Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَكَتِالتر فع الخلق تأليف محمّد ◌َقَيُ العُثماني مُراجَعَة وتَقيقه وتكمَة يَحْمُودٌ ستاكِرٌ تتمة كتاب الفضائل - كتاب فضائل الصحابة كتاب البر والصلة والآداب - كتاب القدر - كتاب العلم كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار - كتاب الرقاق الجزء الخامس دَارُ ابعِيَاء التَّابث العَرَبي بَيروت - لبْنان جميع الحقوق محفوظة للناشر جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزءاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على إسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً. Copyright @ All rights reserved All rights of this publication are reserved exclusively to DAR EHIA AL -TOURATH AL-ARABI Beirut - Lebanon. No part of this publication may be translated, reproduced, photocopied, pho- tagraphed, taped on audio cassettes, or stored in a data base or saved on a retrievable system distributed in any form or by any means, without the prior written permission of the publisher. الطبعة الأولى 1426 هـ - 2006 م دار إحياء التراث العربي بيروت - لبنان بيروت - لبنان - بناية كليوبترا - شارع دكاش ص.ب: 11/7957 الرمز البريدي: 2250 1107 هاتف: 540000 - 544440 فاكس: 850717 Beirut - Liban - Imm Kileopatra - Rue Dakkache P.O.Box 11\7957 Postal Code 1107 2250 Tel.Off: 544440 - 540000 Fax: 850717 4 ٥ كتاب الفضائل بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ [تتمة كتاب: الفضائل] (٤٠) - باب: فضائل عيسى عليه السلام ٦٠٨٣ - (١٤٣) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ أَبَاَ هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِّ وَّهِ يَقُولُ: ((أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ. الأَنْبِيَاءُ أَوْلادُ عَلاَّتٍ، وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيّ)). ٦٠٨٤ - (١٤٤) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزَّنَادِ، عَنِ الأَغْرَجِ، عَنْ أَبِيٍ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَله: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَىَ، الأَنْبِيَاءُ أَبْنَاءُ عَلاَّتٍ، (٤٠) - باب: فضائل عيسى ◌َلَّا ١٤٣ - (٢٣٦٥) - قوله: (أن أبا هريرة قال) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فِ الْكِنَبِ مَرْتَمَ إِذِ اُنْتَّبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٣٤٤٢ و٣٤٤٣)، وأبو داود في السنة، باب التخيير بين الأنبياء لمَّا (٤٦٧٥). قوله: (أنا أولى الناس بابن مريم) وفي رواية همام بن منبه: ((أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الأولى والآخرة)) كذا وقع في رواية عبد الرحمن عند البخاري وفيه (الدنيا) بدل (الأولى) أي: أخص الناس به وأقربهم إليه، لأنه بشّر بأنه ◌َ* يأتي بعده. ولا منافاة بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِنََّهِيمَ لَلَّذِينَ أَنَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُ﴾ [سورة آل عمران، آية ٦٨] لأنه * أولى الناس بإبراهيم وبعيسى كليهما. أما كونه أولى بإبراهيم ظلّلا، فمن جهة قوة الاقتداء به، وأما كونه أولى بعيسى ظلّلا، فمن جهة قرب عهده به. قوله: (والأنبياء أولاد علات) وأولاد العَلات (بفتح العين): الإخوة من الأب وأمهاتهم شتى. وأصله مأخوذ من العلل بفتح العين، وهو الشرب بعد الشرب، وإن من تزوج امرأة ثم تزوج أخرى، فكأنّه علّ منها بعد ما شرب من الأولى ومنه سمّيت الضرائر علات، وأولادهنّ من زوج واحد بنوا العلات. ٦ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم وَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَ عِيسَى نَبِيٌّ)) . ٦٠٨٥ - (١٤٥) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبِّهِ. قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ بَّهِ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَّ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنٍ مَرْيَمَ. فِي الأَولَى والآخِرَةِ) قَالُوا: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلاَّتٍ، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، فَلَيْسَ بَيْتَنَا نَبِيُّ)). ٦٠٨٦ - (١٤٦) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَىُ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ قَالَ: ((مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُوَّلَدُ إِلَّ نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ. فَيَسْتَهِلُّ صَارِخاً مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ. إِلاَّ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ))، ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]. وأما كون الأنبياء أولاد علات، فمراده أن أصل إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة، فإنهم متفقون في أصل التوحيد والعقائد الأساسية، لكن اختلفت شرائعهم في الأحكام الفرعية. ١٤٤ _ ( ... ) - قوله: (ليس بيني وبين عيسى نبي) أما قصّة الرسل الثلاثة المذكورة في سورة يس، فكانوا من أتباع عيسى ظلّ ورسله، ولا يلزم أن يكونوا أنبياء. وقد وردت بعض الروايات بكون جرجيس وخالد بن سنان نبيّين بعد عيسى ظلّلا والروايات في نبوة خالد بن سنان كثيرة بسطها الحافظ في الإصابة (١: ٤٥٨)، وأنه قال فيه نبينا وَلّى: ((نبيّ ضيّعه قومه))، وأنَّ ابنته وفدت إلى النبيّ وَّ فأكرمها وأسلمت. ولكن معظم هذه الروايات لا يوثق بها بإزاء حديث الباب الذي لا شك في صحته. ولئن ثبت كون أحدهم نبياً، فيمكن أن يكون المراد من حديث الباب أنه لم يأت بين عيسى ظلّ وبين الرسول وَلو نبيّ مستقلّ بشريعته. كذا أوّله الحافظ في الفتح (٦: ٤٨٩) ولا يخلو من بعد، والله أعلم. ١٤٦ - (٢٣٦٦) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه المصنف أيضاً في القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، وأخرجه البخاري في بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده (٣٢٨٦)، وفي الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَذَّكُرْ فِ اٌلْكِتَبِ مَرْيَمَ﴾ (٣٤٣١)، وفي تفسير سورة آل عمران، باب ﴿وَإِنَّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٤٥٤٨). قوله: (إلا نخسه الشيطان) النخس: غمز الدابة بعود أو نحوه، وفي رواية الأعرج عند البخاري في بدء الخلق: ((كلّ بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعه حين يولد، غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن، فطعن في الحجاب)) أي: في المشيمة التي فيها الولد. قال القرطبي: هذا الطعن من الشيطان هو ابتداء التسليط، فحفظ الله مريم وابنها منه ببركة دعوة أمها حيث قالت: ﴿وَإِّيّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة آل عمران، آية ٣٦]. ٧ كتاب الفضائل وحَدَّثَنِهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. ح وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ. حَدَّثْنَا أَبُو الْيَمَانِ. أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ. جَمِيعاً عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالاَ: ((يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُ صَارِخاً مِنْ مَسَّةِ الشَّيْطانِ إِيَّاهُ))، وَفِي حَدِيثٍ شُعَيْبٍ: (مِنْ مَسُ الشَّيْطَانِ)). ٦٠٨٧ - (١٤٧) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ؛ أَنَّ أَبَا يُونسَ سُلَيْماً، مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ؛ أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ بَنِي آدَمَ يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، إِلَّ مَرْيَمَ وَابْنَهَا)). ٦٠٨٨ - (١٤٨) حدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((صِيَاحُ الْمَوْلُودِ حِينَ يَقَعُ، نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ)) . ٦٠٨٩ - (١٤٩) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ. قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ بَّهِ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَّ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَم رَجُلاَ يَسْرِقُ. فَقَالَ لَهُ عِيسَى: سَرَقْتَ؟ قَالَ: كَلاَّ. وَالَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ. فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللَّهِ. وَكَذَّبْتُ نَفْسِي)). قال النووي تخُّهُ: ((هذه فضيلة ظاهرة، وظاهر الحديث اختصاصها بعيسى وأمه. واختار القاضي عياض أن جميع الأنبياء يتشاركون فيها)). ١٤٧ - ( ... ) - قوله: (أن أبا يونس سُلَيْمَاً) هو سليم، بضم السين، ابن جبير الدوسي، وهو مولى أبي هريرة. قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات. قال ابن يونس: يقال: توفي سنة ١٢٣ هـ، أخرج عنه مسلم وأبو داود والترمذي والبخاري في الأدب المفرد. وراجع التهذيب (٤: ١٦٦). ١٤٨ - (٢٣٦٧) - قوله: (نزغة) وهو النخسة والطعنة، ومنه قولهم: نزغه بكلمة سوء، أي: رماه بها . ١٤٩ - (٢٣٦٨) - قوله: (حدثنا أبو هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأنبياء، باب ﴿وَأَذَكُرْ فِ الْكِنَبِ مَرْتَمَ إِذِ أَنْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ (٣٤٤٤)، والنسائي في القضاة، باب كيف يستحلف الحاكم (٥٤٢٧). قوله: (آمنت بالله وكذّبت نفسي) وفي رواية البخاري: ((كذّبت عيني)). قيل: إنه أراد بالتصديق والتكذيب ظاهر الحكم، لا باطن الأمر، وإلا فالمشاهدة أعلى اليقين، فكيف يكذب عينه ويصدق قول المدعي؟ ويحتمل أن يكون رآه مدّ يده إلى الشيء، فظن أنه تناوله، فلما حلف له رجع عن ظنّه. ويحتمل أن يكون كذّب ما ظهر له من كون الأخذ سرقة، فإنه يحتمل أن يكون ٨ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٤١) - باب: من فضائل إبراهيم الخليل وَل ٦٠٩٠ - (١٥٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَابْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الْمُخْتَارِ. ح وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ، (وَاللَّفْظُ لَهُ)، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ. أَخَبَرَنَا الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ. قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلِ فَقَالَ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ)). ٦٠٩١ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ. قَالَ: سَمِعْتُ مُخْتَارَ بْنَ فُلْفُلٍ، مَوْلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَساً يَقُولُ: قَالَ رَجُلٌ. يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِمِثْلِهِ. الرجل أخذ ما له فيه حق، أو ما أذن له صاحبه في أخذه، أو أخذه ليقلبه وينظر فيه ولم يقصد الغصب والاستيلاء. وقال ابن القيّم في إغاثة اللهفان: ((والحقّ أن الله كان في قلبه أجلّ من أن يحلف به أحد كاذباً، فدار الأمر بين تهمة الحالف وتهمة بصره، فردّ التهمة إلى بصره)) ذكره الحافظ في الفتح (٦: ٤٩٠). (٤١) - باب: من فضائل إبراهيم الخليل . ١٥٠ - (٢٣٦٩) - قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه أيضاً أبو داود في السنّة، باب في التخيير بين الأنبياء ليلا (٤٦٧٢)، والترمذي في التفسير، باب من سورة لم یکن (٣٣٥٢). قوله: (ذاك إبراهيم عليّا) ربما يشكل هذا بالنظر إلى ما تقدم في أول كتاب الفضائل أنه وَ ه سيّد ولد آدم. فإمّا أن يكون رسول الله وسلو قاله قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم (وليس هو من باب النسخ في الأخبار، بل هما خبران صادقان حسب علم القائل في زمانين) وإما أن يكون قاله تواضعاً وأدباً مع إبراهيم عليها. ويعكر عليه أنه كيف يقول خلاف الواقع لمجرد التواضع والأدب؟ وأحسن ما أجاب عنه المازَرِيّ كَثُ، قال: ((يحتمل أنه قاله تواضعاً واستثقالاً أن ينادي بذلك وإبراهيم علّ من آبائه. ويكره التطاول على الآباء، وقد يكون فهم هذا المعنى ممن ناداه بذلك، وقد قال في موضع آخر: ((أنا سيّد ولد آدم)) غير قاصد التطاول والتعاظم، بل ليبيّن ما أمر بتبليغه من ذلك، ولذا عقبه بقوله: ((ولا فخر)). وقال القرطبي تغذّفُ: ((إن التواضع ليس في الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه، وإنما التواضع في منع الإطلاق، فكأنه قال: لا تطلقوا هذا اللفظ عليّ، وأطلقوه على إبراهيم، تأدباً معه. ولو صرح بهذا لكان صحيحاً عقلاً وشرعاً)). ( ... ) - قوله: (مختار بن فُلفُل) بفائين مضمومتين، من التابعين من أهل الكوفة، كان يحدِّث وعيناه تدمعان، وثقه الأكثرون، وذكر ابن حبان في الثقات أنه يخطىء كثيراً، وتكلم فيه السليماني، وأخرج عنه الستة إلا البخاري وابن ماجه. ٩٠ كتاب الفضائل ٦٠٩٢ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْمُخْتَارِ. قَالَ: سَمِعْتُ أَنَساً، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ، بِمِثْلِهِ. ٦٠٩٣ - (١٥١) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ، (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيَّ)، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَ ((اخْتَنَ إِبْرَاهِيمُ، النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً، بِالْقَلُومِ)) . ١٥١ _ (٢٣٧٠) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٣٣٥٦)، وفي الاستئذان، باب الختان بعد الكبر ونتف الإبط (٦٢٩٨). قوله: (وهو ابن ثمانين سنة) هكذا وقع في معظم الروايات الصحيحة، ووقع في الموطأ عن أبي هريرة موقوفاً، وفي صحيح ابن حبان مرفوعاً: ((أنه ◌ُالَّلا اختتن وهو ابن مائة وعشرين سنة))، وقد تكلف بعض العلماء في الجمع بين الروايتين، وأطال في ذلك الحافظ في الفتح (١١: ٨٨ و٨٩)، ولكن لا تخلو وجوه الجمع من التعسف، والأحسن ما ذهب إليه بعض العلماء من أن حديث الصحيحين هذا قاض على الرواية الأخرى، فإنها لا تقاوم حديث الباب من جهة الإسناد، والله أعلم. وقال المهلب: ((ليس اختتان إبراهيم ظلّل بعد ثمانين مما يوجب علينا مثل فعله، إذ عامة من يموت من الناس لا يبلغ الثمانين، وإنما اختتن وقت أوحى الله إليه بذلك وأمره به)) ومراد المهلب كنتُ أنه ليس من السنة تأخير الختان إلى هذا السنّ؛ لأن إبراهيم عليكلا إنما فعل ذلك لأنه لم يؤمر به قبله. وأما الوقت المستحب للختان، فهو السّابع من يوم الولادة إلى ثنتي عشرة سنة، وقد ختن رسول الله و الحسن والحسين رضيها اليوم السابع من ولادتهما، رواه الحاكم في المستدرك عن عائشة. وقال مكحول: إن إبراهيم عليّ ختن ابنه إسحق لسبعة أيام، وختن ابنه إسماعيل لثلاث عشرة سنة. ذكره العيني في عمدة القاري (١٠ : ٥١٤). ودل حديث الباب على مشروعية الختان، حتى لو أخر لمانع إلى أن كبر الرجل لم تسقط مشروعيته، إلا أن يكون هناك عذر طبعيّ أو شرعيّ. وجاء في الفتاوى الهندية (٥: ٣٥٧): ((الشيخ الضعيف إذا أسلم ولا يطيق الختان، إن قال أهل البصر: لا يطيق، يترك، لأن ترك الواجب بالعذر جائز، فترك السنة أولى. كذا في الخلاصة. قيل في ختان الكبير إذا أمكن أن يختن نفسه فعل، وإلا لم يفعل، إلا أن يمكنه أن يتزوّج أو يشتري ختّانة فتختنه، وذكر الكرخي في الجامع الصغير (ويختنه الحمامي) كذا في الفتاوى العتابية)). قوله: (بالقَدُوم) اتفق رواة صحيح مسلم على أنه بتخفيف الدال، واختلف رواة صحيح ١٠ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٦٠٩٤ - (١٥٢) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ. إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِ كَيْفَ تُحِّى الْمَوْقّ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَى وَلَكِن لِيَظْمَيِنَ قَلِىٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠]. وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطاً، لَقَدْ كَانَ يَأوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ. وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ. ٦٠٩٥ - (٠٠٠) وحدّثناه إِنْ شَاءَ اللَّهُ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ. حَدَّثَنَا البخاري، فمنهم من رواه بالتخفيف ومنهم من رواه بالتشديد. وتحتمل رواية التخفيف معنيين، الأول: آلة يستعملها النجار كالفأس، والباء حينئذٍ للاستعانة، والمراد أنه ظلّل ختن نفسه باستعمال هذه الآلة. والثاني: القدوم موضع بالشام، فالباء حينئذٍ للظرفية، والمراد أنه ظلّلا اختتن بهذا الموضع من الشام. أما رواية التشديد، فلا تحتمل إلا المعنى الثاني، لأن الآلة يقال لها القدوم بالتخفيف لا غير، بخلاف الموضع، فإنه يجوز فيه التخفيف والتشديد كلاهما . وقد رجّح الحافظ في الفتح (٦: ٣٩٠) أن المراد في الحديث هو الآلة، واستدل عليه بما أخرجه أبو يعلى من طريق عليّ بن رباح قال: ((أمر إبراهيم بالختان، فاختتن بقدوم فاشتدّ عليه. فأوحى الله إليه أن عجلت قبل أن نأمرك بآلته، فقال: يا ربّ! كرهت أن أؤخّر أمرك)) ويؤيده أيضاً ما أخرجه أبو العباس السراج في تاريخه عن عبيد الله بن سعيد، عن يحيى بن سعيد، عن ابن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة رفعه: ((اختتن إبراهيم بالقدوم، فقلت ليحيى: ما القدوم؟ قال: الفأس)) ذكره الحافظ في الاستئذان (١١: ٩٠). ١٥٢ - (١٥١) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه المصنف أيضاً في الإيمان، باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة وأخرجه البخاري في الأنبياء، باب قول الله عز وجل : ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (@)﴾ (٣٣٧٣)، وباب قول الله عز وجل: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ. لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ (g@﴾ (٣٣٧٥)، وباب قول الله تعالى: أَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ وَإِخْوَيِ: مَنْتُ لِّلِسَّآِلِينَ ﴾﴾، وفي التفسير، باب قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِنْرَهِحُ رَبٍّ أَرِبِ كَيْفَ تُحْى اُلْمَوْنَى﴾ (٤٥٣٧)، وباب قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُ الرَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَيْكَ﴾ (٤٦٩٤)، وفي التعبير، باب رؤيا أهل السجون والفساد والشرك (٦٩٩٢)، وأخرجه الترمذي في التفسير، باب ومن سورة يوسف (٣١١٦)، وابن ماجه في الفتن، باب الصبر على البلاء (٤٠٧٥). وقد مر شرح هذا الحديث مستوفى في كتاب الإيمان، باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة. ( ... ) - قوله: (حدثناه إن شاء الله) لعلّ المصنف طرأ عليه شيء من الشكّ في سماع هذا ١١ د كتاب الفضائل جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ؛ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَأَبَا عُبَيْدٍ أَخْبَرَاهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَهَ، بِمَعْنَى حَدِيث يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ. ٦٠٩٦ - (١٥٣) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا شَبَابَةُ. حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ قَالَ: ((يَغْفِرُ اللَّهُ لِلُوطِ إِنَّهُ أَوَى إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ)). ٦٠٩٧ - (١٥٤) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ◌ِه قَالَ: (لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ النَِّيُّ، عَلَيْهِ السَّلاَمُ، قَطَّ، إِلاَّ ثَلاَثَ كَذَبَاتٍ. الحديث من عبد الله بن محمد، ولذلك قال: إن شاء الله، والمراد أني أنسب هذا الحديث إلى عبد الله بن محمد بن أسماء بغالب ظنّ، والله سبحانه أعلم. ١٥٣ - ( ... ) - قوله: (إنه أوى إلى ركن شديد) يقال: إن قوم لوط لم يكن فيهم أحد يجتمع معه في نسبه، لأنهم من سدوم، وهي من الشام، وكان أصل إبراهيم ولوط من العراق، فقال: لو أن لي منعة وأقارب وعشيرة لكنت أستنصر بهم، وسمى العشيرة ركناً لأن الركن الشديد يستند إليه ويمتنع به، فشبههم بالركن من الجبل لشدّتهم ومنعتهم. وكأنه ◌َ ر استغرب منه ذلك القول وعدّه نادراً منه، إذ لا ركن أشد من الركن الذي يأوي إليه، وهو الثقة بالله، فلما كان ظاهر كلامه يدل على اعتماده بالأسباب الظاهرة، استغفر له، وقد مرّ التفصيل في كتاب الإيمان. ١٥٤ - (٢٣٧١) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في البيوع، باب شراء المملوك من الحربيّ وهبته وعتقه (٢٢١٧)، وفي الهبة، باب إذا قال: أخدمتك هذه الجارية على ما يتعارف الناس فهو جائز (٢٦٣٥)، وفي الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَّخَذَّ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٣٣٥٧ و٣٣٥٨)، وفي النكاح، باب اتخاذ السراري، ومن أعتق جارية ثم تزوجها (٥٠٨٤)، وفي الإكراه، باب إذا استكرهت المرأة على الزنا فلا حد عليها. (٦٩٥٠)، وأخرجه أبو داود في الطلاق، باب في الرجل يقول لامرأته: يا أختي (٢٢١٢)، والترمذي في التفسير، باب ومن سورة الأنبياء ٣١٦٦. قوله: (لم يكذب إبراهيم النبي علل قط إلا ثلاث كذبات) قال أبو البقاء: ((الجيّد أن يقال بفتح الذال في الجمع، لأنه جمع (كذبة) بسكون الذال، وهو اسم لا صفة، لأنك تقول: كذب كذبة، كما تقول: ركع ركعة)). ثم استشكل الكثيرون إطلاق الكذب على قول سيدنا إبراهيم عليّل ، ومن أجله أنكر الإمام ١٢ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ثِنْتَيْنِ فِي ذَاتِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]. وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِرُهُمْ هَذَا﴾ فخر الدين الرازي تخفّفُ في التفسير الكبير صحة هذا الحديث، وزعمه معارضاً لقوله تعالى: ﴿إِنَُّ كَانَ صِدِّيقًا نِّيًّا﴾ [سورة مريم، آية ٤١]. والحق أنه لا إشكال في أصل الحديث، لأن ما فعله سيدنا إبراهيم التّلا لم يكن إلا من قبيل التورية والتعريض، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى، وإنما أطلق عليه لفظ الكذب صورة لكونه كذباً بالمفهوم الذي فهمه المخاطب، لا بالمفهوم الذي تكلم به القائل، ومثله لا يكون كذباً في الحقيقة، وهو جائز عند الحاجة بالإجماع. وقد أشبعنا الكلام على هذه المسألة في كتاب الجهاد، باب جواز الخداع في الحرب (٣: ٣١) من هذه التكملة وقد ذكر بعض العلماء احتمالاً أن النبيّ وَّير لم يذكر لفظ الكذب. وإنما ذكر لفظاً ينبىء عن التورية والتعريض، فتصرف فيه الرواة وعبروا عنه بلفظ الكذب. وهذا طريق الشيخ حفظ الرحمن تَتُ في قصص القرآن (١: ٢٠٧ و٢٠٨)، ولكن هذا الاحتمال مما لا يطمئن إليه القلب، والظاهر ما قلنا من أن المراد بالكذب هنا التورية، فكأنه وَ * قال: ((لم يكذب إبراهيم الّلا قط، إلا ثلاث كذبات وليست كذبات)) في الحقيقة، فالحاصل أنه لم يكذب قط. ثم إنه لم يقع في حديث الباب قول إبراهيم في الكوكب: ((هذا ربي)) وقد وقع في بعض الروايات الأخرى وهو وهم ولم يعد في الكذبات لأنه كان في الطفولية، أو كان على سبيل الاستفهام والاحتجاج. قوله: (ثنتين في ذات الله) يعني: تكلم بهما على سبيل التورية لإثبات توحيد الله تعالى. ووقع في حديث ابن عباس عند أحمد: ((والله إن جادل بهنّ إلا عن الله)) نقله العيني في العمدة (٧: ٣٥٤). قوله: (إني سقيم) وذلك حينما دعاه قومه للمخروج معهم إلى عيد يحتفلون به فاعتذر إليهم بقوله: (إني سقيم)، وكان ظاهر هذا الكلام أنه مبتلى بمرض لا يستطيع معه الخروج، فعذروه، ولكنه أراد بذلك شيئاً يسيراً اعتراه من عدم اعتدال المزاج، لا يمنع مثله من الخروج، ولكن يصح عليه إطلاق السقم، ويحتمل أن يكون قد أراد بالسقم حزن طبعه مجازاً، وكان يحزن لما يرى من وقوعهم في الشرك وارتكابهم للمعاصي. قوله: (وقوله: بل فعله كبيرهم هذا) قال ذلك لما كسر الأصنام في غيبة قومه، فجاؤوه يسألونه: ﴿َأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِثَالِمَتِّنَا بَإِبْرَهِيمُ﴾ [سورة الأنبياء، آية ٦٢]؟ فأجابهم بقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِرُهُمْ هَذَا فَسْئَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَطِقُونَ﴾ [سورة الأنبياء، آية ٦٣]. قال القرطبي: ((هذا قاله تمهيداً للاستدلال على أن الأصنام ليست بآلهة، وقطعاً لقومه في قولهم إنها تنفع وتضر. وهذا الاستدلال يتجوز فيه في الشرط المتصل، ولهذا أردف قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِرُهُمْ﴾ بقوله: ﴿فَسْتَلُهُمْ إِن كَانُواْ يَطِقُونَ﴾، قال ابن قتيبة: ((معناه: إن كانوا ينطقون فقد فعله كبيرهم هذا، فالحاصل أنه مشترط بقوله: ﴿إِن كَانُواْ يَنَطِقُونَ﴾ أو أنه أسند إليه ذلك لكونه السبب)) وعن ١٣ كتاب الفضائل [الأنبياء: ٦٣]. وَوَاحِدَةً فِي شَأْنِ سَارَةَ. فَإِنَّهُ قَدِمَ أَرْضَ جَبَّارٍ وَمَعَهُ سَارَةُ. وَكَانَتْ أَحْسَنَ النَّاسِ. فَقَالَ لَهَا: إِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ، إِنْ يَعْلَمْ أَنَّكِ امْرَأَتِي، يَغْلِبْنِي عَلَيْكِ. فَإِنْ سَأَلَكِ فَأَخْبِرِيهِ أَنَّكِ أُخْتِي. الكسائي أنه كان يقف عند قوله: ﴿بَلّ فَعَلَمُ﴾، أي: فعله من فعله كائناً من كان، ثم يبتدىء: ﴿كَبِرُهُمْ هَذَا﴾ وهذا خبر مستقل، ثم يقول: ﴿فَتْثَلُوهُمْ﴾ إلى آخره. نقله الحافظ في الفتح (٦: ٣٩٢)، ثم قال: ((ولا يخفى تكلفه)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: الظاهر المتبادر من هذا الكلام أن إبراهيم عليه إنما قال ذلك تهكماً، والتهكم لا يحتاج فيه إلى مثل هذه التأويلات، وإنما يتكلم فيه المتكلم بما يلزم من اعتقاد مخاطبه من الفساد الظاهر، فكأنه يحكي اعتقاد مخاطبه ويتكلم بلسانه إظهاراً لشناعة ما يعتقده، وهذا وإن كانت صورته صورة خلاف الواقع، ولكنه لا يعدّ كذباً في الحقيقة، لكونه مجرد حكاية بحذف حرف الحكاية، والمعنى: أنكم تزعمون هذه الأصنام نافعة وضارة، ويلزم على قولكم أن يكون هذا الصنم الكبير هو الذي فعل ما فعل بالأصنام الأخرى، لكونه هو الصنم الوحيد الذي بقي سالماً، فإما أن تعترفوا بكون هذا الصنم الكبير كاسراً للأصنام الأخرى، وإما أن تُقلعوا عن عقيدتكم في هذه الأصنام بأنها تنفع وتضر. قوله: (قدم أرض جبّار) أي: ملك جبّار، وذكر السهيلي أن اسمه عمرو بن امرىء القيس بن سبأ، وأنه كان على مصر، وهو قول ابن هشام في التيجان. وقال ابن قتيبة: اسمه صادوف بالفاء وكان على الأردن. وحكى الطبري أنه سنان بن علوان بن عبيد بن عريج بن عملاق بن لاود بن سام بن نوح. ويقال: إنه أخو الضحاك الذي ملك الأقاليم. كذا في فتح الباري (٦: ٣٩٢)، وقال العيني في العمدة (٧: ٣٥٤): ((قال علماء السير: أقام إبراهيم بالشام مدة فقحط الشام، فسار إلى مصر ومعه سارة، وكان بها فرعون وهو أول الفراعنة عاش دهراً طويلاً، فأتى إليه رجل وقال: إنه قدم رجل ومعه امرأة من أحسن الناس، وجرى له معه ما ذكره في الحديث)). قوله: (ومعه سارة) قال الحافظ: ((واختلف في والد سارة، مع القول بأن اسمه (هاران)، فقيل: هو ملك حرّان، وإن إبراهيم تزوجها لما هاجر من بلاد قومه إلى حرّان. وقيل: هي ابنة أخيه، وكان ذلك جائزاً في تلك الشريعة حكاه ابن قتيبة والنقّاش واستبعد. وقيل: هي بنت عمّه وتوافق الاسمان وقد قيل في اسم أبيها توابل)). قوله: (فأخبريه أنّكِ أختي) واختلف في السبب الذي حمل إبراهيم علا على هذه الوصية، مع أن ذلك الظالم يريد اغتصابها على نفسها، أختاً كانت أو زوجة. فقيل: كان من دين ذلك الملك أن لا يتعرض إلا لذوات الأزواج، ولكنه خلاف ما وقع، فإن الظالم أراد اغتصاب سارة مع زعمه أنها أخت إبراهيم. والأقرب ما ذكره المنذريّ في حاشية السنن عن بعض أهل الكتاب ١٤ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَإِنَّكِ أُخْتِي فِي الإِسْلاَمِ. فَإِنِّي لاَ أَعْلَمُ فِي الأَرْضِ مُسْلِماً غَيْرِي وَغَيْرَكِ. فَلَمَّا دَخَلَ أَرْضَهُ رَآهَا بَعْضُ أَهْلِ الْجَبَّارِ. أَتَاهُ فَقَالَ لَهُ: لَقَدْ قَدِمَ أَرْضَكَ امْرَأَةٌ لاَ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَكُونَ إِلَّ لَكَ. فَأَرْسَلَ إليها فَأَتِيَ بِهَا. فَقَامَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِلَى الصَّلاَةِ. فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا. فَقُبِضَتْ يَدُهُ قَبْضَةٌ شَدِيدَةً. فَقَالَ لَهَا: ادْعِي اللَّهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي أنه كان من رأي الجبار المذكور أن من كانت متزوجة لا يقربها حتى يقتل زوجها، فلذلك قال إبراهيم: (هي أختي) لأنه إن كان عادلاً خطبها منه، ثم يرجو مدافعته عنها، وإن كان ظالماً خلص من القتل، ذكره الحافظ في الفتح، وقال: ((وهذا أخذ من كلام ابن الجوزي في مشكل الصحيحين، فإنه نقله عن بعض علماء أهل الكتاب أنه سأله عن ذلك فأجاب به)). ويضاف إلى ذلك أن إبراهيم ظلَّلا إنما احتال لصيانة نفسه عن القتل، لأنه كان يرجو أنه إن بقي حيّاً، وأراد الجبار بامرأته سوء، فإنه يدعو الله تعالى ليصرف عنها ذلك السوء، فتجتمع بذلك المصلحتان: صيانة نفسه عن القتل، وصيانة عرضه وعرض امرأته عن سوء نية الجبار، فوقع الأمر حسب رجائه، والحمد لله . قوله: (فإنك أختي في الإسلام) وهذا وجه التورية في هذا الكلام، وهو واضح جدّاً. وقد استدل به الفقهاء على أن قول الزوج لامرأته (هذه أختي) لا يقع به الظهار ولا الطلاق. قوله: (لا أعلم في الأرض مسلماً غيري وغيرك) يشكل عليه كون لوط عمليَّلا قد آمن معه. ويمكن أن يجاب بأن مراده بالأرض: الأرض التي وقع له فيها ما وقع، ولم يكن معه لوط إذ ذاك. كذا في الفتح. قوله: (رآها بعض أهل الجبار) وفي كتاب التيجان أنه رجل كان إبراهيم يشتري منه القمح. فنمّ عليه عند الملك، وذكر أن من جملة ما قاله للملك: إنّي رأيتها تطحن. وهذا هو السبب في إعطاء الملك لها هاجر في آخر الأمر، وقال: إن هذه لا تصلح أن تخدم نفسها . قوله: (فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها) وفي رواية الأعرج عند البخاري في البيوع: ((فأرسل بها إليه فقام إليها، فقامت توضأ وتصلي فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي، فلا تسلّط عليّ الكافر. فغُطّ (أي: اختنق) حتى ركض برجله (أي: صار كأنه مصروع))). قوله: (فقبضت يده قبضة شديدة) ويجمع بينه وبين رواية الأعرج بأنه وقع له الأمران: قبضت يده وأصابه الصرع والاختناق. قوله: (ادعي الله أن يطلق يدي) وفي رواية الأعرج عند البخاري: ((إن أبا هريرة قال: قالت: اللهم إن يمت، يقال: هي قتلته، فأرسل)). ١٥ كتاب الفضائل وَلاَ أَضُرُّكِ، فَفَعَلَتْ. فَعَادَ، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَةِ الأُولَى. فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَفَعَلَتْ فَعَاد، فَقُبِضَتْ أَشَدَّ مِنَ الْقَبْضَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ. فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ أَنْ يُطْلِقَ يَدِي، فَلَكِ اللَّهَ أَنْ لا أَضُرُّكِ، فَفَعَلَتْ، وَأُظْلِقَتْ يَدُهُ. وَدَعَا الَّذِي جَاءَ بِهَا فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ. وَلَمْ تَأْتِي بِإِنْسَانٍ. فَأَخْرِجْهَا مِنْ أَرْضِي، وَأَعْطِهَا هَاجَرَ . قَالَ: فَأَقْبَلَتْ تَمْشِي، فَلَمَّا رَآهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ انْصَرَفَ. فَقَالَ لَهَا: مَهْيَمْ؟ قَالَتْ: خَيْراً، كَفَّ اللَّهُ يَدَ الْفَاجِرِ وَأَخْدَمَ خَادِماً. قَال أَبُو هُرَيْرَةَ: فَتِلْكَ أَمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ. قوله: (فلكِ الله) قال القرطبي: ((الرواية فيه بالنصب، لا يجوز غيره، وهو قسم، ومعناه: به وعليه. وفيه حذف. التقدير: لك أقسم بالله أن لا أضرّك. فحذف الخافض وتعدى الفعل فنصب، ثم حذف فعل القسم، وبقي المقسم به، وهو الله تعالى منصوباً، وكذلك المقسم عليه، وهو (أن لا أضرّك) بقي مفتوح الهمزة. ويجوز في (أضرّك) رفع الراء على أن تكون (أن) مخففة من الثقيلة، والنصب على أنها الناصبة للفعل)) كذا في شرح الأبي. قوله: (إنك إنما أتيتني بشيطان) قال القرطبي: ((هذا يناقض قوله لها: ادعي الله لي، فيكون ذمه لها عناداً بعد ما ظهر له من كرامتها، أو قاله إخفاء لحالها، لئلا يتحدث بما ظهر من كرامتها فتعظم في عيون الناس فتتبع)) وقال الحافظ في الفتح: ((والمراد بالشيطان المتمرد من الجن، وكانوا قبل الإسلام يعظمون أمر الجن جداً، ويرون كل ما وقع من الخوارق من فعلهم وتصرفهم)). قوله: (وأعطها هاجر) بفتح الجيم أي: وهب لها خادماً اسمها هاجر. ووقع في بعض النسخ (آجر) بالهمزة الممدودة، وكذا وقع في رواية الأعرج عند البخاري في البيوع. وهو اسم سرياني. ويقال: إن أباها كان من ملوك القبط، وإنها من حفن (بفتح الحاء وسكون الفاء) قرية بمصر، قال اليعقوبي: كانت مدينة. وقال الحافظ: وهي الآن كفر (أي: قرية) من عمل (أنصنا) بالبر الشرقي من الصعيد في مقابلة الأشمونين، وفيها آثار باقية. قوله: (مَهْيَمْ) بفتح الميم وسكون الهاء وفتح الياء وسكون الميم الأخيرة، أي: ما شأنك؟ وما خبرك؟ ويقال: إن الخليل أول من قال هذه الكلمة. ووقع في بعض روايات البخاري (مهيا) وفي بعضها (مهين) والأول أفصح وأشهر. قوله: (فتلك أمكم يا بني ماء السماء) الإشارة إلى هاجر، والخطاب للعرب، فإن هاجر هي أم العرب. وإنما سماهم (بني ماء السماء): لكثرة ملازمتهم للفلوات التي بها مواقع القطر لأجل رعي دوابهم. وقيل: أراد بماء السماء زمزم، لأن الله أنبعها لهاجر فعاش ولدها بها، وصاروا كأنهم أولادها. قال ابن حبان في صحيحه: ((كل من كان من ولد إسماعيل يقال له: ماء ١٦ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٤٢) - باب: من فضائل موسى وَليل ٦٠٩٨ - (١٥٥) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ. قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَّ رَسُولُ اللّهِ وَِّ: (كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى سَوْأَةٍ بَعْضٍٍ، وكَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ. فَقَالُوا: وَاللَّهِ، مَا يَمْتَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلاَّ أَنَّهُ آدَرُ. قَالَ: فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ. قَالَ: فَجَمَحَ مُوسَى بِأَثَرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، حَتَّى نَظَرَتْ بَثُو إِسْرَائِيلَ إِلَّى سَوْأَةٍ مُوسَى. فَقَالُوا: وَاللَّهِ، مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ. فَقَامَ الْحَجَرُ بَعْدُ، حَتَّى نُظِرَ إِلَيْهِ. قَالَ: فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْباً». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ، إِنَّهُ بِالْحَجَرِ ندَبٌ سِنَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ. ضَرْبُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالْحَجَرِ . السماء. لأن إسماعيل ولد هاجر، وقد ربّي بماء زمزم، وهي من ماء السماء)). وقيل: سمّوا بذلك: لخلوص نسبهم وصفائه، فأشبه ماء السماء. وقال عياض: الأظهر عندي أنه أراد بذلك الأنصار، نسبهم إلى جدهم عامر ماء السماء ابن حارثة، وهو جد الأوس والخزرج. وهذا قول القول بأن العرب كلها من ولد إسماعيل، وفيه بعض الخلاف لعلماء الأنساب. هذا ملخص ما في عمدة القاري (٧: ٣٥٥). (٤٢) - باب: من فضائل موسى ١٥٥ - (٣٣٩) - قوله: (حدثنا أبو هريرة) هذا الحديث أخرجه المصنف أيضاً في الحيض، باب جواز الاغتسال عرياناً في الخلوة، وأخرجه البخاري في الغسل، باب من اغتسل عرياناً وحده في الخلوة (٢٧٨)، وفي الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى لمثل* (٣٤٠٤)، وفي تفسير سورة الأحزاب، باب قوله تعالى: ﴿لَا تَكُونُواْ كَذِينَ ءَذَوْا مُوسَى﴾ (٤٧٩٩)، وأخرجه الترمذي في التفسير، سورة الأحزاب (٣٢٢١). وقد مرّ شرح هذا الحديث مبسوطاً في كتاب