Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ كتاب: الجهاد والسّير فَكَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ بِهِ تَغْسِلُ الدَّمَ. وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَسْكُبُ عَلَيْهَا بِالْمِجَنَّ. فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ أَنَّ الْمَاءَ لاَ يَزِيدُ الدَّمَ إِلَّ كَثْرَةً، أَخَذَتْ قِطْعَةً حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهُ حَتَّى صَارَ رَمَاداً. ثُمَّ أَلْصَقَتْهُ بِالْجُرْحِ. فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ. ٤٦١٩ - (١٠٢) حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ (يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمُنِ الْقَارِيَّ) عَنْ أَبِي حَازِمٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ وَهُوَ يُسْأَلُ عَنْ جُرْحِ رَسُولِ اللَّهِ وَلِ؟ فَقَالَ: أَمَ، وَاللَّهِ، إِنِّيَ لأَعْرِفُ مَنْ كَانَ يَغْسِلُ جُرْحَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَهَ وَمَنْ كَانَ يَسْكُبُ الْمَاءَ. وَبِمَاذَا دُوِيَ جُرْحُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ. غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ: وَجُرِحَ وَجْهُهُ. وَقَالَ: (مَكَانَ هُشِمَتْ): كُسِرَتْ. ٤٦٢٠ - (١٠٣) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ. جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةً. ح وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادِ الْعَامِرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ. أَخْبَرَنِي عَمْرُو بَنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ. ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ التَّمِيمِيُّ. حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ (يَعْنِي ابْنَ مُطَرِّفٍ). كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، بِهِذَا الْحَدِيثِ، عَنِ النَّبِيِّ وَّرِ. فِي حَدِيثِ ابْنٍ أَبِي هِلاَلٍ: أُصِيبٌّ وَجْهُهُ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مُطَرِّفٍ: جُرِحَ وَجْهُهُ. ٤٦٢١ - (١٠٤) حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَلِ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُّهُ يَوْمَ أُحُدٍ. وَشُجَّ فِي رَأْسِهِ. فَجَعَلَ قوله: (فكانت فاطمة بنت رسول الله ( * تغسل الدم) وذكر سعيد بن عبد الرحمن من أبي حازم فيما أخرجه الطبراني من طريقه سبب مجيء فاطمة إلى أحد، ولفظه: ((لما كان يوم أحد، وانصرف المشركون خرج النساء إلى الصحابة يعينونهم، فكانت فاطمة فيمن خرج، فلما رأت النبيّ وَّر اعتنقته وجعلت تغسل جراحاته بالماء إلخ)) كذا في فتح الباري. وقال القاضي عياض: ((وإصابة الأنبياء عليهم السلام بمثل هذا توفير لأجورهم، ولتسلی بهم أممهم، وليعلم أنهم من جنس البشر مخلوقين، فلا يجد الشيطان تلبيساً بما أجرى على أيديهم من خرق العادة، كما لبّس على عيسى ظلَّلا، حتى ادعوا ألوهيته)). كذا في الأبي. ١٠٢ - ( ... ) - قوله: (أَمَ والله) أصله: ((أما والله)) فحذفت الألف تخفيفاً، وهو حرف تنبيه . ١٠٣ - ( ... ) - قوله: (عمرو بن سوّاد) بفتح السين وتشديد الواو، هو من شيوخ مسلم والنسائي وابن ماجه، أخرج عنه مسلم ستة وعشرين حديثاً، وثقه الخطيب وابن حبّان وابن يونس وغيرهم، توفي (سنة: ٢٤٥هـ). ١٦٢ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْهُ وَيَقُولُ: ((كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُوا نَبِيَّهُمْ وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ؟)) فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ﴾ [آل عمران: ١٢٨]. ٤٦٢٢ - (١٠٥) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ ١٠٤ - (١٧٩١) - قوله: (يسلت الدم) سلت يسلت، بالضمّ، سلتا: قبض على الشيء. أصابه قذر ولطخ حتى يخرج ما فيه. كذا في اللسان. قوله: (ليس لك من الأمر شيء) قال ابن كثير: ((أي ليس لك من الحكم شيء في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم، ثم ذكر بقية الأقسام، فقال: ((أو يتوب عليهم)) أي: مما هو من الكفر فيهديهم بعد الضلالة، ((أو يعذبهم)) أي: في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم، ولهذا قال: «فإنهم ظالمون)» أي: يستحقون ذلك)). واختلفت الروايات في سبب نزول هذه الآية، فرواية الباب صريحة في أنها نزلت في غزوة أحد. وورد في عدة روايات للبخاري وأحمد بن حنبل وغيره أنها نزلت عند ما شرع النبيّ ◌َّهِ يلعن بعض المشركين في صلاته بأسمائهم، فيقول: ((اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أمية)) راجع تفسير ابن كثير (١: ٤٠٢). ولا مانع من أن يكون نزولها تكرر بكلتا المناسبتين، لما تقرر في أصول التفسير أن الآية الواحدة ربما نزلت أكثر من مرة. ووجهه عندي أن نزوله الأول يكون في واقعة واحدة، ثمّ عند وقوع واقعة أخرى مثلها تلقى في روع رسول الله وَلهو تلك الآية السابق نزولها، لبيان أنها تصدق بهذه الواقعة أيضاً، فيعثر عنه العلماء بتكرار النزول، والله سبحانه أعلم. ثمّ ظاهر حديث الباب أن النبيّ وَّر كان يريد أن يدعو على الذين جرحوه، فنزلت الآية تمنعه من ذلك. ولكن الذي يظهر بمجموع الروايات أنه سير دعا لمغفرتهم، فنزلت الآية. فقد أخرج الطبراني حديث أبي حازم هذا، وزاد في آخره: ((ثم قال يومئذ: اشتد غضب الله على قوم دمّوا وجه رسوله. ثم مكث ساعة، ثم قال: ((اللَّهُمَّ اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)) نقله الحافظ في فتح الباري (٨: ٣٧٣). ١٠٥ - (١٧٩٢) - قوله: (عن عبد الله) يعني ابن مسعود رضيُه. وحديثه هذا أخرجه البخاري في الأنبياء، باب لا ترجمة بعد باب حديث الغار، (رقم: ٣٤٧٧)، وفي استتابة المرتدين، باب بلا ترجمة بعد باب إذا عرض الذمي أو غيره بسبّ النبيّ وَّر، (رقم: ٦٩٢٩)، وابن ماجه الفتن، باب الصبر على البلاء، (رقم: ٤٠٧٤). قوله: (نبيّاً من الأنبياء) قال الحافظ في الفتح (٦: ٥٢١): لم أقف على اسم هذا النبيّ صريحاً، ويحتمل أن يكون هو نوح ثلثَّلا، فقد ذكر ابن إسحاق في المبتدأ، وأخرجه ابن أبي ١٦٣ كتاب: الجهاد والسّير ضَرَبَّهُ قَوْمُهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: ((رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)). ٤٦٢٣ - (٠٠٠) حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَهُوَ يَنْضِحُ الدَّمَ عَنْ جَبِهِ. (٣٨) - باب: اشتداد غضب الله على من قتله رسول الله وَله ٤٦٢٤ - (١٠٦) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ. حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهِ. قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلِهِ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَّ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ فَعَلُوا هُذَا بِرَسُولِ اللّهِ نٍَّ)) وَهُوَ حِينَئِذٍ يُشِيرُ إِلَى رَبَاعِيَتِهِ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهُ: ((اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلِ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللَّهِ وَل فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)). (٣٩) - باب: ما لقي النبيّ ◌َّ من أذى المشركين والمنافقين ٤٦٢٥ - (١٠٧) وحدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ أَبَان الْجُعْفِيُّ. حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ (يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ) عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ، حاتم في تفسير الشعراء من طريق ابن إسحاق، قال: ((حدثني من لا أتهم عن عبيد بن عمير الليثي أنه بلغه أن قوم نوح كانوا يبطشون به فيخفتونه حتى يغشى عليه، فإذا أفاق قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون)). قلت: إن صح ذلك فكأن ذلك كان في ابتداء الأمر، ثم لما يئس منهم قال: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِنَ دَيَّارًا﴾ [سورة نوح، آية: ٢٦]. وقدّمنا آنفاً عن الطبراني أن نبيّنا وَ * دعا بالمغفرة لقومه بمثل هذا اللفظ عند ما جرح في غزوة أحد. (٣٨) - باب: اشتداد غضب الله على من قتله رسول الله ولاقال- ١٠٦ - (١٧٩٣) - قوله: (حدثنا أبو هريرة) هذا الحديث أخرجه البخاري في المغازي، باب ما أصاب النبيّ بَّر من الجراح يوم أحد، (رقم: ٤٠٧٣). (٣٩) - باب: ما لقي النبيّ ◌ُّر من أذى المشركين إلخ ١٠٧ - (١٧٩٤) - قوله: (الأوديّ) بفتح الهمزة وسكون الواو، نسبة إلى أود بن صعب بن سعد، أحد أجداده، كما في الأنساب للسمعاني (١: ٣٨٥) وعمرو بن ميمون هذا تابعي كبير مخضرم، أسلم في عهد النبيّ ◌َّر ولم يره، ثم نزل الكوفة. ١٦٤ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يُصَلِّ عِنْدَ الْبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بَالأَمْسٍ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيُّكُمْ يَقُوُمُ إِلَى سَلاَ جَزُورٍ بَنِي فُلاَنٍ فَيَأْخُذُهُ، فَيَضَعُهُ فِي كَتِفَيْ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْم فَأَخَذَهُ. فَلَمَّا سَجَد النَّبِيُّ وَّهِ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. قَالَ: فَاسْتَضْحَكُوا. وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ. وَأَنَا قوله: (عن ابن مسعود) هذا الحديث أخرجه البخاري في الوضوء، باب إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته، (رقم: ٢٤٠)، وفي الصلاة، باب المرأة تطرح عن المصلى شيئاً من الأذى، (رقم: ٥٢٠)، وفي الجهاد، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة، (رقم: ٢٩٣٤)، وفي الجزية، باب طرح جيف المشركين في البئر، ولا يؤخذ لهم ثمن، (رقم: ٣١٨٥)، وفي مناقب الأنصار، باب ما لقي النبيّ وَّ وأصحابه من المشركين بمكة، (رقم: ٣٨٥٤)، وفي المعازي، باب دعاء النبيّ وَّر على كفار قريش، (رقم: ٣٩٦٠). وأخرجه النسائي في الطهارة، باب فرث ما يؤكل لحمه يصيب الثوب، (رقم: ٣٠٨). قوله: (سلا جزور) الجزور: بفتح الجيم، من الإبل ما يجزر، أي: يقطع. والسّلا، بفتح السين مقصوراً، هي الجلدة التي يكون فيها الولد، يقال لها ذلك من البهائم، وأما من الآدميّات فالمشيمة. وحكى صاحب المحكم أنه يقال فيهن أيضاً ((سلى)). كذا في فتح الباري (١: ٣٥٠). قوله: (أشقى القوم) أراد به عقبة بن أبي معيط (بضم الميم وفتح العين)، كما هو مصرح في رواية شعبة الآتية. قوله: (وضعه بين كتفيه) استشكله الفقهاء بأنه كيف استمر النبيّ وَّ في صلاته مع كون هذه النجاسة بين كتفيه؟ واستدل به بعضهم على أن من ألقي على ظهره نجاسة بغير اختياره فإنّ صلاته جائزة، وإليه يظهر ميلان البخاري، حيث ترجم على هذا الحديث: ((باب إذا ألقي على ظهر المصلّ قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته)). وأجاب عنه النووي كثّفُ بأن النبيّ ◌ٍَّ لم يعلم ما وضع على ظهره. ولا يُدرى هل كانت صلاته فريضة أو تطوعاً؟ وعلى كونها فريضة يحتمل أن يكون أعادها بعد ما علم، ولا حاجة إلى الإعادة على كونها نافلة. قلت: هذا على مذهب الشافعية. أما على مذهبنا فيحتاج إلى الإعادة على كونها نافلة أيضاً، فيجاب باحتمال الإعادة كما في الفريضة. وأجاب عنه الخطّابي بأن النبيّ وَلو لم يكن تعبّد إذ ذاك بتحريمه، كالخمر، كانوا يلابسون الصلاة وهي تصيب ثيابهم وأبدانهم قبل نزول التحريم، فلما حرمت لم تجز الصلاة فيها، وتعقبه (١)﴾ [سورة المدثر، آية: ٤] ابن بطال بأنه لا شك أنها كانت بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَثِيَكَ فَطَهِّرْ لأنها أول ما نزل عليه الصلاة والسلام من القرآن قبل كل صلاة. كذا في عمدة القاري (١ : ٩٤٣). ولكن يرد على ابن بطال ما أخرجه ابن المنذر في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَثَابَكَ فَطَهِّرْ ١٦٥ كتاب: الجهاد والسّير قَائِمٌ أَنْظُرُ. لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرٍ رَسُولِ اللّهِ بِهِ. وَ النَّبِيُّ وَ سَاجِدٌ، مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ. حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ. فَجَاءَتْ، وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ، فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ. ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَشْتِمُهُمْ. فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ◌َّهِ صَلاَتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ. وَكَانَ إِذَا دَعَا، دَعَا ثَلاَثاً، وَإِذَا سَأَلَ، سَأَلَ ثَلاَثاً. ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ)) ثَلاَثَ مَرَّاتٍ. فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ ذَهَبَ عَنْهُمُ الضُّحِكُ. وَخَافُوا دَعْوَتَهُ. ثُمَّ قَالَ: ((اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامِ، وَعُثْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْئَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةً. وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ)) (وَذَكَرَ السَّابِعَ وَلَمْ أَحْفَظُهُ) فَوَالَّذَي بَعَثَ مُحَمَّداً وَّهِ بَالْحَقٌ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ. ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ، قَلِیبِ بَدْرٍ . (٤)) [سورة المدثر، آية: ٤] من طريق زيد بن مرثد، قال: ((لا ألقي على رسول الله وَ لاول سلا جزور، فنزلت)) ذكره الحافظ في التفسير من فتح الباري (٨: ٦٧٩). فعلى هذا يتقوى ما أجاب به الخطابي كلشُ . قوله: (جعل بعضهم يميل على بعض) يعني: من شدة الضحك فرحاً ومرحاً، وفي رواية للبخاري في الوضوء: ((ويُحيل بعضهم على بعض)) وهو من الإحالة، والمراد أن بعضهم ينسب فعل ذلك إلى ذلك بعض بالإشارة تهكماً . قوله: (لو كانت لي منعة) بفتح النون، وقيل: بإسكانها، ورجح النووي الأول، وجزم القرطبي بالثاني، ورجحه القزاز والهروي. كما في فتح الباري والمنعة: القوة. وإنما قال كذلك لأنه لم يكن له بمكة عشيرة لكونه هذلياً حليفاً، وكان حلفاؤه إذ ذاك كفاراً . قوله: (ثم دعا عليهم) قال الحافظ: ((والظاهر منه أن الدعاء المذكور وقع خارج الصلاة، لكن وقع وهو مستقبل الكعبة، كما ثبت من رواية زهير عن أبي إسحاق عند الشيخين)). قوله: (خافوا دعوته) زاد البخاري في الوضوء: ((وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة)). قوله: (والوليد بن عقبة) كذا في هذه الرواية، وهو وهم، والصحيح الوليد بن عتبة بالتاء، كما هو مصرح في الروايات الأخرى، وقد نبّه الراوي في آخر الحديث على أن الوليد بن عقبة خطأ . قوله: (وذكر السّابع فلم أحفظه) يعني: ذكر عمرو بن ميمون رجلاً سابعاً، فلم يحفظه أبو إسحاق، وهو عمارة بن الوليد، تذكّره أبو إسحاق بعد ذلك فيما أخرجه البخاري عنه في الصلاة. واستشكل بعضهم كون عمارة بن الوليد في جملة هذه السبعة، لكونه لم يقتل ببدر، وإنما مات