Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
كتاب: الآداب
أُذِنَ لَكَ. وَإِلاَّ فَارْجِعْ)). قَالَ أُبَيِّ: ومَا ذَاكَ؟ قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَمْسٍ
ثَلاثَ مَرَّاتٍ. فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي فَرَجَعْتُ. ثُمَّ جِثْتُهُ الْيَوْمَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ. فَأَخْبَرْتُهُ؛ أَنِّي جِئْتُ أَمْسٍ
فَسَلَّمْتُ ثَلاَثًاً. ثُمَّ انْصَرَفْتُ. قَالَ: قَدْ سَمِعْنَاكَ وَنَحْنُ حِينَئِذٍ عَلَى شُغْلِ. فَلَوْ مَا اسْتَأْذَنْتَّ
حَتَّى يُؤْذَنَ لَكَ؟ قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ، كَمَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بَلِهِ. قَالَ: فَوَاللَّهِ، لِأُوجِعَنَّ
ظَهْرَكَ وَبَطْنَكَ. أَوْ لَتَأْتِيَنَّ بِمَنْ يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هُذَا.
فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: فَوَ اللَّهِ، لاَ يَقُومُ مَعَكَ إِلاَّ أَخْدَثْنَا سِنَّا. قُمْ يَا أَبَا سَعِيدٍ، فَقُمْتُ
حَتَّى أَتَيْتُ عُمَرَ؛ فَقُلْتُ: قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ هُذَا.
٥٥٩٤ - (٣٥) حدّثنا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ. حَدَّثَنَا بِشْرٌ (يَعْنِي ابْنَ مُفَضَّلٍ).
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ؛ أَنَّ أَبَا مُوسَى أَتَىْ بَابَ عُمَّر.
فَاسْتَأْذَنَ. فَقَالَ عُمَرُ: وَاحِدَةٌ. ثُمَّ اسْتَأْذَنَ الثَّانِيَةَ. فَقَالَ عُمَرُ: بِنْتَانٍ. ثُمَّ اسْتَأْذَنَ الثَّالِثَةَ.
فَقَالَ عُمَرُ: ثَلاَثٌ. ثُمَّ انْصَرَفَ فَأَتْبَعَهُ فَرَدَّهُ. فَقَالَ: إِنْ كَانَ هُذَا شَيْئاً حَفِظْتَهُ مِنْ
رَسُولِ اللهِ نَّهِ فَهَا. وَإِلاَّ، فَلأَجْعَلَنَّكَ عِظَةٌ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَتَانَا فَقَالَ: أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: ((الإِسْتِئْذَانُ ثَلاَثٌ؟)) قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ. قَالَ: فَقُلْتُ: أَتَاكُمْ
أَخُوكُمُ الْمُسْلِمُ قَدْ أَفْزِعَ، تَضْحَكُونَ؟ انْطَلِقْ فَأَنَا شَرِيكُكَ فِي هُذِهِ الْعُقُوبَةِ. فَأَنَاهُ. فَقَالَ: هُذَا
أَبُو سَعِيدٍ.
٥٥٩٥ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. ح وَحَدَّثَنَا
٣٤ - (٠٠٠) - قوله: (استأذنت على عمر بن الخطاب أمس) هذا ظاهر في أن قصة
الاستئذان ورجوع أبي موسى وقعت في يوم، واعتراض عمر على ذلك ومطالبته بالبينة وقع في
اليوم التالي بعده. وظاهر سياق الروايات الأخرى أن الأمرين وقعا في يوم واحد. وجمع
الحافظ بينهما في الفتح (١١: ٢٨) بأن عمر لما فرغ من الشغل الذي كان فيه، تذكره فسأل عنه،
فأخبر برجوعه، فأرسل إليه، فلم يجده الرسول في ذلك الوقت، وجاء هو إلى عمر في اليوم
الثاني.
قوله: (فلو ما استأذنت) أي: هلاّ استأذنت، وفيه تحضيض على الاستئذان أكثر من ثلاث
مرّات.
٣٥ - (٠٠٠) - قوله: (فها) أي: فهات البيّنة.
قوله: (فجعلوا يضحكون) تعجباً من فزع أبي موسى وذعره من العقوبة، مع أنهم قد أمنوا
أن تناله عقوبة أو غيرها لقوة حجته وسماعهم من النبي ربَّ ما أنكر عليه.

٢٠٢
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ. حَدَّثَنَا شَبَابَةُ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ وَسعِيدِ بْنِ يَزِيدَ.
كِلاَهُمَا عَنْ أَبِي نَضَرَةَ. قَالاَ: سَمِعْنَاهُ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُذْرِيِّ. بِمَعْنَى حَدِيثٍ
بِشْرِ بْنِ مُفَضَّلٍ، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةً.
٥٥٩٦ - (٣٦) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ الْقَطَّانُ، عَنِ ابْنِ
◌ُرَيْج. حَدَّثَنَا عَطَاءٌ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ؛ أَنَّ أَبَا مُوسَى اسْتَأْذَنَ عَلَىْ عُمَرَ ثَلاَثاً. فَكَّأَنَّهُ
وَجَدَهُ مَشْغُولاً. فَرَجَعَ. فَقَالَ عُمَرُ: أَلَمْ تَسْمَعْ صَوْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ قَيْسٍ. اثْذَنُوا لَهُ. فَدُعِيَ
لَهُ. فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ. قَالَ: إِنَّا كُنَّا نُؤْمَرُ بِهِذَا. قَالَ: لَتُقِيمَنَّ عَلَى هَذَا بَيْنَةٌ
أَوْ لَأَفْعَلَنَّ. فَخَرَجَ فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسٍ مِنَ الأَنْصَارِ. فَقَالُوا: لاَ يَشْهَدُ لَكَ عَلَى هذَا إِلاَّ
أَصْغَرُنَا. فَقَامَ أَبُو سَعِيدٍ فَقَالَ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِهِذَا. فَقَالَ عُمَرُ: خَفِيَ عَلَيَّ لهُذَا مِنْ أَمْرِ
رَسُولِ اللّهِ وَهِ. أَلْهَانِي عَنْهُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ.
٥٥٩٧ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم. ح وَحَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ
حُرَيْثٍ. حَدَّثَنَا النَّضْرُ (يَعْنِي ابْنَ شُمَيْلٍ) قَالاً جَمِيعاً: حَدَّثَنَا ابْنُّ جُرَيْجِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ،
نَحْوَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ النَّصْرِ: أَلْهَانِي عَنْهُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ.
٥٥٩٨ - (٣٧) حدّثنا حُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، أَبُو عَمَّارٍ. حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى.
أَخْبَرَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِي بُرْدَةً، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، قَالَ: جَاءَ أَبُو مُوسَى
إِلَىْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ. هُذَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ. فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ. فَقَالَ:
السَّلامُ عَلَيْكُمْ. هُذَا أَبُو مُوسَى. السَّلامُ عَلَيْكُمْ. هَذَا الأَشْعَرِيُّ. ثُمَّ انْصَرَفَ. فَقَالَ: رُدُّوا
عَلَيَّ. رُدُّوا عَلَيَّ. فَجَاءَ فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَىُ، مَا رَدَّكَ؟ كُنَّا فِي شُغْلٍ. قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ يَقُولُ: ((الإِسْتِئْذَانُ ثَلاَثْ. فَإِنْ أُذِنَ لَكَ، وَإِلاَّ فَارْجِعْ)) قَالَ: لَتَأْتِيَنِّي عَلَى هُذَا
بَِّةٍ. وَإِلاَّ فَعَلْتُ وَفَعَلْتُ. فَذَهَبَ أَبُو مُوسَى.
قَالَ عُمَرُ: إِنْ وَجَدَ بَيِّنَةً تَجِدُوهُ عِنْدِ الْمِنْبَرِ عَشِيَّةً. وَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَيْنَةً فَلَمْ تَجِدُوهُ. فَلَمَّا
أَنْ جَاءَ بِالْعَشِيِّ وَجَدُوهُ. قَالَ: يَا أَبَا مُوسَى، مَا تَقُولُ؟ أَقَدْ وَجَدْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. أُبَيَّ بْنَ
٣٦ - (٠٠٠) - قوله: (ألهاني عنه الصفق بالأسواق) ألهاه: إذا جعله في غفلة، والصّفْق
بفتح الصّاد وسكون الفاء، وقيل: بفتحها أيضاً، جمع الصّفقة، وهي العقد. والمراد منها هنا
التجارة يعني أنّني بقيت مشغولاً في عهد رسول الله وَّله بالتجارة في الأسواق، فلم أسمع من
النبي * أشياء تعلّمها غيري، وفيه تواضع من عمر ظُه، واعتراف منه بالتقصير. وفيه أن
الحاكم أو الكبير لا يخجل من الاعتراف بعدم علمه أمام أصاغره.

