Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
كتاب الفضائل
فَلَظَمَ وَجْهَهُ. قَالَ: تَقُولُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَلَى الْبَشَرِ!
وَرَسُولُ اللَّهِ وَّهِ بَيْنَ أَظْهُرِنَا؟ قَالَ: فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللّهِ بِهِ. فَقَالَ: يَا أَبَا
الْقَاسِم، إِنَّ لِي ذِمَّةً وَعَهْداً. وَقَالَ: فُلاَنٌ لَظَمَ وَجْهِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لِمَ لَطَمْتَ
وَجْهَهُ؟)) قَالَ: قَالَ - (يَا رَسُولَ اللَّهِ): وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَى الْبَشَرِ! وَأَنْتَ
بَيْنَ أَظْهُرِنَا. قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَ حَتَّى عُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ. ثُمَّ قَالَ: ((لاَ
تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ. فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَيَضْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ
مَنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَ: ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى. فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ. أَوْ فِي أَوَّلِ مَنْ بُعِثَ، فَإِذَا
مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ آخِذٌ بِالْعَرْشِ، فَلاَ أَذْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ. أَوْ بُعِثَ قَبْلِي ....
الراوي في حديث الباب أطلق لفظ (رجل من الأنصار) على الصديق رضيُه بالمعنى الأعمّ، فإن
أبا بكر الصديق نظراليه من أنصار رسول الله وَلٍّ قطعاً.
قوله: (فلطم وجهه) وإنما صنع ذلك لما فهمه من عموم لفظ (البشر)، فدخل فيه
محمد ◌ّ، وقد تقرر عند المسلم أن محمداً وَلهير أفضل. وقد جاء ذلك مبيناً في حديث أبي
سعيد الخدري عند البخاري في الخصومات أن الضارب قال لليهودي: ((أي خبيث! على
محمد)) .
قوله: (لا تفضّلوا بين أنبياء الله) يعني: بدون حاجة داعية إلى ذلك، أو بما يستلزم تنقيص
أحد منهم، وإلا فقد قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍُ﴾ [سورة البقرة، آية ٢٥٣] وقد تقدم
أن رسول الله ◌َّه سيّد ولد آدم، وقد تقدم الكلام على ذلك في أول كتاب الفضائل.
قوله: (أحوسب بصعقته يوم الطّور) يعني: أنه استثني من الصعقة بنفخ الصّور لصعقة
أصابها يوم جلّى ربه للطور. والضّعق، بفتح العين والصّعقة بسكونها، قد يراد منهما الهلاك
والموت، وقد يراد الغشي. ومنه قوله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [سورة الأعراف، آية ١٤٣] فإنه خرّ
مغشياً عليه، لا ميّاً.
وقد استشكل هذا الحديث بأن نفخة الصعق إنما يموت بها من كان حياً في هذه الدار في
ذلك الوقت. فأما من مات قبله، فيستحيل أن يموت ثانياً، وإنما ينفخ في الموتى نفخة البعث.
وإن موسى ظّلا قد مات، فلا يصح أن يموت مرة أخرى، ولا يصح أن يكون مستثنى من نفخة
الصعق. وقد أجاب العلماء عن هذا الإشكال بطرق مختلفة:
الأول: ما ذكره العيني في عمدة القاري (٦: ٦٨)، وحاصله أن الأنبياء النّ وإن كان قد
طرأ عليهم الموت بالنسبة لنا، ولكنهم أحياء في قبورهم، ولا تأكل الأرض أجسادهم، فموتهم
في الحقيقة إنتقال من دار إلى دار، وإذا تقرر أنهم أحياء، فهم فيما بين السموات والأرض فإذا
نفخ في الصور نفخة الصعق، صعق كل من في السموات والأرض إلا من شاء الله. فأما صعق

٢٢
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَلاَ أَقُولُ: إِنَّ أَحَداً أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى عَلَيْهِ السَّلاَمُ)).
وحدّثنيه مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ،
بِهَذِا الإِسْنَادِ، سَوَاءً.
غير الأنبياء فموت، وأما صعق الأنبياء فالأظهر أنه غشي. فما نفخ في الصور نفخة البعث، فمن
مات حيي، ومن غشي عليه أفاق، وإن النبيّ وَ ل# أول من يفيق، غير أنه يرى موسى
فيتردّد: هل كان قد استثني من الصعقة، أو كان قد أفاق قبله؟.
والثاني: ما ذكره الحافظ في الفتح (٦: ٤٤٤) من أن النفخة الأولى يعقبها الصعق من
جميع الخلق أحيائهم وأمواتهم، كما وقع في سورة النمل: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَن ◌ِ اُلْأَرْضِ﴾
[النمل: ٨٧] ثم يعقب ذلك الفزع للموتى زيادة فيما هم فيه، وللأحياء موتاً، ثم ينفخ الثانية للبعث
فيفيقون أجمعين، وعلى هذا، كان الأصل أن يصعق موسى ظلّلا مع سائر الموتى فلما رآه
النبيّ وَّر بالعرش، تردد: هل استثني من الصعقة، أو أفاق قبله .
والثالث: ما ذهب إليه القاضي عياض تَُّهُ، وذكره النووي وغيره، وحاصله أنه ليس
المراد من الصعقة في حديث الباب صعقة تعقب النفخة الأولى للصور حتى يرد الإشكال، وإنما
المراد صعقة أخرى تحدث بعد البعث حين تنشق السماء والأرض، والمراد من هذه الصعقة
الغشي، لا الموت، بدليل أنه وَّهو عبّر عن الخلوص منها بالإفاقة، والإفاقة لا تكون إلا من
الغشي، ولو كان المراد الموت لاستعمل كلمة البعث. فلما كانت هذه الصعقة بعد البعث، فكان
الأصل أن يصاب بها كل من بُعث من قبره، ومنهم موسى ظلِّلا. ولذا تردد رسول الله وَله حين
رآه قائماً بالعرش.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: الأقرب عندي هو القول الثاني، وهو أن المراد من الصعقة
ما يعقب النفخة الأولى وعليه يدل لفظ الحديث «فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في السموات
والأرض)) وإن هذه الصعقة تصيب الأحياء والأموات جميعاً، أما الأحياء، فصعقهم ظاهر. وأما
الأموات، فإن الصعقة تُصيب أرواحهم. وهذا على ما تحقق أن الأموات تخرج أرواحهم من
أبدانهم، وتكون لها حياة برزخية إلى يوم القيامة. فلما قامت القيامة ونفخ في الصور انتهت
حياتهم البرزخية أيضاً، فلا إشكال في صعق الأموات حينئذٍ، وعلى هذا، فإن موسى ظلَّلا، وإن
كان ميتاً عند النفخة الأولى، غير أنه كان الأصل أن تصيب روحه الصعقة كما تصيب غيره من
الأموات، ولكن النبيّ ◌َله حين رآه بالعرش، تردد: هل كان قد استثني من الصعقة؟ أو أفاق قبله
وبما أن أحوال البعث والنشور خارجة عن تصورنا، فلا نستطيع إدراك كنهها بجميع تفاصيلها،
والله سبحانه وتعالى أعلم، وعلى كل، ففي حديث الباب فضيلة جزئية لسيدنا موسى ظلِّلاَ.
قوله: (ولا أقول: إن أحداً أفضل من يونس) سيأتي الكلام عليه في الباب القادم إن شاء
الله تعالى .

٢٣
كتاب الفضائل
٦١٠٣ - (١٦٠) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ النَّصْرِ قَالاَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ابْنُ
إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ
الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلاَنِ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ وَرَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فَقَالَ
الْمُسْلِمُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّداً وَّهِ عَلَى الْعَالَمِينَ. وَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى
عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَلَى الْعَالَمِينَ. قَالَ: فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَظَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ، فَذَهَبَ
الْيَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ :
((لاَ تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَضْعَقُونَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَفِيقُ. فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ
بِجَانِبِ الْعَرْشِ، فَلاَ أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَمْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللَّهُ)).
٦١٠٤ - (١٦١) وحدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ
قَالاَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ،
بِمِثْلٍ حَدِيثٍ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَن ابْنِ شِهَابٍ .
٦١٠٥ - (١٦٢) وحدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،
عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَ يَهُودِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ نَّهِ قَدْ
لُطِمَ وَجْهُهُ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَلاَ أَدْرِي أَكَانَ مِمَّنْ
صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَوِ اكْتَفَى بِصَعْقَةِ الطُّورِ)).
٦١٠٦ - (١٦٣) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنَا
ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((لاَ تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ))، وَفِي حَدِيثِ ابْنٍ نُمَيْرٍ:
عَمْرِو بْنِ يَخْيَى، حَدَّثَنِي أَبِي.
٦١٠٧ - (١٦٤) حدّثنا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. قَالاَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ ابْنُ
سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتِ الْبُنَانِيِّ وَسُلَيْمَانَ الثَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لِ قَالَ:
١٦٢ - (٢٣٧٤) - قوله: (عن أبي سعيد الخدري) هذا الحديث أخرجه البخاري في
الخصومات، باب ما يذكر في الإشخاص والخصومة بين المسلم واليهوديّ (٢٤١٢)، وفي
الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةُ وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ﴾ (٣٣٩٨)، وفي تفسير
سورة الأعراف، باب قول الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَلِنَا وَكَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (٣٦٣٨).
١٦٤- (٢٣٧٥) - قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه أيضاً النسائي في قيام
الليل، باب ذكر صلاة نبي الله موسى ظلَّلا، (رقم: ١٦٣١ إلى ١٦٣٧).

