Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
كتاب: الشعر
فساعة. ومن ههنا قال عليه الصلاة والسلام: ((روّحوا القلوب ساعة فساعة)) أخرجه أبو داود في
مراسيله عن ابن شهاب مرسلاً. وأبو بكر المقري في فوائده، والقضاعي عنه عن أنس ((الجامع
الصغير)). ومن ههنا جرت سنة المزاح في أقواله عليه السلام وأفعاله. وروي عن النبي ◌َّ أنه
قال: ((الهوا والعبوا، فإنّي أكره أن أرى في دينكم غلظة)) رواه البيهقي. وعن عائشة أن النبي وَّل
قال: (هل كان معكم من لهو؟ فإن الأنصار يحبّون اللهو) رواه الحاكم. ومن ثمّ جاء عن عليّ
وابن مسعود رُه: (القلب يملّ كما تملّ الأبدان، فاطلبوا لها طرائق الحكمة) وعن ابن عباس
﴿به أنه كان إذا أكثر الكلام في القرآن والسّنن قال لمن عنده: احمضوا بنا - أي غوّصوا في
الشعر والأخبار - وقال غيره: روّحوا القلوب مع الذكر، كذا في كف الرعاع بهامش الزواجر
(١ : ١٦٤))) .
(( ... وحاصل الكلام أن ترويح القلب وتفريحه وكذا تمرين البدن من الارتفاقات المباحة
والمصالح البشرية التي لا تمنعها الشريعة السمحة برأسها. نعم! تمنع الغلوّ والانهماك فيها
بحيث يضرّ بالمعاش أو المعاد. وهذا هو السّرّ في إباحة بعض الملاهي في بعض الأحيان، فإن
هذا اللهو على هذه النية والغرض لم يبق لهواً، بل عاد مصلحة وفائدة، كما سبق في الأحاديث
المذكورة من إباحة السباحة والرماية والانتضال بالقوس، والمسابقة بالإبل والبهائم، وإجراء
الخيل، وملاعبة الأهل، فإنها وإن كانت في صورة اللهو، ولكنها لما كان الاشتغال فيها على
غرض صحيح ومصالح معاشية أو معادية، خرجت عن اللهوية حقيقة، فأبيحت، وربما
استحبت. نعم! من فعلها بقصد التلهي والتلعّب كان حراماً ومكروهاً في حقّه، صرح به
الفقهاء)).
((وكما أن اللهو قد يصير مصلحة بالنية، ويخرج عن اللهوية، كذلك قد تصير الأعمال
الصالحة بالنية الفاسدة لهواً، أو تعود لسدّها عن ذكر الله لعباً ومعصية. قال عليه الصلاة
والسلام: (كل شيء ليس من ذكر الله فهو لهو ولعب) ذكره في الجامع الصغير برمز النسائي
ووضع عليه علامة الحسن)).
(( ... وإذا عرفت أن اللهو قد يعود مصلحة بنية صحيحة ومصلحة مقصودة، والمصالح قد
تعود لهواً بنية فاسدة أو انهماك فيها بحيث يشغل عن ذكر الله، فقد اتضح لك اختلاف الفقهاء
في بعض الملاهي، فإنه أحلّها إذا كانت لغرض صحيح بنية صالحة ... وحرّمها من حرّمها لعدم
اعتداده بتلك النية الصالحة والغرض الصحيح في جانب ما يلزمه من المفاسد. ولما رأى
بالتجربة أن إثمها أكبر من نفعها)).
(( ... فالضابط في هذا الباب - عند مشايخنا - المستفاد من أصولهم وأقوالهم أن اللهو
المجرد الذي لا طائل تحته، وليس له غرض صحيح مفيد في المعاش ولا المعاد حرام، أو

٣٨٢
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مكروه تحريماً. وهذا أمر مجمع عليه في الأمة، متفق عليه بين الأئمة. وما كان فيه غرض
ومصلحة دينية أو دنيوية، فإن ورد النهي عنه من الكتاب أو السنّة (كما في النردشير) كان حراماً،
أو مكروهاً تحريماً، وألغيت تلك المصلحة والغرض لمعارضتها للنهي المأثور، حكماً بأن ضرره
أعظم من نفعه ... وهذا أيضاً متفق عليه بين الأئمة، غير أنه لم يثبت النهي عند بعضهم فجّوزه
ورخص فيه، وثبت عند غيره فحرّمه وكرهه، وذلك كالشطرنج، فإن النهي الوارد فيه متكلم فيه
من جهة الرواية والنقل، فثبت عند الحنفية وعامة الفقهاء فكرهوه، ولم يثبت عند ابن المسيب
وابن المغفل وفي رواية عند الشافعي أيضاً، فأباحوه)).
((وأما ما لم يرد فيه النهي عن الشارع، وفيه فائدة ومصلحة للناس، فهو بالنظر الفقهي على
نوعین :
الأول: ما شهدت التجربة بأن ضرره أعظم من نفعه، ومفاسده أغلب من منافعه، وأنه من
اشتغل به ألهاه عن ذكر الله وحده وعن الصلوات والمساجد، التحق ذلك بالمنهيّ عنه، لاشتراك
العلّة، فكان حراماً أو مكروهاً.
والثاني: ما ليس كذلك، فهو أيضاً إن اشتغل به بنية التلهي والتلاعب فهو مكروه، وإن
اشتغل به لتحصيل تلك المنفعة، وبنية استجلاب المصلحة فهو مباح، بل قد يرتقي إلى درجة
الاستحباب أو أعظم منه.
هذه خلاصة ما توصل إليه والدي الشيخ المفتي محمد شفيع في أحكام القرآن (٣: ١٩٣ -
٢٠١).
وعلى هذا الأصل فالألعاب التي يقصد بها رياضة الأبدان أو الأذهان جائزة في نفسها، ما
لم تشتمل على معصية أخرى، وما لم يؤدّ الانهماك فيها إلى الإخلال بواجب الإنسان في دينه
ودنياه، والله سبحانه أعلم.

٣٨٣
کتاب: الرؤيا
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَةِ
٤٢/ - كتاب: الرؤيا
٥٨٥٧ - (١) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَإِسْحَاَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. جَمِيعاً عن
ابْنِ عُيَيْنَةَ (وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِي عُمَرَ)، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ. قَالَ:
كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا أُعْرَى مِنْهَا. غَيْرَ أَنِّي لاَ أُزَمَّلُ. حَتَّى لَّقِيتُ أَبَا قَتَادَةَ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ.
فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ. وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ. فَإِذَا حَلَّمَ
[٤١] - كتاب الرؤيا
١ - (٢٢٦١) - قوله: (أَعرى منها) هو بضم الهمزة على البناء للمجهول بوزن (أُرمى). أي
(تصيبني الحمّى). يقال: عُري الرّجل (بضم العين وكسر الراء بدون تشديد) يُعْرى (بضم الياء)
مبنياً للمجهول إذا أصابته الحمّى أو الرعدة.
قوله: (غير أنّي لا أزمّل) بضم الهمزة وفتح الميم المشددة، أي: لا أغطى بغطاء، ولا
ألفّ برداء، كما يفعله المحموم. والمراد أنّي كنت لشدة خوفي من ظاهر ما أرى من الرؤيا أصير
محموماً، ولا يبقى بيني وبين الرجل المحموم فرق إلا أن المحموم يزمّل عادة، وكنت لا أزمّل.
قوله: (حتى لقيت أبا قتادة) إلخ: وحديث أبي قتادة هذا أخرجه البخاري في بدء الخلق،
باب صفة إبليس وجنوده (٣٢٩٢)، وفي الطّب، باب النفث في الرقية (٥٧٤٧)، وفي التعبير،
باب الرؤيا من الله (٦٩٨٤)، وباب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة
(٦٩٨٦)، وباب من رأى النبي ◌ّر في المنام (٦٩٩٥ و٦٩٩٦)، وباب الحلم من الشيطان، فإذا
حلم فليبصق عن يساره إلخ (٧٠٠٥)، وباب إذا رأى ما يكره فلا يخبر بها ولا يذكرها (٧٠٤٤).
وأخرجه أبو داود في الأدب، باب ما جاء في الرؤيا (٥٠٢١)، والترمذي في الرؤيا، باب ما
جاء إذا رأى في المنام ما يكره (٢٢٧٧)، وابن ماجه في تعبير الرؤيا، باب من رأى رؤيا يكرهها
(٣٩٥٥).
قوله: (الرؤيا مِن اللهِ والحُلم من الشّيطان) قال الأبي: ((الحُلم (بضم الحاء) اسم لما يراه
النائم، لكن غلب اسم الرؤيا على ما يراه من الخير والشيء الحسن، وغلب الحلم على ما يراه
من الشرّ والقبيح. وقد يستعمل كل منهما موضع الآخر)).