٢٠٣
كتاب: الآداب
كَعْب. قَالَ: عَدْلٌ. قَالَ: يَا أَبَا الُفَيْلِ، مَا يَقُولُ هُذَا؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴾
يَقُولِّ ذَلِكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! فَلاَ تَكُونَنَّ عَذَاباً عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ وَلِّهِ. قَالَ: سُبْحَانَ
اللَّهِ، إِنَّمَا سَمِعْتُ شَيْئاً. فَأَحْبَيْتُ أَنْ أَتَثَبَّتَ.
٥٥٩٩ - (٠٠٠) وحدّثناه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ
هَاشِمِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، بِهِذَا الإِسْنَادِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أنْتَ
سَمِعْتَ هُذَا مِنْ رَسُولِ اللّهِ وَهِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَلاَ تَكُنْ، يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، عَذَاباً عَلَى
أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَلَهَ. وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ قَوْلٍ عُمَرَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَمَا بَعْدَهُ.
(٨) - باب: كراهة قول المستأذن أنا، إذا قيل: من هذا؟
٥٦٠٠ - (٣٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ، عَنْ
شُعْبَةً، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيِّ نَّهِ. فَدَعَوْتُ.
فَقَالَ النَّبِيُّ وَّهِ: ((مَنْ هَذَا؟)) قُلْتُ: أَنَا. قَالَ: فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: ((أَنَا. أَنَا !! )).
٣٧ - (٢١٥٤) - قوله: (فلا تكوننّ عذاباً على أصحاب رسول الله (وَل ** ) قال القرطبي:
((إنكار على عمر ربه تهديده لأبي موسى. ففيه ما كانوا عليه من الحقّ والقوّة في دين الله
تعالى. ولما تحقق عمر له اعتذر)).
قوله: (فأحببت أن أتثبّت) أي: أتحقّق، وأتأكّد من صحته. وقد مرّ أنه أراد سدّ باب
الإكثار من الرواية عن رسول الله وَله بدون التثبت في ذلك، ولم يكن ليتهم أبا موسى بالكذب.
(٨) - باب: كراهة قول المستأذن ((أنا)» إلخ
٣٨ - (٢١٥٥) - قوله: (عن جابر بن عبد الله) هذا الحديث أخرجه البخاري في
الاستئذان، باب إذا قال: من ذا؟ قال: أنا، (٦٢٥٠)، وأبو داود في الأدب، باب الرجل
يستأذن بالدقّ (٥١٨٧)، والترمذي في الاستئذان، باب ما جاء في التسليم قبل الاستئذان
(٢٧١٢)، وابن ماجه في الآداب، باب الاستئذان (٣٧٥٣).
قوله: (أتيت النبي ( *) وزاد البخاري: ((في دين كان على أبي فدققت الباب) وبه ظهر أن
المراد من قوله ((فدعوت)) أي استأذنت بدق الباب.
قوله: (فخرج وهو يقول: أنا، أنا) هذا يحتمل وجهين: الأول أنه كرّر لفظ جابر إنكاراً
منه عليه، والثاني: أنه قال: إن لفظ ((أنا)) يستعمل لكل متكلم، فلا يحصل به التعريف.
وبالجملة، ففيه كراهة لمثل هذا الجواب، فإن المستأذن عليه أن يعرف نفسه بوضوح، وإن هذا
الجواب ليس فيه فائدة جديدة لمن لا يعرف الصوت. وإن كان الآخر يعرف الصوت فإن كلمة
(أنا) مختصرة جدًّا لا تتضح بها ممّيزات الصوت. ثمّ إنّ في هذا القول إيهاماً بالكبر، حيث

٢٠٤
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥٦٠١ _ (٣٩) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. وَاللَّفْظُ لأَبِي بَكْرٍ -
(قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا) وَكِيعُ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ،
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ. قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى النَّبِيِّ وَّهِ. فَقَالَ: ((مَنْ هُذَا؟)) فَقُلْتُ: أَنَا.
فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ: ((أَنَا، أَنَا !! )).
٥٦٠٢ - (٠٠٠) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ وَأَبُو عَامِرٍ
الْعَقَدِيُّ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ. حَ وَحَدَّثَنِي
عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ بِشْرٍ. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. كلَّهُمْ عَنْ شُعْبَةَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَفِي حَدِيثِهِمْ: كَأَنَّهُ كَرِهَ
ذُلِكَ.
(٩) - باب: تحريم النظر في بيت غيره
٥٦٠٣ - (٤٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْح. قَالاَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ
(وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى). ح وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنِ أَبْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ سَهْلَ بْنَ
سَعْدِ السَّاعِدِيَّ أَخْبَرَهُ؛
يزعم الإنسان أنه غنيّ عن التعريف، وهذا، وإن كان منتفياً في حقّ جابر في ذلك المقام، ولكنه
تعليم عامّ. ودل الحديث على أن المستأذن يجب عليه أن يعرّف نفسه بما تقع به المعرفة
للمخاطب، حتى صرح النووي أنه إذا لم يقع التعريف إلا بالكنية لا بأس بذكر الكنية، وكذا لا
بأس أن يقول: أنا الشيخ فلان، أو القارئ فلان، أو القاضي فلان، إذا لم يحصل التمييز إلا
بذلك.
استطراد
ومن طريف ما يحكى في هذا أن الزمخشري استأذن عليه أحد من النحاة، فسأله عن
اسمه، فقال: عمر - وكان هذا الجواب المختصر غير مفيد للتعريف - فقال الزمخشري:
انصرف. فقال المستأذن: إن عمر لا ينصرف. فأجاب الزمخشري: إذا نُكّر صرف.
(٩) - باب: تحريم النظر في بيت غيره
٤٠ - (٢١٥٦) - قوله: (أن سهل به سعد الساعدي أخبره) هذا الحديث أخرجه البخاري
في الديات، باب من اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينه فلا دية له، (٦٩٠١)، وفي اللباس، باب
الامتشاط (٥٩٢٤)، وفي الاستئذان، باب الاستئذان من أجل البصر (٦٢٤١)، وأخرجه الترمذي
في الاستئذان، باب من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم، (٢٧١٠) والنسائي في القسامة، باب في
العقول (٤٨٥٩).

