Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
كتاب: الجهاد والسّير
فِي زُقَاقٍ خَيْبَرَ. وَإِنَّ رُكْبَتِي لَتَمَسُ فَخِذَ نَبِيِّ اللّهِ وَّهِ. وَانْحَسَرَ الإِزَارُ عَنْ فَخِذٍ
نَبِيِّ اللّهِ وَهُ. وَإِنِّي لأَرَىْ بَيَاضَ فَخِذِ نَبِيِّ اللّهِ نَّهِ. فَلَمَّا دَخَلَ الْقَرْيَةَ قَالَ: ((اللَّهُ أَكْبَرُ،
خَرِبَتْ خَيْبَرُ. إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةٍ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ)) قَالَهَا ثَلاَثَ مِرَارٍ. قَالَ: وَقَدْ
خَرَجَ الْقَوْمُ إِلَى أَعْمَالِهِمْ. فَقالُوا: مُحَمَّدٌ. قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ: وَقَالَ بَغْضُ أَصْحَابِنًا:
وَالْخَمِيسُ. قَالَ:
قوله: (في زقاق خيبر) بضم الزاي: السكة، يذكر ويؤنث، والجمع: أزقّة، وزُقّاق، بضم
الزاي ولعل المراد هُنا الطريق الموصل إلى خيبر، لأن سياق القصة في ما قبل فتحها والدخول
في عمرانها، والله سبحانه أعلم.
قوله: (وانحسر الإزار عن فخذ نبيّ الله ◌َ لـ) به استدل من قال: إن الفخذ ليست بعورة،
وحكي ذلك عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وإسماعيل بن علية، وداود الظاهري،
ومالك في رواية، وأحمد في رواية، وعن الإصطخري من الشافعية، كما روي ذلك عن ابن
جرير الطبري، وفي نسبته إلى الطبري نظر، لأنه قد ردّ في تهذيب الآثار على من لا يقول بكونها
عورة، كما حققه الحافظ في الفتح (١: ٤٨١).
واستدل المانعون بما أخرجه مالك في الموطأ من حديث جرهد، قال: ((جلس
رسول الله وَيقر عندي وفخذي مكشوفة، فقال: خمّر عليك، أما علمت أن الفخذ عورة)).
وأما حديث الباب، فأجاب عنه العيني في عمدة القاري (٢: ٢٤٤): فقال: ((إنه محمول
على غير اختيار رسول الله وَله بسبب ازدحام الناس ... وقال القرطبي: ويرجح حديث جرهد
أن تلك الأحاديث المعارضة له قضايا معينة في أوقات وأحوال مخصوصة يتطرق إليها الاحتمال
ما لا يتطرق لحديث جرهد، فإنه أعطى حكماً كلياً، فكان أولى. وبيان ذلك أن تلك الوقائع
تحتمل خصوصية النبيّ ◌َله بذلك، أو البقاء على البراءة الأصلية، أو كان لم يحكم عليه في ذلك
الوقت بشيء، ثم بعد ذلك حكم عليه بأنه عورة)) - والله أعلم - .
قوله: (خربت خيبر) بكسر الراء في الفعل، قال بعض العلماء: إنما قال النبيّ وَّو ذلك
تفاؤلاً لما رأى في أيدي أهلها من الفؤوس والمساحي، كما سيأتي في الرواية الآتية، لأنها من
آلات التخريب، فتفاءل بذلك على أن خيبر ستخرب. وقيل: إنه تفاءل باسم خيبر. وقال
النووي: ((والأصح أنه أعلمه الله تعالى بذلك.
قوله: (إنا إذا أنزلنا بساحة قوم) إلخ: تمثل بالآية القرآنية، ودل على جواز التمثل بالقرآن
الكريم إلا إذا كان في سياق المزح ولغو الحديث فيكره، تعظيماً لكتاب الله تعالى. قاله النووي.
قوله: (قال بعض أصحابنا: والخميس) يعني: أن بعض الرواة اقتصر على قولهم
((محمد))، وبعضهم روى قولهم بكامله، وهو: ((محمّد والخميس)) كما هو مصرح في الرواية

١٨٢
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً.
٤٦٤٢ - (١٢١) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَفَّانُ. حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ.
حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ. قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ أَبِي طَلْحَةَ يَوْمَ خَيْبَرَ. وقَدَمِي تَمَسُ قَدَمَ
رَسُولِ اللَّهِ وَهِ. قَالَ: فَأَتَيْنَاهُمْ حِينَ بَزَغَتِ الشَّمْسُ. وَقَدْ أَخْرَجُوا مَواشِيَهُمْ. وَخَرَجُوا
بِقُؤُوسِهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ وَمُرُورِهِمْ. فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ. قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ:
(خَرِبَتْ خَيْبَرُ. إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةٍ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ)) قَالَ: فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
٤٦٤٣ - (١٢٢) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ. قَالاَ: أَخْبَرَنَا
النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ. أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: لَمَّا أَتَى
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ خَيْبَرَ قَالَ: (إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةٍ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الَّمُنْذَرِينَ)).
٤٦٤٤ - (١٢٣) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ (وَاللَّفْظُ لابْنِ عَبَّارٍ). قَالاً:
حَدَّثَنَا حَاتِمٌ (وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ) عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ
سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ. قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَهُ إِلَى خَيْبَرَ. فَتَسَيَّرْنَا لَيْلاً. فَقَالَّ رَجُلٌ
الآتية. والخميس: الجيش، سمي به لانقسامه على خمسة أقسام: المقدمة، والميمنة،
والميسرة، والقلب، والسّاقة.
ثم إن الخميس في قولهم ((محمد والخميس)) يجوز أن يكون مرفوعاً على أنه معطوف على
(محمد)» وهو مرفوع لكونه فاعلاً لمحذوف، يعني: جاء محمد والخميسُ. ويجوز أن يكون
منصوباً على أنه مفعول معه، والواو بمعنى مع، يعني: جاء محمد مع الخميس. كذا ذكره العيني
في العمدة (٢: ٢٤٩).
قوله: (وأصبناها عنوة) يعني: قهراً بالقتال. واختلف أقوال العلماء في فتح خيبر، أكان
عنوة أم صلحاً؟ وإلى كلّ ذهب ذاهب. والقول الثالث: أنه فتح بعضه عنوة، وبعضه صلحاً، لأن
خيبر كانت مشتملة على حصون كثيرة، فافتتح بعضها بالسلاح، وبعضها بالصلح. وبهذا تجتمع
الروايات والآثار.
١٢١ - ( ... ) - قوله: (بفؤوسهم ومكاتلهم ومرورهم) أما الفؤوس، فهو جمع فأس،
كرأس ورؤوس، وهو ما تحفر به الأرض وتقلع به الأشجار، والمكاتل جمع مكتل، بكسر الميم
وفتح التاء، وهو القفة والزنبيل، ويقال له العرق أيضاً، وهو ما يملأ فيه التراب الخارج من
الأرض بعد الحفر. وأما المرور، فهو جمع مَرّ، بفتح الميم، وهي المساحي، جمع مِسحاة،
وهي آلة للحرث، وقيل: المرّ هو الحبل، فالمراد من المرور: الحبال التي يصعدون بها إلى
النخل. والمراد أنهم خرجوا في الصبح بآلاتهم لأعمالهم الزراعية.
١٢٣ - (١٨٠٢) - قوله: (عن سلمة بن الأكوع) هذا الحديث أخرجه البخاري في

١٨٣
كتاب: الجهاد والسّير
مِنَ الْقَوْمِ لِعَامِرِ بْنِ الأَْوَعِ: أَلاَ تُسْمِعُنَا مِنْ هُنَّاتِكَ؟ وَكَانَ عَامِرٌ رَجُلاً شَاعِراً. فَتَزَلَ يَحْدُو
بِالْقَوْمِ يَقُولُ:
وَلاَ تَصَدَّقْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا
اللَّهُمَّ لَوْلاً أَنْتَ ما اهْتَدَيْنَا
وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاَقَيْنَا
فَاغْفِرْ، فِدَاءَ لَكَ، مَا اقْتَفَيْنَا
إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا
وَأَلْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا
وَبِالصُّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا
المغازي، باب غزوة خيبر، (رقم: ٤١٩٦)، وفي المظالم، باب هل تكسر الدنان التي فيها
الخمر أو تخرق الزقاق، (رقم: ٢٤٧٧)، وفي الذبائح والصيد، باب آنية المجوس والميتة،
(رقم: ٥٤٩٧)، وفي الأدب، باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه،
(رقم: ٦١٤٨)، وفي الدعوات، باب قول الله تعالى: ﴿وَصَلّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]،
(رقم: ٦٣٣١)، وفي الديات، باب إذا قتل نفسه خطأ فلا دية له، (رقم: ٦٨٩١)، وأخرجه
أيضاً النسائي في الجهاد، باب من قاتل في سبيل الله فارتد عليه سيفه فقتله، (رقم: ٣١٥٢).
قوله: (لعامر بن الأكوع) هو عم سلمة بن الأكوع ◌ًا، لأن سلمة هو سلمة بن عمرو بن
الأكوع، واسم الأكوع سنان، فيقال له عامر بن سنان أيضاً، وراجع الإصابة (٢: ٢٤١).
قوله: (ألا تسمعنا من هُنيهاتك) جمع هنيهة، وهي تصغير هنة. والهنة يقع على كل شيء،
فالمراد هنا الأراجيز، قاله النووي وغيره: وذكر في القاموس أنه يقال للشيء اليسير، وللشيء
الذي يستفحش ذكره.
قوله: (فاغفر فداء لك) وقد استشكل هذا الكلام لأنه لا يقال في حق الله، إذ معنى ((فداء
لك)»: نفديك بأنفسنا، وإنما يتصور الفداء لمن يجوز عليه الفناء. وأجيب عن ذلك بأنها كلمة لا
يراد بها ظاهرها بل المراد بها المحبة والتعظيم مع قطع النظر عن ظاهر اللفظ. وقيل: المخاطب
بهذا الشعر نبيّ الله ◌َّر، كذا في فتح الباري (٧: ٤٦٥).
قوله: (ما اقتفينا) يعني: ما ارتكبنا من الخطايا، مفعول لقوله ((اغفر))، و ((ما)» موصولة،
والاقتفاء، الاتباع، يقال: قفوت أثره، أي: اتبعته، والمراد ما تبعنا من الخطايا .
ووقع في رواية للبخاري: ((ما اتّقينا))، والمراد: ما تركنا من الأوامر، و ((ما)) حينئذ
ظرفية. وفي بعض الروايات: ((ما أبقينا))، يعني: ما أبقيناه وراءنا من الذنوب فلم نتب منه. وفي
بعضها ((ما لَقِينا)) والمعنى: ما وجدنا من المناهي. وراجع فتح الباري.
قوله: (إذا صيح بنا أتينا) يعني: إذا دعينا للقتال أو إلى الحقّ أتينا. يقال: صيح به، إذا
استغاثه أحد.
قوله: (بالصّياح عوّلوا علينا) هو من التعويل، وهو الاعتماد، يعني: الذين صاحوا بنا

