Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ كتاب: الإمارة الطَّيَالِسِيُّ. حَدَّثَنَا لَيْثُ (يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ) عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَىْ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السَّمْطِ، عَنْ سَلْمَانَ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ. وَإِنْ مَاتَ، جَرَىْ عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّنَ)). عبد الله بن عبد الرحمن بن فضل بن بهرام الدارمي الحافظ صاحب المسند، أستاذ الشيخين والترمذي وأبي داود، وقد مرّ ذكره في (ص: ٤٧٧). قوله: (شرحبيل بن السّمط) بكسر السّين وسكون الميم، ويقال: بفتح السين وكسر الميم، وشُرَحبِيل، بضم الشين وفتح الراء وسكون الحاء وكسر الباء، وهو من الصحابة، وفد إلى النبيّ وَّر وشهد القادسية وافتتح حمص. وقيل: إنّه تابعي ثقة، وشهد صفين مع معاوية ومات بها، كذا في التهذيب (٤ : ٣٢٣). قوله: (عن سلمان) هو الفارسيّ أبو عبد الله، ويقال له سلمان ابن الإسلام وسلمان الخير أيضاً، كما في الرواية الآتية، وقال ابن حبان: من زعم أن سلمان الخير آخر فقد وَهِمْ. حكاه الحافظ في الإصابة (٢: ٦٠)، وقصة إسلامه مشهورة، وشهد الخندق وما بعده من المشاهد، وفتوح العراق، وولي المدائن، عُمّر طويلاً حتى قيل: إنه أدرك عيسى ظلَّلا أو وصيه وقال الذهبي: وجدت الأقوال في سنّه كلها دالة على أنه جاوز المائتين وخمسين، والاختلاف إنما هو في الزّائد، ثم رجعت عن ذلك وظهر لي أنه ما زاد على الثمانين. وتعقبه الحافظ ابن حجر بأنه لم يذكر مستنداً في ذلك، ولا مانع من أن يكون عمّر طويلاً وبقي له النشاط على سبيل خرق العادة، - والله أعلم - وراجع الإصابة. وحديثه هذا أخرجه النسائي أيضاً في الجهاد، باب فضل الرباط، (رقم: ٣١٦٧ و ٣١٦٨). قوله: (رباط يوم وليلة) الرباط في اللغة: الحبس، والمراد في أحاديث الجهاد: الإقامة في الثغر للحراسة وأصله من ارتباط الخيل في الثغر للحرس، كما في مجمع البحار. وقال أبو عمر: «شرع الجهاد لسفك دماء المشركين، وشرع الرباط لصون دماء المسلمين. وصون دماء المسلمين أحب إلي من سفك دماء المشركين)) وهذا يدل على أن الرباط أفضل عنده من الجهاد، وقد اختلف في ذلك، فقيل: الجهاد أفضل، وقيل: الرباط أفضل. قوله: (وإن مات جرى عليه عمله) قال القاضي: ((هذه فضيلة مختصة بالرباط، وقد جاء مفسراً في غير مسلم: كل ميت يختم على عمله إلا المرابط، فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة)). وقال الأبّي: ((يعني: أن الثواب المرتب على رباط اليوم والليلة يجري له دائماً ... ولا يعارض هذا الحديث حديث ((إذا مات المرء انقطع عمله إلاّ من ثلاث))، إما بأنه لا مفهوم للعدد في الثلاث، وإما بأن يرجع هذا إلى إحدى الثلاث، وهو صدقة جارية)). قوله: (وأمن الفتّان) بضمّ الفاء وتشديد التاء، جمع فاتن، ورواه الطبري بفتح الفاء، ووقع ٣٨٢ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤٩١٦ - (٠٠٠) حدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنٍ شُرَيْح، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السَّمْطِ، عَنْ سِّلْمَانَ الْخَيْرِ، عَنْ رَسُولِ اللّهِ بِّهِ بِمَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى. (٥١) - باب: بيان الشهداء ٤٩١٧ - (١٦٤) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ قَالَ: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ، يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوَّكٍ عَلَى الطَّرِيقِ. فَأَخَّرَهُ. فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ. فَغَفَرَ لَهُ)). وَقَالَ: ((الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: في حديث فضالة عند أبي داود في سننه (رقم: ٢٥٠٠): ((أومن من فتّان القبر) وهذا مفسّر يوضح أن المراد من الفتّان من يفتن الميت في القبر. (٥١) - باب: بيان الشّهداء يعني: باب في بيان أقسام الشّهداء، ومن يكون في حكم الشهيد. ١٦٤ - (١٩١٤) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في الأذان، باب فضل التهجير إلى الظهر، (رقم: ٦٥٢ و ٦٥٣)، وباب الصف الأول، (رقم: ٧٢٠)، وفي المظالم، باب من أخذ الغصن وما يؤذي الناس في الطريق فرمى به، (رقم: ٢٤٧٢)، وفي الجهاد، باب الشهادة سبع سوى القتل، (رقم: ٢٨٢٩)، وفي الطب، باب ما يذكر في الطاعون، (رقم: ٥٧٣٣). وأخرجه الترمذي في الجنائز، باب ما جاء في الشهداء من هم؟ (رقم: ١٠٦٩)، وابن ماجه في الجهاد، باب ما يرجى فيه الشهادة، (رقم: ٢٨٣١). قوله: (فغفر له) فيه فضيلة إماطة الأذى عن الطريق. وهنا انتهى حديث واحد حدث به أبو هريرة رضيبه. ثمّ ذكر حديثاً آخر بقوله: ((الشهداء خمسة))، وكل منهما حديث مستقل لا علاقة لأحدهما بالآخر. ويتضح هذا بما أخرجه البخاري في الأذان من طريق هذا الحديث، فإنه ذكر حديث إماطة الغصن أولاً، وأتبعه بقوله: ((ثم قال))، فذكر حديث الشهداء. قوله: (الشّهداء) اختلف الناس في وجه تسميته شهيداً، فقال النضر بن شميل: لأنه حيّ فكأن أرواحهم شاهدة أي: حاضرة. وقال ابن الأنباري: لأن الله وملائكته يشهدون له بالجنّة. وقيل: لأنه يشهد عند خروج روحه ما أعد له من الكرامة. وقيل: لأنه يشهد له بالأمان من النار، وقيل: لا يشهده عند موته إلا ملائكة الرحمة. وقيل: لأن عليه علامة شاهدة بأنه قد نجا وراجع فتح الباري (٦: ٤٢ و٤٣) لأقوال أخرى. قوله: (خمسة) هذا العدد لم يقصد منه الحصر، لأنه قد ورد في أحاديث أخرى أنواع أخرى من الشهادة . ٣٨٣ كتاب: الإمارة الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)). وورد في حديث جابر بن عتيك عند مالك: ((الشهداء سبعة)) وورد في عدة أحاديث أنواع تزيد على هذه السّبعة. قال الحافظ في الفتح (٦: ٤٣): ((والذي يظهر أنه وَّ أعلم بالأقلّ، ثم أعلم زيادة على ذلك، فذكرها في وقت آخر، ولم يقصد الحصر في شيء من ذلك، وقد اجتمع لنا من الطرق الجيدة أكثر من عشرين خصلة)). قوله: (المطعون) وهو الذي يموت في الطاعون. قوله: (والمبطون) وهو الذي أصابه مرض البطن، وهو الإسهال. قال القاضي: وقيل: هو الذي به الاستسقاء وانتفاخ البطن. وقيل: هو الذي يشتكي بطنه، وقيل: هو الذي يموت بداء بطنه مطلقاً . قوله: (والغرق) بكسر الراء، هو الذي يموت غريقاً في الماء. قوله: (وصاحب الهدم) يعني: من انهدم عليه جدار أو نحوه فمات تحته. قوله: (والشهيد في سبيل الله) يعني: من قتل مجاهداً في سبيل الله تعالى، وهذا الأخير هو الشهيد في أحكام الدنيا والآخرة، فلا يغسل، ويدفن في ثيابه بشرط أن لا يكون مرتثّاً. ويلحق به عند الحنفيّة من قُتل ظلماً بجارحة ولم يجب بنفس القتل مال، ومن قتله باغ أو حربي أو قاطع طريق، ولو بغير آلة جارحة، أو وجد جريحاً ميتاً في معركتهم، كما في الدر المختار. فهؤلاء كلهم شهداء في حكم الدنيا والآخرة. وأما الأربعة الأولى فهم شهداء في أحكام الآخرة دون الدنيا، فيغسلون ويكفنون، ولهم في الآخرة أجر شهيد. وقد وردت روايات أخرى ألحقت كثيراً من الأنواع بهؤلاء