٢٠٥
کتاب: الآداب
أَنَّ رَجُلاً اطَّلَعَ فِي جُحْرٍ فِي بَابٍ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ مِذْرَى يَحُثُ بِهِ
رَأْسَهُ. فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ وَ ◌ّ قَالَ: ((لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْتَظُرُنِي لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ)) وَقَالَ
قوله: (أن رجلاً اطّلع) نقل ابن بشكوال عن أبي الحسن بن الغيث أنه الحكم بن أبي
العاص والد مروان ولم يذكر مستنداً لذلك، وذكر الحافظ في الفتح (١٢ : ٢٤٣) رواية للفاكهي
ولكنها ليست صريحة في ذلك. واستظهر الحافظ أنه سعد بن عبادة، وذلك لما أخرج أبو داود
من طريق هذيل بن شرحبيل، قال: ((جاء سعد، فوقف على باب النبي ◌َّر، فقام يستأذن على
الباب، فقال: هكذا عنك، فإنّما الاستئذان من أجل البصر)) ولم ينسب سعد هذا في رواية أبي
داود، ووقع في رواية الطبراني أنه سعد ابن عبادة. ولكن رواية أبي داود والطبراني ليست
صريحة في أن قصتها عين قصة حديث جابر، وليس فيها تهديد النبي ◌َّير بالطعن في عين
سعد رّ ته، ومن المستبعد أن يكون رسول الله وَ ليل هدّد سعداً بالطعن في عينه. ويمكن أن يكون
الرجل في حديث الباب أحد الأعراب أو المنافقين، والله أعلم.
قوله: (في ◌ُخْر) بضم الجيم وسكون الحاء، وهو ثقب مستدير في حائط أو أرض.
قوله: (ومع رسول الله ﴿ مِدرىٌّ) بكسر الميم وسكون الدال وفي آخره ألف مقصورة،
وهي حديدة يسوى بها شعر الرأس. وقيل: هو شبه المشط. وقيل: هو أعواد تحدد تجعل شبه
المشط. وقيل: هو عود تسوي به المرأة شعرها، والكلمة تذكر وتنث، وجمعها مدارى، ويقال
للواحدة مدراة ومِدراية أيضاً .
قوله: (يحك به رأسه) وفي بعض الروايات (يرجّل)، ولا منافاة بينهما فإن الترجّل ربما
يسبقه الحكّ.
قوله: (لو أعلم أنك تنتظرني) وفي بعض الروايات: ((لو أعلم أنك تنظر)) وكلاهما بمعنى
واحد.
قوله: (لطعنت به في عينك) حمله بعض العلماء على التهديد فقط، وقالوا: لا يجوز طعن
العين في هذه الحالة. وقال النووي: ((في هذا الحديث جواز رمي عين المتطلع بشيء خفيف.
فلو رماه بخفيف ففقأها فلا ضمان إذا كان قد نظر في بيت ليس فيه امرأة محرم)) وسيجيئ صريحاً
في حديث أبي هريرة: ((من اطلّع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حلّ لهم أن يفقؤوا عينه)) ولا يمكن
حمله على التهديد فقط، ولا على الرمي الخفيف، لأنه أحلّ فقأ العين قصداً. فالظاهر أنه
محمول على من لا يمتنع من النّظر في البيت إلّا به. ومن حقّ الرجل أن يدافع عن نفسه وعن
أهل بيته وعن التدخل في خلواته، ويجوز له القتال على ذلك. فالمراد - والله أعلم - أنه يجوز
لصاحب البيت أن يدفع عنه المطّلع بما أمكن له، ولو أدى ذلك إلى فقأ عينه. وراجع لتفصيل
أقوال العلماء في هذا فتح الباري (١٢ : ٢٤٥).

٢٠٦
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((إِنَّمَا جُعِلَ الإِذْنُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ)).
٥٦٠٤ - (٤١) وحدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ؛ أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدِ الأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ رَجُلاً اطَّلَعَ مِنْ جُحْرٍ فِي بَابٍ
رَسُولِ اللّهِ،وَلّهِ. وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ لَيهِ مِدْرَى يُرَجِّلُ بِهِ رَأْسَهُ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِّ ◌َهَ: ((لَوْ
أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ، طَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ. إِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ الإِذْنَ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ)).
٥٦٠٥ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ
أَبِي عُمَرَ. قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا
عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ. كِلاَهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ
النَّبِيِّ بَّهِ ... نَحْوَ حَدِيثِ اللَّيْثِ وَيُونُسَ.
٥٦٠٦ - (٤٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَأَبُو كَامِلٍ، فُضَيْلُ بْنُ حُسَيْنٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ
سَعِيدٍ - وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى وَأَبِي كَامِلٍ - (قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا)
حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ؛ أَنَّ رَجُلاً اطَلَعَ مِنْ
بَعْضِ حُجَرِ النَّبِيِّ وََّ. فَقَامَ إِلَيْهِ بِمِشْقَصٍ أَوْ مَشَاقِصَ. فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَرَ،
يَخْتِلُهُ لِيَطْعَنَهُ.
قوله: (إنما جُعل الإذن من أجل البصر) يعني أن الاستئذان إنما شرع لوقاية صاحب البيت عن
نظر الأجانب، فلو استأذن الرجل صاحب البيت، وهو يشاهد ما في بيته، فإن الاستئذان لا معنى له
حينئذ. وأخرج أبو داود عن عبد الله بن بسر: ((كان رسول الله ◌َّ﴿ إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب
من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، وذلك أن الدُّور لم يكن عليها ستور)).
٤٢ - (٢١٥٧) - قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه البخاري في الاستئذان
باب الاستئذان من أجل البصر (٦٢٤٢)، وفي الديات، باب من اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينه،
فلا دية له (٦٩٠٠)، وباب من أخذ حقه أو اقتص دون السلطان (٦٨٨٩)، وأخرجه أبو داود في
الأدب، باب الاستئذان (٥١٧١)، والترمذي في الاستئذان، باب من اطلع في دار قوم بغير
إذنهم، (٢٧٠٩)، والنسائي في القسامة، باب في العقول (٤٨٥٨).
قوله: (بمشقص) بكسر الميم وفتح القاف، وهو نصل السهم إذا كان طويلاً غير عريض.
قاله الحافظ في الفتح (١١: ٢٥) وقال النووي: ((هو نصل عريض للسهم)). ولعلّ أبا هريرة ◌َظُه
شبّه المدرى بالمشقص، أو واقعة حديث أبي هريرة غير واقعة حديث جابر.
قوله: (أو بمشاقص) هذا شك من الراوي أن شيخه روى الكلمة مفردة أو جمعاً.
قوله: (يختله) بفتح الياء وكسر التاء، أي: يراوغه ويستغفله، والختل: تفويق السّهم أو
الرمح إلى من هو غافل عن الرامي.

٢٠٧
کتاب: الآداب
٥٦٠٧ - (٤٣) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَِّ. قَالَ: ((مَنِ الْلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَوُا
عَیْنَهُ)) .
٥٦٠٨ - (٤٤) حدّثنا ابْنُ أَبِي عُمَرَ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج،
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ: ((لَوْ أَنَّ رَجُلاً اطَلَعَ عَلَيْكَ بِغيرِ إِذْنٍ فَخَذَفَتَهُ
بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ)).
(١٠) - باب: نظر الفجأة
٥٦٠٩ - (٤٥) حدّثني قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْع. ح وَحَدَّثَنَا أَبُو
بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ. كِلاَهُمَا عَنْ يُونُسَ. حَ وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ
حَرْبٍ. حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ. أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سأَلْتُ رَسُولَ اللّهِ بِ ◌ّهِ عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ. فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي.
٤٣ - (٢١٥٨) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الديات، باب من
أخذ حقه أو اقتص دون السلطان (٦٨٨٧ و٦٨٨٨) وباب من اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينه، فلا
ديه له (٦٩٠٢)، وأخرجه أبو داود في الأدب، باب في الاستئذان (٥١٧٢)، والنسائي في
القسامة، باب من اقتص وأخذ حقه دون السلطان (٤٨٦٠ و٤٨٦١).
قوله: (فقد حلّ لهم أن يفقؤوا عينه) تقدم أنه إذا لم يمتنع إلّا به. وأن هذا مبني على مبدأ
جواز دفع الصائل .
(١٠) - باب: نظر الفجأة
٤٥ - (٢١٥٩) - قوله: (عن جرير بن عبد الله) يعني: البجليّ رَظُه، وهو صحابي شهير
أسلم قبل سنة عشر من الهجرة، وكان جميل الصورة حتى قال عمر نظره: هو يوسف هذه
الأمة. وبعثه النبي ◌َّ ه إلى ذي الخلصة فهدمها. وقدمه عمر في حروب العراق على جميع
بجيلة، وكان لهم أثر عظيم في فتح القادسية. ثم سكن جرير الكوفة، وأرسله عليّ رسولاً إلى
معاوية، ثم اعتزل الفريقين وسكن قرقيسيا حتى مات سنة (٥١هـ أو ٥٤هـ) وأخرج الطبراني عن
علي مرفوعاً: ((جرير منا أهل البيت)). كذا في الإصابة (١: ٢٣٣ و٢٣٤).
وحديثه هذا أخرجه أبو داود في النكاح، باب ما يؤمر من غض البصر (٢١٤٨)،
والترمذي في الأدب، باب ما جاء في نظر الفجأة (٢٧٧٧).
قوله: (عن نظر الفجاءة) هو بضم الفاء وفتح الجيم والمد. ويقال: فجأة بضم الفاء

