Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
كتاب: السلام
فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ)).
٥٦٢٧ - (٠٠٠) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ.
ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ. ح وَحَدَّثَنِي
زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ. كُلُّهُمْ عَنْ سُهَيْلٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِي حَدِيثٍ وَكِيِعٍ ((إِذَا
لَقِيتُمُ الْتَهُوَ). وَفِي حَدِيثِ ابْنٍ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةً قَالَ: فِي أَهْلِ الْكِتَابِ. وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ
(إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ)) وَلَمْ يُسَمِّ أَحَداً مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
(٥) - باب: استحباب السلام على الصبيان
٥٦٢٨ - (١٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْبَى. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ ثَابِتِ الْبُنَانِيِّ،
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ بِ لهِ مَرَّ عَلَىْ غِلْمَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ.
بالسّلام، وروى ذلك عن ابن عباس وأبي أمامة وابن أبي محيريز. وهو وجه لبعض أصحاب
الشافعية، حكاه الماوردي ولكنه قال: يقول: السلام عليك، ولا يقول: عليكم بالجمع. واحتج
هؤلاء بعموم الأحاديث وبإفشاء السلام. قال النووي: ((وهي حجة باطلة، لأنه عام مخصوص
بحديث: ((لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام)). وقال بعض أصحابنا: يكره ابتداءهم بالسلام
ولا يحرم. وهذا ضعيف أيضاً، لأن النهي للتحريم. فالصواب تحريم ابتدائهم. وحكى القاضي
عن جماعة أنه يجوز ابتداؤهم به للضرورة والحاجة أو سبب وهو قول علقمة والنخعي. وعن
الأوزاعي أنه قال: إن سلّمت فقد سلّم الصالحون، وإن تركت فقد ترك الصالحون».
وجاء في الفتاوى الهندية (٥: ٣٢٥): ((وأما التسليم على أهل الذمّة فقد اختلفوا فيه. قال
بعضهم: لا بأس بأن يسلّم عليهم. وقال بعضهم: لا يسلّم عليهم. وهذا إذا لم يكن للمسلم
حاجة إلى الذمي، وإذا كان له حاجة فلا بأس بالتسليم عليه ... قال الفقيه أبو الليث تَّهُ: إن
مررت بقوم وفيهم كفار فأنت بالخيار، إن شئت قلت: السلام عليكم، وتريد به المسلمين، وإن
شئت قلت: السلام على من اتبع الهدى. كذا في الذخيرة».
قوله: (فاضطرّوه إلى أضيقه) قال القاضي عياض: ((أي لا تتنحوا لهم عن الطريق الضيق
إكراماً لهم واحتراماً، وليس يعني: بذلك إذا لقيتموهم في طريق واسع فألجئوهم إلى حرفه حتى
يضيق عليهم))، وتبعه القرطبي وقال: ((لأن ذلك إذاية لهم من غير سبب، وقد نهينا عن إذايتهم))
وقال النووي: «ولیکن التضییق بحیث لا يقع في وهدة ولا یصدمه جدار ونحوه)).
(٥) - باب: استحباب السلام على الصبيان
١٤ - (٢١٦٨) - قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه البخاري في الاستئذان،
باب التسليم على الصبيان، (٦٢٤٧)، وأبو داود في الأدب، باب السلام على الصبيان

٢٢٢
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥٦٢٩ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ.
٥٦٣٠ - (١٥) وحدّثني عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَيَّارٍ. قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ ثَابِتِ الْبُّنَانِيِّ. فَمَرَّ بِصِبْيَانٍ فَسَلَّمَ
عَلَيْهِمْ. وَحَدَّثَ ثَابِتٌ؛ أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي مَعَ أَنَسٍ. فَمَرَّ بِصِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. وَحَدَّثَ أَنَسٌ؛
أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، فَمَرَّ بِصِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ.
(٦) - باب: جواز جعل الإذن رفع حجاب، أو نحوه من العلامات
٥٦٣١ - (١٦) حدّثنا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. كِلاَهُمَا عَنْ عَبْدٍ
الْوَاحِدِ، (وَاللَّفْظُ لِقُتَيْبَةَ)، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ. حَدَّثْنَا
إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوَيْدٍ. قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ. قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ:
قَالَ لِي رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((إِذْتُكَ عَلَيَّ أَنْ يُرْفَعَ الْحِجَابُ،
(٥٢٠٢)، والترمذي في الاستئذان، باب ما جاء في التسليم على الصبيان (٢٦٩٧)، وابن ماجه
في الآداب، باب السلام على الصبيان والنساء (٣٧٤٤).
قوله: (فسلّم عليهم) قال ابن بطال: ((في السلام على الصبيان تدريبهم على آداب الشريعة،
وفيه طرح الأكابر رداء الكبر، وسلوك التواضع ولين الجانب))، قال أبو سعيد المتولي في التتمة:
((من سلّم على صبيّ لم يجب عليه الردّ، لأن الصبيّ ليس من أهل الفرض. وينبغي لوليّه أن يأمره
بالردّ ليتمرن على ذلك. ولو سلّم على جمع فيهم صبيّ، فردّ الصبيّ دونهم لم يسقط عنهم
الفرض. وكذا قال شيخه القاضي حسين، وردّه المستظهري. وقال النووي: الأصح لا يجزئ.
ولو ابتدأ الصبيّ بالسلام وجب على البالغ الرد على الصحيح)) حكاه الحافظ في الفتح (١١: ٣٣)
ثم قال: ((ويستثنى من السلام على الصبيّ ما لو كان وضيئاً وخشي من السلام عليه الافتتان، فلا
يشرع، ولا سيما إذا كان مراهقاً منفرداً».
(٦) - باب: جواز جعل الإذن رفع الحجاب أو نحوه من العلامات
١٦٠ - (٢١٦٩) - قوله: (سمعت ابن مسعود يقول) هذا الحديث أخرجه المصنف فقط من
بين الأئمة الستة.
قوله: (إذنك عليّ أن يُرفع الحجاب) يعني: إذا رأيت حجاب بيتي مرفوعاً فإن ذلك علامة
لكونك مأذوناً بالدخول. وفيه دليل لجواز اعتماد العلامة في الإذن في الدخول. قال القرطبي:
((هذا إذن خاص جعله لابن مسعود أنه إذا جاء بيت النبي ◌َّر ووجد الستر قد رفع دخل بغير إذن
بالقول ... ولهذا كانت الصحابة تذكر هذا في فضائل ابن مسعود، ويقولون: كان يؤذن له إذا
١

٢٢٣
كتاب: السلام
وَأَنْ تَسْتَمِعَ سِوَادِي، حَتَّى أَنْهَاَ)) .
٥٦٣٢ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الَّلهِ بْنِ نُمَيْرٍ
وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ .. (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا)، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
إِذْرِيسَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
(٧) - باب: إباحة الخروج للنساء لقضاء حاجة الإنسان
٥٦٣٣ - (١٧) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ،
عَنْ هِشَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: خَرَجَتْ سَوْدَةُ، بَعْدَمَا ضُرِبَ عَلَيْهَا الْحِجَابُ،
حُجِبنا، وكان له من التبسط في بيت رسول الله وَّليه ما لم يكن لغيره لما علمه وَلّر من حاله وخلقه
وإلفه ببیته)).
قوله: (وأن تستمع سوادي) بكسر السين، أي: مسارّتي. وهذه خصوصية أخرى لابن
مسعود رُّه حيث أذن له رسول الله وَ﴿ باستماع مسارّته إلى أن ينهاه عن ذلك. والسِّواد بكسر
السين مصدر من ساوده مساودة: إذا أسرّ إليه حديثاً. والسّواد (بالفتح) في الأصل اسم لكل
شخص، وإنما استعير للمسارّة لأن من يسارّ أحداً فإنه يدني سواده من سواده، أي شخصه من
شخصه .
(٧) - باب: إباحة الخروج للنساء لقضاء حاجة الإنسان
١٧ - (٢١٧٠) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الوضوء، باب خروج
النساء إلى البراز (١٤٦ و١٤٧)، وفي التفسير، سورة الأحزاب، باب ﴿لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيّ إِلَّ
أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ (٤٧٩٥)، وفي النكاح، باب خروج النساء لحوائجهن (٥٢٣٧)، وفي
الاستئذان، باب آية الحجاب (٦٢٤٠).
قوله: (بعد ما ضُرب عليها الحجاب) هذا صريح في أن قصة سودة مع عمر رضيًّا وقعت
بعد نزول الحجاب، وسيأتي من طريق الزهري عن عروة ما يخالفه، فإن فيه: ((كان عمر بن
الخطاب يقول لرسول الله ولو أحجب نساءك فلم يكن رسول الله وقال: يفعل، فخرجت سودة بنت
زمعة زوج النبي ◌ّل# ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا
سودة! حرصاً على أن ينزل الحجاب. قالت عائشة: فأنزل الله عزّ وجلّ الحجاب)) فهذا صريح
في أن القصة وقعت قبل نزول الحجاب.
وطريق الجمع بين الروايتين أن قصة سودة مع عمر وقعت مرتين: مرة قبل نزول الحجاب
كما في رواية ابن شهاب، وأخرى بعد نزوله، كما في رواية هشام هنا. قال الحافظ في الفتح
(٨: ٥٣١): ((والحاصل أن عمر رضيه وقع في قلبه نفرة من اطلاع الأجانب على الحريم النبوي،

