Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ كتاب: الطب (١٧) - باب: السحر ٥٦٦٧ _ (٤٣) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: الحيّة يؤخذ من لحمها، وهذا علاج النفس الغضبية توضع اليد على بدن الغضبان فيسكن. فكأن أثر تلك العين كشعلة نار وقعت على جسد، ففي الاغتسال إطفاء لتلك الشّعلة. ثم لما كانت هذه الكيفية الخبيئة تظهر في المواضع الرقيقة من الجسد، لشدة النفوذ فيها، ولا شيء أرقّ من المغابن، فكان في غسلها إبطال لعملها، ولا سيما أن للأرواح الشيطانية في تلك المواضع اختصاصاً. وفيه أيضاً وصول أثر الغسل إلى القلب من أرقّ المواضع وأسرعها نفاذاً، فتطفئ تلك النار التي أثارتها العين بهذا الماء)). إن هذا الغسل إنما ينفع بعد استحكام النظرة، فأما عند الإصابة وقبل الاستحكام، فقد أرشد الشارع إلى ما يدفعه بقوله في قصة سهل بن حنيف: ((هلاّ إذا رأيت ما يعجبك برّكت؟)) وفي رواية ابن ماجه: ((فليدع بالبركة)). وأخرج البزار وابن السنّي من حديث أنس رفعه: ((من رأى شيئاً فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوّة إلاّ بالله، لم يضرّه)). هذا ملخص ما في فتح الباري (١٠: ٢٠٤ و ٢٠٥). ثم ذكر أكثر العلماء أن الأمر بالغسل الوارد في حديث الباب للوجوب إذا خيف على المعيون من الهلاك، لأن وقاية المرء عن الهلاك واجب على كل أحد بقدر ما يستطيع، فإن طلب المعيون من العائن أن يتوضأ له بالصفة المذكورة، فلينجز طلبه ذلك. والله أعلم. وقد خاض الفقهاء مسألة وجوب القصاص والدية أيضاً، إذا تحقّق هلاك الرجل بإصابة العين. فقال القرطبي: ((لو أتلف العائن شيئاً ضمنه، ولو قتل فعليه القصاص أو الدية إذا تكرر ذلك منه بحيث يصير عادة، وهو في ذلك كالسّاحر عند من لا يقتله كفراً))، ولكن ذكر الحافظ في الفتح أن الشافعية منعوا القصاص في ذلك، وصرح النووي في الروضة بأنه لا دية فيه ولا كفارة، وهو الأوجه، لأن الحكم إنما يترتب على منضبط عام دون ما يختص ببعض الناس في بعض الأحوال مما لا انضباط له. كيف ولم يقع منه فعل أصلاً؟ وإنما غايته حسد وتمنّ لزوال نعمة، والذي ينشأ بإصابة العين حصول مكروه لذلك الشخص ولا يتعين ذلك المكروه في زوال الحياة. وقد ذكر العلماء أن العين تكون مع الإعجاب ولو بغير حسد، ولو من الرجل المحبّ، ومن الرجل الصّالح، فلم يتحقق فيه القصد الجنائي الذي تترتب عليه العقوبات، والله سبحانه أعلم. (١٧) - باب: السِخّر ٤٣ - (٢١٨٩) - قوله: (عن عائشة): هذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد، باب هل ٢٦٢ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ يَهُودِيُّ يعفى عن الذّمّي إذا سحر (٣١٧٥)، وفي بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده (٣٢٦٨)، وفي الطبّ، باب السّحر (٥٧٦٣)، وباب هل يستخرج السّحر؟ (٥٧٦٥)، وباب السّحر (٥٧٦٦)، وفي الأدب، باب قول الله تعالى: ﴿إن الله يأمركم بالعدل والإحسان﴾ (٦٠٦٣)، وفي الدعوات، باب تكرير الدعاء (٦٣٩١)، وأخرجه ابن ماجه في الطبّ، باب السّحر (٣٥٩٠). قوله: (سحر رسول الله ( صل﴿ يهوديّ) ههنا مسألتان: الأولى في حقيقة السّحر وأحكامه. والثانية: مدى تأثير السّحر على النبيِ وَّر . أما حقيقة السخّر، فكلمة ((السّحر)): في اللغة تُطلق على كلّ ما خَفي ولطف، ثم نقل هذا الاسم إلى كل ما خفي سببه أو تخيّل على غير حقيقته، وهو السّحر المصطلح المقصود بهذا الباب. وقد ذكر العلماء أنّ السّحر له أنواع مختلفة: الأول: (ما يقع بخداع وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عمّا يتعاطاه بخفّة يده، وإلى ذلك وقعت الإشارة بقوله تعالى: ﴿يُغَيِّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَّا تَتْعَى﴾ وفي قوله تعالى: ﴿سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ . ثم قد يكون هذا التخييل من طريق أسباب خفيّة لا يعلمها النّاظرون، فيزعمون أن ما يرونه واقع بغير سبب، وهو الذي يرجع إلى خفّة يد المشعوذ. وقد يكون من طريق التصرّف في خيال النّاظرين، فيتخيّلون غير الواقع واقعاً، وهو الذي يسمى في عهدنا ((مسمریزم)). والنوع الثاني من السّحر: ما يحدث في المسحور تغيّراً واقعيًّا، سواء وقع ذلك التغيّر في المزاج فقط مثل أن يصير الصحيح مريضاً. أو بالعكس، أو وقع التغير بانقلاب حقيقة الشيء. بأن يصير الجماد حيواناً، أو الحيوان جماداً. وهذا النوع الثاني من السّحر أنكرته جماعة من العلماء، مثل الإمام أبي بكر الجصّاص من الحنفيّة، وأبي جعفر الاستراباذي من الشافعية، وابن حزم من الظاهرية، وقالوا: إنّ السّحر لا يحدث في المسحور تغيّراً في الواقع، وإنما هو تخييل فقط، ومن ظهر على يده شيء من التغيّر بما يبدو أنه تغيّر واقعيّ، فإنه ليس إلا خداعاً. وقد أطال الإمام الجصّاص في الإنكار على هذا النوع، وراجع له أحكام القرآن (١: ٤٢ إلى ٤٩). ولكن ذهب جمهور العلماء إلى أن وقوع النوع الثاني من السّحر غير ممتنع عقلاً ولا شرعاً، واستدل المنكرون لهذا النوع الثاني من السّحر بقوله تعالى: ﴿وسحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بحسر عظيم﴾ فإن ما سماه القرآن الكريم سحراً عظيماً لم يزد على سحر الأعين وتخييل ما ليس بواقع، فدل على أن غاية ما يفعله السحرة هو سحر الأعين والتخييل، ٢٦٣ كتاب: الطب ولا يمكن لهم أن يقلبوا الأعيان أو يحدثوها. وأجاب عنه الجمهور بأن ((العظيم)) لا يجب أن يكون منحصراً في فرد واحد حتى لا يكون غيره عظيماً، بل يمكن أن يكون له أنواع وأفراد كثيرة كل واحد منها عظيم، وبأنه لا يلزم من كون هذا السحر عظيماً أن لا يكون غيره أعظم منه . وقال شيخ مشايخنا حكيم الأمة التهانويّ كثّفُهُ: ((لم يقم دليل عقلي ولا سمعي على امتناع انقلاب الأعيان أو حدوثها بالسحر حقيقة. وما نقل عن الفلاسفة من امتناع انقلاب الحقائق، فمرادهم بالحقائق الوجوب والامتناع والإمكان، لا حقائق الأجسام والأبدان. كيف ولهم تفصيلات في أبواب الكون والفساد تقتضي جواز انقلابها)) كذا في أحكام القرآن للتهانوي (١ : ٣٨). واستدل الجمهور أيضاً بما أخرجه مالك في موطأه (ص: ٧٢٣ التعوذ عند النوم) برواية القعقاع بن الحكيم عن كعب الأحبار، قال: ((لولا كلمات أقولهنّ لجعلتني اليهود حماراً فقيل له: وما هنّ؟ فقال: أعوذ بوجه الله العظيم الذي ليس شيء أعظم منه، وبكلمات الله التامّات التي لا يجاوزهنّ برّ ولا فاجر، وبأسماء الله الحسنى كلها ما علمت منها وما لم أعلم، من شرّ ما خلق وبرأ وذرأ)) وقال والدي تغلُّ تعالى في تفسيره («معارف القرآن)) (١: ٢٧٦) إن قوله: ((لجعلتني اليهود حماراً)) وإن كان يحتمل أن يكون استعارة ولكن المصير إلى المجاز لا حاجة إليه ما دام المعنى الحقيقيّ ممكناً. