلي في الثقات من أصحاب عبد الله بن مسعود، وقال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث. وقال ابن حزم: أسير بن جابر ليس بالقوي، ولكن روى عنه الجماعة، وراجع التهذيب (١١: ٣٧٨) وحديثه هذا لم يخرجه غير المصنف أحد من الأئمة الستة. قوله: (كان يسخر بأويس) أي: يحتقره ويستهزىء به، وهذا دليل على أن أويساً كان يخفي حاله ويكتم السر الذي بينه وبين الله عزّ وجلّ، ولا يظهر منه شيء يدل لذلك. وهذه طريق العارفين وخواص الأولياء ﴿ه. كذا في شرح النووي. قوله: (من القرنيّين) بفتح القاف والراء، نسبة إلى بني قرن، وهي بطن من مراد، وكانوا من أهل اليمن. قوله: (يقال له: أويس) اسمه أويس بن عامر القرني، أدرك زمن النبيّ وَّ ولم يزره برّاً بأمّه. وأخبر النبيّ ◌َّه بمجيئه، ويكونه مستجاب الدعوات، فزاره عمر وعلي ضًا، وروى عنهما أحاديث، وشهد عدة غزوات، حتى استشهد بصفين مع علي رضي الله تعالى عنه. وراجع الإصابة (١: ١٢٢ و ١٢٣). ٢٤٣ كتاب فضائل الصحابة قَدْ كَانَ بِهِ بَيَاضٌ. فَدَعَا اللَّهَ فَأَذْهَبَهُ عَنْهُ. إِلَّ مَوْضِعَ الدِّينَارِ أَوِ الدِّرْهَمِ. فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ)). ٦٤٣٨ - (٢٢٤) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. قَالاَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِم. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، (وَهُوَ ابْنُ سَلَمَةَ)، عَنْ سَعِيدِ الْجُرَيْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَظَّابِ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ، وَلَهُ وَالِدَّةٌ، وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ. فَمُرُوهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ)). ٦٤٣٩ - (٢٢٥) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، (قَالَ: إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا) - وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى - حَدَّثَنَا مُعَاذُّ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، إِذَا أَتَى عَلَيْهِ أَمْدَادُ أَهْلِ الْيَمَنِ، سَأَلَّهُمْ: أَفِيكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ حَتَّى أَتَى عَلَىْ أُوَيْسٍ. فَقَالَ: أَنْتَ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَانَ بِكَ بَرَصٌ فَبَرأْتَ مِنْهُ إِلَّ مَوْضِعَ دِرْهَم؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لَكَ وَالِدَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ يَقُولُ: ((يَأْتِي عَلَّيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْتَمَنِ مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ. كَانَ بِهِ بَرَصْ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلا مَوْضِعَ دِرْهَم. لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرِّ. لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لِأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ)). فَاسِّتَغْفِرْ لِي. فَاسْتَغْفَرَ لَهُ. قوله: (قد کان به بیاض) أي: برص. قوله: (فليستغفر لكم) فيه فضيلة عظيمة لأويس القرني، حيث أمر الصحابة بطلب الدعاء منه، ولعل ذلك بسبب برّه بأمه، حيث حرم نفسه من زيارة رسول الله صل﴿ من أجلها. وقال القرطبي: ((لا يتوهم أنه أفضل من عمر، ولا أن عمر غير مغفور له، للإجماع على أن عمر أفضل، وأيضاً فإنه تابعي، والصحابي أفضل على ما تقدم. وإنما مضمون ذلك الإخبار بأنه مستجاب الدعوة، وإرشاد عمر به إلى الازدياد من الخير، وهذا كنحو ما أمرنا به من الصلاة على رسول الله وَ﴿ وسؤال الوسيلة له وإن كان أفضل بني آدم، وروي أنه وَلي قال الرجل خرج يعتمر: أشركنا في دعائك يا أخي. والحديث من دلائل نبوته وَّير لأنه أخبر عن اسمه واسم أبيه ونعته وقبيلته، وأنه يجتمع بعمر، وكل ذلك غيب، فكان كذلك)) كذا في شرح الأبي. ٢٢٥ - ( ... ) - قوله: (أمداد أهل اليمن) هم الجماعة الغزاة الذين يُمِدون جيوش الإسلام في الغزو، واحدهم ((مدد)). ٢٤٤ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الْكُوفَةَ. قَالَ: أَلاَ أَكْتُبُ لَكَ إِلَىْ عَامِلِهَا؟ قَالَ: أَكُونُ فِي غَبْرَاءِ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيَّ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ حَجَّ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ. فَوَافَقَ عُمَرَ. فَسَأَلَهُ عَنْ أُوَيْسِ. قَالَ: تَرَكْتُهُ رَثَّ الْبَيْتِ قَلِيلَ الْمَتَاعِ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَنِسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْتِمَنِ مِنْ مُرَادٍ ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ. كَانَ بِهِ بَرَصْ فَبَرَأَ مِنْهُ. إِلَّ مَوْضِعَ دِرِهَمٍ لَهُ وَالِدَّةٌ هُوَ بِهَا بَرَّ،َ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لِأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَّعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ)) فَأَتَّىَّ أُوَيْساً فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي. قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْداً بِسَفَرٍ صَالِحٍ. فَاسْتَغْفِرْ لِي. قَالَ: أَسْتَغْفِرْ لِي. قَالَ: أَنْتَ أَحْدَثُ عَهْداً بِسَفَرٍ صَالِحٍ. فَاسْتَغْفِرْ لِي. قَالَ: لَقِيتَ عُمَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَاسْتَغْفَرَ لَهُ. فَفَطِنَ لَهُ النَّاسُ. فَانْطَلَقَ عَلَى وَّجْهِهِ . قَالَ أُسَيْرٌ: وَكَسَوْتُهُ بُرْدَةً. فَكَانَ كُلَّمَا رَآهُ إِنْسَانٌ قَالَ: مِنْ أَيْنَ لأُوَيْسٍ هَذِهِ الْبُرْدَةُ؟ قوله: (أكون في غبراء الناس أحبّ إليّ) هو بفتح الغين وسكون الباء، أي: ضعافهم وصعاليكهم وأخلاطهم الذين لا يعبأ بهم. وهذا من إيثار الخمول وكتم حاله. قوله: (رث البيت) يعني: كان بيته في غاية من السذاجة والبساطة. قوله: (فأتي أويساً) يعني: الرجل الحاج لما رجع من الحج أتى إلى أويس القرني ليطلب منه الدعاء. قوله: (أنت أحدث عهداً بسفر صالح) يعني: أنك تشرفت بأداء الحج قريباً، فأنت أجدر أن يطلب منك الدعاء. قوله: (لقيتَ عمر؟) إنما سأله عن ذلك لما رآه يلحّ عليه في طلب الدعاء، ففطن أن عمر بن الخطاب ﴿به هو الذي أخبره عن حاله، وإلا فكان في حالة الخمول لا يعرف أحد فضله . قوله: (ففطن له الناس) يعني: أن الناس كانوا لا يعرفون فضله، فلما رأوا هذا الرجل الحاجّ يكثر عليه من طلب الدعاء، وعرفوا أن عمر به أوصاه بذلك، عرفوا فضله. قوله: (من أين لأويس هذه البردة؟) يعني: كان أويس ◌َُّه يعيش في ثياب رثة، فلما رأوا عليه بردة جيدة تعجبوا . ٢٤٥ كتاب فضائل الصحابة (٥٦) - باب: وصية النبي ◌َّ بأهل مصر ٦٤٤٠ _ (٢٢٦) حدّثني أَبُو الظَّاهِرِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي حَرْمَلَةُ. ح وَحَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ، (وَهُوَ ابْنُ عِمْرَانَ التُّجِيبِيُّ)، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرِّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ أَرْضاً يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيْرَاطُ. فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْراً. فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِماً. فَإِذَا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَقَْتِلاَنِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَاخْرُجْ مِنْهَا)). قَالَ: فَمَرَّ بِرَبِيعَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنَيْ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ. يَتَنَازَعَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَّةٍ. فَخَرَجَ مِنْهَا . ٦٤٤١ - (٢٢٧) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ (٥٦) - باب: وصية النبيّ ◌ُّ بأهل مصر ٢٢٦ - (٢٥٤٣) - قوله: (عبد الرحمن بن شماسة) بتثليث الشين، وقد مر ترجمته. قوله: (سمعت أبا ذر يقول) هذا الحديث مما تفرد مسلم بإخراجه من بين الأئمة الستة. قوله: (أرضاً يذكر فيها القيراط) القيراط وزن، وهو هنا جزء من أجزاء الدينار والدرهم وغيرهما، وكان أهل مصر يكثرون من استعماله والتكلم به، والأجزاء الأربعة والعشرون للدينار تسمى قراريط، وقطع الدرهم يسمونها كذلك بخلاف غيرهم من أهل الأقاليم فإنهم يسمونها بأسماء أخر، فالمراد من هذه الأرض أرض مصر، وسيأتي ذلك مصرحاً في الرواية الآتية. قوله: (فاستوصوا بأهلها خيراً) أي: فاقبلوا وصيتي فيهم بالمعاملة الحسنة معهم. وقيل: معناه: أوصوا غیرکم بذلك. قوله: (فإن لهم ذمّة ورَحِمَاً) أما الذمة فهي الحرمة والحق، وسبب هذه الذمة إما كون النبيّ وَّله من ولد هاجر زوج إبراهيم علا، وكانت من مصر. وإما لأن مصر إنما فتحت زمن عمر صلحاً إلا الإسكندرية. وأما الرحم، فسببه ما بينا من كون هاجرظلال منهم. وسيأتي في الرواية الآتية أن لهم صهراً، وسببه أن مارية القبطية هيّا كانت من مصر، وإنها ولدت لرسول الله صل* إبراهيم. قوله: (يقتتلان في موضع لبنة) قال القرطبي: ((يعني بذلك كثرة أهلها وتشاححهم في الأرض، واشتغالهم بالحرث والزراعة عن الجهاد وإظهار الدين، ولذلك أمرهم بالخروج إلى موضع الجهاد. ويحتمل أن يكون ذلك لأن الناس إذا تزاحموا على الأرض وتنافسوا كثرت خصومتهم وشرورهم وفشا فيهم البخل، فيتعين الخروج عن محل يكون ذلك)) والحديث من أعلام نبوته وَال#، لأن كل ما أخبر به وقع كما ذكر. ٢٤٦ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم جَرِيرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. سَمِعْتُ حَرْمَلَةَ الْمِصْرِيَّ يُحَدِّثُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُمَاسَةَ، عَنْ أَبِي بَصْرَةَ، عَنْ أَبِي ذَرِّ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَّهِ: ((إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ. وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا. فَإِنَّ لَّهُمْ ذِمَّةً وَرَحِماً)) أَوْ قَالَ: ((ذِمَّةً وَصِهْراً، فَإِذَا رَأَيْتَ رَجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فِيهَا فِي مَوْضِعٍ لَبِنَةٍ، فَاخْرُجْ مِنْهَا)). قَالَ: فَرَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شُرَخْبِيلَ بْنِ حَسَنَةً وَأَخَاهُ رَبِيعَةَ، يَخْتَصِمَاَنِ فِي مَوْضِعِ لَِّنَةٍ، فَخَرَجْتُ مِنْهَا. (٥٧) - باب: فضل أهل عمان ٦٤٤٢ - (٢٢٨) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ أَبِي الْوَازِعِ، جَابِرِ بْنِ عَمْرٍو الرَّاسِيِّ. سَمِعْتُ أَبَا بَرْزَةً يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ رَجُلاً إِلَّى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ. فَسَبُّوهُ وَضَرَبُوهُ. فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لَوْ أَنَّ أَهْلَ عُمَانَ أَتَيْتَ، مَا سَبُّوكَ وَلاَ ضَرَبُوكَ)). (٥٨) - باب: ذكر كذاب ثقيف ومبيرها ٦٤٤٣ - (٢٢٩) حدّثنا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمِ الْعَمِّيُّ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، (يَعْنِي ابْنَ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيَّ)، أَخْبَرَنَا الأَسْوَدُ بْنُ شَيْبَانَ، عَنْ أَبِّي نَوْفَلٍ. رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ....... (٥٧) - باب: فضل أهل عمان ٢٢٨ - (٢٥٤٤) - قوله: (سمعت أبا برزة) هذا الحديث تفرد المصنف بإخراجه من بين الأئمة الستة. قوله: (لو أن أهل عمان) إلخ هو بضم العين وتخفيف الميم، بلد معروف باليمن، وهي الآن دولة مستقلة عاصمتها مسقط. وقد ضبطه بعضهم بفتح العين وتشديد الميم، وأراد به عمان البلقاء التي هي بالأردن، ولكنه خطأ، والصحيح أنه عمان باليمن. يعني أنك لو ذهبت إلى عمان ما عاملك أهلها هذه المعاملة السيئة، وفيه فضل أهل عمان. (٥٨) - باب: ذكر كذاب ثقيف ومبيرها ٢٢٩ - (٢٥٤٥) - قوله: (عن أبي نوفل) بفتح الفاء، وهو ابن أبي عقرب البكري الكندي العريجي. قيل: اسمه مسلم بن أبي عقرب، وقيل: عمرو بن مسلم بن أبي عقرب. وقيل: معاوية بن مسلم بن أبي عقرب. قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة وذكره ابن حبان في الثقات، وسماه شعبة معاوية بن عمرو وقال: كنت آتيه أنا وأبو عمرو بن العلاء، فأسأله عن الفقه ويسأله أبو عمرو عن العربية. كذا في التهذيب (٢١: ٢٦٠) وحديثه هذا لم يخرجه أحد من الأئمة الستة إلا المصنف. ٢٤٧ كتاب فضائل الصحابة عَلَى عَقَبَةِ الْمَدِينَةِ. قَالَ: فَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ تَمُرُّ عَلَيْهِ وَالنَّاسُ. حَتَّى مَرَّ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. فَوَقَفَ عَلَيْهِ. فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ، أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ، أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلامُ عَلَيْكَ، أَبَا خُبَيْبِ، أَمَا وَاللَّهِ، لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا. أَمَا