٢٤
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(أَتَيْتُ - وَفِي رِوَايَةِ هَذَّابٍ: مَرَرْتُ - عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ. وَهُوَ
قَائِمٌ يُصَلِي فِي قَبْرِهِ».
قوله: (عند الكثيب الأحمر) الكثيب هو التل من الرمل، وجمعه كثب وكثبان وأكثبة، كما
في القاموس، وبهذا الحديث استدل جماعة من المحققين على أن الأنبياء لؤلؤ أحياء في
قبورهم، وقد طال النقاش في زمننا حول هذه المسألة، فنلخّص هنا فذلكة القول في هذا الباب،
والله سبحانه هو الموفق.
مسألة حياة الأنبياء للتلا
إن الأصل في هذه المسألة قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا نَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتُّأَ
﴾ [البقرة: ١٥٤] ولما ثبتت الحياة للشهداء، ثبتت للأنبياء الثلا بدلالة
١٥٤)
بَلْ أَخْيَّةٌ وَلَكِن لَّا تَشْعُرُونَ
هذا النص، لأن مرتبة الأنبياء أعلى من مرتبة الشهداء بلا ريب. يقول الشوكاني في نيل الأوطار
(آداب الجمعة ٣: ٢١١): ((وورد النص في كتاب الله في حق الشهداء أنهم أحياء يرزقون، وأن
الحياة فيهم متعلقة بالجسد، فكيف بالأنبياء والمرسلين)).
وقد ورد في هذا الباب حديث صريح أخرجه أبو يعلى في مسنده (٦: ١٤٧، رقم: ٣٤٢٥)
عن أنس بن مالك ◌َُّبه، قال: قال رسول الله وَله: ((الأنبياء أحياء في قبورهم يُصَلُّون)) وذكره
الهيثمي في مجمع الزوائد (٨: ٢١١)، وقال: ((رواه أبو يعلى والبزار، ورجال أبي يعلى ثقات))
وأعلّه الذهبي في الميزان بالحجاج بن الأسود، ولكن تعقبه الحافظ ابن حجر في اللسان، فقال:
((إنما هو الحجاج بن أبي زياد الأسود، يعرف بزق العسل وهو بصري .... )) قال أحمد: ثقة
ورجل صالح، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في
الثقات. والحديث أخرجه البيهقي أيضاً في جزئه في حياة الأنبياء (ص: ٣) وصححه، وكذلك
صححه المناوي في فيض القدير.
وكذلك يشهد لهذا الحديث ما رواه أنس به في هذا الباب. وقد أفرد الإمام
البيهقي تغذُ لهذه المسألة جزءاً لطيفاً، وجمع فيه الأحاديث التي تدل على حياة
الأنبياء لّله وللعلامة جلال الدين السيوطي تتّثُ فيه رسالة باسم (إنباه الأذكياء في حياة الأنبياء)
جمع فيها الأحاديث المتعلقة بالمسألة. فمن الأحاديث التي تدل على حياة النبيّ وَّر بعد وفاته
حديث أوس بن أوس في فضيلة يوم الجمعة، وفيه: ((فأكثروا عليَّ من الصلاة، فإن صلاتكم
معروضة عليّ، قال: قالوا: يا رسول الله! وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت. قال:
يقولون: قد بليت. فقال: إن الله عز وجل حرَّم على الأرض أجساد الأنبياء)) أخرجه النسائي
وأبو داود وابن ماجه والدارمي والحاكم، وصححه وأقرَّه عليه الذهبي في تلخيص المستدرك
(١ : ٢٧٨).

٢٥
كتاب الفضائل
٦١٠٨ - (١٦٥) وحدّثنا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَم. أَخْبَرَنَا عِيسَى، (يَعْنِي ابْنَ يُونُسَ). ح
وإن ذكر بقاء جسده ولو بعد وفاته في سياق عرض الصلاة عليه يدل على أن لروحه
المباركة تعلقاً بجسده، وإن عرض الصلاة يكون على مجموع جسده وروحه وإلا لما كان لذكر
الجسد في الجواب معنى.
ومنها: حديث أبي الدرداء ◌َُّته، قال: قال رسول الله وَلقول: ((وإن أحداً لن يصلي عليّ إلا
عرضت عليّ صلاته حتى يفرغ منها. قال: وقلت: وبعد الموت؟ قال: وبعد الموت، إن الله
حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، فنبيّ الله حيّ يرزق)) أخرجه ابن ماجه.
ومنها: ما أخرجه أبو الشيخ في كتاب الثواب بسند جيد عن أبي هريرة مرفوعاً: ((من صلّى
عند قبري سمعته، ومن صلّى عليّ نائياً بُلِغْتُه)) ذكره الحافظ في الفتح (٦: ٤٨٨، باب: ٤٨) من
كتاب الأنبياء) وأخرجه أبو داود عن أبي هريرة بلفظ: ((صلوا عليّ!، فإن صلاتكم تبلغني حيث
کنتم)) .
ومنها: ما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة من وجه آخر مرفوعاً: ((ما من أحد يسلّم عليَّ
إلا ردّ الله عليّ روحي حتى أردّ عليه السلام)) ورواته ثقات، كما صرح به الحافظ في الفتح.
وربما يستشكل بأن عود الروح إلى الجسد يقتضي سبق انفصالها عنه، وهو الموت، فيدل
الحديث على أن الروح إنما يعاد عند السلام فقط، وقد أجاب الإمام البيهقي تغذّثُ عن هذا
الإشكال في رسالته في (حياة الأنبياء) (ص٥) بقوله: ((وإنما أراد - والله أعلم - وقد ردّ الله إليّ
روحي، حتى أردّ عليه السلام)). وحاصله أن تقدير العبارة هكذا: ((ما من أحد يسلّم عليّ إلا وقد
ردّ الله عليّ روحي قبل ذلك، فأردّ عليه)) فقوله وَلي: ردّ الله عليّ روحي توجيه لردّ السلام.
والمراد أني أردّ عليه السلام لكون روحي قد أعيدت إلى جسدي.
وقد شرحه العلامة السيوطي تَُّ في (إنباه الأذكياء) (ص٥) على قواعد العربية فقال: ((إن
قوله: (ردّ الله) جملة حالية، وقاعدة العربية أن جملة الحال إذا وقعت فعلاً ماضياً قدّرت فيها))
(قد) كقوله تعالى: ﴿جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [سورة النساء، آية ٩٠]، أي: قد حصرت. وكذا هنا
تقدر، والجملة الماضية سابقة على السلام الواقع من كل أحد. و(حتى) ليست للتعليل، بل هو
مجرد حرف عطف بمعنى الواو، فصار تقدير الحرف: ((ما من أحد يسلّم عليّ إلا قد ردّ الله عليّ
روحي قبل ذلك وأردّ عليه)) وقال تغذُ في آخر رسالته المذكورة: ((ثم بعد ذلك رأيت الحديث
المسؤول عنه مخرجاً في كتاب حياة الأنبياء للبيهقي بلفظ: ((إلا وقد ردّ عليّ روحي)) فصرح فيه
بلفظ (وقد) فحمدت الله كثيراً)).
وبالجملة فإن هذه الأحاديث مع حديث الباب تدل على كون الأنبياء أحياء بعد وفاتهم،
وهو من عقائد جمهور أهل السنة والجماعة، ولكن ربما يستشكله بعض الناس بأنهم كيف يحكم
عليهم بالحياة، وقد نطقت النصوص الصريحة بأن الموت طرأ عليهم، وبأنهم يحشرون يوم