الأربعة في أحكام الآخرة، وكونهم مأجورين أجر الشهداء. وعدّهم الحافظ ابن حجر عشرين كما مرّ، وعدّهم السيوطي نحو الثلاثين، وهي : ((من مات بالبطن، أو الغرق، أو الهدم، أو بالجنب، وهي قروح تحدث في داخل الجنب بوجع شديد، ثم تنفتخ في الجنب، أو بالجُمع بالضم بمعنى المجموع كالذخر بمعنى المذخور، والمعنى أنها ماتت من شيء مجموع فيها غير منفصل عنها من حمل أو بكارة، أو بالسلّ، وهو داء يصيب بالرئة، وفي الغربة، أو بالصرع، أو بالحمى، أو دون أهله، أو ماله أو دمه، أو مظلمة، أو بالعشق مع العفاف والكتم وإن كان سيئة حراماً، أو بالشرق، أو بافتراس السبع، أو بحبس سلطان ظلماً، أو بالضرب، أو متوارياً، أو لدغته هامة، أو مات على طلب العلم الشرعي، أو مؤذناً محتسباً، أو تاجراً صدوقاً، ومن سعى على امرأته وولده وما ملكت يمينه يقيم فيهم أمر الله تعالى ويطعمهم من حلال، والمائد في البحر، أي: الذي حصل له غثيان، والذي يصيبه القيء، ومن ماتت صابرة على الغيرة، ومن قال كل يوم خمساً وعشرين مرة: اللهمّ بارك ٣٨٤ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤٩١٨ - (١٦٥) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَهِ: ((مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟)) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ. قَالَ: ((إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذَا لَقَلِيلٌ)) قَالُوا: فَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ((مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ. وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ. وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ. وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ)). قَالَ ابْنُ مِقْسَمِ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِيكَ، فِي هُذَا الْحَدِيثِ؛ أَنَّهُ قَالَ: ((وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ). لي في الموت وفيما بعد الموت، ثم مات على فراشه، ومن صلى الضحى وصام ثلاثة أيام من كل شهر، ولم يترك الوتر سفراً ولا حضراً، والمتمسّك بالسنة عند فساد الأمة، ومن قال في مرضه أربعين مرة: لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّ كنت من الظالمين، فمات)). ذكره ابن عابدين في رد المحتار (٢: ٢٥٣)، ثم قال: ((وقد نظمها العلامة الشيخ علي الأجهوري المالكي، وشرحها شرحاً لطيفاً، وذكر نحو الثلاثين أيضاً، لكنه زاد على ما هنا: من مات بالطاعون كما مر، أو بالحرق، أو مرابطاً، أو يقرأ كل ليلة سورة يس، ومن صرع عن دابة فمات، ومن باب على طهارة فمات، ومن عاش مدارياً، أخرجه الديلمي، ومن صلى على النبيّ وَلّ مائة مرة، أخرجه الطبراني، ومن سأل القتل في سبيل الله صادقاً، رواه الحاكم، ومن جلب طعاماً إلى مصر من أمصار المسلمين، رواه الديلمي، ومن مات يوم الحجة، وسئل الحسن عن رجل اغتسل بالثلج فأصابه البرد فمات، فقال: يا لها من شهادة! وأخرج الترمذي عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله وَله: ((من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر وَّلَ الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، فإن مات في ذلك اليوم مات شهيداً، ومن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة حتى يصبح)). وبذلك زادت الأنواع على الأربعين، وقد عدها بعضهم أكثر من خمسين، وذكرها الرحمتي منظومة، - والله أعلم - . ١٦٥ - (١٩١٥) - قوله: (قال ابن مقسم): هذا الحديث رواه سهيل بن أبي صالح عن أبيه أبي صالح، ورواه عبيد الله بن مقسم أيضاً عن أبي صالح، فلمّا روى سهيل هذا الحديث بمحضر من ابن المقسم، فإنّه خاطب سهيلاً بهذا القول: وقال: ((أشهد على أبيك (يعني: على أبي صالح) في هذا الحديث أنه قال: والغريق شهيد)) فأضاف إلى الحديث زيادة لم يذكرها سهيل. قوله: (أشهد على أخيك) كذا في النسخ الموجودة عندنا، وذكر القاضي أنه وقع في رواية ابن ماهان: ((على أبيك)) وهو الصواب، كما سبق في رواية زهير. ٣٨٥ كتاب: الإمارة ٤٩١٩ - (٠٠٠) وحدّثني عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانِ الْوَاسِطِيُّ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِ: قَالَ سُهَيْلٌ: قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَمٍ: أَشْهَدُ عَلَّى أَخِيكَ أَنَّهُ زَادَ فِي هُذَا الْحَدِيثِ: ((وَمَنْ غَرِقَ فَهُوَ شَهِيدٌ)). ٤٩٢٠ - (٠٠٠) وحدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم. حَدَّثَنَا بَهْزٌ. حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ. حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. وَفِي حَدِيثِهِ: قَالَ: أَخْبَرَنِيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ. وَزَادَ فِيهِ: ((وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ)). ٤٩٢١ - (١٦٦) حدّثنا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ (يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ). حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ. قَالَتْ: قَالَ لِي أَنَسُ بْنُ مَالِكِ: بِمَ مَاتَ يَحْيَى بْنُ أَبِي عَمْرَةَ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: بِالطَّاعُونِ. قَالَتْ: فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ)) . ١٦٦ - (١٩١٦) - قوله: (البكراويّ) هذه نسبة إلى أبي بكرة الثقفي الصحابي، واشتهر بهذه النسبة جماعة منهم هذا الراوي، وهو أبو عبد الرحمن حامد بن عمر بن حفص بن عمر بن عبيد الله بن أبي بكرة الثقفي البكراويّ، من أهل البصرة، كان على قضاء كرمان، استقدمه عبد الله بن طاهر نيسابور، فكتب عنه أهلها، مات أول (سنة: ٢٣٣هـ)، كذا في الأنساب للسمعاني (٢ : ٩٤). قوله: (قال لي أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد، باب الشهادة سبع سوى القتل، (رقم: ٢٨٣٠)، وفي الطبّ، باب ما يذكر في الطاعون، (رقم: ٥٧٣٢). قوله: (بم مات يحيى بن أبي عمرة) تريد أخاها يحيى بن سيرين، وهو أخو محمد بن سيرين، وأبو عمرة كنية لوالدهم سيرين، تابعي ثقة قليل الحديث، وروى عن هشام بن حسان أنه أفضل من أخيه محمد وأخته حفصة، وراجع التهذيب (١١: ٢٢٨). قوله: (بالطاعون) وهذا طاعون وقع بالبصرة بعد سكنى الحجاج بلدة واسط في حدود التسعين، كما في التهذيب. قوله: (الطاعون شهادة لكل مسلم) كذا وقع في هذا الحديث مطلقاً، وهو مقيد بثلاثة قيود في حديث عائشة ◌ُنا عند البخاري في الطب (رقم: ٥٧٣٤)، ولفظه: ((فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابراً يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتبه الله له، إلا كان له مثل أجر الشهید» . والطاعون، كما عرّفه الأطباء ومنهم ابن سينا، مادّة سمّية تحدث ورماً قتالاً يحدث في المواضع الرخوة والمغابن من البدن، وأغلب ما تكون تحت الإبط، أو خلف الأذن، أو عند ٣٨٦ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤٩٢٢ - (٠٠٠) وحدّثناه الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عَاصِمِ، فِي هُذَا الإِسْنَادِ، بِمِثْلِهِ. (٥٢) - باب: فضل الرمي والحث عليه، وذم من علمه ثم نسيه ٤٩٢٣ - (١٦٧) حدّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ، ثُمَامَةَ بْنِ شُفَيٍّ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَِّهِ، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَقُولُ: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]. أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ. أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ. أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ)). الأرنبة، وسببه دم رديء مائل إلى العفونة والفساد، يستحيل إلى جوهر سمي يفسد العضو ويغير ما يليه، ويؤدي إلى القلب كيفية رديئة، فيحدث القيء والغثيان، والغشي والخفقان. وأطلق بعضهم الطاعون على كل وباء عام، ولكنه مجاز، كما حققه الحافظ في الفتح (١٠ : ١٨ و١٨١). (٥٢) - باب: فضل الرمي والحثّ عليه إلخ ١٦٧ - (١٩١٧) - قوله: (ثمامة بن شفي) بضم الثاء، وضم الشين وفتح الفاء مصغراً كما في التقريب، وهو الهمداني الأحروجي، ويقال: الأصبحي المصري، سكن الإسكندرية، قال النسائي: ثقة، وقال ابن يونس: توفي في خلافة هشام بن عبد الملك قبل العشرين ومائة. أخرج عنه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. قوله: (سمع عقبة بن عامر) هذا الحديث أخرجه الترمذي في التفسير، سورة الأنفال، (رقم: ٥٠٧٨)، وأبو داود في الجهاد، باب الرمي، (رقم: ٢٥١٤)، وابن ماجه في الجهاد، باب الرمي في سبيل الله عز وجل، (رقم: ٢٨٤٠). قوله: (إن القوة الرمي) قال القرطبي: ((إنما فسر القوة بالرمي، وإن كانت القوة تظهر بإعداد غيره من آلات الحرب، لكون الرمي أشد نكاية في العدو وأسهل مؤونة، لأنه قد يرمي رأس الكتيبة فيصاب فينهزم من خلفه)) كذا في الفتح (٦: ٩١). وبه يظهر أن تخصيص الرمي بالذكر لا يدلّ على قصر معنى القوة عليه، وإنما المراد أن الرمي من أعلى أنواع القوة في عهده وَلّ. وفيه فضيلة الرمي والمناضلة والاعتناء بذلك بنية الجهاد في سبيل الله وكذلك المشاجعة، وسائر أنواع استعمال السلاح. وأخرج البخاري عن سلمة بن الأكوع (رقم: ٢٨٩٩) مرفوعاً: ((ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان رامياً، ارموا وأنا مع بني فلان إلخ)». وأخرج أبو داود وابن حبان عن عقبة بن عامر مرفوعاً من وجه آخر: ((إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة: صانعه يحتسب في صناعته ٣٨٧ كتاب: الإمارة ٤٩٢٤ - (١٦٨) وحدّثنا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقُولُ: ((سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرَضُونَ. وَيَكْفِيكُمُ اللَّهُ. فَلاَ يَعْجِزُ أُحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ». ٤٩٢٥ - (٠٠٠) وحدّثناه دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ. حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنْ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ، عَنْ عَمْرِو بْن الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي عَلِيِّ الْهَمْدَانِيِّ. قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ وََّه بِمِثْلِهِ . ٤٩٢٦ - (١٦٩) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح بْنِ الْمُهَاجِرِ. أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَعْقُوبَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ شَمَاسَةً؛ أَنَّ فُقَيْماً اللَّخْمِيَّ قَالَ لِعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: تَخْتَلِفُ بَيْنَ هُذَيْنِ الْغَرَضَيْنِ، وَأَنْتَ كَبِيرٌ يَشُقُّ عَلَيْكَ. قَالَ عُقْبَة: لَوْلاً كَلَامٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وَ، لَمْ أُعَانِيهِ. قَالَ الْحَارِثُ: فَقُلْتُ لإِبْنِ شِمَاسَةَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: إِنهُ قَالَ: ((مَنْ عَلِمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ، فَلَيْسَ مِنَّا، أَوْ قَدْ عَصَىْ)). الخير، والرامي به، ومنبله، فارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إليّ من أن تركبوا)). ١٦٨ - (١٩١٨) - قوله: (ستفتح عليكم أرضون) هذا جزء من حديث عقبة السابق، كذا أخرجه الترمذي. قوله: (فلا يعجز) بجزم الزاي على كونه أمراً، وفي رواية الترمذي: ((فلا يعجزنّ)). قوله: (أن يلهو بأسهمه) قال الأبي: ((كأنه قيل: إن الله سيفتح عليكم الروم قريباً، وهم رماة، وسيكفيكهم الله شرهم بواسطة الرمي، فلا يعجز أحدكم أن يلهوا بأسهمه، ولا عليكم أن تهتموا بالرمي، حتى إذا حاربتم الروم تكونون متمكنين منه، وإنما أخرج مخرج اللهو إمالة للنفوس على تعلمه، فإن النفوس مجبولة على ميلها إلى اللهو)). ١٦٩ - (١٩١٩) - قوله: (عن عبد الرحمن بن شماسة) بتثليث الشين، وقد مرّ في (ص: ٦٥٠). قوله: (أن نُقيما اللخميّ) لم أجد من ترجمه . قوله: (تختلف بين هذين الغرضين) الاختلاف: الذهاب والمجيء مرة بعد أخرى، والغرض هو الهدف الذي يرمي إليه. وكان عقبة بن عامر يمارس الرمي ليتحفظ على تمرنه به مع كونه شيخاً كبيراً، فسأله ذلك لما رأى من شدة اهتمامه به. قوله: (لم أعانه) المعاناة: تحمل المشقة. قوله: (فليس منّا) فيه تشديد عظيم لمن نسي الرمي بعد علمه، وهو مكروه كراهة شديدة لمن تركه بلا عذر. وسبق تفسير قوله: ((فليس منّا)) في كتاب الإيمان، - والله أعلم - . ٣٨٨ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٥٣) - باب: قوله ◌ُّير: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم» ٤٩٢٧ - (١٧٠) حدّثنا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ . قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ (وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ) عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةً،َ عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ. لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ ◌َخَذَلَهُمْ. حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذْلِكَ))، وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ قُتَيْبَةَ: ((وَهُمْ كَذْلِكَ)). (٥٣) - باب: قوله وَلير: ((لا تزال طائفة من أمتي إلخ)) ١٧٠ - (١٩٢٠) - قوله: (عن ثوبان) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الفتن، باب ذكر الفتن ودلائلها. (رقم: ٤٢٥٢)، والترمذي في الفتن، باب ما جاء في الأئمة المضلين، (رقم: ٢٣٣٠)، وابن ماجه في المقدمة، (رقم: ٩). قوله: (ظاهرين على الحقّ) أي: غالبين على من خالفهم حاملين الحقّ وغَلَبَتُهُمْ إمّا بالقوة، أو بالحجة، وقيل: المراد من الظاهرين أنهم غير مستورين، أو هم على حق، واختلفت أقوال العلماء في المراد بهذه الطائفة، فقيل: هم أهل الحديث، وقيل: هم المتفقهة، وقيل: هم المجاهدون، إلى غير ذلك من الأقوال. وأصحها عندي ما ذكره النووي تتّثهُ من أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين، منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد، وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير. ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض. وبهذا فسر الحافظ في الفتح (١٣: ٢٩٥) حديث ((إنّ الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها)) والحديث دليل ظاهر لحجية الإجماع، فإنه يدلّ على أن الأمة لا تجتمع على ضلالة، وإن كان الحديث بهذا اللفظ تكلم فيه المحدثون. قوله: (حتى يأتي أمر الله) فسره جماعة بقيام السّاعة، وهو مؤيد بحديث جابر بن سمرة الآتي: ((يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة)). وقد يستشكل بحديث عبد الله بن عمرو الآتي أن القيامة لا تقوم إلا على شرار الخلق، ولكن وجه الجمع بينهما مذكور في حديث عبد الله بن عمرو نفسه كما سيأتي، وهو أن هذه الطائفة لا تزال ظاهرة حتى يبعث الله ريحاً كريح المسك، لا تترك نفساً في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة. فكأن المراد بقوله لعلّ في حديث الباب: ((حتى يأتي أمر الله)) هبوب الريح المذكورة. وأمّا حديث جابر بن سمرة: ((لن يبرح هذا الدين قائماً يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة)) فالمراد منه الزمان القريب من قيام الساعة، لأن هبوب تلك الريح قريب من يوم القيامة. وهذا الجمع رجحه الحافظ في الفتح (١٣: ٢٩٤)، وهو الذي اختاره ٣٨٩ كتاب: الإمارة ٤٩٢٨ - (١٧١) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَعَبْدَةُ. كِلَهُمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ. ح وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا مَرْوَانُ (يَعْنِي الْفَزَارِيّ) عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ. قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَهِ يَقُولُ: ((لَنْ يَزَالَ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَىَ النَّاسِ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ، وَهُمْ ظَاهِرُونَ)) . ٤٩٢٩ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْس. قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ ل﴿ يَقُولُ، بِمِثْلٍ حَدِيثٍ مَرْوَانَ سَوَاءً. ٤٩٣٠ - (١٧٢) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ. قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِّ وَّرِ؛ أَنَّهُ قَالَ: (لَنْ يَبْرَحَ هُذَا الدِّينُ قَائِماً، يُقَاتِلُ عَلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ)» . ٤٩٣١ - (١٧٣) حدّثني هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ. قَالاَ: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ. قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ وَلَهِ يَقُولُ: ((لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ، ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)). ٤٩٣٢ - (١٧٤) حدّثنا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِم. حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ؛ أَنَّ عُمَيْرَ بْنَ هَانِىءٍ خَّدَّثَهُ. قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةً عَلَى شيخنا العثماني في شرح كتاب الإيمان من هذا الكتاب، راجع باب الريح التي تكون في قرب القيامة إلخ. ١٧١ - (١٩٢١) - قوله: (عن المغيرة) يعني: ابن شعبة رُبه، والحديث أخرجه البخاري في الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبيّ وَّر: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، وهم أهل العلم، (رقم: ٧٣١١)، وفي التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ﴾ [النحل: ٤٠] (رقم: ٧٤٥٩)، وفي المناقب، (باب: ٢٨، رقم: ٣٦٤٠). ٢٧٢ - (١٩٢٢) - قوله: (عن جابر بن سمرة) هذا الحديث لم يخرجه غير مسلم من بين الأئمة الستة . ١٧٣ - (١٩٢٣) - قوله: (عن جابر بن عبد الله) لم يخرجه غير مسلم أيضاً. ١٧٤ - (١٠٣٧) - قوله: (سمعت معاوية على المنبر) هذا الحديث أخرجه البخاري في ٣٩٠ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم الْمِنْبَرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاسِ)». ٤٩٣٣ - (١٧٥) وحدّثني إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ. حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ (وَهُوَ ابْنُ بُرْقَانَ) حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الأَصَمِّ. قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفَّيَانَ ذَكَرَ حَدِيثاً رَوَاهُ، عَنِ النَّبِيِّ وَّهِ. لَمْ أَسْمَعْهُ رَوَىْ عَنِ النَّبِيِّ بَ عَلَى مِنْبَرِهِ حَدِيثاً غَيْرَهُ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: ((مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ. وَلاَ تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . ٤٩٣٤ - (١٧٦) حدّثني أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ وَهْبٍ. حَدَّثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ. حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ. حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ شُّمَاسَةَ الْمَهْرِيُّ. قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ مَسْلَمَةَ بْنِ مُخَلَّدٍ، وَعِنْدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ العلم، باب من يرد به خيراً يفقهه في الدين، (رقم: ٧١)، وفي الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبيّ وَّر: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، وهم أهل العلم))، (رقم: ٧٣١٢)، وفي التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلْنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ﴾ [النحل: ٤٠] (رقم: ٧٤٦٠)، وفي الخمس، باب قول الله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ, وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] (رقم: ٣١١٦)، وفي المناقب، (باب: ٢٨، رقم: ٣٦٤١)، وأخرجه ابن ماجه في المقدمة، (رقم: ٨). ١٧٥ - ( ... ) - قوله: (ذكر حديثاً رواه) مراده أن معاوية رضيه كلّما ذكر حديثاً على منبره، فإن ذلك الحديث كان معروفاً لديّ من قَبْلُ مسموعاً من غيره، سوى هذا الحديث الواحد، فإنه ذكره على منبره، ولم أكن سمعته قبل ذلك. قوله: (يفقّهه في الدين) مجزوم على كونه جواب الشرط. يعني: يهبه الفقه في الدين، وفقه الرجل، بكسر القاف: فَهِمَ، وفقَه بفتحها: سبق غيره إلى الفهم، وفقُه بضمها: إذا صار الفقه له سجيّة. أفاده الحافظ في الفتح (١: ١٦٤ و١٦٥). وفي الحديث فضيلة ظاهرة للتفقه في الدين. وليس ذلك علماً بالألفاظ والنقوش ولا حفظاً للروايات والجزئيات، ولكنه ملكة راسخة ومذاق سليم يدرك بهما الرجل لبّ الشريعة الإسلاميّة ومغزاها ولا يكاد يحصل ذلك إلّ بصحبة أهل هذه الملكة. ولا يكفي في ذلك قراءة الكتب ودراستها . ١٧٦ - (١٩٢٤) - قوله: (كنت عند مسلمة بن مُخلد) بضم الميم وفتح الخاء وتشديد