١٨٤
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: (مَنْ هُذَا السَّائِقُ؟)) قَالُوا: عَامِرٌ. قَالَ: ((يَرْحَمُهُ اللَّهُ)) فَقَالَ
رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: وَجَبَتْ. يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْلاَ أَمْتَعْتَنَا بِهِ. قَالَ: فَأَتَيْنَا خَيْبَرَ فَحَاصَرْنَاهُمْ.
حَتَّى أَصَابَتْنَا مَخْمَصَةٌ شَدِيدَةٌ. ثُمَّ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ فَتَحَهَا عَلَيْكُمْ)) قَالَ: فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ مَسَاءً
الْيَوْمِ الَّذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ، أَوْقَدُوا نِيرَاناً كَثِيرَةً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِّهِ: ((مَا هَذِهِ النِّيرَانُ؟ عَلَى
أَيُّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟)) فَقَالُوا: عَلَى لَخْم. قَالَ: ((أَيُّ لَحْم؟)) قَالُوا: لَحْمُ حُمُرِ الإِنْسِيَّةِ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((أَهْرِيقُوهَا وَاكْسِرُوَهَا)) فَقَالَ رَجُلٌ: أَوْ يُهْرِ يقُوهَا وَيَغْسِلُوْهَا؟ فَقَالَ: ((أَوْ
ذَاكَ)) قَالَ: فَلَمَّا تَصَافَّ الْقَوْمُ كَانَ سَيْفُ عَامِرٍ فِيهِ قِصَرٌ. فَتَنَاوَلَ بِهِ سَاقَ يَهُودِيٌّ لِيَضْرِبَهُ.
وَيَرْجِعُ ذُبَابُ سَيْفِهِ فَأَصَابَ رُكْبَةَ عَامِرٍ. فَمَاتَ مِنْهُ. قَالَ: فَلَمَّا قَفَلُوا قَالَ سَلَمَةُ، وَهُوَ آخِذٌ
بِيَدِي، قَالَ: فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ وَِّهِ سَاكِتاً قَالَ: ((مَالَكَ؟)) قُلْتُ لَهُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي!
اعتمدوا علينا بأنّنا نغيثهم، ويقال: عوّلت على فلان، وعولت بفلان، بمعنى استغئت به. وقال
الخطابي: المعنى: أجلبوا علينا بالصوت، وهو من العويل. وتعقبه ابن التين بأن ((عوّلوا))
بالتثقيل من التعويل، ولو كان من العويل لكان ((أعولوا)). كذا في فتح الباري.
قوله: (فقال رجل من القوم) وهو عمر بن الخطاب تظله، كما صرح به في رواية إياس
عند المصنف، وفي رواية نصر بن دهر عند ابن إسحاق.
قوله: (وجبت) أي: ثبتت له الشهادة، وكان من المعروف عندهم أن من دعا له
رسول الله ﴿ بهذا الدعاء في مثل هذا الموطن فإنه سيستشهد، ولذلك قال فيما بعد: ((لولا
أمتعتنا به)) يعني: أنك لو أخرت الدعاء له بهذا إلى وقت آخر لتمتعنا بمصاحبته.
قوله: (مخمصة شديدة) أي: مجاعة شديدة.
قوله: (لحم الحمر الإنسية) يعني الحمر التي تألف بالإنسان، وهي الحمر المعروفة،
وصفوها بالإنسية لتمييزها عن الحمر الوحشية التي تكون في الفلوات، ولا تألف بالإنسان. وفي
الحديث دلالة على حرمة لحومها، وهو مذهب الجمهور ومنهم الحنفية، وسيأتي الكلام على
مسألة لحوم الحمر الأهلية في كتاب الصّيد والذبائح إن شاء الله تعالى.
قوله: (أو يهريقوها ويغسلوها) كأنه اقترح على رسول الله - *- أن لا تكسر القدور، بل
تغسل فحسب، فقبل ذلك رسول الله ◌َ لهم حيث قال: ((أوذاك)).
قوله: (ويرجع ذباب سيفه) مضارع بمعنى الماضي، وهذا في كلام العرب كثير، فإنهم عند
حكاية واقعة مضت ربما يستعملون المضارع، للإشارة إلى أن الواقعة مستحضرة في ذهنهم كأنّها
تقع الآن. وذباب السيف: طرفه الأعلى، وقيل: حدّه.

١٨٥
کتاب: الجهاد والسّیر
زَعَمُوا أَنَّ عَامِراً حَبِطَ عَمَلُهُ. قَالَ: ((مَنْ قَالَهُ؟)) قُلْتُ: فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ
الأَنْصَارِيُّ. فَقَالَ: ((كَذَبَ مَنْ قَالَهُ. إِنَّ لَهُ لأَجْرَانٍ)) وَجَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ «إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ.
فَلَّ عَرَبِيٍّ مَشَىْ بِهَا مِثْلَهُ)). وَخَالَفَ قُتَيْبَةُ مُحَمَّداً فِي الْحَدِيثِ فِي حَرْفَيْنِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنٍ
عَبَّادٍ : وَأَلْقِ سَكِينَةٌ عَلَيْنَا.
٤٦٤٥ - (١٢٤) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ
شِهَابٍ. أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمُنِ (وَنَسَبَهُ غَيْرُ ابْنٍ وَهْبٍ، فَقَالَ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ بْنِ
مَالِكٍّ)؛ أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ قَاتَلَ أَخِي قِتَالاً شَدِيداً مَعَ
رَسُولِ اللَّهِ وَّهِ فَارْتَدَّ عَلَيْهِ سَيْفُهُ فَقَتَلَهُ. فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ وَه فِي ذُلِكَ. وَشَكُوا
فِيهِ: رَجُلٌ مَاتَ فِي سِلاحِهِ، وَشَكُوا فِي بَعْضِ أَمْرِهِ. قَالَ سَلَمَةُ: فَقَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ،وَهِ مِنْ
خَيْبَرَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ائْذَنْ لِي أَنَّ أَرْجُزَ لَكَ. فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ وَهِ. فَقَالَ
قوله: (حبط عمله) ظناً منهم بأنه قتل بسيفه، فصار كأنه قتل نفسه.
قوله: (كذب من قاله) أي: أخطأ .
قوله: (إن له لأجرين) أجر بجهاده، وأجر بشهادته في سبيل الله، وقيل: أجر بطاعاته في
حياته وأجر بجهاده في سبيل الله، - والله أعلم - .
قوله: (لجاهد مجاهد) المراد من الجاهد: الجادّ في علمه وعمله، أي: إنه لجاد في
طاعة الله. والمجاهد في سبيل الله، وهو الغازي، وقيل: جمع بين اللفظين تأكيداً .
قوله: (قلّ عربيّ مشى بها مثله) بضم اللام على أنه فاعل مشى، يعني: مشى بالأرض، أو
بالحرب. ورواه بعضهم: ((قلّ عربيّ مُشابها مثلَهُ)) بفتح اللام على أنه مفعول ((مشابهاً))،
و («مشابهاً)) منصوب بفعل محذوف وهو: ((رأيته))، والتقدير: قلّ عربيّ رأيته مشابهاً مثله، - والله
أعلم - .
١٢٤ - ( ... ) - قوله: (ونسبه غير ابن وهب) كان ابن وهب يرويه هكذا: ((أخبرني
عبد الرحمن وعبد الله بن كعب إلخ)) كأن عبد الرحمن وعبد الله بن كعب كليهما روياه عن سلمة،
والصحيح ما رواه غير ابن وهب: ((أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك)) وروى
مسلم هذا الحديث عن ابن وهب، فاقتصر على قوله: ((عبد الرحمن)) وحذف ما بعده من رواية
ابن وهب، لكونه خطأ، وأتى بالصحيح من رواية غير ابن وهب، وهذا من دقة نظره، ووفور
احتياطه تَخْدَثُ تعالى .
قوله: (رجل مات في سلاحه) حكاية لما يدور في أذهانهم من شكّ، يعني أنهم يزعمون
أنه رجل مات بسلاحه، فكان قاتلاً نفسه، فلعله لا يثاب على قتاله.