٢٦
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. كِلاَهُمَا عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَنَسٍ. ح
القيامة كسائر الناس؟ وإنما ينشأ هذا الإشكال عن عدم فهم معنى الحياة الثابتة للأنبياء والشهداء
بعد وفاتهم، فيزعم بعض الناس أنها عين الحياة الدنيوية التي عاشوا بها قبل وفاتهم سواء
بسواء، والحق أنه لا يقول أحد بإثبات الحياة للأنبياء بعد وفاتهم بهذا المعنى، وإنما المقصود
حياتهم بمعنى أن لأرواحهم تعلقاً قوياً بأجسادهم الشريفة المدفونة في القبور، وبهذا التعلق
القوي حدثت لأجسادهم خصائص كثيرة من خصائص الأحياء، مثل سماع السلام وردّه،
واشتغالهم بالعبادة، وما إلى ذلك من الخصائص المنصوصة. ولا يقول أحد من أهل الحق بنسبة
جميع الخصائص التي ثبتت لهم في حياتهم السابقة على وفاتهم. ويقول العلامة السبكي كثّثُ في
شفاء الأسقام (ص١٩١): ((ولا يلزم من كونها (أي الحياة) حقيقة أن تكون الأبدان معها كما
كانت في الدنيا من الاحتياج إلى الطعام والشراب، والامتناع عن النفوذ في الحجاب الكثيف
وغير ذلك من صفات الأجسام التي نشاهدها، بل قد يكون لها حكم آخر. فليس في العقل ما
يمنع من إثبات الحياة الحقيقية لهم)).
والذي يتحصل بالنظر في النصوص أن الموت، وإن كان عبارة عن مفارقة الروح للجسد،
ولكن يبقى للروح بعد الموت علاقة ما بالجسد الذي فارقته، وبهذه العلاقة يتألم الجسد بعذاب
القبر، ويتنعم بنعيم البرزخ، على ما ذهب إليه جمهور أهل السنة من أن عذاب القبر يقع على
الجسد مع الروح، وهو المراد من إعادة الروح إلى الجسد عند السؤال في القبر وعند التعذيب،
كما ورد في النصوص الصريحة التي حقق صحتها ابن القيم كتُّ في كتاب الروح، وليس المراد
من إعادة الروح في سائر الموتى إحياءهم بعد وفاتهم، وإنما المراد إنشاء علاقة بين أجسادها
وأرواحها، ولا سبيل إلى معرفة كنه تلك العلاقة.
ولكن هذه العلاقة لا تكون لجميع الموتى على مستوى واحد، فيتفاوت الموتى في قوة
هذه العلاقة وضعفها، بما أن هذه العلاقة في عامة الموتى ضعيفة جداً، فإن أجسادهم تأكلها
الأرض، فلا يطلق عليهم اسم الحياة الجسمانية بعد طروء الموت عليهم عموماً، وإن كان إعادة
الروح في أجسادهم قد أطلق عليه بعض العلماء اسم الحياة الجسمانية أيضاً، وراجع أحكام
القرآن للجصاص (١: ١٥٨)، وأما الشهداء فعلاقة أرواحهم بأجسادهم أقوى بالنسبة لسائر
الموتى، حتى أن الأرض لا تأكل أجسادهم، فأطلق القرآن عليهم اسم الأحياء، ولو كان المراد
حياتهم البرزخية أو الروحية فقط، لما كان بينهم وبين الآخرين فرق. وإنما الفرق بينهم وبين
سائر الموتى أن لأرواحهم تعلقاً قوياً بالأجساد، فحياتهم جسمانية بهذا المعنى. وأما
الأنبياء لّل، فعلاقة أرواحهم بأجسادهم الشريفة أقوى العلاقات التي تتصور في إنسان بعد
طريان الموت عليه، وإن هذه العلاقة القوية قد أثّرت على بعض الأحكام الدنيوية أيضاً، فلا
تقسم أموالهم بين ورثتهم، ولا يجوز لأحد أن ينكح أزواجهم بعد وفاتهم، وكان سيدنا أبو بكر

٢٧
كتاب الفضائل
وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ.
ينفق عليهن، كما كان ينفق رسول الله وَله، وكذلك حصلت للأنبياء لَثَلا بعض خصائص الحياة
التي لم تثبت لغيرهم بعد الوفاة .
فالحياة الجسمانية حقيقة كلية تطلق على عدة مدارج من تعلق الروح بالجسد، بعضها أقوى
من بعض، وما ثبت للأنبياء والشهداء بعد وفاتهم إنما هو حياة جسمانية حقيقية لثبوت كثير من
خصائص الحياة السابقة على الموت، ولكنها تفارق هذه الحياة الدنيوية التي كانت ثابتة لهم قبل
وفاتهم في كثير من الأحكام. وحاصل هذه الحياة الجسمانية الحقيقية تعلق الروح بالجسد تعلقاً
قوياً يفوق التعلق الذي حصل لغيرهم من الموتى. أما الخوض في معرفة كنه هذا التعلق،
فخوض فيما لا سبيل للبشر إلى معرفته، فإن أحوال البرزخ والآخرة لا تدرك بهذه العقول. فمن
اعترف بهذا القدر الثابت بالنصوص وفوّض كنهه إلى الله تعالى، سلمت عقيدته إن شاء الله تعالى .
أما الخوض في كنه أحوال البرزخ، والسعي في إدراك حقيقة تعلق الروح بالجسد، أو المشاحة
في الاصطلاحات من تسمية هذه العلاقة بالحياة الجسمانية، أو بالحياة البرزخية، (والحال أن
بينهما عموماً وخصوصاً، فيجتمعان في مادة) فليس من مهام أهل الحق، ولا من طريق أهل
العلم. وأما المجادلة والمراء، والتباغض والنزاع في هذه المباحث النظرية أو اللفظية كما حدث
في زماننا فبعيد من دأب أهل العلم كل البعد. وكذلك إنكار هذه العلاقة بين الروح والجسد التي
ثبتت بالنصوص المتكاثرة التي لا مجال لإنكارها زيغ ومكابرة، ولا يجوز لأحد من أهل العلم
والإنصاف أن ينكرها صريحاً، ويقول الحافظ ابن القيّم تقذفُ في كتاب الروح (ص٨٦): ((وقد
صح عنه (أي: عن النبيّ ◌َّ﴿) أنه رأى موسى قائماً يصلي في قبره ليلة الإسراء، ورآه في السماء
السادسة أو السابعة، فالروح كانت هناك، ولها اتصال بالبدن في القبر، وإشراف عليه، وتعلق به
بحيث يصلي في قبره، ويردّ سلام من سلم عليه، وهي في الرفيق الأعلى)).
فالحقائق التي يجب الاعتراف بها بمقتضى النصوص هي كالتالي:
(١) إن لأرواح الأنبياء الشريفة بعد وفاتهم تعلقاً قوياً بأجسادها.
(٢) وإن هذا التعلق أقوى بكثير من تعلق أرواح غيرهم من الموتى بأجسادهم.
(٣) وبفضل هذا التعلق حدث لهم من خصائص الحياة السابقة على وفاتهم ما قد عُلم
بالنصوص .
(٤) وإن هذا التعلق القوي يصح التعبير عنه بالحياة، وعن أصحابه بالأحياء، كما ورد في
النصوص .
(٥) وإن هذه الحياة الحاصلة لهم بعد وفاتهم ليست الحياة الدنيوية بعينها أو بجميع
خصائصها، بل هي مثل الحياة الدنيوية في بعض خصائصها المنصوصة جزماً، وفي بعضها

٢٨
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
سَمِعْتُ أَنَساً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلّهِ: ((مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى وَهُوَ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ))، وَزَادَ
فِي حَدِيثِ عِيسَى ((مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي)).
(٤٣) - باب: في ذكر يونس عليه السلام، وقول النبيُّ وَّهـ
((لا ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى))
٦١٠٩ - (١٦٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ.
قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ: سَمِعْتُ
حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ؛ أَنَّهُ: ((قَالَ - يَعْنِي اللَّهَ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى - لاَ يَنْبَغِي لِعَبْدٍ لِي. (وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: لِعَبْدِي) أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ
يُونُسَ بْنِ مَتَّى، عَلَيْهِ السَّلامُ» .
إحتمالاً، وما دام الإنسان يعترف بهذه الحقائق، فإنه موافق لعقيدة أهل السنة والجماعة، ولا
حاجة إلى الخوض في تفاصيلها بأكثر مما ذكرنا، والله سبحانه أعلم.
قوله: (يصلي في قبره) قال ابن تيمية كَُّهُ في فتاواه (٤: ٣٣٠): ((وهذه الصلاة وغيرها
مما يتمتع به الميت ويتنعم بها كما يتنعم بها أهل الجنة بالتسبيح، فإنهم يلهمون التسبيح كما يلهم
الناس في الدنيا النفس، فهذا ليس من عمل التكليف الذي يطلب له ثواب منفصل، بل نفس هذا
العمل هو من النعيم الذي تتنعم به الأنفس وتتلذذ به، فإن أهل الجنة يتنعمون بقراءة القرآن،
ويتنعمون بمخاطبة ربهم ومناجاته)).
(٤٣) - باب في ذكر يونس الثلا إلخ
١٦٦ - (٢٣٧٦) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأنبياء، باب
قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣٦)﴾ (٣٤١٥ و٣٤١٦)، وفي تفسير سورة النساء، باب
قول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كُمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ (٤٦٠٤)، وفي تفسير سورة الأنعام، باب
قوله تعالى: ﴿وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًا فَضَّلْنَا عَلَ اٌلْعَلَيِينَ﴾ (٣٦٣١)، وفي تفسير سورة الصافات
(٣)﴾ (٤٨:٥).
باب قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
قوله: (أنا خير من يونس بن متّى) النبي ظلّلا، وإنما خصّه بالذكر من بين سائر
الأنبياء لّ، لما يخشى على من سمع قصته أن يقع في نفسه شيء من التنقيص له، والعياذ
بالله. والنهي عن هذا القول في حديث الباب ظاهر، لأنه منع لعامة الناس من مثل هذا القول،
ولا شك أن أحداً من العامة لا يبلغ درجة نبي من الأنبياء، فكيف يكون خيراً منه؟ ولكن ربما
يقع الإشكال في رواية قال فيها النبيّ وَّه عن نفسه: ((ولا أقول: إن أحداً أفضل من يونس بن
متّى)) وقد مر في الباب السابق، فإن ظاهره أنه لا يجوز تفضيل نبينا وَلو على يونس عليّا.