اللام، وأما مسلمة، فهو بفتح الميم وسكون السين وفتح اللام. وهو أنصاري من صغار الصحابة، توفي النبيّ وَّه وهو ابن عشر سنين، كان والياً على مصر أيّام معاوية رَظ ◌ُه نحواً من ست عشرة سنة، ثم رجع إلى المدينة ومات بها. وحديثه عند أبي داود فقط. وهذا الحديث لم يخرجه غير مسلم من الأئمة الستة فيما أعلم. ٣٩١ كتاب: الإمارة عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ. هُمْ شَرِّ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ. لاَ يَدْعُونَ اللَّهَ بِشَيْءٍ إِلَّ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذُلِكَ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ. فَقَالَ لَهُ مَسْلَمَةُ: يَا عُقْبَةُ، اسْمَعْ مَا يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ. فَقَالَ عُقْبَةُ: هُوَ أَعْلَمُ. وَأَمَّا أَنَا فَسَمِّعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِه يَقُولُ: ((لاَ تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلونَ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ، وَهُمْ عَلَى ذُلِكَ)). فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَجَلْ. ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحاً كَرِيحِ الْمِسْكِ. مَسُّهَا مَسُ الْحَرِيرِ. فَلاَ تَتْرُكُ نَفْساً فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنَ الإِيمَانِ إِلاَّ قَبَضَتْهُ. ثُمَّ يَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ، عَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ . ٤٩٣٥ - (١٧٧) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى. أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((لاَ يَزَالُ أَهْلُ الْغَرْبِ ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ)). قوله: (فقال عبد الله: أجل) أراد عبد الله بن عمر تها بهذا الكلام أن يوفق بين الحديثين، الحديث الذي رواه هو، والحديث الذي ذكره عقبة بن عامر ربه. وقد شرحناه قريباً، ولله الحمد. قوله: (عن سعد بن أبي وقاص) هذا الحديث أيضاً من أفراد مسلم، لم يخرجه غيره من الأئمة الستة . ١٧٧ - (١٩٢٥) - قوله: (لا يزال أهل الغرب) ذكر عن عليّ بن المديني أنه فسّر أهل الغرب بالعرب، وقال: إن المراد بالغرب الدلو الكبير، وإن أهل العرب يستعملونه، فلقّبوا من أجل ذلك بأهل الغرب. وقيل: المراد جهة الغرب، والمقصود من أهل الغرب أهل الشام. وذكر الحافظ في الفتح (١٣: ٢٩٥) أنه وقع في بعض طرق هذا الحديث ((أهل المغرب))، وهو يؤيد من فسره بجهة المغرب. وقيل: المراد بالغرب أهل القوة والجدّ في الجهاد، يقال: في لسانه غرب (بسكون الراء): أي: حدة. وفي حديث أبي هريرة في الأوسط للطبراني: ((يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها، وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله، لا يضرهم من خذلهم ظاهرين إلى يوم القيامة)). وهذا يؤيد من فسّر أهل الغرب بأهل الشّام، ولكن كون الشام في غرب الحجاز لا يتضح إلا بتكلف. وذكر الحافظ في الفتح عن بعضهم تفسيراً آخر، وهو أن هذا الحديث ليس منقبة لأهل الغرب، وإنما هو مذمة لهم، والمراد بكونهم ظاهرين على الحق أنهم يغلبون على أهل الحقّ، فيصير الحق بين أيديهم كالميت. وجعل الحافظ هذا التفسير بعيداً. والحقّ أن هذا الحديث لم يتضح لي تفسيره بما ينشرح به الصدر، والله سبحانه وتعالى أعلم بمراد رسوله وَثلتر. ٣٩٢ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٥٤) - باب: مراعاة مصلحة الدواب في السير، والنهي عن التعريس في الطريق ٤٩٣٦ - (١٧٨) حدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ بَّهِ: ((إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ، فَأَعْطُواً الإِلَ حَّهَا مِنَ الأَرْضِ. وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَةِ، فَأَسْرِعُوا عَلَيْهَا السَّيْرَ. وَإِذا عَرَّسْتُمْ بِاللَّيْلِ، فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ. فَإِنَّهَا مَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ)). (٥٤) - باب: مراعاة مصلحة الدواب في السير إلخ ١٧٨ - (١٩٢٦) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه أبو داود في الجهاد، باب في سرعة السير، (رقم: ٢٥٦٩)، والترمذي في الأدب، باب مراعاة الإبل في الخصب والسنة في السفر، (رقم: ٣٠١٣). قوله: (في الخصب) بكسر الخاء، وهو كثرة النبات، والمراد هنا: كثرة العشب والمرعى، وهو ضد الجدب والسنة. والسّنة: القحط. والمراد من إعطاء الإبل حظها من الأرض أن يقلّل من سيرها وتترك في بعض النهار ترعى من العشب، وكذلك في أثناء السّير إن أرادت أن ترعى فلا تُمنع. وإن رسول الله وَلل بعث رحمة للعالمين، فعلّمنا آداب ركوب الدواب، ومراعاة مصالحها، وأن لا تحمّل من العناء ما هو فوق طاقتها. ولما كان هذا من تعليم النبيّ وَّ في الدواب والحيوانات، فما بالك بالسُّوّاق الذين يسوقون السيّارات لمن استأجرهم على ذلك، فمراعاة مصالحهم في الطعام والشّراب والراحة أولى بالاعتناء. وقلّ من الناس، ولا سيّما من أصحاب الثروة، من يعتني بها . قوله: (فأسرعوا عليها السّير) لتصلوا إلى مقصدكم وفي الدوابّ بقية من قوتها، لأنكم إذا قلّلتم من سيركم في الأرض المجدبة، لا تجد الدواب ما ترعاه فتضعف، وربما كلّت ووقفت. قوله: (وإذا عرستم بالليل) التعريس: هو النزول في أواخر الليل أثناء السّفر للنوم والراحة. قوله: (فاجتنبوا الطريق) يعني: لا تنزلوا على الطريق، بل اعدلوا عنها إلى أرض غير مسلوكة. وعلّله النبيّ وَلي في هذه الرواية بأنها مأوى الهوامّ والحشرات بالليل، فإنها تخرج بالليل من مكامنها وأجحارها لتلتقط منها ما يسقط من مأكول ونحوه، ولأن السّير عليها بالليل أسهل. فلو نزلتم بالطريق فلا يؤمن من أن يلحق بكم ضرر من قبلها . وهذه علّة واحدة وهناك علّة أخرى أشير إليها في الرواية الآتية في قوله بَلو: «فإنها طرق ٣٩٣ كتاب: الإمارة ٤٩٣٧ - (٠٠٠) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ (يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ) عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَيهِ قَالَ: ((إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ، فَأَعْطُوا الإِلَ حَّهَا مِنَ الأَرْضِ. وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَةِ، فَبَادِرُوا بِهَا نِقْيَهَا. وَإِذَا عَرَّسْتُمْ، فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ. فَإِنَّهَا ◌ُرُقُ الدَّوَابِّ، وَمَأْوَى الْهَوَامُّ بِاللَّيْلِ)». (٥٥) - باب: السفر قطعة من العذاب، واستحباب تعجيل المسافر إلى أهله، بعد قضاء شغله ٤٩٣٨ - (١٧٩) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبِ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، وَأَبُو مُصْعَبِ الزُّهْرِيُّ، وَمَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِم، وَقُتَنْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا مَالِكٌ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَّى بْنُ يَحْيَى الثَّمِيمِيُّ (وَاللَّفْظُ لَهُ).