٢٠٨
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥٦١٠ - (٠٠٠) وحدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَىُ. وَقَالَ إِسْحَاقُ:
أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. كِلاَهُمَا عَنْ يُونُسَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ.
وسكون الجيم والقصر، لغتان: وهي البغتة، ومعنى نظر الفجأة أن يقع بصره على الأجنبيّة من
غير قصد. فلا إثم عليه في أول ذلك. ويجب أن يصرف بصره في الحال، فإن صرف في الحال
فلا إثم عليه. وإن استدام النظر أثم لهذا الحديث، فإنه ◌َلإر أمره بأن يصرف بصره، مع قوله
تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ﴾ .
قال النووي: ((قال القاضي: قال العلماء: وفي هذا حجة أنه لا يجب على المرأة أن تستر
وجهها في طريقها، وإنما ذلك سنة مستحبة لها. ويجب على الرجال غضّ البصر عنها في جميع
الأحوال إلا لغرض صحيح شرعيّ، وهو حالة الشهادة والمداواة وإرادة خطبتها أو شراء الجارية
أو المعاملة بالبيع والشراء وغيرهما ونحو ذلك، وإنما يباح في جميع هذا قدر الحاجة، دون ما
زاد، والله أعلم)).
وسيأتي تفصيل مسألة ستر الوجه في كتاب السلام، باب إباحة الخروج للنساء لقضاء
حاجة الإنسان عند الكلام على مسألة الحجاب إن شاء الله تعالى.
قد تمّ شرح كتاب الأدب بتوفيق الله تعالى ليوم الأربعاء التاسع عشر من شهر ذي القعدة
سنة: (١٤١٠ هـ) أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني بفضله لإكمال شرح باقي الأبواب كما يحبه
ويرضاه. إنه تعالى سميع قريب مجيب الدعوات، وإنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.
وصلى الله تعالى على سيدنا ومولانا محمد النبي الأمين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

٢٠٩
كتاب: السلام
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
كتاب: السلام
(١) - باب: ((يسلّم الراكب على الماشي، والقليل على الكثير))
٥٦١١ - (١) حدّثني عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَم. حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْچٍ. ح
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَرْزُوقٍ. حَدَّثَنَا رَوْحٌ. حَدَّثْنَا ابْنُ جُرَيْجِ. أَخْبَرَنِيَ زِيَادٌ؛ أَنَّ ثَابِتَاً، مَوْلَى
عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((يُسَلِّمُ
الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ،
[٣٩] - كتاب السلام
(١) - باب: يسلّم الراكب على الماشي، والقليل على الكثير
١ - (٢١٦٠) - قوله: (سمع أبا هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الاستئذان، باب
تسليم القليل على الكثير (٦٢٣١)، وباب تسليم الراكب على الماشي، (٦٢٣٢)، وباب تسليم
الماشي على القاعد (٦٢٣٣)، وباب يسلم الصغير على الكبير (٦٢٣٤)، وأخرجه أبو داود في
الأدب، باب من أولى بالسلام (٥١٩٨، و٥١٩٩)، والترمذي في الاستئذان، باب ما جاء في
تسليم الراكب على الماشي (٢٧٠٤ و٢٧٠٥).
قوله: (يسلّم الراكب على الماضي) وحكمته على ما ذكره المهلب أن لا يتكبر الراكب
بركوبه، فيرجع إلى التواضع. وقال المأزري: أمر الراكب لأن له مزية على الماشي، فعوض
الماشي بأن يبدأه الراكب بالسلام احتياطاً على الراكب بالزهو لو حاز الفضيلتين.
قوله: (والماشي على القاعد) وفي رواية للبخاري: ((والمارّ على القاعد)) وهو أشمل، لأن
المارّ أعم من أن يكون ماشياً أو راكباً، وحكمة ابتدائه بالسلام على ما ذكره المهلب أن المارّ له
شبه بالداخل على أهل المنزل. وقال المأزري: إن القاعد ربما يخاف من المارّ بعض الشرّ، ولا
سيما إذا كان راكباً. فإذا ابتدأه بالسلام أمن منه ذلك وأنس إليه؛ أو لأن المارّ إنما هو مشغول
بحاجته، وفي التصرف في الحاجات نوع من الامتهان، فصار للقاعد مزية، فأمر بالابتداء؛ أو
لأن القاعد يشق عليه مراعاة المارّين مع كثرتهم، فسقطت البداءة عنهم للمشقة، بخلاف المارّ،
فإنه لا مشقة عليه. هذا ملخص ما في فتح الباري (١١: ١٧).

٢١٠
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ)).
(٢) - باب: من حق الجلوس على الطريق ردّ السلام
٥٦١٢ - (٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ
زِيَادٍ. حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ. قَالَ:
قَال أَبُو طَلْحَةَ: كُنَّا قُعُوداً بِالأَفْنِيَةِ نَتَحَدَّثُ. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ نَلهَفَقَامَ عَلَيْنَا. فَقَالَ:
((مَالَكُمْ وَلِمَجَالِسِ الصُّعُدَاتِ؟ اجْتَنِبُوا مَجَالِسَ الصُّعُدَاتِ)) فَقُلْنَا: إِنَّمَا فَعَدْنَا لِغَيْرِ مَا بَأْسٍ.
قوله: (والقليل على الكثير) لأن للكثير مزيّة، ولأنّ توجه الأمر بالسلام إلى القليل أخفّ
وأسهل من توجهه إلى الكثير. وقال الفقيه أبو الليث تخلفه: ((إذا دخل جماعة على قوم، فإن تركوا
السلام فكلهم آثمون في ذلك وإن سلّم واحد منهم جاز عنهم جميعاً، وإن سلّم كلهم فهو
أفضل. وإن تركوا الجواب فكلهم آثمون، وإن ردّ واحد منهم أجزأهم، وبه ورد الأثر، وإن
أجاب كلهم فهو أفضل)) كذا في الفتاوى الهندية (٥: ٣٢٥).
وقال الماوردي: ((لو دخل شخص مجلساً، فإن كان الجمع قليلاً يعمهم سلام واحد فسلّم
كفاه، فإن زاد فخصص بعضهم فلا بأس، ويكفي أن يرد منهم واحد، فإن زاد فلا بأس. وإن
كانوا كثيراً بحيث لا ينتشر فيهم فيبتدئ أول دخوله إذا شاهدهم، وتتأدى سنة السلام في حق
جميع من يسمعه، ويجب على من سمعه الرد على الكفاية. وإذا جلس سقط عنه سنة السلام
فيمن لم يسمعه من الباقين)) كذا في فتح الباري (١١: ١٤ و١٥).
وذكر الماوردي أيضاً أن من مشى في الشوارع المطروقة كالسّوق أنه لا يسلم إلا على
البعض، لأنه لو سلّم على كل من لقي لتشاغل به عن المهم الذي خرج لأجله، ولخرج به عن
العرف. حكاه الحافظ في الفتح (١١: ١٧) ثم قال: ((ولا يعكر على هذا ما أخرجه البخاري في
الأدب المفرد عن الطفيل بن أبيّ بن كعب، قال: كنت أغدو مع ابن عمر إلى السوق، فلا يمر
على بيّاع ولا أحد إلّا سلّم عليه. فقلت: ما تصنع بالسوق وأنت لا تقف على البيع ولا تسأل
عن السّلع؟ قال: إنما نغدو من أجل السلام على من لقينا، لأن مراد الماوردي من خرج في
حاجة له فتشاغل عنها بما ذكر. والأثر المذكور ظاهر في أنه خرج لقصد تحصيل ثواب
السلام)).
(٢) - باب: من حقّ الجلوس على الطريق رد السلام
٢ - ٢١٦١) - قوله: (قال أبو طلحة) هذا الحديث لم يخرجه أحد غير المصنف من الأئمة
الستّة.
قوله: (ولمجالس الصُعُدات) بضم الصاد والعين، وهي الطرقات، واحدها صعيد،
كطريق، وجمعه صُعُد وصُعُدات. و((مجالس الصُعُدات)) المراد منها المجالس الكائنة في الطرق.