٢٩
كتاب الفضائل
قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ.
٦١١٠ - (١٦٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى وَابْنُ بَشَارٍ، (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى)، قَالاً:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي
ابْنُ عَمِّ نَبِّكُمْ وَّهِ، (يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ)، عَنِ النَّبِّ ◌َِّ قَالَ: (مَا يَنْبَغِي لِعْبَدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا
خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى))، وَنَسَبَّهُ إِلَى أَبِهِ.
(٤٤) - باب: من فضائل يوسف، عليه السلام
٦١١١ - (١٦٨) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ.
قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟
وأجاب عنه بعض العلماء بأنه وَ له إنما قال ذلك قبل أن يعلم فضيلته على سائر الأنبياء. وقيل:
إنما قاله تواضعاً. والأحسن عندي ما ذكرناه في النهي عن التفضيل بين الأنبياء، وهو أن المنهي
عنه تفضيل يستلزم تنقيص أحد منهم، أو ما كان مفاخرة بدون حاجة. أما لبيان العقيدة مثلاً، فلا
بأس، لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] والله أعلم.
١٦٧ - (٢٣٧٧) - قوله: (حدثني ابن عم نبيكم) يعني: ابن عباس ظُته، وحديثه هذا
أخرجه البخاري في الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَنْكَ حَدِيثُ مُوسَى (ج)﴾ (٣٣٩٥)،
وباب قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُؤنُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ (٣٤١٣)، وفي تفسير سورة الأنعام، باب
قول الله تعالى: ﴿وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَلَيِينَ﴾ (٤٦٣٠)، وفي التوحيد، باب ذكر
النبيّ 8َّ* وروايته عن ربه (٧٥٣٩)، وأخرجه أبو داود في السنة، باب في التخيير بين
الأنبياء لِلَا (٤٦٦٩).
قوله: (ونسبه إلى أبيه) قال الحافظ في الفتح (٦: ٤٥١ و٤٥٢): ((فيه إشارة إلى الرد على
من زعم أن (متّى) اسم أمه، وهو محكي عن وهب بن منبه في المبتدأ، وذكره الطبري، وتبعه
ابن الأثير في الكامل، والذي في الصحيح أصح)).
(٤٤) - باب من فضائل يوسف ظلَّلا
١٦٨ - (٢٣٧٨) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأنبياء، باب
قول الله تعالى: ﴿﴿ لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ، ءَايَتُ لِلِسَّابِلِينَ (٣)﴾ [سورة يوسف، آية: ٧] (٣٣٨٣)،
وباب قول الله تعالى: ﴿وَأَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] (٣٣٥٣)، وباب قوله تعالى: ﴿أَمَ
كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٣٣] (٣٣٧٤)، وفي المناقب، باب قوله تعالى:
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَّكَرٍ وَأَنَتَّى﴾ [الحجرات: ١٣] (٣٤٩٠).

٣٠
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
قَالَ: ((أَتْقَاهُمْ)) قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: ((فَيُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ
نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ)) قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ. قَالَ: ((فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي؟
خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلاَمِ، إِذَا فَقُهُوا)) .
قوله: (قال: أتقاهم) وفي رواية للبخاري: ((وأكرمهم أتقاهم))، وهذا موافق لقوله تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَلَكُمْ﴾ [سورة الحجرات، آية: ١٣].
قوله: (ليس عن هذا نسألك) وإنما أجاب النبيّ وَ﴿ بما تقدم لما زعم أنهم يسألونه عن
الصفات التي يكرم بها الإنسان على سبيل العموم، فلما قالوا: (ليس عن هذا نسألك) زعم أنهم
يسألونه عن خصوص من أوتي هذه الصفات مع شرف النسب، وتفضل به على سائر الناس،
فأجاب بما يأتي.
قوله: (قال: فيوسف نبي الله) إلخ وقد جمع يوسف معالا مكارم الأخلاق مع شرف النبوة
مع شرف النسب وكونه نبياً ابن ثلاثة أنبياء متناسلين، أحدهم خليل الله ظليلا، وانضم إليه شرف
علم الرؤيا وتمكنه فيه ورياسة الدنيا وملكها بالسيرة الجميلة وحياطته للرعية وعموم نفعه إياهم
وشفقته عليهم وإنقاذه إياهم من تلك السنين.
وإنما أطلق عليه ((أكرم الناس)) من جهة أنه ظلّلا جمع بين مكارم الأخلاق مع كونه ابنا
الثلاثة أنبياء متناسلين، وهذه الخصوصية لا يشاركه فيها أحد. قال الأبيّ: ((ولا يلزم من
اختصاص يوسف ظلّ بتلك الفضيلة أن يكون أفضل من النبيّ وَّ فإن المفضول قد يختص
بفضيلة، ولا يلزم أن يكون بسببها أفضل)).
قلت: أما كونه مفضولاً بالنسبة إلى النبيّ وَّ، فلا يعارضه حديث الباب، لأن المتكلم
خارج عن التفضيل، لا سيما في جواب الصحابة الذين كانوا يعتقدون رسول الله وَلهو أفضل
البرية، فظاهر أن سؤالهم كان عن أكرم الناس بعد النبيّ وَّر، ولكن يشكل عليه فضيلة إبراهيم
وموسى عَلَّه، ويجاب عنه بما أجاب به الأبيّ، من أنه أكرم الناس بهذه الجهة المخصوصة والله
أعلم.
قوله: (فعن معادن العرب) إلخ أي: عن أصولهم التي ينسبون إليها ويتفاخرون بها، وإنما
جعلت معادن لما فيها من الاستعداد المتفاوت، أو شبههم بالمعادن لكونهم أوعية للشرف، كما
أن المعادن أوعية للجواهر، كذا في فتح الباري (٦: ٤١٥).
قوله: (خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) بضم القاف، أي: صاروا
فقهاء عالمين بالشرع. قال النووي: ((معناه أن أصحاب المروءات ومكارم الأخلاق في الجاهلية
إذا أسلموا وفقُهوا، فهم خيار الناس)).
وقال القرطبي: ((ففي تنبيهه ◌َلّر على ذلك إشارة إلى مراعات الأحساب والجري على