بالحبشة، وله قصة مع النجاشي إذ تعرض لامرأته، فأمر النجاشي ساحراً، فنفخ في إحليل عمارة من سحره عقوبة له، فتوحش وصار مع البهائم إلى أن مات في خلافة عمر. ١٦٦ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم قَالَ أَبْو إِسْحَاقَ: الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ غَلَطْ فِي هُذَا الْحَدِيثِ. ٤٦٢٦ - (١٠٨) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ (وَاللَّفْظُ لإِبْنِ الْمُثَنَّى). قَالاَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ. حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ سَاجِدٌ، وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ. إِذْ جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ بِسَلاَ جَزُورٍ. فَقَذَقَهُ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللّهِ نَّهِ فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَةٌ. فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَخَذَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ. وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَعَ ذُلِكَ. فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ عَلَيْكَ الْمَلَأَ مِنْ قُرَيْشٍ. أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامِ، وَعُثْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيِعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَّ خَلَفٍ، أَوَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ (شُعْبَةُ الشَّالُ)) قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ . فَأَلْقُوا فِي بِثْرٍ. غَيْرَ أَنَّ أُمَيَّةً أَوْ أَبَّا تَقَطّعَتْ أَوْصَالُهُ. فَلَمْ يُلْقَ فِي الْبِثْرِ. ٤٦٢٧ - (١٠٩) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ. وَزَادَ: وَكَانَ يَسْتَحِبُّ ثَلاَثًاً يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ. اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ. اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ)) ثَلاَثاً. وَذَكَرَ فِيهِمُ الْوَلِيدَ بْنَ عُثْبَةَ، وَأَمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ. وَلَمْ يَشُكَّ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَنَسِيتُ السَّابِعَ. ٤٦٢٨ - (١١٠) وحدّثني سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ. حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْينَ. حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ. حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ: اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ الْبَيْتَ. فَدَعَا عَلَى سِتَّةِ نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشِ. فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ وَعُثْبَةُ بْنُ رَبِيعَةً وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ. فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى عَلَى بَدْرٍ. قَدْ غَيَّرَتْهُمُ الشَّمْسُ. وَكَانَ يَوْماً حَارًّا. والجواب أن كلام ابن مسعود أنه رآهم صرعى في القليب محمول على الأكثر، ويدل عليه أن عقبة بن أبي معيط لم يطرح في القليب، وإنما قتل صبراً بعد أن رحلوا عن بدر. كذا في فتح الباري (١ : ٣٥١). ١٠٨ - ( ... ) - قوله: (أُميّة بن خلف، أو أبي بن خلف) شكّ فيهما شعبة. والصحيح أميّة بن خلف، كما جزم به سفيان في روايته الآتية. ويدل على صحة رواية سفيان ما أطبق عليه أصحاب المغازي من أن المقتول ببدر أمية، وعلى أن أخاه أبي بن خلف قتل بأحد. كذا في الفتح. قوله: (تقطعت أوصاله) الأوصال: المفاصل. ١١٠ - ( ... ) - قوله: (الحسن بن أعين) بفتح الياء. ١٦٧ كتاب: الجهاد والسّير ٤٦٢٩ - (١١١) وحدّثني أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادِ الْعَامِرِيُّ (وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ) قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ. قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِّ وَهِ حَدَّثَتْهُ؛ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللّهِ وَهَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمٍ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: ((لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ. وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ. إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَا لِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ. فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ. فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجھِي . ١١١ - (١٧٩٥) - قوله: (أن عائشة زوجة النبيّ ◌َلا حدثته) هذا الحديث أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب إذا قال أحدكم: ((آمين)) والملائكة في السماء، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه، (رقم: ٣٢٣١)، وفي التوحيد، باب وكان الله سميعاً بصيراً، (رقم: ٧٣٨٩). قوله: (أشدّ من يوم أحد) كأنها كانت تزعم أن ما لقي النبيّ وَّر من الأذى يوم أحد أشدّ ما لقيه قطّ . قوله: (لقد لقيت من قومك) المفعول محذوف، وهو الأذى. قوله: (يوم العقبة) يعني اليوم الذي ذهبت فيه إلى عقبة بالطائف. ذكر موسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب: أنه * لما مات أبو طالب توجه إلى الطائف رجاء أن يؤووه، فعمد إلى ثلاثة نفر من ثقيف، وهم سادتهم، وهم إخوة عبد ياليل، وحبيب ومسعود بنو عمرو، فعرض عليهم نفسه وشكى إليهم ما انتهك منه قومه، فردّوا عليه أقبح ردّ. وذكر ابن سعد أن ذلك كان في شوال سنة عشر من المبعث، وأنه كان بعد موت أبي طالب وخديجة. كذا في فتح الباري (٦: ٣١٥). قوله: (على ابن عبد ياليل بن عبد كلال) بضم الكاف وتخفيف اللام، واسم ابن عبد ياليل كنانة، وقيل: مسعود، وكان من أكابر أهل الطائف من ثقيف. والذي في المغازي أن الذي كلمه هو عبد ياليل نفسه، وعند أهل النسب أن عبد كلال أخوه، لا أبوه، وأنه عبد ياليل بن عمرو بن عمير بن عوف. وقد روى عبد بن حميد في تفسيره من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْبَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [سورة الزخرف، آية: ٣١] قال: نزلت في عتبة بن ربيعة وابن عبد ياليل الثقفي. وقد ذكر موسى بن عقبة، وابن إسحاق أن كنانة بن عبد ياليل وفد مع وفد الطائف سنة عشر فأسلموا، وذكره ابن عبد البر في الصحابة لذلك، لكن ذكر المديني أن الوفد أسلموا إلا كنانة، فخرج إلى الروم ومات بها بعد ذلك، - والله أعلم - . هذا ملخص ما في فتح الباري. قوله: (على وجهي) متعلق بقوله: ((انطلقت)) يعني: انطلقت على الجهة المواجهة لي، وأنا مهموم . ١٦٨ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّ بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ. فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي. فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ. فَنَادَانِي. فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ. وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ. قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ. ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ. وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ. وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ. فَمَا شِئْتَ! إِنْ شِئْتَ أَنْ أُظْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ)). فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَ: ((بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَضْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً)). ٤٦٣٠ - (١١٢) حدّثنا يَحْيَى بْنُ يَحْيِى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ. كِلاَهُمَا عَنْ أَبِي عَوَانَةً. قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ. قَالَ: قوله: (فلم أستفق) أي: فلم أنتبه ولم أفطن بنفسي. كذا في شرح الأبي والسنوسي. قوله: (إلا بقرن الثعالب) وهو قرن المنازل، ميقات أهل نجد، وهو على يوم وليلة من مكة. وقرن كل جبل صغير منقطع من جبل كبير. وحكى القاضي عياض أن بعض الرواة ذكره بفتح الراء، وهو غلط. وحكى القابسي أن من سَكَّن الراء أراد الجبل، ومن حَرَّكَها أراد الطريق التي يقرب منه، وأفاد ابن سعد أن مدة إقامته بَّه بالطائف كانت عشرة أيام. كذا في الفتح. قوله: (أن أطبق عليهم الأخشبين) الأخشبان: جبلان بمكة، وهما: أبو قبيس وما يقابله، وكأنه قعيقعان. وقال الصغاني: بل هو الجبل الأحمر الذي يشرف على قعيقعان، ووهم من قال إنه ثور كالكرماني: وسميا بالأخشبين لصلابتهما وغلظ حجارتهما. والمراد بإطباقهما أن يلتقيا على من بمكة، ويحتمل أن يريد أنهما يصيران طبقاً واحداً. كذا في فتح الباري. ثم الظاهر من هذا الكلام أن مَلَكَ الجبال عرض على النبيّ ◌َط﴿ استئصال أهل مكة بإطباق الأخشبين، مع أن سياق القصة في أهل الطائف، ولم أر من الشراح من تعرض لهذا. ويحتمل أن يكون الطائف بين جبلين صلبين كأخشبي مكة، وأراد الملك بإطباقهما استئصال أهل الطائف، - والله أعلم - . ١١٢ - (١٧٩٦) - قوله: (عن جندب بن سفيان) هو جندب بن عبد الله بن سفيان، وقد ينسب إلى جده، ولقبه جندب الخير، وجندب الفاروق. وأخرج الطبراني عنه، قال: كنت على عهد رسول الله غلاماً حزّوراً. سكن الكوفة، ثم البصرة قدمها مع مصعب بن الزبير، وروى عنه أهل المصرين، وروى عنه من أهل الشام شهر بن حوشب. وراجع الإصابة (١: ٢٥٠) والتهذيب (٢: ١١٧ و١١٨). وحديثه هذا أخرجه البخاري في الجهاد، باب من ينكب في سبيل الله، (رقم: ٢٨٠٢)، وفي الأدب، باب ما يجوز من الشعر والرجز والحداء وما يكره منه، (رقم: ٦١٤٦)، وحديثه ١٦٩ كتاب: الجهاد والسّير دَمِيَتْ إِصْبَعُ رَسُولِ اللّهِ وَ فِي بَعْضٍ تِلْكَ الْمَشَاهِدِ. فَقَالَ: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتٍ)) ((هَلْ أَنْتِ إِلَّ إِصْبَعٌ دَمِيتِ في سبب نزول سورة الضحى أخرجه البخاري في التفسير، باب ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ، (رقم: ٤٩٥٠ و٤٩٥١)، وفي التهجد، باب ترك القيام للمريض، (رقم: ١١٢٤ و١١٢٥)، وفي فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي وأول ما نزل، (رقم: ٤٩٨٣). وأخرجه الترمذي في التفسير، باب ومن سورة اقرأ باسم ربك، (رقم: ٣٣٤٦). قوله: (دميت إصبع رسول الله (َ(*) ورد سببه في رواية البخاري في الأدب، ولفظها: ((بينما النبيّ وَّر يمشي إذ أصابه حجر، فعثر، فدميت إصبعه)) ووقع في رواية شعبة عن الأسود: ((خرج إلى الصلاة)) ذكره الحافظ في الفتح، وسيأتي في الرواية الآتية عند المصنف: ((كان رسول الله (َّي في الغار)) ولا مانع من الجمع بين هذه الروايات بأن كلاً من الرواة ذكر ما لم یذکره الآخر . قوله: (هل أنت إلّ إصبع دميت) الأصح أن التائين بالكسرة المشبعة، وهذان قسمان من رجز. وجزم الكرماني بأنهما في الحديث بالسكون، وفيه نظر. وزعم غيره أن النبيّ ◌َّ تعمد إسكانهما، ليخرج القسمين عن الشعر، وهو مردود، فإنه يصير من ضرب آخر من الشعر، وهو من ضروب البحر الملقب الكامل، وفي الثاني زحاف جائز. قال عياض: ((وقد غفل بعض الناس فروى ((دميت)) و(لقيت)) بغير مدّ، فخالف الرواية ليسلم من الإشكال، فلم يصب)). ثم اختلف العلماء: هل قاله النبيّ ◌َل* متمثلاً؟ أو قاله من قبل نفسه غير قاصد لإنشائه فخرج موزوناً. وبالأول جزم الطبري. ويؤيده أن ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) أوردهما لعبد الله بن رواحة، فذكر أن جعفر بن أبي طالب لما قتل في غزوة مؤتة بعد أن قتل زيد بن حارثة، فأخذ اللواء عبد الله بن رواحة، فقاتل فأصيب إصبعه، فارتجز، وجعل يقول هذين القسمین، وزاد: هذي حياض الموت قد صليتٍ يا نفس إن لا تُقتلي تموتي إن تفعلي فعلها فقد هديتٍ وما تمنيت، فقد لقيتِ وهكذا جزم ابن التّين بأنهما من شعر ابن رواحة. وذكر الواقدي أن الوليد بن المغيرة كان وافق أبا بصير في صلح الحديبية على ساحل البحر، ثم إن الوليد رجع إلى المدينة، فعثر بالحرة فانقطعت إصبعه، فقال هذين القسمين. وأخرجه الطبراني من وجه آخر موصول بسند ضعيف. وهذا إن كان محفوظاً احتمل أن يكون ابن رواحة ضمنهما شعره وزاد عليهما، فإن قصة الحديبية قبل قصة مؤتة. وقد اختلف في جواز تمثل النبيّ وَلّ بشيء من الشعر، وإنشاده حاكياً عن غيره، فالصحيح ١٧٠ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ٤٦٣١ - (١١٣) وحدّثناه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. جَمِيعاً عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، بِهُذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِ لَ فِي غَارٍ. فَنُكِبَتْ إِصْبَعُهُ. ٤٦٣٢ - (١١٤) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جُنْدُباً يَقُولُ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ وَّهِ. فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ. فَأَنْزَلَ ﴾ [الضحى: ١ -٣]. اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالضُّحَى ﴿ وَالَتْلِ إِذَا سَجَى ﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَ ٤٦٣٣ - (١١٥) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ (وَاللَّفْظُ لإِبْنِ رَافِعٍ) (قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا. وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ). حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنِ جوازه. وقد أخرج البخاري في الأدب المفرد، والترمذي وصححه، والنسائي من رواية المقدام بن شريح، عن أبيه: ((قلت لعائشة: أكان رسول الله ◌َ ◌ّ* يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان يتمثل من شعر ابن رواحة: ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد)) وأخرج ابن أبي شيبة من مرسل أبي جعفر الخطمي، قال: ((كان رسول الله وَّه يبني المسجد، وعبد الله بن رواحة يقول: أفلح من يعالج المساجدا، فيقولها رسول الله وَلتر، فيقول ابن رواحة: يتلو القرآن قائماً وقاعدا، فيقولها رسول الله وي لير)). هذا كله ملخص ما في فتح الباري (١٠: ٥٤١). قوله: (وفي سبيل الله ما لقيت) ((ما)) ههنا موصولة، والمراد: أن الذي تحملته من الأذى فهو في سبيل الله تعالى. ١١٤ - (١٧٩٧) - قوله: (أبطأ جبريل) حمله بعضهم على الفترة التي وقعت في ابتداء الوحي، ولكن رده الحافظ في الفتح (٨: ٧١٠)، فقال: ((والحق أن الفترة المذكورة في سبب نزول ((والضحى)) غير الفترة المذكورة في ابتداء الوحي، فإن تلك دامت أيّاماً، وهذه لم تكن إلا ليلتين أو ثلاثاً، فاختلطتا على بعض الرواة)). ثم وردت في سبب هذا الإبطاء روايات مختلفة، فسيجيء في الرواية الآتية عند المصنف أن سببه اشتكاء النبيّ وَطهور، وفسر بعضهم هذه الشكوى بإصبعه التي دميت، ولكن رده الحافظ في الفتح. وورد عند الطبراني بإسناد فيه من لا يعرف أن سبب إبطاء جبريل وجود