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: أما إمكان انقلاب الأعيان بالسّحر فالصحيح فيه مذهب الجمهور من أنه غير ممتنع عقلاً ولا شرعاً ما دام الرجل معتقداً بأنه لا يقع إلا بإذن الله وقدرته. أما وقوعه، فمبني على التجربة، وليس من العقائد الدينية في شيء، فلا يحتاج إلى كثير من البحث والتدقيق، والله سبحانه أعلم. أما حكم السّحر، فإن تعاطيه حرام بالإجماع، وإن كان مصحوباً بالعقيدة الفاسدة فإنه كفر، وبما أن السّحرة أكثر ما يعتقدون ما هو معارض لعقائد التوحيد، فإنّه أطلق على السّحر كلمة الكفر في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحْرَ﴾ وكان أهل بابل يعبدون الكواكب السبعة، ويسمونها آلهة، ويعتقدون أنها الفعالة لكل ما في العالم، وعملوا أوثاناً على أسمائها وكان السّحرة منهم يستعملون سائر وجوه السحر وينسبونها إلى الكواكب. وكذلك ما يفعله بعض السّحرة من الاستعانة بالشياطين بضرب من التقرب إليهم معتقدين بأنها متصرفة في هذه الأمور، لا شكّ في كونه كفراً. وحكم مثل هذا السّاحر أنه يقتل، لأنه مرتدّ أو زنديق. وأما السّحر الذي لا يتضمن شيئاً من العقائد أو الأعمال المؤدية إلى الشرك، فإنه ليس ٢٦٤ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم كفراً، ولكنه حرام يعزّر فاعله، إلّا إذا تعاطاه أحد لإزالته عمن وقع عليه، فقد جوّزه العلماء كما صرح به الحافظ في الفتح. أما المسألة الثانية فهي: هل يجوز أن يتأثر بالسّحر نبيّ من الأنبياء؟ ودلّ حديث الباب على جوازه، ولكن أنكره بعض العلماء أن يكون للسّحر تأثير على الأنبياء عليهم السّلام، وتوغّل الإمام أبو بكر الجصّاص تخلّفُ في الردّ على من يجوّز تأثر الأنبياء بالسّحر، حتّى أنكر صحة حديث الباب، وقال في أحكام القرآن (١: ٤٩): ((ومن صدّق هذا (أي: صدق انقلاب الأعيان بالسحر) فليس يعرف النبوّة، ولا يأمن أن تكون معجزات النبي ◌ّ﴿ من هذا النوع، وأنهم كانوا سحرة، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَى﴾. وقد أجازوا من فعل السّاحر ما هو أعظم من هذا وأفظع. وذلك أنهم زعموا أن النبي ◌َّ سُحر، وأنّ السّحر عمل فيه، حتى قال فيه: إنه يتخيل لي أنّي أقول الشيء وأفعله، ولم أقله ولم أفعله ... وقد قال الله تعالى مكذّباً للكفّار فيما ادعوه من ذلك للنبي بَّ، فقال جلّ من قائل: ﴿وَقَالَ الَّلِمُونَ إِن تَتَِّعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾، ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين تلعباً بالحشو الطغام ... وجائز أن تكون المرأة اليهودية بجهلها فعلت ذلك ظنًّا منها بأن ذلك يعمل في الأجساد، وقصدت به النبي بَّر، فأطلع الله نبيه على موضع سرّها وأظهر جهلها فيما ارتكبت وظنّت، ليكون ذلك من دلائل نبوته، لا أن ذلك ضرّه وخلط عليه أمره. ولم يقل كل الرواة أنه اختلط عليه أمره، وإنما هذا اللفظ زيد في الحديث ولا أصل له)). لكن قال شيخنا العثمانيّ التّهانويّ كَُّ في أحكام القرآن له (١: ٤٥): ((وما قاله الجصّاص تقُّ إن مثل هذه الأخبار من وضع الملحدين ... وإنما هذا اللفظ زيد في الحديث ولا أصل له، فلم أجد له وجهاً وجيهاً، فإن الحديث قد جاء عن غير واحد من الصحابة، عن غير واحد من الطرق الصحيحة بأسانيد رجالها كلهم ثقات. والذي حمل الجصّاص ومن تبعه على ردّ الحديث أن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعه من الشرائع، إذ يحتمل هذا أن يخيّل إليه. أنه يرى جبريل وليس هو ثمّ، وأنه يوحى إليه بشيء ولم يوح إليه بشيء)). ثم أجاب الشيخ عن هذه الشبهة بقوله: ((قلنا: لا مجال لهذا الاحتمال، وإنما يتأتى ذلك لو نقل عنه في خبر من الأخبار أنه قال قولاً، فكان بخلاف ما أخبر به، ولم ينقل عنه في خبر من الأخبار ما يوهم ذلك. والدليل قد قام على صدق النبي ◌ّ فيما يبلغه عن الله تعالى، وعلى عصمته في التبليغ، والمعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل. وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها، ولا كانت الرسالة لأجلها، فهو في ذلك عرضة لما يتعرض البشر كالأمراض، فغير بعيد أن يخيّل إليه في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين». ٢٦٥ كتاب: الطب مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ. يُقَالُ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَم قَالَتْ: حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللهِ وَه ٠. وقال الحافظ في الفتح (١٠: ٢٢٧): ((وقد قال بعض العلماء: لا يلزم من أنه كان يظنّ أنه فعل الشيء ولم يكن فعله أن يجزم بفعله ذلك، وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر يخطر ولا يثبت، فلا يبقى على هذا للملحد حجة ... وقال المهلب: صون النبي وّل من الشياطين لا يمنع إرادتهم كيده، فقد مضى في الصحيح أن شيطاناً أراد أن يفسد عليه صلاته، فأمكنه الله منه، فكذلك السّحر ما ناله من ضرره ما يدخل نقصاً على ما يتعلق بالتبليغ، بل هو من جنس ما كان يناله من غير سائر الأمراض من ضعف عن الكلام، أو عجز عن بعض الفعل، أو حدوث تخيّل لا يستمّر، بل يزول، ويبطل الله كيد الشياطين)). وأفاد شيخ مشايخنا الشيخ محمد أشرف على التهانويّ كَثُّهُ، كما حكى عنه شيخنا العثماني في أحكام القرآن (١: ٤٧) أن تأثر الأنبياء بالسّحر ثابت في حق موسى الظُّل بنصّ القرآن، حيث قال: ﴿ويخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ أي: إلى موسى عليّا. وقال تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ، ◌ِفَةٌ مُوسَى ﴾﴾ فالظاهر أنه ظنّها حيّات، فخاف منها على نفسه أو على أمته. قال العبدالضعيف عفا الله عنه: حاصل البحث أن التأثر بالسّحر شأنه شأن الأمراض والعوارض الظاهرة التي يتعرض لها كلّ بشر، ولم يقل أحد، ولا يمكن أن يقول إن الأنبياء عليهم السلام لا يتعرضون للأمراض والعوارض الظاهرة، ولكن تظافرت الأدلّة على أن هذه الأمراض والعوارض لا تؤثر، ولا يمكن أن تؤثر على الأنبياء بما يورث الإخلال بوظائف رسالتهم. والأمراض لها أسباب متنوعة، بعضها ظاهرة وبعضها خفيّة، فلا يمتنع حينئذ أن تطرأ على الأنبياء أمراض بسبب خفيّ من السّحر ونحوه، ولكنّها لا يمكن أن تخلّ بمنصب رسالتهم أو تعوقهم عن أداء وظيفتهم الأساسية، أو تغيّر في الشرائع التي بعثوا لأجل تبليغها، فإن الله تعالى عصمهم في ذلك عن أيّ تأثير معارض، سواء كان ذلك التأثير من قبل أسباب ظاهرة أو من قبل أسباب خفيّة. وقد دلّت عدة أحاديث، كما سنبين إن شاء الله تعالى، أن التأثر المذكور في حديث الباب كان نوعاً من المرض طرأه بسبب السّحر، فإن كان من الممكن أن تطرأ عليه بعض الأمراض لأسباب ظاهرة معلومة، ولا يقدح ذلك في رسالته، فكيف يقدح هذا المرض برسالته لمجرد أنه حدث بسحر ساحر. فلا ينبغي تهويل هذا الأمر بما يؤدي إلى ردّ الأحاديث الصحيحة التي لا مجال لإنكارها من حيث الإسناد. وأما نقله القرآن الكريم من دعوى الكفار: ﴿إِن تَِّعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْخُورًا﴾ فمراده أنهم كانوا يتهمون النبي وَّر بأنّ ما يدعو إليه من الدين والشريعة إنّما هو أثر سحر، وليس من الحقيقة في شيء، وقد سبق أن قلنا إن النبي ◌َّر معصوم من أن يتأثر بالسّحر بما يخلّ برسالته وحاشاه عن ذلك. ولا يستلزم ذلك أن لا يتأثر بمرض عام يحدث عن طريق السّحر، ولا يخلّ بمنصب