٢١١
كتاب: السلام
قَعَدْنَا نَتَذَاكَرُ ونَتَحَدَّثُ. قَالَ: ((إِمَّا لاَ. فَأَذُوا حَقَّهَا: غَضُّ الْبَصَرِ، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَحُسْنُ
الْكَلامِ».
٥٦١٣ - (٣) حدّثنا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ،
عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ وَِّ. قَالَ: ((إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ
بِالطُرُقَاتِ)). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا بُذُّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا. قَالَ
رَسُولُ اللّهِ وَ: ((إِذَا أَبَيْتُمْ إِلاَّ الْمَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ)) قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: ((غَضُ
الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَىَ، وَرَدُّ السَّلاَمِ، وَالأَمْرُ بِالْمَغْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرٍ)).
٥٦١٤ - (٠٠٠) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ. ح
وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنْ هِشَامٍ، يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ، كِلاَهُمَا عَنْ
زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
(٣) - باب: من حق المسلم للمسلم ردّ السلام
٥٦١٥ - (٤) حدّثني حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ؛ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((حَقُّ الْمُسلم
عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ)). حَ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ،َ
عَنِ الزُّهْرِيِّ،َ عَنِ ابْنِ الْمُسَيْبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ نَ: ((خَمْسٌ تَجِبُ
◌ِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ: رَدُّ السَّلامِ،
قوله: (إمّا لا) بكسر الهمزة، والمراد إن لم تتركوا الجلوس في الطرق، فأدوا حقها. وقد
سبق شرح هذا الحكم في كتاب اللباس، باب النهي عن الجلوس في الطرقات وإعطاء الطريق
حقه .
٣ - (٢١٢١) - قوله: (عن أبي سعيد الخدريّ) تقدم هذا الحديث في كتاب اللباس، باب
النهي عن الجلوس في الطرقات، وتقدم تخريجه وشرحه هناك مستوفى.
(٣) - باب: من حق المسلم للمسلم ردّ السلام
٤ - (٢١٦٢) - قوله: (أن أبا هريرة قال) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجنائز، باب
الأمر باتباع الجنائز (١٢٤٠)، وأبو داود في الأدب باب في العطاس (٥٠٣٠)، والترمذي في
الأدب، باب ما جاء في تشميت العاطس (٢٧٣٨)، والنسائي في الجنائز، باب النهي عن سب
الأموات (٧٠٣٨)، وابن ماجه في الجنائز، باب ما جاء في عيادة المريض (١٤٣٤).
قوله: (ردّ السّلام) قال النووي كثّفُ: ((نقل ابن عبد البر إجماع المسلمين على أن ابتداء

٢١٢
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ،
السلام سنة، وأن رده فرض (أي واجب). وأقلّ السّلام أن يقول: السلام عليكم، فإن كان
المسلّم عليه واحداً فأقلّه ((السلام عليك)) والأفضل أن يقول: ((السلام عليكم)) ليتناوله وَمَلَكَيْهِ
(أي الكاتبين)، وأكمل منه أن يزيد: ((ورحمة الله)) وأيضاً ((وبركاته)). ولو قال: ((سلام عليكم))
أجزأه. واستدل العلماء لزيادة ((ورحمة الله وبركاته)) بقوله تعالى إخباراً عن سلام الملائكة بعد
ذكر السلام: ﴿رَحْمَتُ اَللَّهِ وَبَرَكَتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ وبقول المسلمين كلهم في التشهد: ((السلام
عليك أيّها النبيّ ورحمة الله وبركاته)). ويكره أن يقول المبتدئ ((عليكم السلام)) وقد صح أن
النبي ◌َّ قال: ((لا تقل: عليك السلام))، فإن ((عليك السلام)) تحية الموتى.
((وأما صفة الرد، فالأفضل والأكمل أن يقول: ((وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته))،
فيأتي بالواو، فلو حذفها جاز وكان تاركاً للأفضل، ولو اقتصر على: ((وعليكم السلام))، أو
على: ((عليكم السلام)) أجزأه، ولو اقتصر على: ((عليكم)) لم يجزه بلا خلاف، ولو قال:
((وعليكم)) بالواو، ففي إجزائه وجهان لأصحابنا ... وأقلّ السّلام ابتداء وردًّا أن يُسمع صاحبه،
ولا يجزئه دون ذلك)).
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: وقد رأيت في بعض كتب شيخ مشايخنا الإمام محمد
أشرف على التهانويّ تَّفُ تعالى أن ردّ السلام واجب، وإسماعه مستحبّ. وفيه سعة لمن يشكل
عليه الإسماع ولكني لم أجده في كتب الفقهاء القدامى.
ثم قال النووي كثّفُ: ((ويشترط كون الردّ على الفور. ولو أتاه سلام من غائب مع رسول،
أو في ورقة، وجب الردّ على الفور. وقد جمعت في كتاب الأذكار نحو كرّاستين في الفوائد
المتعلقة بالسلام)).
ومن هنا قال بعض العلماء إن جواب الرسالة البريدية واجب، لأنها مشتملة على السّلام.
وفيه نظر، لأن واجب ردّ السلام يمكن أن يتأدى باللسان عند قراءة الرسالة. فأما إبلاغه إلى
المرسل، فليس بواجب كما نقلت عن الشيخ التهانوي كثّفُهُ. وحينئذ لا يجب جواب الرسالة
البريدية، ولا سيّما إذا كان يحتاج إلى بذل مال، والله أعلم.
قوله: (وتشميت العاطس) أصله كما ذكره النووي عن ثعلب، التسميت بالسّين، ومعناه:
الدعاء بهدايته إلى السّمت، فقلبت السّين شيئاً. وتشميت العاطس وتسمِيْتُه: أن يدعى له
بالرحمة، وحكى الأزهريّ عن الليث أن التشميت ذكر الله تعالى على كل شيء. قال ابن
الأنباري: شمّته وسمّت عليه: إذا دعوت له بخير، وكل داع بالخير فهو مشمّت ومسمّت. كذا
في شرح النووي، كتاب اللباس، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة إلخ.
قوله: ثم اختلف العلماء: هل التشميت واجب أو سنة. وجملة ما تحصل لي في ذلك
أقوال ثلاثة :

٢١٣
كتاب: السلام
١ - إنه سنة على الكفاية، وهو الذي اختاره النوويّ من الشافعية، وعبد الوهاب وجماعة
من المالكية، كما حكى عنهم الحافظ.
٢ - إنه فرض عين، وهو الذي اختاره جماعة من الشافعيّة، على ما حكى عنهم ابن أبي
جمرة، وبه قال جمهور أهل الظاهر، وابن مزين من المالكية، وقوّاه ابن القيّم في حاشية السّنن،
وهو مفاد قول ابن دقيق العيد.
٣ - إنه واجب على الكفاية. وهو مذهب الحنفيّة وجمهور الحنابلة، وهو قول ابن رشد
وابن العربي من المالكية، كما حكى عنهم الحافظ في الفتح (١٠: ٦٠٣)، ورجّح هذا المذهب
الثالث من حيث الدليل.
أما دليل الوجوب، فما سيأتي من صيغة الأمر في حديث أبي هريرة. وهناك حديث آخر
لأبي هريرة عند البخاري في الأدب (رقم: ٦٢٢٣) ولفظه: ((فحقّ على كل مسلم سمعه أن
يشمّته))، وذكر الحافظ أن للبخاري من وجه آخر عن أبي هريرة: ((خمس تجب للمسلم على
المسلم))، ولأحمد وأبي يعلى عن عائشة: ((إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل من
عنده: يرحمك الله))، ولا ريب أن الفقهاء أثبتوا وجوب أشياء كثيرة بدون مجموع هذه الأشياء.
ولكن الأحاديث الدالة على الوجوب لا تنافي كونه على الكفاية، كما أن أحاديث ردّ السّلام دالة
على الوجوب، ولكنه وجوب على الكفاية بالاتفاق.
ومن آداب العاطس أن يخفض بالعطس صوته (أي بقدر ما يستطيع) ويرفعه بالحمد، وأن
يغطي وجهه لئلا يبدو من فيه أو أنفه ما يؤذي جليسه، ولا يلوي عنقه يميناً ولا شمالاً لئلا يتضرر
بذلك. قال ابن العربي: ((ولو لوّى عنقه صيانة لجليسه لم يأمن من الالتواء، وقد شاهدنا من وقع
له ذلك)) وقد أخرج أبو داود والترمذي بسند جيّد عن أبي هريرة قال: ((كان النبي ◌َّ إذا عطس
وضع يده على فيه، وخفض صوته)) ذكره الحافظ في الفتح (١٠: ٦٠٢).
ثم إن التشميت إنما يجب إذا حمد العاطس، لما سيأتي في حديث أبي هريرة: ((وإذا
عطس فحمد الله فسمّته)) فأما إذا لم يحمد العاطس، لا يجب التشميت. وكذلك الكافر لا يجب
تشميته، لكن يستحب أن يدعى له بالهداية، كما ورد في حديث أبي موسى عند أبي داود:
((كانت اليهود يتعاطسون عند النبي وق لو رجاء أن يقول: يرحمكم الله، فكان يقول: يهديكم الله
ويصلح بالكم)) وهل يسمّى ذلك تشميتاً؟ فيه خلاف. فمن جعل التشميت خاصاً بالدعاء بالرحمة
لم يجعله تشميتاً، ومن عمّمه لكل دعاء سمّاه تشميتاً. وقد أسلفنا أقوال أهل اللغة في ذلك.
وقال النووي في الأذكار: ((إذا تكرر العطاس متتابعاً، فالسنة أن يشمته لكل مرة إلى أن
يبلغ ثلاث مرات. روينا في صحيح مسلم وأبي داود والترمذي عن سلمة ابن الأكوع ◌َظُبه أنه