الحيض، باب جواز الاغتسال عرياناً في الخلوة، فلا حاجة بنا إلى الإعادة. قوله: (آدر) وهو الذي تنتفخ خصيتاه. قوله: (فجمح موسى) أي: جرى أشد الجري، وهو من (جمح الفرس) إذا غلب على صاحبه . قوله: (إنه بالحجر ندب) بفتح النون والدال، وهو الأثر. ١٧ كتاب الفضائل ٦٠٩٩ - (١٥٦) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَبْع. حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: أَنْبَأْنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ رَجُلاً حَيِيًّا. قَالَ: فَكَانَ لاَ يُرَىْ مُتَجَرِّداً. قَالَ: فَقَالَ بَنَوُ إِسْرَائِيلَ: إِنَّهُ آدَرُ. قَالَ: فَاغْتَسَلَ عِنْدَ مُوَيْهٍ. فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ. فَانْطَلَقَ الْحَجَرُ يَسْعَىُ. وَاتَّبَعَهُ بِعَصَاهُ يَضْرِبُهُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَنَزَلَتْ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَكُونُواْ كَذِينَ ءَاذَوْاْ مُوسَى فَبَرََّهُ اَللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]. ٦١٠٠ - (١٥٧) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. (قَالَ عَبْدٌ: أَخْبَرَنَا . وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا) عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمُرٌ، عَنِ ابْنٍ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَّمُ. فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ فَفَقَأَ عَيْنَهُ، ١٥٦ - ( ... ) - قوله: (رجلاً حيياً) بفتح الحاء وكسر الياء الأولى وتشديد الثانية، أي: کثیر الحياء. قوله: (عند موّيه) هو تصغير ماء، وأصل الماء (موه) والتصغير يرد الأشياء إلى أصلها، ووقع في بعض النسخ (مشربة) بدل (مويه) وهي حفرة في أصل النخلة يجمع الماء فيها لسقيها . ١٥٧ - (٢٣٧٢) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجنائز، باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها، (١٣٣٩)، وفي الأنبياء، باب وفاة موسى ظلا (٣٤٠٧)، والنسائي في الجنائز، باب نوع آخر في التعزية (٣٠٨٩). وأخرج المصنف هذا الحديث من طريق طاوس موقوفاً، ثم أخرجه من طريق همام بن منبه مرفوعاً، وكذا أخرجه البخاري في الأنبياء موقوفاً، وأشار إلى حديث همام المرفوع، والرفع مشهور عن عبد الرزاق، وأخرج الإسماعيلي عنه رواية طاوس مرفوعة أيضاً. فكأن أبا هريرة رواه مرة مرفوعاً، وأخرى موقوفاً . قوله: (فلما جاءه صّه) أي: لطمه، وقد وقع بهذا اللفظ في رواية همام الآتية: ((فلطم موسى ظلِّلّ عين ملك الموت)). قوله: (ففقاً عينه) وقد صرّح همام في روايته أن الملك لما جاءه قال له: ((أجب ربّك)) وذكر بعض العلماء أن موسى ظلّلا إنما لطمه لأنه جاء يقبض روحه من قبل أن يخيّره، لما ثبت أنه لم يقبض نبيّ حتى يخيّر، فلهذا لما خيّره في المرة الثانية أذعن. ولكن يشكل عليه أنه كيف أقدم ملك الموت على قبض نبيّ الله وأخلّ بالشرط مع أن الملائكة معصومون؟ . فالأحسن في تفسير هذه الواقعة ما ذكره ابن خزيمة كثّفُ، قال: ((إن موسى لم يبعث الله إليه ملك الموت وهو يريد قبض روحه حينئذٍ، وإنما بعثه اختباراً وابتلاءً كما أمر الله تعالى خليله ١٨ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لاَ يُرِيدُ الْمَوْتَ. قَالَ: فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَه وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ. فَقُلْ لَهُ: يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِمَا غَّتْ يَدُهُ بذبح ولده، ولم يرد إمضاء ذلك. ولو أراد أن يقبض روح موسى ظلّلا حين لطم الملك لكان ما أراد. وكانت اللطمة مباحة عند موسى إذ رأى آدمياً دخل عليه ولا يعلم أنه ملك الموت، وقد أباح الرسول فقأ عين الناظر في دار المسلم بغير إذن. وقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم اليَلاز فلم يعرفهم ابتداءاً، ولو علمهم لكان من المحال أن يقدم إليهم عجلاً، لأنهم لا يطعمون. وقد جاء الملك إلى مريم فلم تعرفه، ولو عرفته لما استعاذت منه، وقد دخل الملكان على داود ظلّلا في شبه آدميَّين يختصمان عنده، فلم يعرفهما، وقد جاء جبريلظلّل إلى سيدنا رسول الله وَالر وسأله عن الإيمان فلم يعرفه، فكيف يستنكر أن لا يعرف موسى الملك حين دخل عليه))؟ انتهى ملخصاً من عمدة القاري (٤: ١٦٥). وحاصل هذا الجواب: أن الملك جاءه في صورة رجل أجنبي اقتحم بيته بدون إذنه، وقال: ((أجب ربك)) فلم يعرفه موسى ظلّلا، وظن أنه عدوّ من أعدائه فاجأه ليقتله، فلطمه دفاعاً عن نفسه، ففقأ عينه. وأما أنه كيف يمكن فقء عين الملك. مع أن الملائكة مجردون عن المادة؟ فأجاب عنه شيخ مشايخنا أشرف على التهانوي كَثُ في فتاواه (٥: ١٢٤) بأن الملائكة أو الجنّ حينما يتمثلون بصورة مخصوصة، فإن خواصّ تلك الصورة تثبت لهم في تلك الحالة، فإذا جاء الملك أو الجني في صورة رجل، فإنه تثبت له خواص الرجل، أو بعضها على الأقل، فلا يبعد أن تكون عين الملك في تلك الحالة المخصوصة مثل عين رجل في القوة. وكان موسى ظلّلا شديد القوة والبطش، ففقأ تلك العين بلطمة. ثم حقق الشيخ كثّفُ أن الملائكة، وإن كانوا في صورهم الأصلية، فإنهم ليسوا مجردين عن المادة، بل ثبت بالنصوص تحيزهم وحركتهم وسكونهم، مما هو من خواص المادة ولكن مادتهم لطيفة جدّاً. وقد يشكل على أصل القصة أن الوقت الذي جاء فيه الملك بقبض روحه فيه، إن كان وقت وفاته المقدّر، فكيف استطاع موسى تأخيره بلطم الملك؟ وإن لم يكن ذلك وقته المقدر فكيف جاء فيه الملك لقبض روحه؟ ويجاب عنه باختيار الشق الثاني. أما مجيئي الملك في ذلك الوقت، فيحتمل أن يكون للاختبار فقط، لا لقبض الروح، كما ذهب إليه ابن خزيمة ويحتمل أن يكون لقبض الروح، ولكن كان من جملة التقدير أن يقع ما وقع أولاً، ثم يأتيه الملك ثانياً فيقبض روحه، وكان ذلك في علم الله تبارك وتعالى، لا في علم الملك، لمصالح الله أعلم بها . قوله: (فقل له: يضع يده) وفي الرواية الآتية: ((فقل له: الحياة تريد؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك)) . قوله: (على متن) بفتح الميم وسكون التاء، وهو الظهر، وقيل: مكتنف الصلب بين العصب واللحم. ١٩ كتاب الفضائل بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ. قَالَ: أَيْ رَبِّ، ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ. قَالَ: فَالآنَ. فَسَأَلَ اللَّهَ أَنُ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ، لأَرَنِتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، تَحْتَ الْكَثِيبِ الأَخْمَرِ ». ٦١٠١ - (١٥٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام بْنِ مُنَبِّهِ. قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَهَ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَّ رَسُولُ اللَّهِ وَ: ((جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ. فَقَالَ لَهُ: أَجِبْ رَبَّكَ. قوله: (بكل شعرة سنة) يعني: يمدّ له في عمره بعدد الشعرات المغطّاة من السنين. وهذا على سبيل التقدير المعلق، وتبين مما وقع أن القضاء المبرم كان أن يموت في ذلك الوقت. قوله: (ثم مه؟) أي: (ثم ماذا؟) وإنما سأل موسى ظلّ ذلك، مع كون الجواب واضحاً، لتنبيه الناس أن الموت لا مفرّ منه، حتى للأنبياء قوله: (أن يدنيه من الأرض المقدسة) أي: يقرّبه من أرض بيت المقدس. قال العيني في عمدة القاري (٤: ١٦٦): ((فإن قلت: ما الحكمة في طلبه الدنو من الأرض المقدسة؟ قلت: الحكمة في ذلك أن الله لما منع بني إسرائيل من دخول بيت المقدس وتركهم في التّيه أربعين سنة إلى أن أفناهم الموت ولم يدخل الأرض المقدسة إلا أولادهم مع يوشع ظلّلا، ومات هارون ثم موسى بِالسَّه قبل فتحها، ثم إن موسى لما لم يتهيأ له دخولها لغلبة الجبارين عليها، ولا يمكن نبشه بعد ذلك لينقل إليها، طلب القرب منها، لأن ما قارب الشيء أعطي حكمه)) ويستنبط منه فضيلة الدفن في المواضع الفاضلة وفي مقابر الصلحاء. قوله: (رمية بحجر) يحتمل أن يكون مراده أن يقرب من بيت المقدس بحيث إن رمى منه حجر وقع في موضع دفنه، ويحتمل أن يكون المراد أن يقدم من مكانه الذي يتكلم هو فيه الآن بقدر رمية حجر في جهة بيت المقدس. ذكرهما العيني والأول أولى بالنظر إلى رواية همام الآتية، وفيها: ((أمتني من الأرض المقدسة رمية بحجر)). قوله: (لأريتكم قبره) وكان ◌َ لّ ليلة أسري به رأى موسى ظلّلا يصلي في قبره، كما سيأتي عن أنس. قوله: (تحت الكثيب الأحمر) الكثيب: التلّ وقد أبهم النبيّ وَّ موضع قبره، وروي عن ابن عباس أنه لو عرف اليهود قبري موسى وهارون تُلَّا*، لاتخذوهما إلهاً. وقد اختلف أصحاب السير في موضع قبر موسى ظلّلها إلى أقوال كثيرة، منه أريحا، ومآب، ودمشق، ومدين، والأصح أنه ظلَّلا دفن بالتيه، وهو صحراء سيناء، والله أعلم. ١٥٨ - ( ... ) - قوله: (أجب ربك) أي: أجب دعوة ربك، وهذه كلمة يتكلم بها رسل الملك لمن دعاه الملك. ٢٠ الجزء الخامس من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَ: فَلَطَمَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ فَفَقَأْهَا. قَالَ: فَرَجَعَ الْمَلَكُ إِلَى اللَّهِ تَعَالى فَقَالَ: إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَكَ لاَ يُرِيدُ الْمَوْتَ. وَقَدْ فَقَّأَ عَيْنِي. قَالَ: فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى عَبْدِي فَقُلِ الْحَيَاةَ تُرِيدُ؟ فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْحَيَاةَ فَضَعْ يَدََّ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَمَا تَوَارَتْ يَدُكَ مِنْ شَعْرَةٍ. فَإِنََّكَ تَعِيشُ بِهَا سَنَّةً. قَالَ: ثُمَّ مَه؟ قَالَ: ثُمَّ تَمُوتُ. قَالَ: فَالآنَ مِنْ قَرِيبٍ. رَبِّ أَمِثْنِي مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ. رَمْيَةً بِحَجَرٍ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((وَاللَّهِ، لَوْ أَنّي عِنْدَهُ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ الْكَثِيْبِ الْأَحْمَرِ)». قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، بِمِثْلٍ هَذَا الْحَدِيثِ. ٦١٠٢ - (١٥٩) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَتَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ: بَيْنَمَا يَهُوِدِيٌّ يَعْرِضُ سِلْعَةً لَهُ أُعْطِيَ بِهَا شَيْئاً، كَرِهَهُ أَوْ لَمَّ يَرْضَهُ - شَكَّ عَبْدُ الْعَزِيزِ - قَالَ: لاَ، وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَلَى الْبَشَرِ. قَالَ: فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ ١٥٩ - (٢٣٧٣) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الخصومات، باب ما يذكر في الإشخاص والخصومة بين المسلم واليهودي (٢٤١١)، وفي الأنبياء، باب وفاة موسى ظلَّلا، وذكره بعد (رقم: ٣٤٠٨)، وباب قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (9)﴾ (٣٤١٤)، وفي الرقاق، باب نفخ الصور (٦٥١٧)، وفي التوحيد، باب في المشيئة والإرادة (٧٤٧٢)، وباب وكان عرشه على الماء (٧٤٢٨). وأخرجه أبو داود في السنة، باب في التخيير بين الأنبياء لا (٤٦٧١)، والترمذي في التفسير، باب ومن سورة الزمر (٣٢٤٥)، وابن ماجه في الزهد، باب ذكر البعث (٤٣٢٨). قوله: (بينما يهودي) زعم ابن بشكوال أن اسمه فنحاص، وعزاه لابن إسحاق، لكن ذكر الحافظ في الفتح (٦: ٤٤٣) أن الذي ذكره ابن إسحاق لفنحاص قصة أخرى مع أبي بكر الصديق ظُه في لطمه إياه. قوله: (أعطى بها شيئاً كرهه) يعني: ساومه رجل في تلك السلعة بثمن زعمه اليهودي قليلاً . ـيـ قوله: (فسمعه رجل من الأنصار) كذا وقع في غير واحد من الروايات أن الرجل المسلم في هذه القصة كان رجلاً من الأنصار، ولكن وقع في جامع سفيان بن عيينة وكتاب البعث لابن أبي الدنيا عن عمرو بن دينار أنه قال: هو أبو بكر الصديق ظبه، كما ذكره الحافظ في الفتح. فإما أن يكون عمرو بن دينار التبس عليه قصة أبي بكر مع فنحاص بهذه القصة، وإما أن يكون