َ قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: حَدَّثَكَ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَلِهِ قَالَ: ((السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ. يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ. فَإِذَا قَضَىْ أَحَدُكُمْ الدواب)) وهو أن الطريق حقّ المارّة، فلو نزل أحد بالطريق ضيّق المرور على المارّة. وبهذا يؤخذ أن الاحتراز عن إيذاء المارّة واجب على كل إنسان. فلا يجوز إيقاف السيارات والمراكب في أمكنة يضيق بها الطريق على الناس. وبهذا يؤخذ وجوب الالتزام بقواعد المرور، فإنها وضعت لصيانة الطريق عن التضييق، والتوسعة على المارّة. ( ... ) - قوله: (فبادروا بها نِقِيَها) النِّقي بكسر النون وسكون القاف: المخّ، والمراد: أسرعوا في السّير لتخرجوا من الأرض المجدبة قبل أن يذهب نقي الدوابّ بالجوع. (٥٥) - باب: السّفر قطعة من العذاب إلخ ١٧٩ - (١٩٢٧) - قوله: (عن أبي هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في العمرة، باب السفر قطعة من العذاب، (رقم: ١٨٠٤)، وفي الجهاد، باب السرعة في السير، (رقم: ٣٠٠١)، وفي الأطعمة، باب ذكر الطعام، (رقم: ٥٤٢٩)، وأخرجه مالك في الاستئذان، باب ما يؤمر به من العمل في السير، وابن ماجه في المناسك، باب الخروج إلى الحجّ، (رقم: ٢٩١٢، و ٢٩١٣). قوله: (السّفر قطعة من العذاب) أي: جزء منه، والمراد بالعذاب الألم الناشىء عن المشقة، لما يحصل في الركوب والمشي من ترك المألوف، والاستعراض للشمس والبرد والخوف وما إلى ذلك. قوله: (يمنع أحدكم نومه) أي: يمنع كماله، لا أصله، وقد وقع عند الطبراني بلفظ: ((لا ٣٩٤ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم نَهْمَتَهُ مِنْ وَجْهِهِ، فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ؟)) قَالَ: نَعَمْ. (٥٦) - باب: كراهة الطروق، وهو الدخول ليلاً، لمن ورد من سفر ٤٩٣٩ - (١٨٠) حدّثني أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ هَمَّامِ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةً، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهَ كَانَ لاَ يَطْرُقُ أَهْلَهُ لَيْلاً. وَكَانَ يَأْتِيهِمْ غُدْوَةً أَوْ عَشِيَّةً. يهنأ أحدكم بنومه ولا طعامه ولا شرابه)) ذكره الحافظ في الفتح (٣: ٦٢٣) وهذا جار على الأكثر. والمقصود أن لا يسافر الرجل إلا لحاجة. قوله: (نُهمته) بضم النون وسكون الهاء، أي: حاجته من وجهه، أي: من مقصده. قوله: (فليتعجل إلى أهله) قال الحافظ في الفتح (٣: ٦٢٣): ((قال ابن عبد البر: زاد فيه بعض الضعفاء عن مالك: ((وليتخذ لأهله هدية، وإن لم يجد إلاّ حجراً، يعني: حجر الزناد، قال: وهي زيادة منكرة. وفي الحديث كراهة التغرب عن الأهل لغير حاجة، واستحباب استعجال الرجوع، ولا سيّما من يخشى عليهم الضيعة بالغيبة، ولما في الإقامة في الأهل من الراحة المعينة على صلاح الدين والدنيا، ولما في الإقامة من تحصيل الجماعات والقوة على العبادة. «قال ابن بطال: ولا تعارض بين هذا الحديث وحديث ابن عمر مرفوعاً: ((سافروا تصحّوا))، فإنه لا يلزم من الصحة بالسفر لما فيه من الرياضة أن لا يكون قطعة من العذاب، لما فيه من المشقة. فصار كالدواء المر المعقد للصحة، وإن كان في تناوله الكراهة)). استطراد: سئل إمام الحرمين حين جلس موضع أبيه: لم كان السفر قطعة من العذاب؟ فأجاب على الفور: ((لأن فيه فراق الأحباب)). (٥٦) - باب: كراهة الطروق إلخ ١٨٠ - (١٩٢٨) - قوله: (عن أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه البخاري في العمرة، باب الدخول بالعشيّ، (رقم: ١٨٠٠). قوله: (كان لا يطرق) بضم الراء، والطروق (بضم الطاء): المجيء بالليل، ويقال لكل آت بالليل: طارق، ولا يقال بالنهار إلا مجازاً. وقال بعض أهل اللغة: أصل الطروق الدفع والضرب، وبذلك سميت الطريق، لأن المارة تدقها بأرجلها، وسمي الآتي بالليل طارقاً لأنه يحتاج غالباً إلى دقّ الباب، وقيل: أصل الطروق السكون، ومنه: أطرق رأسه، فلما كان الليل ليسكن فيه سمي الآتي فيه طارقاً. كذا في فتح الباري (٩: ٣٤٠). ٣٩٥ كتاب: الإمارة ٤٩٤٠ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ. حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ، بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ لاَ يَدْخُلُ. ٤٩٤١ - (١٨١) حدّثني إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِم. حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ. أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ. ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى (وَاللَّفْظُ لَهُ). حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عُنْ سَيَّارِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ فِي غَزَاةٍ. فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ. فَقَالَ: ((أَمْهِلُوا حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلاً (أَيْ عِشَاءً) كَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ)). ٤٩٤٢ - (١٨٢) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَيَّارٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ جَابِرِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((إِذَا قَدِمَ أَحَدُكُمْ لَيْلاً فَلاَ يَأْتِيَنَّ أَهْلَهُ طُرُوقاً. حَتَّى تَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ. وَتَمْتَشِطَ الشَّعِشَةُ)). وسيأتي وجه عدم طروقه وَير أهله ليلاً في الحديث التالي إن شاء الله. ١٨١ - (٧١٥) - قوله: (عن جابر بن عبد الله) هذا الحديث أخرجه البخاري في العمرة، باب لا يطرق أهله إذا بلغ المدينة، (رقم: ١٨٠١)، وفي النكاح، باب لا يطرق أهله ليلاً إذا أطال الغيبة، مخافة أن يخونهم أو يلتمس عثراتهم، (رقم: ٥٢٤٣ و٥٢٤٤)، وأخرجه أبو داود في الجهاد، باب في الطروق، (رقم: ٢٧٧٦ و ٢٧٧٧ و٢٧٧٨)، والترمذي في الاستئذان والآداب، باب كراهية طروق الرجل أهله ليلاً، (رقم: ٢٨٥٥). قوله: (حتى ندخل ليلاً، أي: عشاء) تبين بهذا الحديث أن النهي ليس عن خصوص الليل أو النّهار، وإنما المقصود النهي عن مفاجأتهنّ بعد طول الغياب، وعّله النبيّ وَلّر بأن الزوجة إن كانت على غفلة من قدوم زوجها، لا تستعدّ للتزين له، وتبقى في حالة متبذلة، وربما يورث ذلك كراهة في قلب الزوج ونفرة، فتسوء المعاشرة بينهما. وبهذا ظهر أن الزوج لو آذنها بقدومه، أو لم تطل غيبته عنها، فلا بأس حينئذ بأن يطرقها ليلاً، لأنها قد وجدت وقتاً تتأهب فيه لاستقبال الزوج في حالة مرضيّة. قوله: (وتستحدّ المغيبة) المغيبة بضم الميم وكسر الغين: المرأة التي غاب عنها زوجها، والاستحداد: استعمال الحديد، وهو الموسى، والمقصود هنا: حلق عانتها. وقال الأبي: المراد أن تعالج إزالة نبات عانتها بالمعتاد عند النساء في ذلك، ولم يرد به استعمال الحديد، فإن ذلك غير مستحسن في أمرهنّ. ودلّ الحديث على أن المرأة ينبغي لها أن تتزيّن عند قدوم زوجها من سفر، وتزيل عنها ما يكرهه الزوج من تفرقة شعرها، ووساخة ثيابها، ووفور الشعر في عانتها. ودلّ الحديث أيضاً على أن المرأة ينبغي لها أن تكون متبذلة في بيتها عند ما غاب عنها زوجها . ٣٩٦ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤٩٤٣ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ. حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. حَدَّثَنَا سَيَّارٌ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. ٤٩٤٤ - (١٨٣) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ (يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ). حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِم، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ، إِذَا أَطَالَ الرَّجُنُ الْغَيْبَةُ، أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ طُرُوقاً . ٤٩٤٥ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ. حَدَّثَنَا رَوْحٌ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. ٤٩٤٦ _ (١٨٤) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا وَكِيعُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُحَارِبٍ، عَنْ جَابِرٍ. قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ أَنْ يَظْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلاً. يَتَخَوَّنُهُمْ أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ. ٤٩٤٧ - (٠٠٠) وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، بِهِذَا الإِسْنَادِ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمُنِ: قَالَ سُفْيَانُ: لاَ أَدْرِي هُذَا فِي الْحَدِيثِ أَمْ لاَ. يَعْنِي أَنْ يَتَخَوَّنَهُمْ أَوْ يَلْتَمِسَ عَثَرَاتِهِمْ. ٤٩٤٨ - (١٨٥) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ. حَدَّثَنَا أَبِي. قَالاَ جَمِيعاً: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَارِبٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِّ وَّهِ بِكَرَاهَةِ الظُّرُوقِ. وَلَمْ يَذْكُرْ: يَتَخَوَّنُهُمْ أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ. ١٨٣ - ( ... ) - قوله: (إذا أطال الرجل الغيبة) قال الأبي: ((يدلّ على أن السفر القريب الذي تتوقع فيه قدومه لا بأس أن يقدم فيه ليلاً، وكذلك القفل الكبير المشتهر قدومه، وقد علمت أهله قدومه معه فلا بأس بقدومه فيه ليلاً، لأن المراد التهيؤ، وقد حصل)). ١٨٤ - ( ... ) - قوله: (يتخونهم) إلخ: قال القاضي: ((معناه: يكشف عنهنّ: هل خنّ أم لا؟)) والتخون: تتبع الخيانة. والعثرات جمع عثرة، وهي الزّلة. والمراد أنه لا ينبغي للزوج أن يتتبّع عورات زوجته، ويفاجئها بقصد أن يطلع على بعض عيوبها، ويصبح لها كالجاسوس يتفقد خلواتها، فإن ذلك من إساءة الظنّ بدون دليل، وذلك لا يجوز. والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. وبه تمّ بفضل الله تعالى وحسن توفيقه شرح كتاب الجهاد والإمارة، وذلك ضحاء الرابع من شهر صفر الخير، سنة ألف وأربعمائة وتسع من الهجرة النبوية على صاحبها السلام، فلله الحمد والشّكر، ونسأله تعالى أن يوفق لإكمال باقي الشرح حسب ما يحبه ويرضاه، إنه تعالى سميع قريب مجيب . ٣٩٧ كتاب: الصيد والذبائح بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ كتاب: الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان (١) - باب: الصيد بالكلاب المعلَّمة والرمي كتاب: الصيد والذبائح (١) - باب: الصيد بالكلاب المعلمة إنّ الله سبحانه وتعالى جعل الإنسان أشرف خلقه وأفضل برّيته، وفوّض إليه من الفرائض الجليلة ما لم يفوّضها إلى غيره من المخلوقات، فجعل الموجودات في العالم كلّه مسخّرة له، قاضية لحاجاته، ومنجزة لما يهواه، ممّا يعنيه في أداء واجبه والقيام بمقاصد حياته. قال الله سبحانه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [سورة البقرة، آية: ٢٩] وهذا يدل على أن جميع ما في الأرض مخلوق لينتفع به الإنسان بصورة من الصّور. غير أن هذا الانتفاع ينبغي أن يكون على وجه جلب المنافع، وإقامة المصلحة، لا على وجه يؤدّي إلى مفاسد فردية أو اجتماعية، خلقية أو نفسية، مدنية أو دينية. ومن أجل ذلك شرع الله سبحانه الحلال والحرام، فأباح للإنسان ما يفيده، وحرّم ما يضرّه على وجه اقتضته حكمته البالغة التي ربّما لا تصل إليها هذه العقول الضيقة المحبوسة في الجس والمادّة، فليس للإنسان إلاّ أن يستسلم لأوامر ربّه ویکفّ عن مناهیه، سواء أدرك حکمتها أو لم يدركها . وإن الأكل والشرب من أعظم حاجات الإنسان التي لا يمكن أن يعيش بدونها، وإن لحم الحيوانات الطيّبة من أعظم المآكل التي عرفها الإنسان. فإنّها من ألذّ المأكولات طعماً، وأنفعها للصحة البشرية، وأكثرها تقوية للجسم، وأوفرها وجوداً طبيعياً لا يحتاج إلى غرس أو زرع، وقد جُبل الإنسان على استحسان طعمه، والانتفاع بملاذه. وقد حقّق الإمام الفيلسوف الشيخ محمد قاسم النانوتوي تعثُّ (مؤسّس دار العلوم بديوبند) في رسالته ((التحفة اللحميّة)) أثناء الرد على بعض الهنود الذين يشنّعون على أكل اللحم، أن الله سبحانه وتعالى خلق أعضاء كل حيوان وصوّرها بما يلائم فطرته في معيشته وأكله وشربه. فالطيور التي لها مناقير معوجّة، تأكل اللحم، والتي لها مناقير مستقيمة، ترعى الحشيش ونحوه وكذلك الحيوانات التي ترعى العشب، ولا تأكل اللحم، لها أضراس مدوّرة، وليست لها أنياب إلاّ نادراً، كالبقر، والغنم، والإبل، والفرس. وأما الحيوانات التي تأكل اللحم، فإنّ أضراسها عريضة وليست مدوّرة، ولها أنياب حادّة، مثل جميع السباع. ٣٩٨ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤٩٤٩ - (١) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي وإن رأينا الإنسان على هذا العيار، فإنّ له أضراساً عريضة، وأنياباً حادة، وهذا يدل على أن فطرته تقتضي أكل اللحم، دون الاقتصار على الخضراوات والمزروعات. ونظراً إلى هذه الأمور الفطرية للإنسان أباح الله سبحانه وتعالى لحم الحيوانات الطيّبة، وحرم منها ما يضرّ الصحّة الجسميّة، أو الروحيّة، أو النفسيّة، أو الخلقيّة. ثمّ الحيوانات الطيّبة إنما أبيح لحومها إذا وقعت تذكيتها بطريق مشروع، فإن الحيوانات التي تموت طبعاً، أو التي تموت بالاختناق أو الوقذ تحتبس دماؤها في أعضائها، فتتنجس أعضاؤها، وإن أكل لحمها يورث أمراضاً جسمية أو نفسية أو خلقيّة. وإنّ هذا هو السرّ في مشروعية الذبح والنحر وطرق الذكاة الأخرى، فإنّها تنهر الدم من جسم الحيوان وتفيضها إلى الخارج بما يجعل لحمها طاهراً من أرداسها، فيطيب اللحم للآكل. وإن أفضل هذه الطرق هو الذبح والنحر، فإن إنهار الدم فيهما أكمل، وإزهاق الروح بهما أسهل. فأوجبت الشريعة في الأحوال الاختيارية أن يكون قتل الحيوان بهذا الطريق المشروع فقط، فاشترط في الحيوانات الأليفة أن تذبح أو تنحر لقطع عروقها. وأمّا في الحيوانات الشّاردة التي لا تقع تحت اختيار الإنسان، فاكتفى الشرع