٢١٤
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ،
سمع النبي ◌ّ﴿ وعطس عنده رجل، فقال له: يرحمك الله. ثم عطس أخرى، فقال له
رسول الله وَّل: الرجل مزكوم)). وسيأتي في كتاب الزهد والرقائق إن شاء الله تعالى.
وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة قال: ((يشمّته واحدة وثنتين وثلاثاً، وما
كان بعد ذلك فهو زكام))، وأخرجه أبو داود من رواية الليث عن ابن عجلان، وقال فيه: ((لا
أعلمه إلا مرفوعاً)). وفي الموطأ عن أبي بكر ◌ُْه مرفوعاً: ((إن عطس فشمّته، ثمّ إن عطس
فشمّته، ثم إن عطس فقل: إنك مضنوك)) وأخرج ابن أبي شيبة من طريق عمرو بن العاص
مرفوعاً: ((شمّتوه ثلاثاً، فإن زاد فهو داء يخرج من رأسه)).
ومفاد هذه الأحاديث أنه يشمّت إلى الثلاثة. ومفاد حديث سلمة بن الأكوع أنه يترك
التشميت بعد الأولى ولكن يحتمل أن يكون رسول الله وير علم بعد الأولى أن الرجل مزكوم،
فأمسك بعد الأولى من أجل ذلك. أمّا من لم يعلم في المرة الأولى، فيشمته إلى ثلاث مرات،
كما وقع في الأحاديث الأخرى، ولعل هذا أحسن ما يجمع به بين الأحاديث، ولم أره صريحاً،
والله أعلم.
وقد يستشكل هذه الأحاديث بأن المريض أولى بأن يدعى له، فلما ذا لم يشرع التشميت
في حقه بعدما عرف كونه مريضاً؟ وأجاب عنه الحافظ في الفتح (١٠ : ٦٠٦) بما حاصله أن
المريض يدعى بدعاء يلائمه، لا بالدعاء المشروع العاطس الذي عطاسه محمود ناشئ عن خفة
البدن، فإذا ثبت بتكرر عطاسه أن عطاسه ناشى عن مرض، فإنما يدعى له بالعافية، ويكفي ذلك
مرة. أما إذا قلنا بأنه يشمّت في كل مرّة، فقد يؤدي ذلك إلى الحرج والمشقّة، فإن المزكوم ربّما
يعطس أكثر من ثلاث مرات، وليس لتكرر عطاسه عدد معين.
وجاء في الفتاوى الهنديّة (٥: ٣٢٦): («تشميت العاطس واجب إن حمد العاطس، فيشمته
إلى ثلاث مرّات، وبعد ذلك هو مخيّر، كذا في السراجية. وينبغي لمن يحضر العاطس أن
يشمّت العاطس إذا تكرّر عطاسه في مجلس إلى ثلاث مرات، فإن عطس أكثر من ثلاث مرات،
فالعاطس يحمد الله تعالى في كل مرة، فمن كان بحضرته إن شمّته في كل مرّة فحسن، وإن لم
يشمّت بعد الثلاث فحسن أيضاً. كذا في فتاوي قاضى خان. وعن محمد تَغَفُ تعالى أن من
عطس مراراً يشمّت في كل مرة، فإن أخّر كفاه مرة واحدة. كذا في التتارخانية)).
قوله: (وإجابة الدعوة) وهي سنة، وقيل: واجبة لورود صيغة الأمر في الرواية الآتية،
ولكنه مقيّد بما إذا لم يكن له عذر. وفي الفتاوى الهندية (٥: ٣٤٣): ((لا ينبغي التخلف عن
إجابة الدعوة العامّة، كدعوة العرس والختان ونحوهما، وإذا أجاب فقد فعل ما عليه، أكل أو لم
يأكل، وإن لم يأكل فلا بأس به، والأفضل أن يأكل لو كان غير صائم، كذا في الخلاصة. ومن
دعي إلى وليمة فوجد ثمّة لعباً أو غناء فلا بأس أن يقعد ويأكل، فإن قدر على المنع يمنعهم، وإن

٢١٥
كتاب: السلام
وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِ)).
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: كَانَ مَعْمَرٌ يُرْسِلُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَأَسْنَدَهُ مَرَّةً عَنِ ابْنٍ
الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
٥٦١٦ - (٥) حدّثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ،
(وَهُوَ ابْنُ جَعْفٍَ)، عَنِ الْعَلاَءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلِ قَالَ: ((حَقُّ
الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتُّ)). قِيلَ: مَا هُنَّ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: ((إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلْمْ عَلَيْهِ. وَإِذَا
دَعَاكَ فَأَجِبْهُ. وَإِذَا أَسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ. وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَسَمِّتْهُ وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ.
وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِغْهُ» .
(٤) - باب: النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، وكيف يرد عليهم
٥٦١٧ - (٦) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ .
قَالَ: سَمِعْتُ أَنَساً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِ لَّ. ح وَحَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم. حَدَّثَنَا
لم يقدر يصبر. وهذا إذا لم يكن مقتدى به. أما إذا كان ولم يقدر على منعهم فإنه يخرج ولا
يقعد. ولو كان ذلك على المائدة لا ينبغي أن يقعد وإن لم يكن مقتدى به، وهذا كله بعد
الحضور. وأما إذا علم قبل الحضور فلا يحضر، لأنه لا يلزمه حق الدعوة، بخلاف ما إذا هجم
عليه، لأنه قد لزمه. كذا في السراج الوهاج)).
قوله: (وعيادة المريض) قال النووي: ((أما عيادة المريض، فسنة بالإجماع. وسواء فيه من
يعرفه ومن لا يعرفه، والقريب والأجنبيّ)) وجزم البخاري بالوجوب ووجهه الداودي وابن بطال
بأنه واجب على الكفاية، والجمهور على كونها سنة مندوبة، وذكر الطبري أنها تتأكد في حق من
ترجى بركته، وتسن فيمن يراعي حاله، وتباح فيما عدا ذلك، وفي الكافر خلاف. كذا في فتح
الباري (١٠: ١١٢ و١١٣).
قوله: (واتباع الجنائز) وهو سنة بالإجماع أيضاً، وسواء فيه من يعرفه وقريبه وغيرهما.
وسبق فضله والمسائل المتعلقة به في كتاب الجنائز.
٥ - (٠٠٠) - قوله: (وإذا استنصحك) يعني: إذا طلب منك النصيحة فعليك أن تنصحه ولا
تداهنه ولا تغشّه ولا تمسك عن بيان النصيحة.
(٤) - باب: النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام إلخ
٦ - (٢١٦٣) - قوله: (سمعت أنساً) هذا الحديث أخرجه البخاري في الاستئذان، باب
كيف يردّ على أهل الذمّة السلام؟ (٦٢٥٨)، وفي استتابة المرتدين، باب إذا عرّض الذمي أو