رسالته، والله أعلم. قوله: (من يهود بني زريق، يقال له لبيد بن الأعصم) قد صرّح الراوي في هذه الرواية بأنه ٢٦٦ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ، وَمَا يَفْعَلُهُ. حَتَّى إِذَا كَانَ كان يهوديًّا، وقد وقع في رواية لابن عيينة عند البخاري (٥٧٦٥): ((رجل من بني زريق حليف ليهود، كان منافقاً)) وجمع بينهما الحافظ في الفتح بأن من أطلق أنه يهوديّ، نظر إلى ما في نفس الأمر، ومن أطلق عليه منافقاً، نظر إلى ظاهر أمره، ويحتمل أن يكون قيل له يهوديّ لكونه من حلفائهم، لا أنه كان على دينهم. وبنو زريق بطن من الأنصار مشهور من الخزرج، وكان بين كثير من الأنصار واليهود حِلف وإخاء قبل الإسلام. فلما جاء الإسلام تبرأ الأنصار منهم. وأخرج البيهقي في دلائل النبوة (٧: ٩٢) من طريق عمرة عن عائشة قالت: ((كان لرسول الله 18 غلام يهودي يخدمه يقال له لبيد بن أعصم، وكان تعجبه خدمته، فلم تزل به يهود حتى سحر النبي وَآ". وقد بيّن الواقدي السنة التي وقع فيها السّحر فيما أخرجه عنه ابن سعد بسند له إلى عمر بن الحكم مرسلاً، قال: ((لما رجع رسول الله ◌ّله من الحديبية في ذي الحجّة ودخل المحرم من سنة سبع جاءت رؤساء اليهود إلى لبيد بن الأعصم - وكان حليفاً في بني زريق وكان ساحراً - فقالوا له: يا أبا الأعصم! أنت أسحرنا، وقد سحرنا محمداً فلم نصنع شيئاً، ونحن نجعل لك جُعلاً على أن تسحر لنا سحراً ينكؤه، فجعلوا له ثلاثة دنانير)) ووقع في رواية أبي ضمرة عند الإسماعيليّ: ((فأقام أربعين ليلة)). وقال السّهيليّ: ((لم أقف في شيء من الأحاديث المشهورة على قدر المدة التي مكث النبي ◌َّيه فيها في السّحر حتى ظفرت به في جامع معمر عن الزهري أنه لبث ستة أشهر)) وأيده الحافظ بحديث أخرجه أحمد في مسنده (٦: ٦٣) بإسناد موصول صحيح. وراجع فتح الباري (١٠ : ٢٢٦) والله سبحانه أعلم. قوله: (يخيّل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله) أي: يزعم أنه فعل شيئاً لم يفعله، وجاء ذلك مشروحاً في رواية ابن عيينة عند البخاري، ولفظه: ((حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهنّ)) وفي مرسل يحيى بن يعمر عند عبد الرزاق: ((سحر النبي وَلّر عن عائشة حتى أنكر بصره))(١) وعنده في مرسل سعيد بن المسيب: ((حتى كاد ينكر بصره)) وفي رواية عمرة عن عائشة عند البيهقي في الدلائل (٧: ٩٢) ((فكان يذوب ولا يدري ماوجعه؟)) وفي حديث ابن عباس عند ابن سعد في طبقاته: ((مرض النبي وَ ل﴿ وأخذ عن النساء والطعام والشراب)). ودلت هذه الروايات على أنه كان نوعاً من المرض حدث له وَ له بسبب هذا السّحر. وفسّر (١) كذا نقله الحافظ في الفتح، ولم أجده في النسخة المطبوعة من مصنف عبد الرزاق، لفظه في مرسل يحيى بن يعمر ١٤/١١: ((حبس رسول الله ( 8) عن عائشة سنة)) ولم يذكر ((حتى أنكر بصره)). وأما مرسل ابن المسيب وعروة فلفظة ((حتى كاد النبي وَ ﴿ يغض بصره)) والله أعلم. ٢٦٧ كتاب: الطب ذَاتَ يَوْمِ، أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ، دَعَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ، ثُمَّ دَعًا، ثُمَّ دَعَا. ثُمَّ قَالَ: (يَا عَائِشَةُ! أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟ جَاءَنِي رَجُلاَنٍ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسي وَالآخَرُ عِنْدَ القاضي عياض هذا التخييل بقوله: ((يحتمل أن يكون المراد بالتخييل المذكور أنه يظهر له من نشاطه ما ألفه من سابق عادته من الاقتدار على العطاء، فإذا دنا من المرأة فترعن ذلك كما هو شأن المعقود)) وذكر الحافظ عن بعض العلماء أنه كان ◌َ له يخيّل إليه أنه وطئ زوجاته ولم يكن وطأهنّ. وهذا كثيراً ما يقع تخيلّه للإنسان في المنام، فلا يبعد أن يخيّل إليه في اليقظة. والله سبحانه أعلم. ووقع في مرسل عبد الرحمن بن كعب عند ابن سعد: ((فقالت أخت لبيد بن الأعصم: إن يكن نبياً فسيخبر، وإلّا فسيذهله هذا السّحر حتى يذهب عقله)) فوقع الشقّ الأول وأخبر رسول الله صل﴿ بذلك في أول مراحل السّحر. قوله: (ذات يوم، أو ذات ليلة) شك من الراوي، وحقق الحافظ في الفتح أنه من عيسى بن يونس، ويبدو أنه من أحد غيره فإنه غير مذكور في طريق مسلم، مع أن الشكّ موجود، والله أعلم. قوله: (دعا رسول اللهِوَ ل، ثمّ دعا، ثمّ دعا) حمله الحافظ في الفتح على ما هو المعهود منه أنه كان يكرر الدعاء ثلاثاً. ولكن الظاهر أن مراد عائشة ﴿ّا أنه وَ ر دعا طويلاً، ولم ترد تعيين العدد، ويؤيده ما في رواية أبي أسامة عند البخاري في باب السحر وفي مسند أحمد (٦: ٦٣): ((حتى إذا كان ذات يوم وهو عندها دعا الله عزّ وجلّ ودعاه)) ومثله إنما يقال للدلالة على الإكثار أو الإطالة، والله أعلم. قوله: (أفتاني فيما استفتيته فيه) أي: أجابني فيما سألته عنه. وفي رواية عمرة عند البيهقي في الدلائل: ((قد أنبأني بوجعي)). قوله: (جاءني رجلان) ووقع في رواية عمرة عند البيهقي في الدلائل (٧: ٩٢): ((فبينما رسول الله (8﴿ ذات ليلة نائم إذ أتاه ملكان)) وهذا يدلّ على أن قصة إتيان الرجلين إنما وقعت في المنام، وحمله الحافظ في الفتح على أنه لو كان بصفة النائم وهو يقظان، فتخاطبا وهو يسمع. وذكر أنه وقع في حديث ابن عباس عند ابن سعد بسند ضعيف جدًّا: «فهبط عليه ملكان وهو بين النائم واليقظان)). وأخرج النسائي وابن سعد، والحاكم وعبد بن حميد عن زيد بن أرقم: (سحر النبي ◌َّ رجل من اليهود، فاشتكى لذلك أيّاماً، فأتاه جبريل فقال: إن رجلاً من اليهود سحرك إلخ)» ودل ذلك على أن أحد الملكين كان جبريل. وذكر الحافظ أن الآخر ميكائيل، ولم أقف على مأخذه، والله أعلم. ٢٦٨ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم رِجْلَيَّ. فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلَّذِي عِنْدَ رِجْلَيٍّ، أَوِ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ. قَالَ: مَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ. قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ. قَالَ: وَجُبِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ. قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِثْرِ ذِي أَرْوَانَ)) . قوله: (ما وجع الرجل؟) وفي رواية ابن عيينة عند البخاري: ((ما بال الرجل)) والحاصل أن أحدهما سأل الآخر عن وجع رسول الله صل، وهذا اللفظ يدل على أن ما أصاب رسول الله وَله إنما كان نوعاً من المرض حدث بسبب سحر. قوله: (مطبوب) أي هو مسحور. يقال: طُبّ الرجل بضم الطاء، إذا سُحر، ويقال: إنهم كنوا عن السحر بالطبّ تفاؤلاً، كما قالوا للديغ سليم. وقال ابن الأنباري: الطب من الأضداد، يقال لعلاج الداء طبّ، والسحر من الداء، ويقال له طبّ. وأخرج أبو عبيد من مرسل عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: ((احتجم النبي ◌ّر على رأسه بقرن حين طبّ))، قال أبو عبيد: يعني سحر. وقال ابن القيّم، ((بنى النبي ◌َّر الأمر أوّ لا على أنه مرض، وأنه عن مادة مالت إلى الدماغ وغلبت على البطن المقدم منه فغيّرت مزاجه، فرأى