٣١
كتاب الفضائل
(٤٥) - باب: من فضائل زكرياء، عليه السلام
٦١١٢ - (١٦٩) حدّثنا هَذَّابُ بْنُ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ
أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَ﴿ قَالَ: ((كَانَ زَكَرِيَّاءُ نَجَّاراً».
الأعراق، وإن تمام شرف الدين بالفقه فيه، فيخرج من أجوبته الثلاثة أن الكرم كله عاماً
وخاصاً، مجملاً ومفصلاً، إنما هو بالتقى والأعراف في النبوة والإسلام والفقه فيه، فإذا تم ذلك
أو ما حصل منه مع شرف الآباء المعهود عند الناس، فقد كمل شرف الشريف وكرم الكريم)»
حكاه الأبيّ.
(٤٥) - باب: من فضائل زكرياء ◌َلَّلُ
١٦٩ - (٢٣٧٩) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه أيضاً ابن ماجه في
التجارات، باب الصناعات ٢١٦٦.
قوله: (كان زكرياء) بفتح الزاي والكاف وكسر الراء. ثم فيه أربع لغات: المدّ، كما وقع
هنا، والقصر، كما هو في القرآن الكريم، وحذف الألف مع تخفيف الياء، (زكري) وتشديدها
(زكريّ). وليس هو (زكريا) الذي له صحيفة مستقلة في أسفار العهد القديم لأهل الكتاب، لأنه
كان قبل المسيح لّل بخمسة قرون. و(زكريا) ظلّ الذي ذكره القرآن الكريم كان قبيل
المسيح ظلّلا، وابنه يحيى، وزوجته (اليشع) أخت لحنّة امرأة عمران وأم مريم، فكانت زوجة
زكريا علّل خالة لمريم ◌َله. وكان زكريا من سلالة داودمُمَّاله، وزوجته من ذرية هارون ◌ِلَّلا،
وراجع تفسير ابن كثير (٢: ٤٧) وفتح الباري (٦: ٤٦٨). وإن زكريا ظلّ* هذا مذكور في إنجيل
لوقا (١: ٥)، وذكر فيه أنه كان كاهناً، وكان (الكاهن) منصباً في بني إسرائيل يتولى أداء
العبادات، وليس هو الكاهن بالمعنى المعروف عند العرب. وقد صرح في إنجيل برنابا بأنه كان
نبياً .
قوله: (نجاراً) وفيه فضيلة كسب الإنسان بعمل يديه، وكان أكثر الأنبياء يكتسبون بأعمال
أيديهم. وقال ابن إسحاق: ((كان زكريا وابنه آخر من بعث من بني إسرائيل قبل عيسى، وقال
أيضاً: أراد بنو إسرائيل قتل زكريا، ففرّ منهم، فمرّ بشجرة فانفلقت له، فدخل فيها فالتأمت
عليه، فأخذ الشيطان بهدبة ثوبه، فرأوها فوضعوا المنشار على الشجرة فنشروها حتى قطعوه من
وسطه في جوفها)) كذا في فتح الباري.

٣٢
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
(٤٦) - باب: من فضائل الخضر، عليه السلام
٦١١٣ - (١٧٠) حدّثنا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ النَّاقِدُ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ
وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ. كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ (وَاللَّفْظُ لإِبْنٍ أَبِي
عُمَرَ)، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. قَالَ: قُلْتُ
لِإِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفاً الْبِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى، عَلَيِهِ السَّلاَمُ، صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْسَ
(٤٦) - باب من فضائل الخضر ظلَّلاز
١٧٠ - (٢٣٨٠) - قوله: (قلت لابن عباس) هذا حديث الخضر مع موسى ظلّلا، أخرجه
البخاري في العلم، باب ما ذكر في ذهاب موسى لعلّها في البحر إلى الخضر (٧٤)، وباب
الخروج في طلب العلم (٧٨)، وباب ما يستحب للعالم إذا سئل أي الناس أعلم، فَيكلُ العلم
إلى الله (١٢٢)، وفي الإجارة، باب إذا استأجر أجيراً على أن يقيم حائطاً (٢٢٦٧)، وفي
الشروط، باب الشروط مع الناس بالقول (٢٧٢٨)، وفي بدء الخلق، باب صفة إبليس
وجنوده (٣٢٧٨)، وفي الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى { لَاه (٣٤٠٠ و٣٤٠١)، وفي
تفسير سورة الكهف، باب وإذ قال موسى لفتاه إلخ (٤٧٢٥)، وباب فلما بلغا مجمع بينهما نسيا
حوتهما إلخ (٤٧٢٦) وباب فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا (٤٧٢٧)، وفي الأيمان والنذور،
باب إذا حنث ناسياً في الأيمان (٦٦٧٢)، وفي التوحيد، باب المشية والإرادة (٧٤٧٨)،
وأخرجه أبو داود في السنّة، باب القدر (٤٧٠٥ إلى ٤٧٠٧)، والترمذي في التفسير، باب ومن
سورة الكهف (٣١٤٩ و٣١٥٠).
قوله: (إِن نَوْفاً البِكَالِيّ) نوف بفتح النون وسكون الواو، والبكالي بكسر الباء وتخفيف
الكاف، وقد وقع عند بعض رواة مسلم (البكالي) بفتح الباء وتشديد الكاف، والأول هو
الصواب. وهو نوف بن فضالة وهو منسوب إلى بني بكال بن دعمي بن سعد، بطن من حمير.
وقد وقع في رواية للبخاري في التفسير: ((قلت: أي أبا عباس، بالكوفة رجل قاص يقال له
نوف، يزعم إلخ)) فأفاد أنه كان قاصاً من قصاص أهل الكوفة ويقال: إنه ابن امرأة كعب
الأحبار، وقيل: ابن أخيه، وهو تابعي صدوق. قاله الحافظ في الفتح (٨: ٤١٣).
قوله: (إن موسى علّ صاحب بني إسرائيل) إلخ حاصل قوله أن موسى عظّ* الذي ذهب
إلى الخضر والّلا ليس موسى بني إسرائيل النبي المعروف، وإنما هو غيره. ووقع في رواية ابن
إسحاق عن سعيد بن جبير عند النسائي: قال: ((كنت عند ابن عباس وعنده قوم من أهل الكتاب،
فقال بعضهم: يا أبا عباس! إن نوفاً يزعم عن كعب الأحبار أن موسى الذي طلب العلم إنما هو
موسى بن ميشا، أي: ابن افرائيم بن يوسف ظلّا. فقال ابن عباس: أسمعت ذلك منه يا سعيد؟
قلت: نعم. قال: کذب نوف».

٣٣
كتاب الفضائل
هُوَ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ. فَقَالَ:
قوله: (صاحِبِ الخضر علّلا) بفتح الخاء وكسر الضاد، وهذا لقبه، وقد ثبت وجه تسميته
بذلك في حديث مرفوع أخرجه البخاري في الأنبياء (٣٤٠٢) عن أبي هريرة ضه، عن النبيّ وَّ
قال: ((إنما سمّي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء» وفروة:
الحشيش الأبيض وما أشبهه، كما فسره بذلك عبد الرزاق. وقال ابن الأعرابي: الفروة أرض
بيضاء ليس فيها نبات. وقال الحربي: الفروة من الأرض قطعة يابسة من حشيش.
وقد اختلف العلماء في اسمه ونسبه اختلافاً شديداً، فروى الدارقطني بسند ضعيف إلى
مقاتل بن سليمان أنه ابن آدم لصلبه، وذكر أبو حاتم عن بعض مشايخه أنه ابن لقابيل بن آدم،
وذكر وهب بن منبه أنه بلياً بن ملكان بن فالغ بن شالخ بن عامر بن أرفخشذ بن سام بن نوح،
وحكى ابن قتيبة أنه ابن عمائيل بن النون بن العيص بن إسحاق، وروى الكلبي أنه من سبط
هارون أخي موسى، وقال ابن إسحاق: إنه أرميا بن خلفيا، وروي عن ابن لهيعة أنه ابن بنت
فرعون، وحكى النقاش عن بعضهم أنه ابن فرعون لصلبه، وحكي عن مقاتل أيضاً أنه
اليسع علّلها، وروى الطبري عن ابن شوذب أنه من ولد فارس. وقيل: كان أبوه فارسياً وأمه
رومية، وقيل: بالعكس كذا في الإصابة (١: ٤٢٨) وليس شيء من هذه الأقوال مستنداً إلى دليل
يعتمد عليه .
واختلف العلماء أيضاً في كونه نبياً. والجمهور على كونه نبياً، لأن الله تعالى قال في خبره
مع موسى علّ حكاية عنه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِئَّ﴾ [الكهف: ٨٢] وظاهره أنه فعله بأمر الله، والأصل
عدم الواسطة، ويحتمل أن يكون بواسطة نبي آخر لم يذكر، وهو بعيد. ولا سبيل إلى القول بأنه
إلهام، لأن ذلك لا يكون حجة حتى يعل به ما عمل من قتل النفس وتعريض الأنفس للغرق.
وأيضاً، فكيف يكون غير النبي أعلم من النبي؟ وكيف يكون النبي تابعاً لغير نبي؟ وقال بعض
أكابر العلماء: إن إنكار نبوته أول درجة من الزندقة، لأن الزنادقة يتدرجون بكونه غير نبي إلى أن
الوليّ أفضل من النبي.
واختلفوا أيضاً: هل هو نبي مرسل، أو غير مرسل؟ والجمهور على الثاني. قال أبو حيان
في تفسيره: ((والجمهور على أنه نبي، وكان علمه معرفة بواطن أوحيت إليه، وعلم موسى الحكم
بالظاهر)) وحاصله أن نبوته نبوة تكوين، لا نبوة تشريع، والله سبحانه أعلم.
واختلفوا أيضاً: هل هو حي أو مات؟ فذهبت جماعة من العلماء إلى أنه أعطي عمراً
طويلاً، وهو حي إلى اليوم ولكنه محجوب عن الأبصار، ويبقى حياً إلى خروج الدجال، قال
النووي: جمهور العلماء على أنه حيّ موجود بين أظهرنا وذلك متفق عليه عند الصوفية وأهل
الصلاح والمعرفة، وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به، والأخذ عنه، وسؤاله وجوابه ووجوده
في المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثر من أن يحصر وأشهر من أن يستر، وقال الشيخ أبو