٢٢٤
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
لِتَقْضِيَ حَاجَتَهَا. وَكَانَتِ امْرَأَةٍ جَسِيمَةً تَفْرَعُ النِّسَاءَ جِسْماً، لاَ تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُها.
فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. فَقَالَ: يَا سَوْدَةُ، وَاللَّهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا. فَانْظُرَي كَيْفَ تَخْرُجِينَ.
قَالَتْ: فَانْكَفَأَتْ رَاجِعَةً وَرَسُولُ اللَّهِ بَّه فِي بَيْتِي. وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى وَفِي يَدِهِ عَرْقٌ. فَدَخَلَتْ
فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي خَرَجْتُ. فَقَالَ لِي عُمَرُ: كَذَا وَكَذَا. قَالَتْ: فَأُوحِيَ إِلَيْهِ. ثُمَّ
رُفِعَ عَنْهُ وَإِنَّ الْعَرْقَ فِي يَدِهِ مَا وَضَعَهُ. فَقَالَ: ((إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ).
وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي بَكْرٍ: يَفْرَعُ النِّسَاءَ جِسْمُهَا. زَادَ أَبُو بَكْرٍ فِي حَدِيثِهِ: فَقَالَ هِشَامٌ:
يَعْنِي الْبَرَازَ.
٥٦٣٤ - (٠٠٠) وحدّثناه أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الإِسْنَادِ،
وَقَالٍ: وَكَانَتِ امْرَأَةً يَفْرَعُ النَّاسَ جِسْمُهَا. قَالَ: وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّىَّ.
وَحَدَّثَنِيِهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
حتى صرح بقوله له عليه الصلاة والسلام: ((احجب نساءك))، وأكد ذلك إلى أن نزلت آية
الحجاب. ثم قصد بعد ذلك أن لا يبدين أشخاصهنّ أصلاً ولو كنّ مستترات، فبالغ في ذلك،
فمنع منه وأذن لهنّ في الخروج لحاجتهنّ دفعاً للمشقة ورفعاً للحرج))، ومما يؤيد هذا الجمع أن
عمر رُه نادى سودة في المرة الأولى بقوله: ((قد عرفناك يا سودة))، وناداها في المرة الثانية بعد
نزول الحجاب بقوله: ((يا سودة! والله ما تخفَين علينا، فانظري كيف تخرجين))، فكأنه ضُه لم
يكتف بضرب الحجاب على أمهات المؤمنين، وإنما أراد أن يُمنعن من الخروج أصلاً، ولم
يقرّره رسول الله وَحفز على ذلك.
قوله: (تفرع النّساءَ جسمُها) بفتح التاء والراء وسكون الفاء، أي تطولهنّ، فتكون أطول
منهنّ، والفارع: المرتفع العالي. والمراد أن سودة هيّا كانت جسيمة أطول من عامة النساء،
فتُعرف بذلك. ومنه قوله: ((لا تخفى على من يعرفها))، يعني أنها لا تخفى على من يعرفها، وإن
كانت متلففة في ثياب، لانفرادها بهذه القامة.
قوله: (وفي يده عَرْق) بفتح العين وسكون الراء، وهو العظم الذي عليه بقية لحم. هذا هو
المشهور. وقيل: هو القذرة من اللحم، وهو شاذ ضعيف.
قوله: (فقال هشام: يعني البراز) بفتح الباء على ما هو المشهور في الرواية، وهو الموضع
الواسع البارز الظّاهر، وكان يختار مثل هذا المكان لقضاء الحاجة، ففسّر هشام الحاجة التي أذن
للنساء الخروج من أجلها بأن المراد هو الخروج إلى البراز. وقال الجوهري في الصحاح: البراز
بكسر الباء هو الغائط. قال النووي: ((وهذا أشبه أن يكون هو المراد هنا، فإن مراد هشام بقوله:
((يعني البراز)) تفسير قوله وَ﴾: ((قد أذن لكنّ أن تخرجن لحاجتكن))، فقال هشام: المراد
بحاجتهن الخروج للغائط، لا لكل حاجة من أمور المعايش)).

٢٢٥
كتاب: السلام
٥٦٣٥ - (١٨) حدّثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ. حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي.
حَذَّثَنِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ أَزْوَاجَ
رَسُولِ اللَّهِ وَ لَ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ، إِذَا تَبَرَّزْنَ، إِلَى الْمَّنَاصِعِ وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ. وَكَانَ
عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ وَِّ: احْجُبْ نِسَاءَكَ. فَلَمْ يَّكُنْ رَسُولُ اللّهِ وَهِ يَفْعَلُ.
فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةً، زَوْجُ النَّبِيِّ وَّهِ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي، عِشَاءً، وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةٌ.
فَتَادَاهَا عُمَرُ: أَلاَ قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ! حِرْصاً عَلَى أَنْ يُنْزَلَ الْحِجَابُ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْحِجَابَ.
١٨ - (٠٠٠) - قوله: (إذا تبرّزن) تبرز الرجل: إذا خرج إلى البراز للغائط، والمراد هنا:
إذا أردن الخروج لقضاء الحاجة.
قوله: (إلى المناصع) بفتح الميم وكسر الصّاد، جمع منصع بوزن مقعد، وهي أماكن
معروفة من ناحية البقيع. قال الداودي: سميت بذلك لأن الإنسان ينصع فيها، أي يخلص. كذا
في فتح الباري (١: ٢٤٩). وحكى النووي عن الأزهريّ أنها مواضع خارج المدينة، وقال ابن
الجوزي: هي المواضع التي يتخلى فيها للحاجة، حكاه العيني في العمدة (٢: ٢٨٣) وعلى كل
حال، فهذه المواضع كانت تستعمل لقضاء الحاجة قبل أن تتخذ الكنف في البيوت. ثم لما
اتخذت الكنف في البيوت أغنتهنّ عن الخروج لقضاء الحاجة.
قوله: (وهو صعيد أفيح) أي: واسعاً، يقال: بحر أفيح أي واسع، وقال الأصمعي: إنه
لجواد فيّاح وفيّاض بمعنى واحد. كذا في عمدة القاري.
قوله: (فأنزل الله عزّ وجلّ الحجاب) فكأنّ هذه القصّة وقعت سبباً لنزول الحجاب. وقد
وردت روايات أخرى أيضاً في سبب نزوله، مثل وليمة زينب بنت جحش رضيها، ولا مانع من
تعدد الأسباب.
إن مسألة حجاب النساء أصبحت اليوم من المسائل المهمّة التي طال فيها الحوار
والنقاش، فنزيد أن نأتي بفذلكة القول في ذلك، والله تعالى هو الموفق والمعين.
مسألة حجاب المرأة وحدوده
قد كثرت المؤلفات في عصرنا حول مسألة حجاب المرأة وسفورها. وأحسن ما رأيت في
هذا الباب رسالة لوالدي المرحوم الشيخ المفتي محمد شفيع تَّهُ تعالى، سماها: («تفصيل
الخطاب في تفسير آيات الحجاب)) وإنها جزء من ((أحكام القرآن)) له (٣: ٣٩٣ إلى ٤٨٣) وقد
استقصى فيها الآيات والأحاديث الواردة في الموضوع، واستوفى مذاهب الفقهاء وأقوال
المفسرين في حدود الحجاب وكيفيته. وجملة ما انتهى إليه بعد البحث المستفيض أن للحجاب
الشرعي المأمور به في الكتاب والسنة ثلاث درجات، بعضها فوق بعض في الاحتجاب