٣٨٤
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أمّا إضافة الرّؤيا إلى الله تعالى، وإضافة الحُلم إلى الشّيطان، ففسّره العلماء بطرق مختلفة.
فقال القرطبي: إنه أضيف الحلم إلى الشّيطان من حيث أنه من إلقاء الشيطان يخوّف به الرائي
ويحزّن، وحاصله أنّ الرؤيا القبيحة أيضاً وإن كانت من خلق الله تعالى وتقديره، ولكن الشّيطان
يسبّبها كسائر الأفعال القبيحة، وهذا النوع هو المأمور بالاستعاذة منه، لأنه من تخيّلات الشّيطان
وتشويشاته. فإذا استعاذ منه الرائي صادقاً في التجائه إلى الله تعالى ونفث عن يساره ثلاثاً،
وتحول عن جنبه كما أمر في الحديث أذهب الله عنه ما يخاف من مكروه. كذا نقله الأبيّ.
وقال المأزري رحمه الله: ((مذهب أهل السنّة في حقيقة الرؤيا أن الله تعالى يخلق في قلب
النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان ... فكأنه جعلها علماً على أمور أخر يخلقها في
ثاني الحال، أو كان قد خلقها ... والجميع خلق الله تعالى ولكن يخلق الرؤيا والاعتقادات التي
جعلها علماً على ما يسرّ بغير حضرة الشيطان، ويخلق ما هو علم على ما يضرّ بحضرة الشيطان،
فينسب إلى الشيطان مجازاً لحضوره عندها وإن كان لا فعل له حقيقة. وهذا معنى قوله وَان :
((الرؤيا من الله والحُلم من الشّيطان)) لا على أن الشيطان يفعل شيئاً)).
وقال بعض العلماء: ((أضاف الرؤيا المحبوبة إلى الله تعالى إضافة تشريف بخلاف
المكروهة، وإن كانتا جميعاً من خلق الله تعالى وتدبيره وبإرادته، ولا فعل للشيطان فيهما، لكنه
يحضر المكروهة ويرتضيها ويسرها)) نقله النووي.
ولعل ما قاله القرطبي أولى وأوجه بالنظر إلى ظاهر لفظ الحديث، ولا مانع من أن يضاف
الحلم إلى الشيطان من حيث كونه سبباً ظاهراً له، وإن كان الخالق هو الله تعالى. وهذا كما
تنسب الوسوسة إلى الشيطان من حيث أنه هو السّبب في حدوثها في القلب، وإن لم يكن خالقاً
لها، فإنّ الخلق كلّه بيد الله تعالی.
وأمّا حقيقة الرؤيا، فقد تحيّر فيها الفلاسفة وخبراء النّفس. فمن الأطباء القدامى من ينسب
جميع الرؤيا إلى الأخلاط، فيقولون: من غلب عليه البلغم يرى السّباحة في الماء للمناسبة بين
طبيعة الماء وطبيعة البلغم، ومن غلبت عليه الصفراء يرى النيران والصّعود في العلوّ.
وذهب بعض الفلاسفة إلى أن صور ما يجري في الأرض في العالم العلويّ كالنقوش،
وكأنه يدور بدوران الأكر الأخر، فما حاذى بعض النقوش منه انتقش فيها. حكاه الأبيّ.
وذهب أرسطو إلى ما يراه الإنسان في المنام صور خياليّة لعواطفه النفسيّة ومشاعره
الكامنة، وقد توسّع في تفصيل هذه النظريّة في العصور الأخيرة ((سكمن فرائد)) خبير علم النفس
المعروف، وتوصّل إلى أن ما يراه الإنسان في النّوم مظهر لأمانيه الكامنة في نفسه، والّتي يضطرّ
الإنسان إلى الضغط عليها في عالم اليقظة. وبما أنّ الضغط يخفّ في حالة النّوم، فإنّ هذه

٣٨٥
كتاب: الرؤيا
أَحَدُكُمْ حُلْماً يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفِثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاَثً. وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللّهِ مِنْ شَرِّهَا، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ)).
٥٨٥٨ - (٠٠٠) وحدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
مَوْلَى آلِ طَلْحَةً، وَعَبْدِ رَبِّهِ وَيَحْيَى، ابْنَيْ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي
سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ نَّهَ. مِثْلَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِمْ قَوْلَ أَبِي سَلَمَةَ: كُنْتُ
أَرَى الرُّؤْيَا أُغْرَىْ مِنْهَا، غَيْرَ أَنِّي لاَ أُزْمَّلُ.
الأماني تتوصّل إلى ظهورها في الرؤيا، ولكنها، خوفاً من أن تصل إلى شعور الإنسان، تتصور
بصور أخرى معروفة للنائم.
والحقّ أن جميع هذه النظريات ليست إلاّ تخميناً وخرصاً، ولم يصل العلم البشريّ بعدُ إلى
بيان حقيقة أمر الرؤيا بالقطع واليقين، وأمّا من يؤمن بالله تعالى وقدرته وحكمته، فسبيله أوضح
السُبل، وهو أن الرؤيا إنما تنشأ بخلق الله تعالى صوراً يراها النائم في المنام، ولا سبيل
للمخلوق العاجز إلى إدراك كيفية خلق الله تعالى وما أودع فيه من حكم وأسرار، والله أعلم.
قوله: (فلينفث عن يساره ثلاثاً) وحاصل ما ورد في الحديث من أدب الرؤيا المكروهة ستة
أشياء: الأول: أن يتعوذ بالله من شرّها، والثاني: أن يتعوذ بالله من الشيطان، والثالث: أن يتفل
عن يساره ثلاثاً، والرابع: أن لا يذكرها لأحد أصلاً، والخامس: أن يقوم الرجل فيصلّي، وقد
ورد عن أبي هريرة مرفوعاً: ((فإن رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصلّي)) كما سيأتي في المتن.
والسادس: أن يتحول عن جنبه الذي كان عليه. وإن هذه الآداب الستّة مذكورة في الأحاديث
المختلفة. وقال النووي رحمه الله: ((فينبغي أن يجمع بين هذه الروايات ويعمل بها كلّها، فإذا
رأى ما يكرهه نفث عن يساره قائلاً (أعوذ بالله من الشيطان ومن شرّها) وليتحول إلى جنبه الآخر
وليصلّي ركعتين، فيكون قد عمل بجميع الروايات، وإن اقتصر على بعضها أجزأه في دفع ضررها
بإذن الله تعالى كما صرحت به الأحاديث))، وأمّا حكمة النفث على اليسار، فعلى ما ذكره
القاضي عياض: أنه أمر بالنفث ثلاثاً طرداً للشيطان الذي حضر رؤياه المكروهة تحقيراً له
واستقذاراً. وخصّت به اليسار لأنها محلّ الأقذار والمكروهات ونحوها، واليمين ضدّها.
وقد ورد في بعض الروايات: (فليتفل) أو: (فليبصق) مكان قوله: (فلينفث)، ولكن جاءت
أكثر الروايات بلفظ النفث، وهو نفخ لطيف بلا ريق، ويكون التفل والبصق محمولين عليه
مجازاً. وتعقبه الحافظ في الفتح (١٢: ٣٧١) بأن المقصود هنا طرد الشيطان وإظهار احتقاره
واستقذاره، فالمناسب هنا أن تحمل الأحاديث كلها على التفل الذي هو نفخ معه ريق لطيف،
فبالنظر إلى النفخ قيل له: (نفث)، وبالنظر إلى الريق قيل له: (بصاق)، والله سبحانه أعلم.
قوله: (فإنها لن تضرّه) معناه أن الله تعالى جعل هذا سبباً لسلامته من مكروه يترتب عليها،
كما جعل الصدقة وقاية للمال وسبباً لدفع البلاء. كذا في شرح النووي.