٣٤
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ.
عمرو ابن الصلاح: ((هو حيّ عند جماهير العلماء والصالحين والعامة معهم في ذلك. قال:
وإنما شذ بإنكاره بعض المحدثين)) وخالفهم الآخرون، فقالوا: إنه قد مات، واستدلوا على ذلك
بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [سورة الأنبياء، آية: ٣٤] وأجاب عنه الأولون بأن العمر
الطويل ليس من الخلد. وروي عن الإمام البخاري تَقُ أنه سئل عن حياة الخضر، فأنكر ذلك
واستدل بالحديث ((أن على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها أحد))، وهو
حديث أخرجه البخاري في الصحيح عن ابن عمر. وأجاب عنه الأولون بأن المراد فناء من
يشاهد العامة وجوده على وجه الأرض، وليس الخضرظلكل منهم. وكذلك استدل القائلون بموته
بالحديث النبوي المرفوع: ((لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي)) فلو كان الخضر حياً لجاء
إلى رسول الله وَ﴿ وآمن به واتبعه، ولم يثبت ذلك. وأجاب عنه الأولون بأن الإيمان به وَل لا
يتوقف على المجيء إليه، ثم لم يثبت عدم مجيئه أيضاً، ولا يلزم من عدم ثبوت المجيء ثبوت
عدم المجيء. واستدل القائلون بحياته بروايات أخرى وقصص مروية عن كثير من العلماء
والأولياء أنهم لقيهم الخضر الصَّلا.
وقد أطال الحافظ ابن حجر في الإصابة (١: ٤٢٨ إلى ٤٤٧) في ترجمة الخضر ظلّلا،
واستوعب فيها الروايات التي تدل على حياته، وليس فيها ما يثبت إسناده بطريق صحيح.
وأحسن ما ورد في ذلك ما رواه يعقوب بن سفيان في تاريخه، وأبو عروة عن رباح بن عبيدة
قال: ((رأيت رجلاً يماشي عمر بن عبد العزيز معتمداً على يديه فلما انصرف، قلت له: من
الرجل؟ قال: رأيته؟ قلت: نعم. قال: أحسبك رجلاً صالحاً، ذاك أخي الخضر، بشّرني أني
سأولّى وأعدل)) ذكره الحافظ في الفتح (٦: ٤٣٥)، وقال: ((لا بأس برجاله، ولم يقع لي إلى
الآن خبر ولا أثر بسند جيد غيره)).
وبالجملة، فلم يثبت في القرآن ولا في السنة دليل يجزم به على حياته أو موته، فليست
المسألة مسألة العقيدة، وإنما هي مسألة ثبوت واقعة وعدم ثبوتها، ومسألة مشاهدة وتجربة،
والسبيل الأسلم في مثلها التوقف والسكوت، حتى يتضح أحد الجانبين بدليل منقول، أو
بمشاهدة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قوله: (كذب عدوّ الله) قال النووي: ((قال العلماء: هو على وجه الإغلاظ والزجر عن مثل
قوله، لا أنه يعتقد أنه عدوّ الله حقيقة، إنما قاله مبالغة في إنكار قوله لمخالفته قول رسول الله وَلقر،
وكان ذلك في حال غضب ابن عباس لشدة إنكاره، وحال الغضب تطلق الألفاظ ولا تراد به
حقائقها)) .
والذي يظهر لهذا العبد الضعيف عفا الله عنه أن ابن عباس ◌ً لم يقل هذا الكلام في
نوف البكالي، وإنما قال ذلك في كعب الأحبار، كما يدل عليه رواية النسائي التي ذكرناها،

٣٥
كتاب الفضائل
سَمِعْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَّهِ يَقُولُ: ((قَامَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ خَطِيباً
فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ. قَالَ: فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ
الْعِلْمَ إِلَيْهِ. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنَّ عَبْداً مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ
ولفظها: ((يا أبا عباس: إن نوفاً يزعم عن كعب الأحبار إلخ)) وقد تدل بعض الروايات على أن
جماعة من الصحابة كانوا في شك من أمره، وقد ذكرت ذلك في كتابي ((علوم القرآن))، فيمكن
أن يكون هذا الغضب ناشئاً عن تلك الشكوك والشبهات في كعب الأحبار.
قوله: (سمعت أبيّ بن كعب) وتفصيل هذا السماع ما أخرجه البخاري في العلم عن ابن
عباس بلفظ: ((أنه تمارى هو والحرّ بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى. قال ابن
عباس: هو خضر، فمر بهما أبيّ بن كعب، فدعاه ابن عباس، فقال: إني تماريت أنا وصاحبي
هذا في صاحب موسى الذي سأل موسى السبيل إلى لقيّه، هل سمعت النبيّ 98َّ يذكر شأنه؟
قال: نعم)) فذكر الحديث.
قوله: (قام موسى علا خطيباً) وفي رواية أبي إسحاق الآتية: ((بينما موسى لعلّل في قومه
يذكّرهم بأيام الله، وأيام الله نعماؤه وبلاؤه)) وفي رواية يعلى بن مسلم عند البخاري في التفسير:
((ذكّر النّاس يوماً، حتى إذا فاضت العيون ورقّت القلوب ولّى، فأدركه رجل، فقال: أي
رسول الله! هل في الأرض أحد أعلم منك إلخ)).
قوله: (فقال: أنا أعلم) ووقع في رواية يعلى عند البخاري: ((هل في الأرض أحد أعلم
منك؟ قال: لا)) وفي رواية أبي إسحاق الآتية: ((ما أعلم في الأرض رجلاً خيراً وأعلم مني))
وهذان التعبيران أهون من تعبير حديث الباب، لأنه نفي لعلمه من هو أعلم منه، وفي حديث
الباب إثبات لأعلميته، والمراد كونه أعلم آل زمانه ممن أرسل إليه، ولم يكن موسى أرسل إلى
الخضر. قاله الحافظ في الفتح (١: ٢١٩).
قوله: (فعتب الله عليه) قال ابن المنير: ((ظن ابن بطال أن ترك موسى الجواب عن هذه
المسألة كان أولى. وعندي أنه ليس كذلك، بل رد العلم إلى الله تعالى متعين، أجاب أو لم
يجب، فلو قال موسى عليه: ((أنا، والله أعلم)) لم تحصل المعاتبة، وإنما عوتب على اقتصاره
على ذلك، أي: لأن الجزم يوهم أنه كذلك في نفس الأمر، وإنما مراده الإخبار بما في علمه))
والعتب من الله تعالى محمول على ما يليق به، لا على معناه العرفي في الآدميين كنظائره. كذا
في فتح الباري (١: ٢١٩).
قوله: (بمجمع البحرين) قال الحافظ في الفتح (٨: ٤١٠): ((اختلف في مكان مجمع
البحرين، فروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: بحر فارس والروم، وعن الربيع بن أنس
مثله، أخرجه عبد بن حميد. وروى ابن أبي حاتم من طريق السدي، قال: هما الكر والرس