بمجرد إنهار الدم بآلة محددة، سواء كان هذا الإنهار عن طريق حلقومها، أو عن طريق غيرها من الأعضاء. ثمّ إنّ إنهار الدم طريق لتطهير ظاهر الحيوان. وشرع الله سبحانه مع ذلك ما يطهّر باطنه، وذلك بذكر اسم الله عليه من قبل الذابح أو الصّائد، واشترط أن يكون مسلماً أو كتابياً، لأن ذكر غيرهما غير معتبر شرعاً، فلا يفيد طهارة الحيوان في الباطن. والله سبحانه وتعالى أعلم. ١ - (١٩٢٩) - قوله: (عن عديّ بن حاتم) هو ابن للجواد المشهور حاتم الطائي، أسلم في سنة تسع، وقيل: سنة عشر، وكان نصرانيّاً، وقد روى أحمد والبغوي في معجمه قصة إسلامه بطولها: أنه كان يكره النبيّ وَّ ودينه، ثم تبين له أن يأتي النبيّ وَّر، وقال: ((فإن كان كاذباً لم يخف عليّ، وإن كان صادقاً اتبعته)). فقدم المدينة، فعرض النبيّ ◌َّر عليه الإسلام، ووقعت مكالمة، ثم أسلم. وإنه ممن ثبت على إسلامه في الردّة، وأحضر صدقة قومه إلى أبي بكر، وشهد فتح العراق، ثم سكن الكوفة وشهد صفين مع عليّ، ومات بعد الستين وقد أسنّ. قال خليفة: بلغ عشرين ومائة سنة، وقال محل بن خليفة عن عدي بن حاتم: ((ما أقيمت الصلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء)). وراجع الإصابة (٢: ٤٦١). وحديثه هذا أخرجه البخاري في الوضوء، باب إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً، (رقم: ١٧٥)، وفي البيوع، باب تفسير المشبّهات، (رقم: ٢٠٥٤)، وفي الذبائح والصيد، باب التسمية على الصيد، (رقم: ٥٤٧٥)، وباب صيد المعراض، (رقم: ٥٤٧٦)، ٣٩٩ كتاب: الصيد والذبائح أُرْسِلُ الْكِلاَبَ الْمُعَلَّمَةَ. فَيُمْسِكْنَ عَلَيَّ. وَأَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ. فَقَالَ: ((إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ، وباب ما أصاب المعراض بعرضه، (رقم: ٥٤٧٧)، وباب إذا أكل الكلب، (رقم: ٥٤٨٣)، وباب الصيد إذا غاب عنه يومين أو ثلاثة، (رقم: ٥٤٨٤، و ٥٤٨٥)، وباب إذا وجد مع الصيد كلباً آخر، (رقم: ٥٤٨٦)، وباب ما جاء في التصيد، (رقم: ٥٤٨٧)، وفي التوحيد، باب السؤال بأسماء الله تعالى والاستعاذة بها، (رقم: ٧٣٩٧)، وأخرجه أبو دادو في الصيد، باب في الصيد، (رقم: ٢٨٤٧، ٢٨٤٨، ٢٨٤٩، ٢٨٥٠، ٢٨٥١، ٢٨٥٣، ٢٨٥٤)، والترمذي في الصيد، باب ما جاء ما يؤكل من صيد الكلب وما لا يؤكل، (رقم: ١٤٨٩)، وباب في صيد البزاة، (رقم: ١٤٩٣)، وباب في الرجل يرمي الصيد فيغيب عنه، (رقم: ١٤٩٤)، وباب فيمن يرمي الصيد فيجده ميتاً في الماء، (رقم: ١٤٩٥ و ١٤٩٦)، وباب ما جاء في صيد المعراض، (رقم: ١٤٩٧ و١٤٩٨). وأخرجه النسائي في الصيد والذبائح، باب الأمر بالتسمية عند الصيد، (رقم: ٤٢٦٣)، وباب النهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، (رقم: ٤٢٦٤)، وباب صيد الكلب المعلّم، (رقم: ٤٢٦٥)، وباب إذا قتل الكلب، (رقم: ٤٢٦٧)، وباب إذا وجد مع كلبه كلباً لم يسمّ عليه، (رقم: ٤٢٦٨)، وباب إذا وجد مع كلبه كلباً غيره، (رقم: ٤٢٦٩ إلى ٤٢٧٣)، وباب الكلب يأكل من الصيد، (رقم: ٤٢٧٤ و٤٢٧٥)، وباب في الذي يرمي الصيد فيقع في الماء، (رقم: ٤٢٩٨ و ٤٢٩٩)، وباب في الذي يرمي الصيد فيغيب عنه، (رقم: ٤٣٠٠ و٤٣٠١ و ٤٣٠٢)، وباب صيد المعراض، (رقم: ٤٣٠٥)، وباب ما أصاب بعرض من صيد المعراض، (رقم: ٤٣٠٦)، وباب ما أصاب بحد من صيد المعراض، (رقم: ٤٣٠٧ و٤٣٠٨). وأخرجه ابن ماجة في الصيد، باب صيد الكلب، (رقم: ٣٢٤٧)، وباب صيد القوس، (٣٢٥١)، وباب الصيد يغيب ليلة، (رقم: ٣٢٥٢)، وباب صيد المعراض، (رقم: ٣٢٥٣ و٣٢٥٤). قوله: (إذا أرسلت كلبك) وعمّمه الفقهاء في كلّ ذي ناب من السّباع، فإذا كان معلّماً حل صيده، لأن اسم الكلب في اللغة يقع على كل سبع حتى الأسد، ولقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ﴾ [سورة المائدة، آية: ٤] وعن أبي يوسف أنه استثنى من ذلك الأسد والدبّ لأنهما لا يعملان لغيرهما، الأسد لعلوّ همته، والدبّ لخساسته، وحكى النووي عن النخعي والحسن وأحمد وإسحاق أنهم استثنوا منه الكلب الأسود فإنه شيطان، وألحق بهما بعضهم الحداة، لخساستها، والخنزير مستثنى لأنه نجس العين، فلا يجوز الانتفاع به، كذا في الهداية. قوله: (المعلّم) إنما اشترط كون الكلب معلّماً لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ﴾ [سورة المائدة، آية: ٤] ولأنه إنما يصير آلة للصائد بالتعليم. ثم علامة كونه معلّماً أن ينزجر بالزجر، وأن لا يأكل الصيد بنفسه، بل يمسكه لصاحبه، ٤٠٠ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ويظهر تعوّده بذلك بترك الأكل ثلاث مرّات، وهذا عند أبي يوسف ومحمّد وأحمد بن حنبل وهو رواية عن أبي حنيفة كثّفُ. وروايته الأخرى أنه لا تقدير في ذلك، وإنما المعتبر غلبة الظنّ، فإن غلب على رأي المبتلى به أنه تعوّد ذلك، صار معلّماً، وإلاّ فلا. ويقرب منه قول الشافعية أنهم تركوا ذلك على العرف، فالمعلّم ما كان معلّماً في العرف، وعلى الرواية الأولى عن أبي حنيفة يحل للآكل ما اصطاده ثالثاً، خلافاً لصاحبيه، فإنّه لا يحل الصيد عندهما إلا بعد تمام الثلاث، فيحلّ ما اصطاده رابعاً. وحكي عن ربيعة ومالك أنه يعتبر في التعليم أن ينزجر بالزجر، ولا يعتبر ترك الأكل، لما روى أبو ثعلبة الخشني، قال: قال رسول الله وَ الله: ((إذا أرسلت كلبك المعلّم وذكرت اسم الله عليه فكل وإن أكل)) ذكره الإمام أحمد وأبو داود. ولنا أن العادة في المعلّم ترك الأكل، فاعتبر شرطاً، كالانزجار إذا زجر، وحديث أبي ثعلبة معارض بما روي عن عدي بن حاتم في الباب، وفي بعض طرقه: ((فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه)) وهذا الحديث أولى بالتقديم لأنه متفق على صحته، ولأنه متضمن للزيادة، وهو ذكر الحكم معللاً. كذا في المغني لابن قدامة (١١: ٧). وحديث أبي ثعلبة تفرد فيه داود بن عمر بزيادة قوله: ((وإن أكل))، وداود بن عمر ضعفه أحمد، وقال العجلي: ((يكتب حديثه، وليس بالقوي)) وقال أبو حاتم: ((شيخ ليس بالمشهور)) كما في إعلاء السنن (١٨ : ٤٦) فلا يقبل تفرده خلاف ما ثبت في الصحيحين من حديث عدي بن حاتم ذاته . ثم ترك الأكل عند الجمهور إنما يشترط في الكلب والسباع الأخرى. فأما البازيّ وما أشبهه من سباع الطير فلا يشترط في تعليمه أن لا يأكل، وإنما المعتبر فيه أن يرجع ويجيب إذا دعاه صاحبه. وهذا عند أبي حنيفة، وأحمد، والثوري، وحماد، والنخعي، وهو المروي عن ابن عباس. وقال الشافعي يشترط ترك الأكل فيه أيضاً، واستدلّ بما أخرجه أبو داود من طريق مجالد عن الشعبي، عن عدي بن حاتم أن النبيّ وَ لّ قال: ((ما عَلَّمْتَ من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله فكل مما أمسك عليك. قلت: وإن قتل؟ قال: إذا قتله ولم يأكل منه شيئاً فإنما أمسكه علیك» . وأجاب عنه الحنفية والحنابلة بأن مجالداً تفرد في هذا الحديث بذكر الباز، وخالف فيه الحفاظ، وهو ضعيف. واحتجّوا على مذهبهم بما أخرجه ابن جرير في تفسيره عن ابن عباس ﴿يا أنه قال في الطير: ((إذا أرسلته فقتل فكل، فإن الكلب إذا ضربته لم يعد، وإن تعليم الطير أن يرجع إلى صاحبه وليس يضرب، إذا أكل من الصيد ونتف من الريش فكل)). وأخرجه