٣٨٦
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥٨٥٩ - (٠٠٠) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أُخْبَرَنِي يُونُسُ. ح
وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ.
كِلاَهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا: أُعْرَى مِنْهَا. وَزَادَ فِي حَدِيثٍ
يُونُسَ: ((فَلْيَبْصُقْ عَلَى يَسَارِهِ، حِينَ يَهُبُّ مِنْ نَوْمِهِ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ)» .
٥٨٦٠ - (٢) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، (يَعْنِي ابْنَ
بِلاَلٍ)، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَّةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبًا
قَتَادَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلِهِ يَقُولُ: ((الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ. وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ. فَإِذَا
رَأَىْ أَحَدُكُمْ شَيْئاً يَكْرَهُهُ فَلْيَتْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا. فَإِنَّهَا لَّنْ
تَضُرَّهُ». فَقَالَ: إِنْ كُنْتُ لأَرَى الرُّؤْيَا أَثْقَلَ عَلَيَّ مِنْ جَبَلٍ. فَمَا هُوَ إِلاَّ أَنْ سَمِعْتُ بِهَذَا
الْحَدِيثِ، فَمَا أُبَالِيْهَا.
٥٨٦١ - (٠٠٠) وحدّثناه قُتَيْبَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، (يَعْنِي الثَّقَّفِيَّ). ح وَحَدَّثَنَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي
شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ. كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِي حَدِيثٍ
الثَّقَفِيِّ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: فَإِنْ كُنْتُ لِأَرَى الرُّؤْيَا. وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ اللَّيْثِ وَابْنٍ نُمَيْرٍ قَوْلُ
أَبِي سَلَمَةَ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ. وَزَادَ ابْنُ رُمْحِ فِي رِوَايَةٍ هَذَا الْحَدِيثِ: ((وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ
الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ».
٥٨٦٢ - (٣) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ
الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ
رَسُولِ اللَّهِ وَِّ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَالرُّؤْيَا السَّوْءُ مِنَ الشَّيْطَانِ. فَمَنْ رَأَئى
رُؤْيَا فَكَرِهَ مِنْهَا شَيْئاً فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، لاَ تَضُرُّهُ. وَلاَ يُخْبِرُ بِهَا
أَحَداً. فَإِنْ رَأَىْ رُؤْيَا حَسَنَةً
(٠٠٠) - قوله: (حين يهب من نومه) بضم الهاء، أي: يستيقظ.
(٠٠٠) - قوله: (وليتحوّل عن جنبه الذي كان عليه) قال الحافظ في الفتح: إن هذا للتفاؤل
بتحول تلك الحال التي كان عليها .
٣ - (٠٠٠) قوله: (ولا يُخبر بها أحداً) قال النووي رحمه الله: ((سببه أنه ربّما فسّرها
تفسيراً مكروهاً على ظاهر صورتها، وكان ذلك محتملاً، فوقعت كذلك بتقدير الله تعالى، فإن
الرؤيا على رِجل طائر. ومعناه: أنها إذا كانت محتملة وجهين، ففسّرت بأحدهما وقعت على
قرب تلك الصفة)).

٣٨٧
کتاب: الرؤيا
فَلْيُبْشِرْ. وَلاَ يُخْبِرْ إِلاَّ مَنْ يُحِبُّ)).
٥٨٦٣ _ (٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلاَّدٍ الْبَاهِلِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَم.
قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ:
إِنْ كُنْتُ لأَرَى الرُّؤْيَا تُمْرِضُنِي. قَالَ: فَلَقِيتُ أَبَا قَتَادَةَ. فَقَالَ: وَأَنَا كُنْتُ لأَرَى الرُّؤْيَا
فَتُمْرِضُنِي، حَتَّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَلَهِ يَقُولُ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ. فَإِذَا رَأَىْ أَحَدُكُمْ
مَا يُحِبُّ فَلاَ يُحَدِّثْ بِهَا إِلَّ مَنْ يُحِبُّ. وَإِنْ رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتْفِلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاَثَاً، وَلْيَتَعَوَّذْ
بِاللَّهِ من شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشَرِّهَا، وَلاَ يُحَدِّثْ بِهَا أَحَداً فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ».
٥٨٦٤ _ (٥) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحِ. أَخْبَرَنَا
وهذه الحكمة التي ذكرها النووي رحمه الله مبنية على القول بأنّ الرؤيا تقع موافقة لأول
تعبير تعبّر به، وقد ورد في ذلك أحاديث، منها ما أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه بسند
حسن عن أبي رزين العقيلي مرفوعاً: ((الرؤيا على رِجل طائر ما لم تُعبّر، فإذا حُبّرت وقعت)) وما
أخرجه عبد الرزاق عن أبي قلابة مرسلاً: ((الرؤيا تقع على ما يعبّر. مثل ذلك رجل رفع رجله
فهو ينتظر متى يضعها)) ولكن قيّده الإمام البخاري بما إذا كان المعبّر مُصيباً. أما إذا أخطأ في
التعبير، فلا تقع الرؤيا على تعبيره، وعلى هذا عقد البخاري باباً في الصحيح وترجمه بقوله:
(باب من لم ير الرّؤيا لأوّل عابر إذا لم يُصب)) واستدل عليه بحديث ابن عباس أن رجلاً سأل
رسول الله ﴿ عن رؤيا رآها، فعبّرها أبو بكر ◌ُبه بإذنه وَلر، ثمّ سأله: ((فأخبرني يا رسول الله!
بأبي أنت - أصبت أم أخطأتُ؟ قال النبيّ ◌َلّر: أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً)) ووجه الاستدلال
أن الخطأ في التعبير إنما يقال إذا لم يقع ما عبّر به، فتصريح النبيّ وَّر بخطأ أبي بكر في بعض
ما عبّر به يدّل على أن بعض الذي سيقع يكون مخالفاً لتعبيره، ولو كان الواقع عين ما عبّر به
المعبّر الأول، سواء كان تعبيراً خاطئاً، لوقع مثل الذي عبّر به أبو بكر ◌ُته.
وعلى ما حقّقه البخاري لا يتجه ما ذكره النووي من حكمة النهي عن الإخبار بالرؤيا
المكروهة، لأن الرجل إذا عبّر الرؤيا تعبيراً خاطئاً، فإنه لا يقع على تعبيره. وحينئذ، فلعلّ
الحكمة في النهي عن الإخبار أن السّامع إذا عبّرها بتعبير مكروه، فإنّ ذلك يزيد الرائي حزناً
وخوفاً .
قوله: (فليُبْشر) بضم الياء، وكسر الشين أمر غائب من الإبشار، ومعناه: الفرح بالبشرى.
قوله: (ولا يخبر إلا من يحبّ) لأنّ المبغض ربّما يفسّرها بمكروه حسداً وبغضاً، فإمّا أن
تقع الرؤيا على تفسيره المكروه (على القول بأن الرؤيا تقع حسب التعبير الأول) أو يبعث
الأوهام في نفس الرائي، وتزول بشاشته الحاصلة بالرؤيا الحسنة (على القول بما ذهب إليه
البخاري).

٣٨٨
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا
يَكْرَهُهَا فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاَثًاً، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلاَثَاً، وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي
کَانَ عَلَیْهِ».
٥٨٦٥ - (٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ
أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيٌّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ. قَالَ: ((إِذَا اقْتَرَبَ
الزَّمَانُ لَمْ تَكَذْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ.
٥ - (٢٢٦٢) - قوله: (عن جابر) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الأدب، باب ما جاء
في الرؤيا (٥٠٢٢)، وابن ماجه في تعبير الرؤيا، باب من رأى رؤيا يكرهها، (٣٩٥٤).
٦ - (٢٢٦٣) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في التعبير، باب القيد
في المنام (٧٠١٧)، وأبو داود في الأدب، باب ما جاء في الرؤيا (٥٠١٩)، والترمذي في
الرؤيا، باب أن الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة (٢٢٧٠)، وابن ماجه في تعبير
الرؤيا، باب الرؤيا ثلاث (٣٩٥٢)، وباب الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له (٣٩٤٠).
قوله: (إذا اقترب الزمان) إلخ: قد فسره الشرّاح بوجوه مختلفة تتلخص فيما يلي:
١ - معناه: تقارب زمان الليل وزمان النّهار، وهو وقت استوائهما أيّام الربيع (قلت: ويقع
ذلك في شهور مختلفة في بلاد مختلفة) وذلك وقت اعتدال الطبائع الأربع غالباً، ويقول
المعبّرون: أصدق الرؤيا ما كان وقت اعتدال الليل والنّهار وإدراك الثّمار، نقله في غريب
الحديث عن أبي داود السجستاني.
٢ - المراد من اقتراب الزمان: انتهاء مدته إذا دنا قيام السّاعة. فالمعنى: إذا اقتربت
الساعة وقبض أكثر أهل العلم، ودرست معالم الديانة بالهرج والفتنة، فكان الناس على مثل
الفترة محتاجين إلى مذكّر ومجدّد لما درس من الدين كما كانت الأمم تذكّر بالأنبياء، لكن لما
كان نبينا وَّلو خاتم الأنبياء، وصار الزمان المذكور يشبه زمان الفترة، عوّضوا بما مُنعوا من النبوة
بعدد بالرؤيا الصادقة التي هي جزء من النبوة الآتية بالتبشير والإنذار. وهذا قول ابن بطّال.
٣ - وذهب الداودي إلى أن المراد من تقارب الزمان: نقص السّاعات والأيّام والليالي،
ومراده بالنقص سرعة مرورها، ويكون ذلك قرب قيام السّاعة، حتى تكون السنة كالشّهر، والشّهر
كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كاحتراق السعفة. وقيل: إن المراد
بالزمان المذكور زمان المهدي عند بسط العدل وكثرة الأمن وبسط الخير والرزق، فإن ذلك
الزمان يستقصر لاستلذاذه، فتتقارب أطرافه. هذا ملخص ما في فتح الباري (١٢ : ٤٠٦).
قوله: (لم تكد رؤيا المسلم تكذب) قال الحافظ: ((فيه إشارة إلى غلبة الصدق على الرؤيا،
وإن أمكن أن شيئاً منها لا يصدق. والراجح أن المراد نفي الكذب عنها أصلاً، لأن حرف النّفي