٢٢٦
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
والاستتار، وكلّها مذكورة في الكتاب والسنة، ولم ينسخ منها شيء، ولكنّها مأمورة بها في
أحوال مختلفة، وهي:
١ - حجاب أشخاص النساء بالبيوت والجدر، والخدور والهوادج وأمثالها، بحيث لا يرى
الرجال الأجانب شيئاً من أشخاصهنّ ولا لباسهنّ وزينتهنّ الظاهرة أو الباطنة، ولا شيئاً من
جسدهنّ من الوجه والكفين وسائر البدن.
٢ - الحجاب بالبرقع والجلباب، بحيث لا يبدو شيء من الوجه والكفين، وسائر الجسد
ولباس الزينة، فلا يرى إلا أشخاصهنّ مستورة من فوق الرأس إلى القدم.
٣ - الحجاب بالجلابيب وأمثالها، مع كشف الوجه والكفين والقدمين.
فالأصل في حجاب النّساء هو الحجاب بالدرجة الأولى، وهي أن تكون مستورة في
البيت، ولا تخرج منه (إلّا لحاجة كما سيأتي). ويدل على ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَرْنَ
فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ والظاهر أن هذا الأمر ليس مختصًّا بالأزواج المطهرات لأنّ الأحكام السابقة
واللاحقة في هذه الآية لا يختص شيء منها بأمهات المؤمنين بالإجماع. وكذلك قوله تعالى:
﴿وإذا سألتموهن متاعا فاسئلوهن من وراء حجاب ﴾ وقد نزلت هذه الآية، في وليمة زينب
فأرخى الستر بينها وبين الرجال.
وكذلك تدل على ذلك أحاديث آتية:
١ - عن ابن مسعود رضيالله أن رسول الله وَ لل قال: ((المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها
الشّيطان)) أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح غريب. وأخرجه ابن خزيمة وابن حبان
في صحيحيهما بلفظه وزادا: ((وأقرب ما تكون من وجه ربّها وهي في قعر بيتها)) راجع الترغيب
للمنذري (١ : ١٣٦).
٢ - عن جابر به، قال: قال رسول الله وَله: ((إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في
صورة شيطان)) أخرجه مسلم (١: ١٢٩).
٣ - حديث الباب الذي أخرجه المصنّف، حيث قال فيه رسول الله وَل﴾: ((قد أُذِن لكنّ أن
تخرجن لحاجتكنّ)) فإنه يدل على أن إذن الخروج مقصور بالحاجة، وفيما سوى الحاجة تكون
المرأة في بيتها .
٤ - عن ابن مسعود ظُبه أن رسول الله وسلم قال: ((صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها
في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها))، أخرجه أبو داود وأخرجه
الحاكم في المستدرك عن أم سلمة، كما في كنز العمال (٨: ٢٥٩). وأخرجه ابن خزيمة في
صحيحه، كما في الترغيب للمنذري (١: ١٣٥).

٢٢٧
كتاب: السلام
٥ - عن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي أنها جاءت النبي ◌ّ ﴿ فقالت: يا رسول الله:
إني أحب الصلاة معك، قال: علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير لك من
صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير
لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في
مسجدي. قال: فأمرت فبني لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلم، فكانت تصلي فيه حتى
لقيت الله عزّ وجلّ. أخرجه أحمد في مسنده (٦: ٣٧١) ونسبه ابن حجر في الإصابة من هذا
الطريق إلى ابن أبي خيثمة. وهذا إسناد صحيح. ونقل الشوكاني في نيل الأوطار (٣: ١٦١) عن
ابن حجر أنه قال: إسناده حسن. وذكره المنذري في الترغيب (١: ١٣٥) وقال: رواه أحمد،
وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما .
٦ - عن ابن عمر ظُه مرفوعاً: ((ليس للنساء نصيب في الخروج إلا مضطرة)) أخرجه
الطبراني، كما في كنز العمال (٨: ٢٦٣).
وإن هذه الأحاديث تدل بوضوح أن الأصل في المرأة أن تكون محتجبة ببيتها، وأن تخفي
شخصها من الأجانب، ولا تخرج من بيتها إلا لحاجة. ولكن المرأة ربما تحتاج إلى الخروج
لحوائجها الطبيعيّة، فإنه قد أبيح لها الخروج في مثل هذه الأحوال محتجبة بالبرقع والجلباب
بحيث لا يبدو من بدنها شيء. وهي الدرجة الثانية من الحجاب. وإن هذه الدرجة مأمور بها في
القرآن الكريم حيث قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ وَبَنَائِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِينَ يُدْنِينَ
عَيْهِنَّ مِن جَلَبِيِهِنَّ﴾ وظاهر أن إدناء الجلباب على المرأة يقصد به ستر جميع بدنها حتى وجهها .
والجلباب على ما روى عن ابن عباس ربه: الذي يستر من فوق إلى أسفل. وقال ابن حزم في
المحلى (٣: ٢١٧): ((والجلباب في لغة العرب التي خاطبنها بها رسول الله وَ طلو هو ما غطّى
جمیع الجسم لا بعضه)).
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وغيرهما عن محمد بن سيرين، قال: سألت عَبيدة السّلماني
عن هذه الآية: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن ◌َكَبِهِنَّ﴾ فرفع ملحفة كانت عليه فتقنع بها وغطّى رأسه كلّه
حتى بلغ الحاجبين وغطّى وجهه، وأخرج عينه اليسرى من شق وجهه الأيسر. كذا في روح
المعاني (٢٢: ٨٩).
وأخرج ابن جرير في تفسيره (٢٢: ٤٦) عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: (أمر الله نساء
المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب،
ويبدين عينا واحدة).
وروي أيضاً عن ابن عباس وقتادة: ((تلوى الجلباب فوق الجبين وتشدّه، ثم تعطفه على

٢٢٨
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
الأنف وإن ظهرت عيناها، لكن تستر الصدر ومعظم الوجه)). ذكره الآلوسي في روح المعاني
(٢٢: ٨٩).
وبالجملة، فهذه الآية دالّة على أن المرأة مأمورة بستر وجهها عند الخروج لحاجتها .
وكذلك يدلّ عليه قوله سبحانه وتعالى: ﴿والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس
عليهن أن يضعن ثيابهن﴾ فإنّ الله سبحانه وتعالى أباح للعجائز في هذه الآية أن يضعن ثيابهنّ.
وظاهر أن المراد من وضع الثياب هنا ليس التعري عن جميع الثياب، وإنما المراد وضع
الجلباب أو الرداء من الثياب الظاهرة التي لا يفضي وضعها إلى كشف العورة. ولذلك فسّر ابن
مسعود به الثياب في هذه الآية بالجلباب والرداء، وكذلك روي عن ابن عباس وابن عمر
ومجاهد وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والزهري والأوزاعي
وغيرهم كما في تفسير ابن كثير. فهذه الآية دالّة على أن وضع الجلباب الذي يستلزم كشف
الوجه مختصّ بالعجائز اللاتي لا يرجون نكاحاً. وعلى أن الشوابّ لا يجوز لهنّ أن يضعن
جلابيبهنّ ويكشفن وجوههن أمام الأجانب.
ويبدو أنّ الصحابيّات إذا خرجن لحاجتهنّ كنّ يخرجن مستورات بالجلاليب، ومحتجبات
بالأردية ولا يكشفن وجوههنّ أمام الأجانب. ومما يدل على ذلك أحاديث آتية:
١ - أخرج أبو داود في كتاب الجهاد، باب فضل قتال الرّوم، عن قيس بن شمّاس ◌َظُه،
قال: ((جاءت امرأة النبي ◌َّله - يقال لها أمّ خلّد وهي منتقبة تسأل عن ابنها وهو مقتول، فقال
لها بعض أصحاب النبي وَلجه: جئت تسألين عن ابن وأنت منتقبة؟ فقالت: إن أُرزأُ ابني فلن أُرَزَءَ
حَيَائي. فقال رسول الله وَّ: له أجر شهيدين. قالت: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: لأنه قتله
أهل الكتاب)).
٢ - عن أمّ عطيّة ﴿ّا أنّ رسول الله وَلو كان يُخرج الأبكار والعواتق وذوات الخدور
والحيّض في العيدين، فأمّا الحيّض فيعتزلن المصلّ، ويشهدن دعوة المسلمين. قالت إحداهنّ:
يا رسول الله! إن لم يكن لها جلباب؟ قال: فلتعرها أختها من جلبابها. هذا الحديث أخرجه عدة
من أصحاب الصحاح، وهذا لفظ الترمذي (رقم: ٥٣٩) باب خروج النساء في العيدين، وقال
الترمذي: ((هذا حديث حسن صحيح)).
٣ - وأخرج البخاري مثله (رقم: ٩٨٠ في العيدين) عن حفصة بنت سيرين، ولفظه:
(«فقالت: يا رسول الله، على إحدانا بأس إذا لم يكن لها جلباب أن لا تخرج؟ فقال: ((لتلبسها
صاحبتها من جلبابها)) .
٤ - أخرج عبد الرزاق وجماعة عن أم سلمة قالت: ((لما نزلت هذه الآية: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَ

٢٢٩
كتاب: السلام
مِن ◌َئِيبِهِنَّ﴾ خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغّربان من السكينة وعليهن أكسية سود
یلبسنها)).
٥ - وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: ((رحم الله تعالى نساء الأنصار لما نزلت: ﴿يَّأَيُّهَا
التَِّىُّ قُل لِّأَزْوَنِكَ وَيَنَائِكَ﴾ الآية شققن مروطهنّ فاعتجرن بها، فصلين خلف رسول الله وَليل كأنما
على رؤوسهن الغربان)). راجع للروايتين روح المعاني (٢٢: ٨٩).
٦ - عن عائشة قالت: كان الركبان يمرّون بنا ونحن مع رسول الله ◌َّ محرمات، فإذا
حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه. أخرجه أبو داود
في الحج، باب المحرمة تغطي وجهها، (رقم: ١٨٣٣).
ويتضح بهذه الأحاديث أن الصحابيات رضوان الله عليهنّ كنّ بعد نزول الحجاب يلتزمن
بتغطية أجسادهنّ بالجلابيب ويسدلنها على وجوههنّ عند الخروج، ودل الحديث الأخير على أن
هذا الاهتمام بالاحتجاب لم يزل مستمرًّا حتى في حالة الإحرام التي يحظر للمرأة فيها أن يمسّ
وجهها شيء من الثوب.
والدرجة الثالثة من الحجاب، وهي أن تخرج النساء مستورة الأبدان من الرأس إلى القدم
مع كشف الوجه والكفين عند الحاجة بشرط الأمن من الفتنة، فيدل عليها قوله سبحانه وتعالى في
سورة النّور: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ مِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّ مَا ظَهَرَ
مِنْهَا﴾ وقد اختلف المفسّرون في تفسير ((ما ظهر منها)) فروى عن ابن عباس وابن عمر وعائشة
أنّهم فسّروه: ((بالوجه والكفين))، وهو قول عطاء وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء والضحاك
وإبراهيم النخعي وغيرهم. وروي عن ابن مسعود به أنه فسّر ((ما ظهر منها)) بالرداء والجلباب.
فالآية على التفسير الأول تدل على أن للمرأة كشف وجهها وكفيها عند الحاجة. ويدل على ذلك
أيضاً أحاديث آتية:
١ - عن عائشة ينا أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي وَ ل﴿ وعليها ثياب رقاق،
فأعرض عنها، وقال: ((يا أسماء! إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلّا هذا
وهذا، وأشار إلى وجهه وكفيه)). أخرجه أبو داود، ولكن قال أبو داود وأبو حاتم الرازي: هو
مرسل، خالد بن دريك لم يسمع من عائشة
٢ - عن عليّ ر ◌ُه تعالى في قصة رجوع رسول الله و له من المزدلفة أنه رَ و أردف الفضل بن
عباس وأتى الجمرة فرماها، ثم أتى المنحر، وفيه: ((واستفتته جارية شابّة من خثعم، فقالت: إنّ
أبي شيخ كبير قد أدركته فريضة الله في الحجّ. أفيجزئ أن أحجّ عنه؟ قال: حجّي عن أبيك.
قال: ولوى عنق الفضل. فقال العبّاس: يا رسول الله! لم لويت عنق ابن عمّك؟ قال: رأيت

٢٣٠
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
..
شابًّا وشابّة فلم آمن الشّيطان عليهما)) أخرجه الترمذيّ في باب ما جاء أن عرفة كلها موقف.
(رقم: ٨٨٥).
وأخرج أبو يعلى عن الفضل بن عباس قال: ((كنت ردف رسول الله وَّر، وأعرابي معه ابنة
له حسناء، فجعل الأعرابي يعرضها على رسول الله و * رجاء أن يتزوجها، قال: فجعلت ألتفت
إليها، وجعل رسول الله وَل﴿ يأخذ برأسي فيلويه)) ذكره الهيثمي في كتاب النكاح من مجمع الزوائد
(٤: ٢٧٧)، وقال: رجاله رجال الصحيح. فإما أن يكون هذا في واقعة أخرى، وإما أن يكون
· أحد الرواة وهم في بيان أن البنت كانت للأعرابي. وإن حديث الترمذي صريح في أن أباها لم
يكن معها، والله أعلم.
وتفصيل هذه القصة أخرجه البخاري في الاستئذان (رقم: ٦٢٢٨) عن ابن عباس مثبـ
ولفظه: ((أردف رسول الله وَّلقول الفضل بن عباس يوم النّحر خلفه على عجز راحلته، وكان الفضل
رجلاً وضيئاً، فوقف النبي و ﴿ للنّاس يفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي
رسول الله *، فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها، فالتفت النبي ◌ّطهور والفضل ينظر إليها،
فأخلف بيده فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها)) الحديث.
وإن هذه الجارية كانت مكشوفة الوجه، كما يتبيّن من سياق حديث ابن عباس، فإنه قال
فيها إنها كانت وضيئة أي: جميلة، وأعجب الفضلّ حُسنها. وقد صرح في الحديث أن النبي وَّ
عدل وجه الفضل عن النظر إليها، ولم يأمر الجارية بتغطية وجهها، لأنها كانت في حالة
الإحرام، ولعلّه وَسلتر خاف عليها من السقوط وغيره إن تكلّفت بستر وجهها في الزحام الشديد،
فلم يأمرها بذلك. وهذا دليل على أن المرأة إذا كان سائر بدنها مستوراً يجوز لها كشف وجهها
عند الحاجة.
٣ - عن سهل بن سعد: أن امرأة جاءت إلى رسول الله وضّله فقالت: يا رسول الله! جئت
لأهب لك نفسي. فنظر إليها رسول الله وَّر، فصعّد النظر إليها وصوّبه، ثم طأطأ رأسه)) الحديث
أخرجه البخاري في باب النظر إلى المرأة قبل التزويج (رقم: ٥١٢٥) والظاهر في هذه القصة أن
المرأة كانت مكشوفة الوجه حينئذ. وبه استدل السرخسي في المبسوط (١٠: ١٥٢) على أن وجه
المرأة ليس بعورة.
وأما مذاهب الفقهاء في جواز النّظر إلى وجه المرأة وكفّيها، فقد أجمع الفقهاء على عدم
الجواز إذا كان بقصد التلذذ، أو كان هناك خوف فتنة تدعو إلى الاختلاء بها ولا خلاف في
حرمة النظر إلى وجه المرأة وكفيها في هذه الحالة. أما إذا أمن الرجل الفتنة ولم يقصد التلذذ
بالنظر ففي جوازه خلاف. فمذهب الحنفية والمالكية جواز النظر إلى الوجه والكفين في هذه