٢١٦
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
هُشَيْمٌ. أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ جَدِّهِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ قَالَ:
((إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ)).
٥٦١٨ - (٧) حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. ح وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ.
حَدَّثَنَا خَالِدُ، (يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ)، قَالاَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ
غيره بسبّ النبي ◌َّهِ ولم يصرّح (٢٩٢٦)، وأخرجه أبو داود في الأدب، باب في السلام على
أهل الذمة (٥٢٠٧)، والترمذي في التفسير، باب ومن سورة المجادلة، (٣٢٩٦)، وابن ماجه في
الآداب، باب رد السلام على أهل الذمة (٣٧٤١).
قوله: (فقولوا: وعليكم) ههنا مسئلتان: الأولى: هل يجوز ابتداء أهل الكتاب بالسلام؟
وتأتي هذه المسألة تحت آخر حديث في هذا الباب إن شاء الله تعالى. والمسألة الثانية: إذا بدأ
أهل الكتاب، فهل يجابون على ذلك؟ وكيف يجابون؟ وهذه المسألة هي المذكورة في هذا
الحديث. فأمر رسول الله وَلي بأن يردّ المسلم عليهم بقوله: ((وعليكم)) فقط، ولا يقول: ((وعليكم
السلام)». وقال بعض المالكية: يقول في جوابهم: ((السّلام عليكم)) بكسر السين، وهو بمعنى
الحجارة. وحكى ابن عبد البر عن ابن طاووس قال: يقول: ((علاكم السّلام)) بالألف، أي
ارتفع. وذهب بعض السّلف إلى أنه يجوز أن يقال في الرد عليهم: ((عليكم السلام)) كما يرد على
المسلم، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَأَصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَمْ﴾ وحكاه الماوردي وجهاً عن بعض
الشافعيّة، لكن لا يقول ((ورحمة الله)). وروى عن ابن عباس وعلقمة أنه يجوز عند الضرورة.
وعن الأوزاعي قال: ((إن سلمت فقد سلم الصالحون، وإن تركت فقد تركوا)) وعن طائفة من
العلماء: لا يرد عليهم أصلاً، وعن بعضهم التفرقة بين أهل الذمة وأهل الحرب. والراجح من
هذه الأقوال كلّها ما دل عليه حديث الباب، وهو أن يكتفي بقوله: ((وعليكم)). هذا ملخص ما
في فتح الباري (١١ : ٤٥).
وسيأتي في حديث ابن عمر وعائشة ﴿ّا أن اليهود كانوا يقولون للمسلمين: ((السّامُ عليكم"
والسّام: الموت. فأمرنا بإجابتهم بقولنا: ((وعليكم)) فقط. وقد روي هذا الجواب هنا ((وعليكم))
بإثبات الواو، ووقع في بعض الروايات الآتية: ((عليك)) أو ((عليكم)) بدون الواو. وكلا الجوابين
جائز، فأما بإثبات الواو، فمعناه أن السّام: وهو الموت لا يختصّ بنا، بل هو وارد عليكم في
أوان، كما أنه وارد علينا في أوننا، وهو معنى صحيح. وقيل: إن الواو فيه للاستئناف،
والتقدير: وعليكم ما تستحقونه من الذمّ.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: هذه المعاني كلّها ظاهرة في جواب من خاطب المسلم
بقوله: ((السّام عليكم)). أمّا إذا خاطب الكافر مسلماً بقوله: ((السلام عليكم)) فالظّاهر من عموم
لفظ الحديث أن جوابه: ((وعليكم)) أيضاً. ولم أر من الشرّاح من تعرض لمعناه حينئذ. ولعل
المراد حينذاك: ((وعليكم ما تستحقونه)).

٢١٧
كتاب: السلام
بَشَّارِ، وَاللَّفْظُ لَهُمَا، قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ
يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ؛ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ وَِّ قَالُوا لِلنَّبِيِّ نَّهِ: إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يُسَلِّمُونَ عَلَيْنَا.
فَكَيْفَ نَرُدُّ عَلَيْهِمْ؟ قَالَ: ((قُولُوا: وَعَلَيْكُمْ)).
٥٦١٩ - (٨) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرِ - وَاللَّفْظُ
لِيَحْيَى بْنِ يَحْيَى - (قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ الآخَرُونَ: حَدَّثَنَا)، إِسْمَاعِيلُ،
(وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِ :
(إِنَّ الْيَهُودَ إِذا سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ، يَقُولُ أَحَدُهُمُ: السَّامُ عَلَيْكُمْ. فَقُلْ: عَلَيْكَ)).
٥٦٢٠ - (٩) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ بَّهِ. بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ((فَقُولُوا: وَعَلَيْكَ)).
٥٦٢١ - (١٠) وحدّثني عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، (وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ)، قَالاً:
٨ - (٢١٦٤) - قوله: (سمع ابن عمر يقول) هذا الحديث أخرجه البخاري في الاستئذان،
باب كيف الرّدّ على أهل الذمة (٦٢٥٧)، وفي استتابة المرتدين، باب إذا عرض الذّميّ وغيره
بسبّ النبي ◌َ ل﴾ (٦٩٢٨)، وأبو داود في الأدب، باب في السلام على أهل الذمة (٢٠٦)،
والترمذي في السير، باب ما جاء في التسليم على أهل الكتاب (١٦٠٣).
قوله: (يقول أحدهم: السّامُ عليكم) بفتح السّين والألف الساكنة، وهو المشهور في
الروايات، وفسره أبو عبيد بالموت. وقيل: إنه ((السّأم)) مهموز الوسط، وهو مصدر سئمه سأماً.
والتفسير المروي عن قتادة يؤيده، قال الحافظ في الفتح (١١: ٤٢): ((في رواية عبد الوارث بن
سعيد، عن سعيد بن أبي عروبة، قال: كان قتادة يقول: تفسير السأم عليكم: تسأمون دينكم.
قال ابن بطال: ووجدت هذا الذي فسره قتادة مرويًّا عن النبي ◌َّ، أخرجه بقيّ بن مخلّد في
تفسيره من طريق سعيد عن قتادة عن أنس: ((أن النبي ◌َ* بينا هو جالس مع أصحابه إذا أتى
يهودي فسلّم عليه، فردّوا عليه، فقال: هل تدرون ما قال؟ قالوا: سلّم يا رسول الله قال: قال:
سام عليكم، أي تسأمون دينكم)). قلت: يحتمل أن يكون قوله: ((تسأمون دينكم)) تفسير قتادة كما
بينته رواية عبد الوارث. وقد أخرج البزار وابن حبان في صحيحه من طريق سعيد بن أبي عروبة
عن قتادة عن أنس: ((مر يهودي بالنبيّ ◌َّل) وأصحابه فسلّم عليهم، فردّ عليه أصحاب النبي ◌َّه
فقال: هل تدرون ما قال؟ قالوا: نعم سلّم علينا. قال: فإنه قال ((السّام عليكم)) أي تسأمون
دينكم، ردّوه عليّ. فردّوه فقال: كيف قلت؟ قال: قلت: السّام عليكم، فقال: إذا سلّم عليكم
أهل الكتاب، فقولوا: عليكم ما قلتم)).
قوله: (فقل: عليك) الفرق بين هذه الرواية والرواية الآتية إنما هو في إثبات الواو
وحذفها، وقد بيّنا معنى كل من الوجهين، والله سبحانه أعلم.

٢١٨
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتِ: اسْتَأْذِنَ رَهْطٌ مِنَ
الْيَهُودِ عَلَىْ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ. فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ
وَاللَّعْنَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرَّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ)) قَالَتْ: أَمْ
تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: ((قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُم)).
١٠ - (٢١٦٥) - قوله: (عن عائشة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الاستئذان، باب
كيف يرد على أهل الذمة السلام (٦٢٥٦)، وفي الجهاد، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة
والزلزلة (٢٩٣٥)، وفي الأدب، باب الرفق في الأمر كله (٦٠٢٤)، وباب لم يكن النبي وَل قر
فاحشاً ولا متفحشاً (٦٠٣٠)، وفي الدعوات، باب الدعاء على المشركين (٦٣٩٥)، وباب قول
النبي ◌َّله: يستجاب لنا في اليهود ولا يستجاب لهم فينا (٦٤٠١)، وفي استتابة المرتدين، باب
إذا عرّض الذمي وغيره بسبّ النبي ◌ِّر ولم يصرّح (٦٩٢٧)، والترمذي في الاستئذان، باب ما
جاء في التسليم على أهل الذمة (٢٧٠٢)، وابن ماجه في الآداب، باب ردّ السلام على أهل
الذمّة (٣٧٤٢).
قوله: (رهط من اليهود) قال الحافظ: ((لم أعرف أسماءهم، لكن أخرج الطبراني بسند
ضعيف عن زيد بن أرقم قال: بينا أنا عند النبي وَل و إذ أقبل رجل من اليهود يقال له ثعلبة بن
الحارث، فقال: السّام عليك يا محمد، فقال: وعليكم. فإن كان محفوظاً احتمل أن يكون أحد
الرهط المذكورين، وكان هو الذي باشر الكلام عنهم كما جرت العادة من نسبة القول إلى
جماعة، والمباشر له واحد منهم)).
قوله: (فقالت عائشة: بل عليكم السّام) وفي رواية شعيب عند البخاري في الاستئذان:
((فقالوا: السّام عليك ففهمتها، فقلت: عليكم السّام إلخ) وظاهر هذا اللفظ أن عائشة رضيَّا فهمت
كلامهم بفطنتها فأنكرت عليهم، وظنّت أن النبي وَّر ظنّ أنهم تلفظوا بلفظ السلام، فبالغت في
الإنكار عليهم)).
قوله: (إن الله يحب الرّفق في الأمر كله) هذا من عظيم خلقه وَ ط# وكمال حلمه، وفيه حث
على الرفق والصبر والحلم وملاطفة الناس ما لم تدع حاجة إلى المخاشنة.
حكم شاتم الرسول (155#
وبهذا الحديث استدل الإمام أبو حنيفة والثوريّ وأهل الكوفة على أن الذمّيّ إن سبّ
النبي ◌َّه فإنّه يعزّر على ذلك، ولكنه لا ينتقض بذلك عهده ولا يقتل، بخلاف المسلم فإنه يُقتل
بسبّ النبي ◌َّ ر لأن ذلك ارتداد موجب للقتل. ووجه الاستدلال بحديث الباب ظاهر، لأنّ كلمة
((السّام عليكم) صريحة في سبّ النبي ◌َّر، ومع ذلك لم يقتلهم النبي ◌َّ، بل ورد في حديث
أنس عند البخاري (في استتابة المرتدين): ((أتدرون ما يقول؟ قال: السّام عليك. قالوا: يا
رسول الله! ألا نقتله؟ قال: لا، إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم)) فإنه وَّلل منع من