جرو كلب تحت سرير النبيّ وَّر من حيث لا يشعر. وقصة إبطاء جبريل بسبب كون الكلب تحت سريره مشهورة، لكن كونها سبب نزول هذه الآية غريب، بل شاذ مردود بما في الصحيح، - والله أعلم - . قوله: (قد وُدِّع محمد) بضم الواو وكسر الدال، على البناء للمجهول، يعني أن المَلَكَ الذي کان یجیئه ودّعه . قوله: (والليل إذا سجى) قال الفراء: أي: إذا أظلم وركد في طوله، تقول: بحر ساج، وليل ساج: إذا سكن، كذا في الفتح. ١٧١ كتاب: الجهاد والسير الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ. قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبَ بْنَ سُفْيَانَ يَقُولُ: اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ وَلِهِ. فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَّلاَثاً. فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ. وَأُلَّيْلِ إِذَا سَجَى لَمْ أَرَهُ قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلاَثٍ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَالضُّحَى [الضحى: ١ - ٣] . مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٤٦٣٤ - (٠٠٠) وحدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ. ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا الْمُلاَئِيُّ. حَدَّثَنَا سُفْيَانُ. كِلاَهُمَا عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، بِهِذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثِهِمَا . (٤٠) - باب: في دعاء النبيّ ◌َّ، وصبره على أذى المنافقين ٤٦٣٥ - (١١٦) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (وَاللَّفْظُ لإِبْنِ رَافِع) (قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا. وَقَالَ الآخَرَانِ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ). أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهَّرِيِّ، عَنْ عُرْوَةً؛ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّ النَّبِيَّ وَ رَكِبَ ١١٥ - ( ... ) - قوله: (فلم يقم ليلتين أو ثلاثاً) يعني: لصلاة التهجد، فلم يقرأ القرآن بالليل. وذكر بعضهم أن اشتكاء النبيّ بَّار كان استبطاء الوحي، وبه يجمع بين الروايتين. قوله: (فجاءته امرأة فقالت) هي أم جميل بنت حرب، زوجة أبي لهب، وأخرجه الطبري من طريق المفضل بن صالح عن الأسود بن قيس بلفظ: ((فقالت امرأة من أهله)) ومن وجه آخر عن الأسود بن قيس بلفظ: ((حتى قال المشركون)). ولا مخالفة، لأنهم قد يطلقون لفظ الجمع، ويكون القائل أو الفاعل واحداً، بمعنى أن الباقين راضون بما وقع من ذلك الواحد. كذا في فتح الباري (٨: ٧١٠). ( ... ) - قوله: (أخبرنا الملائيّ) بضم الميم، نسبة إلى المُلاءة، وهو المرط الذي تستتر به المرأة إذا خرجت، وظني أن هذه النسبة إلى بيعه، قاله السمعاني في الأنساب (١٢: ٥١٠). وقد اشتهر بهذه النسبة جماعة. ويبدو أن المراد هنا أبو نعيم الفضل بن دُكين، - والله أعلم - . (٤٠) - باب: في دعاء النبي ◌َّ، وصبره على أذى المنافقين ١١٦ - (١٧٩٨) - قوله: (أن أسامة بن زيد أخبره) هذا الحديث أخرجه البخاري في الجهاد، باب الردف على الحمار، (رقم: ٢٩٨٧)، وفي التفسير، باب ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَّكُواْ أَذَى كَثِيرًاً﴾، (رقم: ٣٥٦٦)، وفي المرضى، باب عيادة المريض راكباً وماشياً وردفاً على الحمار، (رقم: ٥٦٦٣)، وفي اللباس، باب الارتداف على الدابة، (رقم: ٥٩٦٤)، وفي الأدب، باب كنية المشرك، (رقم: ٦٢٠٧)، وفي الاستئذان، باب التسليم في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين، (رقم: ٦٢٥٤). ١٧٢ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم حِمَاراً، عَلَيْهِ إِكَافٌ، تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ. وَأَرْدَفَ وَرَاءَهُ أُسَامَةَ، وَهُوَ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ. وَذَاكَ قَبْلَ وَقْعَةٍ بَدْرٍ. حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلاَظٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ، وَالْيَهُودِ. فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ. وَفِي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ. فَلَمَّا غَشِيَتِ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ، حَمَّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ أَنْفَهُ بِدَائِهِ. ثُمَّ قَالَ: لاَ تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا. فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ وَِّ، ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ. فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ: أَيُّهَا الْمَرْءُ! لاَ أَحْسَنَ مِنْ هُذَا. إِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا، فَلاَ تُؤْذِنَا فِي مَجَالِسِنَا. وَارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ. فَمَنْ جَاءَكَ مِنَّا فَاقْصُصْ عَلَيْهِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: اغْشَنَا فِي مَجَالِسِنَا. فَإِنَّا نُحِبُّ ذُلِكَ. قَالَ: فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ. حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَتَوَاثَبُوا. فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ◌َهِ يُخَفِّضُهُمْ. ثُمَّ رَكِبَ دَابَتَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ. فَقَالَ: ((أَيْ سَعْدُ، أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ؟ (يُرِيدُ قوله: (إكاف) بكسر الهمزة. قوله: (فدكيّة) منسوبة إلى فدك، بفتحتين، وهو بلد معروف على مرحلتين من المدينة. قوله: (وهو يعود سعد بن عبادة) فيه عيادة الكبير بعض أتباعه في داره. قوله: (في بني الحارث بن الخزرج) أي: في منازل بني الحارث، وهم قوم سعد بن عبادة نضعبه. قوله: (فيهم عبد الله بن أبي) وزاد عقيل عند المصنف وشعيب عند البخاري في التفسير كلاهما عن الزهري: ((وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبي)) أي: قبل أن يظهر الإسلام. قوله: (عجاجة الدابة) يعني الغبار الثائر بوقع حوافر الحمار. قوله: (فسلم عليهم النبيّ ◌َّه) يؤخذ منه جواز السلام على المسلمين إذا كان معهم كفّار وينوي حينئذ بالسلام المسلمين. قوله: (لا أحسن من هذا) إلخ: أي: ليس شيء أحسن من هذا إن كان حقّاً، ولكنه لم يقبل أنه حقّ، فكأنه أراد أن يردّ دعوة رسول الله ولو بكلام ظاهره التحسين، وباطنه الرد عليها، فعلق كونها حسنة على كونها حقّاً. هذا على الرواية المشهورة. وقد رواه بعضهم ((لأحسن من هذا)) بغير ألف بين اللام والهمزة واللام حينئذ للتأكيد، والمراد: أن الأحسن من هذا أن تقعد في بيتك إلخ. واستحسن القاضي عياض هذه الرواية، لكون معناها أظهر. قوله: (أن يتواثبوا) يعني: أن يثب بعضهم على بعض. قوله: (إلى ما قال أبو حُباب) هو كنية لعبد الله بن أبيّ، ومعلوم أن في ذكر الرجل بكنيته إكراماً له عند العرب. وإن النبيّ وَّر لم يذكر عبد الله بن أبيّ بما فيه إهانة له، وإنما ذكره بكنيته ١٧٣ كتاب: الجهاد والسّير عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ) قَالَ كَذَا وَكَذَا)) قَالَ: اعْفُ عَنْهُ. يَا رَسُولَ اللّهِ، وَاصْفَحْ. فَوَ اللَّهِ، لَقَدْ أَعْطَاكَ اللَّهُ الَّذِي أَعْطَاكَ، وَلَقَدِ اضْطَلَحَ أَهْلُ هُذِهِ الْبُخَيْرَةِ أَنْ يُتَوِّجُوهُ، فَيُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ . فَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ ذُلِكَ بِالْحَقُ الَّذِي أَعْطَاكَهُ، شَرِقَ بِذُلِكَ. فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ. فَعَفَا عَنْهُ النَّبِيُّ ◌َِّ . ٤٦٣٦ - (٠٠٠) حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِع. حَدَّثَنَا حُجَيْنٌ (يَعْنِي ابْنَ الْمُثَنَّى). حَدَّثَنَا لَيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، فِي هُذَا الْإِسْنَادِ، بِمِثْلِهِ، وَزَادَ: وَذُلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ. ٤٦٣٧ - (١١٧) حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ. حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ. قَالَ: قِيلَ لِلنَِّيِّ وَّهِ: لَوْ أَتَيْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ؟ قَالَ: فَانْطَلَقَ إِلَّيْهِ. وَرَكِبَ حِمَاراً. وَانْطَلَقَ الْمُسْلِمُونَ. وَهِيَ أَرْضٌ سَبَخَةٌ. فَلَمَّا أَتَاهُ النَّبِيُّ وَلِ قَالَ: مع أنه وير سمع منه كلاماً مقذعاً فيه تحقير وإهانة. وهذا يدل على أن داعي الحقّ لا ينبغي له أن يقذع في كلامه للمخالفين، ولو سمع منهم مَا يؤذيه. قوله: (أهل هذه البحيرة) بضم الباء على التصغير، وفي رواية للبخاري: ((هذه البحرة)) بفتح الباء، وهي القرية، والمراد هنا المدينة المنورة، ونقل ياقوت أن البحرة من أسماء المدينة المنورة . قوله: (فيعصّبوه بالعصابة) يعني: يجعلوه رئيساً للبلد، وسمي الرئيس معصّباً لما يعصب برأسه من الأمور، أو لأنهم يعصبون رؤوسهم بعصابة لا تنبغي لغيرهم، ويمتازون بها. كذا في الفتح. قوله: (شرق بذلك) بكسر الراء، أي: غصّ به، وهو كناية عن الحسد، يقال: غُصّ بالطعام وشجى بالعظم، وشرق بالماء، إذا اعترض شيء من ذلك في الحلق، فمنعه الإساغة. ١١٧ - (١٧٩٩) - قوله: (عن أنس بن مالك) أخرجه البخاري في الصلح، باب ما جاء في الإصلاح بين الناس، (رقم: ٢٦٩١). قوله: (لو أتيت عبد الله بن أبيّ) يمكن أن تكون هذه القصة عين القصة السابقة في حديث أسامة بن زيد، ويحتمل أن تكون قصة أخرى مغايرة لما قبلها، وذكر الحافظ الاحتمالين، فلم يفصل شيئاً . قوله: (وهي أرض سَبِخَة) بفتح السين وكسر الباء، أي: ذات سباخ، وهي الأرض التي لا تنبت، وكانت تلك صفة الأرض التي مرّ بها رسول الله وَل و إذ ذاك، وذكر ذلك للتوطئة لقول عبد الله بن أبي أنه تأذى بالغبار. ١٧٤ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ((إِلَيْكَ عَنِّي. فَوَاللَّهِ، لَقَدْ آذَانِي نَثْنُ حِمَارِكَ. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: وَاللَّهِ، لَحِمَارُ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ أَظْيَبُ رِيحاً مِنْكَ. قَالَ: فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللّهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ. قَالَ: فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ. قَالَ: فَكَانَ بَيْنَهُمْ ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ وَبِالأَيْدِي وَبِالنِّعَالِ. قَالَ: فَبَلَغَنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿وَإِن ◌َآيِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]. (٤١) - باب: قتل أبي جهل ٤٦٣٨ - (١١٨) حدّثنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ (يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ). حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ. حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَلِّ: (مَنْ قوله: (إليك عنّي) يعني: ابتعد منّي. قوله: (نتن حمارك) النتن، بفتح النون وسكون التاء: الرائحة الكريهة. قوله: (قال: فبلغنا أنها نزلت فيهم) قائله أنس بن مالك، كما بينه الإسماعيلي في روايته. قال الحافظ في الفتح (٥: ٢٩٨): ((ولم أقف على اسم الذي أنبأ أنساً بذلك)) ثم قال: وقد استشكل ابن بطال نزول الآية المذكورة ... في هذه القصة، لأن المخاصمة وقعت بين من كان مع النبيّ وَّر من أصحابه، وبين أصحاب عبد الله بن أبي، وكانوا إذ ذاك كفاراً، فكيف ينزل فيهم ﴿ طَآَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الحجرات، آية: ٩] ولا سيما إن كانت قصة أنس وقصة أسامة متحدة، فإن في رواية أسامة: فاستب المسلمون والمشركون، قلت: يمكن أن يحمل على التغليب، مع أن فيها إشكالاً من جهة أخرى، وهي أن حديث أسامة صريح في أن ذلك كان قبل وقعة بدر، وقبل أن يسلم عبد الله بن أبي وأصحابه، والآية المذكورة في الحجرات، ونزولها متأخر جداً وقت مجيء الوفود. لكنه يحتمل أن تكون آية الإصلاح نزلت قديماً، فيندفع الإشكال)). ولعل مراد الحافظ في الجواب عن الإشكال الأول بحمل الآية على التغليب، أنها تتضمن المخاصمة بين المسلمين والذميين أيضاً، وكان عبد الله بن أبي وأصحابه واليهود كلهم من أهل الذمة، والله سبحانه أعلم. (٤١) - باب: قتل أبي جهل ١١٨ - (١٨٠٠) - قوله: (حدثنا أنس بن مالك) هذا الحديث أخرجه البخاري في المغازي، باب قتل أبي جهل، (رقم: ٣٩٦٢ و٣٩٦٣)، وباب شهود الملائكة بدراً، (رقم: ٤١٢٠). ووقع في رواية الإسماعيلي من طريق يحيى القطان عن سليمان التيمي أن أنساً سمعه من ١٧٥ كتاب: الجهاد والسّير يَنْظُرُ لَنَا مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ؟)) فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ. فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حَتَّى بَرَكَ. قَالَ: فَأَخَذْ بِلِحْيَتِهِ. فَقَالَ: أَنْتَ أَبُو جَهْلٍ؟ فَقَالَ: وَهَلْ فَوْقَ رَجُل قَتَلْتُمُوهُ (أَوْ قَالَ) قَتَلَهُ قَوْمُهُ؟ قَالَ: وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: فَلَوْ غَيْرُ أَكَّارٍ قَتَلَنِي . ٤٦٣٩ - (٠٠٠) حدّثنا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ. حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَِّ: ((مَنْ يَعْلَمُ لِي مَا فَعَلَ أَبُو جَهْلٍ؟)). بِمِثْلٍ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَقَوْلٍ أَبِي مِجْلٍَ. كَمَا ذَكَرَهُ إِسْمَاعِيلُ. ابن مسعود رضيًا، ولفظه عن أنس: ((قال النبيّ ◌َ﴿ يوم بدر: من يأتينا بخبر أبي جهل؟ قال: - يعني ابن مسعود - فانطلقت إلخ)). كذا في فتح الباري (٧: ٢٩٤). قوله: (حتى برد) بثلاث فتحات، أي: صار بارداً. ويقال: برد فلان، أي: مات لأنه يبرد بالموت، والمراد حينئذ أنه صار في حالة من مات، ولم يبق فيه سوى حركة المذبوح، فانطلق عليه باعتبار ما سيؤول إليه، ومنه قولهم للسيوف بوارد، أي: قواتل، وقيل لمن قتل بالسيف: برد، أي: أصابه متن الحديد، لأن طبع الحديد البرودة. وقيل: معنى قوله ((برد)): أي: فتر وسكن. يقال: جدّ في الأمر حتى برد، أي: فتر، وبرد النبيذ: أي: سكن غليانه. ووقع في رواية السمرقندي لصحيح مسلم: (برك)) موضع ((برد))، ومعناه: سقط. وكذا هو عند أبي أحمد، عن الأنصاري، عن التيمي. قال عياض: ((وهذه الرواية أولى، لأنه قد كلم ابن مسعود، فلو كان مات كيف كان يكلمه؟)). قلت: لا مانع من الرواية الأولى أيضاً على ما ذكرنا من توجيهه، - والله أعلم - . قوله: (هل فوق رجل قتلتموه) قال النووي: ((أي: لا عار عليّ في قتلكم إيّاي)) كأنه قال: هل هناك عار فوق رجل قتله مثلكم؟ والاستفهام للإنكار، يعني: ليس عليه عار. وبهذا فسّره ابن هشام في سيرته (٢: ٧٢)، فقال: ((ويقال: أعار عليَّ رجل قتلتموه)). وأما القاضي عياض ففسّره بالعكس، حيث قال: ((وهل عليّ عار إلا قتلكم إيّاي))، كما في شرح الأبي. فلفظ ((فوق)) هنا بمعنى الزيادة، والمعنى: ليس عليّ عار زيادة على قتلكم إيّاي. قوله: (فلو غير أكّار قتلني) الأكار: الفلاح، وكان الأنصار أهل فلاحة، وكان معوذ ومعاذ ابنا عفراء اللذان تولّيا قتله من الأنصار، فتمنى أن يكون أحد من القرشيّين قتله. ١٧٦ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم (٤٢) - باب: قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود ٤٦٤٠ - (١١٩) حدّثنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ بْنِ الْمِسْوَرِ الزُّهْرِيُّ. كِلاَهُمَا عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ (وَاللَّفْظُ لِلزُّهْرِيِّ). حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو. سَمِعْتُ جَابِراً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِهِ: ((مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» (٤٢) - باب: قتل كعب بن الأشرف ١١٩ - (١٨٠١) - قوله: (وعبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن المسور) بكسر الميم وسكون السين وفتح الواو، وعبد الله هذا وثقه النسائي، وقال الدارقطني: من الثقات، قليل الخطأ، وقال أبو حاتم: صدوق، مات (سنة: ٢٥٦هـ) وأخرج عنه الجماعة إلا البخاري. روى عنه مسلم أربعة عشر حديثاً. كذا في التهذيب (٦: ١١ و١٧). قوله: (سمعت جابراً يقول) هذا الحديث أخرجه البخاري في المغازي، باب قتل كعب بن الأشرف، (رقم: ٤٠٣٧)، وفي الرهن، باب رهن السلاح، (رقم: ٢٥١٠)، وفي الجهاد، باب الكذب في الحرب، (رقم: ٣٠٣١)، وباب الفتك بأهل الحرب، (رقم: ٣٠٣٢). وأخرجه أبو داود في الجهاد، باب في العدوّ يؤتى على غرّة ويتشبه بهم، (رقم: ٢٧٦٨). قوله: (من لكعب بن الأشرف؟) أي: من الذي ينتدب إلى قتله أو كفاية شرّه؟ وكعب بن الأشرف كان رئيساً من رؤساء اليهود. وذكر ابن إسحاق وغيره أنه كان عربياً من بني نبهان، وهم بطن من طيء، وكان أبوه أصاب دماً في الجاهلية، فأتى المدينة فحالف بني النضير، فشرف فيهم، وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق فولدت له كعباً، وكان طويلاً جسيماً ذا بطن وهامة، وهجا المسلمين بعد وقعة بدر، وخرج إلى مكة فنزل على ابن وداعة السهمي والد المطلب، فهجاه حسّان وهجا امرأته عاتكة بنت أسيد بن أبي العيص بن أمية، فطردته، فرجع كعب إلى المدينة، وتشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم. وروى أبو داود والترمذي من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه أن كعب بن الأشرف كان شاعراً، وكان يهجو رسول الله وَّير ويحرض عليه كفار قريش. وكان النبيّ وَ ل قدم المدينة وأهلها أخلاط، فأراد رسول الله وَلو استصلاحهم، وكان اليهود والمشركون يؤذون المسلمين أشد الأذى فأمر الله رسوله والمسلمين بالصبر. فلما أبى كعب أن ينزع عن أذاه أمر رسول الله ير سعد بن معاذ أن يبعث رهطاً ليقتلوه. وذكر ابن سعد أن قتله كان في ربيع الأول من السنة الثالثة. كذا في فتح الباري (٧: ٣٣٧). قوله: (فإنه قد آذى الله ورسوله) وفي رواية للحاكم في الإكليل: ((فقد آذانا بشعره وقوّى المشركين)) وأخرج ابن عائذ من طريق الكلبي أن كعب بن الأشرف قدم على مشركي قريش، ١٧٧ كتاب: الجهاد والسّير فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: (نَعَمْ)) قَالَ: فحالفهم عند أستار الكعبة على قتال المسلمين. ومن طريق أبي الأسود عن عروة: ((أنه كان يهجو النبيّ ◌َّر والمسلمين، ويحرض قريشاً عليهم، وأنه لما قدم على قريش قالوا له: أديننا أهدى أم دين محمد؟ قال: دينكم. فقال النبيّ وَّر: من لنا بابن الأشرف فإنه قد استعلن بعداوتنا)). وقال الحافظ: ((ووجدت في فوائد عبد الله بن إسحاق الخراساني من مرسل عكرمة بسند ضعيف إليه لقتل كعب سبباً خر، وهو أنه صنع طعاماً، وواطأ جماعة من اليهود أنه يدعو النبيّ وَّر إلى الوليمة، فإذا حضر فتكوا به، ثم دعاه، فجاء ومعه بعض أصحابه، فأعلمه جبريل بما أضمروه بعد أن جالسه، فقام فستره جبريل بجناحيه فخرج، فلما فقدوه تفرقوا. فقال حينئذ: من ينتدب لقتل كعب. ويمكن الجمع بتعدد الأسباب)) وراجع فتح الباري. قوله: (فقال محمد بن مسلمة) بفتح الميمين واللام وسكون السّين، صحابي أنصاري جليل فاضل، وهو من الأوس، أسلم على يدي مصعب بن عمير قبل أن يقدم رسول الله صلخير المدينة، وآخى رسول الله وَّل بينه وبين أبي عبيدة ضًّا، وشهد المشاهد بدراً وما بعدها، إلا غزوة تبوك، فإنه تخلف بإذن النبيّ ر له أن يقيم بالمدينة، واستخلفه النبيّ وَّر على المدينة في بعض غزواته، وكان عمر ◌َيُّه يستعمله لكشف الأمور المعضلة في البلاد، وكان ممن اعتزل الفتنة، فلم يشهد الجمل ولا الصفّين. وقد أخرج ابن شاهين بسنده إلى الحسن: أن محمد بن مسلمة قال: ((أعطاني رسول الله وَلهل سيفاً، فقال: قاتل به المشركين ما قاتلوا، فإذا رأيت أمتي يضرب بعضهم بعضاً، فأت به أحداً فاضرب به حتى ينكسر، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية)) ففعل ربه. ورجال إسناده ثقات، غير أن الحسن لم يسمع من محمد بن مسلمة. ثم إن محمد بن مسلمة ربه لزم بيته حتى دخل عليه رجل من أهل الشام من أهل الأردن وهو في داره فقتله، وذلك (سنة: ٤٣هـ). كذا في الإصابة (٣: ٣٦٣ و٣٦٤). قوله: (قال: نعم) وفي رواية عروة عند ابن عائذ: ((فسكت رسول الله وَطير، فقال محمد بن مسلمة: أقرّ صامت)) قال الحافظ: ((فإن ثبت احتمل أن يكون سكت أولاً ثم أذن له، فإن في رواية عروة أيضاً أنه قال له: إن كنت فاعلاً فلا تعجل حتى تشاور سعد بن معاذ، قال: فشاوره، فقال له: توجّه إليه واشك إليه الحاجة، وسله أن يسلفكم طعاماً)). ثم قد استدل السهيلي بهذا الإذن على جواز قتل المعاهد إذا سبّ الشارع، ولكن رده الحافظ في الفتح، وقال: ((فيه نظر، وصنيع المصنف في الجهاد يعطي أن كعباً كان محارباً، حيث ترجم لهذا الحديث: ((الفتك بأهل الحرب))، وترجم له أيضاً: ((الكذب في الحرب))، وفيه جواز قتل المشرك بغير دعوة إذا كانت الدعوة العامة بلغته)). قال العبد الضعيف عفا الله عنه: إن المعاهد إنما يبقى في ذمة المسلمين، ما لم ينتصر ١٧٨ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ائْذَنْ لِي فَلأَقُلْ. قَالَ: ((قُلْ)). فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ. وَذَكَرَ مَا بَيْنَهُمَا. وَقَالَ: ((إِنَّ هُذَا الرَّجُلَ قَدْ أَرَادَ صَدَقَةً. وَقَدْ عَنَّانَا. فَلَمَّا سَمِعَهُ قَالَ: وَأَيْضاً. وَاللَّهِ! لَتَمَلُّنَّهُ. قَالَ: إِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ الآنَ. وَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ أَمْرُهُ. قَالَ: وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ تُسْلِفَنِي سَلَفاً. قَالَ: فَمَا تَرْهَنُنِي؟ قَالَ: مَا تُرِيدُ. قَالَ: تَرْهَنُنِي نِسَاءَكُمْ. قَالَ: أَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ. أَنَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا؟ قَالَ لَهُ: تَرْهَنُونِي أَوْلاَدَكُمْ. قَالَ: يُسَبُّ ابْنُ أَحَدِنَا. فَيُقَالُ: رُهِنَ فِي وَسْقَيْنٍ مِنْ تَمْرٍ. وَلَكِنْ نَرْهَنُكَ الَّلْمَةَ (يَعْنِي السِّلاَحَ) قَالَ: فَنَعَمْ. وَوَاعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَّهُ بِالْحَارِثِ وَأَبِي عَبْسٍ بْنِ جَبْرٍ وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ. قَالَ: فَجَاؤُوا فَدَعَوْهُ لَيْلاً. فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ. قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ غَيْرُ لأهل الحرب، وقد ثبت عن كعب بن الأشرف أنه كان يحرض قريشاً على المسلمين وينصرهم عليهم، فانتقضت ذمته بهذا، وبسبّ النبيّ وَّر، فصار محارباً، وجاز قتله، دون أن ينبذ على سواء، - والله أعلم - . قوله: (ائذن لي فلأقلْ) معناه: ايذن لي أن أقول عني وعنك ما رأيته مصلحة من التعريض وغيره، ففيه دليل على جواز التعريض، وهو أن يأتي بكلام باطنه صحيح، ويفهم منه المخاطب غير ذلك، فهذا جائز في الحرب وغيرها ما لم يمنع به حقاً شرعياً. كذا في شرح النووي. والظاهر أن اللام في قوله: ((فلأقُلْ)) لام الأمر، وليس لام كي، ولذلك جزمت الفعل، - والله أعلم - . قوله: (قال: قل) فيه الإذن بالتعريض في الحرب، وقد مرت المسألة مبسوطة في باب جواز الخداع في الحرب. قوله: (وقد عنّانا) بتشديد النون، يعني: أتعبنا وجعلنا في مشقة وعناء، والمراد من قوله ((هذا الرجل) رسول الله وَّ ر. وهذا من التعريض، لأن معناه في الباطن أنه أدبنا بآداب الشرع التي فيها تعب، لكنه تعب في مرضات الله تعالى، فهو محبوب لنا. والذي فهم منه المخاطب أنه أراد العناء المكروه. قوله: (وأيضاً والله لتملّنّه) بفتح الميم واللام، يعني: سوف تضجرون منه وَّ ر أكثر من هذا . قوله: (أنت أجمل العرب) قال الحافظ: ((لعلهم قالوا له ذلك تهكماً، وإن كان هو في نفسه جميلاً. زاد ابن سعد من مرسل عكرمة: ولا نأمنك، وأي امرأة تمتنع منك لجمالك. قوله: (ولكن نرهنك اللأمة) بتشديد اللام وسكون الهمزة، وهي في اللغة: الدرع، فإطلاق السلاح عليها، كما وقع في تفسيره من الراوي، إطلاق اسم الكل على البعض. وفي مرسل عكرمة عند ابن سعد: ((ولكنا نرهنك سلاحنا مع علمك بحاجتنا إليه)) وإنما قالوا ذلك لئلا ينكر مجيئهم إليه بالسلاح، قاله الواقدي في روايته، كما في فتح الباري. ٠ ١٧٩ كتاب: الجهاد والسّير عَمْرِو: قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: إِنِّي لأَسْمَعُ صَوْتاً كَأَنَّهُ صَوْتُ دم. قَالَ: إِنَّمَا هُذَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةً وَرَضِيعُهُ وَأَبُو نَائِلَةَ. إِنَّ الْكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إِلَى طَعْنَةٍ لَيْلاً لَأَجَابَ. قَالَ مُحَمَّدٌ: إِنِّي إِذَا جَاءَ فَسَوْفَ أَمُدُّ يَدِي إِلَى رَأْسِهِ. فَإِذَا اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَدُونَكُمْ. قَالَ: فَلَمَّا نَزَلَ، نَزَلَ وَهُوَ مُتَوَشْحْ. فَقَالُوا: نَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الطِّيبِ. قَالَ: نَعَمْ. تَحْتِي فُلاَنَةُ. هِيَ أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ. قَالَ: فَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ مِنْهُ. قَالَ: نَعَمْ. فَشُمَّ. فَتَنَاوَلَ فَشَمَّ. ثُمَّ قَالَ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَعُوَدَ؟ قَالَ: فَاسْتَمْكَنَ مِنْ رَأْسِهِ. ثُمَّ قَالَ: دُونَكُمْ. قَالَ: فَقَتَلُوهُ. (٤٣) - باب: غزوة خيبر ٤٦٤١ - (١٢٠) وحدّثني زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ. حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ (يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةً) عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَهُ قوله: (وأبو نائلة) اسمه سلكان بن سلامة، وكان أخاً لكعب بن الأشرف من الرضاعة، وذكروا أنه كان نديمه فى الجاهلية. قوله: (فسوف أمدّ يدي إلى رأسه) وفي رواية البخاري: ((إذا ما جاء فإني قائل بشعره فأشمّه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم. قوله: (فقتلوه) وفي رواية ابن سعد أن محمد بن مسلمة لما أخذ بقرون شعره قال لأصحابه اقتلوا عدو الله، فضربوه بأسيافهم، فالتفت عليه فلم تغن شيئاً. قال محمد: فذكرت معولاً كان في سيفي فوضعته في سرّته، ثم تحاملت عليه فغططته حتى انتهى إلى عانته، فصاح وصاحت امرأته: يا آل قريظة والنضير مرتين)). وفي رواية عروة عند ابن عائذ: ((وضربه محمد بن مسلمة فقتله، وأصاب ذباب السيف الحارث بن أوس، وأقبلوا حتى إذا كانوا بجرف بعاث تخلف الحارث ونزف، فلما افتقده أصحابه رجعوا فاحتملوه، ثم أقبلوا سراعاً حتى دخلوا المدينة)) وفي رواية الواقدي: أن النبيّ وَّر تفل على جرح الحارث بن أوس فلم يؤذه. وفي رواية ابن سعد: ((فلما بلغوا بقيع الغرقد كبروا، وقد قام رسول الله وَل و تلك الليلة يصلي، فلما سمع تكبيرهم كبّر وعرف أن قد قتلوه، ثم انتهوا إليه فقال: أفلحت الوجوه، فقالوا: ووجهك يا رسول الله! ورموا رأسه بين يديه، فحمد الله على قتله)). وفي مرسل عكرمة: ((فأصبحت يهود مذعورين، فأتوا النبيّ وَّر فقالوا: قتل سيدنا غيلة، فذكرهم النبيّ بَلّ صنيعه وما كان يحرض عليه ويؤذي المسلمين)) وزاد ابن سعد: ((فخافوا فلم ينطقوا)). وراجع فتح الباري (٧: ٣٤٠) . (٤٣) - باب: غزوة خيبر ١٢٠ - (١٣٦٥) - قوله: (عن أنس) هذا الحديث أخرجه البخاري في الصلاة، باب ما ١٨٠ الجزء الثالث من كتاب تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم غَزَا خَيْبَرَ. قَالَ: فَصَلَّيْنَا عِنْدَهَا صَلاَةَ الْغَدَاةِ بِغَلَسٍ. فَرَكِبَ نَبِيُّ اللّهِ وَلِهِ. وَرَكِبَ أَبُو طَلْحَةً وَأَنَا رَدِيفُ أَبِي طَلْحَةَ. فَأَجْرَىْ نَبِيُّ اللّهِ ◌ِ له يذكر في الفخذ، (رقم: ٣٧١)، وفي الأذان، باب ما يحقن بالأذان من الدماء، (رقم: ٦١٠)، وفي صلاة الخوف، باب التبكير والغلس بالصبح، (رقم: ٩٤٧)، وفي البيوع، باب بيع العبد والحيوان بالحيوان نسيئة، رقم ٢٢٢٨، وفي الجهاد، باب فضل الخدمة في الغزو، (رقم: ٢٨٨٩)، وباب من غزا بصبي للخدمة، (رقم: ٢٨٩٣)، وباب دعاء النبيّ وَّر الناس إلى الإسلام والنبوة، (رقم: ٢٩٤٣ و٢٩٤٤، و٢٩٤٥)، وباب التكبير عند الحرب، (٢٩٩١)، وباب ما يقول إذا رجع من الغزو، (رقم: ٣٠٨٥ و٣٠٨٦)، وفي الأنبياء، باب يزفّون، (٣٣٦٧)، وفي المناقب، باب سؤال المشركين أن يريهم النبيّ وَ ﴿ آية، فأراهم انشقاق القمر، (رقم: ٢٦٤٧)، وفي المغازي، باب أحد جبل يحبنا ونحبه، (رقم: ٤٠٨٣ و ٤٠٨٤)، وباب غزوة خيبر، (رقم: ٤١٩٧ إلى ٤٢٠١، و٤٢١١ إلى ٤٢١٣)، وفي النكاح، باب اتخاذ السراري، ومن أعتق جارية ثم تزوجها، (رقم: ٥٠٨٥)، وباب البناء في السفر، (رقم: ١٥٥٩)، وباب الوليمة ولو بشاة، (رقم: ٥١٦٩) وفي الأطعمة، باب الخبز المرقق والأكل على الخوان والسّفرة، (رقم: ٥٣٨٧)، وباب الحيس، (رقم: ٥٤٢٥)، وفي الذبائح والصيد، باب لحوم الحمر الإنسية، (رقم: ٥٥٢٨)، وفي اللباس، باب إرداف المرأة خلف الرجل ذا محرم، (رقم: ٥٩٦٨)، وفي الأدب، باب قول الرجل: جعلني الله فداك، (رقم: ٦١٨٥)، وفي الدعوات، باب التعوذ من غلبة الرجال، (رقم: ٦٣٦٣)، وباب الاستعاذة من الجبن والكسل، (رقم: ٦٣٦٩)، وفي الاعتصام، باب ما ذكر النبيّ وَّر وحضّ على اتفاق أهل العلم، (رقم: ٧٣٣٣). وأخرجه النسائي في النكاح، باب البناء في السّفر، (رقم: ٣٣٨٢)، وأخرج ابن ماجه قطعة منه في النكاح، باب الرجل يعتق أمته ثم يتزوجها، (رقم: ١٩٦٥)، وفي باب الوليمة، (رقم: ١٩١٦). وأخرجه أبو داود في الخراج والفيء، باب ما جاء في سهم الصفي، (رقم: ٢٩٩٥ و ٢٩٩٦ و ٢٩٩٧). قوله: (غزا خيبر) و ((خيبر)) بلغة اليهود حصن، وقيل: أول ما سكن فيها رجل من بني إسرائيل يسمى خيبر، فسميت به، وهي في جهة الشمال والشرق من المدينة المنورة على ستة مراحل، وكانت لها نخيل كثير، وكانت في صدر الإسلام داراً لبني قريظة والنضير. وكانت غزوة خيبر في جمادى الأولى سنة سبع من الهجرة. كذا في عمدة القاري (٢: ٢٤٧). قوله: (صلاة الغداة بغلس) لمصلحة السفر والجهاد. وفيه جواز إطلاق ((صلاة الغداة)) على صلاة الصبح، خلافاً لمن كرهه. قوله: (فأجری) یعني مرکوبه.