٢٣١
كتاب: السلام
الحالة، وهو مذهب كثير من الشافعية وقليل من الحنابلة. ولكن المختار عند الشافعية والحنابلة
عدم الجواز مطلقاً، وإن أمن الشهوة والفتنة.
مذهب الحنفية في حكم النظر إلى المرأة
قال شمس الأئمة السرخسي في المبسوط (١٠: ١٥٢): ((يباح النظر إلى موضع الزينة
الظاهرة منهنّ دون الباطنة، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهًا﴾. وقال علي
وابن عباس طه: ما ظهر منها: الكحل والخاتم. وقالت عائشة رضييتا: إحدى عينيها. وقال ابن
مسعود ◌ُه: خفّها وملاءتها. واستدل في ذلك بقوله وَلهو: النّساء حبائل الشيطان، بهنّ يصيد
الرجالّ ... ولأن حرمة النظر لخوف الفتنة، وعامة محاسنها في وجهها، فخوف الفتنة في النظر
إلى وجهها أكثر منه إلى سائر الأعضاء. وبنحو هذا تستدل عائشة، ولكنها تقول: هي لا تجد بداً
من أن تمشي في الطريق، فلا بد من أن تفتح عينها لتبصر الطريق، فيجوز لها أن تكشف إحدى
عينيها لهذه الضرورة، والثابت بالضرورة لا يعدو موضع الضرورة)).
((ولكنا نأخذ بقول عليّ وابن عباس ﴿ه، فقد جاءت الأخبار في الرخصة بالنظر إلى
وجهها وكفها. من ذلك ما روي أن امرأة عرضت نفسها على رسول الله وَلقول، فنظر إلى وجهها،
فلم ير فيها رغبة، ولما قال عمر رَبُله في خطبته: ((ألا، لا تغالوا في أصدقة النساء، فقالت
امرأة سفعاء الخدّين: أنت تقوله برأيك، أم سمعته من رسول الله وَّر؟ فإنا نجد في كتاب الله
تعالى بخلاف ما تقول ... )) فذكر الراوي أنها كانت سفعاء الخدّين. وفي هذا بيان أنها كانت
مسفرة عن وجهها. ورأى رسول الله وسلم كفّ امرأة غير مخضوب، فقال: أكفّ رجل هذا؟ ولما
ناولت فاطمة غيّنا أحد ولديها بلالاً أو أنساً رضيمنها، قال أنس: رأيت كفّها كأنه فلقة قمر. فدل
على أنه لا بأس بالنظر إلى الوجه والكفّ. فالوجه موضع الكحل، والكفّ موضع الخاتم ... ،
ثم لا شكّ أنه يباح النظر إلى ثيابها ولا يعتبر خوف الفتنة في ذلك، فكذلك إلى وجهها وكفّها.
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه يباح النّظر إلى قدمها أيضاً. وهكذا ذكر الطحاوي،
لأنها كما تبتلى بإبداء وجهها في المعاملة مع الرجال وبإبداء كفها في الأخذ والإعطاء، تبتلى
بإبداء قدميها إذا مشت حافية أو منتعلة، وربما لا تجد الخف في كل وقت. وذكر في جامع
البرامكة عن أبي يوسف أنه يباح النظر إلى ذراعيها أيضاً، لأنها في الخبز وغسل الثياب تبتلى
بإبداء ذراعيها أيضاً. قيل: وكذلك يباح النظر إلى ثناياها أيضاً، لأن ذلك يبدو منها عند التحدث
مع الرجال)).
((وهذا كله إذا لم يكن النظر عن شهوة. فإن كان يعلم أنه إن نظر اشتهى لم يحل له النظر
إلى شيء منها، لقوله وَّل: ((من نظر إلى محاسن أجنبية عن شهوة صبّ في عينيه الآنك يوم

٢٣٢
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
القيامة)). وقال لعليّ رَظُله: ((لا تتبع النظرة بعد النظرة، فإن الأولى لك والأخرى عليك)). يعني
بالأخرى أن يقصدها عن شهوة ... وكذلك إن كان أكبر رأيه أنه إن نظر اشتهى، لأن أكبر الرأي
فيما لا يوقف على حقيقته كاليقين)).
مذهب المالكية
وأما المالكية، فمذهبهم ما ذكره الخرشي في حاشيته على مختصر خليل (١: ٣٤٧):
((عورة الحرة مع الرجل الأجنبيّ جميع بدنها، حتى دلاليها وقصّتها، ما عدا الوجه والكفين
ظاهرهما وباطنهما، فيجوز النظر لهما بلا لذة، ولا خشية فتنة من غير عذر، ولو شابة. وقال
مالك: تأكل المرأة مع غير ذي محرم ومع غلامها، وقد تأكل مع زوجها وغيره ممن يواكله. ابن
القطان: وفيه إباحة إبداء المرأة وجهها ويديها للأجنبي، إذ لا يتصور الأكل إلا هكذا)) ومثله في
شرح المواق مع الحطاب (١: ٤٩٩) مع تفصيل زائد.
وقال عليش في منح الجليل (١: ١٣٣): ((فيجوز لها كشفهما (أي: الوجه والكفين)
للأجنبي، وله نظرهما إن لم تخش الفتنة، فإن خيفت الفتنة به، فقال ابن مرزوق: مشهور
المذهب وجوب سترهما)) ومثله في مواهب الجليل للحطاب (١: ٣٩٩ و٥٠٠).
مذهب الشافعية
ومذهب الشافعية ما ذكره النووي في كتاب النكاح من المنهاج بقوله: ((ويحرم نظر فحل
بالغ إلى عورة حرة كبيرة أجنبية، وكذا وجهها وكفيها عند خوف فتنة، وكذا عند الأمن على
الصحیح)).
وقال الخطيب الشربيني تحته: ((قوله على الصحيح)) ووجهه الإمام باتفاق المسلمين على
منع النساء من الخروج سافرات الوجوه، وبأن النظر مظنة الفتنة ومحرّك للشهوة ... والثاني (أي
القول الثاني): لا يحرم، ونسبه الإمام للجمهور، والشيخان للأكثرين. وقال في المهمات: إنه
الصواب لكون الأكثرين عليه. وقال البلقيني: الترجيح بقوة المدرك، والفتوى على ما في
المنهاج ... وما نقله الإمام من الاتفاق على منع النساء: أي منع الولاة لهنّ معارض بما حكاه
القاضي عياض عن العلماء أنه لا يجب على المرأة ستر وجهها في طريقها، وإنما ذلك سنة،
وعلى الرجال غض البصر عنهنّ للآية. وحكاه المصنف (أي النووي) في شرح مسلم وأقرّه
عليه. وقال بعض المتأخرين: إنه لا تعارض في ذلك، بل منعهنّ من ذلك لا لأنّ الستر واجب
عليهن في ذاته، بل لأن فيه مصلحة عامّة، وفي تركه إخلال بالمروءة . اهـ وظاهر كلام الشيخين
أن الستر واجب لذاته، فلا يتأتى هذا الجمع، وكلام القاضي ضعيف)) راجع مغني المحتاج
(٣: ١٢٨ و١٢٩) ومثله في نهاية المحتاج (٦: ١٨٤ و١٨٥).

٢٣٣
كتاب: السلام
مذهب الحنابلة
ومذهب الحنابلة ما ذكره ابن قدامة في المغني (٦: ٥٥٨ و٥٥٩) في كتاب النكاح بقوله:
((فأما نظر الرجل إلى الأجنبية من غير سبب، فإنه محرم إلى جميعها في ظاهر كلام أحمد ...
وقال القاضي: يحرم عليه النظر إلى ما عدا الوجه والكفين، لأنه عورة، ويباح له النظر إليها مع
الكراهة إذا أمن الفتنة ونظر لغير شهوة. وهذا مذهب الشافعيّ ... ولنا قول الله تعالى: ﴿وإذا
سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب﴾ ... وأما حديث أسماء إن صحّ، فيحتمل أنه كان
قبل نزول الحجاب، فنحمله علیه)).
وبالنظر إلى هذه المذاهب الأربعة يتضح أنها كلها متفقة على تحريم النّظر إلى وجه المرأة
بقصد التلذذ أو عند خوف الفتنة، وإن الراجح في مذهب الشافعية والحنابلة تحريمه عند الأمن
من الفتنة أيضاً، وإنما أجازه الحنفيّة والمالكيّة بشرط الأمن من الفتنة وقصد التلذّذ، وإن وجود
هذا الشرط عسير جدًّا، لا سيّما في زماننا الذي كثر فيه الفساد، حتى أصبح شرطاً لا يكاد يوجد
في غالب الأحوال، فلذلك منعه المتأخرون من الحنفية مطلقاً وجاء في كراهية الدر المختار:
((فإن خاف الشهوة أو شكّ امتنع نظهر إلى وجهها، فحلّ النظر مقيد بعدم الشهوة، وإلّا فحرام.
وهذا في زمانهم، وأما في زماننا فمنع من الشابة، قهستاني وغيره، إلا النظر لحاجة كقاض
وشاهد يحكم ويشهد عليها إلخ))، وقال في شروط الصلاة: ((وتمنع المرأة الشابة من كشف
الوجه بين رجال، لا لأنه عورة، بل لخوف الفتنة)) وقال في باب التعزير: ((يعزر المولى عبده
والزوج زوجته على تركها الزينة إلى قوله ... أو كشفت وجهها لغير محرم)).
وقال الإمام أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (٣: ٤٥٨) تحت قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ
عَلَيْهِنَّ مِن جَلَئِيِهِنَّ﴾ ((في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيين،
وإظهار الستر والعفاف عند الخروج، لئلا يطمع أهل الريب فيهن)).
وقال والدي العلامة المفتي محمد شفيع تقذفُ في أحكام القرآن له (٣: ٤٦٩): ((وبهذا
الذي قلنا تجتمع النصوص والروايات المتضادة بظاهرها، فإنك قد عرفت مما سردنا لك من
الآيات والروايات أن بعضها يجوّز كشف الوجه والكفين، إما على الجزم واليقين، كحديث
الفضل بن عباس عند البخاري، وحديث أسماء بنت أبي بكر في السنن، وحديث الواهبة نفسها
عند البخاري وأمثالها. وبعضها يجوّزه على احتمال، لاختلاف وقع بين الصحابة رؤيته في تفسير
قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ﴾ على ما مر تفصيله)).
((وبعضها يحرّم كشف الوجه والكفين والنظر إليهما من الأجانب، كقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِى
يُوتِكُنَّ﴾ ... وقوله تعالى: ﴿اسألوهن من وراء حجاب﴾، وقوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن

٢٣٤
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥٦٣٦ - (٠٠٠) حدّثنا عَمْرٌو النَّاقِدُ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ. حَدَّثَنَا
أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ.
(٨) - باب: تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها
٥٦٣٧ - (١٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ. (قَال يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ
ابْنُ حُجْرٍ: حَدَّثَنَا)، هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح
وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ. أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: قَالَّ
بَلَئِيِهِنَّ﴾ على تفسير الجمهور من الصحابة، ولقوله تعالى: ﴿إِلَّ مَا ظَهَرَ﴾، على تفسير ابن
مسعود نُله ... فهذه نصوص الكتاب وروايات السنّة ظاهرها التعارض والتضاد، وفيما ذكرنا
لك بعون الله تعالى غنية عن هذا الإشكال، فإنك إذا حققت ما قلنا عرفت أن هذه النصوص كلها
متوافقة المعنى متناسقة الأحكام، وكلها محكمة غير منسوخة، غير أن الحكم مشروط بشروط،
فحيث وجدت الشروط أجيز، وحيث لا فلا ... ).
((وهذا كله على تسليم حقيقة الاختلاف بين تفسيري ابن عباس وابن مسعود . وقال شيخنا
أشرف المشايخ نور الله مرقده في جزء أفرده في هذا البحث المسمي: ((بإلقاء السكينة في تحقيق
إبداء الزينة)) أنه لا اختلاف بين تفسيرهما عند التعمق وإمعان النظر، فإن لفظة ﴿مَا ظَهَرَ﴾ وإن
فسّر بالوجه والكفين، ولكن المذكور في الاستثناء هو صيغة الظهور لا الإظهار، وهو يشير إشارة
واضحة إلى أن الغرض استثناء ما لا يستطاع ستره، بل بحيث يظهر عند الكسب والعمل من دون
قصد الإظهار، بأن يلحقهن ضرر بستره عند الكسب والعمل. فكان المستثنى على تفسير ابن
عباس ربه أيضاً هو ظهور الوجه والكفين عند الاضطرار إليه، وهو لا ينافي قول ابن
مسعود ظه. قلت: ويؤيد هذا المعنى ما قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ
زِينَتَّهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهًا﴾ أي: لا يظهرن شيئاً من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه)).
فالحاصل أن المرأة مأمورة في القرآن الكريم بأن تستقرّ في بيتها ولا تخرج إلّا لحاجة. ثم
إن خرجت لحاجة، فهي مأمورة بستر الوجه بإدناء الجلباب أو البرقع، وبأن لا تُسفر عن
وجهها. نعم يستثنى منه حالتان: الأولى: حالة الحاجة إلى إبداء الوجه بأن يلحقها بالستر ضرر،
كما في الزحام، أو لحاجة أخرى، كأداء الشهادة. والثانية: أن ينكشف وجهها من غير قصدها
عند الكسب والعمل. والرجال مأمورون في هاتين الحالتين بغضّ النظر، والله سبحانه أعلم.
(٨) - باب: تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها
١٩ - (٢١٧١) - قوله: (عن جابر) هذا الحديث لم يخرجه أحد سوى الإمام مسلم من بين
الأئمة الستة.

٢٣٥
كتاب: السلام
رَسُولُ اللّهِ مِ: ((أَلاَ لاَ يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَأَةٍ ثَيْبٍ. إِلاَّ أَنْ يَكُونَ نَاكِحاً أَوْ ذَا مَخْرَم)) .
٥٦٣٨ - (٢٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثٌ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح.
أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ؛ أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَ لِّ قَالَ: ((إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النَّسَاءِ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ!
قوله: (عند امرأة ثيّب) قال القاضي عياض تَقَّتُهُ: ((خص الثيب لأن عادة الأبكار أن
يحتجبن عن الرجال، فكيف يدخل عليهن أو يبات عندهنّ؟))، وقال النووي: ((هو من باب
التنبيه، لأنه إذا نهى عن الثيب التي يتساهل الناس في الدخول عليها في العادة، فالبكر أولى)).
قوله: (إلا أن يكون ناكحاً) يعني: إذا كان زوجاً لها، وهذا واضح. وقد ذكره عياض
بالتاء: ((إلّا أن تكون ناكحاً)) بصيغة المؤنث الغائب، والمعنى أن تكون المرأة ذات زوج حاضر،
ويكون مبيته بحضرة زوجها. وردّ النووي تخلّفُ هذه الرواية والتفسير وصحح الرواية المذكورة في
المتن، وقال: ((والمعنى: لا يبيت رجل عند امرأة إلا زوجها أو ذو محرم منها)).
قوله: (أو ذا محرم) قال النووي: ((إن المحرم هو كل من حرم عليه نكاحها على التأبيد
لسبب مباح لحرمتها، فقولنا ((على التأبيد)»: احتراز من أخت امرأته وعمتها وخالتها ونحوهنّ،
ومن بنتها قبل الدخول بالأم، وقولنا ((لسبب مباح)): احتراز من أم الموطؤة بشبهة وبنتها فإنه
حرام على التأبيد، لكن لا لسبب مباح، فإن وطأ الشبهة لا يوصف بأنه مباح ولا محرم ولا
بغيرهما من أحكام الشرع الخمسة، لأنه ليس فعل مكلف. وقولنا (لحرمتها)): احتراز من
الملاعنة، فهو حرام على التأبيد، لا لحرمتها، بل تغليظاً عليهما)).
قلت: وكذلك أم المزنية وبنتها عند بعض الحنفية، وإن كانت محرمة على التأبيد، ولكن
تحريمها لم يحصل بسبب مباح، فلا تسمى محرماً في حق الحجاب، وقد صرح به الزيلعي نقلاً
عن بعض الفقهاء الحنفية، ولكن صحح أنها في حكم المحرم في حق النظر، راجع رد
المحتار (٦: ٣٦٧): فصل في النظر والمس.
٢٠ - (٢١٧٢) - قوله: (عن عقبة بن عامر) هذا الحديث أخرجه البخاري في النكاح، باب
لا يخلونّ رجل بامرأة إلّا ذو محرم، والدخول على المغيبة، (رقم: ٥٢٣٢)، والترمذي في
الرضاع، باب ما جاء في كراهية الدخول على المغيبات (١١٧١).
قوله: (إياكم والدخولَ على النّساء) بالنصب على التحذير، وهو تنبيه المخاطب على
محذور ليحترز عنه، كما قيل: إيّاك والأسد، وقوله ((إيّاكم)): مفعول بفعل مضمر تقديره:
((اتّقوا))، وتقدير لكلام: ((اتقوا أنفسكم أن تدخلوا على النساء، والنّساء أن يدخلن عليكم)).
ووقع في رواية ابن وهب (عند أبي نعيم في المستخرج): ((لا تدخلوا على النّساء)). وتضمن منع
الدخول منع الخلوة بها بطريق الأولى. كذا في فتح الباري (٩: ٣٣١).