١٨٦
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: أَعْلَمُ مَا تَقُولُ. قَالَ: فَقُلْتُ:
وَلاَ تَصَدَّقْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا
وَاللَّهِ! لَوْلاَ اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ: ((صَدَقْتَ)).
وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاَقَيْنَا
وَأَنْزِلَنَّ سَكِينَةً عَلَيْنَا
وَالْمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا
قَالَ: فَلَمَّا قَضَيْتُ رَجَزِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ: ((مَنْ قَالَ هُذَا؟)) قُلْتُ: قَالَهُ أَخِي.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: ((يَرْحَمُهُ اللَّهُ)) قَالَ؛ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ نَاساً لَيَهَابُونَ الصَّلاَةَ
عَلَيْهِ. يَقُولُونَ: رَجُلٌ مَاتَ بِسِلاَحِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلّ: ((مَاتَ جَاهِداً مُجَاهِداً» .
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: ثُمَّ سَأَلْتُ ابْنَاً لِسَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ. فَحَدَّثَنِي عَنْ أَبِهِ مِثْلَ ذُلِكَ. غَيْرَ
أَنَّهُ قَالَ: (حِينَ قُلْتُ: إِنَّ نَاساً يَهَابُونَ الصَّلاَةَ عَلَيْهِ) فقَّالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((كَذَبُوا. مَاتَ
جَاهِداً مُجَاهِداً. فَلَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ)) وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ.
(٤٤) - باب: غزوة الأحزاب وهي الخندق
٤٦٤٦ - (١٢٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى). قَالاً:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ قَالَ: كَانَ
قوله: (فقال عمر بن الخطاب: أعلم ما تقول) يعني: أعرف ما تريد أن ترجز به، كأنه
استحضر ما ارتجز به عامر بن الأكوع عند ذهابهم إلى خيبر، فظنّ أن سلمة رَظُنُه سيرتجز بعين ما
ارتجز به عامر، - والله أعلم - .
قوله: (من قال هذا؟) كان النبيّ وَّر قد سمع من عامر هذا الرجز عند ذهابه إلى خيبر،
ولكنه أراد الآن أن يعرف الرجل الذي قاله.
قوله: (قاله أخي) يعني عامر بن الأكوع، وقد ورد في بعض الروايات أنه كان أخاه لأمّه،
وقد مرّ أنه كان عمّاله أيضاً، وجمع بينهما الحافظ في الفتح بأنه مبني على عادة أهل الجاهلية
في النكاح، - والله أعلم - .
(٤٤) - باب: غزوة الأحزاب
١٢٥ - (١٨٠٣) - قوله: (سمعت البراء) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد، باب
حفر الخندق، (رقم: ٢٨٣٦ و٢٨٣٧)، وباب الرجز في الحرب ورفع الصوت في حفر
الخندق، (رقم: ٣١٢٤)، وفي المغازي، باب غزوة الخندق، (رقم: ٤١٠٤ و٤١٠٦)، وفي

١٨٧
كتاب: الجهاد والسّير
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَوْمَ الأَحْزَابِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ، وَلَقَدْ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَظْنِهِ وَهُوَ
يَقُولُ:
وَلاَ تَصَدَّقْنَا وَلاَ صَلَّيْنَا
((وَاللَّهِ! لَوْلاَ أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا
إِنَّ الأُلَى قَدْ أَبَوْا عَلَيْنَا))
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةٌ عَلَيْنَا
قَالَ: وَرُبَّمَا قَالَ:
((إِنَّ الْمَلاَ قَدْ أَبَوْا عَلَيْنَا إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا))
وَيَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ.
٤٦٤٧ - (٠٠٠) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ مَهْدِيٍّ. حَدَّثَنَا
شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ. قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ. فَذَكَرَ مِثْلَهُ. إِلاَّ أَنَّهُ قَالَ: ((إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا
عَلَيْنَا)).
٤٦٤٨ - (١٢٦) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي
حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ. قَالَ: جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ وَنَحْنُ نَحْفِرُ الْخَنْدَقَ.
وَنَنْقُلُ التُّرَابَ عَلَى أَكْتَافِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((اللَّهُمَّ! لاَ عَيْشَ إِلَّ عَيْشُ الآخِرَةِ فَاغْفرْ
لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ)).
القدر، باب ﴿وَمَا كُنَا لِنَّهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَمَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، (رقم: ٦٦٢٠)، وفي التمنّي، باب
قول الرجل: لولا الله ما اهتدينا، (رقم: ٧٢٣٦).
قوله: (إنّ الألى قد أبوا علينا) قال الحافظ في الفتح (٧: ٤٠١): وقوله: إن الألى قد
بغوا علينا، ليس بموزون، وتحريره: إن الذين قد بغوا علينا، فذكر الراوي الألى بمعنى الذين،
وحذف ((قد)». وزعم ابن التين أن المحذوف ((قد)) و((هم))، قال: والأصل: إن الألى هم قد بغوا
علينا، وهو يتزن بما قال: لكن لا متعين. وذكره بعض الرواة في مسلم بلفظ ((أبوا)) بدل ((بغوا))
ومعناه صحيح، أي: أبوا أن يدخلوا في ديننا)).
١٢٦ - (١٨٠٤) - قوله: (عن سهل بن سعد) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة
الخندق، (رقم: ٤٠٩٨)، وفي فضائل أصحاب النبيّ وَّ، باب دعاء النبيّ وَّر: أصلح الأنصار
والمهاجرة، (رقم: ٣٧٩٧)، وفي الرقاق، باب ما جاء في الرقاق، (رقم: ٦٤١٤)، وأخرجه
الترمذي في المناقب، باب مناقب أبي موسى الأشعري ظُه، (رقم: ٣٨٥٥).
قوله: (لا عيش إلا عيش الآخرة) هو من شعر عبد الله بن رواحة، تمثل به النبيّ وَالر،
وليس ذلك منافياً لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩] لأن المراد من تعليم الشعر أن يقوله
رسول الله الله من عنده بقصد الشعر.

١٨٨
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
٤٦٤٩ - (١٢٧) وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ (وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنَّى). حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَنَّسِ بْنِ مَالِكِ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ؛
أَنَّهُ قَالَ:
((اللَّهُمَّ! لاَ عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الآخِرَهُ فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَة)»
٤٦٥٠ - (١٢٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا
مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ. أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ. حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ مَلِهِ كَانَ
يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ! إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ). قَالَ شُعْبَةُ: أَوْ قَالَ:
((اللَّهُمَّ لاَ عَيْشَ إِلَّ عَيْشُ الآخِرَةْ
فَأَكْرِمِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ»
٤٦٥١ - (١٢٩) وحدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَشَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ (قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا .
وَقَالَ شَيْبَانُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ. حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: كَانُوا
يَرْتَجِزُونَ، وَرَسُولُ اللَّهِ نَّهِ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ:
اللَّهُمَّ! لاَ خَيْرَ إِلَّ خَيْرُ الآخِرَةِ فَانْصُرِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةْ
وَفِي حَدِيثٍ شَيْيَانَ (بَدَلَ فَانْصُرْ): فَاغْفِرْ.
٤٦٥٢ - (١٣٠) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ.
حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ نَّهَكَانُوا يَقُولُونَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ:
عَلَى الإِسْلاَمِ مَا بَقِينَا أَبدًا
نَحْنُ الَّذِينَ بَايعُوا مُحَمَّدَا
أَوْ قَالَ: عَلَى الْجِهَادِ. شَكَّ حَمَّدٌ. وَالنَّبِيُّ وَ يَقُولُ:
فاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ)»
((اللَّهُمَّ! إِنَّ الْخَيْرَ خَيْرُ الآخِرَهُ
١٢٧ - (١٨٠٥) - قوله: (عن أنس بن مالك) أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة
الخندق، (رقم: ٤٠٩٩، و٤١٠٠)، وفي الجهاد، باب التحريض على القتال، (رقم: ٢٨٣٤)،
وباب حفر الخندق، (رقم: ٢٨٣٥)، وباب البيعة في الحرب أن لا يفرّوا، (رقم: ٢٩٦١)، وفي
فضائل أصحاب النبيّ وَّر، باب دعاء النبيّ ◌َّر: أصلح الأنصار والمهاجرة، (رقم: ٣٧٩٥،
و ٣٧٩٦)، وفي الرقاق، باب ما جاء في الرقاق، (رقم: ٦٤١٣)، وفي الأحكام، باب كيف
يبايع الإمام الناس، (رقم: ٧٢٠١)، وأخرجه الترمذي في المناقب، باب مناقب أبي موسى
الأشعري رُه، (رقم: ٣٨٥٦).