٣٨٩
كتاب: الرؤيا
وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَضْدَقُكُمْ حَدِيثاً. وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ.
الداخل على (كاد) ينفي قرب حصوله، والنافي لقرب حصول الشيء أدّل على نفيه نفسه، ذكره
الطيبي. وقال القرطبي في المفهم: والمراد، والله أعلم، بآخر الزمان المذكور في هذا الحديث
زمان الطائفة الباقية مع عيسى بن مريم (عليهما السلام) بعد قتله الدجال، فقد ذكر مسلم في
حديث عبد الله بن عمر ما نصّه: ((فيبعث الله عيسى بن مريم، فيمكث في الناس سبع سنين، ليس
بين اثنين عداوة. فكان أهل هذا الزمان أحسن هذه الأمة حالاً بعد الصدر الأول وأصدقهم
أقوالاً، فكانت رؤیاهم لا تكذب».
قوله: (وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً) وإنما كان كذلك لأن من كثر صدقه تنوّر قلبه
وقوي إدراكه، فانتقشت فيه المعاني على وجه الصحة. وكذلك من كان غالب حاله الصدق في
يقظته استصحب ذلك في نومه، فلا يرى إلا صدقاً، وهذا بخلاف الكاذب والمخلط، فإنه يفسد
قلبه ويظلم، فلا يرى إلا تخليطاً وأضغاثاً. وقد يندر المنام أحياناً، فيرى الصادق ما لا يصح،
ويرى الكاذب ما يصح، ولكن الأغلب الأكثر ما تقدم، والله أعلم. كذا في فتح الباري.
قوله: (ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءاً من النبوّة) كذا وقع في هذه الرواية:
((خمس وأربعين جزءاً)) ووقع أكثر ((الروايات)): ((ستة وأربعين جزءاً)) وفي رواية لابن عمر (ستأتي
عند المصنف): ((جزء من سبعين جزءاً)) وكذا أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود موقوفاً.
وأخرجه الطبراني عنه من وجه آخر مرفوعاً. وللطبراني من وجه آخر عنه: (من ستة وسبعين)
وسنده ضعيف، وأخرجه ابن عبد البر من طريق عبد العزيز بن المختار، عن ثابت، عن أنس
مرفوعاً: (جزء من ستة وعشرين) وأخرج أحمد وأبو يعلى حديثاً في هذا الباب، وفيه: ((قال ابن
عباس: إني سمعت العباس بن عبد المطلب يقول: سمعت رسول الله و 8 يقول: ((الرؤيا
الصالحة من المؤمن جزء من خمسين جزءاً من النبوة)). وأخرجه الترمذي والطبري من حديث
أبي رزين العقيلي: ((جزء من أربعين))، وأخرجه الطبري من وجه آخر عن ابن عباس ((أربعين)).
وأخرج الطبري أيضاً من حديث عبادة: ((جزء من أربعة وأربعين)) وأخرج أيضاً أحمد من حديث
عبد الله بن عمرو بن العاص ((جزء من تسعة وأربعين)). وذكر القرطبي في المفهم بلفظ: ((سبعة)).
فحصلت من هذه عشرة أوجه.
ووقع في شرح النووي: (وفي رواية عبادة: ((أربعة وعشرون))، وفي رواية ابن عمر ((ستة
وعشرون)) وقيل: جاء فيه ((اثنتان وسبعون))، و ((اثنتان وأربعون))، و((سبعة وعشرون))، و ((خمسة
وعشرون)) قال العيني في عمدة القارى (١١: ٢٨٧) بعد نقل هذه الروايات (فعلى هذا ينتهي
العدد إلى ستة عشر وجهاً وذكر الحافظ في الفتح أنها خمسة عشر وجهاً، ما قاله الحافظ أصح،
ولعل الحافظ العيني رحمه الله عدّ رواية: ((خمسة وعشرين)) مرتين. وسيأتي وجه الجمع بين
الروايات.

٣٩٠
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فأمّا معنى كون الرؤيا جزء من النبوة، فهو أن النبوة تتضمن معاني كثيرة منها الإخبار
ببعض ما سيكون أو ببعض ما وقع في الغيب بطريق العلم الجزئي الحاصل من الله تعالى، وإن
الرؤيا الصادقة التي يراها المؤمن ربما تتضمن هذا الجزء، ولكن لا يستلزم ذلك أن يسمّى الرائي
نبيّاً، أو رؤياه نبّوة، كما تفوه بذلك بعض المنتمين إلى الطائفة القاديانية الضّالة، لأن النبوّة
بجميع صورها وأنواعها انقطعت بعد النبيّ الكريم وَلّ، وحصول جزء من الشيء لا يستلزم
حصول كلّه، فمن حصل على قدر من الملح لا يقال له إنه حصل على الطّعام المطبوخ الذي كان
الملح جزء من أجزائه. وقال القاضي أبو بكر ابن العربي رحمه الله تعالى: ((أجزاء النبوة في
الجملة لا يعلم حقيقتها إلا ملك أو نبي. وإنما القدر الذي أراده النبي وَلقر يبين أن الرؤيا جزء
من أجزاء النبوة في الجملة، لأن فيها اطلاعاً على الغيب من وجهٍ مّا. وأما تفصيل النسبة
فيختص بمعرفته درجة ((النبوة)) نقله الحافظ في الفتح (١٢ : ٣٦٤).
ثم أن الرؤيا التي جزء من النبوة هي الرؤيا الصالحة فقط، ولا سبيل اليوم إلى القطع بكون
الرؤيا صالحة، يقول الحافظ ابن الصلاح في فتاواه (ص: ٧) (ثم أن القطع على الرؤيا بكونها
صالحة لا سبيل إليه) وإنما هو غلبة الطنّ، ونظير ذلك من حالة اليقظة الخواطر.
وإنما قيد ابن العربي رحمه الله كون الرؤيا جزء من النبوة بقوله (في الجملة): لأن النبوّة
والرؤيا كانا يشتركان في كونهما مشتملين على اطلاع بعض المغيبات، ولكن بينهما فرقاً كبيراً، وهو
أن الاطلاع الحاصل بالنبوة اطلاع قطعيّ لا شبهة في صحته، فهو حجّة كاملة على مضمونه،
بخلاف الرؤيا التي يراها مؤمن، فإن الاطلاع الحاصل بها ليس قطعيّاً، ولا حجّةً في الشريعة بصورة
من الصور. فهناك مراتب ثلاثة للاطلاع على المغيبات: المرتبة الأولى: هي مرتبة العلم الكليّ
الذاتّ المحيط بجميع المغيبات، وهي التي تسمى (علم الغيب) ولا يتصف به أحد غير الله سبحانه
وتعالى. والمرتبة الثانية: الاطلاع على بعض المغيبات بوحي من الله سبحانه وتعالى، وهو اطلاع
جزئي لا يحيط بجميع المغيبات، ولكنه علم قطعيّ لا شكّ فيه، وهو حجّة في الشريعة، ولا يحصل
ذلك إلا للأنبياء عليهم السلام. والمرتبة الثالثة: الاطلاع على بعض المغيبات بالرؤيا أو الكشف
وهو اطلاع جزئيّ لا يحصل به القطع واليقين، وليس حجّة في الدين أصلاً، ولكنّه يشابه بعض
صفات النبوة في الجملة من حيث كونه اطلاعاً جزئياً على بعض المغيبات في الجملة، وإن لم يكن
على سبيل القطع واليقين، فمن هذه الجهة سمّي جزء من النبوّة.
وأمّا خصوص عدد (ستة وأربعين) وهو الذي وقع في أكثر الروايات، فمن العلماء من
اختار التوقف في بيان وجه تعيينه. قال المأزري: ((لا يلزم العالم أن يعرف كل شيء جملة
وتفصيلاً، فقد جعل الله للعالم حدّاً يقف عنده. فمنه ما يعلم المراد به جملة وتفصيلاً، ومنه ما
يعلمه جملة لا تفصيلاً، وهذا من هذا القبيل)).