استعمال الحجامة لذلك مناسباً. فلما أوحي إليه أنه سحر عدل إلى العلاج المناسب له، وهو استخراجه)) ذكره الحافظ في فتح الباري (١٠ : ٢٢٩). قوله: (في مشط ومشاطة) بضم الميم فيهما، وقد تكسر ميم المشط، وهو الآلة المعروفة التي يسرّح بها الشّعر، وقد تضمّ شِينه أيضاً. وقد يطلق اسم المشط على العظم العريض في الكتف، وعلى سلاميات ظهر القدم، وعلى نبت صغير يقال له مشط الذنب. وقال القرطبي: يحتمل أن يكون الذي سحر فيه النبي ◌َّ أحد هذه الأربع. وأما المشاطة، فهي الشعر الذي يسقط من الرأس أو اللحية عند تسريحه. وذكر البخاري أن المشاطة ربما تطلق على الكتّان أيضاً، فكأن اللفظ مشترك بين الشّعر إذا مشط، وبين الكتّان إذا سُرح. وورد في بعض الروايات ((مُشاقة)) بالقاف، وهي بنفس المعنى، والقاف ربما تبدل من الطاء لقرب المخرج. قوله: (وُجب طلعة ذكر) الجُبّ بضم الجيم، وهو دعاء طلع النخل، أي الغشاء الذي عليه. ووقع في بعض الروايات (جفّ)) بالفاء بدل الباء، وهو بنفس المعنى، ويطلق على الذكر والأنثى، فلذلك قيّده في الحديث بقوله: ((طلعة ذكر))، وهو بإضافة ((طلعة)) إلى ((ذكر)). أي طلعة نخل مذكر. ورواه بعضهم بتنوين ((طلعة)) على أن قوله: ((ذكر)) صفة لجبّ. قوله: (في بئر ذي أروان) ووقع في بعض الروايات («بئر ذروان بفتح الذال وسكون الراء، وذكر الحافظ أنه في الأصل ((بئر ذي أروان)) ثم سهلت الهمزة لكثرة الاستعمال فصارت (ذروان)) ٢٦٩ كتاب: الطب قَالَتْ: فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ فِي أُنَاسِ مِنْ أَصْحَابِهِ. ثَمَّ قَالَ: ((يَا عَائِشَةُ! وَاللَّهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ)). قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَلا أَحْرَقْتَهُ؟ قَالَ: ((لاَ، أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللَّهُ. وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا، فَأَمَرْتُ بِهَا فَدُفِنَتْ)). وهي بئر بالمدينة في بستان بني زريق، وفي رواية ابن عيينة عند البخاري: ((تحت راعوفة في بئر ذي أروان)) والراعوفة حجر يوضع على رأس البئر لا يستطاع قلعه يقوم عليه المستقي، وقد يكون أسفل البئر. قوله: (فأتاها رسول الله ﴿ في أناس من أصحابه) هذا صريح في أن النبي ◌َّ ذهب إلى البئر بنفسه، ووقع مثله في دلائل النبوة للبيهقي: ((فلما أصبح غدا رسول الله وَّلير وغدا معه أصحابه إلى البئر)) لكن وقع في حديث ابن عباس عند ابن سعد: ((فبعث إلى عليّ وعمّار، فأمرهما أن يأتيا البئر)) وعنده في مرسل ابن الحكم: ((فدعا جبير بن إياس الزرقي، وهو ممن شهد بدراً، فدله على موضعه في بئر ذروان فاستخرجه)) ويقال: الذي استخرجه قيس بن محصن الزرقيّ. ويجمع بأنه أعان جبيراً على ذلك وباشره بنفسه فنسب إليه، وبأن النبي ◌َ ◌ّر وجّههم أولاً، ثم توجه فشاهدها بنفسه، والله أعلم. قوله: (لكأنّ ماءها نُقاعة الحنّاء) يعني: أن لون مائه أحمر، كأنه لون الماء الذي ينقع فيه الحنّاء. والنُقَاعة بضم النون، وهو الماء الذي يكون يتلوّن بلون ما يلقى فيه. وإنما تغيّر لون الماء إما لرداءته لطول الإقامة، أو لما خالطه من الأشياء التي ألقت فيه. قوله: (ولكأنّ نخلها رؤوس الشياطين) وفي رواية عمرة عند البيهقي في الدلائل: ((وإذا نخلها الذي يشرب من مائها قد التوى سعفه كأنه رؤوس الشياطين)) ويحتمل أن يكون شبه طلعها برؤوس الشياطين لقبح منظرها، ويحتمل أن يكون المراد بالشياطين الحيّات، وهناك شجر الزقوم شبّهت فروعها برؤوس الشياطين، فشبّه رسول الله وَّر النخل بالزّقّوم، والله أعلم. وزاد البيهقي في دلائل النبوة (٧: ٩٤) في روايته عن أبي بكر بن محمد عن عمرة: ((قال: فنزل رجل فاستخرج جفّ طلعة من تحت الراعوفة، فإذا فيه مشط رسول الله وَلقر، ومن مراطة رأسه، وإذا تمثال من شمع تمثال رسول الله وَلتر، وإذا فيها أبر مغروزة، وإذا وَتْر فيه إحدى عشرة عقدة. فأتاه جبريل عليّ* بالمعوذتين. فقال: يا محمّد! قُلْ أعُوذُ بِرَبِ الفَلَقِ، وحلّ عقدة، مِنْ شَرّ مَا خَلَقَ، وحل عقدة، حتى فرغ منها، ثم قال: قَلْ أعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ وحلّ عقدة، حتى فرع منها، وحّل العقد كلّها. وجعل لا ينزع إبرة إلّا وجد لها ألماً، ثم يجد بعد ذلك راحة، فقيل: يا رسول الله! لو قتلت اليهوديّ، فقال رسول الله وَلقول: قد عافاني الله عزّ وجل، وما وراءه من عذاب الله أشدّ. قال: فأخرجه)). ٢٧٠ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٥٦٦٨ - (٤٤) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: سُحِرَ رَسُولُ اللَّهِ بِ وَسَاقَ أَبُو كُرَيْبِ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ نُمْيْرٍ. وَقَالَ فِيهِ: فَذَهَبَ رَسُولُ اللّهِ بَلْهِ إِلَى الْبِثْرِ. فَنَظَرَّ إِلَيْهَا وَعَلَيْهَا نَخْلٌ. وَقَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَأَخْرِجْهُ. وَلَمْ يَقُلْ أَفَلاَ أَخْرَقْتَهُ؟ وَلَمْ يَذْكُرْ: ((فَأَمَرْتُ بِهَا فَدُفِنَتْ)). (١٨) - باب: السم ٥٦٦٩ - (٤٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ شَه ◌ِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ قوله: (أفلا أحرقته؟) الظاهر أن الضمير راجع إلى ما خرج من البئر مما عقد عليه السّحر، ومراد عائشة أن يحرق ذلك أمام الناس استئصال شأفته، وليكون عبرة للناس، ويناسبه جواب رسول الله ◌َ* بأنّ ذلك يحتمل إثارة شرّ على الناس بإشاعة خبر السّحر وتذكره وتعلّمه. وذكر القرطبي أن الضمير راجع إلى لبيد بن الأعصم، واقترحت عائشة رضيها أن يحرق الرجل ليكون نكالاً للناس، ويؤيده ما روينا من حديث عمرة في دلائل البيهقي، ولفظه: ((فقيل: يا رسول الله! لو قتلت اليهوديّ)). وورد في الطريق الآتي: ((فأخرجه)) مكان قولها: ((أفلا أحرقته))، ولعلّ المراد من الإخراج أن يعلم به الناس، ويؤيده ما في مسند أحمد (٦: ٩٦): ((فأخرجته للناس)). ووقع في رواية ابن عينية عند البخاري: ((أفلا، أي: تنشرت)) والنشر علاج السحر بالنشرة، والنشرة علاج لدفع مضرة السّحر. قوله: (كرهت أن أثير إلخ) فيه ترك مصلحة لدفع مفسدة أعظم منها، وفيه جواز النشرة، لأنه ولو لم يجبها بأن النشرة لا تجوز، وإنما علّل امتناعه بإثارة فتنة، والله أعلم. قوله: (فأمرت بها فدفنت) أي: البئر، وذكر السمهوديّ في وفاء الوفاء (٣: ١١٣٨) أن الذي هوّرها هو الحارث بن قيس وأصحابه، قال: ((وحفروا بئراً أخرى فأعانهم رسول الله وَليل على حفرها حتى استنبطوا ماءها، ثم تهورت بعد)) وراجع أيضاً طبقات ابن سعد (٢: ١٩٨). (١٨) - باب: السّمّ ٤٥ - (٢١٩٠) - قوله: (عن أنس) هذا الحديث أخرجه البخاري في الهبة، باب قبول الهدية من المشركين (٢٦١٨)، وأبو داود في الديات، باب فيمن سقى رجلاً سماً أو أطعمه فمات، أيقاد منه (٣٥٠٨). قوله: (أنّ امرأة يهوديّة) ذكر أصحاب السّير أن اسمها زينب بنت الحارث، وزوجها ٢٧١ كتاب: الطب فَأَكَلَ مِنْهَا. فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. فَسَأَلَهَا عَنْ ذُلِكَ؟ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ. قَالَ: ((مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلْطَكِ عَلَى ذَاكِ)) قَالَ: أَوْ قَالَ: ((عَلَيَّ)) قَالَ: قَالُوا: أَلاَ نَقْتُلهَا؟ قَالَ: ((لاَ)) قَالَ: سلام بن مشكم، وذكر أبو داود في سننه أنها أخت مرحب. وتفصيل القصة ما ذكره ابن هشام في سيرته (٤: ٤٤) رواية عن ابن إسحاق، قال: ((فلما اطمأنّ رسول الله وَ ◌ّ ر أهدت له زينب بنت الحارث، امرأة سلام بن مشكم، شاة مصليّة، وقد سألت: أي عضو من الشاة أحبّ إلى رسول الله وَّر؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها من السمّ، ثم سمّت الشاة، ثم جاءت بها، فلما وضعتها بين يدي رسول الله 18 تناول الذراع، فلاك منها مضغة، فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن معرور قد أخذ منها كما أخذ النبي وَله. فأمّا بشر فأساغها، وأما رسول الله وَله فلفظها، ثم قال: إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم، ثم دعا بها فاعترفت، فقال: ما حملك على ذلك؟ قالت: بلغت من قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان ملكاً استرحت منه، وإن كان نبياً فيخبر. قال: فتجاوز عنها رسول الله وَلير، ومات بشر من أكلته التي أكل)). قوله: (فجيئي بها إلى رسول الله ( #) وفي رواية ابن شهاب عن جابر عند أبي داود في سننه (٤٥١٠) (وهي رواية منقطعة): ((وأرسل رسول الله و الله إلى اليهودية فدعاها، فقال لها: أسممت هذه الشاة؟ قالت اليهودية: من أخبرك؟ قال أخبرتني هذه في يدي، للذراع. قالت: نعم قال: فما أردت إلى ذلك؟ قالت: قلت: إن كان نبيًّا فلن يضرّه، وإن لم يكن استرحنا منه. فعفا عنها رسول الله وَ﴿ ولم يعاقبها. وتوفى بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة. واحتجم رسول الله ◌َر على كاهله من أجل الذي أكل من الشّاة، حجمه أبو هند بالقرن والشفرة، وهو مولى لبني بياضة من الأنصار)). قوله: (قالوا: ألا نقتلها؟ قال: لا) هذا صريح في أن النبي وَل﴿ لم يقتلها، وييده ما ذكرنا من رواية ابن إسحاق، ورواية جابر ظُه. لكن أخرج أبو داود (٤٥١١) عن أبي سلمة مرسلاً: ((فأمر بها رسول الله (َ﴿ فقتلت)) وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن معمر أنه قال: ((والناس يقولون: قتلها)) وأخرج ابن سعد في طبقاته (٢: ٢٠١) من طريق ابن لهيعة عن عمر مولى عفرة قال ((أمر رسول الله وَل بقتل المرأة التي سمت الشاة))، وأخرج عن شيخه الواقدي هذه القصة وفي آخرها: ((قال: فدفعها إلى ولاة بشر بن البراء فقتلوها))، وذكر ابن سعد إنه الثابت (الطبقات ٢: ١٠٧ و٢٠٢) فإن صحت هذه الروايات - على ما فيها من منافر إسنادية ربما لا نقوم معها الحجة - فالجمع بين الروايات على ما ذكره السّهيلي في الروض الأنف (٤: ٦٢) إنه ◌َّلر صفح عنها في أول الأمر لأنه كان * لا ينتقم لنفسه، فلما مات بشر بن البراء من تلك الأكلة قتلها، وذلك أن بشراً لم يزل معتلاً من تلك الأكلة حتى مات منها بعد حول. وحاصله أنه وَّه إنما أخر قتلها بعد ما تحقق موت بشر رظله بسبب ذلك السم، وهو الذي اختاره القاضي عياض والنووي. ٢٧٢ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُها فِي لَهَواتِ رَسُولِ اللَّهِ اِه. قلت: لو صح هذا؛ فإنه دليل على وجوب القصاص على من قتل رجلاً بسقي السم، وهو خلاف المعروف من مذهب أبي الحنيفة: ولكن أفتى متأخرونا من الحنفية في هذه المسألة بقول الجمهور دفعاً لشر المتمردين، وقد فرغنا عن هذا المبحث في كتاب القسامة والديات بفضل الله تعالی . قوله: (فما زلت أعرضها في لهوان رسول الله (#) اللهوان: لفتح اللام والهاء، جمه لهان، وهي سقف الفم، أو اللحمة المشرفة على الحلق، وقيل: هي أقصى الحلق، وقيل: ما يبدو من الفم عند التبسم. أما قول عائشة: ((فما زالت أعرفها)) أي: علامة ذلك السحر، كأنه بقي للسم علامة وأثر من سواد أو غيره. وقد أخرج البخاري من باب مرض النبي وَ ﴿ ووفاته (٤٤٢٨) تعليماً عن عائشة ، قالت: ((كان النبي ◌ّيه يقول في مرضه الذي مات فيه: يا عائشة! ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم)) ووصله البراز والحاكم والإسماعيلي، كما ذكره الحافظ في تعليق التعليق (٤: ١٦٢) وصححه الحاكم في المستدرك (٣: ٥٨) وأقره عليه الذهبي. وأخرج ابن سعد في طبقاته (٢: ٢٠٢) عن طريق شيخه الواقدي هذه القصة مطولة، وفيها: ((وتناول رسول الله وي طور الذراع فانتهش منها وتناول بشر بن البراء عظماً آخر فانتهش منها. قلما ازدرد رسول الله ولو لقمته ازدرد بشر بن البراء ما في فيه، وأكل القوم منها . فقال رسول الله وَّر: ((ارفعوا أيديكم، فإن هذه الذراع، وقال بعضهم إن كتف الشاة، تخبرني أنها مسمومة، فقال بشر: والذي أكرمك لقد وجدت ذلك من أكلتي التي أكلت حين التقمتها، فما منعني أن ألفظها إلا أني كرهت أن أبغض إليك طعامك، فلما أكلت ما في فيك لم أرغب بنفسي عن نفسك، ورجوت أن لا تكون ازدردتها وفيها بغي، فلم يقم بشر من مكانه حتى عاد لونه كالطيلسان، وماطله وجعه سنة لا يتحوّل إلّا ما حُوّل، ثم مات ... قال: وطُرح منها لكلب فأكل فلم يتبع يده حتى مات ... واحتجم رسول الله وَّير على كاهله من أجل الذي أكل. حجمه أبو هند بالقرن والشفرة، وأمر رسول الله وَم أصحابه، فاحتجموا أوساط رؤوسهم. وعاش رسول الله ◌َطير بعد ذلك ثلاث سنين، حتى كان وجعه الذي قبض فيه جعل يقول في مرضه: ((ما زلت أجد من الأكلة التي أكلتها يوم خيبر عداداً (أي وجعا يعتادني) حتى كان هذا أوان انقطاع أبهري، وهو عرق في الظّهر، وتوفي رسول الله وَطير شهيداً)) وأخرج الحاكم في المستدرك (٣: ٢١٩) عن أم بشر (وهي أم بشر بن البراء الذي مات بالسمّ) قالت: ((دخلت على رسول الله وَ﴿ في وجعه الذي قبض فيه، فقلت: بأبي أنت يا رسول الله! ما تتهم بنفسك؟ فإني لا أتّهم بابني إلّا الطعام الذي أكله معك بخيبر. وكان ابنها بشر بن البراء بن معرور مات قبل النبي وَّر، فقال رسول الله وَطاهر: وأنا لا أتهم غيرها. هذا أوان انقطاع أبهري)) وصححه الحاكم ٢٧٣ كتاب: الطب ٥٦٧٠ - (٠٠٠) وحدّثنا هارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ زَيْدٍ. سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ؛ أَنَّ يَهُودِيَّةً جَعَلَتْ سَمَّا فِي لَحْمٍ. ثُمَّ أَتَتْ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ، بِنَحْوِ حَدِيثٍ خَالِدٍ. (١٩) - باب: استحباب رقية المريض ٥٦٧١ - (٤٦) حدّثنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا . وَقَالَ زُهَيْرٌ - وَاللَّفْظُ لَهُ -: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ)، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَهَ، إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانٌ، مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ. ثُمَّ قَالَ: وأقره الذهبي. والأبهر: عرق مستبطن بالظهر متصل بالقلب، إذا انقطع مات صاحبه. كذا فسره الحافظ في الفتح (٨: ١٣١). وأخرج الحاكم