وَاللَّهِ، لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا. أَمَا وَاللَّهِ، لِّقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا. أَمَا وَاللَّهِ، إِنْ كُنْتَ، مَا عَلِمْتُ، صَوَّاماً قَوَّاماً. وَصُولاً لِلرَّحِمِ. أَمَا وَاللَّهِ، لأُمَّةٌ أَنْتَ أَشَرُهَا لِأُمَّهُ خَيْرِ .. قوله: (على عقبة المدينة) هي عقبة بمكة، ورأى فيها عبد الله بن الزبير ها مصلوباً على خشبة منكساً، صلبه الحجاج بن يوسف بعد أن قُتِلَ في المعركة. قوله: (السلام عليك أبا خبيب!) خاطب عبدَ الله بن الزبير بكنيته، وله كنيات أخرى. وفيه جواز السلام على الميت، سواء كان مدفوناً أو لا، وفيه تكرار السلام عليه ثلاث مرات. قوله: (لقد كنت أنهاك عن هذا) أي عن مقاومة المتغلبين من الحكام، فإن ابن عمر ضيًا كان يرى أن في ذلك فتنة أكثر من تحمل تبعاتهم والصلح معهم، وكان رأي ابن الزبير ها بالعكس، وذلك أمر موكول إلى الاجتهاد، كما مرّ تفصيله في كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمير. ويحتمل أن يكون ابن عمر ينهاه عن أصل الخلافة لما فيها من الخطر. قوله: (إن كنتَ، ما علمت، صوّاما) ((إن)) هنا مخففة من المثقلة. وفيه منقبة لابن عمر ◌ًا، لأنه شهد بما يعلم به من خبر ابن الزبير، وأبطل ما أشاع عليه الحجاج وشيعته من قولهم فيه إنه عدو الله وظالم. فأراد ابن عمر تبرئته من ذلك وإعلام الناس بمحاسنه، مع علمه أن كلامه يصل إلى الحجاج، ولم يكترث به ولا خافه. قوله: (قوّاماً) قال القرطبي: ((كان ابن الزبير يصوم الدهر، ويواصل الأيام، ويحيي الليل، وربما قرأ القرآن في ركعة الوتر)). قوله: (وَصُولاً للرحم) بفتح الواو، مبالغة للواصل، يعني أنه كان يصل الأرحام ويبالغ في ذلك. قال القاضي عياض: ((هذا أصح مما نسب إليه أهل الأخبار من البخل لإمساكه مال الله تعالى عمن لم يستحقه من الشعراء وغيرهم. وقد عده صاحب كتاب الأجواد فيهم، وهو الذي یشبه أفعاله وشیمته)) . قوله: (أما والله لأمة أنت أشرها لأمة خير) قال القرطبي: ((يعني: أنهم إنما صلبوه لأنه شر الأمة في زعمهم على ما كان فيه من الخير والفضل، فإذا لم يكن في الأمة شرّ منه، فالأمة كلها خير. وهذا الكلام يتضمن الإنكار عليهم فيما فعلوا به)) وقال القاضي عياض: ((ففيه قول ابن عمر بالحق وقلة خوفه من الحجاج، فإنه لم تصده سطوته عن الشهادة له بما علم فيه ليبين للناس كذب الحجاج وشيعته في وصفهم له بعدو الله والكفر والبخل)). ٢٤٨ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ثُمَّ نَفَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ مَوْقِفُ عَبْدِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ. فَأُنْزِلَ عَنْ جِذْعِهِ. فَأَلْقِيَ فِي قُبُورِ اليَهُودِ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ. فَأَبَتْ أَنْ تَأْتِيَهُ. فَأَعَادَ عَلَيْهَا الرَّسُولَ: لَتَأْتِيَنِّي أَوْ لِأَبْعَثَنَّ إِلَيْكِ مَنْ يَسْحَبُكِ بِقُرُونِكِ. قَالَ: فَأَبَتْ وَقَالَتْ: وَاللَّهِ لاَ آتِيَّكَ حَتَّى تَبْعَثَ إِلَيَّ مَنْ يَسْحَبُنِي بِقُرُونِي. قَالَ: فَقَالَ: أَرُونِي سِبْتَيَّ. فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَتَوَذَّفُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا. فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتِي صَنَعْتُ بِعَدُوِّ اللّهِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ، وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ. بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ لَهُ: يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ! أَنَا، وَاللَّهِ ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ. أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكُنْتُ أَرْفَعُ بِهِ طَعَامَ رَسُولِ اللّهِ بَّهَ، وَطَعَامَ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الدَّوَابِ. وَأَمَّا الآخَرُ فَنِطَاقُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ، أَمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ حَدَّثْنَا (أَنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّاباً وَمُبِيراً) فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَرَأَيْنَاهُ. وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلاَ إخَالُكَ إِلاَّ إِيَّاهُ. قَالَ: فَقَامَ عَنْهَا وَلَمْ يُرَاجِعْهَا. قوله: (ثم نفذ عبد الله بن عمر) أي: انطلق من ذلك الموضع. قوله: (من يَسْحُبَكَ بقرونك) أي: من يجرّك من ضفائر شعرك، والقرون: الضفائر. قوله: (أروني سِبْتَيَّ) بكسر السين، تثنية السبت، وهي النعال التي لا شعر عليها . قوله: (يَتَوَذَّف) أي: يتبختر. وقيل: يمشي مسرعاً . قوله: (أنا والله ذات النطاقين) إلخ قال الأبي: ((لما عرض الحجاج بمهانتها، لأن التي تنتطق، أي: تتحزم إنما هي الخادم لتقوى على الخدمة، أجابته بأن أحدهما الذي لا بد للمرأة منه، والآخر الذي يحزم به على السفرة التي فيها طعام رسول الله ◌َله، لتخفيه عن الباحث عنه، كالذي يتحزم على الشيء ويخفيه، وفي خدمتها من الشرف ما فيها)). وقال القاضي عياض: ((وقع تفسير النطاقين في البخاري بأبين من هذا، وأنها لما صنعت سفرة رسول الله 18 وسفرة أبي بكر حين هاجرا، شقت نطاقها نصفين، فربطت السفرة بأحدهما، وانتطقت بالآخر)». قوله: (ومُبِيراً) أي: رجلاً مهلكاً سفّاكاً للدماء. قوله: (فأمّا الكذاب، فرأيناه) تعني به: المختار بن أبي عبيد الثقفي، فإنه ادعى أنه يأتيه الوحي، وتبعه ناس حتى أهلكه الله تعالى. قوله: (وأما المبير فلا إخالك إلا إياه) ((لا إخالك)) بكسر الهمزة، وهو الأشهر، وهو على خلاف القياس، وضبطه بعضهم بفتح الهمزة، وهو صحيح لغة وقياساً، أي: لا أظنك، ولكن الأول هو الجاري على ألسنة العرب أكثر. وحاصل هذا القول: أنها جعلت الحجاج مصداقاً للمبير الذي أخبر رسول الله و ◌ّ ر بظهوره من ثقيف، وكان الحجاج من ثقيف، وكان معروفاً بسفك الدماء، والله سبحانه أعلم. ٢٤٩ كتاب فضائل الصحابة (٥٩) - باب: فضل فارس ٦٤٤٤ - (٢٣٠) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. (قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا) عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ جَعْفَرِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ، عَنْ أَبِيَّ هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((لَوْ كَانَ الدِّينُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَذَهَبَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ فَارِسَ - أَوْ قَالَ - مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ، حَتَّى يَتَنَاوَلَهُ)) . ٦٤٤٥ _ (٢٣١) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، (يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ)، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا جُلُوساً عِنْدَ النَِّيِّ نَّهِ. إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْجُمُعَةِ. فَلَمَّا قَرَأَ: ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِمَّ﴾ [الجمعة: ٣] قَالَ رَجُلٌ: مَنْ هَؤُلاَءِ (٥٩) - باب: فضل فارس ٢٣٠ - (٢٥٤٦) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في تفسير سورة الجمعة، باب قوله تعالى: ﴿وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمَّ﴾ (٤٨٩٧ و ٤٨٩٨)، والترمذي في المناقب، باب في فضل العجم (٣٩٢٩). قوله: (لو كان الدين عند الثريا) وفي رواية لأحمد ((لو كان العلم عند الثريا)) وهو نجم معروف يكنى به عن البعد والارتفاع، يعني: لو كان الدين وعلمه بعيداً لا يدركه عامة الناس. قوله: (لذهب به رجل) بصيغة المفرد، وورد في الرواية الآتية ((رجال)) بصيغة الجمع، وشك سليمان بن بلال في رواية البخاري، فقال: ((لناله رجال، أو رجل، من هؤلاء)» وأكثر الروايات وردت بصيغة الجمع، وقد ذكرها الحافظ في الفتح (٨: ٦٤٢). قوله: (من فارس) قال الحافظ: ((قيل: إنهم من ولد هدرام بن أرفخشذ بن سام بن نوح، وأنه ولد بضعة عشر رجلاً كلهم كان فارساً شجاعاً، فسموا الفرس للفروسية، وقيل في نسبهم أقوال أخرى)) وفيه فضيلة ظاهرة لأهل فارس، وأن رجالاً منهم يجدّون في طلب العلم والدين. وقد ذكر بعض العلماء أن مصداق هذا الحديث الإمام أبو حنيفة، وذكر بعضهم أن مصداقه الإمام البخاري، والظاهر أن هناك جماعة كبيرة من الفقهاء والمحدثين أصلهم من فارس، وكلهم يجوز أن يكون مصداقاً لهذه البشارة النبوية، ومنهم الإمام أبو حنيفة والإمام البخاري رحمهما الله تعالى، والله سبحانه أعلم. ٢٣١ - ( ... ) - قوله: (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم) إلخ وتمام الآية قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ الْأُمَّيِّئِنَ رَسُولُا ◌ِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَِهِ، وَيُزَكِبِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوْ مِن قَبْلُ (جَ وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمَّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة الجمعة، الآيات ٢، و٣] لَفِی ضَلَلِ نُبِينٍ فقوله: (وآخرين)) معطوف على قوله ((الأميين)) والمقصود: أن رسول الله وَله مبعوث إلى من كان ٢٥٠ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَلَمْ يُرَاجِعْهُ النَّبِيُّ وََّ. حَتَّى سَأَلَهُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثً. قَالَ: وَفِينَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ. قَالَ: فَوَضَعَ النَّبِيُّ وَّهِيَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ، ثُمَّ قَالَ: ((لَوْ كَانَ الإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيًّا، لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ هَؤُلاءِ)). (٦٠) - باب: قوله ◌َي: ((الناس كابل مائة، لا تجد فيها راحلة)) ٦٤٤٦ - (٢٣٢) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ - وَاللَّفْظُ لِمُحَمَّدٍ - (قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا) عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((تَجِدُونَ النَّاسَ كَإِلٍ مِائَةٍ. لاَ يَجِدُ الرَّجُلُ فِیھَا رَاحِلَةً». في زمنه من الأمّيّين، وإلى من سيجيىء بعدهم ولا يرونه، فهذا شامل لجميع الأمة، وخص رسول الله ور منهم بالذكر أهل فارس لمزيتهم في طلب العلم والدين. (٦٠) - باب: قوله ◌ُّل: ((الناس كابل مائة إلخ)» ٢٣٢ - (٢٥٤٧) - قوله: (عن ابن عمر) هذا الحديث أخرجه البخاري في الرقاق، باب رفع الأمانة (٦٤٩٨)، والترمذي في الأمثال، باب ما جاء في مثل ابن آدم وأجله وأمله (٢٨٧٦)، وابن ماجه في الفتن، باب من ترجى له السلامة من الفتن (٤٠٣٨). قوله: (تجدون الناس كإبل مائة) على أنه موصوف وصفة، والمعنى: مائة إيل، وورد في رواية البخاري ((كالإبل المائة)) معرفاً باللام، وهو الأوفق بالاستعمال، واللام فيه للجنس. قوله: (لا يجد الرجل فيها راحلة) الراحلة هي النجيبة المختارة من الإبل التي تصلح للركوب، وقد فسر العلماء هذا الحديث بطريقين: الأول: أن المقصود من هذا الحديث بيان مساواة الناس في النسب، لا فضل لأحدهم على الآخر، فشبّه الناس بمائة من الإبل التي ليس فيها راحلة، فلا فضل لأحد من الإبل على الآخر، وهذا التفسير قد اختاره ابن قتيبة، وكذلك البيهقي ذكر هذا الحديث في كتاب القضاء، باب التسوية بين الخصمين، فكأنه أراد هذا التفسير. والتفسير الثاني: وإليه ذهب أكثر العلماء، أن المقصود بيان قلة أهل الفضل، فالناس في الدنيا كثير، ولكن لا تجد فيهم من أهل الفضل إلا عدداً قليلاً، كما أن الإبل كثيرة، ولكن النجيبة منها المختارة للركوب قليلة جداً. وقال القرطبي: ((الذي يناسب التمثيل أن الرجل الجواد الذي يحمل أثقال الناس والحمالات عنهم ويكشف كربهم عزيز الوجود، كالراحلة في الإبل الكثيرة)) وإلى هذا المعنى أشار البخاري بإخراجه في باب رفع الأمانة. ٢٥١ كتاب فضائل الصحابة ثم لفظ مسلم: ((لا يجد الرجل فيها راحلة)» يدل بظاهره على نفي أهل الفضل على الإطلاق، مع أنه غير مراد، والنفي المطلق فيه محمول على المبالغة وعلى أن النادر لا حكم له. ووقع في رواية البخاري: ((لا تكاد تجد فيها راحلة)) وهو أولى وأوفى بالمراد، لما فيها من زيادة المعنى ومطابقة الواقع، وسند البخاري لهذا الحديث معدود في أصح الأسانيد، كما ذكره الحافظ في الفتح (١١: ٣٣٥). والله سبحانه أعلم. تم كتاب الفضائل بفضل الله تعالى وحسن توفيقه لغرة ذي الحجة سنة ألف وأربعمائة واثنتي عشرة من الهجرة النبوية على صاحبها السلام، وأسأل الله سبحانه أن يوفقني لإكمال باقي الشرح على ما يحبه ويرضاه، إنه تعالى على كل شيء قدير، وله الحمد أولاً وآخراً. ٢٥٢ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب (١) باب بر الوالدين، وأنهما أحق به ٦٤٤٧ - (١) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ بْنِ جَمِيلٍ بْنِ طَرِيفِ الثَّقَفِيُّ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِّي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: جَاءً رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللّهِ ﴿ِ فَقَالَ: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: ((أُمُّكَ)) قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (ثُمَّ أُمْكَ)) قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: (ثُمَّ أُمَّكَ)) قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ((ثُمَّ أَبُوكَ)). وَفِي حَدِيثٍ قُتَيِّبَةَ: مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنٍ صَحَابَتِ؟ وَلَمْ يَذْكُرِ النَّاسَ. [٤٥] - كتاب البر والصلة والآداب (١) - باب بر الوالدين ١ - (٢٥٤٨) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأدب، باب من أحق الناس بحسن الصحبة (٥٩٧١)، وابن ماجه في الآداب، باب برّ الوالدين (٣٧٠٢). قوله: (جاء رجل) يحتمل أنه معاوية بن حيدة (بفتح الحاء والياء) رضي الله تعالى عنه، وهو جدّ بهز بن حكيم. فقد أخرج أبو داود والترمذي والبخاري في الأدب المفرد من حديثه، قال: ((قلت: يا رسول الله! من أبرّ؟ قال: أمك)) الحديث. قوله: (بحسن صحابتي) بفتح الصاد مصدر بمعنى الصحبة، وقد وقع الحديث بهذا اللفظ في الرواية الآتية، والمراد هنا البر وحسن العشرة. قوله: (ثم أبوك) هذه الرواية صريحة في أن الأب إنما ذكر في الرابعة، وقد وردت أكثر الروايات على هذا، وقد وقع في بعض النسخ والروايات ذكر الأب في المرة الثالثة، ولكن ما ههنا أصح، وبه استدل بعض العلماء أن ثلاثة أرباع البر للأم، والربع للوالد. قال ابن بطال: (مقتضاه أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر)) قال: ((وذلك لصعوبة الحمل، ثم الوضع، ثم الرضاع. فهذه تنفرد بها الأم وتشقى بها، ثم تشارك الأب في التربية. وقد وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَتْهُ أُمُ وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ فِ عَامَيْنٍ﴾ [سورة لقمان، آية ١٤] فسوى بينهما في الوصاية، وخص الأم بالأمور الثلاثة)). ٢٥٣ كتاب البر والصلة والآداب ٦٤٤٨ - (٢) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلاَءِ الْهَمْدَانِيُّ. حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَّجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ قَالَ: ((أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُكَ، ثُمَّ أُمُكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ)) . ٦٤٤٩ - (٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا شَرِيكُ، عَنْ عُمَارَةَ وَابْنٍ شُبْرُمَةً، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِّ ◌َِّهِ. فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ . وَزَادَ: فَقَالَ: ((نَعَمْ، وَأَبِيكَ، لَتُبََّ)). ٦٤٥٠ _ (٤) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا شَبَابَةُ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ. ح وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍ حَدَّثَنَا حَبَّنُ. خَدَّثَنَا وُهَيْبٌ. كِلاَهُمَا عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وقال المَازَرِي: ((واختلف، فمشهور قول مالك أنها والأب في البر سواء. وقال الليث: حق الأم آكد، لها ثلثا البر. وذكر المحاسبي أن تفضيل الأم مجمع عليه)) كذا في شرح الأبي. ولكن حقق الحافظ في الفتح (١٠ : ٤٠٢) أن ما نسب إلى مالك من تسوية الأب والأم ليس مروياً عنه صريحاً، وإنما أخذوه عما روي عنه أنه سأله رجل، فقال: ((طلبني أبي فمنعتني أمي)) فقال مالك: ((أطع أباك ولا تعص أمك))، وليس دلالة هذا الجواب واضحة على كون الأب والأم سواء في البر. وسئل الليث عن المسئلة بعينها، فقال: ((أطع أمك، فإن لها ثلثي البر)» وظاهر الحديث يوافق الليث. ٢ - ( ... ) - قوله: (ثم أدناك أدناك) قال القاضي عياض: ((يعني: أن بعد القيام ببرّ الأبوين ينبغي صلة الرحم الأقرب فالأقرب. وهذا عند التزاحم، وأما عند القدرة على الجميع، فيبرّ الجميع)) وورد في حديث لأبي رمثة عند الحاكم: ((انتهيت إلى رسول الله وَ ل فسمعته يقول: أمك وأباك، ثم أختك وأخاك، ثم أدناك أدناك)) وتردد بعض العلماء في الجدّ والأخ، والأكثر على تقديم الجدّ، وبه جزم الشافعية، وظاهر حديث أبي رمثة يدل على تقديم الأخ، إلا أن يقال: إن الجدّ داخل في قوله ((وأباك)) وهو غير ظاهر، ولأن الأخ يتقدم على الجدّ في ترتيب العصوبة، - والله أعلم - ٣ - ( ... ) - قوله: (نعم وأبيك لُنَّأَنَّ) يعني: زاد هذه الكلمة قبل الجواب عن السؤال، والحاصل: أن السائل لما سأله و 18 عمن يستحق بره وحسن معاملته، أجابه النبيّ وَلّ بأنك سوف تخبر بجواب سؤالك. ثم أجاب بما تقدم. والواو ههنا، وإن كانت للقسم، ولكن حقيقة القسم غير مرادة ههنا، لأن الحلف بغير الله لا يجوز، وإنما هي كلمة تجري على اللسان دعامة للكلام. ٢٥٤ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فِي حَدِيثٍ وُهَيْبٍ: مَنْ أَبَرُّ؟ وَفِي حَدِيثٍ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ: أَيُّ النَّاسِ أَحَقُّ مِنِّي بِحُسْنِ الصُّخْبَةِ؟ ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثٍ جَرِيرٍ . ٦٤٥١ - (٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالاَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبٍ، ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا يَحْيَى، (يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ)، عَنْ سُفْيَانَ وَشُعْبَةً. قَالاَ: حَدَّثَنَا حَبِيبٌ، عَنْ أَبِي العَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌َهِ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ. فَقَالَ: ((أَحَيِّ وَالِدَاكَ؟)) قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((فَفِيهِمَا فَجَاهِذْ)). ٥ - (٢٥٤٩) - قوله: (عن عبد الله بن عمرو) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد، باب الجهاد بإذن الأبوين (٣٠٠٤)، وفي الأدب باب لا يجاهد إلا بإذن الأبوين (٥٩٧٢)، وأخرجه أبو داود في الجهاد، باب في الرجل يغزو وأبواه كارهان (٢٥٣٠)، والترمذي في الجهاد، باب فيمن خرج في الغزو، وترك أبويه (١٦٧١)، والنسائي في الجهاد، باب الرخصة في التخلف لمن له والدان (٣١٠٣)، وفي البيعة، باب البيعة على الهجرة (٤١٦٣)، وابن ماجه في الجهاد، باب الرجل يغزو وله أبوان (٢٨٠٩). قوله: (جاء رجل) يحتمل: أن يكون هو جاهمة بن العباس بن مرداس، فقد روى النسائي وأحمد من طريق معاوية بن جاهمة ((أن جاهمة جاء إلى النبيّ ◌َ* فقال: يا رسول الله! أردت الغزو وجئت لأستشيرك، فقال: هل لك من أم؟ قال: نعم، قال: الزمها)) الحديث. ورواه البيهقي من طريق ابن جريج، عن محمد بن طلحة بن ركانة عن معاوية بن جاهمة السلمي، عن أبيه. كذا في فتح الباري (٦: ١٤٠). مسألة استئذان الأبوين للجهاد: قوله: (ففيهما فجاهد) أي: خصّصهما بجهاد النفس في رضاهما . وفيه: أن بر الوالدين قد يكون أفضل من الجهاد، وسيأتي مثل ذلك في رواية ناعم مولى أم سلمة أن النبيّ وَّم قال له: ((فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما)). وقد أخرج أبو داود (رقم: ٢٥٢٨) في الجهاد وابن حبان من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو قال: ((جاء رجل إلى رسول الله وَل فقال: جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبويّ يبكيان، فقال: ارجع عليهما فأضحكهما کما أبکیتهما)) وزاد ابن حبان: ((وأبى أن يخرج معه)). وأخرج أبو داود (رقم: ٢٥٣٠) في الجهاد عن أبي سعيد الخدري ت ◌ُله: ((أن رجلاً هاجر إلى رسول الله وَ﴿ من اليمن، فقال: هل لك أحد باليمن؟ قال: أبواي، قال: أذنا لك؟ قال: لا، قال: ارجع إليهما فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرّهما)) وأخرجه ابن حبان، وفي أوله: «أن رجلاً هاجر إلى رسول الله وَ﴿ من اليمن، فقال: يا رسول الله! إني هاجرت، فقال ٢٥٥ كتاب البر والصلة والآداب ٦٤٥٢ - (٠٠٠) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حَبِيبٍ. سَمِعْتُ أَبَا العَبَّاسِ. سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَّى النَّبِيِّ وَِّ، فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ. قَالَ مُسْلِمٌ: أَبُو الْعَبَّاسِ اسْمُهُ السَّائِبُ بْنُ فَرُوخَ الْمَكْيُّ. ٦٤٥٣ - (٦) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. حَ وَحَدَّثَنِي الْقَّاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ. حَدَّثَنَا رسول الله ( : قد هجرت الشرك ولكنه الجهاد، هل لك أحد باليمن؟)) ثم سرد الحديث بمثل رواية أبي داود، راجع ترتیب ابن حبان لابن بلبان (١: ٣٢٥). وقال العيني في عمدة القاري (٧: ٤٠): ((قال أكثر أهل العلم منهم الأوزاعي والثوري ومالك والشافعي وأحمد: إنه لا يخرج إلى الغزو إلا بإذن والديه، ما لم يقع ضرورة وقوة العدو، فإذا كان كذلك تعين الفرض على الجميع وزال الاختيار ووجب الجهاد على الكل، فلا حاجة إلى الإذن من والد وسيد. وقال ابن حزم في مراتب الإجماع: إن كان أبواه يضيعان بخروجه ففرضه ساقط عنه إجماعاً، وإلا ، فالجمهور يوقفه على الاستيذان، والأجداد كالآباء، والجدات كالأمهات. وعن المنذري هذا في التطوع. أما إذا وجب عليه فلا حاجة إلى إذنهما، وإن منعاه عصاهما. هذا إذا كانا مسلمين، فإن كانا كافرين فلا سبيل لهما إلى منعه، ولو نفلاً، وطاعتهما حينئذ معصية. وعن الثوري: هما كالمسلمين)). والحاصل: أن استئذان الأبوين للجهاد واجب، إلا إذا صار الجهاد فرض عين بالنفير العام، قال ابن الهمام في فتح القدير (٥: ١٩١): ((هذا (أي كون الجهاد فرض كفاية) إذا لم يكن النفير عاماً، فإن كان، بأن هجموا على بلدة من بلاد المسلمين، فيصير من فروض الأعيان، سواء كان المستنفر عدلاً أو فاسقاً، فيجب على جميع أهل تلك البلدة النفر، وكذا من يقرب منهم إن لم يكن بأهلها كفاية، وكذا من يقرب ممن يقرب إلخ)). وهو محمل ما أخرجه ابن حبان من طريق أخرى عن عبد الله بن عمرو: ((جاء رجل إلى رسول الله ﴿ فسأله عن أفضل الأعمال، قال: الصلاة، قال: ثم مه؟ قال: الجهاد، قال: فإن لي والدين، فقال: آمرك بأبويك خيراً، فقال: والذي بعثك بالحق نبياً لأجاهدنّ ولأتركنّهما، قال: فأنت أعلم)) ذكره الحافظ في الفتح (٦: ١٤١) ثم قال: ((وهو محمول على جهاد فرض العين توفيقاً بین الحدیثین)). ثم قال الحافظ: ((واستدل به على تحريم السفر بغير إذن، لأن الجهاد إذا منع من فضيلته، فالسفر المباح أولى. نعم، إن كان سفره لتعلم فرض عين حيث يتعين السفر طريقاً إليه، فلا منع، وإن كان فرض كفاية ففيه خلاف)) قلت: والراجح توقفه على استئذان الوالدين. ٢٥٦ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم حُسَيْنُ بْنُ عَلِي الْجُعْفِيُّ، عَنْ زَائِدَةَ. كِلاَهُمَا عَنِ الأَعمَشِ. جَمِيعاً عَنْ حَبِيبٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ٦٤٥٤ - (٠٠٠) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ؛ أَنَّ نَاعِماً، مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةٌ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ إِلَى نَبِيِّ اللّهِ فَقَالَ: أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ، أَبْتَغِيَ الأَجْرَ مِنَ اللَّهِ. قَالَ: ((فَهَلْ مِنْ وَالِدَيْكَ أَحَدٌ حَيٍّ؟)) قَالَ: نَعَمْ. بَلْ كِلاَهُمَا. قَالَ: ((فَتَبْتَغِي الأَجْرَ مِنَ اللَّهِ؟)) قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَئِكَ فَأَحْسِنْ صُخبَتَهُمَا)). (٢) - باب: تقديم برّ الوالدين على التطوع بالصلاة، وغيرها ٦٤٥٥ - (٧) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ. حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلاَلٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ جُرَيْجٌ يَتَعَبَّدُ فِي صَوْمَعَةٍ. فَجَاءَتْ أُمُّهُ . (٢) - باب: تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها ٧ - (٢٥٥٠) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب العمل في الصلاة، باب إذا دعت الأم ولدها في الصلاة، (١٢٠٦)، وفي المظالم، باب إذا هدم حائطاً فليبن مثله (٢٤٨٢)، وفي أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَذَكُرْ فِ الْكِتَبِ مَرْيَمَ إِ أَنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٣٤٣٦)، وباب (رقم: ٥٤، ورقم الحديث: ٣٤٦٦). قوله: (كان جريج) بضم الجيم مصغراً، وآخره جيم. وقد أخرج أحمد في مسنده من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة هذا الحديث، وفي أوله: ((كان رجل في بني إسرائيل تاجراً، وكان ينقص مرة ويزيد أخرى. فقال: ما في هذه التجارة خير، لألتمسنّ تجارة هي خير من هذه، فبنى صومعة وترهب فيها، وكان يقال له جريج)) ودل ذلك على أنه كان بعد عيسى بن مريم ◌ْلَة، وأنه كان من أتباعه، لأنهم الذين ابتدعوا الترهب وحبس النفس في الصوامع. قوله: (في صومعة) بفتح الصاد والميم بوزن فوعلة، وهي البناء المرتفع المحدد أعلاه، واشتقت الكلمة من صمعت إذا دققت، لأنها دقيقة الرأس، كذا في فتح الباري (٦: ٤٨٠). قوله: (فجاءت أمه) وفي حديث لعمران بن حصين ذكره الحافظ: ((وكانت أمه تأتيه فتناديه، فيشرف عليها فيكلمها، فأتته يوماً وهو في