٣٦
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مُوسَى: أَنِي رَبِّ، كَيْفَ لِي بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احمِلْ حُوتاً فِي مِكْتَلِ، فَحَيْثُ تَفْقِدُ الْحُوتَ فَهُوَ
ثَمَّ، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ مَعَهُ فَتَاهُ. وَهُوَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ. فَحَمَلَ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، حُوتاً فِي
مِكْتَلِ. وَانْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ يَمْشِيَانٍ حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ. فَرَقَدَ مُوسَىْ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَفَتَاهُ.
فَاضْطَّرَبَ الْحُوتُ فِي الْمِكْتَلِ، حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْمِكْتَلِ، فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ. قَالَ: وَأَمْسَكَ اللَّهُ
حيث يصبّان في البحر .... وقيل: هما بحر الأردن والقلزم. وقال محمد بن كعب القرظي:
مجمع البحرين بطنجة)) والله سبحانه أعلم.
قوله: (كيف لي به؟) أي: كيف أصل إليه؟ وفي رواية يعلى عند البخاري: ((أي ربّ!
اجعل لي علماً أعلم ذلك منه)).
قوله: (حوتاً) وهو السمك، وأكثر ما يطلق على الكبير منه، وكانت سمكة مالحة، كما
صرح به في الرواية الثانية.
قوله: (في مكتل) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح التاء، وهو الزنبيل أو القفة. وفي
رواية يعلى عند البخاري: ((خذ نوناً ميتاً حيث ينفخ فيه الروح)).
قوله: (وانطلق معه فتاه وهو يوشع بن نون) ظاهره أن هذا التفسير جزء من الحديث،
ولكن وقع بعده في رواية ابن جريج عند البخاري ((ليست عن سعيد)) وأوّله الحافظ بأن الذي نفاه
صورة السياق لا التسمية، فإنها وقعت في رواية عمرو بن دينار، والله أعلم.
ويوشع بن نون ظلّل هو الذي قام في بني إسرائيل بعد موسى، ونقل ابن العربي أنه كان
ابن أخت موسى، وزعم ابن العربي أن ظاهر القرآن يقتضي أن الفتى ليس هو يوشع، وكأنه أخذه
من لفظ الفتى، أو أنه خاص بالرقيق، وليس بجيد، لأن الفتى مأخوذ من الفَتْي وهو الشباب،
وأطلق ذلك على من يخدم، سواء كان شاباً أو شيخاً، كذا في فتح الباري.
قوله: (حوتاً في مكتل) وفي رواية الربيع بن أنس عند ابن أبي حاتم أنهما اصطاداه.
قوله: (فَرَقَّدَ موسى علّا) وفي رواية يعلى عند البخاري: ((فبينا هو في ظل صخرة في
مكان ثريان (أي: مبلول) إذ تضرّب الحوت (أي: سار) وموسى نائم، فقال فتاه: لا أوقظه،
حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره، وتضرّب الحوت حتى دخل البحر، فأمسك الله عنه جريه البحر،
حتی کأنّ أثره في جحر)).
قوله: (فاضطرب الحوت) وفي رواية سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عند البخاري في
التفسير (٤٧٢٧): «قال سفيان: وفي حديث غير عمرو، قال: وفي أصل الصخرة عين يقال لها
الحياة لا يصيب من مائها شيء إلا حييَ، فأصاب الحوت من ماء تلك العين. قال: فتحرك
وانسلّ من المكتل، فدخل البحر)). واستظهر الحافظ في الفتح (٨: ٤١٥) أن سفيان بن عيينة
سمعه من قتادة، فإن ابن أبي حاتم أورد قصة العين من طريقه. وقد أنكر الداودي هذه الزيادة،

٣٧
كتاب الفضائل
عَنْهُ جِزِيَةَ الْمَاءِ حَتَّى كَانَ مِثْلَ الطَّاقِ، فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَباً. وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَباً.
فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتَهُمَا، وَنَسِيَ صَاحِبُ مُوسَى أَنْ يُخْبِرَهُ، فَلَمَّا أَضْبَحَ مُوسَى،
عَلَيْهِ السَّلاَمُ، ﴿قَالَ لِفَتَنْهُ ءَائِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]. قَالَ: وَلَمْ
يَنْصَبْ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ. ﴿قَالَ أَرَبَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِّ نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَّآ
أَنْسَئِيهُ إِلَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَكْرَهُ وَأَّخَذَ سَبِيلَهُ فِىِ الْبَحْرِ عَمً﴾ [الكهف: ٦٣]. قَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا
كُنَّا نَبْخَّ فَأَرْتَدًا عَلَى ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]. قَالَ: يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا، حَتَّى أَتَيَا الصَّخْرَةَ
فإن كان محفوظاً فهو من خلق الله وقدرته، والله أعلم.
قوله: (حتى كان مثل الطاق) والطاق عقد البناء، وجمعه طيقان، وهو الأزج وما عقد
أعلاه من البناء وبقي ما تحته خالياً. وفي رواية أبي إسحاق الآتية: ((صار مثل الكوّة)) وهو بنفس
المعنى. وفي رواية ابن جريج عند البخاري: ((حتى كأن أثره في جحر. قال لي عمرو: هكذا
كان أثره في جحر - وحلّق بين إبهاميه واللتين تليانهما)) وحاصل الجميع أنه صار في الماء شيىء
يشبه الطاق أو النفق.
قوله: (فكان للحوت سرباً) السّرب: المسلك، والحفير تحت الأرض، والقناة يدخل منها
الماء، قال قتادة، جمد الماء فكان كالسرب ذكره القرطبي، وقيل: إنه مصدر بمعنى التسرّب،
وهو السير.
قوله: (وليلتهما) يجوز فيه النصب على أنه معطوف على (بقية)، والجر على أنه معطوف
على (يومهما) قال القرطبي: ((يعني: لما قاما من نومهما ونسيا حوتهما، أي: غفلا عنه ولم
يطلباه لاستعجالهما، فقيل: نسي يوشع الحوت ونسي موسى أن يأمره فيه بشيء. وقيل: إنما
(٢)﴾ [سورة الرحمن، آية:
نسي يوشع وأسند إليهما من باب قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اُلُّؤْلُ وَالْمَرْحَانُ
٢٢]، وإنما يخرج من أحدهما)).
ثم قال الداودي: هذه الرواية وهم. وكأنه فهم أن الفتى لم يخبر موسى إلا بعد يوم وليلة،
وليس ذلك المراد، بل المراد أن ابتداءها من يوم خرجا لطلبه، ويوضح ذلك ما سيأتي في رواية
أبي إسحاق: «فلما تجاوزا قال لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا. قال: ولم يصبه
نصب حتى تجاوزا)). وكذلك يدل عليه قوله في هذا الحديث نفسه: ((ولم ينصب حتى جاوز
المكان الذي أمر به)) وهو مجمع البحرين. وراجع الفتح (٨: ٤١١).
قوله: (وما أنسانيه إلا الشيطان) وكان موسى ظلّا قد ألزمه بأن يخبره حين يفقد الحوت،
كما وقع صريحاً في رواية البخاري، فلذلك اعتذر يوشع بهذا القول.
قوله: (ما كنا نبغي) أي: نطلب. معناه أن الذي جئنا نطلبه هو الموضع الذي نفقد فيه
الحوت.

٣٨
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَرَأَىْ رَجُلاً مُسَجَّى عَلَيْهِ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى، فَقَالَ لَهُ الْخَضِرُ: أَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلاَمُ؟
قَالَ: أَنَا مُوسَى. قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: إِنَّكَ عَلَى عِلْم مِنْ عِلْم اللّهِ
عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لاَ أَعْلَمُهُ، وَأَنَا عَلَى عِلْم مِنْ عِلْم اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لاَ تَعْلَمُهُ. قَالَ لَهُ مُوسَى،
عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿هَلْ أَتَِّعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمِّنِ مِمَّا عُلِّمَتَ رُشْدًا قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا
٦٧
وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَزْ تُحِطْ بِهِ، خُبْرَاً
ـ) قَالَ سَتَجِدُنِىِّ إِن شَآءَ اَللَّهُ صَابِرًا وَلَّ أَعْصِى لَكَ أَمْرَاً
٦٨
الكهف: ٦٦ -٦٩]. قَالَ لَهُ الْخَضِرُ: ﴿فَإِنِ أَتَّبَعْتَنِى فَلَا تَسْتَلْنِ عَن شَىْءٍ حَتَّىَ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ
ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٧٠]. قَالَ: نَعَمْ. فَانْطَلَقَ الْخَضِرُ وَمُوسَى يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَمَرَّتْ
بِهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمَاهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمَا، فَعَرَفُوا الْخَضِرَ فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ. فَعَمَدَ الْخَضِرُ
قوله: (فرأى رجلاً) وفي رواية ابن جريج عند البخاري في التفسير: ((فرجعا، فوجدا
خضراً. قال لي عثمان بن أبي سليمان: على طنفسة خضراء على كبد البحر. قال سعيد بن
جبير: مسجى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه)).
قوله: (مسجّى) أي: مغطّى. ووقع في رواية لعبد بن حميد من طريق أبي العالية: ((فوجده
نائماً في جزيرة من جزائر البحر ملتفّاً بكساء)» ولابن أبي حاتم من وجه آخر عن السدي: ((فرأى
الخضر وعليه جبّة من صوف وكساء من صوف، ومعه عصا قد ألقى عليها طعامه)) كذا في فتح
الباري.
قوله: (أنّى بأرضك السلام؟) يعني: من أين السلام في هذه الأرض التي لا يعرف فيها
السلام. و(أنّى) بمعنى (من أين)، وقد يكون بمعنى (كيف). وفي رواية للبخاري: (هل بأرضي
من سلام؟) وهو استفهام استبعاد يدل على أن أهل تلك الأرض لم يكونوا إذ ذاك مسلمين.
قوله: (وأنا على علم من علم الله علّمنيه لا تعلمه) يعني: لا تعلم جميع ما أعلمه. ولا
أعلم جميع ما تعلمه، لأن بعض المعلومات أحدهما حاصل للآخر بداهة. وقدمنا أن علم
موسى ظلَّلا كان تشريعاً، وعلم الخضر كان تكويناً. واستشكل هذا بأنه كيف يكون الخضر أعلم
من موسى ◌َّةِ، مع تغاير جهتي علمهما؟ وأجاب عنه ابن العربي بأن علم الخضر أشرف لكونه
علماً لبعض المغيبات، ولكن هذا الجواب لا يرفع الإشكال، لأن شرف العلم شيء آخر.
وأجاب عنه الأبيّ في شرحه بأن الخضر كان مكلّفاً، فكان يعلم بعض الشرائع، فشارك
موسى ظلَّلا فيها، واختص بكثير من أمور التكوين، فصار أعلم منه، والله أعلم.
قوله: (ولا أعصي لك أمراً) قيل: إن موسى ظلِّلا استثنى (أي: قال: إن شاء الله) في
الصبر، فصبر، ولم يستثن في العصيان، فعصاه. وكأن المراد بالصبر أنه صبر عن اتباعه والمشي
معه وغير ذلك، لا الإنكار عليه فيما يخالف الشرع.
قوله: (فعرفوا الخضر) قال الأبيّ: ((الأظهر أنهم عرفوه لا من حيث كونه الخضر، بل إنما