١٨٩
كتاب: الجهاد والسّير
(٤٥) - باب غزوة ذي قَرَدٍ وغيرها
٤٦٥٣ - (١٣١) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا حَاتِمٌ (يَعْنِي ابْنَ إِسْمَاعِيلَ) عَنْ
يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ. قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ يَقُولُ: خَرَجْتُ قَبْلَ أَنْ يُؤَذَّنَ بِالأُوْلَى.
وَكَانَتْ لِقَاحُ رَسُولِ اللَّهِ وَله تَرْعَى بِذِي قَرَدٍ. قَالَ: فَلَقِيَنِي غُلاَمٌ لِعَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ عَوْفٍ
(٤٥) - باب: غزوة ذي قرد وغيرها
ذو قَرَد، بفتح القاف والراء، وقيل: بضمهما، وحكي ضم أوله وفتح ثانية، والأول أصح،
وهو ماء على نحو بريد مما يلي بلاد غطفان، وقيل: على مسافة يوم. وغزوة ذي قرد هي الغزوة
التي أغار فيها عيينة بن حصن، وعبد الرحمن بن عيينة، ومسعدة الفزاري على لقاح النبيّ ◌َلِّ،
فاستخلصها منهم سلمة بن الأكوع ظه كما ستأتي قصة ذلك مفصلة في روايات هذا الباب،
ووقعت هذه الغزوة قبل غزوة خيبر بثلاثة أيام، كما جزم به البخاري، وقال ابن سعد: كانت في
ربيع الأول سنة ست قبل الحديبية، وعن ابن إسحاق في شعبان منها. وذكر بعض العلماء أن
الخروج إلى ذي قرد تكرر مرتين أو ثلاثاً، - والله أعلم - . وهذا ملخص ما في فتح الباري.
١٣١ - (١٨٠٦) - قوله: (عن يزيد بن أبي عبيد) هو مولى سلمة بن الأكوع ته، أخرج
عنه الجماعة، وثقه ابن معين، والعجلي وأبو داود، وذكره ابن حبان في الثقات. قال ابن سعد:
توفي بالمدينة بعد خروج محمد (بن عبد الله) لسنتين أو ثلاث، وكان ثقة كثير الحديث. كذا في
التهذيب (١١: ٣٤٩).
قوله: (سمعت سلمة بن الأكوع) هذا الحديث أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة
ذي قرد، (رقم: ٤١٩٤)، وفي الجهاد، باب من رأى العدو فنادى بأعلى صوته: يا صباحاه!
حتى يسمع الناس، (رقم: ٣٠٤١)، وأخرجه أبو داود في الجهاد، باب في السريّة ترد على أهل
العسكر، (رقم: ٢٧٥٢)، وأخرجه أحمد في مسنده (٤: ٤٨).
قوله: (قبل أن يؤذّن بالأولى) يعني صلاة الصبح، ويدل عليه قوله في رواية آتية أنه تبعهم
من الغلس إلى غروب الشمس. وكان قد خرج إلى الغابة كما وقع مصرحاً عند البخاري في
الجهاد.
قوله: (وكانت لقاح رسول الله بَ﴿) اللقاح، بكسر اللام، جمع لقحة، وهي ذوات الدرّ
من الإبل، وذكر ابن سعد أنها كانت عشرين لقحة، قال: وكان فيهم ابن أبي ذر وامرأته، فأغار
المشركون، فقتلوا الرجل وأسروا المرأة. ووقع لامرأة أبي ذر ما مرت قصته في كتاب النذر،
كما في الروض الأنف للسهيلي (٢: ٢١٤)، والبيهقي في دلائل النبوة (٤: ١٣٩).
قوله: (فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف) قال الحافظ في الفتح (٧: ٤٦١): ((لم أقف
على اسمه ويحتمل أن يكون هو رباح غلام رسول الله مَّر، كما في رواية مسلم، وكأنه كان ملك

١٩٠
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
فَقَالَ: أُخِذَتْ لِقَاحُ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. فَقُلْتُ: مَنْ أَخَذَهَا؟ قَالَ: غَطَفَانُ. قَالَ: فَصَرَخْتُ
ثَلاَثَ صَرَخَاتٍ: يَا صَبَاحَاهْ! قَالَ: فَأَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لاَبَتَي الْمَدِينَةِ. ثُمَّ انْدَفَعْتُ عَلَى
وَجْهِي حَتَّى أَدْرَكْتُهُمْ بِذِي قَرَدٍ. وَقَدْ أَخَذُوا يَسْقُونَ مِنَ الْمَاءِ. فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ بِنَبْلِي،
وَكُنْتُ رَامِياً. وَأَقُولُ:
أَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ الْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ
أحدهما وكان يخدم الآخر، فنسب تارة إلى هذا، وتارة إلى هذا)).
قوله: (قال: غطفان) بفتح الغين والطاء، وفي رواية البخاري في الجهاد: ((غطفان وفزارة))
وهو من الخاص بعد العام، لأن فزارة من غطفان.
قوله: (يا صباحاه) هي كلمة كانت العرب تقولها عند استنفار من كان غافلاً عن عدوه،
وذكر الصباح في هذه الكلمة لأن الإغارة كانت تقع أول النهار عموماً .
قوله: (فأسمعت ما بين لابتي المدينة) فيه إشعار بأنه كان واسع الصوت جدّاً، ويحتمل أن
يكون ذلك من خوارق العادات، وروى عنه الطبراني: ((فصعدت في سلع ثم صحت: يا صباحاه،
فانتهى صياحي إلى النبيّ (َّر، فنودي في الناس: الفزع، الفزع)) حكاه الحافظ في الفتح، ووقع
في رواية للواقدي في مغازيه (٢: ٥٣٩) أنه صعد على ثنيّة الوداع، ولا منافاة بين الروايتين، فإن
ثنية الوداع جزء من جبل سلع، - والله أعلم - .
قوله: (ثم اندفعت على وجهي) أي: لم ألتفت يميناً ولا شمالاً، بل أسرعت الجري،
وكان شديد العدو، كما سيأتي.
قوله: (اليومَ يَوْمُ الرُّضّع) قال السهيلي في الروض الأنف (٢: ٢١٤): ((وقوله: ((اليوم يوم
الرضع)) بالرفع فيهما، وبنصب الأول ورفع الثاني، حكى سيبويه: ((اليوم يومك)) على أن تجعل
اليوم ظرفاً في موضع خبر للثاني، مثل أن تقول: الساعة يومك، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ
يَوْمَِذٍ يَوْمُ عَسِيرُ ﴾﴾ [سورة المدثر، آية: ٩] أن يومئذ ظرف ليوم عسير. وذلك أن ظروف الزمان
أحداث، وليست بجثث، فلا يمتنع فيها مثل هذا كما لا يمتنع في سائر الأحداث)).
وأمّا ((الرُّضَّع)) فهو بضم الراء وفتح الضاد المشددة، جمع الراضع، وهو اللئيم، والمراد
أن هذا اليوم يوم هلاك اللئام. وقد اختلفت أقوال أهل اللغة في وجه تسمية اللئيم بالراضع،
فقيل: لأنه ارتضع اللؤم من ثدي أمّه، وقيل: أصله أن رجلاً كان شديد البخل، فكان إذا أراد
حلب ناقته ارتضع من ثديها، لئلا يسمع جيرانه صوت الحلب، فيطلبوا منه اللبن. وقيل: بل
صنع ذلك لئلا يتبدد من اللبن شيء إذا حلب في الإناء. وقيل: بل المراد من الراضع من يمص
طرف الخلال إذا خلّ أسنانه، وهو دال على شدة الحرص، وفيه أقوال أخرى كثيرة.
وفسّره بعضهم بطريق آخر، وهو أن المراد أن اليوم يعرف كل من ارتضع من ثدي أمه،

١٩١
كتاب: الجهاد والسّير
فَأَرْتَجِزُ. حَتَّى اسْتَنْقَذْتُ اللِّقَاحَ مِنْهُمْ. وَاسْتَلَبْتُ مِنْهُمْ ثَلاثِينَ بُرْدَةً. قَالَ: وَجَاءَ
النَّبِيُّ وَّهِ وَالنَّاسُ. فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنِّي قَدْ حَمَيْتُ الْقَوْمَ الْمَاءَ. وَهُمْ عِطَاشٌ، فَابْعَثْ
إِلَيْهِمُ السَّاعَةَ. فَقَالَ: ((يَا ابْنَ الأَكْوَعِ! مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ)). قَالَ: ثُمَّ رَجَعْنَا. وَيُرْدِفُنِي
رَسُولُ اللَّهِ وَ لِ عَلَى نَاقَتِهِ حَتَّى دَخَلْنَا الْمَّدِينَةَ .
٤٦٥٤ - (١٣٢) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ. حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم. ح وَحَدَّثَنَا
إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ. كِلاَهُمَا عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ. ح وَحَدَّثَنَا
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الدَّارِمِيُّ. وَهُذَا حَدِيثُهُ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ الْخَنَفِيُّ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ
عَبْدِ الْمَجِيدِ. حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ (وَهُوَ ابْنُ عَمَّارٍ). حَدَّثَنِي إِيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ. حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ:
قَدِمْنَا الْحُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ بَهَ. وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً. وَعَلَيْهَا خَمْسُونَ شَاءً لاَ
فيعرف من ارتضع كريمة فأنجبته، أو لئيمة فأهجنته. وقيل: معناه: اليوم يعرف من أرضعته
الحرب من صغره وتدرب بها، فيمتاز عن غيره، وعليه فالرضّع صفة مدح لا صفة ذم، - والله
أعلم .. وراجع لهذه الأقوال فتح الباري (٧ : ٤٦٢).
قوله: (قد حميتُ القومَ الماءَ) يعني: منعتهم إيّاه.
قوله: (فابعث إليهم السّاعة) يعني لاستئصالهم جميعاً، وفي الرواية الآتية عند المصنف:
(يا رسول الله ﴿ خلّني فأنتخب من القوم مائة رجل فأتّبع القوم، فلا يبقى منهم مُخبر إلا قتلته)).
قوله: (ملكت فأسجح) بالهمزة المفتوحة، والجيم المكسورة، والحاء المجزومة، أمر من
الإسجاح، وهو حسن العفو الإرفاق والتّسهيل كما في لسان العرب (٣: ٣٠٤). والمعنى:
((قدرت على أعدائك، فاعف عنهم الآن وارفق بهم)).
وضربت هذه الكلمة مثلاً للتحريض على العفو عند المقدرة، تمثلت بها عائشة رؤيتها لعليّ بن
أبي طالب ◌َُّه يوم الجمل حين ظهر على الناس، فدنا من هودجها، ثم كلّمها بكلام، فأجابته:
((ملكت فأسجح)) أي: ظفرت فأحسن، فجهّزها عند ذلك بأحسن الجهاز وبعث معها أربعين
امرأة، وقال بعضهم: سبعين، حتى قدمت المدينة. كذا في كتاب الأمثال لأبي عبيد
(ص: ١٥٤، رقم: ٤٣٩)، والمستقصى للزمخشريّ (٢: ٣٤٨)، ومجمع الأمثال للميداني
(٢: ٢٨٣).
قوله: (ويردفني رسول الله وَّ ر) فيه تشجيع لسلمة بن الأكوع وصلة به، جزاء لما فعل
بالأعداء
.
١٣٢ - (١٨٠٧) - قوله: (وعليها خمسون شاة لا ترويها) يريد أن ماء الحديبية كان قليلاً لا
يكفي خمسين شاة.