٣٩١
كتاب: الرؤيا
وقد تكلم بعض العلماء في وجه تعيين هذا العدد، فقال: إن الله تعالى أوحى ألى نبيه وَليت
في المنام ستة أشهر، ثم أوحى إليه بعد ذلك في اليقظة بقية مدة حياته، وهي ثلاث وعشرون
سنة، فصار ما رآه في المنام جزء من ستة وأربعين جزء، وهو نسبة الستة أشهر من الثلاث
والعشرين سنة.
وقد تعقبه الخطابي رحمه الله تعالى بأن هذه المناسبة لم ينصّ عليها في خبر أو أثر، وإنّما
هو ظنّ وتخمين، وبأنه لو كانت مدة ستة أشهر محسوبة من أجزاء النبوة فليلحق بها سائر
الأوقات التي كان يوحى إليه فيها في منامه طوال مدة حياته، كما ثبت عنه وَّ في أحاديث
كثيرة، ولو أضفنا هذه الأوقات إلى مدة ستة أشهر، لاختّلت بذلك النسبة المذكورة، وانتقض
التأويل. وأجاب عنه الحافظ في الفتح: بأن المراد في هذا التأويل هو وحي المنام المتتابع،
وأمّا ما وقع منه في غضون وحي اليقظة فهو يسير بالنسبة إلى وحي اليقظة فهو مغمور في جانب
وحي اليقظة، فلم یعتبر بمدته.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ويمكن الجواب عن اعتراض الخطّابي رحمه الله بطريق
آخر أيضاً، وهو المراد من الرؤيا التي هي جزء من النبوّة ما لم تكن في خلال النبوّة الكاملة،
والمرائي التي رآهارسول الله وَله قبل البعثة متصفة بهذه الصّفة، لأنه رَّ إنّما صار نبيّاً بأول وحي
نزل إليه في اليقظة، ولم يكن متصفاً بالنبوة قبل ذلك. وأمّا ما رآه في المنام بعد البعثة فلم يعتد
به في حساب المرائي التي هي جزء من النبوة وليست نبوة كاملة، لأن ما رآه بعد البعثة إنما رآه
في حال حصول النبوة الكاملة، فليست في عداد ما نحن عليه.
وأمّا ما قاله الخطابي رحمه الله من كون هذا التأويل مبنيّاً على الظّن فقط، فمسلّم، ولكن
لا يمنع ذلك من ذكر هذا التأويل على سبيل الاحتمال، دون القطع واليقين، وهو الموقف
الأسلم في مثل هذه الأمور لأن النصوص ساكتة عن تفسيرها، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وقد ذكر بعض العلماء وجوهاً أخرى في تفسير الحديث تركناها لكونها غامضة لا تخلو
عن تكلف، وراجع لها شرح الأبيّ.
وأمّا وجه الجمع بين الأعداد المختلفة التي وردت في الروايات، فمن توقّف في بيان سرّ
العدد، توقف في وجه الجمع بالطريق الأولى، وأما العلماء الآخرون فقذ تأولوا الجمع بين هذه
الروايات. فذكر الطبري أنه محمول على اختلاف الرائين، فالمؤمن إن كان صالحاً فرؤياه جزء
من ستة وأربعين، ومن كان فاسقاً، فرؤياه جزء من سبعين جزءاً. وقال العيني رحمه الله في
عمدة القارى (١١: ٢٨٧): ((وأجاب من تكلم في بيان وجه الاختلاف في الأعداد بأنه وقع
بحسب الوقت الذي حدّث فيه النبي وهو بذلك، كأن يكون لمّا أكمل ثلاث عشرة سنة بعد مجيىء
الوحي إليه حدّث بأن الرؤيا جزء من ستة وعشرين إن ثبت الخبر بذلك، وذلك وقت الهجرة.

٣٩٢
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَالرُّؤْيَا ثَلاَثَةٌ: فَرُؤْيَا الصَّالِحَةِ بُشْرَىْ مِنَ اللَّهِ. وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ. وَرُؤْيَا مِمَّا
يُحَدِّثُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ. فَإِنْ رَأَىْ أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ، فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ. وَلاَ يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ)).
ولما أكمل عشرين حدّث بأربعين ولمّا أكمل اثنين وعشرين، حدّث بأربعة وأربعين، ثمّ بخمسة
وأربعين، ثمّ حدّث بستة وأربعين في آخر حياته. وأما ما عدا ذلك من الروايات بعد الأربعين
فضعيف. ورواية الخمسين يحتمل أن تكون لجبر الكسر، ورواية السبعين للمبالغة (١)، وما عدا
ذلك لم يثبت، والله أعلم)).
وإن هذا الوجه للجمع محتمل بالنسبة إلى الأحاديث المختلفة؛ أما في اختلاف الروايات
الذي وقع في حديث واحد كما في حديث أبي هريرة هذا، حيث اختلف فيه على أيوب
السختياني، فرواه عبد الوهاب الثقفي عنه بلفظ: (خمس وأربعين)، ورواه معمر عنه بلفظ: (ستة
وأربعين)، فإنّه يستعبد فيه مثل هذا الجمع، فإن الحديث واحد، والاختلاف إنما نشأ باختلاف
الرواة، والظّاهر في مثله أن ينسب الوهم إلى بعضهم والرّاجح رواية: (ستة وأربعين) لكونها
مؤيدة بالروايات والأحاديث الأخرى. وقد حقّقنا غير مرّة أن وقوع مثل هذه الأوهام لا يقدح في
صحة أصل الحديث، والله سبحانه أعلم.
قوله: (فرؤيا الصّالحة) وهذا من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة.
قوله: (قال: وأحبّ القيد) يعني: أحبّ أن أرى في المنام قيداً، لأن تأويله ثبات في
الدين. وقد اختلف الرواة في تعيين قائله، فوقع في رواية معمر الآتية التصريح بكونه مقولاً لأبي
هريرة ظه. ورواه قتادة عن ابن سيرين بما يدّل على أنه من جملة كلام النبي وَّر، وشكّ عبد
الوهاب في روايتنا هذه، فقال في آخر الرواية: ((فلا أدري هو في الحديث أم قاله ابن سيرين؟)).
وعلى كلّ، فتعبير القيد بالثبات في الدين تعبير صحيح، لكن قال الحافظ في الفتح (١٢ :
٤٠٥): ((من رأى في المنام أنه مقيّد ما يكون تعبيره؟ وظاهر إطلاق الخبر أنه يعبّر بالثباب في
الدين في جميع وجوهه، لكن أهل التعبير خصّوا ذلك بما إذا لم يكن هناك قرينة أخرى، كما لو
كان مسافراً أو مريضاً، فإنه يدل على أن سفره أو مرضه يطول. وكذا لو رأى في القيد صفة
زائدة، كمن رأى في رِجله قيداً من فضّة، فإنه يدل على أن يتزوج، وإن كان من ذهب، فإنه لأمر
یکون بسبب مال یتطلبه، وإن کان من صُفر، فإنه لأمر مکروہ أو مال فات، وإن کان من رصاص
فإنه لأمر فيه وهن، وإن كان من حبل فلأمر في الدين، وإن كان من خشب فلأمر فيه نفاق، وإن
كان من حطب فلتهمة، وإن كان من خرقة أو خيط فلأمر لا يدوم)).
(١) على أن رواية السّبعين ليست جازمة، فإن نافعاً قال فيها: حسبت أن ابن عمر قال: جزء من سبعين جزءً إلخ
كما سيأتي في آخر الباب.