٢١٩
كتاب: السلام
٥٦٢٢ - (٠٠٠) حدّثناه حَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، جَمِيعاً عَنْ
يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِيٍ، عَنْ صَالِحٍ. ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا
عَبْدُ الرَّزَّاقِ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ. كِلاَهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِي حَدِيثِهِمَا جَمِيعاً:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((قَدْ قُلْتُ: عَلَيْكُمْ))َ وَلَمْ يَذْكُرُوا الْوَاوَ.
٥٦٢٣ - (١١) حدّثنا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِم، عَنْ
مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ. قَالَتْ: أَتَى النَّبِيَّ نَّهِ أُنَاسٌ مِنَ الْيَّهُودِ. فَقَالُوا: الَسَّامُ عَلَيْكَ، يَا أَبَا
الْقَاسِمِ. قَالَ: ((وَعَلَيْكُمْ)) قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَالذَّامُ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يَا عَائِشَةُ، لاَ تَكُونِي فَاحِشَةً)) فَقَالَتْ: مَا سَمِعْتَ مَا قَالُوا؟ فَقَالَ: ((أَوَلَيْسَ
قَدْ رَدَدْتُ عَلَيْهِمُ الَّذِي قَالُوا؟ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ)).
قتلهم صراحة. وما ذهب إليه الحنفية رواية في مذهب الشافعيّ، وإليه يظهر ميلان الإمام
البخاري تَّثُ تعالى.
وأما المالكية والحنابلة وجماعة من الشافعية، فذهبوا إلى أن سبّ النبي ◌َّ أمر ينتقض به
عهد الذميّ فيقتل به. واستدلّوا على ذلك بقتل كعب بن الأشرف وقتل أبي رافع وابن خطل
وغيرهم. وتأوّلوا في حديث الباب أن النبي و لو ترك قتلهم لمصلحة التأليف، وأوّله بعض
المالكية بأنه لم تقم عليهم البينة بذلك ولا أقرّوا به فلم يقض فيهم بعلمه (ولكنه منقوض بما
ذكرنا من حديث أنس عند البزار وابن حبان أن يهوديًّا أقرّ بذلك)، وقيل: إنهم لما لم يظهروه
ولوّوه بألسنتهم ترك قتلهم. وقيل: إنه لم يحمل ذلك منهم على السبّ، بل على الدعاء بالموت
الذي لا بد منه. هذه التأويلات ذكرها الحافظ في الفتح (١٢: ٢٨١)، وانتصر العيني لمذهب
الحنفية في عمدة القاري (١١: ٢٣٧).
وقد ألّف الحافظ ابن تيميّة ◌َغَفُ تعالى كتاباً مبسوطاً في الموضوع، وهو («الصارم المسلول
على شاتم الرسول ( 98)) فاستوعب الأحاديث ومذاهب الفقهاء، فأجاد وأفاد كَُّ تعالى، وتوصّل
إلى أن النبي * كان له أن يعفو عن سابّه، وله أن يقتل، وقد وقع كلا الأمرين. وأما الأمة
فيجب عليهم قتله، سواء كان الساب مسلماً أو ذمياً، وفي الاستتابة وعدمها وقبول التوبة وعدمه
في أحكام الدنيا اختلاف. وأما في أحكام الآخرة فيما بينه وبين الله تعالى، فتوبته مقبولة اتفاقاً .
١١ - (٠٠٠) - قوله: (عليكم السّام والذّام) أما السّام فقد شرحناه من قبل، وأما الذّام
فالمشهور أنه بالذال المعجمة وتخفيف الميم، وهو الذمّ. ويقال بالهمز أيضاً، والأشهر ترك
الهمز، والألف منقلبة عن واو، والذام والذيم والذم بمعنى العيب. وروي ((الدام)) بالدال
المهملة، ومعناه الدائم. كذا في شرح النووي.
قوله: (لا تكوني فاحشة) وفي الرواية الآتية: ((فإنّ الله لا يحبّ الفحش والتفحّش))

٢٢٠
الجزء الرابع من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٥٦٢٤ - (٠٠٠) حدّثناه إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ. حَدَّثَنَا
الأَعْمَشُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَفَطِنَتْ بِهِمْ عَائِشَةُ فَسَبَّتْهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ:
(مَهْ. يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفُخْشَ وَالنَّفَخَّشَ)). وَزَادَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِذَا
جَاءُوَكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحْيَّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ٨] إِلَىْ آخِرِ الْآيَةِ.
٥٦٢٥ - (١٢) حدّثني هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. قَالاَ: حَدَّثَنَا
حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ
يَقُولُ: سَلَّمَ نَاسٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ لَّهَ. فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، يَا أَبَا الْقَاسِم،
فَقَالَ: ((وَعَلَيْكُمْ)) فَقَالَتْ عَائِشَةُ، وَغَضِبَتْ: أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: ((بَلَى، قَدْ سَمِعْثٌّ،
فَرَدَدْتُ عَلَيْهِمْ. وَإِنَّا نُجَابُ عَلَيْهِمْ وَلاَ يُجَابُونَ عَلَيْنَا)».
٥٦٢٦ - (١٣) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، (يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ، عَنْ
سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَهِ قَالَ: ((لاَ تَبْدَؤُا الْتَهُودَ وَلاَ النَّصَارَىُ
بَالسَّلَامِ. فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ
والفحش هو القبيح من القول والفعل. وقيل: الفحش مجاوزة الحدّ. قال النووي: ((وفي هذا
الحديث استحباب تغافل أهل الفضل عن سفه المبطلين إذا لم تترتب عليه مفسدة. قال
الشافعي تتّثُهُ: الكيس العاقل هو الفطن المتغافل)). ودلّ الحديث أيضاً على استحباب الليّن من
الكلام، سواء كان المخاطب كافراً أو معانداً.
(٠٠٠) - قوله: (مَهْ يا عائشة) ((مه)) اسم فعل بمعنى الأمر، ومعناه: ((أمسكي عما تقولين)).
وقيل: هو حرف استفهام بمعنى ((ما)) والهاء للوقفة. والمراد ((ما هذا الذي تقولين؟)) وهو استفهام
إنكار.
١٢ - (٢١٦٦) - قوله: (سمع جابر بن عبد الله) هذا الحديث لم أجده عند غير المصنف
من الأئمة الستّة.
قوله: (إنا نجاب عليهم) إلخ: أي: إن دعاءنا عليهم مستجاب، بخلاف دعائهم علينا،
فإنه غير مستجاب، فلا يضرّنا دعائهم علينا بالسّام، فلا حاجة بنا إلى الإقذاع في الكلام.
١٣ - (٢١٦٧) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الأدب، باب في
السلام على أهل الذمة (٥٢٠٥)، والترمذي في الاستئذان، باب ما جاء في التسليم على أهل
الذمة (٢٧٠١).
قوله: (لا تبدؤوا اليهود ولا النّصارى بالسّلام) بهذا أخذ جمهور الفقهاء، فقالوا: لا يجوز
للمسلم أن يبدأ الكافر بالسّلام، وهو مذهب الشافعيّ وغيره. وذهبت طائفة إلى جواز ابتدائنا لهم