١٩٢
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
تُرْوِيهَا. قَالَ: فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ عَلَى جَبًا الرَّكِيَّةِ. فَإِمَّا دَعَا وَإِمَّا بَصَقَ فِيهَا. قَالَ:
فَجَاشَتْ. فَسَقَيْنَا وَاسْتَقَيْنَا. قَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللّهِ وَ﴿ِ دَعَانَا لِلْبَيْعَةِ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ.
قَالَ: فَبَايَعْتُهُ أَوَّلَ النَّاسِ. ثُمَّ بَايَعَ وَبَايَعَ. حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَسَطٍ مِنَ النَّاسِ قَالَ: («بَابِعْ
يَا سَلَمَةُ!)) قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ. يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي أَوَّلِ النَّاسِ. قَالَ: ((وَأَيْضاً) قَالَ:
وَرَآنِي رَسُولُ اللَّهِ وَ عَزِلاً (يَعْنِي لَيْسَ مَعَهُ سِلاَحٌ). قَالَ: فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ حَجَفَةٌ
أَوْ دَرَقَّةً. ثُمَّ بَايَعَ. حَتَّى إِذَا كَانَ فِي آَخِرِ النَّاسِ قَالَ: ((أَلاَ تُبَايِعُنِي يَا سَلَمَةُ؟)) قَالَ: قُلْتُ:
قَدْ بَايَعْتُكَ. يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي أَوَّلِ النَّاسِ، وَفِي أَوْسَطِ النَّاسِ. قَالَ: ((وَأَيْضاً) قَالَ: فَبَايَعْتُهُ
الثَّالِثَةَ. ثُمَّ قَالَ لِي: ((يَا سَلَّمَةُ! أَيْنَ حَجَفَتُكَ أَوْ دَرَقَتُكَ الَّتِي أَعْطَيْتُكَ؟)) قَالَ: قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقِيَنِي عَمِّي عَامِرْ عَزِلاً. فَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهَا. قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ وَهـ
وَقَالَ: ((إِنَّكَ كَالَّذِي قَالَ الأَوَّلُ:
قوله: (على جبا الركيّة) الركيّة، بفتح الراء وكسر الكاف والياء المشددة: البئر، وقد يقال:
الركيّ بدون الهاء. وأما جبا الركيّة، فالتراب الذي أخرج منها وجُعل حولها، كذا في جامع
الأصول لابن أثير (٨: ٣١٨).
قوله: (فجاشت) أي: البئر، ومعناه: ارتفعت وفاضت، وهي معجزة ظاهرة.
قوله: (عَزِلا) بفتح العين وكسر الزاي، وقيل: بضمهما، وفسره في الكتاب بمن لا سلاح
معه، ويقال له أيضاً: أعزل، وهو أشهر استعمالاً، قاله النووي: وقد وقع في بعض نسخ صحيح
مسلم ((أعزل)) على اللغة المشهورة، وبهذا اللفظ أثبته ابن أثير في جامع الأصول (٨: ٣١١)،
وقال في آخر الحديث: ((وقد جاء في أحد نسخ مسلم)) ((عزل)) وأراد به الواحد، ولعله غلط من
الكاتب)) - والله أعلم - .
قوله: (حجفة) بتقديم الحاء على الجيم، وكلتاهما مفتوحتان، وهي الترس الصغير، وقد
مَرَّ في كتاب الحدود.
قوله: (درقة) بفتحات، وهي نوع من التروس أيضاً.
قوله: (فبايعته الثالثة) فيه فضيلة ظاهرة لسلمة بن الأكوع رضابه. وفي مبايعته ظلّلا له ثلاث
مرات إشارة إلى أنه سيحضر ثلاثة مشاهد يكون له فيها بلاء حسن، وقد كان الأمر كذلك،
فاتصل بالحديبية غزوة ذي قرد، واتصل بها فتح خيبر، وكان له منها غناء. أفاده في شرح
البهجة. كذا في شرح ذهني.
قوله: (إنك كالذي قال الأوّلَ) منصوب على الظرفية. يعني: إنك مثل الرجل الذي قال
في الزمان الأول إلخ، كذا فسّره ابن الملك في مبارق الأزهار (١: ١٩٢)، والسنديّ في حاشيته
لصحيح مسلم (ص: ٧٠).

١٩٣
کتاب: الجهاد والسير
اللَّهُمَّ أَبْغِنِي حَبِيباً هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي)). ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ رَاسَلُونَا الصُّلْحَ. حَتَّى مَشَى
بَعْضُنَا فِي بَعْضٍ. وَاصْطَلَحْنَا. قَالَ: وَكُنْتُ تَبِيعاً لِطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ. أَسْقِي فَرَسَهُ،
وَأَحُسُّهُ، وَأَخْدُمُهُ. وَآَكُلُ مِنْ طَعَامِهِ. وَتَرَكْتُ أَهْلِي وَمَالِي، مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَ.
قَالَ: فَلَمَّا اصْطَلَحْنَا نَحْنُ وَأَهْلُ مَكَّةَ، وَاخْتَلَطَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ، أَتَيْتُ شَجَرَةً فَكَسَحْتُ
شَوْكَهَا. فَاضْطَجَعْتُ فِي أَصْلِهَا. قَالَ: فَأَتَانِي أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِن أَهْلِ مَكَّةَ. فَجَعَلُوا
يَقَعُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ وَ. فَأَبْغَضْتُهُمْ. فَتَحَوَّلْتُ إِلَى شَجَرَةٍ أُخْرَىُ. وَعَلَّقُوا سِلاَحَهُمْ.
ويحتمل أيضاً أن يكون مرفوعاً، على أنه صفة لمحذوف هو فاعل ((قال))، والتقدير: إنك
كالقول الذي قاله الرجل الأولُ، والمراد به هنا المتقدم بالزمان، والمعنى: أن شأنك هذا مع
عمك يشبه فحوى القول الذي قاله الرجل المتقدم زمانه. كذا فسّره الشيخ محمد ذهني في
تعليقه. وتفسير ابن الملك عندي أولى. ووقع في رواية أحمد في مسنده (٤: ٤٩): ((إنك كالذي
قال)) ولم يذكر لفظ ((الأول)).
قوله: (اللَّهُمّ ابغني) قال ابن الملك: (بهمزة الوصل أمر من البغاية، أي اطلب لي،
وبهمزة القطع أمر من الإبغاء، أي: أعنّي على الطلب)).
قوله: (حبيباً هو أحبّ إليّ من نفسي) أشار به النبيّ وَله إلى أن سلمة آثر عمّه على نفسه إذ
أعطاه سلاحه، فصار كمن كان يدعوا الله سبحانه أن ييسّر له رجلاً يكون أحبّ إليه من نفسه،
فيؤثره عليه .
قوله: (راسلونا الصلح) قال النووي: ((هكذا هو في أكثر النسخ: راسلونا، من المراسلة.
وفي بعضها راسونا، بضم السين المهملة المشددة، وحكى القاضي فتحها أيضاً، وهما بمعنى
راسلونا، مأخوذ من قولهم: رس الحديث يرسه: إذا ابتدأه. وقيل: من ((رس بينهم)) أي:
أصلح. وقيل: معناه: فاتحونا، من قولهم: بلغني رس من الخبر، أي: أوله. ووقع في بعض
النسخ: ((واسونا)) بالواو، أي: اتفقنا نحن وهم على الصلح، والواو فيه بدل من الهمزة، وهو
من الأسوة)).
قوله: (وكنت تبيعاً لطلحة) أي: خادماً أتبعه، والتبيع: الخادم، لأنه يتبع الذي يخدمه.
كذا في جامع الأصول.
قوله: (وأحسّه) بضم الحاء، أي: أحك ظهر الفرس بالمحسة لأزيل عنه الغبار ونحوه.
قوله: (واختلط بعضنا ببعض) يعني: لما أمن كل واحد من الفريقين الآخر بعد الصلح ..
قوله: (فكسحت) يعني: كنست. يقال: كسحت البيت: إذا كنسته ونّيت ما في أرضه مما
يؤذي ساكنه. كذا في جامع الأصول.