٣٩٣
کتاب: الرؤيا
قَالَ: ((وَأُحِبُّ الْقَيْدَ وَأَكْرَهُ الْغُلَّ. وَالْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ)». فَلاَ أَذْرِي هُوَ فِي الْحَدِيثِ أَمْ قَالَهُ
ابْنُ سِيرِينَ .
٥٨٦٦ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ،
عَنْ أَيُّوبَ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: " قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَيُعْجِبُنِي الْقَيْدُ وَأَكْرَهُ
الْغُلَّ. وَالْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ. وَقَالَ النَّبِيُّ وَلِ: ((رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً
مِنَ النُُّؤَّةِ» .
٥٨٦٧ - (٠٠٠) حدّثني أَبُو الرَّبِيع. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، (يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ)، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ
وَهِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَلَمْ يَذْكُرْ
فِيهِ النَّبِيَّ وَّهِ.
٥٨٦٨ - (٠٠٠) وحدّثناه إِسْحَاَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَام، حَدَّثَنَا أَبِي،
عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ. وَأَدْرَجَ فِي الْحَدِيثِ
قَوْلَهُ: وَأَكْرَهُ الْغُلَّ، إِلَى تَمَامِ الْكَلاَمِ. وَلَمْ يَذْكُرِ: ((الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ
التُّبُوَّةِ» .
٥٨٦٩ - (٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَأَبْنُ بَشَّارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ
وأَبُو دَاوُدَ. ح وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، كُلُّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ.
ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا أَبِي. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ
أَنَسٍ بْنِ مَالِكِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ
قوله: (وأكره الغُلّ) وهو الطوق، يعني: أكره أن أرى في المنام غُلاًّ في عنقي، ووجهه
القاضي عياض بأن محّله العنق وهو مذموم، لأن الله تعالى قد وصف به أهل النار فقال: ((إذٍ
الأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ)) فإن رؤي في العنق دلّ على الكفر والبدعة وشهادة الزّور وحكم الجور
وعلى المرأة السوء لتقلد ذلك في الأعناق. وهذا بخلاف القيد، فإن محلّه الرِجلان، فهو في
العبارة كفّ عما يخالف الدين.
وذكر القاضي عياض أيضاً أنه قد يدل على الولاية إذا كانت معه قرائن، لما جاء: ((أن كل
والٍ يحشر مغلولاً حتى يطلقه عدله)). وإن كان في اليدين دون العنق، كان عندهم حسناً، ودلّ
على كفّ اليدين عن الشرور، وربّما دلّ على بخل البخيل ومنعه، لقول اليهود: ﴿يد الله مغلولة،
غلت أيديهم﴾، ويدل على المنع والحبس عما يتهم به الإنسان من أمور دنيوية في تعظيمه. كذا
في شرح الأبيّ.
٧ - (٢٢٦٣) - قوله: (عن عبادة بن الصامت) هذا الحديث أخرجه البخاري في التعبير،

٣٩٤
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مِنْ سِنَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُؤَّةِ)) .
٥٨٧٠ - (٠٠٠) وحدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ
الْبُنَانِيّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ. مِثْلَ ذَلِكَ.
٥٨٧١ - (٨) حدّثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((إِنَّ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ
جُزْءٌ مِنْ سِنَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُؤَّةِ)).
٥٨٧٢ - (٠٠٠) وحدّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الْخَلِيلِ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ
الأَعْمَشِ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((رُؤْيَا الْمُسْلِمِ يَرَاهَا، أَوْ تُرَى لَهُ)). وَفِي حَدِيثِ ابْنِ
مُسْهِرٍ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُُّؤَّةِ)) .
٥٨٧٣ - (٠٠٠) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ.
قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﴾﴾ قَالَ: ((رُؤْيَا
الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُؤَّةِ».
٥٨٧٤ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ. حَدَّثَنَا عَلِيٍّ،
(يَعْنِي ابْنَ الْمُبَاركِ). ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ. حَدَّثَنَا حَرْبٌ،
(يَعْنِي ابْنَ شَدَّادٍ)، كِلاَهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
٥٨٧٥ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ◌ََِّ. بِمِثْلٍ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى بْنِ أَبِي
گَثِیرٍ، عَنْ أَبِيهِ.
٥٨٧٦ - (٩) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ.
باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة (٦٩٨٧)، وأبو داود في الأدب، باب
ما جاء في الرؤيا (٥٠٦٨)، والترمذي في الرؤيا، باب أن رؤيا المؤمن جزء إلخ (٢٢٧١).
(٠٠٠) - قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه البخاري في التعبير، باب رؤيا
الصالحين (٦٩٨٣)، وباب من رأى النبي ◌ّر في المنام (٦٩٩٤)، وابن ماجه في تعبير الرؤيا،
باب الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له (٣٩٣٩).
٨ - (٢٢٦٣) - قوله: (عن أبي هريرة) سبق تخريجه في هذا الباب.

٣٩٥
كتاب: الرؤيا
حَدَّثَنَا أَبِي. قَالاَ جَمِيعاً: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنَ النَّبُوَّةِ».
٥٨٧٧ - (٠٠٠) وحدّثناه ابْنُ الْمُثَنَّى وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ
عُبَيْدِ اللَّهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
٥٨٧٨ - (٠٠٠) وحدّثناه قُتَيْبَةُ وَابْنُ رُمْح، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ
رَافِع. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ. أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ،َ (يَعْنِي ابْنَ عُثْمَانَ)، كِلاَهُمَا عَنْ نَافِعِ،
بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِي حَدِيثِ اللَّيْثِ: قَالَ نَافِعٌ: حَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: ((جُزْءٌ مِنْ سَبْعِيْنَ
جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ)) .
(١) - باب: قول النبيّ عليه الصلاة والسلام
((من رآني في المنام فقد رآني)»
٥٨٧٩ - (١٠) حدّثنا أَبُو الرَّبِيع، سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْعَتَكِيُّ. حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، (يَعْنِي
ابْنَ زَيْدٍ)، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَهِشَامٌ، عَنْ مُحمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ يَّةِ:
((مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّلُ بِي)).
(٢٢٦٥) - قوله: (عن ابن عمر) هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في تعبير الرؤيا، باب
الرؤيا الصالحة يراها المسلم (٣٩٤٣).
(١) - باب: قول النبي ◌َّر: من رآني في المنام فقد رآني
١٠ - (٢٢٦٦) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في العلم، باب إثم
من كذب على النبي ◌َّر (١١٠)، باب من سمى بأسماء الأنبياء (٦١٩٧)، وفي التعبير، باب من
رأى النبي و 18 في المنام (٦٩٩٣)، وأبو داود في الأدب، باب ما جاء في الرؤيا (٥٠٢٣)،
والترمذي في الرؤيا، باب في تأويل الرؤيا، ما يستحب منها وما يكره (٢٢٨٠)، وابن ماجه في
تعبير الرؤيا، باب رؤية النبي ◌َّر في المنام (٣٩٤٧).
قوله: (من رآني في المنام فقد رآني) في هذا الحديث مباحث:
المبحث الأول: اختلفوا في معنى رؤيته وَّر على قولين:
١ - ذهب محمد بن سيرين والإمام البخاري والقاضي عياض وجماعة من العلماء، أن هذا
الحديث محلّه إذا رأى أحد النبي ◌ّر في المنام بصورته وحليته المعروفة. ومعنى الحديث أن من
رأى النبي وَله بصفته المعروفة فإن رؤياه صحيحة لا أثر للشيطان فيها.
٢ - وذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يشترط لكون الرؤيا صحيحة أن يراه الرائي في