٢٣٦
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ)).
وقال ابن دقيق العيد كثّفُ تعالى في إحكام الأحكام، شرح عمدة الأحكام (٤: ٢٠٧):
((وقوله ((إياكم والدخول على النساء)»: مخصوص بغير المحارم، وعام بالنسبة إلى غيرهنّ، ولا بد
من اعتبار أمر آخر، وهو أن يكون الدخول مقتضياً للخلوة. أما إذا لم يقتض ذلك فلا يمتنع))
ويبدو أن ما قاله ابن دقيق العيد كثّفُ تعالى هو الأوجه بالنظر إلى سياق الحديث، والله أعلم.
قوله: (أفرأيت الحمو؟) يعني: أخبرني عن حكم الحمو، هل يجوز دخوله؟ والحمو رواه
الأكثرون بالواو بوزن الدلو، وضبطه بعضهم بالهمز بدل الواو، بوزن ((الوطأ))، وبعضهم ((الحم))
بدون الهمزة والواو، بوزن الأخ، وبعضهم بتحريك الميم قبل الهمزة بوزن ((نبأ)). وهذه الأوجه
كلها صحيحة لغة، ولكن رجح الحافظ في الفتح روايته بالواو.
وأما معنى الحمو، فقد قال النووي: ((اتفق أهل اللغة على أن الأحماء أقارب زوج
المرأة، كأبيه وعمّه وأخيه وابن أخيه وابن عمّه ونحوهم، والأخْتَانُ: أقارب زوج الرجل،
والأصهار يقع على النوعين)) وقد اقتصر أبو عبيد وتبعه ابن فارس والداودي على أن الحمو أبو
الزوجة، وزاد ابن فارس: وأبو الزوج. يعني أن والد الزوج حمو المرأة، ووالد الزوجة حمو
الرجل، وهذا الذي عليه عرف الناس اليوم. ولكن ذهب الأصمعي والطبري والخطابي إلى ما
قاله النووي من أن الحمو يعم جميع أقارب الزوجة، وهو المؤيد بتفسير الليث بن سعد في
الرواية الآتية، وهو الأصح بالنظر إلى سياق الحديث.
قوله: (الحمو الموت) قال الحافظ في الفتح (٩: ٣٣٢): ((قيل: المراد أن الخلوة بالحمو
قد تؤدي إلى هلاك الدين إن وقعت المعصية، أو إلى الموت إن وقعت المعصية ووجب الرجم،
أو إلى هلاك المرأة بفراق زوجها إذا حملته الغيرة على تطليقها. أشار إلى ذلك كله القرطبي.
وقال الطبري: المعنى أن خلوة الرجل بامرأة أخيه أو ابن أخيه تنزل منزلة الموت. والعرب
تصف الشيء المكروه بالموت. قال ابن الأعرابي: هو كلمة تقولها العرب مثلاً، كما تقول:
الأسد الموت، أي: لقاؤه فيه الموت. والمعنى: احذروه كما تحذرون الموت. وقال صاحب
مجمع الغرائب: يحتمل أن يكون المراد أن المرأة إذا خلت فهي محلّ الآفة، ولا يؤمن عليها
أحد، فليكن حموها الموت، أي لا يجوز لأحد أن يخلو بها إلا الموت، كما قيل: نعم الصهر
القبر. وهذا لائق بكمال الغيرة والحميّة)).
((وقال أبو عبيد: معنى قوله ((الحمو الموت)) أي: فليمت، ولا يفعل هذا. وتعقبه النووي
فقال: هذا كلام فاسد. وإنما المراد أن الخلوة بقريب الزوج أكثر من الخلوة بغيره، والشرّ يتوقع
منه أكثر من غيره، والفتنة به أمكن لتمكنه من الوصول إلى المرأة والخلوة بها من غير نكير عليه،
بخلاف الأجنبيّ ... وقال القرطبي في المفهم: المعنى أن دخول قريب الزوج على امرأة الزوج
يشبه الموت في الاستقباح والمفسدة، أي فهو محرم معلوم التحريم. وإنما بالغ في الزجر عنه

٢٣٧
كتاب: السلام
٥٦٣٩ - (٠٠٠) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ
الْحَارِثِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَحَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ وَغَيْرِهِمْ؛ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ حَدَّثَهُمْ، بِهَذَا
الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
٥٦٤٠ - (٢١) وحدّثني أَبُو الظَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. قَالَ: وَسَمِعْتُ اللَّيْثَ بْنَ
سَعْدٍ يَقُولُ: الْحَمْوُ أَخُ الزَّوْجِ. وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ أَقَارِبِ الزَّوْجِ. ابْنُ الْعَمِّ وَنَحْوُهُ.
٥٦٤١ - (٢٢) حدّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي
عَمْرٌو. ح وَحَدَّثَنِي أَبُو الظَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ؛ أَنَّ
بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ جُبَيْرٍ حَدَّثَهُ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمَّرِو بْنِ الْعَاصِ
حَدَّثَهُ؛ أَنَّ نَفَراً مِنْ بَنِي هَاشِمِ دَخَلُوا عَلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ. فَدَخَلَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ،
فشبهه بالموت لتسامح الناس به من جهة الزوج والزوجة لإلفهم بذلك حتى كأنه ليس بأجنبي من
المرأة)).
وقال الإمام ابن دقيق العيد كثّفُ في شرح عمدة الأحكام (٤: ٢٠٧): ((أما قوله عليه: الحمو
الموت، فتأويله يختلف بحسب اختلاف الحمو. فإن حمل على محرم المرأة، كأبي زوجها،
فيحتمل أن يكون قوله: ((الحمو الموت)) بمعنى: أنه لا بد من إباحة دخوله، كما أنه لا بد من
الموت، وإن حمل على من ليس بمحرم، فيحتمل أن يكون هذا الكلام خرج مخرج التغليظ
والدعاء، لأنه فهم من قائله طلب الترخيص بدخولٍ مثل هؤلاء الذين ليسوا بمحارم، فغلظ عليه
لأجل هذا القصد المذموم، بأن جعل دخول الموت عوضاً من دخوله، زجراً على هذا الترخيص
على سبيل التفاؤل والدعاء، كأنه يقال: من قصد ذلك، فليكن الموت في دخوله عوضاً من دخول
الحمو الذي قصد دخوله، ويجوز أن یکون شبه الحمو بالموت باعتبار كراهته لدخوله)».
٢٢ - (٢١٧٣) - قوله: (أن عبد الله بن عمرو بن العاص حدثه) هذا الحديث مما تفرد
بإخراجه مسلم من بين الأئمة الستة.
قوله: (دخلوا على أسماء بنت عميس) صحابية جليلة أسلمت قبل دخول دار الأرقم، ثم
هاجرت مع زوجها جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة، وبعد شهادة جعفر في غزوة مؤتة تزوجها
أبو بكر الصديق، وبعد وفاته نكحها عليّ بن أبي طالب حظرُه، وكان عمر ظُه يسألها عن تفسير
المنام، وقد روت أحاديث، وهي التي قالت: ما رأيت شابًّا خيراً من جعفر ولا كهلاً خيراً من
أبي بكر، فقال لها عليّ: فما أبقيت لنا؟ وراجع الإصابة (٤: ٢٢٥ و٢٢٦).
قال القرطبي: ((كان هذا الدخول على وجه ما يعرف من أهل الصلاح مع ما كانوا عليه
قبل الإسلام من كرم الأخلاق ونفي التهم، ولعله كان قبل نزول الحجاب وقبل أن يتقدم له في
ذلك أمر أو نهي)).

٢٣٨
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَهِيَ تَحْتَهُ يَوْمَئِذٍ، فَرَآهُمْ. فَكَرِهَ ذُلِكَ. فَذَكَرَ ذُلِكَ لِرَسُولِ اللّهِ وَلِهِ وَقَالَ: لَمْ أَرَ إِلَّ خَيْراً.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَرَّأَهَا مِنْ ذُلِكَ)). ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَ عَلَى الْمِنْبَرِ
فَقَالَ: ((لاَ يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ، بَعْدَ يَوْمِي هَذَا، عَلَى مُغِيبَةٍ، إِلاَّ وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوِ اثْنَانٍ)) .
(٩) - باب: بيان أنَّه يستحب لمن رئي خاليا بامرأة، وكانت زوجته
أو محرماً له، أن يقول: هذه فلانة. ليدفع ظن السوء به
٥٦٤٢ - (٢٣) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ
ثَابِتِ الْبُنَانِيِّ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ النَّبِيَّ بِهَ كَانَ مَعَ إِحْدَى نِسَائِهِ. فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَدَعَاهُ. فَجَاءَ.
فَقَالَ: ((يَا فُلاَنُ! هَذِهِ زَوْجَتِي فُلاَنَةُ)) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ!
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: أما كون هذه القصة قبل نزول الحجاب فلا يصحّ، لأن
أسماء بنت عميس إنما تزوجها أبو بكر ﴿يا يوم حنين، كما صرح به الحافظ في الإصابة، وذلك
بعد نزول الحجاب يقيناً. فالظاهر أنهم دخلوا عليها بمراعاة أحكام الحجاب، ولكن أبا بكر
إنما كره ذلك بمقتضى الغيرة الجبلّية مع التصريح بأنه لم ير إلا خيراً.
قوله: (على مغيبة) بضم الميم وكسر الغين، وهي المرأة التي غاب عنها زوجها، وأكثر ما
يستعمل لمن سافر زوجها إلى خارج البلد، ولكن ربما يطلق على من زوجها ليس في بيتها، كما
وقع لأسماء بنت عميس ها.
قوله: (إلا ومعه رجل أو إثنان) قال النووي: ((ظاهر هذا الحديث جواز خلوة الرجلين أو
الثلاثة بالأجنبية، والمشهور عند أصحابنا تحريمه، فيتأول الحديث على جماعة يبعد وقوع
المواطأة منهم على الفاحشة لصلاحهم أو مروءتهم أو غير ذلك. وقد أشار القاضي إلى نحو هذا
التأويل)) وقال القرطبي: ((قوله إلا ومعه رجل أو اثنان)) سداً لذريعة التهمة، فإنهم إذا كانوا
جماعة ارتفعت. وهذا في ذلك الزمان العامة والخاصة. وأما في الأزمنة الفاسدة، فلا تخلو مع
الواحد، ولا مع الكثير لخوف الظنة، إلا أن تكثر الجماعة أو يكون فيهم صالحون، فتزول
الظّنّة)) .
(٩) - باب: بيان أنه يستحب لمن رؤي خالياً بامرأة وكانت زوجته إلخ
٢٣ - (٢١٧٤) - قوله: (عن أنس) هذا الحديث أخرج جزأه الأخير أبو داود في السنة،
باب ذراري المشركين، (رقم: ٤٧١٩).
قوله: (كان مع إحدى نسائه) وهي صفية، كما سيأتي من روايتها أنها زارته ◌َّ في
الاعتكاف، ويأتي التفصيل هناك.
قوله: (هذه زوجتي فلانة) روى الحاكم أن الشافعيّ كان في مجلس ابن عيينة فسأله عن