١٩٤
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
وَاضْطَجَعُوا. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ نَادَىُ مُنَادٍ مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ، قُتِلَ ابْنُ
زُنَيْم. قَالَ: فَاخْتَرَطْتُ سَيْفِي. ثُمَّ شَدَدْتُ عَلَى أُولَئِكَ الأَرْبَعَةِ وَهُمْ رُقُودٌ. فَأَخَذْتُ
سِلاَّحَهُمْ. فَجَعَلْتُهُ ضِغْئاً فِي يَدِي. قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ: وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ! لاَ يَرْفَعُ أَحَدٌ
مِنْكُمْ رَأْسَهُ إِلاَّ ضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاهُ. قَالَ: ثُمَّ جِثْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلِ.
قَالَ: وَجَاءَ عَمِّي عَامِرٌ بِرَجُلٍ مِنَ الْعَبَلاَتِ يُقَالُ لَهُ مِكْرَزٌ: يَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ بَـ عَلَى
فَرَسِ مُجَفَّفٍ. فِي سَبْعِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ فَقَالَ: ((دَعُوهُمْ. يَكُنْ
لَهُمْ بَدْءُ الْفُجُورِ وَثِنَاهُ))
قوله: (قتل ابن زنيم) بضم الزاي وفتح النون مصغراً، وكان رجلاً من أصحاب
النبيّ ◌َّو قتله أحد المشركين بالحديبية. أخرج ابن جرير وعبد بن حميد عن قتادة: ((ذكر لنا أن
رجلاً من أصحاب رسول الله ولي يقال له ابن زنيم اطلع الثنية زمان الحديبية، فرماه المشركون
فقتلوه)) كذا في الدر المنثور للسيوطي (٦: ٧٥ و ٧٦).
قوله: (فاخترطت سيفي) أي: سللته زعماً بأن المشركين نقضوا الصلح.
قوله: (فجعلته ضغئاً في يدي) الضّغث، بكسر الضاد وسكون الغين: الحزمة المجتمعة من
قضبان أو حشيش ونحوه مما يجمع في اليد، كذا في جامع الأصول (٨: ٣١٩).
قوله: (برجل من العبلات) بفتحات، هم بطن من قريش، وهم أمية الصغرى، يقال لهم:
عبلات لأن اسم أمهم عبلة. قال القاضي: أمية الأصغر، وأخواه نوفل وعبد الله بن عبد
شمس بن عبد مناف نسبوا إلى أمهم من بني تيم اسمها عبلة بنت عبيد. كذا في شرح النووي.
قوله: (يقال له: مكرز) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الراء.
قوله: (فرس مجفّف) الفرس المجفّف: هو الذي عليه التجافيف، والتجافيف: جمع
التجفاف (بكسر التاء) وهو ثوب كالجلّ يلبسه الفرس ليقيه من السلاح، فهو في الخيل کالمدجّج
من الرجال، وهو المنغمس في الدرع والسلاح.
قوله: (في سبعين من المشركين) قد اختلفت الروايات في عدد هؤلاء الذين أسروا، فوقع
في بعض الروايات أنهم كانوا ثلاثين، وفي بعضها: أربعين أو خمسين. وكان سبب أسرهم أنهم
عمدوا إلى عسكر المسلمين بعد الصّلح، فأرادوا التحامل عليهم، فرموا المسلمين بالحجارة
والنبل، والظاهر أن ابن زنيم ◌ُبه قُتِلَ برميهم، فبعث رسول الله وَّطاهر إليهم جماعة من المسلمين،
وكان عمّ سلمة بن الأكوع منهم. هذا ما يتلخص من الروايات المروية في هذه القصّة.
قوله: (يكن لهم بدأ الفجور وثِناء) بكسر الثاء مقصوراً، أي: ثانيه، وقد يمدّ، فيقال:
ثناؤه، كما في جامع الأصول. وذكر النووي عن القاضي أنه رواه ابن ماهان: ((ثنياه)) بضم الثاء

١٩٥
كتاب: الجهاد والسّير
فَعَفَا عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ بِهِ. وَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَيْدِيَّكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ
مَكَّةَ مِنْ بَعْدٍ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤] الآيَةَ كُلَّهَا .
قَالَ: ثُمَّ خَرَجْنَا رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ. فَزَلْنَا مَنْزِلاً. بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَنِي لَحْيَانَ جَبَلٌ. وَهُمُ
الْمُشْرِكُونَ. فَاسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ لِمَنْ رَقِيَ هذَا الْجَبَلَ اللَّيْلَةَ. كَأَنَّهُ طَلِيعَةٌ لِلنَّبِيِّ ◌َهُ
وَأَصْحَابِهِ. قَالَ سَلَمَةُ: فَرَقِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَرَّتَيْنٍ أَوْ ثَلاَثًاً. ثُمَّ قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ. فَبَعَثَ
رَسُولُ اللّهِ وَهَ بِظَهْرِهِ مَعَ رَبَاحِ غُلاَم رَسُولِ اللّهِ بَّهِ. وَأَنَا مَعَهُ. وَخَرَجْتُ مَعَهُ بِفَرَسِ
طَلْحَةَ. أُنَدِّيهِ مَعَ الظّهْرِ. فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا عَبْدُ الرَّحْمُنِ الْغَزَارِيُّ قَدْ أَغَارَ عَلَى ظَهْرِ
وبالياء، ولكن الصحيح الأول والمعنى واحد في كلتا الروايتين. والمراد من الفجور هنا: نقض
الصلح، يعني: يكون ابتداء الغدر وإعادته منهم.
قوله: (فعفا عنهم رسول الله ◌َله) قال القاضي عياض تغذّثُ: ((إنما فعل ذلك سلمة وعمه
لما ذكر من قتل المسلم بأسفل الوادي، فرأى المسلمون أن الصلح قد انتقض، ولم ينقضه وثيقة إما
لأنه لم يتحقق أن المشركين قتلوه بعد الصلح، أو لم ير نقض الصلح بذلك بجهل قاتله)) كذا في
شرح الأبي.
قوله: (وأنزل الله) ووردت في سبب نزول هذه الآية روايات أخرى أيضاً، راجع لها تفسير
ابن جرير (١٣: ٩٣) من الطبع الجديد، والدر المنثور (٦: ٧٩)، ولا تزاحم بينها، لأن الآية
الواحدة ربما تنزل بأسباب متعددة.
قوله: (بيننا وبين بني لحيان جبل) لحيان: بكسر اللام وفتحها، اسم قبيلة، يريد أننا نزلنا
منزلاً قريباً من بني لحيان، لا يحول بيننا وبينهم إلا جبل واحد.
قوله: (وهم المشركون) ضبطه بعض العلماء بضم الهاء، على أنه ضمير جمع للغائب،
والمراد أن بني لحيان مشركون. ولكن قال القاضي عياض تثاثهُ: ((ضبطناه عن بعض شيوخنا بفتح
الهاء وتشديد الميم، أي: هَمَّ أمر المشركين، وقد عزم النبيّ وَّر وأصحابه أن يبيتوهم لقربهم
منهم)) .
قوله: (بظهره) الظهر يكنى به عما يركب عليه، كالناقة، والمراد هنا: اللقاح.
قوله: (بفرس طلحة أندّيه) قال الأصمعيّ: ((التندية بالنون: أن تُورِدَ الإبلَ والخيلَ، حتى
تشرب قليلاً، ثم ترعى ساعة، ثمّ تردُّها إلى الماء من يومها، أو من الغد)) كذا في جامع
الأصول. وذكر أهل اللغة عن القتيبي أنه إنما يفعل ذلك لطول ظمئها، ولعله يريد أنّها لو تركت
تشرب من المورد ما شاءت، لشربت كثيراً، بحيث يضرّها، فتورد قليلاً، ثم يذهب بها إلى
المرعى. وفسّره الزبيدي في تاج العروس ( ١٠: ٣٦٢) بالتضمير وهو إجراؤها حتى تعرق
ويذهب وهلها .

١٩٦
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
رَسُولِ اللَّهِ وَ لِهِ. فَاسْتَاقَهُ أَجْمَعَ. وَقَتَلَ رَاعِيَّهُ. قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ! خُذْ هُذَا الْفَرَسَ
فَأَبْلِغْهُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ. وَأَخْبِرْ رَسُولَ اللَّهِ بَ لهِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَغَارُوا عَلَى سَرْحِهِ .
قَالَ: ثُمَّ قُمْتُ عَلَى أَكَمَةٍ فَاسْتَقْبَلْتُ الْمَدِينَةَ. فَنَادَيْتُ ثَلاَثاً: يَا صَبَاحَاهْ، ثُمَّ خَرَجْتُ فِي
آثَارِ الْقَوْمِ أَرْمِيهِمْ بِالنَّبْلِ. وَأَرْتَجِزُ. أَقُولُ:
وَالْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّعِ
أَنَا ابْنُ الأَلْوَعِ
فَأَلْحَقُ رَجُلاً مِنْهُمْ. فَأَصُكُّ سَهْمَاً فِي رَحْلِهِ. حَتَّى خَلَصَ نَصْلُ السَّهْمِ إِلَى كَتِفِهِ.
قَالَ: قُلْتُ: خُذْهَا
وَأَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ وَالْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّعِ
وقد ذكر ابن قتيبة أن الرواية الصحيحة هنا: ((أبدّيه)» بالباء موضع النون، وقد رواه بعضهم
عن أبي الحذاء في صحيح مسلم. والتبدية: إخراج الإبل والخيل إلى البادية، وإبرازها إلى
موضع الكلأ. وغلّط القتيبي رواية من رواه بالنون، وعلّله بأن التندية لا تكون إلا في الإبل
خاصة لطول ظمأها، وأما الخيل فإنها تسقى في القيظ شربتين كل يوم، والمذكور هنا هو
الفرس. ولكن رد الجمهور قول القتيبي، وصوّبوا رواية النون بأن التندية تكون في الإبل والخيل
جميعاً. قال ابن منظور في لسان العرب (٢٠: ١٩٠): ((قال أبو منصور: وقد غلط القتيبي فيما
قال: والصواب الأول، والتندية تكون الخيل والإبل. قال: سمعت العرب تقول ذلك: وقد قاله
الأصمعي وأبو عمرو: وهما إمامان ثقتان)).
ومراد سلمة أنه خرج لتندية فرس طلحة ﴿بًا، لما مرّ أنه كان يخدمه.
قوله: (على سَرحه) السّرح، بفتح السين وسكون الراء: الإبل والمواشي الراعية، سميت
بذلك لسروحها غدوة للمرعى. كذا في شرح الأبي عن القاضي عياض.
قوله: (على أكمة) بفتح الهمزة وفتح الكاف، وهي التّل من القُفّ من حجارة، أو الموضع
يكون أشد ارتفاعاً مما حوله، وهو غليظ لا يبلغ أن يكون حجراً. كذا في القاموس.
قوله: (فأصكّ) بضم الصاد، الصّكّ في اللغة: الضرب باليد، والمراد هنا: الرمي
بالسهم. كذا في جامع الأصول.
قوله: (إلى كتفه) ووقع في بعض النسخ: «فأصكّ سهماً في رِجْله، حتى خلص نصل
السهم إلى كتفه)). ذكر النووي الروايتين، وصحح الأول، وحكى عن القاضي عياض أنه قال:
((هذه رواية شيوخنا، وهو أشبه بالمعنى لأنه يمكن أن يصيب أعلى مؤخرة الرحل، فيصيب حينئذ
إذا أنفذ، كتفه)) .