صلاته)) وفي رواية أبي رافع عن أبي هريرة عند أحمد: ((فأتته أمه ذات يوم فنادته، قالت: أي جريج! أشرف عليّ أكلمك، أنا أمك)). ٢٥٧ كتاب البر والصلة والآداب قَالَ حُمَيْدٌ: فَوَصَفَ لَنَا أَبُو رَافِع صِفَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ لِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ أُمَّهُ حِينَ دَعَتْهُ. كَيْفَ جَعَلَتْ كَفَّهَا فَوْقَ حَاجِبِهَا. ثُمَّ رَفَعَتْ رَأْسَهَا إِلَيْهِ تَدْعُوهُ. فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، أَنَا أُمُّكَ، كَلِّمْنِي، فَصَادَفَتْهُ يُصَلِّي. فَقَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلاَتِي، فَاخْتَارَ صَلاَتَهُ، فَرَجَعَتْ ثُمَّ عَادَتْ فِي الثَّانِيَةِ. فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ، أَنَا أُمُّكَ، فَكَلِّمْنِي. قَالَ: اللَّهُمَّ أُمِّي وَصَلاَتِي. فَاخْتَارَ صَلاَتَهُ. فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا جُرَيْجٌ، وَهُوَ ابْنِي، وَإِنِّي كَلَّمْتُهُ فَأَبَى أَنْ يُكَلِّمَنِي. اللَّهُمَّ فَلاَ تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ الْمُومِسَاتِ. قوله: (ثم رفعت رأسها إليه) وإنما احتاجت إلى رفع الرأس لأن جريجاً كان في صومعة، وما كانت تتمكن من مخاطبتها إلا عن طريق كوة أو نحوها، ولعلها كانت فوقها بقليل، فرفعت رأسها إليها. وأما وضع كفها فوق حاجبها فلئلا يمنع ضوء الشمس وغيرها من رؤية ابنها في داخل الصومعة. قوله: (فقال: اللّهم أمي وصلاتي) إما أنه قال ذلك في نفسه دون أن ينطق بلسانه أو نطق هذه الكلمة لأن الكلام كان جائزاً في أثناء الصلاة في شريعتهم، كما أنه كان جائزاً في ابتداء شريعتنا، ثم نسخ. قوله: (فقالت: اللّهم إن هذا جريج) وقع في هذه الرواية أنها أتته مرتين، ودعت عليه في المرة الثانية، ووقع في حديث عمران بن حصين أنها جاءته ثلاث مرات تناديه في كل مرة ثلاث مرات، ومثبت الزيادة أولى. إجابة الوالدين في الصلاة: قوله: (فلا تمته حتى تُريه المومسات) وفي حديث عمران بن حصين: ((فغضبت، فقالت: اللهم لا يموتنّ جريج حتى ينظر في وجوه المومسات)» والمومسة بضم الميم وسكون الواو بدون همز، وكسر الميم بعدها: هي الزانية المجاهرة. قال ابن بطال: ((سبب دعاء أم جريج على ولدها أن الكلام في الصلاة كان في شرعهم مباحاً، فلما آثر استمراره في صلاته ومناجاته على إجابتها دعت عليه لتأخيره حقها)» وتعقبه الحافظ في الفتح (٣: ٧٨) بأن الذي يظهر من ترديده في قوله: ((أمي وصلاتي)) أن الكلام عنده يقطع الصلاة، فلذلك لم يجبها، ولكن يمكن أن يجاب عنه بأن قوله هذا لا يدل على أن الكلام كان مفسداً للصلاة عنده، بل يحتمل أن يكون أراد بذلك قطع الخشوع، وتردّد بين إجابة الأم وبين استمراره في الإقبال على الصلاة. وقال العيني ◌َّلُ في عمدة القاري (٧: ٤٤٤): ((وتمسك بعض الشافعية بظاهر الحديث في جواز قطع الصلاة لإجابة الأم، سواء كانت فرضاً أو نفلاً، والأصح عندهم أنه على التفصيل، وهو أن الصلاة إن كانت نفلاً، وعلم تأذي الوالد أو الوالدة وجب الإجابة، وإن كانت فرضاً ٢٥٨ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَ: وَلَوْ دَعَتْ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتَنَ لَفُتِنَ. قَالَ: وَكَانَ رَاعِي ضَأْنٍ يَأْوِي إِلَى دَيْرِهِ. قَالَ: فَخَرَجَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْقَرْيَةِ فَوَقَعَ عَلَيْهَا الرَّاعِي. فَحَمَلَتْ فَوَلَدَتْ غُلاَماً. فَقِيلَ لَهَا: مَا هَذَا؟ قَالَتْ: مِنْ صَاحِبٍ هَذَا الدَّيْرِ. قَالَ: وضاق الوقت لم تجب الإجابة، فإن لم يضق وجبت عند إمام الحرمين، وخالفه غيره لأنها تلزم بالشروع. وعند المالكية أن إجابة الوالد في النفل أفضل من التمادي فيها، وحكى القاضي أبو الوليد أن ذلك يختص بالأم دون الأب، وبه قال مكحول، وقيل: لم يقل به من السلف غيره)). واستدل من قال بوجوب الإجابة بما أخرجه الحسن بن سفيان وغيره من طريق الليث عن يزيد بن حوشب عن أبيه، قال: سمعت رسول الله وَ ل9 يقول: ((لو كان جريج عالماً لعلم أن إجابته أمه أولى من عبادة ربه)) ولكن إسناده ضعيف، لأن يزيد بن حوشب مجهول. وقال العيني في كتاب الصلاة من العمدة (٣: ٧١٦): «فيه دلالة على أن الكلام لم يكن ممنوعاً في الصلاة في شريعتهم فلما لم يجب أمه، والحال أن الكلام مباح له، استجيبت دعوة أمه فيه، وقد كان الكلام مباحاً أيضاً في شريعتنا حتى نزلت ﴿ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [سورة البقرة، آية ٢٣٨]، فأما الآن، فلا يجوز للمصلي إذا دعت أمه أو غيرها أن يقطع صلاته، لقوله وَلير ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق))، وحق الله عز وجل الذي شرع فيه آكد من حق الأبوين حتى يفرغ منه، لكن العلماء يستحبون أن يخفف صلاته ويجيب أبويه)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: هذا الذي ذكره العيني كثّفُ إنما ينطبق على الصلاة المفروضة، فأما صلاة النفل فلا تتأتى فيها الأدلة التي ذكرها العيني تغلُّ تعالى، ولذلك ذهب معظم الحنفية إلى وجوب الإجابة في صلاة النفل. قال الحصكفي في الدر المختار: ((ولو دعاه أحد أبويه في الفرض، لا يجيبه إلا أن يستغيث به، وفي النفل، فإن علم أنه في الصلاة لا يجيبه، وإلا أجابه)) وقال ابن عابدين: ((والظاهر أن محله إذا تأذى منه بترك الإجابة، لكونه عقوقاً)) والذي يظهر: أن هذا أعدل الأقوال إن شاء الله تعالى، - والله أعلم -. وبالجملة، فالظاهر أن جريجاً كان في صلاة النافلة، وكان يجب عليه أو يستحبّ على الأقل، أن يقطع صلاته أو يخففها لإجابة أمه، ولا سيما بعدما تكرر إتيانها إليه واشتياقها نحوه، فلما لم يفعل دعت الأم عليه. ويبدو أنها كانت عالمة فاضلة، ولذلك لم تدع عليه إلا برؤية المومسات، ولم تدع عليه بالوقوع في الفتنة معهن، وهذا معنى قوله: ((ولو دعت عليه أن يفتن لفتن)) والظاهر: أنه من قول أبي هريرة څبه. قوله: (فخرجت امرأة من القرية) سيأتي في رواية ابن سيرين أنها كانت امرأة بغياً، وأرادت أن تفتن جريجاً فعرضت نفسها عليه فأبى، فأمكنت راعياً من نفسها . قوله: (قالت: من صاحب هذا الدير) أي: الصومعة، وأرادت به جريجاً، وكذبت عليه لتتهمه بالزنا . ٢٥٩ كتاب البر والصلة والآداب فَجَاؤُوا بِفُؤُوسِهِمْ وَمَسَاحِيهِم، فَنَادَوْهُ فَصَادَفُوهُ يُصَلِّي، فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ. قَالَ: فَأَخَذُوا يَهْدِمُونَ دَيْرَهُ. فَلَمَّا رَأَىْ ذُلِكَ نَزَلَ إِلَيْهِمْ. فَقَالُوا لَهُ: سَلْ هَذِهِ. قَالَ: فَتَبَسَّمَ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَ الصَّبِيِّ فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: أَبِي رَاعِي الضَّأْنِ. فَلَمَّا سَمِعُوا ذُلِكَ مِنْهُ قَالُوا: نَبْنِي مَا هَدَمْنَا مِنْ دَيْرِكَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. قَالَ: لاَ. وَلَكِنْ أَعِيدُوهُ تُرَاباً كَمَا كَانَ. ثُمَّ عَلاَهُ. ٦٤٥٦ - (٨) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَّ قَالَ: ((لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إلاَّ ثَلَاثَةٌ: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ. وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ. وَكَانَ جُرَيْجٌ رَجُلاً عَابِداً. فَاتَّخَذَّ صَوْمَعَةٌ. فَكَانَ فِيهَا. فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي. فَقَالَتْ: يَاَ جُرَيْجٌ. فَقَالَ: يَا رَبِّ، أُمِّي وَصَلاَتِي. فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاَتِهِ. فَانْصَرَفَتْ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي. فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ. فَقَالَ: قوله: (فجاؤوا بفؤوسهم ومساحيهم) الفؤوس جمع الفأس بالهمزة، وهي الآلة المعروفة التي يحفر بها الأرض، والمساحي جمع المسحاة بكسر الميم، وهي الآلة التي يكسح بها الطين أو التراب عن وجه الأرض، وتسمى المجرفة أيضاً. وهي من قولهم: سحا الطين يسحيه ويسحوه: أي قشره وكسحه. والمراد أن القوم زعموا أن جريجاً العابد هو الذي زنى بالمرأة، فغضبوا عليه وأتوا إليه بهذه الآلات لهدم صومعته . قوله: (سل هذه) أي: المرأة، فإنها أخبرت بأنك وقعت عليها، وولدت منك الغلام، وفي هذه الرواية حذف يأتي تفصيله في الرواية الآتية. قوله: (قال: أبي راعي الضأن) فيه إثبات لكرامات الأولياء، فإن تكلم هذا الصبي كان على سبيل الكرامة لجريج العابد كثُّ تعالى. وذكر ابن بطال احتمالاً أن يكون جريج نبياً، فيكون كلام الصبي معجزة له. وذكر في رواية البخاري في الصلاة أن اسم هذا الصبي بالوس ثم إن نسبة الأبوة إلى الراعي إنما وقعت على سبيل المجاز لأنه ولد من مائه، لا على سبيل لحوق النسب به شرعاً. وذكر الحافظ في الفتح (٦: ٤٨٣) عن بعض العلماء أن بني إسرائيل كان من شرعهم أن المرأة تصدق فيما تدعيه على الرجال من الوطأ ويلحق به الولد، وأنه لا ينفعه جحد ذلك إلا بحجة تدفع قولها، - والله أعلم - . قوله: (ولكن أعيدوه تراباً كما كان) فيه أن السذاجة هي المطلوبة في بناء المعابد والمساجد، وأن زخرفتها بالذهب أو الفضة مما لا يليق بشأنها . ٨ - ( ... ) - قوله: (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة) قال النووي: ((وليس فيهم الصبي الذي كان مع المرأة في حديث الساحر والراهب وقصة أصحاب الأخدود المذكور في آخر صحيح مسلم. وجوابه: أن ذلك الصبي لم يكن في المهد، بل كان أكبر من صاحب المهد وإن كان صغيراً)). ٢٦٠ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم يَا رَبِّ، أُمِّي وَصَلاَتِي. فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاَئِهِ. فَانْصَرَفَتْ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي. فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ فَقَالَ: أَنْ رَبِّ، أُمِّي وَصَلاَتِي. فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاَتِهِ. فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ. فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجاً وَعِبَادَتَهُ. وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا. فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتُمْ لأَفْتِيَنَّهُ لَكُمْ. قَالَ: فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا. فَأَتَثْ رَاعِياً كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا. فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَحَمَّلَتْ، فَلَّمَّا وَلَدَتْ. قَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْج، فَأَتَوْهُ فَاسْتَنْزَلُوهُ وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ. فَقَالَ: مَا شَأْتُكُمْ؟ قَالُوا: زَنَّيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ. فَوَلَدَتْ مِنْكَ. فَقَالَ: أَيْنَ الصَّبِيِّ؟ فَجَاؤُوا بِهِ. فَقَالَ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيِّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ. وَقَالَ: يَا غُلاَمُ، مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: فُلاَنُ الرَّاعِيِ. قَالَ: فَأَقْبَلُوا عَلَى جُرَيْجِ يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ. وَقَالُوا: نَبْنِي لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: لَا، أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ، فَفَعَلُوا. وَبَيْنَا صَبِيِّ يَرْضَعُ مِنْ أُمِّهِ. فَمَرَّ رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى دَابَّةٍ فَارِهَةٍ وَشَارَةٍ حَسَنَةٍ. فَقَالَتْ أُمُّهُ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذَا. فَتَرَكَ الثَّدْيَ وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَّى تَدْبِهِ فَجَعَلَ يَرْتَضِعُ. قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللّهِ بَهُ وَهُوَ يَحْكِي ارْتِضَاعَهُ بِإِصْبَعِهِ السََّّابَةِ فِي فَمِهِ. فَجَعَلَ يَمُصُّهَا، قَالَ: ((وَمَرُّوا بِجَارِيَةٍ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا وَيَقُولُونَ: زَنَيْتِ. سَرَقْتِ. وَهِيَ قوله: (يتمثّل بحسنها) أي: يضرب به المثل لانفرادها به. قوله: (وبينما صبي يرضع من أمه) قال الحافظ في الفتح (٦: ٤٨٣): ((لم أقف على اسمها ولا على اسم ابنها ولا على اسم أحد ممن ذكر في هذه القصة)). قوله: (فمرّ رجل راكب) وفي رواية خلاس عن أبي هريرة عند أحمد: ((فارس متكبر)). قوله: (على دابّة فارهة) الفارهة: النشيطة الحادة القوية. وقد فرهت، بضم الراء، فراهة وفراهية. قوله: (وشارة حسنة) الشارة، بدون همز، الهيئة والمنظر واللباس الحسن الذي يتعجب منه ويشار إليه، وتقدير العبارة: ((رجل راكب على دابة فارهة ومستقرّاً على شارة حسنة)) ووقع في رواية البخاري ((راكبٌ ذو شارة)) وهو أوضح، والمعنى: أن الراكب كان في هيئة حسنة ولباس فاخر. قوله: (لا تجعلني مثله) دعت أمه له بأن يكون مثل هذا الراكب، لكونه صاحب ثروة وهيئة جميلة، ولكن ردّ عليها الصبي، وأبى أن يكون مثله، لما في باطن الراكب من الكبر والعجب والتجبّر .