٣٩٦
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
صورته المعروفة، بل المراد أن من وقع في قلبه عند الرؤيا أن المرئي هو النبيّ وَّر، سواء كانت
صورته المرئية مخالفة لصورته وهيئته المعروفة، فإن رؤياه صحيحة خالية عن تصرف الشّيطان.
وكلك اختلفوا في قوله وقال: (((فقد رآني)). فذهب بعض العلماء إلى أن الرائي يدرك
ذاته وسير، وذهب بعضهم إلى أنه يدرك مثاله، وذهب القاضي ابن العربي إلى من رأى النبيّ وَّل
بصفاته المعروفة فإنه أدرك ذاته، ومن رآه على غير صفته، فقد أدرك مثاله. وقال الغزالي رحمه
الله تعالى: ((ليس معناه أنه رأى جسمي وبدني، بل رأى مثالاً صار ذلك المثال آلة يتأدى بها
المعنى الذي في نفسي إليه، بل البدن في اليقظة أيضاً ليس إلا آلة النفس. فالحق أن ما يراه مثال
حقيقة روحه المقدسة التي هي محل النبوة، فما رأه من الشكل ليس هو روح النبي ◌َّرٍ ولا
شخصه، بل هو مثال له على التحقيق)). كذا في عمدة القارى (٢: ١٥٥).
المبحث الثاني: إذا رأى أحد رسول الله وَ ل# في المنام، ورآه يخبر أو يأمر بشيء أو ينهى
عن شيء، هل يكون ذلك حجة شرعية؟ وأجمع العلماء على أنه ليس بحجة في الدين، نعم! إن
كان ذلك القول لا يصادم حكماً من الأحكام الشرعية، يستحسن العمل به أدباً مع صورته وَليه أو
مثالها. وقد يستشكل هذا بأن المرئي إن كان النبي ◌ّله، ينبغي أن يكون فيما يقوله في المنام
حجة. والجواب أن عدم حجية الرؤيا ظاهر على قول من يقصر حكم حديث الباب على من رآه
عليه السلام بصفته المعروفة، لأنه لا يمكن لأحد اليوم أن يجزم بأنه رآه و جر بحليته الحقيقيّة،
ومتى كانت هناك شبهة في رؤية النبي ◌ّله حقيقة، فلا سبيل إلى القول بحجيّة الرؤيا، لأنّ العلم
لا يحصل بالشبهة، وأما على قول من لا يقصر حكم حديث الباب على رؤيته وَل بصفاته
الحقيقية، فعدم حجية الرؤيا مبني على أن النبيّ وَّ﴿ إنّما أخبر في حديث الباب بأنّ ما يراه النائم
من صورة النبي ◌َّ، فإنه رؤيا صحيحة لا تصرف فيها للشيطان، ولم يخبرنا في هذا الحديث بأن
ما تتكلم به تلك الصورة المرئية هو كلامٌ صحيح تجوز نسبته إلى رسول الله وَلقره، ولا يلزم ذلك
بمجرد كون الرؤيا صحيحة، لأنه ليس معنى صحة الرؤيا أن يكون عين المرئي أو المسموع واقعاً
في نفس الأمر، بل معناه أنّ لها تعبيراً، والرؤيا صادقة بالنسبة إلى ذلك التعبير، لا بالنسبة إلى
ظاهر المرئي أو المسموع. ثم من المعروف أن تعبير الرؤيا ليس له قواعد منضبطة، وإنّما هو
مبنيّ على ذوق المعبّر، ولذلك تختلف في تأويلها أقوال المعبّرين. ومن هذه الجهة وقع الشكّ
في تعبيرها الصّحيح.
ثمّ إن رؤية النبي 8ّ* في المنام وإن لم يكن فيها مدخل للشّيطان، ولكن ربّما تؤثر فيها
متخيّلة الرائي، وهذا هو السرّ في رؤيته وَّيؤ على غير هيئته المعروفة، فمن الممكن جدّاً أن يقع
في خيال الرائي كلام لم يتكلم به رسول الله وَ له، ومن المحتمل أيضاً أن يكون الرائي قد نسي ما
رآه في المنام، وخُيّل إليه بعد الاستيقاظ ما لم يقع في المنام أصلاً. ومع وجود هذه الشبهات

٣٩٧
كتاب: الرؤيا
٥٨٨٠ - (١١) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي
يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ بِهِ يَقُولُ: ((مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيْرَانِي فِي الْيَقَظَّةِ .
المتنوعة، لا يترك بالرؤيا تلك الأحكام الشرعية التي توارثناها عن رسول الله صل18 في حالة
اليقظة. ولا شك أنه متى تعارضت الرؤيا واليقظة، فالترجيح لما ثبت في عالم اليقظة، لا لما
رؤي في المنام. وقد حكى الشاطبي في الاعتصام (١: ٢٦٢) عن ابن رشد أنه سأل عن حاكم
شهد عنده عدلان مشهوران بالعدالة في قضية. فلما نام الحاكم ذكر أنه رأى النبي وَّر، فقال له:
ما تحكم بهذه الشهادة؟ فإنها باطلة. فأجاب ابن رشد بأنه لا يحل للحاكم أن يترك العمل بتلك
الشهادة، لأن ذلك إبطال لأحكام الشريعة بالرؤيا، وذلك باطل لا يصح أن يعتقد، إذ لا يعلم
الغيب من ناحيتها إلا الأنبياء الذين رؤياهم وحي.
وقد حكى السّبكي في شرح منهاج السنة أن رجلاً رأى النبي ◌ّهو في المنام يقول: اشرب
الخمر. وكان الشيخ عليّ المتقي، صاحب كنز العمال، حيّاً حينئذ، فأجابه بأن النبي وَلّ إنما
قال: لا تشرب الخمر، ولكن الشيطان لبّس عليك (أي بعد استيقاظك من النوم) والنوم وقت
اختلال الحواس، فإذا أمكن في اليقظة أن يسمع رجل بخلاف ما قاله القائل لعلة في الخارج أو
من جهته، ففي النوم أولى، والدليل عليه أنك تشرب الخمر، فأقرّ به وقال: نعم، إني أشرب
الخمر. ذكره شيخ مشايخنا الأنور رحمه الله في فيض الباري (١ : ٢٠٣).
وحكى الشيخ الأنور أيضاً أن رجلاً رأى النبي و ﴿ في المنام وعلى رأسه القلنسوة
الإنكليزية، فاستوحش منه، وكتب إلى مولانا الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي رحمه الله تعالى،
فكتب إليه أنه أشار إلى غلبة النصرانية على دينه .
وعلى كل، فالرؤية في المنام تتطرق إليها احتمالات كثيرة، وفيها مجال لالتباس الأمر من
جهات شتى، فقد يلتبس الأمر على الرائي بتخيله، وقد ينسى حقيقة ما رآه، وقد يكون تعبير
الرؤيا غير ما رآه في الظاهر، ومع وجود هذه الشبهات لا يمكن أن يكون فيها حجة خلاف ما
ثبت من الشريعة في عالم اليقظة، والله أعلم.
المبحث الثالث: من رأى النبي ◌ّير في المنام، هل تثبت له صحبة؟ وقد أجاب عنه العيني
في عمدة القاري (٢: ١٥٦) بأنه لا تثبت به صحبة لأن الصحابي من رأى النبي ◌َّ في حالة
الإسلام رؤية معهودة جارية على العادة، أو رآه في حياته في الدنيا، ولا عبرة بمن رآه وَ له بعد
وفاته، لأن النبي ◌ّ مخبر عن الله في الدنيا، لا في القبر.
١١ - (٠٠٠) - قوله: (فسيراني في اليقظة) قيل: معناه سيرى تفسير ما رأى، لأنه حقّ.
وقيل: سيراني في القيامة، وهذا قول ضعيف، لأن رؤيته وَ ل # في القيامة لا تختص بمن رآه في

٣٩٨
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَوْ لَكَأَنَّمَا رَآَنِي فِي الْيَقَظَةِ. لاَ يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي)).
(٠٠٠) - وَقَالَ: فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((مَنْ رَآنِي فَقَدْ
رَأَى الْحَقَّ)».
٥٨٨١ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا ابْنُ
أَخِي الزُّهْرِيِّ. حَدَّثَنَا عَمِّ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعاً بِإِسْنَادَيْهِمَا، سَوَاءٌ. مِثْلَ حَدِيثٍ يُونُسَ.
٥٨٨٢ - (١٢) وحدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْح. أَخْبَرَنَا
اللَّيْثُ، عَنْ أَبِي الزُّبِيْرِ، عَنْ جَابِرٍ؛ أَن رَسُولَ اللّهِ بِ هِ قَالَ: ((مَنْ رَآنِي فِي النَّوْمِ فَقَدْ رَآنِي.
إِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَمَثَّلَ فِي صُورَتِي)). وَقَالَ: ((إِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يُخْبِرْ أَحَداً بِتَلَغُبٍ
الشَّيْطَانِ بِهِ فِي الْمَنَامِ)).
٥٨٨٣ - (١٣) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا رَوْحٌ. حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ،
حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((مَنْ رَآنِي فِي
النَّوْمِ فَقَدْ رَآنِي. فَإِنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَشَبََّ بِي)).
المنام. وقيل: المراد به أهل عصره وّر ممن لم يهاجر، فتكون رؤيتهم في المنام علماً على
رؤيته في اليقظة.
قوله: (فكأنما رآني في اليقظة) يحتمل في تفسيره كل ما ذكرناه في تفسير قوله عليه
السلام: ((فقد رآني)).
(٢٢٦٧) - قوله: (قال أبو قتادة) هذا الحديث أخرجه البخاري في التعبير، باب من رأى
النبي ◌ّ* في المنام (٦٩٩٥ و٦٩٩٦)، وباب الرؤيا من الله (٦٩٨٤)، وباب الرؤيا الصالحة
جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة (٦٩٨٦)، وباب الحلم من الشيطان (٧٠٠٥)، وباب إذا
رأى ما يكره فلا يخبر بها إلخ (٧٠٤٤)، وفي بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده (٣٢٩٢)،
وفي الطب، باب النفث والرقية (٥٧٤٧).
قوله: (فقد رأى الحق) يعني: رأى رؤيا صحيحة، وليست بأضغاث أحلام ولا من تشبيه
الشيطان، فليست الرؤيا مما لا تفسير لها، بل لها تفسير صحيح.
١٢ - (٢٢٦٨) - قوله: (عن جابر) هذا الحديث أخرجه ابن ماجه في تعبير الرؤيا، باب
رؤية النبي ◌ّقر في المنام (رقم: ٣٩٤٨).
١٢ - (٢٢٦٨) - قوله: (إذا حلم أحدكم) أي: إذا رأى رؤيا يكرهها، وقدّمنا أن (الحلم)
أكثر ما يستعمل في الرؤيا المكروهة التي تكون من الشيطان.