١٩٧
كتاب: الجهاد والسّير
قَالَ: فَوَاللَّهِ! مَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ وَأَعْقِرُ بِهِمْ. فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ أَتَيْتُ شَجَرَةً فَجَلَسْتُ
فِي أَصْلِهَا ثُمَّ رَمَيْتُهُ. فعَقَرْتُ بِهِ. حَتَّى إِذَا تَضَايَقَ الْجَبَلُ فَدَخَلُوا فِي تَضَايُقِهِ، عَلَوْتُ
الْجَبَلَ. فَجَعَلْتُ أُرَدِّيهِمْ بِالْحِجَارَةِ. قَالَ: فَمَا زِلْتُ كَذَلِكَ أَتْبَعُهُمْ حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ
بَعِيرٍ مِنْ ظَهْرٍ رَسُولِ اللّهِ،وَهَ إِلاَّ خَلَّفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي. وَخَلَّوْا بَيْنِي وَبَيْنُهُ. ثُمَّ اتَّبَعْتُهُمْ
أَرْمِيهِمْ. حَتَّى أَلْقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلاَئِينَ بُرْدَةً وَثَلاَئِينَ رُمْحاً. يَسْتَخِقُّونَ. وَلاَ يَظْرَحُونَ شَيْئاً إِلَّ
جَعَلْتُ عَلَيْهِ آرَاماً مِنَ الْحِجَارَةِ. يَعْرِفُهَا رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ وَأَصْحَابُه. حَتَّى أَتَوْا مُتَضَائِقاً مِنْ
ثَنِيَّةٍ فَإِذَا هُمْ قَدْ أَتَاهُمْ فُلاَنُ بْنُ بَدْرِ الْفَزَارِيُّ. فَجَلَسُوا يَتَضَخَّوْنَ (يَعْنِي يَتَغَدَّوْنَ). وَجَلَسْتُ
عَلَى رَأْسٍ قَرْنٍ. قَالَ الْفَزَارِيُّ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَى؟ قَالُوا: لَقِينَا، مِنْ هُذَا الْبَرْحَ. وَاللَّهِ، مَا
فَارَقَنَا مُنْذُ غَلَسٍ. يَرْمِينَا حَتَّى انْتَزَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي أَيْدِينَا. قَالَ: فَلْيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ، أَرْبَعَةٌ.
قَالَ: فَصَعِدَ إِلَّيَّ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ فِي الْجَبَلِ. قَالَ: فَلَمَّا أَمْكُنُونِي مِنَ الْكَلاَم قَالَ: قُلْتُ: هَلْ
قوله: (وأعقر بهم) يعني: أعقر بخيلهم، والعقر: الجرح، وأثر كالحزّ في قوائم الفرس،
كما في القاموس.
قوله: (وخلّوا بيني وبينه) يعني: تركوه لأقبض عليه. وظاهره أن سلمة ظته قد استنقذ
جميع لقاح رسول الله ◌َر، وقد ذكر أصحاب السّير، كابن هشام في سيرته (٢: ٢١٤) والواقدي
في مغازيه (٢: ٥٤١) أن المسلمين إنما استنقذوا يوم ذي قرد بعض لقاح رسول الله وَلقر وبقيت
بعضها مقبوضة بأيديهم، وظاهر أن رواية مسلم راجحة إسناداً على رواية الواقدي وغيره، غير أنه
مرّ في كتاب النذر في صحيح مسلم نفسه، أن الناقة العضباء بقيت مقبوضة بأيديهم، حتّى
استنقذتها منهم امرأة أبي ذر ◌ًا (راجع باب لا وفاء لنذر في معصية الله من هذا الكتاب)،
وعليه فيحمل قول سلمة هذا على التغليب، - والله أعلم - .
قوله: (آراما من الحجارة) جمع إرَم، كعنب، وهو العلم من الحجارة، كما في جامع
الأصول وشرح الأبي.
قوله: (متضايقاً) بفتح الياء، اسم ظرف بمعنى المضيق.
قوله: (على رأس قرن) بفتحتين، جبل صغير منفرد.
قوله: (ما هذا الذي أرى؟) وأشار إلى سلمة بن الأكوع، يريد: من هذا؟ وإنما استعمل
كلمة ((ما)) تحقيراً له .
قوله: (لقينا من هذا البرح) بفتح الباء والراء بمعنى الشدة، يعني: أصابتنا من سلمة المشقة
والشدة.
قوله: (فلمّا أمكنوني من الكلام) يعني: اقتربوا مني بحيث يمكن لي أن أسمعهم كلامي،

١٩٨
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
تَعْرِفُونِي؟ قَالُوا: لاَ. وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَنَا سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ. وَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ
مُحَمَّدٍ بَِّ، لاَ أَظْلُبُ رَجُلاً مِنْكُمْ إِلاَّ أَدْرَكْتُهُ. وَلاَ يَطْلُبُنِي رَجُلٌ مِنَّكُمْ فَيُدْرِكَنِي. قَالَ
أَحَدُهُمْ: أَنَا أَظُنُّ. قَالَ: فَرَجَعُوا. فَمَا بَرِحْتُ مَكَانِي حَتَّى رَأَيْتُ فَوَارِسَ رَسُولِ اللَّهِ وَهُ
يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ. قَالَ: فَإِذَا أَوَّلُهُمُ الأَخْرَمُ الأَسَدِيُّ. عَلَى إِثْرِهِ أَبُو قَتَادَةَ الأَنْصَارِيُّ. وَعَلَى
إِثْرِهِ الْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ الْكِنْدِيُّ. قَالَ: فَأَخَذْتُ بِعِنَانِ الأَخْرَمِ. قَالَ: فَوَلَّوْا مُذْبِرِينَ.
قُلْتُ: يَا أَخْرَمُ! احْذَرْهُمْ. لاَ يَقْتَطِعُوكَ حَتَّى يَلْحَقَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ وَأَصْحَابُهُ. قَالَ:
يَا سَلَمَةُ! إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الآخِرِ، وَتَعْلَمُ أَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ، فَلاَ تَحُلْ
بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ. قَالَ: فَخَلَّيْتُهُ. فَّالْتَقَى هُوَ وَعَبْدُ الرَّحْمُنِ. قَالَ: فَعَقَرَ بِعَبْدِ الرَّحْمُنِ
فَرَسَهُ. وَطَعَنَهُ عَبْدُ الرَّحْمُنِ فَقَتَلَهُ. وَتَحَوَّلَ عَلَىْ فَرَسِهِ. وَلَحِقَ أَبُو قَتَادَةَ، فَارِسُ
رَسُولِ اللَّهِ بَِّ بِعَبْدِ الرَّحْمُنِ. فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ. فَوَالَّذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحمَّدٍ إَِّهَ! لَتَبِعْتُهُمْ أَعْدُو
عَلَىْ رِجْلَيَّ. حَتَّى مَا أَرَىْ وَرَائِي، مِنْ أَصْحَابٍ مُحَمَّدٍ نَّهَ وَلاَ غُبَارِهِمْ، شَيْئاً. حَتَّى
يَعْدِلُوا قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى شِعْبٍ فِيهِ مَاءٌ. يُقَالُ لَهُ: ذَا قَرَدٍ. لِيَشْرَبُوا مِنْهُ وَهُمْ عِطَاشٌ.
قَالَ: فَنَظَرُوا إِلَيَّ أَعْدُو وَرَاءَهُمْ. فَحَلَّيْتُهُمْ عَنْهُ (يَعْنِي أَجْلَيْتُهُمْ عَنْهُ) فَمَا ذَاقُوا مِنْهُ قَطْرَةٌ.
قَالَ: وَيَخْرُجُونَ فَيَشْتَدُّونَ فِي ثَنِيَّةٍ. قَالَ: فَأَعْدُو فَأَلْحَقُ رَجُلاً مِنْهُمْ. فَأَصُكُّهُ بِسَهْمٍ فِي
جوابه قوله: قلت هل تعرفوني؟ وجعل الراوي بين لمّا وجوابه لفظ ((قال)).
قوله: (أنا أظنّ) يعني: ظنّي موافق لما تقول.
قوله: (لا يقتطعوك) أي: لا يأخذوك، وينفردوا بك فيفصلوك عن أصحابك ويحولوا بينك
وبينهم. وإنما أخذ بعنانه، أي: بعنان فرسه ليحبسه عن اتباع المشركين وحده إلى أن يلحق به
النبيّ مَّر وأصحابه.
قوله: (فلا تحل بيني وبين الشّهادة) وهكذا كان الصحابة يؤثرون الآخرة على الدنيا،
ويتبادرون إلى الشهادة في سبيل الله، كأنّ الجنّة ونعيمها بمرأى من أعينهم، وكأنّ هذه الدنيا
سجن يحبون الفرار منها، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.
قوله: (فحلّيتهم عنه) بالحاء المهملة واللام المشددة، أي: طردتهم عنه، وفسّره في
الحديث بقوله: ((يعني أجليتهم عنه))، والمعروف في اللغة: حلّت الإبل (بتشديد اللام والهمزة
في آخره)، ولعل الهمزة قد قلبت ياء، وليس بالقياس، لأن الياء لا تبدل من الهمزة إلّ أن يكون
ما قبلها مكسوراً، نحو إيلاف وبير، وقد جاء شاذاً: ((قَرَيْت)) في ((قرأت)). قاله ابن الأثير في
جامع الأصول (٨: ٣٢١).