٢٣٩
كتاب: السلام
مَنْ كُنْتُ أَظُنُّ بِهِ، فَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّ بِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ
الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ».
٥٦٤٣ - (٢٤) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، (وَتَقَّارَبَا فِي اللَّفْظِ)،
قَالاَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ صَفِيَّةً
بِنْتِ حُيَيٍّ. قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َّهِ مُعْتَكِفاً. فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلاً فَحَدَّثْتُهُ. ثُمَّ قُمَّتُ لأَنْقَلِبَ.
فَقَامَ مَعِيَ لِيَقْلِبَنِي، وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارٍ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَمَرَّ رَجُلاَنٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا
هذا الحديث، فقال الشافعيّ: إنما قال لهما ذلك لأنه خاف عليهما الكفر إن ظنًّا به التهمة،
فبادر إلى إعلامهما نصيحة لهما قبل أن يقذف الشيطان في نفوسهما شيئاً يهلكان به. نقله الحافظ
في الفتح (٤: ٢٨٠).
قوله: (من كنت أظنّ به) أي السّوء.
٢٤ - (٢١٧٥) - قوله: (عن صفية بنت حييّ) هذا الحديث أخرجه البخاري في الاعتكاف،
باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد (٢٠٣٥)، وباب زيارة المرأة زوجها في
اعتكافه (٢٠٣٨)، وباب هل يدرأ المعتكف عن نفسه (٢٠٣٩)، وفي فرض الخمس، باب ما
جاء في بيوت أزواج النبي وَّر (٣١٠١)، وفي بدى الخلق، باب صفة إبليس وجنوده (٣٢٨١)،
وفي الأدب، باب التكبير والتسبيح عند التعجب (٦٢١٩)، وفي الأحكام، باب الشهادة تكون
عند الحاكم في ولاية القضاء (٧١٧١)، وأخرجه أبو داود في الصيام، باب المعتكف يدخل
البيت لحاجته (٢٤٧٠).
قوله: (فقام مع ليقلبني) بفتح الياء وبكسر اللام، أي: يصرفني ويشيّعني، ووقع في رواية
عليّ بن حسين عند البخاري في الاعتكاف: ((كان النبي ◌َّ في المسجد وعنده أزواجه، فرُحن،
فقال لصفيّة بنت حييّ: لا تعجلي حتى أنصرف معك، وكان بيتها في دار أسامة بن زيد)) والذي
يظهر أن اختصاص صفية بذلك لكون مجيئها تأخر عن رفقتها، فأمرها بتأخير التوجّه ليحصل لها
التساوي في مدة جلوسهنّ عنده. أو أن بيوت رفقتها كانت أقرب من منزلها، فخشي النبي اَلر
عليها، أو كان مشغولاً فأمرها بالتأخر ليفرغ من شغله ويشيّعها. قاله الحافظ في الفتح
(٤ : ٢٧٨) .
قوله: (وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد) قال الحافظ: ((أي الدار التي صارت بعد ذلك
لأسامة بن زيد، لأن أسامة إذ ذاك لم يكن له دار مستقلة بحيث تسكن فيها صفيّة. وكانت بيوت
أزواج النبي ◌َّر حوالي أبواب المسجد)).
قوله: (فمرّ رجلان من الأنصار) وقد مرّ في حديث أنس: ((فمرّ به رجل)) بصيغة الإفراد،
ولا تعارض بينهما فإن العدد الأقلّ لا ينفي الأكثر، ويمكن أن يكون أحدهما تابعاً للآخر،

٢٤٠
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رَأَيَا النَّبِيَّ وَّهِ أَسْرَعَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((عَلَىْ رِسْلِكُمَا. إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُبِيٍّ)) فَقَالاً:
سُبْحَانَ اللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ. وَإِنِّي
خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرّاً) أَوْ قَالَ: ((شَيْئًا)).
فاستُقلّ المتبوع بالذكر. ودخل فيه التابع ضمناً. وبما أن هذا الاختلاف لا يتعلق بأصل القصة،
فلا يبعد أن يكون قد وقع فيه وهم من أحد الرواة، ثم ذكر الحافظ أنه لم يقف على تسمية هذين
الرجلين، وذكر أنه زعم ابن العطار في شرح العمدة أنهما أسيد بن حضير وعباد بن بشر، ولم
يذكر لذلك مستنداً. والله أعلم.
قوله: (فلما رأيا النبي ول#0 أسرعا) وفي رواية للبخاري (٢٠٣٥): «فسلّما على
رسول الله وَّر)) ووقع في رواية عبد الرحمن ابن إسحاق عن الزهري عند ابن حبان: ((فلما رأياه
استحييا فرجعا)) فأفاد سبب رجوعهما، وكأنهما لو استمرا ذاهبين إلى مقصدهما ما ردهما، بل
لما رأى أنهما تركا مقصدهما ورجعا، ردهما.
قوله: (على رسلكما) بكسر الراء وسكون السين، أي: على هيئتكما في المشي، فليس هنا
شيء تركهانه. وتقديره: امشيا على هيئتكما .
قوله: (سبحان الله يا رسول الله!) إنّما سبّح تعجباً من تصريح رسول الله وص له بهذا مع أنه
لم يكن يظنّ أحد به السوء ووقع في رواية للبخاري ((وكبر عليهما))، وفي رواية هشيم: ((فقال: يا
رسول الله! هل نظنّ بك إلا خيراً)).
قوله: (إنّ الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدّم)، قال الحافظ: ((قيل: هو على الحقيقة
وإن الله تعالى أقدره على ذلك. وقيل هو على سبيل الاستعارة من كثرة إغوائه، وكأنه لا يفارق
كالدم، فاشتركا في شدة الاتصال وعدم المفارقة)) قلت: ويؤيد هذا الثاني ما سيأتي من رواية
شعيب: ((إنّ الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم)).
وأرشد الحديث إلى فوائد كثيرة، فمنها جواز اشتغال المعتكف بالأمور المباحة من تشييع
زائره والقيام معه، والحديث مع غيره، وإباحة خلوة المعتكف بالزوجة، وزيارة المرأة
للمعتكف، وبيان شفقته وير على أمته، وإرشادهم إلى ما يدفع عنهم الإثم، وفيه التحرز من
التعرض لسوء الظنّ، والاحتفاظ من كيد الشيطان، والاعتذار. قال ابن دقيق العيد: ((وهذا متأكد
في حق العلماء ومن يقتدى به، فلا يجوز لهم أن يفعلوا فعلاً يوجب سوء الظنّ بهم وإن كان لهم
فيه مخلص، لأن ذلك سبب إلى إبطال الانتفاع بعلمهم، ومن ثم قال بعض العلماء: ينبغي
للحاكم أن يبين للمحكوم عليه وجه الحكم إذا كان خافياً، نفياً للتهمة. ومن هنا يظهر خطأ من
يتظاهر بمظاهر السوء، ويعتذر بأنه يجرب بذلك على نفسه، وقد عظم البلاء بهذا الصنف)) كذا
في فتح الباري.