٣٩٩
کتاب: الرؤيا
(٢) - باب: لا يخبر بتلعب الشيطان به في المنام
٥٨٨٤ _ (١٤) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْح. أَخْبَرَنَا
اللَّيْثُ، عَنْ أَبِيِ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ وَليهِ؛ أَنَّهُ قَالَ لأَغْرَابِيِّ جَاءَهُ فَقَالَ: إِنِّي
حَلَمْتُ أَنَّ رَأْسِي قُطِعَ، فَأَنَا أَتَّبِعُهُ. فَجَرَهُ النَّبِيُّ بَّهِ وَقَال: ((لاَ تُخْبِرْ بِتَلَعُبِ الشَّيْطَانِ بِكَ
فِي الْمَنَامِ)) .
٥٨٨٥ _ (١٥) وحدّثنا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي
سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: جَاءَ أَغْرَابِيٍّ إِلَى النَّبِيِّ بَّهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ فِي الْمَنَام
كَأَنَّ رَأْسِي ضُرِبَ فَتَدَخْرَجَ، فَاشْتَدَدْتُ عَلَى أَثَرِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ للأَعْرَابِيِّ: ((لاَ
تُحَدِّثِ النَّاسَ بِتَلَغْبِ الشَّيْطَانِ بِكَ فِي مَنَامِكَ)). وَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ نَّهِ بَعْدُ، يَخْطُبُ
فَقَالَ: ((لاَ يُحَدِّثَنَّ أَحَدُكُمْ بِتَلَعُّبِ الشَّيْطَانِ بِهِ فِي مَتَامِهِ)) .
(٢) - باب: لا يخبر بتلعب الشيطان به في المنام
١٤ - (٢٠٠٠) - وله: (عن جابر) هذا الحديث أخرجه أيضاً ابن ماجه في تعبير الرؤيا،
باب من لعب به الشيطان في منامه فلا يحدث به الناس (رقم ٣٩٥٨).
قوله: (لا تخبر بتلعّب الشيطان بك في المنام) قال النووي: ((قال المأزري: يحتمل أن
النبي * علم أن منامه هذا من الأضغاث، بوحي أو بدلالة من المنام دلّته على ذلك، أو على
أنه من المكروه الذي هو تحزين من الشيطان. وأما العابرون، فيتكلمون في كتبهم على قطع
الرأس، ويجعلونه دلالة على مفارقة الرائي ما هو فيه من النعم، أو مفارقة من فوقه، ويزول
سلطانه ويتغير حاله في جميع أموره، إلا أن يكون عبداً، فيدل على عتقه، أو مريضاً فعلى
شفائه، أو مديوناً، فعلى قضاء دينه، أو من لم يحجّ فعلى أنه يحجّ، أو مغموماً فعلى فرحه، أو
خائفاً أمنه، والله أعلم)).
وقال القرطبي رحمه الله: ((وقيل إن الرائي أسقط من المنام ما لو ذكره لعُلم أنه من
الأضغاث، وإلا فلأهل التعبير في قطع الرأس تأويلات)).
وقد ذكر ابن قتيبة في كتاب (أصول العبارة) أن رجلاً قال: يا رسول الله! إنّي رأيت أن
رأسي قُطع، فجعلت أنظر إليه بإحدى عينيّ، فضحك رسول الله بَّه، وقال: بأيهما كنت تنظر؟
فلبث ما شاء الله، ثم قبض بَّه، فعبّر الناس أن الرأس كان النبيّ وَّر، وأن النظر إليه كان اتباع
السنّة. حكاه الأبيّ عن القرطبي.
١٥ - (٠٠٠) - قوله: (فاشتدت على أثره) يعني: رأيت نفسي راكضاً خلف رأسي
المقطوع.

٤٠٠
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥٨٨٦ - (١٦) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو سَعِيدِ الأَشَجُ. قَالاَ: حَدَّثَنَا
وَكِيعُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِّ وَ فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللّهِ، رَأَيْتُ فِي الْمِنَامِ كَأَنَّ رَأْسِي قُطِعَ. قَالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ وَّهِ وَقَالَ: ((إِذَا
لَعِبّ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكُمْ فِي مَنَامِهِ، فَلا يُحَدِّثْ بِهِ النَّاسَ)). وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ: ((إِذَا لُعِبَ
بِأَحَدِكُمْ)» وَلَمْ يَذْكُرِ الشَّيْطَانَ.
(٣) - باب: في تأويل الرؤيا
٥٨٨٧ - (١٧) حدّثنا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، عَنِ الزُّبَيْدِيِّ.
أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ؛ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَوْ أَبَا هُرَيْرَةً كَانَ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ
(٣) - باب: في تأويل الرؤيا
١٧ - (٢٢٦٩) - قوله: (حدثنا حاجب بن الوليد) هو من شيوخ مسلم، ومن أفراد
صحيحة، ليس له في الأمهات الستة حديث إلا عند مسلم، وهو حاجب بن الوليد بن ميمون
الأعور أبو أحمد المؤدب الشامي نزيل بغداد. قال عبد الخالق بن منصور: قلت لابن معين:
ترى أن أكتب عنه؟ فقال: ما أعرفه وهو صحيح الحديث وأنت أعلم. وذكره ابن حبان في
الثقات، وقال الخطيب: كان ثقة. وقال ابن سعد وغيره: مات في رمضان سنة: ( ٢٢٨هـ) كذا
في تهذيب التهذيب (٢: ١٣٤).
قوله: (عن الزُبيديّ) بضم الزاي مصغراً، وهو محمد بن عامر الوبيديّ، قد اشتهر بسنته،
وهو من أثبت أصحاب الزّهريّ، وفضّله ابن معين على ابن عيينة، وفضّله الأوزاعيّ على جميع
من سمع من الزهريّ، وقد لازم الزهريّ عشر سنين، وقال فيه الزهري: قد حوى ما بين جنبيّ
من العلم. وقال ابن سعد: كان أعلم أهل الشام بالفتوى والحديث. وكان على بيت المال،
ومات سنة: ( ١٤٨ هـ) رحمه الله تعالى. وراجع التهذيب (٩: ٥٠٣).
قوله: (أن ابن عباس) قد أخرجه البخاري في التعبير، باب من لم ير الرؤيا لأول عابر
(٧٠٤٦)، وباب رؤيا الليل (٧٠٠٠)، وأبو داود في السنّة، باب في الخلفاء (٤٦٣٢ و ٤٦٣٣)،
والترمذي في الرؤيا، باب ما جاء في رؤيا النبي وَر (٢٢٩٣)، وابن ماجه في الرؤيا، باب تعبير
الرؤيا (٣٩٦٤ و ٣٩٦٥).
قوله: (أو أبا هريرة) كذا وقع بالشك في رواية الزبيدي، وكذلك روي عن معمر أنه كان
يقول أحياناً: عن أبي هريرة، وأحياناً يقول: عن ابن عباس، لكن انتهت روايته في الأخير إلى
ابن عباس، وكان يجزم بها. وجزم أكثر أصحاب الزهري بكونه من مرويات ابن عباس، وجزم
شعيب وإسحاق بن يحيى عن الزهريّ بكونه من رواية أبي هريرة، كما أخرج عنهما الذهلي في