أيضاً في المستدرك (٣: ٥٨) عن عبد الله بن مسعود ظله قال: («لأن أحلف تسعاً أن رسول الله وَ﴿ قُتل قتلاً أحبّ إليّ من أن أحلف واحدة أنه لم يقتل. وذلك أن الله عزّ وجلّ اتخذه نبياً واتخذه شهيداً)). وهذه الأحاديث تدل على أن أثر سمّ اليهوديّة بقي إلى آخر عمره وَّر، وكان هو السبب الظاهر في وفاته، ولا ينافي هذا قوله ◌َّلر لليهودية: ((ما كان الله ليسلّطك على ذاك)) لأن مراده أن وفاتي بيد الله سبحانه، ولا يسلّطك الله عليّ بأن أموت حسب إرادتك، ووقع كما قال وَّر، لأنه عاش ثلاث سنين بعد ذلك، وذلك على الرغم من كون السمّ شديد التأثير، كما مر عن الواقدي. والله أعلم. (١٩) - باب: استحباب رقية المريض ٤٦ - (٢١٩١) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في المرضى، باب دعاء العائد للمريض (٥٦٧٥)، وفي الطبّ، باب ما جاء في رقية النبي ◌َّر (٥٧٤٣ و٥٧٤٤)، وباب مسح الراقي الوجع بيده اليمنى (٥٧٥٠)، وأخرجه ابن ماجه في الجنائز، باب ما جاء في ذكر مرض رسول الله ◌َير (١٦١٩)، وفي الطبّ باب ما عوذ به النبي وَلّر (٣٥٦٥). قوله: (إذا اشتكى منّا إنسان) وفي رواية إبراهيم عن مسروق عند البخاري: ((كان إذا أتى مريضاً أو أتى به إليه)) وفي رواية مسلم عن مسروق عنده أيضاً: ((أن النبي وس - كان يعوّذ أهله، یمسح بيده الیمنی إلخ)). قوله: (مسحه بيمينه) أي موضع الوجه. قال الطبري: هو على طريق التفاؤل لزوال الوجع. ذكره الحافظ في الفتح (١٠: ٢٠٧). ٢٧٤ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ((أُذْهِبِ الْبَاسَ. رَبَّ النَّاسِ. وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي. لاَ شِفَاءَ إِلَّ شِفَاؤُكَ. شِفَاءٌ لاَ يُغَادِرُ سَقَماً)). فَلَمَّا مَرِض رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ وَثَقُلَ، أَخَذْتُ بَيَدِهِ لأَصْنَعَ بِهِ نَحْوَ مَا كَانَ يَصْنَعُ. فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ يَدِي. ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَاجْعَلْنِي مَعَ الرَّفِيقِ الأَعْلَى)). قوله: (أذهب البأس، ربّ الناس) هو نداء مؤخر، والتقدير: يا ربّ الناس! والبأس هو المرض أو الألم. قوله: (واشف أنت الشافي) وفي رواية للبخاري: اشف وأنت الشافي. وفي أخرى له: ((واشفه وأنت الشافي)) بزيادة الهاء، وهي إما للضمير أي للسكتة. قوله: (لا يغادر سقماً) بفتحتين، وبضم السّين وسكون القاف، لغتان، والمعروف في الرواية هو الأول أي لا يترك. وفائدة التقييد بذلك أنه قد يحصل الشفاء من ذلك المرض، فيخلفه مرض آخر يتولد منه، فكان يدعو له بالشفاء المطلق، لا بمطلق الشفاء. قاله الحافظ في الفتح (١٠ :١٣١). وورد في رواية هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: ((امسح البأس، ربّ الناس، بيدك الشفاء، لا كاشف له إلّا أنت)) أخرجه البخاري (٥٧٤٤) وسيأتي عند المصنف بلفظ: ((أذهب البأس)) مكان ((امسح البأس)) وكأنه وَّله يدعو مرة بهذا ومرة بذاك. والله أعلم. قوله: (أخذت بيده لأصنع به نحو ما كان يصنع) وسيأتي في رواية عروة عن عائشة: ((كان رسول الله * إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوّذات، فلمّا مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه لأنها كانت أعظم بركة من يدي)) فكأنّها جمعت بين المعوذات وبين هذا الدعاء. قوله: (واجعلني مع الرفيق الأعلى) فسّره بعض العلماء بأن المراد من الرفيق هو المكان الذي تحصل المرافقة فيه مع الملائكة والأنبياء، وهو الجنّة، ويؤيده ماوقع عند ابن إسحاق: (الرفيق الأعلى: الجنّة)). وقيل: بل الرفيق هنا يشمل الواحد وما فوقه، والمراد الأنبياء ومن ذكر في قوله تعالى: ﴿مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَِّحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ ونكتة الإتيان بهذه الكلمة بالإفراد الإشارة إلى أن أهل الجنّة يدخلونها على قلب رجل واحد، نبه عليه السّهيلي. وزعم بعض المغاربة أنه يحتمل أن يراد بالرفيق الأعلى الله عزّ وجلّ، لأنه من صفاته، كما دلّ عليه قوله ظلّل: ((إن الله رفيق يحب الرفق)) أخرجه مسلم. وقد دلت الروايات الكثيرة على أن هذه الكلمة كانت آخر ما تكلم به النبي وَظهر. وقال السهيلي: ((الحكمة في اختتام كلام المصطفى بهذه الكلمة كونها تتضمن التوحيد والذكر بالقلب، حتى يستفاد منه الرخصة لغيره أنه لا يشترط أن يكون الذكر باللّسان، لأن بعض الناس قد يمنعه ٢٧٥ كتاب: الطب قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ قَدْ قَضَى. ٥٦٧٢ - (٠٠٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. ح وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ. كِلاَهُمَا عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلاَّدٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، (وَهُوَ الْقَطَّانُ)، عَنْ سُفْيَانَ. كُلُّ هَؤُلاَءٍ عَنِ الأَعْمَشِ، بِإِسْنَادِ جَرِيرٍ . فِي حَدِيثٍ هُشَيْم وَشُعْبَةَ: مَسَحَهُ بِيَدِهِ. قَالَ: وَفِي حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ: مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ. وَقَالَ فِي عَقِبٍ حَديثٍ يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ. قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ مَنْصُوراً فَحَدَّثَنِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ. بِنَحْوِهِ. ٥٦٧٣ - (٤٧) وحدّثنا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ. عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّهِ كَانَ إِذَا عَادَ مَرِيضاً يَقُولُ: ((أَذْهِبٍ الْبَاسَ، رَبَّ النَّاسِ. اشْفِهِ أَنْتَ الشَّافِي، لاَ شِفَاءَ إِلَّ شِفَاؤُكَ. شِفَاءَ لاَ يُغَادِرُ سَقَمَا)). ٥٦٧٤ _ (٤٨) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَيهِ إِذَا أَتَّى الْمَرِيضَ يَدْعُو لَهُ قَالَ: ((أَذْهِبِ الْبَاسَ. رَبَّ النَّاسِ. وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي. لاَ شِفَاءَ إِلاَّ شِفَاؤُكَ. شِفَاءٌ لاَ يُغَادِرُ سَقَماً)). وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ: فَدَعَا لَهُ. وَقَالَ: ((وَأَنْتَ الشَّافِي)) . ٥٦٧٥ - (٠٠٠) وحدّثني الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ. حَدَّثَنَا عُبَيْدُاللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ؛ وَمُسْلِمٍ بْنِ صُبَيْحٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ بِمِثْلِ حَدِيثٍ أَبِي عَوَانَّةً وَجَرِيرٍ . ٥٦٧٦ - (٤٩) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ، (وَاللَّفْظُ لأَبِي كُرَيْبٍ)، قَالاَ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ ﴿ كَانَ من النطق مانع، فلا يضره إذا كان قلبه عامراً بالذكر)) هذا ملخص ما في كتاب المغازي من فتح الباري (٨: ١٣٧ و١٣٨). ودل الحديث على جواز الرقية، وسيأتي الكلام عليه في الباب القادم إن شاء الله تعالى. (٠٠٠) - قوله: (ومسلم بن صُبيح) بضم الصاد مصغراً، وهو اسم لأبي الضحى، فذكره الراوي هنا باسمه، وفي الرواية السابقة بكنيته. ٢٧٦ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم يَرْقِي بِهَذِهِ الرُّقْيَةِ ((أَذْهِبِ الْبَاسَ. رَبَّ النَّاسِ. بِيَدِكَ الشِّفَاءُ. لاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ أَنْتَ)). ٥٦٧٧ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. ح وحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ. كِلاَهُمَا عَنْ هِشَامِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. (٢٠) - باب: رقية المريض بالمعوذات والنفث ٥٦٧٨ - (٥٠) حدّثني سُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ ويَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ. قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ وَ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ، نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، جَعَلْتُ أَنْفُثُ عَلَيْهِ (٢٠) - باب: رقية المريض بالمعوذات والنّفث ٥٠ - (٢١٩٢) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في المغازي، باب مرض النبي ◌ّر ووفاته (٤٤٣٩)، وفي فضائل القرآن، باب فضل المعوّذات (٥٠١٦)، وفي الطبّ، باب الرقي بالقرآن والمعوذات (٥٧٣٥)، وباب المرأة ترقي الرجل (٥٧٥١)، وباب النفث في الرقية (٥٧٤٨)، وفي الدعوات، باب التعوذ والقراءة عند المنام (٦٣١٩)، وأخرجه أبو داود في الطبّ، باب كيف الرقي؟ (٣٩٠٢)، والترمذي في الدعوات، باب ما جاء فيمن يقرأ من القرآن عند المنام (٣٣٩٩)، وابن ماجه في الطبّ، باب النفث في الرقية (٣٥٧٥). قوله: (نفث عليه بالمعوّذات) أما النفث: فهو نفخ لطيف بلا ريق، كما فسّره النووي، وقال الحافظ: هو تفل بغير ريق، أو مع ريق خفيف. وأخرج البخاري في الطبّ قول معمر بعد هذا الحديث: ((قلت للزهريّ: كيف ينفث؟ قال: ينفث على يديه ثم يمسح بهما وجهه)). وأما المعوذات فهي سورة الفلق وسورة الناس، وجمع إما باعتبار أن أقل الجمع إثنان، أو باعتبار أن المراد الكلمات التي يقع التعوذ بها من السورتين. ويحتمل أن المراد بالمعوذات هاتان السورتان مع سورة الإخلاص. ويؤيده ما أخرجه البخاري في فضائل القرآن: ((كان ◌َ يّ إذا أوى إلى فراشه جمع كفّيه ثم نفث فيهما، ثم يقرأ قل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس)). ودل الحديث على جواز الرقى والنفث بها، وقدمنا في أوائل أبواب الطب أنه يشترط لجوازها أن تكون مفهومة، ولا يكون فيها استمداد بغير الله تعالى، وأن لا يعتقد فيها بأنها مؤثرة بذاتها، ومن استجمع هذه الشروط، فلا بأس له بالرقية. كتابة التعويذات ثم إن الأصل في باب الرقية أن يكون بقراءة القرآن الكريم أو بعض أسماء الله تعالى أو صفاته، وينفث بها المريض، وقد ثبت ذلك من النبي ◌َّه في عدة أحاديث. أمّا كتابة المعوّذات ٢٧٧ كتاب: الطب وَأَمْسَحُهُ بِيَدِ نَفْسِهِ. لأَنَّهَا كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْ يَدِي. وَفِي رِوَايَةٍ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ: بِمُعَوِّذَاتٍ. وتعليقها في عنق الصبيان والمرضى، أو كتابتها وسقي مدادها للمريض، فقد ثبت عن عدّة من الصحابة والتابعين . وقد أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (٨: ٣٩) عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله وَليقول: ((إذا فزع أحدكم في نومه فليقل: بسم الله، أعوذ بكلمات الله التامّات من غضبه وسوء عقابه، ومن شرّ عباده، ومن شرّ الشياطين وأن يحضرون)). فكان عبد اللّه؛ يعني ابن عمرو ◌َ﴿به) يعلّمها ولده، من أدرك منهم، ومن لم يدرك كتبها وعلّقها عليه. وأخرج ابن أبي شيبة أيضاً عن أبي عصمة قال: ((سألت سعيد بن المسيّب عن التعويذ، فقال: لا بأس إذا كان في أديم)) وأخرج عن عطاء في الحائض يكون عليها التعويذ، قال: ((إن كان في أديم فلتنزعه، وإن كان في قصبة فضّة، فإن شاءت وضعته، وإن شاءت لم تضعه)) وأخرج عن مجاهد أنه كان يكتب الناس التعويذ فيعلقه عليهم، وأخرج عن أبي جعفر ومحمد بن سيرين وعبيد اللّه بن عبد الله بن عمر والضحاك ما يدل على أنهم كانوا يبيحون كتابة التعويذ وتعليقه أو ربطه بالعضد ونحوه. وقال الحافظ ابن تيميّة كَُّ في فتاواه (١٩: ٦٤): ((ويجوز أن يكتب للمصاب وغيره من المرضى شيئاً من كتاب الله وذكره بالمداد المباح، ويغسل ويسقى، كما نصّ على ذلك أحمد وغيره، قال عبد الله بن أحمد: قرأت على أبي، ثنا يعلى بن عبيد، ثنا سفيان، عن محمد بن أبي ليلى، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إذا عسر على المرأة ولادتها فليكتب: بسم الله لا إله لا الله الحليم الكريم، سبحان الله ربّ العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، ﴿كَهُمْ يَوْمَ يَّوْنَهَا لَمْ يَلْبَنُواْ إِلَّا عَنِيَّةً أَوْ ثُمَا (®)﴾، ﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون﴾. قال أبي: حدثنا أسود بن عامر بإسناده بمعناه. وقال: يكتب في إناء نظيف فيسقي. قال أبي: وزاد فيه وكيع: فتُسقى وينضح ما دون سُرّتها. قال عبد الله: رأيت أبي يكتب للمرأة في جام أو شيء نظيف))، ثم أخرج ابن تيمية كثّفُ أثر ابن عباس هذا من طريق آخر، وقال في آخره: ((قال عليّ (يعني ابن الحسن بن شقيق راوي الأثر): يكتب في كاغذة فيعلق على عضد المرأة. قال عليّ: وقد جرّبناه فلم نر شيئاً أعجب منه. فإذا وضعت تحلّه سريعاً، ثم تجعله في خرقة أو تحرقه)). وفي هذه الآثار حجّة على من زعم في عصرنا أن كتابة التعاويذ وسقيها أو تعليقها ممنوع شرعاً، وقد توغل بعضهم حتى زعم أنه شرك، واستدل بما أخرجه أبو داود (رقم: ٣٨٨٣) عن زينب امرأة عبد اللّه، عن عبد الله بن مسعود له، قال: سمعت رسول الله وَله يقول: ((إنّ الرُقى والتّمائم والتّولة شرك)) ولكن في تمام هذا الحديث ما يردّ على هذا الاستدلال. وفيه: ٢٧٨ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٥٦٧٩ - (٥١) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَلِ كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَّاتِ. وَيَنْفُثُّ. فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ عَنْهُ بِيَدِهِ. رَجَاءَ بَرَكَتِهَا . ٥٦٨٠ - (٠٠٠) وحدّثني أَبُو الظَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ. ح وحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعَمْرٌ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا رَوْحٌ. ح وحَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمِ. كِلاَهُمَا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. أَخْبَرَنِي زِيَادٌ. كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. بِإِسْنَادِ مَالِكِ. نَحْوَ حَدِيثِهِ. وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَخَّدٍ مِنْهُمْ: رَجَاءَ بَرَكَتِهَا. إِلَّ فِي حَدِيثِ مَالِكِ. وَفِي حَدِيثِ يُونُسَ وَزِيَادٍ: أَنَّ النَّبِيَّ وَّرَ كَانَ إِذَا اشْتَكَى نَفَثَ عَلَى نَفْسِهِ بِالمُعَوِّذَاتِ، وَمَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ. («قالت: قلت: لم تقول هذا؟ والله لقد كانت عيني تقذف (؟) وكنت أختلف إلى فلان اليهوديّ يرقيني، فإذا رقاني سكنت فقال عبد الله: إنما ذلك عمل الشيطان، كان ينسخها بيده، فإذا رقاها كف عنها. إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله وسلم يقول: أذهب البأس، ربّ النّاس إلخ)). فدل هذا الحديث صراحةً على أن الرقية الممنوعة في الحديث إنما هي رقية أهل الشرك التي يستمدون فيها بالشياطين وغيرها. أما الرقية التي لا شرك فيها فإنها مباحة، وقد ثبتت عن النبي وَالر بأحاديث كثيرة، وكذلك الحال في التمائم، فإنها جمع تميمة. وكانت خرزات كانت العرب تعلّقها على أولادهم، يزعمون أنها مؤثرة بذاتها. قال الشوكاني، وهو يشرح حديث أبي داود في نيل الأوطار (٨: ١٧٧): ((جعل هذه الثلاثة من الشرك لاعتقادهم أن ذلك يؤثر بنفسه)). وقال ابن عابدين في رد المحتار (٦: ٣٦٣): ((وفي الشلبي عن ابن الأثير: التمائم جمع تميمة، وهي خزرات كانت العرب تعلقها على أولادهم يتقون بها العين في زعمهم، فأبطلها الإسلام ... لأنهم يعتقدون أنها تمام الدواء والشفاء، بل جعلوها شركاً، لأنهم أرادوا بها دفع المقادير المكتوبة عليهم، وطلبوا دفع الأذى من غير الله تعالى الذي هو دافعه)). فتبيّن بهذا أن التّمائم المحرمة لا علاقة لها بالتعاويذ المكتوبة المشتملة على آيات من القرآن أو شيء من الذكر، فإنها مباحة عند جماهير فقهاء الأمة، بل استحبّها بعض العلماء إذا كانت بأذكار مأثورة، كما نقل عنهم الشوكاني في النيل، والله أعلم. ٢٧٩ كتاب: الطب (٢١) - باب: استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة ٥٦٨١ - (٥٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبَيهِ. قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الرُّقْيَةِ؟ فَقَالَتْ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ لَأَهْلِّ بَيْتٍ مِنَ الأَنْصَارَ، فِي الرُّقْيَةِ، مِنْ كُلِّ ذِي حُمةٍ. ٥٦٨٢ - (٥٣) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: رَخَّصَ رَسُولُ اللّهِ بِّهِ لأَهْلِ بَيْتٍ مِنَ الأَنْصَارِ، في الرُّقْيَةِ، مِنَ الْحُمَةِ. ٥٦٨٣ _ (٥٤) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ - وَاللَّفْظُ لابْنٍ أَبِي عُمَرَ - قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِهِ كَانَ إِذَا اشْتَكَى الإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ، أَوْ كَانَتْ بِهِ قُرْحَةٌ أَوْ (٢١) - باب: استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة ٥٢ - (٢١٩٣) - قوله: (سألت عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الطبّ، باب رقية الحيّة والعقرب، (رقم: ٥٧٤١). قوله: (من كلّ ذي حمة) بضم الحاء وتخفيف الميم. قال ثعلب وغيره: هي سم العقرب. وقال القزاز: قيل: هي شوكة العقرب وكذا قال ابن سيده: إنها الإبرة التي تضرب بها العقرب والزنبور. وقال الخطابي: الحُمة كل هامّة ذات سم من حية أو عقرب. كذا في فتح الباري (١٠ : ١٥٦). وأخرج الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن زيد قال: ((عرضنا على رسول الله وَله رقية من الحمة فأذن لنا فيها، وقال: إنما هي من مواثيق الجنّ، والرقية: بسم الله شجّة قرنيّة ملحة بحر قفطا، ذكره الجزري في الحصن الحصين (ص: ٣٧٢)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥: ١١١) وقال: ((إسناده حسن)). وعلى هذا، تجوز هذه الرقية مع أن معناها غير مفهوم، لأن النبي ◌َّر أذن بها صراحة، والله أعلم. ٥٤ - (٢١٩٤) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الطبّ، باب رقية النبي ◌َللر (٥٧٤٥ و٥٧٤٦)، وأبو داود في الطبّ، باب كيف الرقي (٣٨٩٥)، وابن ماجه في الطبّ، باب ما عوّذ به النبي ◌َّر وما عُوّذ به (٣٥٦٦). قوله: (كان إذا اشتكى الإنسان) إلخ: وقد أخرج أبو داود (٣٨٨٥) عن ثابت بن قيس نظ اله أنه و ﴿ فعل به ذلك: ((أخذ تراباً من بطحان فجعله في قدح، ثم نفث عليه بماء، وصبه عليه)). ٢٨٠ الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم جُرْحٌ. قَالَ النَّبِيُّ وَّهِ بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا - وَوَضَعَ سُفْيَانُ سَبَّابَتَهُ بِالأَرْضِ ثُمَّ رَفَعَها -: ((بِاسْمِ اللَّهِ تُزْبَةُ أَرْضِنَا. بِرِيقَةِ بَعْضِنَا. لِيُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا. بِإِذْنِ رَبِّنَا)). قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (يُشْفَى))، وقَالَ زُهَيْرٌ: ((لِيُشْفَى سَقِيمُنَا)). ٥٦٨٤ _ (٥٥) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ - وَاللَّفْظُ لَهُمَا -: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ قوله: (باسم الله تربة أرضنا) قال النووي: ((معنى الحديث أنه أخذ من ريق نفسه على إصبعه السبابة، ثم وضعها على التراب، فعلق به شيء منه، ثم مسح به الموضع العليل أو الجريح قائلاً الكلام المذكور في حالة المسح)). وحاول بعض العلماء، كما ذكر عنهم القرطبي، أن يخرّجوا هذا الطريق على أصول طبيّة، فقالوا: إن السر فيه أن تراب الأرض لبرودته ويبسه يبرئ الموضع الذي به الألم، ويمنع انصباب المواد إليه ليبسه مع منفعته في تجفيف الجراح واندمالها، وأما الريق فإنه يختص بالتحليل والإنضاج وإيراد الجرح والورم، لا سيما من الصائم الجائع. وكذلك ذكر البيضاوي أن للريق مدخلاً في النضج وتعديل المزاج، ولتراب الوطن تأثيراً في حفظ المزاج ودفع الضرر، فقد ذكروا أنه ينبغي للمسافر أن يستصحب تراب أرضه إن عجز عن استصحاب مائها . ولكن تعقب القرطبي مثل هذه التوجيهات، وقال: إنما هذا من باب التبرك بأسماء الله تعالى، فلا يلزم تقعيده على أصول طبية، وهو الظاهر. وقال التوربشتي: ((كأن المراد من التربة الإشارة إلى فطرة آدم، والريقة الإشارة إلى النطفة، كأنه تضرع بلسان الحال أنك اخترعت الأصل الأول من التراب، ثم أبدعته من ماء مهين، فهيّن عليك أن تشفي من كانت هذه نشأته)) كذا في فتح الباري (١٠: ٢٠٨). وقال النووي: ((قيل: المراد بأرضنا أرض المدينة خاصة لبركتها، و((بعضنا)) رسول الله وَخيار، لشرف ريقه، فيكون ذلك مخصوصاً)). قال الحافظ: وفيه نظر. قوله: (بريقة بعضنا) الريقة أقل من الريق، والباء للمصاحبة، والمعنى: ((تربة أرضنا مصحوبةً بریقة بعضنا)). قوله: (لِيُشفى به سقيمنا) ولعل تقدير العبارة هكذا: ((هذه تربة أرضنا مصحوبةً بريقة بعضنا، أخذناها ليشفى به سقيمنا)). وحكى المصنف عن ابن أبي شيبة (يُشفى سقيمنا)) بدون اللام. وكذلك أخرجه البخاري من طريق صدقة بن الفضل، وضبط بالوجهين: بضم أوله على البناء للمجهول، وسقيمُنا بالرفع، وبفتح الياء على البناء للمعروف على أن الفاعل مقدر، وهو الله سبحانه وتعالى، وبنصب ((سقيمنا)) على أنه مفعول. ولعله على كلا الوجهين دعاء.