١٩٩
كتاب: الجهاد والسّير
نُغْض كَتِفِهِ. قَالَ قُلْتُ: خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ. وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعِ. قَالَ: يَا ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ!
أَكْوَغُهُ بُكْرَةَ. قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ. يَا عَدُوَّ نَفْسِهِ) أَكْوَعُكَ بُكْرَةَ. قَالَ: وَأَرْدَوْا فَرَسَيْنِ عَلَى
ثَنِيَّةٍ. قَالَ: فَجِئْتُ بِهِمَا أَسُوقَهُمَا إِلَى رَسُولِ اللّهِ وَهِ. قَالَ: وَلَحِقَنِي عَامِرٌ بِسَطِيحَةٍ فِيهَا
مَذْقَةٌ مِنْ لَبَنِ وَسَطِيحَةٍ فِيهَا مَاءٌ. فَتَوضَّأْتُ وَشَرِبْتُ. ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللّهِ نَّهِ وَهُوَ عَلَى
الْمَاءِ الَّذِي خَلَأَّتُهُمْ عَنْهُ. فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ بِهِ قَدْ أَخَذَ تِلْكَ الإِلَ. وَكُلَّ شَيْءٍ اسْتَنْقَذْتُهُ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ. وَكُلَّ رُمْحِ وَيُرْدَةٍ. وَإِذَا بِلَاَلْ نَحَرَ نَاقَةً مِنَ الإِلِ الَّذِي اسْتَنْقَذْتُ مِنَ الْقَوْمِ. وَإِذَا
هُوَ يَشْوِي لِرَسُولِ اللَّهِ بِهِ مِنْ كَبِدِهَا وَسَنَامِهَا. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! خَلِّنِي فَأَنْتَخِبُ
مِنَ الْقَوْمِ مِائَةَ رَجُلٍ. فَأَتَّبِعُ الْقَوْمَ فَلاَ يَبْقَىْ مِنْهُمْ مُخْبِرٌ إِلاَّ قَتَلْتُهُ. قَالَ: فَضَحِكَ
رَسُولُ اللَّهِ وَلَهِ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ فِي ضَوْءِ النَّارِ. فَقَالَ: ((يَا سَلَمَةُ! أَتْرَاكَ كُنْتَ فَاعِلاً؟))
قُلْتُ: نَعَمْ. وَالَّذِي أَكْرَمَكَ! فَقَالَ: (إِنَّهُمُ الآنَ لَيُقْرَوْنَ فِي أَرْضِ غَطَفَانَ)) قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ
قوله: (في نُغض كتفه) النّغض، بضم النون وسكون الغين: العظم الرقيق على الكتف،
سمي بذلك لكثرة تحركه، وهو الناغض أيضاً. كذا فسره النووي، وقال ابن الأثير: هو
الغضروف العريض الذي على أعلاه
قوله: (أُكوعُه بكرة؟) بضم العين، و((بكرة)) مبني على الفتح. وهذا كلام خارج عن
القياس النحويّ، وإنّما فرط من لسان الرجل برؤية سلمة تعجّباً وفزعاً، وتقديره: أهو الأكوع
الذي كان يتبعنا ويرتجز لنا بكرة اليوم؟ فعاد يرتجز لنا في آخر النهار؟ فقال: ((أكوعُه)) بدل أن
يقول: ((هُو الأكوع))، وحذف عامل ((بكرة)) والتقدير ما قلنا. ونستطيع أن نترجمه إلى الأردية
بقولنا: ((وهي صبح وإلا أكوع)).
وذكر الشيخ محمد ذهني أنه ورد في رواية البهجة: ((أكوعُنا بكرة)) والتقدير حينئذ: أهذا
هو الأكوع الذي لا يزال يتبعنا منذ بكرة اليوم؟ وهذا مناسب لجواب سلمة رَظ له حيث قال: ((أنا
أكوعك بكرة)) يعني: أنا أكوعك الذي يتبعك منذ أول النهار.
قوله: (وأردوا فرسين) قال ابن الأثير: ((أرديته: رميته وتركته، والمراد أنهم من خوفهم
تركوا من خيلهم فرسين، ولم يقفوا عليهما هرباً وخوفاً أن يلحقهم)). ورواه بعضهم ((أرذوا))
بالذال المعجمة، والمعنى متقارب، فإن الرَّذِيَّ (كوليّ): الضعيف من كل شيء، ويقال: أرذيته
وأرذى: صارت خيله وإبله رذاياً، وأرذى ناقته: خلّفها وهزلها. كذا في القاموس.
قوله: (بسطيحة فيها مذقة) أما السطيحة فإناء من جلود سطح بعضها على بعض. وأما
المذقة بفتح الميم وسكون الذال فالقليل من اللبن الممزوج بالماء، كما في شرح النووي.
قوله: (فلا يبقى منهم مخبر) يعني: لا يبقى منهم أحد يخبر قومه بهلاك هؤلاء.
قوله: (ليُقْرَوْنَ في أرضٍ غِطفان) بضم الياء وفتح الراء، على البناء للمجهول، من القِرى،

٢٠٠
الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم
مِنْ غَطَفَانَ. فَقَالَ: نَحَرَ لَهُمْ فُلاَنٌ جَزُوراً. فَلَمَّا كَشَفُوا جِلْدَهَا رَأَوْا غُبَاراً. فَقَالُوا: أَتَاكُمُ
الْقَوْمُ. فَخَرَجُوا هَارِبِينَ. فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهِ: (كَانَ خَيْرَ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أَبُو
قَتَادَةَ. وَخَيْرَ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ)) قَالَ: ثُمَّ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ وَ سَهْمَيْنِ: سَهْمُ الْغَارِسِ وَسَهُمُ
الرَّاجِلِ. فَجَمَعَهُمَا لِي جَمِيعاً. ثُمَّ أَزْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ وَرَاءَهُ عَلَى الْعَضْبَاءِ. رَاجِعِينَ إِلَى
الْمَدِينَةِ. قَالَ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ. قَالَ: وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ لاَ يُسْبَقُ شَدًّا، قَالَ: فَجَعَلَ
يَقُولُ: أَلاَ مُسَابِقٌ إِلَى الْمَدِينَةِ؟ هَلْ مِنْ مُسَابِقٍ؟ فَجَعَلَ يُعِيدُ ذُلِكَ. قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُ كَلاَمَهُ
قُلْتُ: أَمَا تُكْرِمُ كَرِيماً. وَلاَ تَهَابُ شَرِيفاً؟ قَالَ: لاَ. إِلاَّ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ وَثِ. قَالَ:
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِأَبِي وَأُمِّي، ذَرْنِي فَلأُسَابِقَ الرَّجُلَ. قَالَ: ((إِنْ شِئْتَ)) قَالَ: قُلْتُ:
اذْهَبْ إِلَيْكَ. وَثَنَيْتُ رِجْلَيَّ فَطَفَرْتُ فَعَدَوْتُ. قَالَ: فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفاً أَوْ شَرَفَيْنٍ أَسْتَبْقِي
نَفَسِي. ثُمَّ عَدَوْتُ فِي إِثْرِهِ. فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ شَرَفاً أَوْ شَرَفَيْنٍ. ثُمَّ إِنِّي رَفَعْتُ حَتَّى أَلْحَقَهُ. قَالَ:
وهو الضيافة، يعني: أنهم قد بلغوا بني غطفان، وهم يقرونهم بتقديم طعام وغيره. وهذا من
معجزات النبيّ وَّر، حيث أخبر بما وقع لهم بعد غيابهم عنه وَلتر.
قوله: (خير فرساننا اليوم أبو قتادة) إلخ: قال النووي تخلفه: «هذا فيه استحباب الثناء على
الشّجعان وسائر أهل الفضائل، ولا سيما عند صنيعهم الجميل، لما فيه من الترغيب لهم
ولغيرهم في الإكثار من ذلك الجميل. وهذا كله في حق من يأمن الفتنة عليه بإعجاب ونحوه)).
قوله: (أعطاني رسول الله وَّلفي سهمين) قال النووي تتلفهُ: ((هذا محمول على أن الزائد على
سهم الراجل كان نفلاً، وهو حقيق باستحقاق النفل به لبديع صنعه في هذه الغزوة)). وقال
القاضي عياض: ((وأما سهم الفارس، فيحتمل لأنه أغنى ما لم تغن فوارس، ولأنه استنفد الغنائم
قبل أن يلحقه الجيش، ويحتمل أنه من الخمس)).
قوله: (لا يُسبق شدّاً) يعني: أنه کان شدید الجري بحيث لا يسبقه أحد في العدو.
قوله: (اذهب إليك) هذا خطاب الرجل المسابق، يعني: اشرع في العدو.
قوله: (فطفرت) يعني: فقفزت.
قوله: (فربطت عليه شرفاً أو شرفين) الربط هنا بمعنى حبس النفس، والشرف: ما ارتفع
من الأرض.
قوله: (أستبقي نفسي) بفتح الفاء، لئلا يقطع البهر، كذا في حاشية السنوسي. والبُهر بضم
الباء: انقطاع النفس من الإعياء، كما في القاموس. ولعلّ المراد أنّي لم أبذل في بداية الأمر
قصارى قوتي في الجري لئلا ينقطع نفسي، بل استبقيته ليمكن لي الإسراع عندما أقترب من
الرجل.