٣٩
كتاب الفضائل
إِلَىْ لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ. فَقَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى
سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا. ﴿حِثْتَ شَيْئًا إِمْرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا
﴾ [الكهف: ٧١ - ٧٣]، ثُمَّ خَرَجًا مِنَ
(٧٣)
قَالَ لَا نُؤَاخِذْنِ بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِ مِنْ أَمْرِى عُشْرًا
السَّفِينَةِ، فَبَيْنَمَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ إِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ. فَأَخَذَ الْخَضِرُ
عرفوا عينه، أو عرفوا كونه عالماً)) ووقع في رواية ابن جريج عند البخاري: ((فقالوا: عبد الله
الصالح)) فكأنهم عرفوه من جهة كونه رجلاً صالحاً .
قوله: (بغير نول) أي: بغير أجر، والنول في الأصل العطاء، وقد يستعمل بمعنى الأجرة.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الربيع بن أنس: ((فناداهم الخضر وبيّن لهم أن يعطي عن كل
واحد ضعف ما حملوا به غيرهم. فقالوا لصاحبهم: إنا نرى رجالاً في مكان مخوف نخشى أن
يكونوا لصوصاً، فقال: لأحملنّهم فإني أرى على وجههم النور، فحملهم بغير أجرة)» وذكر
النقاش في تفسيره أن أصحاب السفينة كانوا سبعة بكل واحد زمانة ليست في الآخر. كذا في
فتح الباري.
قوله: (فعمد الخضر إلى لوح) إلخ قال الأبيّ: ((الأظهر أنه ليس بمرءاً من أهلها، إذ لم
يثبت أن أحداً من أهلها أنكر عليه، وقصده أن يعيبها دون أن يقع بأهلها ضرر، وهذا من خرق
العادة)» ذكره الحافظ في الفتح (٨: ٤١٩).
قوله: (شيئاً إمرا) أي: عظيماً كثير الشدة، وفي رواية الربيع بن أنس عند ابن أبي حاتم:
((إن موسى لما رأى ذلك امتلأ غضباً، وشدّ ثيابه وقال: أردت إهلاكهم، ستعلم إنك أول هالك.
فقال له يوشع: ألا تذكر العهد؟ فأقبل عليه الخضر فقال: ألم أقل لك؟ فأدرك موسى الحلم
فقال: لا تؤاخذني. وإن الخضر لما خلصوا قال لصاحب السفينة: إنما أردت الخير، فحمدوا
رأيه وأصلحها الله على يديه)) ذكره الحافظ في الفتح، والله أعلم.
قوله: (لا تُرهقني) الإرهاق في الأصل التغشية. وقال مقاتل: معناه: لا تكلفني ما لا أقدر
عليه من التحفظ من السهو. كذا في شرح الأبيّ عن القاضي عياض.
قوله: (إذا غلام يلعب) قال القرطبي: ((قال ابن الكلبي: كان اسم الغلام شمعون وقيل:
حشود. وقال وهب: اسم أبيه سلاهل واسم أمه رحما» وهذه روايات لا یوثق بها .
وقال القاضي عياض: ((يدل على أنه كان غير بالغ، لأن الغلام لغة اسم للمولود من حين
يولد إلى أن يبلغ. وقيل: إنه كان بالغاً لقوله: ((بغير نفس)) لأنه لا يقتصّ إلا من بالغ، ولقوله:
((كان كافراً)) في قراءة من قرأ ذلك. وأجيب عن الأول بأنا لا نعلم شريعتهم، فلعله كان يقتصّ
فيها من غير البالغ (قلت: ويمكن أن يكون ذلك لإظهار زيادة الشناعة، كأنه قال: أقتلت نفساً
زكية لا تقتل حتى في قصاص، فكيف بدونه؟) .... وعن الثاني بأن تلك القراءة لم تثبت في

٤٠
الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
بِرَأْسِهِ، فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ، فَقَتَلَهُ. فَقَالَ مُوسَى: ﴿فَانْطَلَقَا حََّ إِذَا لَقِيَا غُلَمَا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَلْتَ نَفْسًا
٧٥
قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا
٧٤
زَكِيَّةٌ بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا
[الكهف: ٧٤ . ٧٥]؟ قَالَ: وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنَ الأُولَى. ﴿قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَحِبْنِى قَدْ
بَلَغْتَ مِن لَّكُنِ عُذْرًا ﴿ فَأَنْطَلَقَا حَتَّىَ إِذَا أَنْيَا أَهْلَ قَرْبَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْ أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا
فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَفَامَةِّ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا
يَقَولُ
[الكهف: ٧٦ - ٧٧] ،
VV
مَائِلٌ، قَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذَا، فَأَقَامَهُ، قَالَ لَهُ مُوسَى: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُضَيِّفُونَا وَلَمْ
يُطْعِمُونَا، لَوْ شِئْتَ لَتَخِذْتَ عَلَيْهِ أجْراً. قَالَ: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِ وَيَبْنِكَ سَأَنَبِتُكَ بِنَأْوِيلِ مَا لَمْ
﴾ [الكهف: ٧٨]. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى، لَوَدِدْتُ أَنَّهُ
(٧٨)
تَسْتَطِعِ غَلَيْهِ صَبْرًا
كَانَ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَخْبَارِهِمَا)). قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ: ((كَانَتِ الأَوْلَى مِنْ
مُوسَى نِسْيَانًا)). قَالَ: ((وَجَاءَ عُصْفُورٌ حَتَّى وَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، ثُمَّ نَقَرَ فِي الْبَحْرِ. فَقَالَ
الصحف، وبأنه سماه بمآل أمره)) وقال القرطبي: ((وقال ابن عباس: كان شاباً يقطع الطريق.
ولعله لا يصح عن ابن عباس. لأن الله تعالى سماه غلاماً. والغلام من لم يبلغ)). هذه خلاصة ما
في شرح الأبيّ والنووي.
قوله: (فاقتلعه بيده) ووقع في رواية لابن جريج عند عبد بن حميد: ((غلاماً وضيء الوجه
فأضجعه ثم ذبحه بالسكين)) قال الحافظ في الفتح: ((ويجمع بينهما بأنه ذبحه ثم اقتلع رأسه. وفي
رواية أخرى عند الطبري: ((فأخذ صخرة فثلغ رأسه)) والأول أصح)).
قوله: (أقتلت نفساً زاكية) قال النووي: ((قرىء في السبع (زاكية) و(زكية) قالوا: ومعناه
طاهرة من الذنوب)) وهذا دليل آخر على كونه غير بالغ، لأن البالغ لا يقطع بكونه طاهراً من
الذنوب. أما قوله: ((بغير نفس)) فقد شرحناه آنفاً بأنه لإظهار زيادة الشناعة، والله أعلم.
قوله: (أتيا أهل قرية) قال الحافظ في الفتح: ((قيل: هي الأيلة، وقيل: أنطاكية، وقيل:
أذربيجان، وقيل: برقة، وقيل: ناصرة، وقيل: جزيرة الأندلس. وهذا الاختلاف قريب من
الاختلاف في مجمع البحرين. وشدة المباينة في ذلك تقتضي أن لا يوثق بشيء من ذلك)) قلت:
ولا حاجة لنا إلى تفصيل ما أبهمه الله تعالى.
قوله: (يريد أن ينقض) أي: يوشك أن ينقض، وإلا فالجدال لا إرادة له.
قوله: (هذا فراق بيني وبينك) وذكر الثعلبي أن الخضر قال لموسى: ((أتلومني على خرق
السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار، ونسيت نفسك حين ألقيت في البحر، وحين قتلت القبطيّ،
وحين سقيت أغنام ابنتي شعيب احتساباً؟)) ذكره الحافظ في فتح الباري.
قوله: (كانت الأولى من موسى نسياناً) لعل مراده أن اعتراض موسى على الخضر بانتظار على